← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

سورة الحديد

стр. 877

سورة الحديد ١٧٠ - قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) إلا أربع سنين. وأخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن الزبير قال: لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية، يعاتبهم اللَّه بها إلا أربعُ سنين: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين حديث ابن مسعود ﵁ منهم البغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور، ولم يذكروا أن الحديث سبب نزولها.

стр. 878

ولعل هذا هو السبب أيضاً في إعراض عدد من كبار المفسرين عن ذكر الحديث، وإذا نظرنا إلى سبب يستدعي النزول على النحو المصطلح عليه بين العلماء لم نجد له أثراً هنا. * النتيجة: أن هذا الحديث ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لخلوه من التصريح بالنزول وإعراض كثير من المفسرين عن ذكره، مع عدم وجود واقعة أو حدث خاص يستدعي النزول والله أعلم. * * * * *

стр. 879

١٧١ - قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم ﵊ بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة، قيل لملوكهم: ما نجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء إنهم يقرؤون: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤا كما نقرا وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانةً ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نَرِدُ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِدُ عليكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال: ففعلوا ذلك

стр. 880

فأنزل الله : (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به، فلما بعث الله النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل انحطَّ رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة، والإنجيل وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم. قال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) القرآن واتباعهم النبي ﷺ قال: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) يتشبهون بكم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).

стр. 881

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر هذا الحديث عدد من المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. وسياق العلماء لهذا الحديث من قبيل التفسير لا من باب أسباب النزول إذ لم يشيروا إلى أن هذا الحديث سبب نزولها. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً للنزول لما يلي: ١ - أن إسناد الحديث ضعيف لما فيه من الغرابة، مع كون أحد رواته منكر الحديث. ٢ - أن القصة ظاهرة أنها في أتباع عيسى ﵊ فكيف ينزل في شأن هؤلاء آيات على رسول اللَّه ﷺ ؟

стр. 882

نعم إن كان هذا من باب القصص عن الأمم الخالية فهو كثير في القرآن، أما السببية فلا. ٣ - أن بعض المفسرين الذين ذكروا روايات الحديث كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير قد خلت بعض رواياتهم من ذكر النزول إنما فيها (فذلك قول اللَّه تعالى) (فهم الذين ذكرهم اللَّه ولم يذكروا النزول. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف إسناده، وعدم مناسبته لسياق القرآن، مع أن المفسرين ساقوه مساق التفسير والله أعلم. * * * * *

стр. 883

سورة المجادلة

стр. 884

سورة المجادلة ١ ٧ ٢ - قال اللَّه تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج أحمد والبخاري تعليقًا والنَّسَائِي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول فأنزل اللَّه : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا).

стр. 885

٢ - أخرج أحمد وأبو داود عن خولة بنت ثعلبة قالت: والله فيَّ وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه وضجر قالت: فدخل عليَّ يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعةً ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني على نفسي قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم اللَّه ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت أشكو إليه ﷺ ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: (يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه) قالت: فواللَّه ما برحت حتى نزلت فيَّ القرآن فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: (يا خويلة قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبك) ثم قرأ عليَّ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) - إلى قوله - (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فقال لي رسول الله ﷺ : (مريه فليعتق رقبة) قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه ما عنده ما يعتق. قال: (فليصم شهرين متتابعين) قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: (فليطعم ستين مسكينًا وسقاً من تمر) قالت: قلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : (فإنا سنعينه بعرق من تمر)

стр. 886

قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر. قال: (قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً) قالت: ففعلت. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقد تنوعت اختيارات المفسرين لهذه الأسباب. فمنهم من ذكر الحديثين كالطبري وابن كثير. قال الطبري: (وكانت مجادلتها رسول الله ﷺ في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليَّ كظهر أمي ومحاورتها إياه في ذلك وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية) اهـ. أما ابن كثير فقد قال بعد سياق حديث خولة بنت ثعلبة ﵂: (هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة) اهـ. ومنهم من ذكر حديث عائشة ﵂ كابن العربي والقرطبي، وأضاف إلى ذلك روايات أخرى.

