← Тафсир

Тафсир · id 95562

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (458 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

- ﷺ : " الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة؛ وعن سعيد بن جبير: " الشاهد: هو اللَّه، والمشهود: يوم القيامة ". (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) دليل جواب القسم، أي: أقسم أنَّ قريشاً لملعونون، أحقاء بأن يقال فيهم: قتلوا كما قتل أصحاب الأخدود. وقيل: المذكور هو الجواب. والأول: هو الوجه، لأنَّ الكلام مسوق لتصبير المؤمنين وتهديد المشركن كما دل عليه آخر السورة. والأخدود: جمع خدّ وهو الشق. وفي الحديث: " أَنْهَارُ الجَنَّةِ تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدود " والقصة على ما رواها مسلم: " أنَّ رسول اللَّه ﷺ أخبر أنه كان فيمن كان قبلكم ملك كافر له ساحر، فلما كبر سأل الملك أن يدفع إليه غلاماً ليعلمه السحر، فدفع إليه غلاماً، وكان في طريق الغلام راهب على ملة عيسى، فسَمِعَ الرَّاهِبَ وأَعْجَبَهُ كلامه، فانقطع من الساحر إلى الراهب، فكان يضربه الساحر لانقطاعه، فقال له الراهب، إذا قال لك الساحر ما حبسك عني قل حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك قل حبسني الساحر، فمرّ يوماً على دابة عظيمة في الطريق قد حبست الناس، فأخذ حجراً فقال: " اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب

стр. 352

إليك من الساحر فاقتل هذه الدابة "، فرماها فقتلها فأخبر الراهب فقال: " إنك أفضل مني، وستبتلى فلا تدل عليَّ "، فشرع الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، وكان جليس الملك قد عمي، فأتى الغلامَ بأموال وقال: " اشفني "، قال. " الشافي هو اللَّه، فإن آمنت به دعوت اللَّه فشفاك "، فآمن فدعا الغلام فشفاه اللَّه، فلما حضر الملك قال. " من ردّ عليك البصر "؟ قال: " ربي "، قال: " أنا "؟ قال: " لا، ربي وربك اللَّه "، فأخذه يعذبه حتى دل على الغلام، فلما أتي به قال: " بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص "؟ قال: " الشافي هو اللَّه "، قال: " أولك ربٌّ غيري "؟ قال: " ربي وربك اللَّه "، فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب، فقال للراهب: " ارجع عن دينك " فلم يرجع، فوضع المنشار على رأسه فشقه، ودفع الغلام إلى جماعة فقال: " اذهبوا به إلى ذروة شاهق فألقوه "، فلما علوا به الجبل، فقال: " اللَّهم أكفنيهم "، فرجف بهم الجبل فهلكوا عن آخرهم، فرجع الغلام سالماً، فسأله الملك عن القوم؟ فقال: " هلكوا "، فدفعه إلى نفر وقال: " اجعلوه في قرقور " فإذا توسطتم البحر فألقوه في البحر "، فلما توسطوا البحر قال: " اللَّهم اكفنيهم "، فغرقوا ورجع الغلام إلى الملك، فقال: " ما فعل أصحابك "؟ قال: " غرقوا "، ثم قال للملك: " أنت لا تقدر على قتلي إلا إذا فعلت ما آمرك به، اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني، وخذ سهمًا من كنانتي وقل: بسم اللَّه ربِّ الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قدرت على قتلي "، ففعل ذلك فقُتل الغلام، فقال الناس: " آمنا بربِّ الغلام " فأمر بأفواه السكك فخدّت أخاديد وأضرمت فيها النيران وقال: " من رجع عن دينه فدعوه "، فكانوا يتعادون ويتدافعون إلى النار رغبة في الموت على الدِّين، فجاءت امرأة تحمل رضيعا فتقاعست فناداها الرضيع: " يا أمِّاه اصبري فإنك على الحق "، فألقت نفسها مع الصبي ". وعن عليٍّ: أنهم حين اختلفوا في

стр. 353

أحكام المجوس، قال: هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين به، فشرب بعض ملوكهم الخمر، ووقع على أخته، فلمّا صحا ندم وطلب المخرَجَ، فقالت أختُه: المخرج أن يخطب ويقول في الخُطبة: أيها الناس إنَّ اللَّه قد أحلّ نكاحَ الأخواتِ، ثم بعد ذلك تَخْطُبُ وتقول: إنَّ الله قد حرّم ذلك، فخطب، فلم يقبلوا منه فبسط فيهم السوطَ فلم يقبلوا، فقالت: ابسِطْ فيهم السيفَ، ففعل فلم يقبلوا، فأمرتْه بالأخدودِ وإيقادِ النار وإلقاء من أبى فيها ". وروى ابن إسحاق: أنَّ رجلا عالماً من علماء النصارى وقع بنجران فدعاهم إلى دين عيسى فآمنوا به فسار إليهم ذو نواس اليهودي من بلاد اليمن، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا،

стр. 354

فأحرق منهم اثني عشر ألفاً، وقيل سبعين ونجا منهم رجل فلحق بقيصر، فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يحثه على قتال ذي نواس ونصر دين عيسى، فأرسل النجاشي جيشاً أميرهم أرياط فهزم ذا نواس اليهودي، حتى دخل البحر في سفينة وغرق فيها، واستمر مُلك اليمن في يد الحبشة سبعين سنة حتى استنقذه سيف بن ذي يزن من أبناء تبع وهو الذي أخبر عبد المطلب بشأن رسول اللَّه وصفاته ". (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) النار بدل اشتمال. و (ذَاتِ الْوَقُودِ) صفة لها بالعظمة وكثرة الوقود من الحطب والناس. قيل: كان طول الأخدود أربعين ذراعاً في عرض اثني عشر. (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) ظرفا لـ " قتل "، أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها.

