← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سورة لقمان ١٣٤ - قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام)، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

стр. 737

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال ابن العربي بعد ذكر هذا الحديث وغيره: (هذه الأحاديث التي أوردناها لا يصح منها شيء بحال لعدم ثقة ناقليها إلى من ذكر من الأعيان فيها) اهـ. قال ابن كثير: (علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء والله أعلم). والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً لنزول الآية ليس بسبب إسناده فحسب، بل هو أيضاً ليس صريحاً في النزول لقوله: (في مثل هذا أُنزلت). * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لضعف سنده، ولأنه ليس صريحًا في النزول والله أعلم. * * * * *

стр. 738

١٣ ٥ - قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله ﷺ : أيُّنا لم يظلم؟ فأنزل الله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عنه بلفظ: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول اللَّه، أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ولفظ مسلم: (فقال رسول اللَّه ﷺ ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث

стр. 739

لكن منهم من ذكر التصريح بالنزول كابن عطية والقرطبي. ومنهم من لم يذكر ذلك كابن كثير وابن عاشور. وقال ابن حجر لما ذكر التصريح بالنزول: (واقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب. ففي رواية جرير عنه (فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان). وفي رواية وكيع عنه: (فقال: ليس كما تظنون). وفي رواية عيسى بن يونس: (إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان) وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومةً عندهم، ولذلك ينبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً للنزول وأن التصريح بالنزول لا يصح لما يلي: ١ - أن أكثر الروايات خلت من التصريح بالنزول، ليس هذا فقط بل صرحت بخلافه: (ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه) وهذا يدل على أن هذا معلوم عندهم. ٢ - أن آية لقمان في سياق النصيحة، ومثل هذا لا يناسب السببية، إذ لو كانت الآية نزلت جواباً لاستشكال الصحابة كما قال الله فيها: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) إذ لا فائدة من ذلك. ٣ - أن احتمال نزول آية لقمان بعد سؤالهم. وقبل جواب النبي ﷺ لهم بعيد عادةً. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لعدم الدليل على ذلك، مع إعراض جمهور المفسرين عن ذكره والله أعلم.

стр. 740

١٣٦ - قال اللَّه تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكلَ ولا تشربَ قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يُقال له عُمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل اللَّه في القرآن هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)، (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) وفيها (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). ولفظ أحمد: فأنزلت: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) وقرأ حتى بلغ: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين حديث سعد هذا عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه) اهـ ثم قال: ذكر الرواية الواردة في ذلك.

стр. 741

وقال البغوي: (وقيل: نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة) اهـ. وقال ابن عطية: (ففي هذه القصة نزلت الآيات قاله سعد بن أبي وقاص والجماعة من المفسرين) اهـ. وقال القرطبي: (والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص كما تقدم في (العنكبوت) وعليه جماعة المفسرين) اهـ. وقال ابن عاشور: (وعلى كلا الاعتبارين - يعني أكانت الوصية بالوالدين من الله أو من حكمة لقمان لا يحسن ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن هذه الآية نزلت في قضية إسلام سعد بن أبي وقاص وامتعاض أمه، لعدم مناسبته السياق ولأنه قد تقدم أن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك، وأنها المناسبة لسبب النزول، فإنها أُخلِيت عن الأوصاف التي فيها ترقيق على الأم بخلاف هذه، ولا وجه لنزول آيتين في غرض واحد ووقت مختلف) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن ما ذكره ابن عاشور هو الصحيح، وأن الآيتين في سورة لقمان لا صلة لهما بقضية سعد، ومن الغريب حقاً أن يذكر بعض المفسرين النزول في الموضعين إذ لا فائدة من ذلك، ولعل إضافة آية لقمان للحديث جاءت من باب أن موضوع الآيتين واحد، ومن هنا أدرجها بعض الرواة في الحديث. وقد أشار ابن عاشور هنا إلى علة لطيفة وهي أن آية العنكبوت ليس فيها ترقيق على الأم بخلاف هذه. وهذا صحيح فإن الله لو رقق قلبه على أمه بتعداد أفضالها لربما تعسر عليه مخالفتها، لكن الله أمره بالإحسان عموماً، ونهاه عن الشرك. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآيتين هنا لعدم المناسبة بين سياقه وسياقها والله أعلم. * * * * *

