(أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا ... (٢٥) وفينا من هو أكثر أموالاً وأسباباً. كقول قريش (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ) شديد الكذب، حتى اخترع هذا الكذب البديع. (أَشِرٌ) بطر حمله عليه بطره.
(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) أي: يوم القيامة فإن الدنيا والآخرة يومان. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على حكاية قوم صالح، أو التفات من اللَّه تعالى إليهم كأنهم حضور ينعي عليهم جنايتهم ثم حكاه لرسول اللَّه ﷺ دلالةً على أنهم كانوا أحقاء بذلك الوعيد.
(إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ... (٢٧) امتحاناً. وذلك بعد أن سألوها. (فَارْتَقِبْهُمْ) انتظرهم مراقباً أحوالهم مع الناقة، (وَاصْطَبِرْ) على أذاهم.
(وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ... (٢٨) ذو قسمة لهم شِرْبٌ يوم ولها شِرْب يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وفي الضمير تغليب العقلاء. (كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) يحضره صاحبه خاصة.
(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ... (٢٩) قدار بن سالف، أشقى الناس، نطق به القرآن. وقال رسول اللَّه ﷺ : " أشّقى الناس رجلان: عاقر الناقة، وقاتل علي ﵁ " (فَتَعَاطَى) اجترأ
стр. 37
على تعاطي الأمر العظيم. من باب يعطي ويمنع، أو تعاطى قتل الناقة والسيف، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. (فَعَقَرَ) أي: الناقة.
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ... (٣١) صاح بهم جبرائيل (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) كالشجر المنكسر اليابس الذي مرّ عليه زمان طويل.
والمحتظر: من يعمل الحظيره لماشيته، أو هو الحشيش الذي يجمعه ليعلفها به في الشتاء.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) لم يُعِد حديث الإنذار كما أعاده في قصة هود؛ اكتفاءً به، وكذا لم يعده في قوم نوح؛ لأنهم بذلك أولى إذ هم أظلم وأطغى، وتركه رأساً في قصة لوط، لتكرره مراراً، وترك ذكر التيسير والادكار في آل فرعون؛ لأنها آخر القصص فاختصر؛ ليدل الاختصار على الاقتصار. فهذا من أسرار التنزيل للَّه دره.
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ... (٣٤) ريحاً تحصبهم أي: ترميهم بالحجارة، وقد جمع اللَّه عليهم أنواعاً من العذاب قلب الأرض وإمطار الحجارة عليهم والرمي بالحصباء. (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ) هو قبيل الصبح صرف، لأنه لم يرد به معين وإلا فعلم وعدل. وقد يطلق على ما بعد انصداع الفجر. فقيّد الأول بالأعلى، ومنه حديث
стр. 38
عائشة ﵂: " ما ألقاه السحر الأعلى عندي إلا نائماً " وذلك؛ ليكون في صلاة الصبح على نشاط، بخلاف ما إذا وصل بين التهجد وبينها.
(نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ... (٣٥) إنعاماً عليه تفضلاً. (كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) بالإيمان والطاعة كائناً من كان.
(وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا ... (٣٦) أخذتنا بالعذاب. (فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) كذبوا بها متشاكين.
(وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ... (٣٧) جبرائيل ومن معه من الملائكة (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ) مسحناها بحيث لم يبق لها أثر بل بقيت كسائر أجزاء الوجه. طمسها جبرائيل لما دخلوا بيت لوط، بقوا يترددون في الأزقة لا يهتدون إلى منازلهم، وشرعوا يتهددون لوطاً أن إن أصبحنا لنفعلن بك كذا وكذا، فكانوا وقت الصبح في مهم آخر. (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) على تقدير القول من الملائكة.
(وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ... (٣٨) أول طلوع الفجر (عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار.
(فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) الأول قيل لهم عند الطمس، وهذا عند قلب الأرض.
стр. 39
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) أعاده في كل قصة؛ تجديداً للإيقاظ، وحثاً على الاتعاظ لئلا تستولي عليهم الغفلة. وهذا شأن كل تكرير في القرآن.
(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) الإنذارات. واكتفى بالآل؛ للعلم بأنه شر منهم.
(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ... (٤٢) مع كثرتها، وهي الآيات التسع. لم يعطفه بالفاء، اكتفاء بالاتصال معنى، وإشارة إلى شدة كفرهم كأن تكذيبهم كان مع مجيء تلك الآيات، (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) بأن طبق البحر على ذلك الجيش الكثيف في لمحة طرف كأن لم يكونوا.
(أَكُفَّارُكُمْ ... (٤٣) يا أهل مكة (خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) المهلكين زينة وأموالاً وقوة وأسباباً، أو لِين شكِيمَة وعناداً، أي: ليس الأمر كذلك بل هؤلاء أقل أسباباً وأكثر كفراً وعناداً (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ) بأن لا عذاب عليكم. الزبر: الكتب السماوية، جمع زبور من زبره: كتبه.