стр. 355

(وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه سعى في إحراقهم ولم يقصر، أو يشهدون يوم القيامة على أنفسهم (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ). (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) أي: وما عابوا منهم إلا أفضل المناقب، وأحسن الخصال وهو الإيمان بمن هذه صفاته، من كونه غالباً على كل شيء، منعماً محموداً على نعمه. كقوله: وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَن سييوفَهُم ... بِهِنِّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائبِ. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) أعاد المظهر؛ للدلالة على أنَّ شمول العلم شأن الألوهية ومن لوازمها. (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ... (١٠) يشمل أصحاب الأخدود وغيرهم (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) لكفرهم. (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) نار أخرى عظيمة تتسع بهم كما يتسع الحريق لفتنتهم، وقيل: هم أصحاب الأخدود لما روي " أنَّ النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ". (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) الذي يستحقر ملك الدنيا دونه.

стр. 356

(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) البطش: هو الأخذ بالشدة والعنف. فالوصف بالشدة زيادة مبالغة، ثم قرر ذلك بقوله: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) ومَن هذا شأنه يكون بطشه وانتقامه من أعدائه في نهاية الشدة، وقيل: يبدئ البطش في الدنيا ويعيده في الآخرة، وهذا يلائم ما قيل: إنَّ النار انقلبت على أصحاب الأخدود. وَهُوَ الْغَفُورُ ... (١٤) للذنوب (الْوَدُودُ) لمن تاب (ذُو الْعَرْشِ ... (١٥) خالق العرش، أو كنى به عن الملك (الْمَجِيدُ) خبر رابع لـ " هو ". ومجد اللَّه عظمته وكبرياؤه. وقرأ حمزة والكسائي بالجر صفة العرش، والمراد به: عظمة جرمه، أو اتساع الملك؛ دلالة على كمال الاقتدار. والرفع أولى؛ لكونه غالباً في صفاته تعالى. (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) لا يتأتى عليه مراد. خبر مبتدأ محذوف، لدلالته على تحقق الوصفين: البطش بالأَعداء، والمغفرة والودّ للأولياء. ولو جعل خبر " هو " المذكور " فات " ولا يخفى ما في التنكير وزيادة اللام من الفخامة. (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) أبدلهما عن " الجنود "؛ لأنَّ المراد: فرعون وملأه، وضمّ ثمود إليه دون غيرهم؛ لقرب بلادهم، ورعاية للفاصلة. والمعنى: قد أحطت علماً بتكذيبهم، وما حاق بهم؛ تسلية له وتهديد لقومه. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) في الإضراب دلالة على أن حال هؤلاء أعجب من أولئك، فإنهم سمعوا بأخبارهم وشهدوا آثارهم وهم مستغرقون في التكذيب.

стр. 357

(وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) علماً وقدرة، لا يفوته أحد. جملة معترضة. (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) أي: ما كذبوا به قرآن شريف معجز. في الإضراب ترقٍّ، وإشارة إلى أنَّ تكذيبه خارج عن سائر أنواع التكذيب. (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) عن جمهور الملائكة، لا يطلع عليه إلا بعض المقربين، فكيف يكون كذباً؟. * * *

стр. 358

سُورَةُ الطَّارِقِ مكية، وآيها سبع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) الطارق: من الطرق وهو القرع والدّق، أطلق على الآتي بالليل؛ لأنه يحتاج إلى دق الباب. والمراد به: الكوكب؛ لظهوره بالليل. (النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) أبهمه أولاً ثم فسّره؛ إظهاراً لفخامه شأن المقسم به. والثاقب: المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره. (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) إن: هي المخففة، و " اللام ": الفارقة، و " ما " مزيدة. أي: إنَّ الشأن كل نفس عليها حافظ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: لمّا بتشديد الميم بمعنى: إلَّا، على إن " إن " نافية، والجملة جواب القسم. (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) أي: لما ثبت أن عليه حافظاً، فلينظر في نفسه، فإنها أقرب الأشياء إليه، وكيفية تَكَوّنها، فإن ذلك النظر يوصله إلى الحافظ الحقيقي، ويعرفه أنه لم يخلق سدى. (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) ذي دفق نسبة كَلاَبنٍ وتَامِر. أو إسناد مجازي وصف بوصف صاحبه. (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) أي: صلب الرجل وترائب المرأة: موضع القلادة، أو ما بين ثدييها. كذا عن ابن عباس ﵄، جمع تربة. ولا ينافي قول الأطباء أنه

стр. 359

يتولد من جميع أجزاء البدن بعد الهضم الرابع، فيأخذ من كل عضو ما يستعد لأن يكون عضواً آخر مثله؛ لأنه نبّه مع الاختصار على الأعضاء التي هي أصول في التولد، وذلك أن الترائب تشمل القلب والكبد والكلى، والصلب الدماغ؛ لاتصال النخاع بالدماغ، وينزل من الدماغ شعب إلى مقدم البدن، وهي الترائب، على أنَّ كلامهم مبناه على الأوهام والظنون، وكلام اللَّه تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. (إِنَّهُ ... (٨) أي: اللَّه تعالى، فخّم أولاً بترك الفاعل في (مِمَّ خُلِقَ)، وثانياً بالإضمار؛ لعدم ذهاب الوهم إلى الغير. (عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) أي: على إعادة الإنسان، وقيل: الضمير للماء أي: يقدر على رجعه إلى مخرجه. (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) منصوب بـ (رَجْعِهِ)، والفاصل ليس بأجنبي؛ لأنه متعلّق الجار، أي: تكشف وتظهر. جمع سريرة وهي ما أخفي من العقائد والأعمال. (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) من منعة في نفسه ولا من غيره. (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) ذات المطر، سمي رجعاً؛ تفاؤلاً، أو لأن اللَّه يرجعه وقتاً وقتاً، أو لأن العرب تزعم أن السحاب يُحمل من بحار الأرض ثم ترجعه إلى الأرض. (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) النبات، أو الشَّق بالنبات والعيون. (إِنَّهُ ... (١٣) أي: القرآن، أو ما أخبرتم به من الاقتدار على الإحياء، والأول أولى؛ لتناوله هذا وغيره. (لَقَوْلٌ فَصْلٌ) حدٌّ فاصل بين الحقِّ والباطل (وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) في شيء، بل جدُّ كله.