стр. 742

سورة الأحزاب

стр. 743

سورة الأحزاب ١٣٧ - قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵁ أنه قيل له: أرأيت قول اللَّه : (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ما عنى بذلك؟ قال: قام نبي الله ﷺ يوماً يصلي، قال: فخطر خطرةً فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قال: قلباً معكم، وقلبًا معهم؟ فأنزل اللَّه : (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين

стр. 744

هذا الحديث بنصه كالطبري وابن العربي وابن كثير. وذكر بعضهم الحديث بمعناه كابن عطية والقرطبي. قال ابن عطية: (قال ابن عبَّاسٍ سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمداً له قلبان؛ لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعةً ثم عاد إلى شأنه فقالوا ذلك عنه فنفاه اللَّه تعالى عنه) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبب نزول الآية لأمرين: الأول: أن الحديث ضعيف فلا ينهض للاحتجاج به على السببية. الثاني: أن سياقه فيه غرابة لأن قوله: (فخطر خطرة) معناه الوسوسة فكيف علم المنافقون، الوسوسة مع أن مكانها الصدر لقوله تعالى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ). ثم قوله في الحديث: (قلباً معكم وقلباً معهم) هذا مشكل لأن النبي ﷺ جُعلت الصلاة قرة عينه وهو أتقى الخلق وأخشاهم للَّه فكيف يقال: (قلباً معكم)؛ لأن الحديث عن النبي ﷺ حال الصلاة. ثم قوله: (وقلباً معهم) من هم هؤلاء؟ فإن قيل: ما سبب نزولها إذن؟ فالجواب: قال ابن عطية: (ويظهر من الآية أنها بجملتها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك، وإعلام بحقيقة الأمر فمنها أن بعض العرب كانت تقول إن الإنسان له قلبان قلب يأمره وقلب ينهاه وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك. وذكر كلامًا إلى أن قال: وكانت العرب تعتقد الزوجة إذا ظوهر منها بمنزلة الأم وتراه طلاقاً وكانت تعتقد الدعي المتبنى ابناً فأعلمَ الله تعالى أنه لا أحد بقلبين) اهـ.

стр. 745

وبناءً عليه فليس للآية سبب معين يعول عليه بل نزلت ابتداءً لهدم بعض المعتقدات الباطلة والله أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف سنده وغرابة سياقه وأن الآية قد نزلت ابتداءً لإبطال ما كان يعتقده بعض الكافرين من أمر الجاهلية. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 746

١٣٨ - قال اللَّه تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي، والترمذي، والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ أن أبا حذيفة، وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله ﷺ تبنى سالماً وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) فجاءت سهلةُ النبيَّ ﷺ فذكرت الحديث. ولفظ الدارمي: فأنزل الله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ). ٢ - وأخرج مسلم وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن:

стр. 747

(ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين أحد هذين الحديثين بلفظه كالبغوي وابن العربي والقرطبي. وبعضهم ذكره بمعناه كالطبري وابن عطية وابن كثير. قال النووي: (قال العلماء كان النبي ﷺ قد تبنى زيداً ودعاه ابنه، وكانت العرب تفعل ذلك يتبني الرجل مولاه أو غيره فيكون ابناً له يوارثه وينتسب إليه حتى نزلت الآية فرجع كل إنسان إلى نسبه) اهـ. وقال ابن حجر عن حديث عائشة: (أن أبا حذيفة تبنى سالماً أي ادعى أنه ابنه وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) فإنها لما نزلت صار يدعى مولى أبي حذيفة) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحديثين المذكورين ليسا سبباً لنزول الآية الكريمة للأسباب التالية: ١ - أن المصطلح عليه عند العلماء في أسباب النزول أن تقع حادثة أو سؤال فتأتي الآية مجيبة عن السؤال ومعالجةً للحادثة، وهو ما لم يحدث معنا هنا؛ لأن التبني كان قديمًا في العرب، والنبي ﷺ قد تبنى زيدًا قبل الهجرة بزمن، ولم تنزل آية الأحزاب إلا في المدينة لأن سورة الأحزاب مدنية

