Полный текст (458 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) طهّرها من درن الأخلاق الذميمة، وأنماها بالأعمال السنية. جواب القسم حذف منه اللام؛ لطول الفصل. وقيل: مستطرد لذكر بعض أحوال النفس. والجواب محذوف أي: ليدمدمنَّ اللَّه على كفار مكة كما دمدم على ثمود.
(وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) أخفاها، وأطفأ نور الفطرة بظلمات المعاصي. أصله دسس قلبت الثانية ياء كما في أمليت وتقضي البازي. وإسناد التزكية والتدسية إلى العبد إنما يقتضي القيام به لا الاستقلال ولا الإيجاد، فلا دليل فيه للقدرية، على أنَّ الأرجح ............
стр. 387
المستتر إليه تعالى، والبارز المنصوب إلى " من " بتأويل النفس؛ لما روى زيد بن أرقم عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: " اللَّهمَّ آتِ نَفسِي تَقْوَاهَا وَزَكهَا أَنْت خَيْرُ مَنْ زَكاهَا ".
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) اسم بمعنى الطغيان؛ ولذلك قلبت ياؤه واواً فرقاً بينه وبين الصفة، أي: كذبت بسبب طغيانها، أو بعذابها الموعود ذي الطغوى. كقوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) فالباء صلة.
(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) أشقى ثمود قدار بن سالف، أو هو ومن وافقه؛ لأن اسم التفضيل إذا أضيف صلح لما فوق الواحد.
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ ... (١٣) نصب على التحذير. ولما أضاف الناقة إليه تشريفاً ذكر صالحاً باسم الرسول وأضافه أيضاً؛ لأنه أولى بالاجلال.
(وَسُقْيَاهَا) لا تذودوها عنه.
(فَكَذَّبُوهُ ... (١٤) فيما حذرهم به من نزول العذاب (فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) أطبق عليهم العذاب وعمهم به. تكرير دمّ الشيء كبسه نحو كبكب في كبّ. وقيل: غضب، من الدمدمة وهو: الكلام المزعج. وقيل: أرجف الأرض بهم. (بِذَنْبِهِمْ) بسبب ذنبهم. (فَسَوَّاهَا) أي: العقوبة بينهم عموماً، أو سوى ثمود بالأرض.
стр. 388
(وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) عقبى الدمدمة، أو التسوية. والواو للحال أي: فعل ذلك والحال أنه غير خائف من عاقبة فعله كبعض الملوك. وقرأ نافع وابن عامر بالفاء، والواو أبلغ.
روى البخارى ومسلم عن عمار بن ياسر أن رسول اللَّه ﷺ قال لعلي ﵁. " ألا أخبرك بأشقى الناس، قال. بلى، قال: أحمر ثمود عاقر الناقة، والذي يضربك على هذا، وأشار إلى قرن رأسه حتى تبتل منه هذه " يريد لحيته.
* * *
تمت والحمد لمن آلاؤه عمت.
* * *
стр. 389
سُورَةُ اللَّيْلِ
مكية، وآيها إحدى وعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) بظلامه كل ما يواريه، أو النهار، أو الشمس.
(وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) تبين وتكشف بانسلاخ الليل عنه.
(وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) والقادر الذي خلق الزوجين من كل نوع، أو آدم وحواء. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية. وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء ﵄: " والذكر والأنثى ". (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) جمع شتيت. جواب القسم، أو أنَّ مساعيكم مختلفة الأغراض، متبايتة الجزاء. ثم فضل بما على أثره:
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) أعطى الطاعة في حقوق اللَّه تعالى، واتقى المعصية، وصدِّق بالتوحيد أو الجنة. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) فسنوفقه للخلة التي تؤديه إلى اليسر والراحة.
стр. 390
(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ... (٨) بحقوق اللَّه. (وَاسْتَغْنَى) بالحطام الفاني. (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) بالنعيم الباقي، أو التوحيد. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) فسنخذله وندله على الطريقة التي اختارها. وإطلاق التيسير؛ للمشاكلة. (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) سقط في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، أو مات من الردى: وهو الموت. نفي، أو استفهام إنكار.
(إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) الدلالة والإرشاد إلى طريق الصواب بشرع الأحكام وبيان الحلال والحرام. (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) نعطي ما نشاء لمن نشاء، أو لنا الغنى المطلق لا تنفعنا طاعة ولا تضرنا معصية.
(فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) تتلهب (لَا يَصْلَاهَا ... (١٥) لا يدخلها (إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ ... (١٦) بالحق (وَتَوَلَّى) وأعرض عنه.