стр. 360

(إِنَّهُمْ ... (١٥) أي: أهل مكة (يَكِيدُونَ كَيْدًا) يجتهدون في نصب المكائد وإطفاء نوره، يسمونه شعراً وسحراً وكهانة. (وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) بإفاضته النعم عليهم، والعافية في مقابلة ذلك؛ استدراجاً ليزدادوا. (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ ... (١٧) إلى الوقت المضروب لهم في علمه تعالى. (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) إمهالًا يسيراً، كرر؛ مبالغة في التسكين والتصبير، وخالف؛ لأنه أوكد من مجرد التكرار. * * * تمت سورة الطارق، والحمد للخالق، والصلاة على الكامل الصادق، وآله وصحبه ما لمع شارق. * * *

стр. 361

سُورَةُ الْأَعْلَى مكية، وهي سبع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الخطاب عام، أو له وأمته تبع. وكما يجب أن ينزه ذاته عمّا لا يليق من الأوصاف، فكذا الأسماء الدالة عليه تحمل على معاني الكمال والجلال، وتصان عن التأويلات الزائغة، وأن لا يذكر إلا على وجه التعظيم؛ تأدباً بآداب اللَّه. ألا يرى إلى قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) كيف يرشد إلى ذلك؟ (الأعلى) الأولى جعله صفة للاسم، ويجوز أن يكون وصفاً للرب. عن عقبة بن عامر قال: " لما نزل (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال لنا رسول اللَّه ﷺ : اجعلوه في ركوعكم، ولما نزل (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال: اجعلوه في سجودكم ".

стр. 362

(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) خلق كل شيء فسواه، بأن جعل له ما يتأتى كماله به ويتم معاشه. (وَالَّذِي قَدَّرَ ... (٣) الأشياء أجناساً وأنواعاً وأشخاصاً. (فَهَدَى) بنصب الدلائل، والإلهام وإرسال الرسل، وإنزال الآيات. قرأ الكسائي: "قَدَرَ " مخففاً من القدرة، والتشديد أبلغ وأوفق بسائر الآيات. (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) النبات الذي ترعاه الدواب. (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) حطاماً أسود بعد خضرته ورفيفه. والأولى جعل " أحوى " حالاً من المرعى. أي: أخرجه أسود من شدة الخضرة، والفاصل بين الحال وصاحبها ليس أجنبياً. وفي تقديمه إشاره إلى سرعة طريان الجفاف كأنه قيل: إن يتمّ رفيفه يصير غثاء. (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) كأنه لما أمر بتنزيه اسمه خالج قلبه خوف النسيان، فبشره تعالى بإكمال قوته الحافظة بأن لا ينسى شيئاً. (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... (٧) نسيانه، ولا بأس عليه في ذلك. وفي الحديث: " إِنِّمَا أَنَا بَشرٌ أَنسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي "، أو

стр. 363

إلا ما شاء اللَّه نسيانه برفع تلاوته وحكمه، وقيل: نفى النسيان رأساً. وقيل: نهي، والألف للفاصلة. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) وقد علم خوفك من النسيان ولذلك أزاله عنك. أو عالم بالأحوال، ولذلك تنسى ما فيه حكمة ومصلحة، أو يعلم جهرك في القراءة مع جبرائيل مخافة فوت شيء منه، فلذلك ضمن لك حفظه. (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) نوفقّك للطريقة التي هي أيسر الطرق، وهي شريعته التي لا إصر فيها ولا إغلال كما قال ﷺ : " جئتكم بالحنيفية السمحاء لو كان ابن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي ". عطف على " سنقرئك ". وقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) اعتراض. (فَذَكِّرْ ... (٩) اشتغل بالتذكير بعد أمنك من النسيان. (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) كان مأموراً بالتبليغ والدعوة نفعت الذكرى أو لم تنفع، فلما دعاهم وبلغ في ذلك أقصى جهده حتى قال له: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أشار إلى استبعاد النفع فيهم كأنه قال: افعل ما أمرت به لتؤجر، وإن كانوا أهل الطبع. أو المعنى: ذكّر

стр. 364

المؤمنين وأعرض عن هؤلاء (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) يؤيده قوله: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) يخشى اللَّه فإنه يتفكر في الآيات ويتعظ بالمواعظ. (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) أي: الكامل في الشقاوة وهو الكافر. و " أفعل " للزيادة المطلقة؛ لدخول الفاسق في السعداء في قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ). (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) نار جهنم في مقابلة النار الصغرى وهي نار الدنيا، أو الدرك الأسفل. (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ... (١٣) فيستريح. (وَلَا يَحْيَى) حياة طيبة. " ثم "؛ للدلالة على أن كونه لا ميتاً ولا حياً أقطع من دخول النار. وروى مسلم عن أبي سعيد عن رسول اللَّه ﷺ : " أنّ أهل النار الذين لا يريد اللَّه إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون؛ والذين يريد إخراجهم يميتهم فيها إماتة ثم يخرجون فيلقون في أنهار الجنة ". (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) تطهر من أوضار الشرك والمعاصي، أو تكثّر من صفات التقوى، أو تطهّر للصلاة، أو آتى الزكاة. والرواية عن علي: " أن المراد زكاة الفطر ". لا

стр. 365

تصح؛ لأن السورة مكية، ولا عيد بها ولا فطر. والأوجه حمله على التزكي في الأعمال والإخلاص فيها؛ لقوله: (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ). (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) ولا دلالة فيه على تكبيرة الافتتاح ليستدل به على خروجها عن الصلاة. وجواز قيام سائر الأذكار مقام التكبير. (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) الخطاب عام أو خاص بأهل مكة. والمضرب عنه (قَد أَفْلَحَ)، أو (ذَكَرَ) أي: تؤثرون الحياة على الفلاح أو الذكر، وقرأ أبو عمرو بالغيبة باعتبار (الْأَشْقَى) إذا لم يرد به معين. والخطاب أولى؛ لقول ابن مسعود ﵁ " عجلت لنا الدنيا فآثرناها "، ولقراءة أُبيٍّ: (بَلْ أَنتمْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدنيا) وفيه إشارة إلى قلة النفوس الكمّل، على أسلوب (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَكُورُ). (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إذ نعم الدنيا لا تشارك نعم الآخرة إلا في الاسم مع سرعة زوالها.

