Полный текст (458 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ـ[غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني]ـ
المؤلف: أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني، شهاب الدين الشافعيّ ثم الحنفي (المتوفى: ٨٩٣هـ)
من أول سورة النجم إلى آخر سورة الناس
دراسة وتحقيق: محمد مصطفي كوكصو (رسالة دكتوراه)
الناشر: جامعة صاقريا كلية العلوم الاجتماعية - تركيا
عام النشر: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
стр. 2
سورة النجم
مكية، إحدى وستون آية أو اثنتان وستون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) أقسم بالثريا، فإنه أبدَعُ الكواكب صُنْعاً، والنجم: عَلَمٌ غالبٌ له عند العرب وفي أمثالهم:
إِذا طَلَعَ النَّجْم عِشاَءً ... ابتغى الراعي كساءً
стр. 3
وقيل جنس النجوم، لأنها زينة السماء، ورجوم الشياطين. و (هَوَى) من الهوي، بفتح الهاء وهو السقوط، أو بضمها وهو الطلوع؛ لأنه أدل على كمال الاقتدار، كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) أو نجم القرآن؛ لأنه نزل منجما، وهذا أوفق لوجود نظائره، وألصق بقوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) الضلال: ضد الاهتداء، والغواية: ضد الرشد، وهما جواب القسم، أي. ليس هو كما تزعمون ضالّاً غاوياً في ترك دين آبائه. وفي لفظ "الصاحب" وإضافته توبيخ لهم، حيث عرفوا أمانته وصدق لهجتِه، ثم نسبوه إلى الضلال.
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) في أمر الدين والدعوة إليه. وفى الإتيان به مضارعاً بعد قوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) إشارةٌ إلى أنه إذا لم يكن له سابقة ضلال قبل النبوة، فبعدها أبعد.
(إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) استدل به من منع اجتهاده، وليس بتام؛ لأنه إذا قال له تعالى وتقدس: ما ظننت فهو حكمي يكون اجتهاده وحيًا لا بالوحي، وغيره ليس كذلك.
(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) جبرائيل، والإضافة لفظية، أي: قواه الجسمانية من البطش، والسمع، والبصر.
стр. 4
ذُو مِرَّةٍ ... (٦) عقلٍ كاملٍ ورأيٍ وافرٍ، أتى به في أسلوب الترقي. (فَاسْتَوَى) على صورته الحقيقية.
(وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) مَطلع الشّمس وإنما ظهر له في تلك الصورة، ليتيقن أنه ذلك إذا أتاه في غير تلك الصورة ..
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) قرب من محمد فتعلق به.
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) أي: كان البعد بينهما مسافة قوسين أو أقرب في مرآكم لو رأيتم. القاب والقيب كالقاد والقيد: هو المقدار وقيل: القاب، ما بين المقبض إلى السِّيَةِ فلكل قوس قابان. (أَوْ أَدْنَى) على تقديركم كقوله: أو يزيدون.
وهذه الرؤية كانت بعد مجيئه بحراء أول ما بعث، لما فتر الوحي على ما رواه الثقاة، أنه لما
стр. 5
اشتد به الكَرْب من تكذيب قريش حتى قالوا: هجره شيطانه. قال: " فأردت أن ألْقيَ نفسي من شاهق فلما خرجت فإذا هو جالس عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ، وقالَ: لا تفعَل فإنّكَ رسولُ اللَّه حقًّا فَرُعِبْتُ مِنْه فَرَجعْت إلى أهلي فقلت دَثرُونِي. فنزلت: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢). فهذا معنى الدنو والتدلي، والقرب. لا أنه تمثيل للعروج به.
(فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)
الموحى هو جبرائيل، وضمير (عَبْدِهِ) للَّه، ولا لبْس فيه.
والقول بأن الضمائر للَّه. فالدنو والتدلي على التأويل، خلاف الظاهر بعيد عن المساق. (مَا أَوْحَى) لم يأت بالضمير؛ تفخيماً لشأن المُنزل، وأنه مما يجل عن الوصف، أنّى يتوهم التباسه بالشعر والكهانة؟ وكما فخِّم شأن المنزل، كذلك شأن للنزل إليه بإيثار لفظ " العبد " المضاف إليه تعالى؛ إشارة إلى أنه العبد الحقيقي، الكامل، الذي لا يذهب الوهم منه، وإيماء إلى أنه حقيق بالحظوة والاصطفاء.
(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أي: ما رآه من صورة جبرائيل، أي: لم يكن قلبه منكراً له إذا رآه مرة أخرى في غير صورته. وقيل: ما رآه من جلال اللَّه تعالى لما روى
стр. 6
مسلم عن ابن عباس ﵄: " أن رسول اللَّه ﷺ رَأي ربَّه بِفُؤاَدِهِ مَرَّتَيْنِ " والحق أن ذلك ليس تفسيراً للآية وإن صح.