(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الحصر فيه ادعائي كأن غير هذا الأشقى لا يصلاها، وغير هذا الأتقى لا يجنب؛ لاتفاق الكل على أنَّها نزلت في أبى بكر، وأمية بن خلف حين اشترى منه بلالاً ببردة وعشر أواق. وقيل: أبي جهل وأمية، وأبي بكر. فالأشقى لم يرد به واحداً. وأما تفسير الصلي باللزوم فلا يدل عليه اللفظ، ويلزم منه أنَّ الشقيّ لا يلزم بها، وينافيه (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا).
стр. 391
(الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ ... (١٨) في مصارف الخير. (يَتَزَكَّى) من الزكاء أي: يطلب أن يكون عند اللَّه زكيًّا لا رياء، أو من الزكاة، بدل من " يُؤْتِي " داخل في حكم الصلة، أو حال من فاعله.
(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) قيل: لما اشترى بلالاً قالوا: ما اشتراه إلا ليدلّه عليه. وعن ابن الزبير أنَّ أبا بكر ﵁ كان يشتري الضعفه فيعتقهم، فقال له أبوه: لو اشتريت الأقوياء. (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) منقطع، أي: لكن ابتغاء وجه ربه، أو متصل مفعول له عن محذوف أي: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه. (وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) بما تقرّ به عينه. وعد جميل، وفي إبهامه ما لا يخفى.
* * *
стр. 392
سُورَةُ الضُّحَى
مكية، وهي إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحَى (١) أي: وقت الضحى، وهو حين ارتفاع الشمس وظهور سلطانه. وقيل: أقسم به؛ لأنه وقت غلبة موسى فرعون؛ لقوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى). وقيل: جميع النهار؛ لقوله تعالى: (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى) في مقابلة
" بياتاً "، (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) ستر، متعد من سجيته، أو سكن من فيه، أو سكن ظلامه واستقر. قدّم الليل تارة باعتبار الأصل فإن الليالي غرر الأيام، والنهار أخرى باعتبار الشرف.
(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ... (٣) جواب القسم أي: ما تركك ترك المودِّع. (وَمَا قَلَى) ما أبغضك، من القِلى بكسر القاف مقصوراً. روى البخاري عن جندب البجلي: " أن رسول اللَّه ﷺ -
стр. 393
اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك فأنزل اللَّه تعالى (وَالضحَى) ".
(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) أي: الأوقات المستقبلة خير لك من الأيام الماضية، فإنه يعلو شأنك فيها ويظهر دينك على سائر الأديان وترى الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً.
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ... (٥) في الدارين (فَتَرْضَى) بحيث لا يبقى لك طلب بعد تلك العطية. وإنما حذف المفعول؛ لغرض العموم، فيشمل مقام الشفاعة وسائر المزايا التي تخصه. و " اللام " للابتداء -دخل الخبر بعد حذف المبتدأ، والتقدير: لأنت سوف يعطيك- لا للقسم؛ فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون؛ وجمع مع " سوف "؛ للدلالة على أنَّ العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة.
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) من الوجود بمعنى: العلم. والاستفهام للتقرير أي: قد كنت يتيما فآواك، مات أبوه وهو جنين أتى عليه ستة أشهر، فلما ولد كان في حجر أمه، ويحوطه عبد المطلب جده إلى أن بلغ عمره ثمان سنين، مات عبد المطلب وأمه، فعطف اللَّه تعالى عليه عمه أبا طالب.
стр. 394
(وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) قيل: أضلته ظئره حليمة عند باب مكة. وقيل: ضل في بعض شعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عمه أبي طالب. وقيل: ضلّ في طريق الشام أضله إبليس حلِّ راحلته فردّه جبرائيل إلى الركب، أو كنت ضالاًّ عن علم الشرائع والأحكام وما طريقه السمع (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ).
(وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) كنت عديم المال فأغناك بمال خديجة ﵂، أو أحلّ لك الغنائم ولم يحِلّها لأحد قبلك، أو كنت مبعوثاً إلى الأحمر والأسود، فأغناك بكنز المعارف وهو القرآن، فسيخرج أمتك من فرائد درّه إلى آخر الدهر. عدّد عليه بعض نعمه السابقة، تقريراً لقوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى)؛ لأنه إذا كانت هذه عنايته معه ولم يكن لابساً خلعة رسالته، فكيف به وقد أرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) لا تظلمه في حقه وتعطف عليه، واذكر حالك في اليتم.
(وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) لا تزجر، يشمل الفقير والمسترشد في دينه.
стр. 395
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) فإنَّ إشاعتها شكر لها. روى أبو داود عن جابر ﵁: " أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: مَن أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فليكاف فإن لَمْ يَجِدْ فَلْيثنِ بهِ فَمَنْ أَثْنَى فَقَد شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقدْ كَفَرَ ". ولما منَّ اللَّه عليه بثلاث خلال، أرشده وحثَّه على ثلاث في مقابلتها؛ ليكون متخلقاً بأخلاق اللَّه، وتقتدي به في ذلك أمته.
* * *
تمّت سورة الضحى، والحمد لمن له العطاء، والصلاة على المجتبى، وآله وصحبه الأتقياء.
* * *
стр. 396
سُورَةُ (أَلَمْ نَشْرَحْ)
مكية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) أي: شرحناه؛ لأنَّ إنكار النفي إثبات، والمعنى: نورنا لك صدرك بنور النبوة حتى وسع علم الأولين والآخرين. روى البخاري عن مالك بن صعصعة ﵁ " أنَّ رسول اللَّه ﷺ أخبر عن ليلة أسري به قال. فجاء جبرائيل بطست من ذهب ملئ حكمة وإيماناً، فشق من ثغرة نحري إلى مراقِّ بطني، فأخرج قلبي وشقه، ثم غسله بماء زمزم، فحشاه حكمة وإيماناً " أوثر فيه الإجمال والتفضيل مبالغة في الإيضاح.
(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) ما كان يثقل عليك من عدم العلم بالحكم والأحكام، أو ما كنت ترى من ضلال قومك، مع عدم الاهتداء إلى ما ترشدهم إليه، أو ما كنت تلقى من الشدة عند تلقي الوحي خوفاً من فوت شيء منه، فضمنا لك حتى سكن
стр. 397
روعك. (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) من النقيض وهو: صوت الرحل من ثقل الحمل. مثّل حاله به، كناية عن غاية الشدة.
(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) في الدارين، بأنك سيد المرسلين وخاتم النبيين، ونعتك في زبر الأولين، واسمك مقرون باسم ربِّ العالمين. (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). عدّد عليه بعض جلائل نعمه، ثم قال:
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) كأنه قال: إذا كنت بهذه الرتبة عندنا، فلا تُبال بقول من قصر نظره على حطام الدنيا، معيّراً لك ولأصحابك بضيق ذات اليد، فإنكم سترون عن قريب يسراً وأيّ يسرٍ. ودل على القرب بلفظ " مع " الدال على المقارنة والمصاحبة.
(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) استئناف. واليسر الثاني غير الأول على قانون النكرة المعادة، وترجيحاً للتأسيس على التأكيد، وحملاً لكلام اللَّه تعالى على أبلغ احتمالين مع اقتضاء المقام زيادة التسلية والتنفيس. ولما روي مرفوعاً أنه قال. " لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسْرَيْنِ ". فإن قلت:
стр. 398
فما تقول في معنى الحديث، من حمل الثاني على التأكيد، وجعله مثل قولك: إنَّ زيداً قائم، إنَّ زيداً قائم؟. قلت: يحمل اليسرين على يسر الدنيا والآخرة. فإن قلت: كان الواجب تعريفه؛ لأنه الأول كالعسر. قلت: ذلك ليس بواجب، بل أكثري عدل عنه للتفخيم.
(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) فإذا فرغت من عبادة أتبعها بأخرى ليكون شكرك على وفق النعم. وأشار بلفظ النصب وهو التعب إلى الترقي كمًّا في جانب النعم بقوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى). وعن ابن عباس ﵄. " إذا فرغت من الصلاة، فاجتهد في الدعاء " وذلك؛ لأن " الصلاة عماد الدين " و " الدُّعَاءُ مُخّ الْعِبَادةِ ". وعن الحسن: " إذا فرغت من الغزو، فاجتهد في العبادة ". وكأنه لاحظ قوله: " رجعنا من الجهاد ْالأصغر إلى الجهاد الأكبر ". (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) في مطالبك لا إلى غيره، لعدمك بتفرده بالتأثير لا يشاركه أحد، الكل منه وبه وإليه، فتوكل عليه.
* * *
стр. 399
تمّت سورة ألم نشرح بحمد اللَّه، والصلاة على أفضل خلق اللَّه.