стр. 366

(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) المشار إليه جميع ما في السورة، أو (قَدْ أَفْلَحَ منْ تَزَكَّى)، أو (خَيْرٌ وَأَبْقَى). والأول أعمِّ وأصح؛ لما روى النسائي عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " كلها ". (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) روي عن أبي ذر أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " أنزل اللَّه تعالى مائة وأربعة كتب، على آدم عشر صحائف، وعلى شيت خمسين، وعلى إدريس ثلاثين، وعلى إبراهيم عشراً، والتوراة والزبور، والإنجيل، والفرقان ". * * * تمت سورة الأعلى، والحمد لمن له الأسماء الحسنى، والصلاة على صاحب المعراج والإسراء، وآله وصحبه أولي الفضائل والتقى. * * *

стр. 367

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ مكية، ست وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) أي: القيامة؛ لأنها تغشى الناس بأهوالها وأفزاعها. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) ذليلة. (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) عملت في الدنيا وتعبت بلا نفع (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، أو " عاملة " في النار بجر السلاسل والأغلال، " نَاصِبَةٌ " في الصعود والهبوط في جبال النار وأوديتها. وقل: هؤلاء نُسّاك اليهود والنصارى أصحاب الصوامع كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. (تَصْلَى نَارًا ... (٤) تدخلها، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر بضم التاء على بناء المفعول، من أصليته أدخلته النار وهو أبلغ وأوفق بقوله: " تُسْقَى ". (حَامِيَةً) في غاية الحرارة؛ لأنَّ النار لا تكون إلا حارة. (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) . متناهية.

стр. 368

(لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً فإذا يبس تتحاماه، وهو سمٌّ قاتل، ولا ينافيه (إلا مِنْ غسلِين)؛ لاختلاف طبقات الأكل، لبعضهم الغسلين، ولبعضهم الضريع، ولبعضهم الزقوم. أو بحسب الأوقات كمأكولات الدنيا، في كل فصل يؤكل ما يلائمه جزاء على ما كانوا فيه من التنقل في اللذات. (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) مرفوع المحل، أو مجروره على وصف " طعام "، أو " ضَرِيعٍ " أي: مع ما يقاسون منه في التناول لم تترتب فائدة الأكل؛ لأنَّ الغرض منه أحد الأمرّين. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) ذات بهجة ورونق كقوله: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ). ولم يعطف الوجوه على الوجوه عطف أحد الضدين على الآخر؛ لأن الإتيان هما على وجه الاعتراض استطراداً. (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) لما رأت من ثوابها. (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) علو المكان والمقدار. لَا تَسْمَعُ فِيهَا ... (١١) في المخاطبة أو الوجوه. (لَاغِيَةً) كلمة ذات لغو أو لغواً أو نفساً تلغو فإن كلام أهل الجنة ذكر وحكم.

стр. 369

(فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) أي: عيون كثيرة كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) وقيل: التنكير للتعظيم. (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) سِمْكاً، أو قدراً. (وَأَكْوَابٌ ... (١٤) أباريق لا عرى لها. (مَوْضُوعَةٌ) عن حدّ الكبر أي: أوساط معتدلة، أو موضوعة بين أيديهم لا يحتاجون إلى الطلب، أو على حافات العيون؛ لأنَّها ألذ منظراً كما يتعاطاه أهل الشرب في مجالسهم. (وَنَمَارِقُ ... (١٥) جمع نُمْرُقة بضم النون والراء وكسرهما وهي الوسادة. (مَصْفُوفَةٌ) بعضها إلى بعض ليجلس حيث اختار كما يفعله الملوك في قصورهم؛ لئلا يحتاجوا إلى النقل. (وَزَرَابِيُّ ... (١٦) بُسُطٌ عِرَاضٌ فاخِرةٌ. وقيل: ما فيه حمل رقيق، جمع زَرِبيةٌ (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) عاد إلى ما افتتح به السورة من ذكر القيامة وأهوالها. ولما كان الكلام مع العرب، وجلّ مالهم هي الإبل، ولم تزل مخيلتهم مشحونة بتخيل الماء والمرعى. فكما انتظم خيالهم الإبل، والمطر النازل من السماء المنبت في الجبال والأراضي الكلأ، انتظم الذكر على نحو ما انتظمه ذلك الخيال. وفي خلق الإبل، وإعضائها، وأخلاقها، من التحمل على المشاق، وسرعة الانقياد، مع عظم الجثة ما يقضي منه العجب. حكى بعض الثقات " أن قطاراً منها افتقدت، فوجدوها قد أخذ فأره بحبل

стр. 370

خطامها، فدخلت به بيتها، فتبعتها ". قال بعض الأدباء: " أردت أن أؤلف كتاباً في شرح خلقها، فتصورت أن لو فعلت جاء مجلدا ". (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) بلا عمد (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) نصباً راسخاً لا تميل ولا تزول في تلك المدد المتطاولة (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) حتى صارت مهاداً، سهل التقلب عليها. فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) بمتسلط كقوله: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النِّاسَ حَتَّى يَقُولوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه فَإِذا قَالُوا عَصموا مِنِّي دِمَاءَهمْ وَأَموَالَهُم إِلا بِحَقِّهَا وَحسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قرَأَ: (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) ". قرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد زاياً. ولخلاد وجهان: الصاد الخالصة، والإشمام. وهشام بالسين وهو الأصل. والباقون بالصاد وعليه الرسم.

