Полный текст (1 008 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
* تنبيه:
قد تقدم عند دراسة السبب رقم (١٥٧) أن السورة نزلت بكمالها، وفي السبب رقم (١٥٨، ١٥٩) نزول بعض المقاطع، وليس بينهما تعارض فالأمر لا يخلو من حالين:
الأولى: أن تكون السورة بكمالها نزلت بعد قوله ﵊ إلى المدينة، وهذا لا يمنع السببية، فقد تأخر نزول براءة أم المؤمنين شهرًا، ومع هذا لم يمنع السببية، فكيف إذا كان التأخر لا يُجاوز أياماً؟
الثانية: أن هذين المقطعين نزلا في وقت الحادثتين، ثم ضم رسول الله ﷺ المقاطع إلى بعضها، فظن بعض الصحابة أنها الآن نزلت بكمالها. وأيًّا كان الأمر فهذا لا يمنع السببية. واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 842
سورة الحجرات
стр. 843
سورة الحجرات
١ ٦٠ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي ﷺ وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أَردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى قوله: (عَظِيمٌ).
قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعدُ - ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني - أبا بكر - إذا حدث النبي ﷺ بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه.
стр. 844
وفي لفظ للبخاري: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا) حتى انقضت.
ولفظ النَّسَائِي أن الآية نزلت إلى قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور.
قال ابن كثير: (وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي - ى - فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄) اهـ.
وقال الشنقيطي: (سبب نزول هذه الآية الكريمة أنه لما قدم على النبي ﷺ وفد بني تميم ... فذكر الحديث بتمامه. ثم قال:
وهذه الآية الكريمة عَلَّمَ الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي ﷺ ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض) اهـ. محل الشاهد.
قال ابن عاشور: (وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة وفد بني تميم بسنده إلى ابن الزبير ... فذكر الحديث) اهـ.
стр. 845
وهذا القدر الذي ذكره المفسرون في قصة الشيخين يوافق سياق القرآن من أول السورة إلى قوله: (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
أما لفظ النَّسَائِي أنها نزلت إلى قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) فهذا لا صلة له بقصة الشيخين ﵁ وإنما صلته بالذين ينادون رسول اللَّه ﷺ من وراء الحجرات كما ذكر ذلك المفسرون؛ لأن الله وصفهم بأنهم لا يعقلون وهذا لا يناسب حال الشيخين ﵄.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا هو سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده وصراحة لفظه، وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 846
١٦١ - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النبي ﷺ (ذاك الله .
стр. 847
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين الحديث بنصه كالطبري والقرطبي وابن كثير.
وبعضهم ذكر أحاديث مشابهة كالبغوي وابن عطية وابن عاشور.
قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في قوم من الأعراب جاؤوا ينادون رسول الله ﷺ من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا) اهـ.
قال ابن كثير: (وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي ﵁ فيما أورده غير واحد) اهـ.
قال ابن عطية: (نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم وذلك أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي ﷺ وهي تسعة فنادوا بجملتهم ولم ينتظروا: يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير) اهـ.
وقال ابن عاشور: (والمراد بالذين ينادون النبي ﷺ من وراء الحجرات جماعة من وفد بني تميم جاؤوا المدينة في سنة تسع وهي سنة الوفود وكانوا سبعين رجلاً أو أكثر) اهـ.
قال السعدي: (نزلت هذه الآيات الكريمة في ناس من الأعراب الذين وصفهم اللَّه بالجفاء، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، قدموا وافدين على رسول الله ﷺ فوجدوه في بيته وحجرات نسائه فلم يصبروا ويتأدبوا حتى يخرج بل نادوه: يا محمد يا محمد. أي اخرج إلينا،
стр. 848
فذمهم الله بعدم العقل حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله واحترامه) اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا وإن كان إسناده لا يخلو من مقال فإن سياق القرآن، وإجماع المفسرين يعضد القول بأنه سبب نزول الآيتين الكريمتين واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 849
١ ٦ ٢ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد عن عيسى ابن دينار قال: حدثنا أبي أنه سمع الحارث بن أبي ضرارٍ الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررتُ به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول اللَّه أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعتُ زكاته فيُرسل إليَّ رسول الله ﷺ رسولاً لإبّان كذا وكذا ليأتيك ما جمعتُ من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول اللَّه ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من اللَّه ﷺ ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول اللَّه ﷺ كان وقّت لي وقتًا يُرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ كانت فانطلقوا فنأتي رسول اللَّه ﷺ ، وبعث رسول اللَّه ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول اللَّه ﷺ وقال: يا رسول اللَّه إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي.