стр. 748

بالاتفاق، وإذا كان الأمر كذلك، فليس التبني سببًا للنزول لطول الزمن، وبعد الأمد. ٢ - سياق الحديث لا يشير إلى السببية لقوله: (حتى أنزل الله) والمعنى أن التبني قد استمر حتى الغاية التي أنزل الله فيها إبطاله، بخلاف قولهم: فأنزل الله فإن فاء التعقيب تدل على تعقب النزول للحدث. ٣ - أن العلماء في كلامهم لا يشيرون إلى السببية، وربما كان هذا لأنهم لا يرون للآية سبباً. وبناءً على ما تقدم فإن الآية نزلت ابتدءًا لعلاج بعض الأمور الجاهلية التي كانت منتشرة بين العرب ومنها التبني، كما نفت من قبل أن يكون للرجل قلبان أو التسوية بين الأم والزوجة عند المظاهرة منها. واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الآية لم تنزل على السبب المذكور لعدم الدليل على ذلك واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 749

١٣٩ - قال اللَّه تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ أن أنس بن النضر تغيب عن قتال بدر، فقال: تغيبتُ عن أول مشهد شهده النبي ﷺ لئن رأيت قتالاً ليريَن اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انهزم أصحاب النبي ﷺ أقبل أنس، فرأى سعد بن معاذ منهزمًا، فقال: يا أبا عمرو، أين؟ أين؟ قم، فوالذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة دون أُحد فحمل حتى قتل. فقال سعد بن معاذ: فوالذي نفسي بيده ما استطعت ما استطاع. فقالت أُخته: فما عرفتُ أخي إلا ببنانه ولقد كانت فيه بضع وثمانون ضربة، من بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنةٍ برمح، فأنزل اللَّه فيه: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) إلى قوله: (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر ذلك جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 750

قال الطبري: (وقيل إن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله أن يفوا قتالاً للمشركين مع رسول الله ﷺ فمنهم من أوفى فقضى نحبه ومنهم من بدل، ومنهم من أوفى ولم يقض نحبه وكان منتظراً على ما وصفهم الله به من صفاتهم في هذه الآية) اهـ. وقال ابن عطية: (فممن سمى المفسرون أنه أشير إليه بذلك أنس بن النضر عم أنس بن مالك وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك ... ثم ذكر الحديث) اهـ. وقال ابن عاشور: (فإن كانت هذه الآية نزلت مع بقية آي السورة بعد غزوة الخندق فهي تذكير بما حصل من المؤمنين من قبل، وإن كانت نزلت يوم أحد فموضعها في هذه السورة إنما هو بتوقيف من النبي ﷺ فهو تنبيه على المعنى الذي ذكرناه على تقدير: أنها نزلت مع سورة الأحزاب. وأيّاً ما كان وقت نزول الآية فإن المراد منها رجال من المؤمنين ثبتوا في وجه العدو يوم أحد وهم عثمان بن عفان وأنس بن النضر وطلحة بن عبيد اللَّه وحمزة وسعيد بن زيد ومصعب بن عمير، فأما أنس بن النضر وحمزة ومصعب بن عمير فقد استشهدوا يوم أحد وأما طلحة فقد قطعت يده يومئذٍ وهو يدافع عن رسول الله ﷺ وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الآية نزلت بعد أحد وليس بعد الخندق لأنه إن كان المراد بها الذين استشهدوا وأبلوا بلاءً حسناً في أحد كما هو الواقع فلماذا يتأخر الثناء عليهم إلى ما بعد الخندق؟ هذا بعيد. وبناءً على ما تقدم فإن الراجح من قول ابن عاشور أنها نزلت يوم أحد ووضعت هنا بتوقيف من رسول اللَّه ﷺ . وإذا عدنا إلى سبب النزول خصوصًا إلى قول أنس بن النضر (لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع). وجدنا هذا مطابقاً تماماً لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ... ) الآية. ولا يعكر على هذا ما في لفظ البخاري: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه. فقد ذكر ابن حجر أن التردد فيه من حميد وأن الجزم