стр. 371

(إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) استثناء منقطع، أي: ولكن من أعرض وكفر (فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) عذاب الحريق في جهنم، وقيل: متصل فإن الجهاد مع الكفار تسلط عليهم، وقيل: استثناء من " فذكر " أي: فذكر إلا المعرض الكافر، وما بينهما اعتراض. (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) رجوعهم (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) لا محالة. سبق به الوعد، وفيه تسلية له، وتهديد لهم. * * * تمت سورة الغاشية، والحمد على نعمه الوافرة الوافية، والصلاة على من شفاعته كافية، وعلى آله وصحبه صلاة زاكية. * * *

стр. 372

سُورَةُ الْفَجْرِ مكية، وآيها تسع وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالْفَجْرِ (١) هو الصبح. أقسم به كما أقسم به في قوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) وعن عكرمة ومحمد بن كعب: هو فجر يوم النحر. وقيل: بتقدير المضاف أي: وصلاة الفجر. (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) عشر ذي الحجة قاله: ابن عباس ومجاهد ﵄. روى البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى اللَّه فيهن من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد يا رسول اللَّه؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج بماله، ونفسه، ثم لم

стр. 373

يرجع بشيء منهما ". وإنما لم تعرّف الليالي العشر؛ لأنَّها ليال مخصوصة، فلو عرّفت كانت اللام للعهد، فلم يجانس السابقة واللاحقة. (وَالشَفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) الأشياء كلها، أو الخلق؛ لقوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ). وقد أكثروا القول في الاحتمالات، ولا طائل تحته. وقرأ حمزة والكسائي: (الوِتر) بكسر الواو، وهما لغتان، والفتح أخف، ومصدر وَتِر أحق بالكسر لا غير. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) إذا انقضى ومضى كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ). أثبت ياءه ابن كثير في الحالين، ونافع وأبو عمرو في الوصل، وحذَفَهُ الباقون اكتفاءً بالكسر. (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أي: هل في الأشياء المذكورة ما يحق عنده أن يكون مقسماً به؟، أو هل في الإقسام بها إقسام له؟. وعلى الوجهين أريد تعظيم المقسم به، ويلزم منه توكيد المقسم عليه، والاستفهام للتقرير. والحجر: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية لذلك. وجواب القسم محذوف أي: ليعذبن، دلّ عليه قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَّ سَوْطَ عَذَابٍ).

стр. 374

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) ألم تعلم؟، والخطاب عام، وكان هذا متواترًا عند العرب. وعاد هو: ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح سميت أولاده عاداً، كما يقال لبني هاشم. (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) " إرم " عطف بيان لـ " عاد "؛ وذلك أن أولاد إرم سموا عاداً الأولى. وقيل " إرم " بلدتهم. وعلى الوجهين؛ منع الصرف للعلمية والتأنيث، وإنما وصفوا بذات العماد؛ لكونهم أهل خيام يسكنون البادية، أو لطول قامتهم. روي: " أن منهم كان أربعمائة ذراع "، فشبهت قدودهم بالأعمد. والظاهر: أن " إرم " اسم بلدة، و " ذات العماد " صفتها؛ لِما تواتر وكثر في الأشعار ذكرها. وقصتها: " أن عاداً كان له ابنان شدّاد وشديد. ملكا الأرض، وقهرا الملوك، ثم مات شديد واشتغل شدّاد بالملك، ملك الدنيا بأسرها بلا منازع، فسمع بذكر الجنة، وكان عمره إذ ذاك ستمائة سنة، فبنى مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من اليواقيت والزبرجد، في مدة ثلاثمائة سنة، وفيها الأشجار والأنهار المطردة، وكانت بأرض عدن، فلما تم بناؤها سار إليها بعسكره ليتمتع بتلك القصور والأنهار، فلما كان بينه وبين المدينة مسيرة يوم وليلة، صاح بهم مَلَكٌ صيحة هلكوا عن آخرهم ". وحكي أن عبد اللَّه بن قلابة خرج في طلب إبل له فاتفق دخوله فيها فحمل ما قدر عليه، وأتى به معاوية وأخبر الخبر " واللَّه أعلم.

стр. 375

(الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) صفة أخرى لـ " إرم ". وهذا أيضاً يؤيد أنها اسم البلدة، إذ لو كان اسم القبيلة كان المناسب لم يخلق مثلها في العباد. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) قطعوا الصخور واتخذوا فيها بيوتاً كقوله: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) قيل: نحتوا من الجبال ألفاً وسبعمائة مدينة بالوادي، وادي القرى. أثبت البزي وقنبل في أحد وجهيه الياء في الحالين، وورش وقنبل في الوجه الآخر في الوصل، وحذفها الآخرون. (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) سمي به؛ لكثرة جنوده. إما لأنَّ الجنود كالأوتاد للأمير على التشبيه، أو لكثرة خيامهم، أو لأنه كان يعذّب بالأوتاد وهذا أشهر.