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) تجادلونه، من المراء. أصله المرْي. يقال: مرَيْت الناقة، إذا جذبت ضِرْعَها لتَدُرَّ. وقرأ حمزة والكسائي (أَفَتَمْرُونَهُ) على المغالبة من ماريته فمَرَيته.
стр. 7
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) فَعْلَة من النزول أي: مرة أخرى؛ ولذلك نصبت على الظرف.
(عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) ليلة الإسراء، وهي شجرة النبق، كل نَبِقَة كقُلَّة من قِلال هجر، وأوراقها كآذان الفِيَلة، وقد غشيها من الأنوار ما لا يقدر على نعتها إلا اللَّه. وسميت بالمنتهى؛ لانتهاء علم الخلائق إليها، وهي في السماء السابعة. كذلك رواه البخاري.
стр. 8
(عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) الجنة التي تأوي إليها أرواح الشهداء أو المتقون.
(إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) من الأنوار والألوان ما يجلّ عن الوصف، وقيل: ملائكة كالغربان على كل ورقة ملك يسبح.
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ ... (١٧) ما مال عن سَنَن الاستقامة. (وَمَا طَغَى) وما تجاوز عن المرئي. لما قرر أن الفؤاد لم يكذب ما رأي أزال شبهة من يَتَوهم أن آلة الإدراك قد تخطئ في الإدرإك كما بيّن في موضعه. أو ما مال البصر ولا تجاوز عن مطلبه، وهو الحق تعالى.
وهذا مقام مخصوص به لم يتيسر لفرد من البشر.
стр. 9
(لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) استئناف يؤكد ما تقرر. أي: قد رأي من عجائب الملكوت ما لا يمكن وصفه، فضلاً عن رؤية جبرائيل، ويجوز أن يكون الكبرى مفعول الرؤية. أي: رأي كُبْراهنَّ. وبه يتمسك من أثبت الرؤية إذ لا أكبر منها آية.
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) هذه أصنام كان أهل الجاهلية يعبدونها. اللات كان بالطائف يعبده ثقيف، والعزى سمرة بجيلة يعبدها
стр. 10
غطفان. ومناة صنم كان على الساحل يعبده هذيل وخزاعة. وقد همزه ابن كثير جعله مفعلة من النوء؛ لأنهم كانوا يستمطرون عنده بالأنواء. ومن لم يهمِّزْها أخذها من
стр. 11
منى: أراق. فإنهم كانوا يريقون دماء النسائك عليها. والعزى تأنيث الأعز. قطعها خالد بن الوليد، فخرج منها شيطانة ناثرة شعرها، تدعو بالويل، فضربها خالد بن الوليد بالسيف، وقال:
كُفراَنك يا عزى لا سبْحانَك
فأخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: " تلك العزى ولن تعبد بعد اليوم أبدا ". واللات: قيل: اسم رجل كان يَلِتُّ لها السويق. وعن مجاهد اسم رجل كان
стр. 12
يلت السمن ويطعمه، فلما مات اتخذوا قبره وثناً. والمعنى: أَبَعْدَ هذا البيان تستمرون على الضلال. فترون هذه الأصنام آلهة تستحق العبادة، وتجعلونها شركاء اللَّه (الْأخْرَى) صفة ذم أي: الوضيعة فإنهم كانوا يرون التقدّم للات والعزى.
(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) وأنتم تقتلون الإناث، ولا ترضونها، تأنفون منها عاراً. فكيف تجوِّزون أن تكون أولاداً له وشركاء في الألوهيّة؟! وإذا كان شأنكم في
стр. 13
الجهالة والضلال هذا. فكيف تضللون من يدعو إلى التوحيد وإلى عبادة من له الخلق والأمر؟.
(تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) جائرة، من ضَازَه يضيزه إذا ظلمه. أصله ضئزى؛
لأن فعلى صفة لم يثبت على ما ذكره سيبويه. إلا مع التاء كعِزْهات فكسر الفاء لتسلم الياء كما فعل ببيض. وقرأ ابن كثير بالهمز من ضأزه ظلمه.
(إِنْ هِيَ ... (٢٣) أي: الأصنام (إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا) أي: لا حقيقة لها باعتبار الألوهية (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) برهان يدلّ على جواز إطلاق اسم الإله عليها، وفيه تهكم بهم بأن العقل لا يجيز إطلاق الآلهة على الجماد، لو فرض ذلك لم يكن إلا تعبداً محضاً من اللَّه. (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) يقلدون آباءهم. ولا اعتبار للظن في العقائد ولا
стр. 14
تقليد. (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) أنفسهم (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) الرسول أو الكتاب الذي هو مناط الإيقان.
(أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) أم منقطعة، ومعنى همزتها الإنكار، أي: ليس للإنسان ما يتمناه حاصلاً له وهو طمع هؤلاء في شفاعة تلك الجمادات، أو ما كانوا يقولون: لئن كان هناك بعث نحن أحسن حالاً من محمد وأصحابه كقوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) و (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) أو هو قول عاص بن وائل: (لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧).
стр. 15
(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) يعطي ما يشاء لمن يشاء ليس لأحد فيهما شرك، وقدم الآخرة؛ لأن الكلامَ فيها.
(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ... (٢٦) أدنى شيء مع مكانتهم وقربهم عند اللَّه. فكيف تشفع هذه الجمادات التي هي أخسّ الكائنات. والمراد أشراف الملائكة؛ ليدل بالأولوية على انتفائها من غيرهم، ولذلك نكر الملك وخصه بمن في السموات. (إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ) أن يشفع ويشفع له، (وَيَرْضَى) بتلك الشفاعة أي. تكون مقبولة؛ لأن الإذن في الشفاعة لا يستلزم القبول.
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) حيث قالوا: هم بنات اللَّه. قالوا: تزوج سروات الجن فولدت له الملائكة. والتقييد بالآخرة، إشارة إلى فرط جهلهم بأنهم يعتقدون أن الإنسان يترك سدى، ومن كان هذا شأنه لا يبعد منه تلك المقالة.
(وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ... (٢٨) لما سمعوه من آبائهم. (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ) الذي لا يمكن تبدله باختلاف الشرائع وتبدل الأعصار وهي المسائل الأصلية والمباحث الإلهية. (شَيْئًا) أدنى شيء.
стр. 16
(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ... (٢٩) أعرضَ عنه ولم يتأمله. والمراد به القرآن. وفي إضافته إلى نفسه؛ إشارة إلى أنه كان حقيقاً بالإقبال. (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) إلا هذا الخسيس، لا أن ذلك كان لعائق آخر.
(ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ... (٣٠)
اعتراض يؤكد الأمر بالإعراض؛ لأن السعي في الإرشاد إنما يجدي لمن له قابلية الترقي (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) يعلم من يجيب ومن لا يجيب، وقد علم أن هؤلاء أهل الطبع. وفي إعادة العلم ثانياً مبالغة دالة على كمال تمايز الحزبين عنده.
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٣١) خَلقَاً ومُلْكَاً. نفى به توهم الإهمال، وتركهم سدى من قوله: (فَأَعْرِضْ)، ولذلك عقبه بقوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) بجزاء أعمالهم، (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) غيَّر النظم، للدلالة على أَن جزاءهم ليس على قدر أعمالهم. ويجوز أن يتعلق (لِيَجْزِيَ) بقوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ). وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) اعتراض يؤكد حديث الجزاء بأنهم تحت ملكه.
(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ... (٣٢)
بدل من (الَّذِينَ أَحْسَنُوا) أو صفته، أو نصب، أو رفع على المدح. أَي: الكبائر من الإثم فإنه جنس الذنوب. والكبيرة: ما توَعَّد عليه
стр. 17
الشارع بخصوصه كالقتل والزنى، أو كان قبحه أزيد منه أو مساوياً. وقرأ حمزة والكسائي بالإفرإد على إرادة الجنس. (وَالْفَوَاحِشَ): ما زاد قبحه من الكبائر من عطف الخاص على العام. (إِلَّا اللَّمَمَ): ما قلّ قبحة فإنه معفو عنه إذا اجتنب الكبائر، وهو ما دون الكبيرة كمقدمات الزنا والسرقة والقتل قبل الوقوع. وأصل التركيب يدل على القلّة، ومنه اللمة لشعر جاوز الأذن، وإلمام الضيف قال:
لقاء أخلاء الصفاء لمام.
وهو استثناء منقطع، أو صفة، كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم؛ لأن المضاف إلى المعرف الجنسي في حكم النكرة. (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) حيث تجاوز عن الصغائر التي قلّ أن يخلو عنه الإنسان. وإليه أشّار ﷺ " إِنْ تَغْفِر اللهُمَّ تَغفِرْ جَمَّا وَأَي عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ".