стр. 751

وقع في رواية ثابت عند مسلم وأحمد. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة، لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 752

١٤٠ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد والبخاري عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوساً ببابه. لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأُذن لأبي بكر فدخل. ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي ﷺ جالساً، حوله نساؤه واجماً ساكتاً. قال: فقال: لأقولن شيئاً أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله ﷺ وقال: (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة). فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأُ عنقها. كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده ثم اعتزلهن شهراً أو تسعًا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) حتى بلغ (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) قال: فبدأ بعائشة، فقال: (يا عائشة إني أُريد أن أعرض عليك أمراً أُحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك) قالت: وما هو يا رسول اللَّه؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبويَّ؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن اللَّه لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلمًا ميسراً).

стр. 753

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد هذا جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول اللَّه ﷺ من أجل أن عائشة سألت رسول اللَّه ﷺ شيئاً من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة، أو غير ذلك فاعتزل رسول الله ﷺ نساءه شهراً فيما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر عليه، والرضا بما قُسم لهن، والعمل بطاعة اللَّه، وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن) اهـ. وقال ابن العربي لما ذكر بعض الأسباب: (والصحيح ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاء أبو بكر ... ثم ساق الحديث) اهـ. قال ابن كثير: (هذا أمر من اللَّه ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ولهن عند اللَّه تعالى في ذلك الثواب الجزيل فاخترن ﵁ وأرضاهن - اللَّه ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة) اهـ. وقال السعدي: الما اجتمع نساء رسول الله ﷺ في الغيرة وطلبن منه أمراً لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات وفي مرادهن متعنتات شق ذلك على الرسول حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهراً، فأراد اللَّه أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته ويذهب عنهن كل أمر ينقص أجرهن فأمر رسوله أن يخيرهن فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا).

стр. 754

* النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة حديث جابر هذا، لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن وتعويل المفسرين عليه والله أعلم. * * * * *

стр. 755

١٤١ - قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإِنَّمَا لنا نصف الميراث فأنزل الله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)، قال مجاهد: وأنزل فيها (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. ٢ - وأخرج الترمذي عن أم عُمارةَ الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أَرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).

стр. 756

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذين الحديثين لكن منهم من ذكرهما جميعًا كالبغوي وابن عاشور. ومنهم من ذكر حديث أم سلمة كالطبري وابن عطية وابن كثير. ومنهم من ذكر حديث أم عمارة كالقرطبي. قال السعدي: (لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول ﷺ وعقابهن لو قُدِّر عدم الامتثال وأنه ليس مثلهن أحد من النساء ذكر بقية النساء غيرهن ولما كان حكمهن وحكم الرجال واحدًا جعل الحكم مشتركًا فقال: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) اهـ. وقال ابن عاشور: (فالمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة النساء وأما ذكر الرجال فللإشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء ليعلموا أن الشريعة لا تختص بالرجال لا كما كان معظم شريعة التوراة خاصًا بالرجال إلا الأحكام. التي لا تتصور في غير النساء، فشريعة الإسلام بعكس ذلك الأصل في شرائعها أن تعم الرجال والنساء إلا ما نُص على تخصيصه بأحد الصنفين، ولعل بهذه الآية وأمثالها تقرر أصل التسوية فأغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن والسنة، ولعل هذا هو وجه تعداد الصفات المذكورة في هذه الآية لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفة واحدة) اهـ.