стр. 850
فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: (منعت الزكاة وأردت قتل رسولي) قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيتُه ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسولِ الله ﷺ ، خشيت أن تكون كانت سخطةً من الله ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) إلى هذا المكان (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد أورد ابن كثير الحديث بنصه
стр. 851
وسائر المفسرين ذكروا أحاديث أخرى مشابهة في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي والشنقيطي وابن عاشور.
قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط) اهـ.
قال ابن عطية: (سببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقًا) اهـ.
قال ابن كثير: (وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق) اهـ.
وقال الشنقيطي: (نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد أرسله النبي ﷺ إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم. فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله فرجع إلى نبي الله ﷺ وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي ﷺ فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عبَّاسٍ والحارث بن ضرار الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت وذلك أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة). اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور وإن كان في إسناده مقال، إلا أن شهرته فاقت إسناده واحتج به المفسرون أجمع ولفظه يوافق سياق القرآن، فلعل الحديث لهذه الأسباب يكون سبب نزولها والله أعلم.
стр. 852
١٦٣ - قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيتَ عبد اللَّه بن أُبي، فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سَبَخَة فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتْنُ حمارك فقال رجل من الأنصار منهم: واللَّه لحمار رسول اللَّه ﷺ أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد اللَّه رجل من قومه، فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كما ذكروا معه غيره منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
стр. 853
قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه مما سأذكره إن شاء اللَّه تعالى). اهـ. ثم ذكر الروايات.
أما ابن العربي فقد ذكر بعض الأسباب ثم جعل آخرها حديث أسامة بن زيد بدل حديث أنس بن مالك ثم قال: (أصح الروايات الأخيرة والآية تقتضي جميع ما روى لعمومها، وما لم يرو، فلا يصح تخصيصها ببعض الأحوال دون بعض). اهـ.
وقال ابن عطية: (اختلف الناس في سبب هذه الآية فقال أنس بن مالك والجمهور سببها ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد اللَّه بن أبي ابن سلول حين مر به رسول اللَّه ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فقال عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول اللَّه ﷺ لا تغبروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك فرد عليه عبد الله بن رواحة). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وفي الصحيحين عن أنس بن مالك فذكر الحديث حتى قال: وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد: وليس فيه أن الآية نزلت في تلك الحادثة.
ويناكد هذا أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة، وأن أنس بن مالك لم يجزم بنزولها في ذلك لقوله: (فبلغنا أنها نزلت فيهم) اللهم إلا أن تكون هذه الآية أُلحقت بهذه السورة بعد نزول الآية بمدة طويلة) اهـ.
وسأذكر حديث أسامة ليتبين الأمر:
عن أسامة بن زيد ﵁ (أن رسول اللَّه ﷺ ركب على حمار على قطيفةٍ فَدَكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر. قال: حتى مر بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خَمَّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول اللَّه ﷺ عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى اللَّه،
стр. 854
وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول اللَّه، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمنتركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا ... الحديث وليس فيه نزول الآية) اهـ ..
قال ابن حجر في شرح حديث أنس (فقال رجل من الأنصار): (زعم بعض الشراح أنه عبد الله بن رواحة فتتبعت ذلك فوجدت حديث أسامة بن زيد بنحو قصة أنس، وفيه أنه وقعت بين عبد الله بن رواحة وبين عبد الله بن أبي مراجعة، لكنها في غير ما يتعلق بالذي ذكر هنا، فإن كانت القصة متحدة احتمل ذلك، لكن سياقها ظاهر في المغايرة؛ لأن في حديث أسامة أنه ﷺ أراد عيادة سعد بن عبادة فمر بعبد الله بن أبي، وفي حديث أنس - أنه ﷺ دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي، ويحتمل اتحادهما بأن الباعث على توجهه العيادة -، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي فقيل له حينئذٍ لو أتيته فأتاه، ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه. ثم ذكر كلامًا حتى قال: وقد استشكل ابن بطال نزول الآية المذكورة وهي قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبي ﷺ من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارًا فكيف ينزل فيهم (طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون.
قلت: يمكن أن يحمل على التغليب، مع أن فيها إشكالاً من جهة أخرى، وهي أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن
стр. 855
يسلم عبد اللَّه بن أبي وأصحابه والآية المذكورة في الحجرات، ونزولها متأخر جدًا وقت مجيء الوفود، لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح نزلت قديمًا فيندفع الإشكال) اهـ، بتصرف.