стр. 376

(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) صفة المذكورين من عادٍ، وثمودٍ، وفرعون. مرفوع، أو منصوب. (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) تفسير لطغيانهم. (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) الإضافة بمعنى أي: سوطاً منه. والمراد: تقليل ما أصابهم في جنب عذاب الآخرة؛ ولذلك روي عن الحسن أنه لما تلاها قال: " إنَّ عند اللَّه أسواطاً كثيرة ". وقيل: ما غلظ منه، وذكر السوط كناية عنه. والأول أوفق بسائر الآيات وأشد تهويلاً. (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) مفعال، من رصده: إذا ترقبه، كناية عن عدم الفوت. (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ ... (١٥) متعلق بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) كأنه قيل: إنَّ اللَّه تعالى يرصد العصاة بالعقوبة، والإنسان لا يهمه إلا العاجلة (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) اختبره بالغنى (فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) بالمال والجاه (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) مفتخراً بذلك مدعياً استحقاقه، ولم يتلقه بالشكر. (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ... (١٦) ضيقه عليه. وقرأ ابن عامر: (قَدَّرَ) مشدداً، والمخفف أخف وأوفق بقوله: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ). (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)؛ لقصور نظره إلى الحطام، ولم يدر أنَّ الدنيا لا تساوي عند اللَّه جناح بعوضة، وأنَّ التعبير قد يؤدي إلا كرامة الدارين، ولذلك زواها عن أكثر أصفيائه، أثبت نافع في الوصل، والبزي

стр. 377

في الحالين ياء " أكرمن " و " أهانن "، ولأبي عمرو وجهان: الحذف والإثبات، وحذفها الباقون اكتفاء بالكسر. (كَلَّا ... (١٧) ردع للإنسان عن هذا القول، ثم أشار إلى أنه مرتكب ما هو شر من هذا القول (بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) لا تتفقدون اليتيم بالإحسان، ولا تحثون أنفسكم ولا غيركم على طعام المسكين من غاية الشح، وقلّة الشفقة. وقرأ الكوفيون: بفتح التاء والحاء والألف بعده من التفاعل حذف منه إحدى التائين، أي: لا يحث بعضهم بعضاً، وهذا أبلغ؛ لدلالته على أنهم لا يفعلون المعروف ولا يأمرون به. (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ ... (١٩) الميراث، أصله: وراث، قلبت الواو تاءً كما في " تجاه ". (أَكْلًا لَمًّا) ذا لمٍّ، أي: جمع بين الحلال والحرام، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ويقولون: المال لمن يحمي الحريم، أو تأكلون ما جمعه المورّث من الحلال والحرام لا يميزون بينهما، أو يسرفون في أنواع المواكيل والفواكه كما يفعله الآن الوارث؛ لأنه لم يتعب في تحصيله. (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) شديداً، مع الشره والحرص ومنع الحقوق. وقرأ أبو عمرو: الأفعال الأربعة بالياء غيبة، والخطاب أبلغ تقريعاً. كَلَّا ... (٢١) ردع لهم، وإنكار لفعلهم (إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) دكًّا بعد دكٍّ حتى يصير هباءً منبثًّا. وعيد لهم على تلك الأفعال التي يتحسرون على تركها حين لا ينفع. (وَجَاءَ رَبُّكَ ... (٢٢) مثَّل حاله في ظهور آثار قدرته وسلطانه وتوجه إرادته إلى الانتقام من المجرمين بحال ملك اعتنى بقهر أعدائه، فلم يكتف بالجند والعساكر، بل باشر

стр. 378

بنفسه. (وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) أي: الملائكة كلهم صفّاً بعد صفٍّ على قدر مراتبهم، محدقين بالإنس والجن. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ ... (٢٣) روى مسلم والترمذي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ". " يَوْمَئِذٍ " بدل من " إذا دكَّت "، والعامل فيهما (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ) ما فرط منه، أو يتّعظ (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) استبعاداً لها من حيث النفع؛ لئلا يتناقض ما يتقدمه. ومن استدل به على عدم وجوب قبول التوبة فقد أبعد عن الصواب؛ لأن عدم قبولها ليس بناء على عدم وجوب القبول، بل لفوات الوقت بانقطاع التكليف. (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) هذه وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا كقولك: جئت لعشر خلون من رجب. وهذا من تمني المحال، وفيه دلالة على أن للإنسان اختياراً في أفعاله. (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) الضمير: للَّه أي: لا يتولى عذاب الكافر ولا إيثاقه أحد غيره تعالى، ففيه تهويل. نعوذ باللَّه من غضب اللَّه الحليم. أو للإنسان، إضافة للمصدر إلى المفعول أي: لا يعذب الزبانية أحداً من خلق اللَّه مثل تعذيب

стр. 379

هذا الإنسان. وقرأ الكسائي: بفتح الذال. والعذاب بمعنى: التعذيب والوثاق بمعنى: الإيثاق، كالسلام بمعنى: التسليم والعطاء بمعنى: الإعطاء والضمير للإنسان، والمعنى كالوجه الثاني في قراءة الكسر. (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) المؤمنة التي اطمأنت في الدنيا إلى ذكر اللَّه تعالى (أَلَا بِذكْرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ الْقُلُوبُ) أو الآمنة من الخوف، والحزن، القائلة: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) تحزّناً وتحسّراً. وهذا إما عند الموت، أو البعث، أو دخول الجنة. (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً ... (٢٨) بما أوتيت ما لا عين رأت (مَرْضِيَّةً) عند اللَّه. (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) في زمرة عبادي الصالحين. (وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) دار كرامتي ومقر أوليائي. * * * تمت، والحمد لمن نعمه عمَّت، والصلاة على من به الرسل تمت. * * *

стр. 380

سُورَةُ الْبَلَدِ مكية، وآيها عشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) أقسم تعالى بالبلد الحرام الذي هو أشرف الأماكن حرمة يوم خلق السماوات والأرض على أنَّ الإنسان مخلوق في كبد مستغرق في الشدائد. واعترض بين القسم والمقسوم عليه: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) دلالة على أنَّ من المكائد كون مثلك حلاً أي: مستحلا حرمته في مثل هذه البلدة التي لا يجوز التعرض لنباتها فضلاً عن صيدها. وفيه تسكين له، وإشارة إلى أنَّ سوء صنع المشركين قد بلغ الغاية القصوى، فيقع الذم الآتي لهم في حاق موقعه، أو وعد له بفتح مكة؛ تسلية له بأن ما يقاسيه من الأذى والمكائد عاقبته الظفر، وحلّ البلد الذي لم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، يفعل فيه ما يشاء قتلاً ونهباً، وفيه من إجلال قدره ما ترى، ونظيره في الاستقبال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ) وقولك لمن تعده: أنت مكرم.