стр. 757

* النتيجة: أن الحديث المذكور وإن كان لا يخلو من مقال في إسناده إلا أنه يعتضد بأقوال المفسرين، وسياق القرآن، مع بعض الشواهد الحديثية كحديث أم سلمة وابن عبَّاسٍ ﵄ مما يجعل القول بأنه سبب نزولها ممكناً واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 758

١٤٢ - قال الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي والبخاري وأحمد، والترمذي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء زيد يشكو امرأته إلى النبي ﷺ فأمره أن يمسكها فأنزل الله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد ذكر هذا جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي وابن عاشور. قال ابن العربي: (وإِنَّمَا كان الحديث أنها لما استقرت عند زيد جاءه جبريل: أن زينب زوجك ولم يكن بأسرع أن جاءه زيد يتبرأ منها فقال له:

стр. 759

اتق اللَّه وأمسك عليك زوجك فأبى زيد إلا الفراق وطلقها وانقضت عدتها وخطبها رسول الله ﷺ على يدي مولاه زوجها وأنزل اللَّه القرآن المذكور فيه خبرهما) اهـ. وقال السعدي: (وكان سبب نزول هذه الآيات أن اللَّه تعالى أراد أن يشرع شرعاً عاماً للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة من جميع الوجوه وأن أزواجهم لا جناح على من تبناهم في نكاحهن، وكان هذا من الأمور المعتادة التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير فأراد الله أن يكون هذا الشرع قولاً من رسوله وفعلاً وإذا أراد اللَّه أمراً جعل له سبباً وكانت زينب تحت زيد فقدر اللَّه أن يكون بينها وبين زيد ما اقتضى أن جاء زيد يستأذن النبي ﷺ في فراقها قال اللَّه: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) اهـ بتصرف. قال الشنقيطي بعد ذكر أقوال العلماء: (التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة هو ما ذكرنا أن القرآن دلَّ عليه، وهو أن الله أعلم نبيه ﷺ بأن زيدًا يطلق زينب وأنه يزوجها إياه ﷺ وهي في ذلك الوقت تحت زيد فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: (أمسك عليك زوجك واتق الله) فعاتبه اللَّه على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ﷺ ) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: (لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه. * * * * *

стр. 760

١٤٣ - قال اللَّه تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)، بالعتق فأعتقته (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) - إلى قوله - (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) وإن رسول الله ﷺ لما تزوجها قالوا: تزوج حليلةَ ابنه، فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وكان رسول اللَّه ﷺ تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد فأنزل الله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)، فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان (هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)، يعني أعدل.

стр. 761

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد اختلفت عبارات المفسرين وتباينت بين التفسير والنزول. فالبغوي والقرطبي قد ذكرا سبب النزول. قال البغوي: (ثم إن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب قال الناس: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)

стр. 762

يعني زيد بن حارثة، أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها) اهـ. وقال القرطبي: (لما تزوج زينب قال الناس تزوج امرأة ابنه فنزلت الآية، أي: ليس هو بابنه حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم وأن نساءه عليهم حرام. فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم وأعلم أن محمداً لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة) اهـ. وأما الطبري وابن عطية فكلامهما محتمل للنزول والتفسير معاً. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده محمد فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها ولكنه رسول الله وخاتم النبيين) اهـ محل الشاهد. ثم ساق بعض الآثار التي تدل على نزولها في زيد. وقال ابن عطية: (أذهب الله تعالى في هذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم من نقد تزويج رسول الله ﷺ زينب زوجة دعيه زيد بن حارثة لأنهم كانوا استعظموا أن تزوج زوجة ابنه فنفى القرآن تلك البنوة) اهـ. وأما ابن كثير والسعدي فحديثهما عن الآية حديث تفسير. قال ابن كثير: (نهى أن يقال بعد هذا زيد بن محمد أي لم يكن أباه وإن كان قد تبناه) اهـ. وقال السعدي: (ما كان الرسول محمد ﷺ أبا أحد من رجالكم أيها الأمة، فقطع انتساب زيد بن حارثة منه من هذا الباب) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن الأمر مشكل لأني إن نظرت في إسناد الحديث الذي معنا وجدت فيه راوياً متروكاً مع انقطاع في سنده وهذا يعني أن وجود الحديث كعدمه وإن نظرت إلى قولي ابن كثير والسعدي وجدت قولاً حسناً جميلاً ولكن قد يعكر عليه أن الله قَطَعَ انتساب زيد للنبي ﷺ قبل ذلك