وأقول: إن الناظر في كلام ابن العربي وابن عطية يجد أنهما لا يفرقان بين حديث أنس وأسامة ﵄ لأن ابن العربي جعل حديث أسامة الذي خلا من ذكر النزول بدل حديث أنس الذي تضمن النزول، وذكر أنه أصح الروايات في سبب نزولها.
وابن عطية جمع في سياق حديثه بين اللفظين مع ما بينهما من الاختلاف.
وما ذهبا إليه من اتحاد الحديثين، مؤيد بقول ابن حجر: (ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد الله بن أبي أنفة بردائه)) وعندي - واللَّه أعلم - أن الحديثين حكاية عن قصة واحدة؛ لأن ما يجمع بين الحديثين أكثر مما يفرق بينهما.
وإذا كان الأمر كذلك فإن ذكر النزول يعكر عليه أمور:
أولاً: ما ذكره ابن بطال من أن أصحاب ابن أبي كانوا كفارًا فكيف ينزل فيهم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا).
ثانياً: أن القصة كانت قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي وأصحابه، وآية الحجرات تأخر نزولها إلى وقت مجيء الوفود.
ثالثاً: ما ذكره ابن عاشور من أن أنس بن مالك لم يجزم بنزولها في ذلك لقوله: (فبلغنا أنها نزلت فيهم).
رابعاً: أن سياق أسامة ﵁ للقصة خلا من ذكر النزول، مع أنه كان شاهداً للقصة لأنه كان رديف رسول اللَّه ﷺ على الحمار. ولو نزل شيء لكان أعلم الناس به أسامة.
خامساً: عدم الموافقة بين سياق القصة وسياق القرآن من وجوه:
١ - أن الآية تتحدث عن طائفتين مؤمنتين، وإحدى الطائفتين في القصة ليست كذلك.
стр. 856
ب - قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) لا يُعرف أن النبي ﷺ أصلح بين طائفة مؤمنة، وأخرى مشركة.
جـ - قوله: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) النبي ﷺ لم يقاتل الباغية هنا وهي فئة ابن أبي وأعوانه من اليهود بل صفح وغفر لما أشار عليه سعد بن عبادة كما في حديث أسامة.
د - وقوله: (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أنّى لهؤلاء المشركين ابتداءً، المنافقين انتهاء، أن يفيؤا إلى أمر الله، وقد ظلوا في الكفر وماتوا عليه.
هـ - ثم قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وإذا كان المؤمنون إخوةً فيما بينهم فليسوا للكافرين من المنافقين والمشركين إخوة. واللَّه أعلم.
وبهذا يتبين أن الحديث الذي معنا ليس سبب نزول الآية الكريمة لما تقدم.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سبب نزول الآية لمخالفته سياق القرآن من عدة وجوه، ولأن لفظ أسامة قد خلا من ذكر النزول، وسياق أنس لنفس القصة لم يجزم بالنزول، على أن الآية من آخر القرآن نزولاً، والقصة في أوائل الهجرة وقوعًا والله أعلم.
* * * * *
стр. 857
١٦٤ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سَلَمةَ (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دُعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول اللَّه إنه يغضب من هذا قال فنزلت: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ).
стр. 858
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث عند نزولها كالطبري وابن العربي والقرطبي وابن كثير.
قال الطبري: (واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبزَ بها الملقَّبُ، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضًا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية) اهـ.
стр. 859
وقال ابن كثير: (قوله: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخصَ سماعُها) اهـ.
أما البغوي وابن عطية وابن عاشور فقد ذكروا أسبابًا أخرى غير الذي معنا.
قال ابن عطية: (وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسبابًا ... ثم ذكر أحدها حتى قال: والقول عندي أن هذه الآية نزلت تقويما كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى) اهـ.