стр. 18
(هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) منكم (إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) لما خلق أباكم آدم، وأخرجكم من ظهره ذرية. (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) فعلمه بكم الآن، وبما يصدر منكم أجلى وأظهر. فإن قلت: إذا كان أعلم بهم وقت الإنشاء من الأرض فلا يخفى أنه أعلم بهم حال كونهم أجنة. فما الفائدة في ذكره؟ قلت: أراد أن علمه لا يتفاوت بجلاء المعلوم وخفائه كما هو شأن العلم الحادث. (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) فإن محل التقوى هو القلب، والوقوف على أحواله وأسراره ينقطع دونه التقوى. والمنهي تزكية النفس تمدُّحاً لا شكراً وترغيباً للغير، ويجوز أن يراد مدح المؤمن أخاه لما روى أبو بكرة أن رجلا مدَحَ رجُلاً عند رسول اللَّه ﷺ فقال: " قطعْتَ عُنقَ صَاحِبِكَ فإذا كَان أحدُكم مَادحًا أَخَاهُ فَلْيَقلْ أَحْسبهُ كَذا وَلَا أُزَكي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا ".
стр. 19
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) أي: أبَعْد علمك بأن اللَّه هو أعلم بحال الإنسان منه بنفسه أخبرني عن حال من أراد سلوك سبيل الآخرة والوصول إلى اللَّه استقلالاً. تعجيب منه.
(وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) وأمسك بعده عن الخير اكتفاء بذلك القليل. أصله أكداء الحافر وهو أن يلقاه كدية أي: صخرة فيمسك عن الحفر.
والآية نزلت في الوليد بن المغيرة أراد أن يتبع رسول اللَّه ﷺ فعيِّره بعض المشركين، وقال: تترك دين الأشياخ؟ فقال: إني أخاف عذاب اللَّه. فقال: أعطني بعض مالك وأنا أحمل عنك العذاب، ففعل معتقداً ذلك. ونزولها في عثمان، وتفسير التولي بالفرار يوم أحد باطل؛ لأن السورة من أول ما نزل بمكة.
стр. 20
(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ... (٣٥) ما فيه العلم بالمغيبات وهو اللوح. (فَهُوَ يَرَى) يشاهد ما فيه، فلذلك اكتفى به واستغنى عن اتباع الرسول ﷺ . (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) والمعنى: أن هذا شرع قديم ليس من خواص ما جاء به محمد ﷺ فهلا استغنى في ذلك علماء أهل الكتاب، ليخبروه بجليِّة الحال. وتقديم موسى؛ لكون كتابه أشهر، والاطلاع على ما فيه أيسر. ولا ينافيه قوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)؛ لأن الغرض هناك تقرير كون الآخرة خير وأبّقى، وذلك مما سطر في صحف إبراهيم فضلاً عن التوراة الذي هو أعلى وأجل، ولما تأخر ذكره زاده وصفاً، وهو التوفية المبالغة في الوفاء، وأطلق ليتناول كل وفاء، من تبليغ الرسالة، والقيام بسائر المكارم، من ذبح الولد، والصبر على نار نمرود. قيل: كان عاهد اللَّه أن لا يسأل غيره، فلما أُلقي في النار لقيه جبرائيل، فقال له: هل من حاجة يا خليل اللَّه؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: سل ربك
стр. 21
قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وروى الترمذي عن أبي ذر أن رسول اللَّه ﷺ قال: " أَلَا أخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّه ﵎ إِبْرَاهيمَ الذي وَفَّى؟ كَانَ إذا أصبح يَقُول كل يوم: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) إلى آخر الآية ". وليس معنى الحديث أنه لمجرد هذا الذكر بلغ تلك الرتبة. بل إشارة إلى أنه كان يحافظ على محاسن الأعمال.
(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) إلا سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، كذلك لا يصل إليه ثواب عمله. وما يصل إلى المؤمن. من ثواب دعاء المؤمنين، واستغفار الملائكة، والصدقة له هو أيضاً من سعيه، لأنه أعم من المباشرة والتسبب وإليه يشير قوله ﷺ : " من دعا إلى هدى فَلَهٌ أَجْرِ فَاعِلِهِ ".
стр. 22
(وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) يوم القيامة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧).
(ثُمَّ يُجْزَاهُ ... (٤١) ثم يجزى العبد سعية، أي: على سعيه، نصب على نزع الخافض (الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) الأوفر من استحقاقه، ولذلك يرى عمله الحقير. نصب على المصدر، ويجوز أن يكون البارز المنصوب ضمير الجزاء المدلول عليه والجزاء الأوفى بدل منه.
(وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) انتهاء الخلائق كلهم. هذا وما بعده أيضاً من جملة ما في الصحف.
(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) أي: خلق الضحك والبكاء وأسبابهما.
(وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) خلق الموت والحياة. وفيه مراعاة النظير مع اللف والنشر.
(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) تُدفق. يقال: مَنى وأمْنى، أو يقدر من مَنِي الماني أي: قدر. وأكّد في الأولين بضمير الفصل؛ لمظنة وهم الغير. ألا يرى إلى قول من حاج إبراهيم: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ). وقولهم: " أضحكني الدهر دون هذه إذ لا مجال لذلك الوهم.