* * *
стр. 400
سُورَةُ التِّينِ
مكية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) أقسم بجبال الأرض المقدسة. والأولان سميا باسم الشجرتين النابتتين بهما. والطور: هو الجبل الذي كلم اللَّه تعالى عليه موسى. و (سِينِينَ) وسيناء: اسم البقعة التي بها الجبل. قال ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقيل: أراد الشجرتين لكثرة منافعهما، وليس بقوي؛ لأنَّ النخلة أشرف الأشجار حتى قال رسول اللَّه ﷺ في مدحها: " مثلها مثل المسلم "، ولعدم الملائمة بين المعطوف والمعطوف عليه.
стр. 401
(وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) الحافظ داخله. هي مكة شرفها اللَّه كأنه قال: والأرض المباركة ديناً ودنياً، والبلد الذي من دخله كان آمنا في الدارين. وفيه نهج الترقي، إذ لا مطمح وراء أمنِ الدارين.
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) تعديل. شكلاً وصورة، لا ترى في الكائنات أحسن منه، حتى يبلغ منه سرّ الملاحة حداً يعجز الواصف عن إبرازه قطعاً.
(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) وهو الكافر. في النار سِنّه مثل أحد، ويجر شفته على الأرض، والوجه أسود مظلم، وما بين كتفيه ما بين مكة والمدينة. عافانا اللَّه. أو رددناه في الدنيا بعد ذلك الحسن والجمال أسفل، من تسفل: تقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد اسوداده، وكَلَّ سمعهُ وبصره، وتناقصت قواه وعقله، وأَنِفَه من كان يحبه.
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... (٦) استثناء متصل على الأول ظاهر الاتصال، منقطع على الثاني. أي: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى. (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) غير مقطوع. بل يجري عليهم ثواب الأعمال التي كانوا يعملونها وهم أقوياء.
(فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) الخطاب للإنسان، أي: بعد هذه الدلائل المشاهدة أيّ شيء يجعلك كاذباً بالإعادة؟، فإن مكذب الحق كاذب. و " الباء " للسببية. أو لرسول اللَّه ﷺ إلهاباً له، أو تعريضاً بالمكذبين، أي: بعد هذا البيان لا يكذبك شيء كهؤلاء الذين لا يبالون بآيات اللَّه تعالى. وعلى الأول استفهام توبيخ.
стр. 402
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) أليس ذلك الموصوف أقدر من كل قادر؟. فما وجه إنكار الإعادة بعد إخباره؟. وآثر الاسم الأعظم؛ دلالة على أنَّ ذلك من خواص الألوهية.
* * *
تمت سورة التين، والحمد للَّه رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين، وآله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 403
سُورَةُ (اقْرَأْ)
مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ... (١) الجار في محل النصب على الحال أي: اقرأ حال كونك مفتتحاً قراءتك باسم اللَّه. (الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ... (٢) أي: خلق كل شيء، ثم خصّ الإنسان، لأنه أشرف البرية والمقصود بالإنزال، أو المراد: خلق الإنسان: أوثر فيه الإبهام والتفسير. وفيه إشارة إلى أنه مخلوق للقراءة والدراية (مِنْ عَلَقٍ) جمع باعتبار الأفراد.
(اقْرَأْ ... (٣) تكرير للأول، وهو محزة، لأنه أول أمر ورد بالقراءة، ولإنكاره القراءة بقوله: " ما أنا بقارئ " وقيل: الأول لنفسه، والثاني للتبليغ، أو الأول خارج الصلاة، والثاني فيها. (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) على الإطلاق، إذ كرم غيره تكلّف في جزئي لغرض (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) دليل على أكرميته؛ لأنَّ كل عطية دون العلم والمعرفة كنقطة من المحيط. (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا). ورمز في ضمن ذلك إلى فضل الكتابة؛ لأنها
стр. 404
آلة التعليم، وضابطة الحكم، وفى المثل: " العلم صيد والكتابة قيد ". (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) ما لا يمكنه علمه إلا بالتعليم. (كَلَّا ... (٦) ردع للإنسان الذي قابل هذه النعم بالكفر والطغيان. (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) ليتجاوز عن حدّه. (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) لأن رأي نفسه غنياً أي: علم؛ ولذلك جاز أن يكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد، وذلك من بعض خصائص فعل القلب.
(إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) خطاب لذلك الإنسان الطاغي التفاتاً؛ لكونه أبلغ تحذيراً.
و (الرُّجْعَى) مصدر كالبشرى.