وعندي - واللَّه أعلم - أن قوله: (فينا نزلت) يحتمل السببية وأن فعلهم الذي كان بينهم كان سبب نزولها، ويحتمل أن لا يكون فعلهم سببًا مباشرًا لنزولها فتكون الآية بعمومها تتناولهم وإن لم تقصدهم ابتداءً، وإلى هذا مال ابن عطية، ولعل مما يؤيد هذا أن الأصل عدم السببية حتى يرد الدليل على ذلك، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
ولعل مما يؤيد قول ابن عطية أن سياق الآيات بعدها ينصب على الجانب التربوي لينتزع منهم أخلاق الجاهلية المتأصلةَ في نفوسهم، فسياق الآيات في التربية والتوجيه لا غير.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لاحتماله السببية وغيرها، ولعل هذا سبب إعراض بعض المفسرين عنه واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 860
١٦٥ - قال اللَّه تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قدم وفد بني أسد على رسول الله ﷺ فتكلموا، فقالوا: قاتلتك مضرُ ولسنا بأقلِّهم عددا ولا أكلَّهم شوكة، وصلنا رحمك، فقال لأبي بكر وعمر ﵄ تكلموا هكذا، قالوا: لا، قال: (إن فقه هؤلاء قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم)، قال عطاء في حديثه فأنزل الله : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا).
стр. 861
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند نزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (وذكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد امتنوا على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: آمنا من غير قتال، ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا فأنزل اللَّه فيهم هذه الآيات) اهـ.
قال البغوي: (نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة ... ) اهـ. محل الشاهد.
стр. 862
قال ابن عطية: (نزلت في بني أسد أيضاً وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي ﷺ إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن وغطفان وغيرهم فنزلت هذه الآية) اهـ.
وقال القرطبي: (نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة) اهـ.
وما ذكره المفسرون في سبب نزولها هو الصحيح، لصحة سند الحديث ودلالة سياق القرآن على ذلك، فقوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) هذا حدث منهم يوجب الرد والمعالجة من الله فجاءت الآيات مجيبة عن قولهم ومخبرةً بما ينبغي لهم قوله وفعله.
* النتيجة:
- أن الحديث الذي معنا سبب نزولها لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
* * * * *
стр. 863
سورة القمر
стр. 864
سورة القمر
١ ٦٦ - قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي ومسلم عن أنس ﵁ قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر بفكة مرتين فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إلى قوله: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) يقول: ذاهب.
стр. 865
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر القرطبي وابن عاشور الحديث الذي معنا.
قال القرطبي: (وعلى هذا الجمهور من العلماء ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وجبير بن مطعم، وابن عبَّاسٍ ﵄ ... وذكر كلامًا حتى قال: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل ولا يلزم أن يستوي الناس فيها لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبي ﷺ من اللَّه تعالى عند التحدي). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي ﷺ وهي معجرة انشقاق القمر). اهـ.
أما سائر المفسرين كالطبري والبغوي وابن عطية وابن كثير فلم يذكروا حديث أنس إلا خاليًا من النزول، لكنهم ذكروا أحاديث أخرى عن غيره من الصحابة ﵃ قال الطبري: (وكان ذلك فيما ذكر على عهد رسول اللَّه ﷺ وهو بمكة قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار مكة سألوه آية فأراهم رسول الله ﷺ انشقاق القمر، آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته فلما أراهم أعرضوا وكذبوا وقالوا: هذا سحر مستمر، فقال اللَّه جل ثناؤه: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ). اهـ.
وقال ابن عطية: (وقوله (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إخبار عما وقع في ذلك) اهـ.
وقال ابن كثير: (قد كان هذا في زمان رسول اللَّه ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات). اهـ.
стр. 866
وقال السعدي: (فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله ﷺ أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما جاء به وصدقه أشار ﷺ إلى القمر فانشق بإذن اللَّه فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية العظيمة الكائنة في العالم العلوي التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم وقالوا: سحرنا محمد ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من ورد عليكم من السفر فإنه إن قدر على سحركم لم يقدر أن يسحر من ليس مشاهداً مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبروهم بوقوع ذلك فقالوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) سحرنا محمد وسحر غيرنا) اهـ. بتصرف.
ومن خلال ما تقدم يتبين اتفاق العلماء وإجماعهم على حدوث هذه الآية العظيمة في عهد رسول الله ﷺ قبل هجرته إلى المدينة.
لكن النظر يدور حول نزول هذه الآيات بعد الحدث، والتصريح بالنزول في هذا الحديث فأقول: إن التصريح بنزول هذه الآيات الكريمات في هذا الحديث غير محفوظ؛ لأن جميع الطرق خلت منه إلا طريقاً واحداً، وتفصيل ذلك في الحاشية.
أما هل نزلت الآيات بعد الحدث؟
فالجواب: هذا هو الظاهر - والله أعلم - لأن اللَّه قال بعدها عن المشركين: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) وهذا هو الذي ذكره
стр. 867
المفسرون عن المشركين أنهم وصموا رسول اللَّه ﷺ بالسحر بعد انشقاق القمر.