стр. 887

ومنهم من ذكر حديث خولة بنت ثعلبة ﵂ كابن عاشور فقد قال: (وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك) اهـ. أما البغوي وابن عطية فقد ذكرا روايات مشابهة للذي معنا. قال البغوي: (نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت) اهـ. * النتيجة: أن الأحاديث التي معنا سبب نزول الآية الكريمة لإجماع المفسرين على ذلك وموافقتها لسياق القرآن وتصريحها بالنزول، وصحة أسانيد بعضها. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 888

١٧٣ - قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبيَّ ﷺ أُناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم قال: (وعليكم) قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام فقال رسول الله ﷺ : (يا عائشة لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعتَ ما قالوا؟ فقال: (أوليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم). وفي لفظ له ففطنت بهم عاثشة فسبَّتهم فقال رسول اللَّه ﷺ : (مه يا عائشة فإن اللَّه لا يحب الفحش والتفحش) وزاد فأنزل الله (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) .. إلى آخر الآية. ٢ - أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن اليهود كانوا يقولون لرسول اللَّه ﷺ سام عليك ثم يقولون في أنفسهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)

стр. 889

فنزلت هذه الآية: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ .. ). ٣ - أخرج الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن يهودياً أتى على النبي ﷺ وأصحابه، فقال: السام عليكم، فرد عليه القوا، فقال نبي اللَّه ﷺ : (هل تدرون ما قال هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، سلَّم يا نبي الله. قال: (لا ولكنه قال كذا وكذا، ردوه عليَّ) فردوه فقال: (قلتَ: السام عليكم؟) قال: نعم، قال نبي الله ﷺ عند ذلك: إذا سلَّم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلتَ قال: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ).

стр. 890

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الأحاديث على تفاوت بينهم في ذكر بعضها أو كلها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) من اليهود (ثُمَّ يَعُودُونَ) فقد نهى الله إياهم عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول).

стр. 891

وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نهوا عن النجوى، الذين وصف اللَّه جل ثناؤه صفتهم، حيوك بغير التحية التي جعلها اللَّه لك تحية، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيونه بها التي أخبر الله أنه لم يحيه بها فيما جاءت به الأخبار أنهم كانوا يقولون: السام عليك) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين) اهـ. وقال ابن العربي: (لا خلاف بين النقلة أن المراد بهم اليهود، كانوا يأتون النبي ﷺ فيقولون السام عليك) اهـ. وقال ابن عطية: (هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول اللَّه ﷺ عن التناجي بحضرة المؤمنين وإظهار ما يستراب منه من ذلك فلم ينتهوا فنزلت هذه الآية) اهـ. وقال ابن كثير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) أي كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين) اهـ. وقال السعدي: (هؤلاء المذكورون إما أُناس من المنافقين يظهرون الإيمان ويخاطبون الرسول ﷺ بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيراً وهم كذبة في ذلك. وإما أُناس من أهل الكتاب، الذين سلموا على رسول اللَّه ﷺ وقالوا: (السام عليك يا محمد) يعنون: الموت) اهـ. وقال ابن عاشور: (وفي قوله: (عَنِ النَّجْوَى) وقوله: (وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) دلالة على أنهم منافقون لا يهود؛ لأن النبي ﷺ ما كان ينهى اليهود عن أحوالهم وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عبَّاسٍ أنها نزلت في المنافقين). ثم قال في قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ): (لا يليق

стр. 892

حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفاً ولو حمل ضمير (جَاءُوكَ) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر) اهـ. بتصرف. والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الآيات نزلت في المنافقين وليست في اليهود. قال ابن عطية: (وقال ابن عبَّاسٍ هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود) اهـ. والحجة في هذا ما يلي: ١ - أن آخر قبائل اليهود نقضاً للعهد مع رسول الله ﷺ هم بنو قريظة بعد غزوة الأحزاب، وكان ذلك في سنة خمس من الهجرة. وأن سورة المجادلة من أواخر القرآن نزولاً حتى قال ابن عاشور: (وهي السورة المائة وثلاث في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة المنافقين وقبل سورة التحريم) اهـ. فإذا كان اليهود جميعاً قد خلت المدينة منهم سنة خمس إما بالقتل أو الإجلاء، وكانت سورة المجادلة قد تأخر نزولها إلى هذا الحد، فكيف يكون الخطاب فيها موجهاً لليهود؟! ٢ - أن سياق الآيات القرآنية يميل إلى المنافقين من وجهين: الأول: ذكره ابن عاشور بقوله: (إن النبي ﷺ ما كان ينهى اليهود عن أحوالهم). وهذا حق فإن الله قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) وهذا يعني أنه قد جرى نهي عن ذلك، واليهود كفار، والكفار لا يخاطبون بفروع الشريعة، فكيف يتوجه لهم الأمر والنهي، والحال ما ذُكر؟. الثاني: أن اللَّه تعالى تحدث عن المنافقين بالأسلوب نفسه الذي تحدث به عن المتناجين فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). وهذه الآية كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا

стр. 893

إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣). وإذا كان أسلوب الحديث في الآيتين واحدًا فلماذا تكون الأولى في اليهود، والثانية في المنافقين؟ ٣ - أن وصف المنافقين بذلك أقرب من وصف اليهود لأنهم يعرفون من أحوال المؤمنين ما لا يعرفه اليهود، ويشاهدون ما لا يشاهدون وذلك بسب القربى وإظهار الإيمان، وإذا كانوا كذلك فهم أقدر على المناجاة بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وقد حكى الله عنهم في سورة عُنيت بفضحهم بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان فقال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ومعلوم أن اللمز والسخرية بالمؤمنين من الإثم والعدوان ومعصية الرسول. بينما لا أعرف بين دفتي المصحف آية تحدثت عن مناجاة اليهود في العصر النبوي. وبناءً على ما تقدم يرد سؤالان اثنان: الأول: ما الجواب عن قول عائشة ﵂ فأنزل اللَّه : (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ). فالجواب: أن الآية لما تضمنت التحية وكانت عائشة ﵂ سمعت اليهود يحيونه بالسام ظنت أنها نزلت فيهم فقالت: فأنزل الله. وليس الأمر في الواقع كذلك لأن الحديث عن التحية محدود جدًا في ضمن الحديث عن النجوى، والنهي عنها، وأنها من الشيطان، وأَمْرِ المؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى. فلماذا ينصبُّ الحديث على المحدود ويترك الكثير المبسوط؟ أليس هذا خلاف المعهود؟. الثاني: إذا كان المراد بالآية المنافقين، فما المراد إذن بقوله: (حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ)؟. فالجواب: ابن عاشور ذكر: (أنهم كانوا يقولون: أنعم صباحًا وهي تحية

стр. 894

العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية) اهـ. قلت: لو ذكر لهذا دليلاً لَسَلَّمنا أما مع عدم الدليل فلا. وعندي - واللَّه أعلم - أن قاعدة النفاق الراسخة وجهان ولسانان وحالان باطن وظاهر، والمنافقون دومًا لا يستطيعون الفصل بينهما بل لا يحسنون إلا الجمع بينهما وقد دلَّ على هذا كتاب الله. قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥). ولك أن تعجب من اجتماع، حسن القول مع العداوة ولَيِّ الرؤوس. وقال تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤). وقال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧). وقال تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ). إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن المنافقين يحسنون دورين ويلبسون قناعين. وإنما الغرض من عرض الآيات السابقة أن أبين أن منهج المنافقين لا يتفق مع ما ذكره المفسرون هنا في تفسير التحية، وإنما الذي يتفق مع منهجهم هنا أنهم كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وإذا أتوا رسول الله ﷺ حيّوه بأحسن تحية، ثم يقولون لبعضهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) أي: لِجمعنا بين ضدين صلاح ظاهر، وفساد باطن. واللَّه أعلم.

стр. 895

* النتيجة: أن الأحاديث المذكورة ليست سببًا لنزول الآية لمخالفتها السياق القرآني من عدة وجوه وإنما المراد منها الحديث عن حال المنافقين مع رسول اللَّه ﷺ وأصحابه في إظهار مودتهم مع ما تنطوي عليه قلوبهم من الحقد الدفين والشر المستطير. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 896

١٧٤ - قال الله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) قال لي النبي ﷺ : (ما ترى. دينار؟) قلت: لا يطيقونه، قال: (فنصف دينار؟) قلت: لا يطيقونه. قال: (فكم؟) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال: فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمع من المفسرين هذا الحديث منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية وابن كثير.