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) روى الترمذي والنسائي عن ابن عباس ﵄، أنَّ أبا جهل قال: هَل يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَينَ أَظهرِكمْ؟ قالوا: نعم. قال: والذي يحلف به، لَئِنْ رَأَيته لَأَطَأَنَّ عَلَى عنقه. فمرّ به وهو يصلي عند المقام، فتوجه إليه، والمشركون ينظرون إليه. فما رأوه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويبقي بيدية. فقيل له: ما بدا لك؟ فقال: رأَيت بيْني وبينَهَ خَندَقًا مِنْ نَارٍ وَهَولًا وَأَجْنِحَةً. فقال رسول اللَّه ﷺ : لَوْ دَنَا منِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضوًا ".
стр. 405
(أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) " أرأيت " تكرير للأول، والشرط مفعول ثان حذف منه الجواب؛ لدلالة قوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ) عليه، وحذف المفعول الأول؛ لظهوره.
(أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) مقابل للأول لتقابل الشرطين والمعنى: أخبرني يا من له أدنى تمييز عن حال من ينهى عبداً يصلي، إن كان ذلك الناهي على طريق الرشاد، " أَوْ أَمَرَ بِالتقْوَى " في أمره بعبادة الأوثان أخبرني إن كان مكذباً معرضاً.
(أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) ويشاهد. وسوق الكلام على طريقة المنصف والتهكم؛ لأنَّ الناهي عن الصلاة ليس على الهدى قطعاً، وكذا كونه مكذباً مجزوم به.
(كَلَّا ... (١٥) ردع للناهي. (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) لنأخذن بناصيته ولنجرنه إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجره بعنف. قال عمرو بن معدي كرب:
قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأَيتَهُمْ ... مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سَافِع
стр. 406
(نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) بدل من الأول، وحسنه الوصف، وكان أوفى بالمقصود؛
لدلالته على عدة السفع. وإسناد الكذب والخطأ إلى الناصية مجاز حكمي، وتخصيصها؛ لأنها أشرف الأعضاء.
(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) عن ابن عباس ﵄ أن أبا جهل لما لم يقدر أن يقرب رسول اللَّه ﷺ توعده بالكلام، فأغلظ له رسول اللَّه ﷺ فقال: تهددني يا محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً. أراد عشيرته فسماهم باسم مجلسهم ومجتمعهم.
(سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) عن قريب ليجروه إلى النار. حمع زابن، أو زباني، أو زبنية كعفرية. قال الأخفش: العرب لا تكاد تعرف هذا، بل تجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل: أبابيل. وأصل الزبن: الدفع. (كَلَّا ... (١٩) ردع للناهي أيضاً. (لَا تُطِعْهُ) الخطاب لرسول اللَّه ﷺ أي: دم على عصيانه. (وَاسْجُدْ) ودُم على الصلاة ولا تبال بالناهي.
стр. 407
(وَاقْتَرِبْ) بها؛ فإنَّها المعراج إليه، أو بالسجود؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " أَقْرَبُ مَا يَكُون الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجدٌ ".
* * *
تمت سورة العلق، والحمد لمن خلق، والصلاة على من في مضمار السعادة سبق، وآله وصحبه ما الليل وسق.
* * *
стр. 408
سُورَةُ الْقَدْرِ
مدنية، وآيها خمس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) فخّم شأن القرآن بأن خص إنزاله به، وبالإضمار؛ لأنه العلم الذي لا يذهب الوهم إلى غيره، وبزمان نزوله. اتفقوا على أن القرآن نزل به جبرائيل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، فكتبه السفرة، ثم نزل منجّماً في ثلاث وعشرين سنة. وسميت ليلة للقدر؛ لأن الأمور المتعلقة بذلك العام وأقدارها تكتب من اللوح فيها وتدفع إلى الملائكة.
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لم تبلغ درايتك كنه فضلها. ثم بينه بقوله:
(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) أي: القيام بالعبادة فيها خير من القيام بالعبادة في ألف شهر خالية عنها. عن مجاهد: ذَكَرَ رسول اللَّه ﷺ رَجلًا مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ، لَبِسَ السِّلاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَتعَجِبَ الْمُسلِمُونَ فنزلت. وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة ﵁: " أن رسول اللَّه ﷺ قال: مَنْ قَامَ لَيلَة الْقَدْرِ إيمانًا
стр. 409
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مِنْ ذَنْبهِ مَا تَقدِّمَ ". والأكثر على أنها في أوتار العشر الأخيرة من رمضان. ومن علامتها: أنَّ ليلتها ساكنة لا حرّ ولا برد، ولا يرمى فيها بكوكب، وهي صافية كأنها قمراء تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع، وروى الترمذي عن حسن بن علي عن رسول اللَّه ﷺ أنه أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فنزلت، وعدوا أيام بني أمية فوجدوها ألف شهر. وأهل الحديث ينكرونه.