стр. 763

بقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فما الفائدة من قطع النسب هنا مرة أخرى بقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)؟ فالجواب: يمكن أن يقال إن قوله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) الغرض منها قطع التبني المشهور بين الناس. ولما ذكر نكاحِ زيد إياها وتزويجها برسول الله ﷺ في قوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) أشكل هذا على بعض الناس باعتبار أن التبني وإن أبطله الله إلا أن زيداً كان ابنه في السابق فكيف تزوج امرأته؟ فبين اللَّه أن رسول الله ﷺ لم يكن أبا أحد قط من رجالكم لا في السابق ولا في الحاضر سواءً أكان زيداً أم غيره. بقوله: (مَا كَانَ) وحينئذٍ يكون الغرض من النفي هنا دفع الإشكال الناتج عن تزوجه بزينب امرأة مولاه، وبهذا يظهر الفرق بين الآيتين. لكن يبقى النظر هل قال أحد: تزوج حليلة ابنه؟ الظاهر - والله أعلم - أن هذا إما أن يكون وقع. أو كان النبي ﷺ يخشاه؛ لأن عدداً من مقاطع الآيات تشير إلى هذا مثل قوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) وقوله: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ)، وقوله: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) وهذه المقاطع كلها في آية التزوج وما بعدها مما يدل عل أن الخشية من الناس كانت بسببها. * النتيجة: أن الحديث المذكور لا يصح أن يكون سبباً لنزولها لما فيه من الضعف الشديد، لكن سياق الآيات، وأقوال المفسرين يدل على أن لهذا الكلام أصلاً واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 764

١٤٤ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول اللَّه ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل اللَّه تعالى (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) قالت: فلم أكن أَحلُّ له لأني لم أُهاجر كنت من الطلقاء. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر هذا الحديث جمهور

стр. 765

المفسرين عند تفسيرها كالبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال البغوي: (اللاتي هاجرن معك إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن معه لم يجز له نكاحها) اهـ. ثم ساق الحديث الذي معنا. وقال ابن العربي بعد سياق الحديث: (وهو ضعيف جدًا ولم يأتِ. هذا الحديث من طريق صحيح يحتج في مواضعه بها) اهـ. وقال في موضع آخر: (ولهذا المعنى نزلت الآية في أم هانئ بأنها لم تكن هاجرت، فمنع منها لنقصها بالهجرة) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لما يلي: ١ - أن إسناد الحديث ضعيف جداً لا يصح الاحتجاج به على نزول الآية بسبب القصة. ٢ - أن الحديث تناول قضية نكاح أم هانئ فقط بينما الآية تناولت إحلال أزواجه اللاتي آتاهن أجورهن، وما ملكت يمينه، وقريباته المهاجرات، والواهبات من البعيد حصر نزولها بسبب واحد، مع كثرة الأحكام التي تضمنتها. ٣ - أن الآية - والحال ما ذُكر - لم تعالج القضية في الماضي لأنها انتهت باعتذارها، وعذره إياها. ولم تعالجها في المستقبل لأن النبي ﷺ لم يتزوج بعد فتح مكة. وبناءً على ما تقدم فالظاهر - واللَّه أعلم - أن الآية نزلت ابتداءً لبيان أحوال النبي ﷺ في النكاح ما الذي يحل ويحرم، وما الذي يخصه ويعم غيره.