ومن المعلوم أنهم لن يقولوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) إلا بعد رؤيتهم للآية، ومن المعلوم أيضاً أن اللَّه لن يحكي هذا القول عنهم حتى يقولوه.
وإذا كان الأمر كذلك تحققنا أن الآيات إنما نزلت بعد الحدث لا قبله؛ لأنهم لن يقولوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) وهم لم يروها بعد، ولن يقول اللَّه هذا عنهم وهم لم يقولوه.
لكن هل يعني هذا أن حدث انشقاق القمر سبب نزول الآية؟
والجواب: أن الراجح عندي أن الأمر كذلك، وإن كان التصريح بالنزول غير محفوظ، لأن سؤال المشركين آية، وإتيان اللَّه بها، وتكذيبهم إياها، يناسب تمام المناسبة نزول القرآن بعدها موبخاً لهم ومهدداً بيوم يقول الكافرون فيه: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ). فمطابقة هذا لاصطلاح العلماء في أسباب النزول ظاهرة.
بقي أن يقال: هل انشق القمر مرتين؟
والجواب: أن القمر انشق مرة واحدة لكنه انفلق فلقتين لأن هذا هو المروي عن الصحابة ﵃.
ولأنه مقتضى الحكمة لأن المقصود من انشقاقه العبرة والعظة، وما لم يحصل هذا من انشقاقه في المرة الأولى مع أنها أبلغ في التأثير فلن يحصل في المرة الثانية وحينئذٍ تنتفي الحكمة من شقه مرتين واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده، وموافقته لاصطلاح العلماء في تعريف السبب واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 868
١٦٧ - قال الله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر. فنزلت: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم بالقدر مع كفرهم به). اهـ.
قال عياض: (ظاهره أن المراد بالقدر هاهنا مراد الله ومشيئته وما سبق به قدره من ذلك، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية) اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه واحتجاج المفسرين به وموافقته لسياق القرآن والله أعلم.
стр. 869
سورة الواقعة
стр. 870
سورة الواقعة
١٦٨ - قال الله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) وقليل من الآخرين شق ذلك على المسلمين فنزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، فقال: (أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الباقي).
стр. 871
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزولها ولم يذكر هذا الحديث أحد من المفسرين الذين وقفت على أقوالهم.
والحديث حري بالإعراض عنه فلا إسناد صحيح، ولا متن مستقيم،
يوجب القبول والاحتجاج، لأنه إذا كان أصحاب رسول الله ﷺ من أصحاب اليمين فمن الذي يكون من المقربين إذن؟
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف سنده، وإعراض المفسرين عنه، وعدم موافقته لسياق القرآن، والله أعلم.
* * * * *
стр. 872
١٦٩ - قال الله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم عن ابن عبَّاسٍ ﵄: قال: مُطِر الناس على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة اللَّه. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا) قال: فنزلت هذه الآية: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتى بلغ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر هذا الحديث بعض المفسرين بلا تعقب كالبغوي والقرطبي، ومنهم من تعقبه كابن عاشور.
قال البغوي: (وهذا في الاستسقاء بالأنواء وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك من فضل اللَّه تعالى فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم يعني شكر رزقكم التكذيب). اهـ.
أما ابن عاشور فإنه لما ذكر حديث زيد بن خالد الجهني في صلاة الصبح في الحديبية مع رسول اللَّه ﷺ قال: (وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو
стр. 873
كان نزولها يومئذٍ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم، ثم ذكر حديث ابن عبَّاسٍ حتى قال: وابن عبَّاسٍ لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فلعل قوله فنزلت تأويل منه لأنه أراد أن الناس مُطروا في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولاً وقال المشركون قولاً فنزلت آية: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) تنديدًا على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها اللَّه عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة ولم يروا أن هذه الآية أُلحقت بالسورة بعد نزول السورة ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله: (فنزلت (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) بأن يكون ابن عبَّاسٍ قال: فتلا رسول الله ﷺ (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أو نحو تلك العبارة. وقد تكرر مثل هذا الإيهام في أخبار أسباب النزول ويناكد هذا صيغة (تكذبون) لأن قولهم مطرنا بنوء كذا ليس فيه تكذيب بشيء) اهـ.
أما الطبري وابن عطية وابن كثير فلم يذكروا حديث ابن عبَّاسٍ سببًا لنزولها.