стр. 381

(وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) وآدم وذريته، أو إبراهيم مؤسس البلد وإسماعيل، أو محمد وذريته الطاهرة. والعدول إلى " ما "؛ للدلالة على الوصفية، فيفيد فخامة كقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ). (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أي: في شدة ومشقة؛ لأنَّ أول أحواله ضيق الرحم، وآخره الموت وضيق القبر وما بعده. من كبد الرجل: إذا أوجع كبده. ثم اتسع فيه فأطلق على كل مشقة. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يظن هذا الصنديد القوي أن لن تقوم القيامة، ولا يقدر أحد على الانتقام منه. ثم ذكر ما يقول في ذلك اليوم: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) كثيراً. من تلبّد الشيء: إذا اجتمع. يريد ما كان ينفقه رياء وسمعة مما كانوا في الجاهلية ينفقونه مفاخرة. والمعنى على العموم، وإن نزلت في أبي الأسد بن كلدة، فإنه كان قوياً، يبسط الأديم العكاظي تحت قدميه ويقوم عليه ثم يقول: من أزالني عنه فله كذا، فينقطع ويبقى ما تحت قدميه. وقيل: نزلت في الوليد. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) حين ينفق ما ينفق رياء وفخراً؟! أي: أنَّ اللَّه كان رقيباً عليه. (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) يبصر بهما. (وَلِسَانًا ... (٩) يترجم به ويعبر به عن مقاصده. (وَشَفَتَيْنِ) زينة، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب،

стр. 382

(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) طريقي الخير والشر. كقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) والنجيد: ما ارتفع، ففيه إشارة إلى غاية الإيضاح والبيان. وقيل: هما الثديان، فإنَّ العرب تقسم بهما، ويقولون: ونجديها. فالبطن كالغور وهما نجدان. (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) بعد هذه النعم (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) أبهم على وجه الاعتراض، ثم فسره بقوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) العقبة: ما صعب من طرق الجبال، كنى به عن صعوبة هذه الأعمال على النفس؛ ولذلك عبّر عن الإتيان هما بالاقتحام الذي هو: الدخول في الشيء عنفاً، من القحمة: وهى الشدة. والمسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب: في النسب والقرابة. وترب: افتقر كأنه التصق بالتراب. والمعنى: أن الإنفاق عند اللَّه هو هذا، لا ما افتخر به ذلك المرائي. وقدّم (فَكُّ رَقَبَةٍ)؛ لأنه أقرب القربات. روى مسلم والبخاري عن عمرو بن عبسة أن رسول اللَّه ﷺ قال: " مَنْ أَعْتَقَ رَقبَةً مُسلِمَةً كانت له فكاكاً من النار عضواً بعضوٍ " وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: " فك وإطعام " مصدرين مضافين إلى المفعول بالرفع على الخبرية، والباقون: بالفعل بدلًا من " اقتحم "، و " لا " مكررة؛ تقديراً أي:

стр. 383

لا فك ولا أطعم، على أن تكرارها غير لازم. ونحو (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) إنما يدل على الوقوع دون اللزوم. (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٧) عطف على اقتحم أي: لا اقتحم ولا آمن. ولا يلزم كونه خارجاً منه، بل لكونه أَشرف الأجزاء وأساس سائرها خصّ بالذكر مع " ثمّ " دلالة على أناقة محله. (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) عن المعاصي وعلى مشاق الطاعات. (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) الشفقة على خلق اللَّه (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) اليمين، أو اليمن. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) الشؤم، أو الشمال. (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) مطبقة. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص: بالهمز، يقال: أوصدت الباب وأصده: إذا أغلقته. والواو أفصح؛ لاتفاقهم في الوصيد. * * * تمت سورة البلد، والحمد لمن وفق وسدد، والصلاة على السيد الأوحد، وآله وصحبه إلى آخر الأمد. * * *

стр. 384

سُورَةُ الشَمْسِ مكية، وآيها خمس عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَمْسِ وَضُحَاهَا (١) أقسم بالشمس وضوئها؛ لأن كلًّا منهما من بدائع صنعه. الضحوة: وقت ارتفاع النهار، والضحى: فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: قرب نصف النهار. (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) تلا الشمس في النور والكمال ليلة البدر، فإنه يظهر سلطانه كوقت الضحى للشمس، أو تلا الشمس: أخذ من نورها، وذلك في النصف الأول من الشهر، وأما في النصف الثاني فلا تلو؛ لأنه مفارق، أو تلا طلوعه طلوعها. (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) أي: الشمس، على التقابل كما جعل الليل غاشياً الشمس جعل النهار مجلّياً لها، فإنها تظهر غاية الظهور إذا انبسط النهار. وقيل: الضمير للظلمة، أو الليل، أو الأرض. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) يغشى الشمس بستر ضوئها بظلامه. ولما كانت واوات العطف نوائب للواو القسمية الجارة بنفسها قائمة مقام الفعل، سادة مسده، بحيث طرح ذكره رأساً، بخلاف الباء جاز أن [تكون] عوامل الفعل والجارِّ معاً كقولك: ضرب زيد عمرواً وبكر

стр. 385

خالداً من غير عطف على عاملين مختلفين. هذا ويرد عليه (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١ ٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) فإنه عطف على المجرور بـ " الباء ". والحق أنَّ الظرف ليس متعلقاً بفعل القسم؛ لأنَّ التقييد بالزمان غير مراد لا حالاً ولا استقبالاً، بل المعنى: وعظمة الليل وقت غشيانه؛ لأن الإقسام بالشيء إعظام له. (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) " ما " ليست مصدرية؛ لقوله: (فَأَلْهَمَهَا) بل موصولة، وإيثارها على " من "؛ لإرادة الوصف، فتفيد فخامة كأنه قال: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، وكذا يقدر ما يناسب في غيرها. والقول بإضمار العائد إليه تعالى للعلم به مفوت لتلك الفخامة. (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) دحاها وبسطها. (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) هي نفس آدم، أو التنكير للتكثير أي: كل نفس، وتسويتها: خلقها في أحسن تقويم. (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) أرشدها إلى طريق الخير والشر. وتقديم الفجور؛ للدلالة على أنه بقدرته وإرادته أيضاً، ولا ينافي مدخلية قدرة العبد كسباً. فإن قلت: التسوية خلق الأعضاء وتعديلها، وإفاضة الروح والقوى وإلهام الفجور والتقوى إنما يكون بعد البلوغ وتوجه التكليف، و " الفاء " تقتضي التعقيب من غير تراخ. قلت: التعقيب أمر عرفي، ولما كان تكامل القوى وقت البلوغ، فكان لا تسوية قبله .......