стр. 766

ولعل مما يؤكد هذا أنه يبعد خفاء هذا على رسول الله ﷺ مع حاجته إليه، حتى فتح مكة، نعم قد يتأخر نزول الآية، لكن العلم حاصل قبل نزولها واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لضعف سنده وعدم التوافق بين القضية ونزول الآية واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 767

١٤٥ - قال الله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) قلت: ما أُرى ربك إلا يسارع في هواك. ولفظ أحمد والنَّسَائِي: فأنزل الله : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ).

стр. 768

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية، وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية الكريمة، وكلام أكثر المفسرين يدور حول معنى الآية وليس على سبب نزولها. قال القرطبي: (واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبي ﷺ في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته) اهـ. وقال ابن كثير: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) أي من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القسم لهن فتقدم من شئت وتؤخر من شئت وتجامع من شئت وتترك من شئت هكذا يروى عن ابن عبَّاسٍ ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ واحتجوا بهذه الآية الكريمة، ثم ذكر حديث البخاري عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أُنزلت هذه الآية: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) فقالت لها معاذة، ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك

стр. 769

إليَّ فإني لا أُريد يا رسول اللَّه أن أُوثر عليك أحداً. فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات. ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي وفيه جمع بين الأحاديث) اهـ. وقال السعدي: (وقال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات له أن يرجي من يشاء ويؤوي من يشاء. أي إن شاء قبل من وهبت نفسها له وإن شاء لم يقبلها) اهـ. وبهذا يتبين أن أكثر المفسرين يدورون على معنى الآية والمراد منها دون سبب نزولها ومع هذا فإنه لا يوجد قضية معينة نزلت الآية معالجةً لها وتكون سبب نزولها. وإذا أضفتَ إلى هذين أمراً ثالثًا إسنادياً وهو أن التصريح بالنزول غير محفوظ تحققت حينئذٍ أن الآية لم تنزل على سبب، بل نزلت مقررةً ما لرسول اللَّه ﷺ من الخصائص في النكاح واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا ليس سبب نزول الآية، حيث لم يثبت التصريح بالنزول، ولم يوجد حدث يستدعي النزول، مع إعراض أكثر المفسرين عن ذكر السببية، والله أعلم. * * * * *

стр. 770

١٤٦ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري، وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا الناس طعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة، وإن النبي ﷺ جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، قال: فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) - إلى قوله - (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). ٢ - أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن أنس ﵁ قال: قال عمر:

стр. 771

وافقت اللَّه في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت امهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللَّه آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن اللَّه رسوله خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ). ٣ - أخرج البخاري وأحمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلاً إلى ليلٍ قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل اللَّه آية الحجاب. وفي لفظ للبخاري ومسلم عنها ﵂ قالت: فأوحى اللَّه إليه ثم رفع عنه وإن العَرْق في يده ما وضعه، فقال: (إنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).

стр. 772

٤ - أخرج البخاري والنَّسَائِي عن أنس ﵁ قال: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذٍ خبزاً ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء. ٥ - أخرج النَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حيساً في قعب فمر عمر، فدعاه فأكل فأصابت أصُبعه أُصبعي فقال: حسِّ أو (أوه) لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين فنزل الحجاب.