قال الطبري: (وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب ثم ذكر الآثار عن السلف من الصحابة والتابعين الدالة على أن المراد بتكذيبهم هو قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا) اهـ.
وقال ابن عطية: (أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللَّه للعباد هذا بنوء كذا وكذا، وهذا بعثانين الأسد، وهذا بنوء الجوزاء وغير ذلك) اهـ.
قال السعدي: (أي تجعلون مقابلة منة اللَّه عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة اللَّه فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم اللَّه على إحسانه، إذا أنزله إليكم ليزيدكم من فضله فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم، وحلول النقم) اهـ.
стр. 874
وبما تقدم من الأقوال تبين أن العلماء متفقون على أن المراد بالآية التنديد بهؤلاء المشركين الذين يعزون وينسبون الحوادث الأرضية إلى الحركات الفلكية وليس إلى الله - سبحانه وتعالى عما يشركون - لكن يبقى النظر هل هذا الحديث سبب نزولها؟ الآيات التي معنا في سورة مكية والأصل بناءً على هذا أنها نزلت قبل الهجرة لا بعدها وابن عبَّاسٍ ﵄ كما قال ابن عاشور ليس فى سن الرواية ذلك الوقت وحينئذٍ لا بد أنه تَلَقَّى هذا من غيره.
أما حديث زيد بن خالد الجهني فقد خلا من ذكر النزول، وهو حري بذلك لأن قصة الحديبية كانت بعد الهجرة، وسورة الواقعة نزلت قبلها فلا تكون سبباً لها.
وإذا استبعدنا حديث زيد من السببية، بقي حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ والراجح عندي - واللَّه أعلم - أن الآية لم تنزل على السبب المصطلح عليه بين العلماء لعدم وجود حدث أو سؤال تعالجه الآية أو تجيب عنه.
لأن قوله في الحديث: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا هذه رحمة اللَّه، وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا) حكاية عن حال الناس تجاه رحمة اللَّه عموماً، وليس في الحديث دلالة على أن هذا حدث خاص قاله الناس ونزلت الآية بشأنه.
وإذا كان حديث زيد قد خلا من ذكر النزول مع أنه سُبق بمطر فمن باب أولى أن يخلو حديث ابن عبَّاسٍ من هذا حيث لم يُسبق بمطر.
وإذا كان الطبري وابن كثير مع عنايتهما بالأحاديث وتطريقها قد أعرضا عن ذكر هذا السبب كان هذا أيضاً مما يوجب الريب والتردد.
وبناءً على ما تقدم فإن الآيات إنما نزلت لإبطال ما كان يعتاده أهل
стр. 875
الجاهلية في مقالاتهم، كما أبطل القرآن ما اعتادوه من أفعالهم المنافية لشريعة الله والله أعلم.
أما الجواب عن قوله: (فنزلت هذه الآية) فالمعنى أن عموم لفظها يتناول بالإبطال أقوال المشركين المنافية للتوحيد.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا ليس سبباً لنزول الآية لعدم وجود الحدث المعين ولإعراض بعض المفسرين المعتنين بالأحاديث عن ذكره والله أعلم.
* * * * *
стр. 876
سورة الحديد
стр. 877
سورة الحديد
١٧٠ - قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) إلا أربع سنين.
وأخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن الزبير قال: لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية، يعاتبهم اللَّه بها إلا أربعُ سنين: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين حديث ابن مسعود ﵁ منهم البغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور، ولم يذكروا أن الحديث سبب نزولها.
стр. 878
ولعل هذا هو السبب أيضاً في إعراض عدد من كبار المفسرين عن ذكر الحديث، وإذا نظرنا إلى سبب يستدعي النزول على النحو المصطلح عليه بين العلماء لم نجد له أثراً هنا.
* النتيجة:
أن هذا الحديث ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لخلوه من التصريح بالنزول وإعراض كثير من المفسرين عن ذكره، مع عدم وجود واقعة أو حدث خاص يستدعي النزول والله أعلم.
* * * * *
стр. 879
١٧١ - قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم ﵊ بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة، قيل لملوكهم: ما نجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء إنهم يقرؤون: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤا كما نقرا وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانةً ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نَرِدُ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِدُ عليكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال: ففعلوا ذلك
стр. 880
فأنزل الله : (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به، فلما بعث الله النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل انحطَّ رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة، والإنجيل وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم. قال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) القرآن واتباعهم النبي ﷺ قال: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) يتشبهون بكم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
следующие страницы →