стр. 897

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: أشق عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول اللَّه ﷺ صدقات الفاقة) اهـ. وقال البغوي: (قال ابن عبَّاسٍ: وذلك أن الناس سألوا رسول الله ﷺ وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد اللَّه أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع رسول اللَّه ﷺ ) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية لما يلي: ١ - أن إسناد الحديث ضعيف وتفصيله في موضعه من الحاشية. ٢ - أن سياق الحديث يقتضي أن الذي أشفق من ذلك هو علي ﵁ والناظر في سياق الآية من أولها إلى آخرها يجد أن حديثها بصيغة الجمع مما يدل على أن الإشفاق منهم وليس من علي وحده. ٣ - أن النبي ﷺ قال لعلي: إنك لزهيد لما اقترح شعيرة وهذا يعني وبقتضي أن علياً أرحم بالناس من رسول اللَّه ﷺ وليس الأمر والله كذلك فليس أرحمَ بالناس من الناس أحدٌ من رسول الله ﷺ يقول اللَّه تعالى عنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨). ٤ - أن النبي ﷺ استشار علياً في مقدار الصدقة وهذا يخالف المعهود عنه ﷺ من استشارة صاحبيه الكبيرين أبي بكر وعمر ﵄ جميعاً. وبناءً على ما تقدم فليس الحديث المذكور سبب نزولها بل ربما نزل التخفيف لمجرد علم اللَّه بمشقة ذلك عليهم من غير طلب منهم أو من أحدهم واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزولها لضعف إسناده، وعدم موافقته السياق القرآني والمشهور من حال النبي ﷺ من عدة وجوه واللَّه أعلم.

стр. 898

١٧ ٥ - قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ جالسًا في ظلِّ حجرته - قال يحيى: قد كاد يقلص عنه - فقال لأصحابه: (يجيئكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا رأيتموه فلا تكلموه) فجاء رجل أزرق، فلما رآه النبي ﷺ دعاه، فقال: (علام تشتمني أنت وأصحابك)؟ قال: كما أنت حتى آتيك بهم. قال: فذهب فجاء بهم، فجعلوا يحلفون باللَّه ما قالوا، وما فعلوا وأنزل الله : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ). وفي رواية له: فنزلت هذه الآية التي في المجادلة: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

стр. 899

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى إلى القوم الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم وهم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم) اهـ. وقال ابن كثير: (يقول اللَّه تعالى منكراً على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 900

سورة الحشر

стр. 901

سورة الحشر ١٧٦ - قال الله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: حرّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ). ٢ - أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قول اللَّه :

стр. 902

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) اللينة: النخلة، وليخزي الفاسقين. قال: استنزلوهم من حصونهم، قال: أُمروا بقطع النخل فحكَّ في صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول اللَّه ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل اللُّه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذين الحديثين ابن كثير.

стр. 903

أما حديث ابن عمر ﵄ فقد ذكره الطبري والبغوي وابن العربي والقرطبي، قال الطبري: (وإنما أُنزلت هذه الآية فيما ذكر من أجل أن رسول الله ﷺ لما قطع نخل بني النضير وحرقها، قالت بنو النضير لرسول اللَّه ﷺ : إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتحرقها؟ فأنزل الله هذه الآية فأخبرهم أن ما قطع من ذلك رسول اللَّه ﷺ أو ترك فعن أمر الله فعل) اهـ. وقال البغوي: (وذلك أن رسول الله ﷺ لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء اللَّه عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجرة وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء اللَّه علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم). اهـ. وقال ابن العربي: (لا خلاف أن الآية نزلت في بني النضير) اهـ. أما ابن عطية والسعدي وابن عاشور فلم يذكروا أيَّاً من الحديثين. قال ابن عطية: (سببها أن بعض أصحاب النبي ﷺ وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون. فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك بعض الصحابة وذلك في صدر الحرب معهم فنزلت الآية معلمةً أن جميع ما جرى من قطع أو إمساك فبإذن اللَّه ورَدَّتْ الآية على قول بني النضير أن محمداً ينهى عن الفساد وها هو ذا يفسد) اهـ. وقال السعدي: (ولما لام بنو النضير رسول اللَّه ﷺ والمسلمين في