стр. 773

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها على اختلاف بينهم. فأما الطبري فقد ساق الأحاديث ولم يتعقبها بشيء لكنه بدأ بذكر حديث أنس في قصة زينب بنت جحش ﵂. وأما الباقون كالبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور فقد ذكروا أنها في قصة زينب بنت جحش ﵂. قال الطبري: (واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله ﷺ في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول اللَّه ﷺ وبرسول اللَّه ﷺ إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله) اهـ. وقال البغوي: (قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول اللَّه ﷺ ) اهـ. وقال أبو بكر بن العربي لما ذكر ستة أسباب لنزول الآية: (هذه الروايات ضعيفة إلا الأولى - يعني بها قصة زينب - والسادسة - يعني بها حديث أنس عن عمر في موافقته للَّه) اهـ. وهذا منه يقتضي أنه يضعِّف حديث عائشة في قصة سودة مع عمر ﵁. وقال ابن عطية: (فالجمهور من المفسرين على أن سببها أن رسول اللَّه ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها) اهـ. وقال ابن كثير: (وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش التي تولى اللَّه تعالى تزويجها بنفسه وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما). وقال عن حديث عائشة في قصة سودة مع عمر ﵁ والذي وضع له رقم (٣): (هكذا وقع في هذه الرواية والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، ثم ساق حديث عائشة ﵂ وفيه: قالت: خرجت سودة بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمةً لا تخفى على من يعرفها ...

стр. 774

فذكرت الحديث وفيه: قالت: فأوحى الله إليه ثم رُفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: (إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن)) اهـ. وقال ابن عاشور: (لما بيَّن الله في الآيات السابقة آداب النبي ﷺ مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية ثم ذكر حديث أنس في قصة زينب). ثم جمع بين حديث أنس في قصة زينب، وحديث أنس في قصة عمر: (وافقت الله في ثلاث) فقال: (وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها) اهـ. وبعد ذكر أقوال المفسرين في سبب النزول سأذكر الراجح من هذه الأقوال مستعيناً باللَّه فأقول: أما حديث عائشة ﵂ في قصة أكلها مع عمر، وإصابة أصبعه أُصبعها فلا يصح سبباً للنزول لضعف سنده، وغرابة متنه. وأما حديث أنس ﵁ في قصة زينب بنت جحش ﵂ فلا ريب أنه سبب نزولها لأن سياق القرآن يطابق الحديث تماماً. وأما حديث أنس عن عمر ﵁ (وافقت ربي في ثلاث وفيه: قلت: يا رسول اللَّه يدخل عليك البر والفاجر فلو أَمرت أُمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب) فهذا لا يعارض حديث أنس؛ لأن عمر يشير على رسول اللَّه ﷺ بما يرى، لكن النزول كان في قصة زينب، والأمر كما قال ابن عاشور: (جائز أن يكون قول عمر قبل البناء بزينب بقليل فنزلت الآية بإثرها). وأقول: جائز أن يكون قوله قبل البناء بكثير لكنَّ حكمة أحكم الحاكمين اقتضت أن يتأخر نزول الحجاب إلى قصة زينب. وأما حديث عائشة - في قصة عمر مع سودة وقولها: فأنزل اللَّه آية الحجاب. فمعارض بأمور: الأول: أن لفظ البخاري ومسلم عنها ﵂ بدون نزول آية الحجاب بل اقتصر على الإذن لهن بالخروج عند الحاجة، وما رواه الشيخان مقدم على ما انفرد به أحدهما.

стр. 775

الثاني: أن حديث أنس نصٌّ في أن الآية نزلت في وليمة زينب، وليست في الإذن لسودة ﵂. الثالث: أن ابن كثير ذكر أن المشهور في قصة سودة أنها كانت بعد نزول الحجاب: وهذا مروي في البخاري، وحينئذٍ كيف تكون القصة سبب نزول الآية ولم تقع إلا بعدها؟ الرابع: أن حديث عائشة في قصة سودة ﵂ غير محفوظ ففي لفظ: فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، وفي لفظ: خرجت سودةُ بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها. وهذا اختلاف ظاهر يمتنع الاحتجاج به. * النتيجة: أن سبب نزول الآية المذكورة حديث أنس في قصة زينب ﵂ ووليمتها لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته سياق القرآن، واحتجاج المفسرين به، وخلوه من معارض راجح والله أعلم. * * * * *
следующие страницы →