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ... (٤) بيان لما فصلت. والروح: جبرائيل. وقيل: خلق لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة. (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أي: تنزل لأجل كل أمر، وقضاء وقدر في تلك السنة. وإنما تنزل تعظيماً لها، ونشراً لخيرها وبركتها.
(سَلَامٌ هِيَ ... (٥) مثل " تميمي أنا " أي: ما هي إلا سلامة أي: لا يقضى فيها إلا السلامة والخير. وعن مجاهد: لا يستطيع الشيطان في تلك الليلة على عمل السوء. وقيل: سميت سلاماً؛ لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين والمؤمنات. (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) غاية
стр. 410
للسلامة أو السلام، والمطلع مصدر أو زمان. وقرأ الكسائي: بكسر اللام والفتح أخف، وهو القياس.
* * *
تمت سورة القدر، وللَّه الحمد.
* * *
стр. 411
سُورَةُ الْقَيِّمَةِ
مكية، وقيل مدنية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) حكاية مقالة أهل الكتاب والمشركين، كانوا قبل البعثة يقولون: لا ننفك عمّا نحن فيه حتى يأتينا النبي الموعود.
(رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) بدل من البينة. (يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) الصحف: صحائف المصاحف، والكتب القيمة: القضايا والأحكام القويمة المسطورة فيها.
(وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) توبيخ لهم، وإلزام بأنَّ ما كانوا يعدونه سبب الوفاق والوئام، جعلوه سبب الافتراق والاختلاف. ونظيره قوله. (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) وإنما أفرد
стр. 412
أهل الكتاب بعد جمعهم مع المشركن أولاً؛ لأنهم إذا تفرقوا مع علمهم فالمشركون أولى بذلك.
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... (٥) استدل به على وجوب البينة في العبادات. (حُنَفَاءَ) مائلين عن الباطل، والعقائد الزائغة. (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) دين الملة القويمة.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ... (٦) يوم القيامة، أو بعد موتهم؛ لأن قبورهم حفر النيران. والاشتراك في مطلق الدخول لا في مقدار العذاب والدركات. (أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) الخليقة.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ... (٨) أطنب في أوصاف الجنة وقيّد الجزاء بأنه عنده، وأكد الخلود بالتأبيد؛ إشارة إلى سبق رحمته. ﵃ فوق ذلك الجزاء، (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ). (وَرَضُوا عَنْهُ) بما منحهم مما لا مزيد عليه. (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) ذلك المذكور لكل من خشي ربه. وقرأ نافع وابن ذكوان البريئة بالهمز وهو الأصل، من برأ: خلق. قال يونس: خالف أهل مكة العرب فهمزوا البريئة والنبيء، وكذا عن سيبويه.
* * *
تمّت، والحمد على نعم عمَّت.
* * *
стр. 413
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
مختلف فيها وهي سبع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) الزلزلة: تحريك بعنف، ومنه الزلزال للشدائد، وإضافته للأرض للمبالغة أي: ما يمكن لها من الزلزال والمراد: النفخة الثانية؛ لقوله: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) ما في بطنها من الأموات والكنوز. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: " تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا، كالأسطوان مِن الذهبِ وَالْفِضَّةِ، فيقول القاتل: فِي
стр. 414
هَذَا قَتَلت ويقول القاطع: فِي هَذَا قَطعْتُ رَحِمِي ويقول السارق: في هَذا قطِعَت يَدي ثُمَّ يَدَعُونه فَلَا يَأخُذون مِنْهُ شَيْئًا ".
(وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) حتى أخْرَجت هذه الأثقال. يقولون تعجباً. وقيل: القائل الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث، وأما المؤمن فيقول: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدقَ الْمُرْسَلُونَ).
(يَوْمَئِذٍ ... (٤) بدل من " إذا ". وناصبهما " تُحَدِّثُ "، أو انتصب " إذا " بمضمرٍ. ويومئذ (تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) أي: تحدِّث كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها. رواه الترمذي والنسائي وأحمد. وقيل: بلسان الحال وهى الأحوال التي أحدثها اللَّه تعالى فيها من الزلزلة، ولفظ الأموات، والدفائن.