стр. 904

قطع النخيل والأشجار وزعموا أن ذلك من الفساد وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه فبإذن الله وأمره (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) حيث سلطكم على قطع نخلهم وتحريقها ليكون ذلك نكالاً لهم وخزيًا في الدنيا، وذلاً يعرف به عجزهم التام الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم الذي هو مادة قوتهم) اهـ. وقال أبو العباس القرطبي: (ولا شك في أن هذه الآية نزلت فيما عاب المشركون على رسول اللَّه ﷺ من قطع نخيل بني النضير فبين فيها أن الله تعالى أباحه لنبيه ﷺ خزيًا للمشركين، ونكايةً لهم، والآية نص في تعليل ذلك) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ أصرح وأكثر تفصيلاً وأليق بالنزول من حديث ابن عمر ﵄؛ لأن حديث ابن عمر مجمل ليس فيه تفصيل ولا يتضمن حدثاً أو إشكالاً لتجيب عليه الآية، إذ من الممكن أن تكون الآية تقص ما حدث بغض النظر عن علاجه كما هو كثير في القرآن. بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ لأن فيه أن القطع قد حكَّ في صدورهم ثم سألوا النبي ﷺ ثم أنزل الله تعالى الآية. لكن هذا الحديث يعكر عليه أن إسناده ليس كسابقه لأن الصواب فيه الإرسال. وأقوال المفسرين في هذا مختلفة فأكثرهم كما تقدم يرون أن الإنكار على التقطيع والتحريق إنما جاء من بني النضير. وبعض المفسرين يرون أن الإشكال والاختلاف نشأ من الصحابة أنفسهم ﵃ كما دلّ على ذلك حديث ابن عبَّاسٍ. وما ذكره البغوي يجمع بين القولين لأنه ذكر أن الإنكار ابتداءً كان من بني النضير ونتيجة ذلك وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك شيئًا فاختلفوا في القطع. وعلى كل حال فإننا لو نحيّنا الأسباب جانباً لما كان لهذا أثر على

стр. 905

النتيجة وهي أن قصة بني النضير هي سبب نزول سورة الحشر عمومًا، وأن قضية التحريق والتقطيع هي سبب قول اللَّه خصوصًا: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) والله أعلم. * النتيجة: أن مجموع ما روي من أسباب النزول التي معنا أو التي ذكرها المفسرون تدل على أن سبب نزول الآية هو تحريق النخيل وتقطيعها لدلالة السنة على ذلك وإجماع المفسرين عليه مع موافقة سياق القرآن. * * * * *

стр. 906

١٧٧ - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماءُ، فقال رسول الله ﷺ : (من يَضُم أو يضيف هذا) فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ صبياني، فقال: هَيِّئِي طعامك، وأصبحي سراجك، ونَوِّمي صبيانك إذا أرادوا عَشاءً. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: (ضحك اللَّه الليلة؟ أو عجب من فعالكما) فأنزل الله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور.

стр. 907

قال السعدي: (أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها عمن سواهم الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة. وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة للَّه تعالى، مقدمة على شهوات النفس ولذاتها ومن ذلك قصة الأنصاري، الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعًا) اهـ. وقال ابن حجر لما ذكر الحديث: (هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية) اهـ. فإن قال قائل: ما جوابك عن هذا الإشكال وهو أن هذه الآية وردت في ثنايا آيات ثلاث، الأولى تتحدث عن المهاجرين، والثانية عن الأنصار، والثالثة عن سائر المؤمنين بعدهم، فكيف يكون لهذه الجملة من الآية سبب مع أنها جاءت في ثنايا هذه الآيات؟ فالجواب: يمكن القول إن الآيات الثلاث نزلت قبل ذلك، ثم وقعت قصة الأنصاري فأنزل اللَّه فيها هذه الجملة من الآية: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ونظير هذا نزول قوله تعالى في سورة النساء: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بعد نزول الآية. فإن قال قائل: إيثار الأنصار على أنفسهم متعدد وله أكثر من صورة من ذلك موقف سعد بن الربيع ﵁ حيث أراد إيثار عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، وإحدى زوجتيه. وكذلك إيثار الأنصار المهاجرين نصيبهم من أموال بني النضير. وغير ذلك ولهذا أفلا يقال إن الآية نزلت في الأنصار جميعاً؟

стр. 908

فالجواب: أن الصورة المنصوصة في الآية صادقة على هذا الأنصاري دون غيره لأنه وزوجه وبنيه كانوا بحاجة إلى الطعام وليس لديهم سواه فكان بهم خصاصة. أما الأنصار الذين آثروا فكان لديهم ما يكفيهم فالخصاصة غير متحققة فيهم. ومع هذا يقال: إن قصة الأنصاري وإن كانت سبب النزول، إلا أن الآية بعمومها تتناول الأنصار كيف لا والآية تتحدث عنهم ﵃. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه، ورواية المفسرين له، وموافقته لسياق القرآن والله أعلم. * * * * *