стр. 23
(وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وفاء بوعده. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالمد كلاهما مصدر نشأة.
(وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى ... (٤٨) بالمال. (وَأَقْنَى) أي: أعطاه ما يقنيه زيادة على قدر حاجته، من القنية وهي: المال المحفوظ لا للتجارة، أو أرضاه من القنا وهو: الرضى. وعن أبي زيد تقول العرب: من أُعطي مائة من المعز فقد أُعطي القنا، ومن أُعطي مائة من الضأن فقد أُعطي الغنى، ومن أُعطي مائة من الإبل فقد أُعطي المنُى. وعن أبي عبيدة: أقناه اللَّه، أعطاه ما يقتنى من المال والنسب.
стр. 24
(وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) كوكب معروف يتبع الجوزاء. وهو كوكب وقَّاد يقال له مِرْزَم الجوزاء كانت [خزاعة] تعبده، أول من عبدها أحد أجداد رسول اللَّه ﷺ من جهة أمه، يسمى أبا كبشة، ولهذا لما ادّعى رسول اللَّه ﷺ النبوة، وفارق دين آبائه سموه ابن أبي كبشة. كما جاء يا حديث هرقل من قول أبي سفيان. وفيه إشارة إلى رد قولهم الباطل، فإنه وإن وافق جده في مخالفة دينهم، فقد خالفه أيضاً في عبادتها.
стр. 25
(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) والكلام في تأكيد الأوليّن ضمير الفصل وتركه في الأخير كما تقدم آنفاً. و (عَادًا الْأُولَى) قوم هود، والثانية إرم. وقيل الأولى القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، أو المتقدمون الأشراف.
(وَثَمُودَ ... (٥١) عطف على (عَادًا)؛ لأن ما بعد " ما " النافية لا يعمل فيما قبلها.
(فَمَا أَبْقَى) أي: من الفريقين أحداً كقوله: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ). وقرأ عاصم، وحمزة (وَثَمُودَ) بغير تنوين. والوقف بالألف لمن قرأ بالتنوين.
(وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ... (٥٢)
من قبل عاد وثمود نصب بما نصبا به. (إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) من الفريقين؛ لأنهم وإن لم يؤمنوا بنبيهم، فلم يؤذوه كما آذى قوم نوح نوحاً، إذ قد تواتر أنهم كانوا يشجونه ويضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: " اللهمَّ اغفرْ لِقَوْمِي فَإنهمْ لَا يعلَمُونَ ".
стр. 26
(وَالْمُؤْتَفِكَةَ ... (٥٣)
قرى قوم لوط. ائتفك: انقلب. قلبها عليهم جبرائيل جعل عاليها سافلها (أَهْوَى) أسقطها بعد أن رفعها. الإسناد إلى اللَّه؛ لأنه الآمر.
(فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) المذكورات بعضها وإن كانت نقماً لأقوام فهي نعم للأنبياء وأتباعهم. قال أبو الطيب:
بِذا قَضَتِ الأَيامُ ما بَينَ أَهلِها ... مَصَائبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ
(تَتَمَارَى) تتشكك. الخطاب لرسول اللَّه ﷺ إلهاباً وتهييجاً وتعريضاً بالغير، أو للإنسان على الإطلاق وهذا أوفق.
стр. 27
(هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أي: هذا القرآن من الإنذارات الأولى، أي: من جنس الكتب المنزلة. فذلكة لما عدّد من الآي والأحكام التي اشتملت عليها الصحف، أو لما افتتح به السورة. أو الرسول ﷺ (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ).
(أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) قربت القريبة، وهي الساعة المخبر عن قربها في قوله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) و (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ).
(لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) لا يعلمها غيره لقوله (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، أو ليس نفس تقدر على كشفها إذا وقعت إلا هو لكنه لا يكشفها، أوليس أحد يقدر على كشفها الآن بالتأخير لو وقعت. ويجوز أن يكون كاشفة مصدر كالعافية.
(أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) أي: من القرآن.
(وَتَضْحَكُونَ ... (٦٠) استهزاءًا (وَلَا تَبْكُونَ) وكان الواجب عليكم ذلك كما يفعله الموقنون (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ).
(وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)
مستكبرون. من سمد: رفع رأسه تكابراً، أو لاهون من سمد البعير في سيره.
стр. 28
(فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) بعد هذا البيان والترهيب، اعبدوه ولا تعبدوا غيره.
تمت سورة النجم، والحمد لكاشف الغم، والصلاة على من فضله أعم.
стр. 29
سورة القمر
مكية، وهي خمس وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ... (١) أي: قد قرب قيام الساعة. (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) وانشقاقه من آياتها. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ " أَن أَهْلَ مَكةَ سَألوا رَسُولَ اللَّه ﷺ أَنْ يرِيَهُمْ آيةً، فَأَرَاهُمْ القمر شقين حتى رأوا الحراء بينهما ".
(وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ... (٢) أهل مكة، وإن لم يسبق لهم ذكر للعلم بهم. كقوله:
زارتْ عليها للظلامِ رُواق
стр. 30
(يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) دائم، أي: ليس هذا وحده من سحر محمد، بل كم له من هذا يريدون ما سبقه من المعجزات، أو محكم من استمر مزيده، أو مرّ غاية لا نقدر على إساغته، من استمر الشيء إذا قويت مرارته، أو مار لا بقاء له يسلون بذلك أنفسهم ويمنونها.
(وَكَذَّبُوا ... (٣) واستمروا على التكذيب ودفع الحق (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ما سولت لهم أنفسهم (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) أي: كل أمر له نهاية يثبت فيه كلام مستقل، جاري مجرى المثل كقوله: " كل شيء له آخر والصبر نعم الناصر " أي: كل أمر ينتهي إما إلى السعادة أو إلى الشقاوة، أو كل من أمره وأمرهم يستمر على حاله من خذلان أو نصر، وقرأ أبوجعفر (مُسْتَقِرٍّ) مجروراً عطفاً على (السّاَعَة) أي: اقترب كل أمر مستقر على أن انشق القمر، حال بتقدير قد (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) اعتراض، وفي قراءته زيادة تسلية وتهويل.
стр. 31
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ ... (٤) في القرآن مما نزل بأمثالهم. (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) ازدجار: افتعال من الزجر، قلبت تاؤه دالاً، لتناسب الدال والزاي. (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ... (٥) غايتها في الإحكام. بدل من ما، أو خبر مبتدأ محذوف (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) بعدها. نفي أو استفهام إنكار أيّ غناء تغني النذر بعد وصول الأمر إلى الغاية.
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ... (٦) أعرضْ (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) إسرافيل، نصب بـ " يخرجون "، أو بـ " اذكر ". أثبت ياء (الداع) البزي عن ابن كثير في الحالين. وأبو عمرو، وورش وصلاً. (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) منكر تنكره النفوس لفظاعته. قرأ ابن كثير بضم الكاف.
(خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ... (٧) كناية عن الذل، لأن العز والذل يظهر آثارهما في العيون. وإسناد جمع التكسير إلى المظهر فاشٍ فصيح. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (خاشعاً) وهو المختار. ولم يؤنث لعدم الفاصل، وانتصابه على الحال من فاعل (يَخْرُجُونَ مِنَ
стр. 32
الْأَجْدَاثِ). وقرئ " خشع " بالرفع على الخبرية، فتكون الجملة حالاً. (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) في الكثرة والتفرق.
(مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ... (٨) مسرعين مادِّين أعناقهم. أثبت ابن كثير ياء (الداع) في الحالين. ونافع وأبو عمرو في الوصل. (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) شاق.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... (٩) تسلية وترهيب. (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) تفصيل لما أجمل، أو كذبوه تكذيباً إثر تكذيب، كلما مضى قرن تبعه آخر. وكذبوا الرسل رأساً فكذبوه؛ لأنه من جملتهم. (وَقَالُوا مَجْنُونٌ) أصابه الجنون. (وَازْدُجِرَ) زجروه شتماً وضرباً. عطف على " قالوا ". وأوثر بناء المفعول؛ تطهيراً للألسنة عن ذكرهم، ودلالة على أن فعلهم أسوء من قولهم، ولتوافق الفواصل، أو هو من قولهم: إنه لمجنون وقد ازدجرته الجن. والأول أوجه وأوفق لقوله:
(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ (١٠) بعدما أيس وجرّب الأولاد والأحفاد (فَانْتَصِرْ) انتقم.
(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ ... (١١) أي: بعد الأمر باتخاذ السفينة والفراغ منها وركوبه بمن معه. (بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) منصب بكثرة وتتابع. مطاوع همره. قيل: لم ينقطع أربعين يوماً.
стр. 33
(وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ... (١٢) جعلنا الأرض كلها كأنها عيون. أصله فجرنا عيون الأرض، عدل إلى المنزل مبالغة. (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) أي: ماء الأرض وماء السماء التقيا على مقدار سواء بسواء، أو على أمر قدر في اللوح من هلاك قوم نوح، أو على أمر قدره اللَّه تعالى، واقتضته حكمته.
(وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) أي: السفينة، عبر بالوصف عن الموصوف كناية كقولهم في الإنسان: " حي مستقيم القامة، عريض الأظفار، وفيه فخامة ". ليس في الأصل، وإشارة إلى كمال الاقتدار؛ لبعد عن حال الخشب والحديد عن دفع ذلك الطوفان العظيم. والدسر: جمع دسار، وهي المسمار من الدَّسر وهو الدفع.
(تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ... (١٤) محفوظة بكلائتنا. (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) علة للفتح وما بعده. والذي (كُفِرَ) نوح؛ لأن كل نبي نعمة من اللَّه، أو على حذف الجار وإيصال الفعل أي: كُفِرَ به.
(وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً ... (١٥)
أي: الفعلة أو السفينة. تواتر خبرها في أقطار الأرض وفي الأعصار كلها إلى آخر الدهر. (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) معتبر يتعظ بها.
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وإنذار جمع نذير بمعناه استفهام تعجيب وتهويل.
стр. 34
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ... (١٧) للاتعاظ؛ لاشتماله على أنباء الأولين والآخرين، وبيان ما أصاب من كذب الرسل، أو سهلناه للتلاوة؛ لأنه عربي مبين يتلوه أهل كل لسان، أو حفظه دون سائر الكتب، أو بأن أنزلناه على سبعة أحرف بحسب لغة القبائل تيسيراً على العرب إزاحة لعذرهم. والأول أوفق بالمقام، ولذلك أعاده مراراً. (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) متعظ.
(كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) وإنذاراي لهم قبل نزول العذاب وبعده لمن بعدهم.
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ... (١٩) باردا من الصِّر بكسر الصاد، أو شديد الصوت من الصرير. (فِي يَوْمِ نَحْسٍ) شؤم (مُسْتَمِرٍّ) شؤمه، أو اليوم على إرادة الحين؛
لأنه كان سبع ليال وثمانية أيام، أو على أشخاصهم لم يدع صغيراً ولا كبيراً، أو شديد مرارته.
(تَنْزِعُ النَّاسَ ... (٢٠) تقلعهم. بيان لشؤمه، (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) أصول نخل منقلع من مغارسها. وتذكير الصفة باعتبار لفظ النخل، وتأنيثه في قوله (أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) باعتبار المعنى. روي أنهم كانوا يصطفون آخذاً كل واحد يد الآخر، فيدخلون في الشعاب، ويحفرون فتنزعهم وتدق رقابهم. وقيل: تقلع رؤوسهم وتبقى الجثث ساقطة على الأرض.
стр. 35
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) كرره للتهويل، أو الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيط به في الآخرة؛ لقوله في شأنهم: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى).
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) بالإنذارات، أو بالآيات، أو بالرسل.
(فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ ... (٢٤) أنكروا أن يكون الرسول بشراً لا سيما وهو ليس من طائفة أخرى ليكون له المزية، موصوفاً بالوحده والانفراد فكيف يبتعه الجم الغفير.
ونصب " بَشَراً " بمضمر على شريطة التفسير، وفي مثله نختار النصب لمكان الاستفهام. (إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ) وجنون، يقال: " ناقة مسعورة " أي: مجنونة، أو عكسوا عليه لما دعاهم إلى التوحيد لئلا يقعوا في سعر، قالوا: لو اتبعناه وقعنا فيها. على أن السعر جمع سعير.
стр. 36
(أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا ... (٢٥) وفينا من هو أكثر أموالاً وأسباباً. كقول قريش (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ) شديد الكذب، حتى اخترع هذا الكذب البديع. (أَشِرٌ) بطر حمله عليه بطره.
(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) أي: يوم القيامة فإن الدنيا والآخرة يومان. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على حكاية قوم صالح، أو التفات من اللَّه تعالى إليهم كأنهم حضور ينعي عليهم جنايتهم ثم حكاه لرسول اللَّه ﷺ دلالةً على أنهم كانوا أحقاء بذلك الوعيد.
(إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ... (٢٧) امتحاناً. وذلك بعد أن سألوها. (فَارْتَقِبْهُمْ) انتظرهم مراقباً أحوالهم مع الناقة، (وَاصْطَبِرْ) على أذاهم.
(وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ... (٢٨) ذو قسمة لهم شِرْبٌ يوم ولها شِرْب يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وفي الضمير تغليب العقلاء. (كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) يحضره صاحبه خاصة.
(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ... (٢٩) قدار بن سالف، أشقى الناس، نطق به القرآن. وقال رسول اللَّه ﷺ : " أشّقى الناس رجلان: عاقر الناقة، وقاتل علي ﵁ " (فَتَعَاطَى) اجترأ
стр. 37
على تعاطي الأمر العظيم. من باب يعطي ويمنع، أو تعاطى قتل الناقة والسيف، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. (فَعَقَرَ) أي: الناقة.
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ... (٣١) صاح بهم جبرائيل (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) كالشجر المنكسر اليابس الذي مرّ عليه زمان طويل.