(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) أفرد الضمير باعتبار لفظ الجميع، وعدل عن الخطاب كأنه يحكي جهلهم لغيرهم كما يقول المولى بعد استيفاء عتاب عبده: أو به جنون؟!
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) الأدبار، أفرده لإرادة الجنس، أو باعتبار كل واحد. روى البخاري عن ابن عباس ﵄: " أَن رَسُولَ اللَّه ﷺ خرَجَ يوْمَ بدرٍ من القُبَّةِ يَثِبُ في دِرعِهِ وهو يتلو (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) "، وعن عكرمة أن عمر قال: كنت
стр. 40
أقول أيَّ جمع يهزم؟. فلما رأيت رسول اللَّه ﷺ يوم بدر يثب في الدرع وهو يتلوها عرفت تأويلها ".
(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) من القتل والأسر. والداهية: داء لا دواء لها، وإنما أعاد لفظ الساعة، تهويلاً، ولئلا يتوهم عود الضمير إلى وقعة بدر.
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ ... (٤٧) في الدنيا (وَسُعُرٍ) نيرانٍ في الآخرة، أو في ضلال وجنون. ناقة مسعورة أي: مجنونة.
(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ... (٤٨) ظرف لـ (سعر)، أو بدل اشتمال منه.
(ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي: يقال لهم هذا القول في ذلك الحين: تقريعاً وإيفاءً لحق السامعة من العذاب. والمس مستعار للإيلام كما يقال: ذاق طعم الموت وسقر: علم نار الآخرة، من سقره وصقره إذا لوَّحَه قال ذو الرمة:
стр. 41
بأَفْنانِ مَرْبوع الصَّريمةِ مُعْيلِ ... إذا ذابتِ الشمسُ أبقى سعراتها
(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) منصوب بمضمرٍ مفسر أي: خلقنا كل شيء وأوجدنا ملتبساً بما سبق من التقدير في الأزل، وسطر في اللوح. روى مسلم والترمذي أنها
стр. 42
نزلَتْ في أهل القدر. وعن زرارة أن رسول اللَّه ﷺ لما تلاها قال: هذه في أناس من أمَّتي يكونون في آخر الزمان يُكَذِّبونَ بِالْقَدَرِ.
(وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ... (٥٠) إلا فعلة واحدة، دفعة بلا آلة وأسباب (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) في سرعه التكوِّن، كقوله كن فيكون.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ... (٥١) أشباهكم ومن شايعكم في الاعتقاد (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) متعظ بمصيبة أولئك.
(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) ثابت فيه مسطور، فيجازون به.
(وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ... (٥٣) قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً (مُسْتَطَرٌ) مكتوب لا محالة.
стр. 43
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) وضياء وسعة، أو في أنهار، واكتفى باسم الجنس.
(فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ... (٥٥) بدل من فِى جنات، سميت به؛ لأنها منزل الصادقين، أو لأنها مكان مرضي كما يقال: رجل صدق أي: مرضيّ الخصال محمود الفعال. (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) حال من المستكن في الخبراء، مقربين ذوي رتب عند سلطان كامل الاقتدار. ولا ألذ للنفس من قرب الملوك؛ ولذا تبذل الأموال والأرواح دونه مع ملوك الدنيا.
* * *
تمت سورة القمر، وللَّه الحمد في الآصال والبكر. والصلاة على صفوة عدنان ومضر، وآله وصحبه من هاجر أو آوى ونصر.
стр. 44
سورة الرحمن
مكية، ست وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) هذه السورة مقصورة على بيان نِعَم الدارين التي لها شأن؛ لأن إحصاء الكل محال؛ فلذلك صدرها بالاسم الدال على جلائل النعم براعة للاستهلال، وبدأ بأجلها وهي نعم الدين، ثم اختار أعلاها شأناً وأسناها مكاناً وهي القرآن الحاوي لأصول الدين وفروعه الموضح للسبل، المصدق لسائر الكتب والرسل. ولما كان كمال الإنسان في تكميل قوته النظرية، وهو الغاية المطلوبة من خلقه؛ قدم تعليم القرآن، ثم أردفه بما يتوقف عليه بقوله:
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير الذي لا يمكن تعلم القرآن وتعليمه إلا به. وأتى بالجمل الثلاث على نمط التعديد؛ إشارة إلى تقاعد الإنسان عن الوفاء بشكرها كما تقول فيمن قصر في مكافأة معروفك: " يا هذا كنت
صغيراً ربيتك، محتاجاً أعطتك، ضائعاً آويتك ". ثم بعد قضاء الوطر من هذا الأسلوب، أفاض في تعداد النعم واحدة إثر أخرى على النمط المعروف بحرف النسق مراعياً التقارب والتناسب بقوله:
стр. 45
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) يجري كل منهما في منازله وبروجه بلا اختلال؛ ليضبط بذلك أحوال الكائنات، ويتميز به الفصول والأوقات.
(وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) ينقادان لأمره فيما خلقا له، شبه ذلك بسجدة المكلف. والنجم: نبت لا ساق له، والشجر: ما له ساق، وارتباط الجملتين بما تقدم معنوي؛ وذلك أنه لما رمز إلى تقاعده في الشكر أخذ في تعداد نعم أخرى حثاً له على ما طلب منه، ولو عطف لم يفد هذا الغرض. فيهما إشارة إلى أن ما في العالم العلوي والسفلي قائم بما خلق له، والإنسان مع كونه المقصود من الكون خسر بذلك، وكان ظلوماً جهولاً.
(وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ... (٧) شرفاً ورتبة، لأنها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومنزل أوامره ونواهيه، أو مكاناً فوق الأرض كقوله: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا). دل به على علو شأنه وعظم كبريائه وسلطانه، مع كونه مبدأ جوده وإحسانه. (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) قانون الشرع الذي به النظام والوفاق بين الأنام الذي هو لأفعال المكلفين كالمكيال والمقياس الذي يعرف به الأشباه والأمثال.
стр. 46
(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) لا تتجاوزوا بالزيادة والنقصان، فيورثكم الندم والخسران.
(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ... (٩) اجعلوا وزن أعمالكم قويماً لا عوج به بالعدل السوي، وهو ما قننه الشارع. (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) لا تنقصوا ما وجب عليكم عن حقه.
أعاده مبالغة في التوصية.
(وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) بسطها مدحوة؛ لئلا يشق عليهم التصرف والتردد في اكتساب المعاش والمعاد. والأنام: الإنس والجن كذا عن الحسن، أو كل ذي روح.
(فِيهَا فَاكِهَةٌ ... (١١) ضروب مما يتفكه به. (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) جمع كِمّ بالكسر وهو وعاء الطلع، أو أريد به كل ما يغطى من ليفه وسعفه وكُفَرّاه. وبالجملة ليس في شجر النخل ما لا ينتفع به، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ : " إِن مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ، .. ثم قال إنها النِّخْلَة ". وعلى هذا ذكرها بعد الفاكهة ليس كذكر جبرائيل بعد الملائكة.
стр. 47
(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ... (١٢) كالبُر وسائر الحبوب، والعصف: ورق النبات.
(وَالرَّيْحَانُ) لب الحَبِّ وما يؤكل منه، ولذلك فسر بالرزق. استوعب أقسام ما يتناول في حال الرفاهية؛ لأنه إما للتلذذ وهو الفاكهة، أو له وللتغذي وهو ثمر النخل، أو للتغذي وحده وهو الحب. وفي ذكرها على هذا الأسدوب ترق من الأدنى إلى ما هو أدخل في الامتنان. وقرأ ابن عامر الثلاثة بالنصب عطفاً على الفعلية بتقدير خلق. وعلية رسم الشام، ونافع وابن ذكوان وابن كثير وأبو عمرو وعاصم برفعها عطفاً على الاسمية أي: فيها فاكهة وفيها الحب. وعليه بقية الرسوم. وقرأ حمزة والكسائي بجر الثالث ورفع الأولين أي: ذو العصف والريحان أصله روحان، قلبت واوه ياء تخفيفاً. أو ريوحان حذف واوه فوزنه فيلان.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) الخطاب للثقلين؛ لما تقدم ذكرهما في الأنام، ولقوله: (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ). عن جابر " قرأ رسول اللَّه ﷺ علينا سورة الرحمن إلى آخرها ثم
стр. 48
قال: قرأتها على الجن كانوا أحسن ردًّا منكم كلما أتيت إلى (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا: لا بشّيء من آلائك نكذب ربنا ".
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ ... (١٤) من طين يابس له صلصلة أي: صوت.
(كَالْفَخَّارِ) كالخزف، وعبّر عنه بالطين اللازب والحمأ المسنون والتراب أيضاً باعتبار انقلابه في الأطوار.
(وَخَلَقَ الْجَانَّ ... (١٥) أبا الجن وهو إبليس (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) أي: من نار صافية، أو مختلطة بالدخان. ومنه الأمر المَريج " من " بيان أو من نار مخصوصة ممتازة عن هذه النيران؛ فلهذا نكره فـ " من " ابتدائية.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) إذ إفاضة الجود أجلّ الإنعامات وأولاها.
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) لما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى.