стр. 386

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) طهّرها من درن الأخلاق الذميمة، وأنماها بالأعمال السنية. جواب القسم حذف منه اللام؛ لطول الفصل. وقيل: مستطرد لذكر بعض أحوال النفس. والجواب محذوف أي: ليدمدمنَّ اللَّه على كفار مكة كما دمدم على ثمود. (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) أخفاها، وأطفأ نور الفطرة بظلمات المعاصي. أصله دسس قلبت الثانية ياء كما في أمليت وتقضي البازي. وإسناد التزكية والتدسية إلى العبد إنما يقتضي القيام به لا الاستقلال ولا الإيجاد، فلا دليل فيه للقدرية، على أنَّ الأرجح ............

стр. 387

المستتر إليه تعالى، والبارز المنصوب إلى " من " بتأويل النفس؛ لما روى زيد بن أرقم عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: " اللَّهمَّ آتِ نَفسِي تَقْوَاهَا وَزَكهَا أَنْت خَيْرُ مَنْ زَكاهَا ". (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) اسم بمعنى الطغيان؛ ولذلك قلبت ياؤه واواً فرقاً بينه وبين الصفة، أي: كذبت بسبب طغيانها، أو بعذابها الموعود ذي الطغوى. كقوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) فالباء صلة. (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) أشقى ثمود قدار بن سالف، أو هو ومن وافقه؛ لأن اسم التفضيل إذا أضيف صلح لما فوق الواحد. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ ... (١٣) نصب على التحذير. ولما أضاف الناقة إليه تشريفاً ذكر صالحاً باسم الرسول وأضافه أيضاً؛ لأنه أولى بالاجلال. (وَسُقْيَاهَا) لا تذودوها عنه. (فَكَذَّبُوهُ ... (١٤) فيما حذرهم به من نزول العذاب (فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) أطبق عليهم العذاب وعمهم به. تكرير دمّ الشيء كبسه نحو كبكب في كبّ. وقيل: غضب، من الدمدمة وهو: الكلام المزعج. وقيل: أرجف الأرض بهم. (بِذَنْبِهِمْ) بسبب ذنبهم. (فَسَوَّاهَا) أي: العقوبة بينهم عموماً، أو سوى ثمود بالأرض.

стр. 388

(وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) عقبى الدمدمة، أو التسوية. والواو للحال أي: فعل ذلك والحال أنه غير خائف من عاقبة فعله كبعض الملوك. وقرأ نافع وابن عامر بالفاء، والواو أبلغ. روى البخارى ومسلم عن عمار بن ياسر أن رسول اللَّه ﷺ قال لعلي ﵁. " ألا أخبرك بأشقى الناس، قال. بلى، قال: أحمر ثمود عاقر الناقة، والذي يضربك على هذا، وأشار إلى قرن رأسه حتى تبتل منه هذه " يريد لحيته. * * * تمت والحمد لمن آلاؤه عمت. * * *

стр. 389

سُورَةُ اللَّيْلِ مكية، وآيها إحدى وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) بظلامه كل ما يواريه، أو النهار، أو الشمس. (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) تبين وتكشف بانسلاخ الليل عنه. (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) والقادر الذي خلق الزوجين من كل نوع، أو آدم وحواء. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية. وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء ﵄: " والذكر والأنثى ". (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) جمع شتيت. جواب القسم، أو أنَّ مساعيكم مختلفة الأغراض، متبايتة الجزاء. ثم فضل بما على أثره: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) أعطى الطاعة في حقوق اللَّه تعالى، واتقى المعصية، وصدِّق بالتوحيد أو الجنة. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) فسنوفقه للخلة التي تؤديه إلى اليسر والراحة.

стр. 390

(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ... (٨) بحقوق اللَّه. (وَاسْتَغْنَى) بالحطام الفاني. (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) بالنعيم الباقي، أو التوحيد. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) فسنخذله وندله على الطريقة التي اختارها. وإطلاق التيسير؛ للمشاكلة. (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) سقط في حفرة القبر، أو في قعر جهنم، أو مات من الردى: وهو الموت. نفي، أو استفهام إنكار. (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) الدلالة والإرشاد إلى طريق الصواب بشرع الأحكام وبيان الحلال والحرام. (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) نعطي ما نشاء لمن نشاء، أو لنا الغنى المطلق لا تنفعنا طاعة ولا تضرنا معصية. (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) تتلهب (لَا يَصْلَاهَا ... (١٥) لا يدخلها (إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ ... (١٦) بالحق (وَتَوَلَّى) وأعرض عنه. (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الحصر فيه ادعائي كأن غير هذا الأشقى لا يصلاها، وغير هذا الأتقى لا يجنب؛ لاتفاق الكل على أنَّها نزلت في أبى بكر، وأمية بن خلف حين اشترى منه بلالاً ببردة وعشر أواق. وقيل: أبي جهل وأمية، وأبي بكر. فالأشقى لم يرد به واحداً. وأما تفسير الصلي باللزوم فلا يدل عليه اللفظ، ويلزم منه أنَّ الشقيّ لا يلزم بها، وينافيه (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا).
следующие страницы →