стр. 909

سورة الممتحنة

стр. 910

سورة الممتحنة ١ ٧٨ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ، فإن بها ظعينةً معها كتاب، فخذوه منها) قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرِجِنَّ الكتاب أو لنلقِيَنَّ الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللَّه ﷺ فإذا فيه:

стр. 911

من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناسٍ بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه ﷺ . فقال رسول اللَّه ﷺ : (يا حاطب ما هذا). قال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرءًا ملصقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : (أما إنه قد صدقكم) فقال عمر: يا رسول اللَّه، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه اطلع على من شهد بدرًا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل اللَّه السورة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) - إلى قوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). وفي رواية للبخاري قال عمرو: ونزلت فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) قال: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو. حدثنا علي: قيل لسفيان في هذا، فنزلت: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي). قال سفيان: هذا في حديث الناس، حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أُرى أحدًا حفظه غيري. وفي رواية مسلم للحديث: وليس في حديث أبي بكر وزهير ذكر الآية. وجعلها إسحاق في روايته من تلاوة سفيان.

стр. 912

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآيات من أول هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول اللَّه ﷺ قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وغيرهم). اهـ. قال البغوي: (قال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث). اهـ. وقال ابن عطية: (وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة). اهـ. وقال ابن كثير: (وكان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلاً من المهاجرين. وكان من أهل بدر أيضًا وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفًا لعثمان فلما عزم رسول اللَّه ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد فأمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: (اللهم عمِّ عليهم خبرنا) فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول اللَّه ﷺ من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً فأطلع اللَّه على ذلك رسول اللَّه ﷺ استجابة لدعائه فبعث في إثر المرأة فأخذ الكتاب منها وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته). اهـ. وقال السعدي: (ذكر كثير من المفسرين أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة حين غزا النبي ﷺ غزاة الفتح.

стр. 913

فكتب حاطب إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم ليتخذ بذلك يداً عندهم لا شكاً ولا نفاقاً وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي ﷺ بشأنه فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب وعاتب حاطباً فاعتذر بعذر قبله النبي ﷺ ) اهـ. وقال ابن عاشور: (اتفق المفسرون وثبت في صحيح الأحاديث أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من قريش. وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله ﷺ ومن أهل بدر) اهـ. هذه أقوال المفسرين شاهدة ظاهرة تُجمع القولَ أن هذه الآية نزلت بسبب قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁. ومع هذا فقد مال ابن حجر إلى أن نزول الآية في هذا الحديث زيادة مدرجة فقال: (وقد بيّن سياق علي أن هذه الزيادة مدرجة) ثم استطرد في نقل أقوال المحدثين التي تثبت ذلك. وعندي - والله أعلم - أن القول ما قال المفسرون وشهرة الأمر عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، واتفاقهم عليه تشفي وتكفي، كيف لا وقد أيَّد هذا سياق القرآن. والحكم بالإدراج لا ينفي نزولها لهذا السبب، إذ قد تنزل ولا تذكر وليس عدم الذكر ذكراً للعدم، وكون أمر نزولها يشتهر على هذا النحو يدل حتماً على أن لذلك أصلاً. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآيات التي معنا لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 914

١٧٩ - قال الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: أتتني أمي راغبةً، في عهد النبي ﷺ فسألت النبي ﷺ : آصِلُها؟ قال: (نعم). قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه تعالى فيها: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ). ٢ - وأخرج أحمد عن عبد اللَّه بن الزبير قال: قدمت قَيْلة ابنت عبد العزى بن عبد أسعد - من بني مالك بن حِسْل - على ابنتها أسماء ابنة أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن - وهي مشركة - فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل اللَّه : (لَا

стр. 915

يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... ) إلى آخر الآية فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذين الحديثين البغوي والقرطبي وابن كثير. قال ابن كثير: (لا ينهاكم اللَّه عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم أن تحسنوا إليهم وتعدلوا) اهـ. بتصرف. أما الطبري وابن عطية فقد ذكرا حديث عبد الله بن الزبير فقط. وقال السعدي: (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين وقعت ميق المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى اللَّه عنه فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال لم ينصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم
следующие страницы →