стр. 415
(بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) الباء للسببية، أو بسبب إيحاء ربك إليها بالتحديث ويجوز أن يكون (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) بدلاً من (أَخْبَارَهَا) يقال: أوحى له وإليه كذا وبكذا.
(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا ... (٦) متفرقين، كل شيعة مع إمامها كما كانوا في الدنيا (يَوْمَ نَدْعُوا كل أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) " كان رسول اللَّه ﷺ يمشي يوماً بين أبي بكر وعمر ﵄، آخذاً بيد كل منهما فقال. هَكَذَا نُبْعَث يَوْمَ الْقيَامَة إن شاء اللَّه تعالى ". (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا).
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) أي: يرى جزاءه. وتفصيل؛ لقوله (أَشْتَاتًا). وحسنات الكافر لها مدخل في التخفيف كما أنَّ زيادة سيئاته توجب ضعف العذاب. ولا ينافي حبوط عمله؛ لأنَّ ذاك معنى آخر. روى البخارى بسنده أن رسول اللَّه ﷺ قال: ليس في القرآن آية أشمل منها وأعمّ لكل عمل.
* * *
стр. 416
تمّت السورة، والحمد للَّه على آلائه الموفورة.
* * *
стр. 417
سُورَةُ الْعَادِيَاتِ
مكية، أحد عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) أقسم بخيل الغزاة العاديات في الكر والفر. والضبح: صوت أنفاسها حين العدو. وعن أبي عبيد: هو السير. نصبه على المصدر إما من فعله المحذوف، أو بالعاديات؛ لأنّه يلازم العدو، أو الحال. وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنها الإبل؛ إذ لم يكن مع رسول اللَّه ﷺ يوم بدر سوى فرسين: فرس المقداد، وفرس أبي قتادة. ولا أظن صحته؛ لأن الخيل آلة الجهاد لقوله: " وَمَنْ رَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّه فلهُ أجرُ أبوالِها وأرْواثِها " رواه البخاري. وناهيك قوله. (مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)، وعدم وجدان الخيل في غزوة بدر لا تمنع الإقسام بها. أدلّ من ذلك: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فالمخرجات ناراً من الحجارة بصكِّ حوافرها قادحات.
стр. 418
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) وقت الصباح " كان رسول اللَّه ﷺ ينزل بقرب العدو حتى يصبح، فإن سمع الآذان كفَّ وإلَّا أغار ". وقال: " إِنَّا إِذا نزلْنَا بسَاحَة قَوْمٍ (فَسَاءَ صَباح الْمُنْذَرِينَ) ".
(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) بذلك الوقت والمكان غباراً كما ترى في مواقع الحروب:
كَأَنَّ مُثارَ النَقع فَوقَ رؤوسنا ... وَأَسيافَنا لَيلٌ تَهاوى كَواكِبُه
وقيل: أصوات الذين أغير عليهم. (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) من جموع الأعداء. أو أقسم بالنفوس العدية في طلب الكمال، المتأوهة على الفرطات، المورية بإقدام الأفكار من صخور المسالك أنوار المعارف، المغيرات على جيش الهوى بالاستغفار في الأسحار، فأثرن به غبار الشوق، فوسطن به جمعاً من جموع الملأ الأعلى.
(إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) لكفور جحود، وعن الحسن: هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم. وعن أبي أمامة: سئل رسول الله ﷺ قال: "
стр. 419
لَكَفُورٌ مَنْ يَأكلُ وَحْدَهُ وَيَضْرِب عَبْدَه، يمنع رِفْدَهُ ". (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) يدل على كونه كنوداً حاله. وعن الثوري: الضمير للَّه.
(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) شديد الحب للمال الكثير. "لوْ كانَ له واديان مِن ذَهب لابتغَى ثالثاً وَلَا يَمْلَأ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ ". (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) [ من الموتى أي: البعث، وفي زيادة الراء مبالغة كبحث مع بحثر].
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) أبرز ما فيها من السرائر والضمائر.
(إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) بأعمالهم والإخلاص فيها. وآثر " ما " أولاً ثم قال: " بهم "؛ لأنهم حال البعث تراب ورفات.
* * *
تمت ولله الحمد، والصلاة على رسوله وآله وصحبه.