والمحتظر: من يعمل الحظيره لماشيته، أو هو الحشيش الذي يجمعه ليعلفها به في الشتاء.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) لم يُعِد حديث الإنذار كما أعاده في قصة هود؛ اكتفاءً به، وكذا لم يعده في قوم نوح؛ لأنهم بذلك أولى إذ هم أظلم وأطغى، وتركه رأساً في قصة لوط، لتكرره مراراً، وترك ذكر التيسير والادكار في آل فرعون؛ لأنها آخر القصص فاختصر؛ ليدل الاختصار على الاقتصار. فهذا من أسرار التنزيل للَّه دره.
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ... (٣٤) ريحاً تحصبهم أي: ترميهم بالحجارة، وقد جمع اللَّه عليهم أنواعاً من العذاب قلب الأرض وإمطار الحجارة عليهم والرمي بالحصباء. (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) هو قبيل الصبح صرف، لأنه لم يرد به معين وإلا فعلم وعدل. وقد يطلق على ما بعد انصداع الفجر. فقيّد الأول بالأعلى، ومنه حديث
стр. 38
عائشة ﵂: " ما ألقاه السحر الأعلى عندي إلا نائماً " وذلك؛ ليكون في صلاة الصبح على نشاط، بخلاف ما إذا وصل بين التهجد وبينها.
(نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ... (٣٥) إنعاماً عليه تفضلاً. (كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) بالإيمان والطاعة كائناً من كان.
(وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا ... (٣٦) أخذتنا بالعذاب. (فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) كذبوا بها متشاكين.
(وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ... (٣٧) جبرائيل ومن معه من الملائكة (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ) مسحناها بحيث لم يبق لها أثر بل بقيت كسائر أجزاء الوجه. طمسها جبرائيل لما دخلوا بيت لوط، بقوا يترددون في الأزقة لا يهتدون إلى منازلهم، وشرعوا يتهددون لوطاً أن إن أصبحنا لنفعلن بك كذا وكذا، فكانوا وقت الصبح في مهم آخر. (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) على تقدير القول من الملائكة.
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ... (٣٨) أول طلوع الفجر (عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار.
(فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) الأول قيل لهم عند الطمس، وهذا عند قلب الأرض.
стр. 39
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) أعاده في كل قصة؛ تجديداً للإيقاظ، وحثاً على الاتعاظ لئلا تستولي عليهم الغفلة. وهذا شأن كل تكرير في القرآن.
(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) الإنذارات. واكتفى بالآل؛ للعلم بأنه شر منهم.
(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ... (٤٢) مع كثرتها، وهي الآيات التسع. لم يعطفه بالفاء، اكتفاء بالاتصال معنى، وإشارة إلى شدة كفرهم كأن تكذيبهم كان مع مجيء تلك الآيات، (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) بأن طبق البحر على ذلك الجيش الكثيف في لمحة طرف كأن لم يكونوا.
(أَكُفَّارُكُمْ ... (٤٣) يا أهل مكة (خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) المهلكين زينة وأموالاً وقوة وأسباباً، أو لِين شكِيمَة وعناداً، أي: ليس الأمر كذلك بل هؤلاء أقل أسباباً وأكثر كفراً وعناداً (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ) بأن لا عذاب عليكم. الزبر: الكتب السماوية، جمع زبور من زبره: كتبه.
(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) أفرد الضمير باعتبار لفظ الجميع، وعدل عن الخطاب كأنه يحكي جهلهم لغيرهم كما يقول المولى بعد استيفاء عتاب عبده: أو به جنون؟!
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) الأدبار، أفرده لإرادة الجنس، أو باعتبار كل واحد. روى البخاري عن ابن عباس ﵄: " أَن رَسُولَ اللَّه ﷺ خرَجَ يوْمَ بدرٍ من القُبَّةِ يَثِبُ في دِرعِهِ وهو يتلو (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) "، وعن عكرمة أن عمر قال: كنت
стр. 40
أقول أيَّ جمع يهزم؟. فلما رأيت رسول اللَّه ﷺ يوم بدر يثب في الدرع وهو يتلوها عرفت تأويلها ".
(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) من القتل والأسر. والداهية: داء لا دواء لها، وإنما أعاد لفظ الساعة، تهويلاً، ولئلا يتوهم عود الضمير إلى وقعة بدر.
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ ... (٤٧) في الدنيا (وَسُعُرٍ) نيرانٍ في الآخرة، أو في ضلال وجنون. ناقة مسعورة أي: مجنونة.
(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ... (٤٨) ظرف لـ (سعر)، أو بدل اشتمال منه.
(ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي: يقال لهم هذا القول في ذلك الحين: تقريعاً وإيفاءً لحق السامعة من العذاب. والمس مستعار للإيلام كما يقال: ذاق طعم الموت وسقر: علم نار الآخرة، من سقره وصقره إذا لوَّحَه قال ذو الرمة:
следующие страницы →