* * *
стр. 420
سُورَةُ الْقَارِعَةِ
مكية، عشر آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) القرع؛ الضرب بشدة، والقارعة: من أسماء الساعة؛ لأنها تقرع الناس بالأهوال والأفزاع، أو تقرع أعداء اللَّه بالعذاب، أو لاصطكاك الأجرام العلوية والسفلية فيها. وقد بالغ في التهويل بإبهام أمرها مرتين. ولفظ القارعة أبلغ من الحاقة.
(يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) يَوْمَ نُصب بما دلّ عليه القارعة. شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار، مثله قوله: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) وهذه أبلغ؛ لما في المثل: " أضعف من فِراَشَةٍ وأذَلّ وأجهل ".
(وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) الصوف الملون المندوف؛ لأن الجبال بيض وحمر وغرابيب سود.
(فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) ترجحت مقادير حسناته. روى البخاري بسنده أن رسول اللَّه ﷺ قال: " ينشر للمؤمن صحائف سيئاته ثلاثمائة صحيفة، كل منها مد بصره، ثم
стр. 421
يخرج له بطاقة فيها كلمة لا إله إلا اللَّه، ويقال: احْضُرْ وَزنكَ فيقول: ماذا عسى تفعل هذه البطاقة مع تلك الصحائف؟! فتوضع البطاقة في كفه، والصحائف في أخرى، فتطيش صحائف السيئات، ولا يوازن اسم اللَّه تعالى شيء ".
((فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) مرضية. الإسناد مجازي، أو ذات رضى.
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) وهو الكافر الذي ليست معه كلمة الإخلاص.
(فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) من أسماء النار؛ لأنها تهوي بالداخل فيها سبعين خريفا. وسميت " أمًّا " على التشبيه؛ لأنَّ الأمّ تأوي الولد. وعن قتادة: أمّ رأسه هاوية؛ لأنه يسقط فيها منكوساً. ويردّه قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) لأنه شرع للهاوية. فإن قلت: كل نار حامية!
قلت: معناه حامية وأي حامية، كأن سائر النيران بالنسبة إليها ليست حامية. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ
стр. 422
جُزءاً مِنْ نَارِ جَهَنِّمَ ". وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " أُوقِدَ عَلَيها أَلف سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّت، ثُمَّ أُوقدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّت ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَة حَتى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَودَاءُ مظْلِمَة " عفانا اللَّه منها.
* * *
تمّت والحمد للَّه على الدوام، وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام.
* * *
стр. 423
سُورَةُ التَّكَاثُرِ
مختلف فيها وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) شغلكم التباري والتباهي بالكثرة عن طاعة اللَّه، لهى عن الشيء: غفل عنه.
(حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) أي: إلى حين الموت لم ترجعوا عنه. وقيل: تفاخر بنو عبد مناف وبنو سهم بكثرة القبيلة فنزلت. عن قتادة: نزلت في طائفتين من الأنصار تكاثروا حتى عدوا الأموات.
(كَلَّا ... (٣) ردع لهم عن مثله (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) خطأكم في ذلك. ما لابن آدم وللفخر، وأوله نطفة مَذِرَة، وآخره جِيفةٌ قذرةٌ بين الحجر والتراب.
(ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كرره تأكيداً، والأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور. وفي " ثم " دلالة على أن الثاني أبلغ.
стр. 424
(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) تكرير للتنبيه. والجواب محذوف أي: لو علمتم بإقدامكم على العقبة الكؤودة كما تستيقنون من سائر الأمور، لجهدتم غاية الجهد. وفي الحديث. " لَو علمتم مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيتم كَثيرًا ".
(لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) جواب قسم محذوف، ولا يصلح أن يكون جواب لو؛ لكونه محقق الوقوع. قرأ ابن عامر، والكسائي. (لَتُرَوُنَّ الْجَحِيمَ) بضم التاء.
(ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) مشاهدة. ولا علم فوقها.
(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) الذي كنتم فيه، هل شكرتم أم لا؟ وروى البخاري أنَّ رسول اللَّه ﷺ ، وأبَا بكر، وعمر ﵄ دخلوا حديقة أبي الهيثم أيام
стр. 425
الرطب، فذبح شاة وأطعمهم من الرطب والبسر، وسقى ماء بارداً، فقال رسول اللَّه ﷺ : " هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامهَ ". وقيل: الخطاب خاص بمن ألهاه النعمة والتكاثر بالأسباب، عما يعنيه من الشكر لموليها.
* * *
تمت، والحمد لمن آلاؤه جلَّت.
* * *
следующие страницы →