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) أرسلهما متلاقيين، من مرجت الدابة أرسلتها.
(بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) حاجب من قدرته يمنع أحدهما من التعدي على الآخر بالاختلاط.
стр. 49
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) إذ في ذلك من الآيات ما يدل على كمال اقتداره الموصل إلى الإيمان الذي كل نعمة دونه. وتفسر الالتقاء بتماس السطوح، ثم تفسير البرزخ بحاجب من الأرض، وحمل البحرين على بحر فارس والروم غير سديد.
(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) أحدهما أبيض يقَق، والآخر أحمر قانئ، وهما من خواص الملح دون العذب، وإنما قال منهما؛ لاتصالهما في المرأي. والقول بأنهما يخرجان من مجمع البحرين ترده المشاهدة.
قرأ نافع وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء، والباقون بالعكس. والأولى الأصل، والثانية التعبير باللازم.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وكونهما من فواخر النعم غني عن البيان.
(وَلَهُ الْجَوَارِ ... (٢٤) السفن الجارية في البحر (الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ) المرفوعات الشُّرُع. وقرأ حمزة بالكسر أي: رافعات الشرع أو الموج أو السر اتساعاً، أو المبتدئات في الفعل، من أنشأ: شرع في الفعل.
стр. 50
(كَالْأَعْلَامِ) كالجبال الشامخة. قالت الخنساء:
كَأنهُ عَلَمٌ في رأسه نارُ
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) لما في ذلك من الدلائل الدالة على كمال علمه تعالى واقتداره، وما في ضمنه من منافع العباد.
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) أي: على الأرض من الموجودات، و (مَنْ) لتغليب العقلاء، لقوله. (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، والاقتصار على من على الأرض؛ لأنه في تعداد النعم، وأشار إلى العموم بقوله:
(وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ... (٢٧) أي: ذاته. يجوز به أولاً عن الجملة كاليد والعين، ثم اشتهر حتى صار حقيقة فاستعمل فيمن تنزه عن الأجزاء. (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أي:
стр. 51
الذي يجله الموحدون وينسبونه إلى الكرم، أو الذي جدير بأن يقال: ما أجلَّه وما أكرمه قيل أو لم يقل. وتقديم صفة السلب، لأنه في مقام الجلال، وقهر الخلق بالفناء.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) لما في ذلك من العلم بكمال الصانع وكبريائه، مع الوصول إلى الجزاء والحياة الأبدية.
(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٢٩) لافتقار الكل إليه ابتداء وبقاء. روي أنه تعالى لمّا لَعَنَ إِبْليس وَطَرَدَهُ مِنْ جِوَارِهِ، وَكَانَ من الحافيّنَ بالعرشِ بَكَى جبرائيلُ وميكائيلُ فسألهما الربّ تعالى وهو أعلم بهما لم تبكيان؟ قالا. يا ربنا من خوفِك. فقال: هكذا كونا رَاهبين. (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) يسعد ويشّقي، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) لما في ذلك من دفع الضر وجلب النفع، والاعتبار والتذكر المنجي من عقابه.
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) كناية عن التوفر للانتقام وتوجه الإرادة إليه، أو تمثيل بأن مثل حاله تعالى بعد انتهاء الشؤون إلى واحد وهو الأخذ بالجزاء بحال من له سابقة اشتغال عن شيء ثم فرغ له. والثقلان: الإنس والجن،. لأن الأرض لهما كالحمولة. قرأ حمزة وأبوبكر في وجه (سَيَفْرُغُ) بالياء.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) لما في هذا الترهيب من الحث على الطاعة.
стр. 52
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٣٣) من ملكوتي لتنجو بذلك من دهري (فَانْفُذُوا) أمر تعجيز وفي معناه (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) وقيل: المراد به يوم الحشر فإن الملائكة يحدق بهم سبعة صفوف. (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ). وتقديم الجن؛ لأنهم أعتى وأشد قوة (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) وأنى لكم ذلك.
(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ ... (٣٥) لهب مركّب من النار والدخان. وعن ابن عباس: " نار لا دخان فيه ". وقرأ ابن كثير شِوَاظ بكسر الشين. (مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) صفْرٌ مذابٌ يحشر الناس إلى الموقف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالجر عطفاً على المجرور أي: من نار ومن نحاس على أن المراد به الدخان. وأنشد:
يُضيءُ كَضوءِ سِراج السلِيطِ ... لَم يَجعَلِ اللَّه فِيهِ نُحاسا.
стр. 53
والرفع أبلغ وإليه ذهب ابن عباس (فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فإن في التهديد كبح عنان العاصي، وحث الطائع على المزيد.
(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً (٣٧) قطعة حمراء كلون الورد. وعن ابن عباس ﵄ الوردة أديم أحمر. (كَالدِّهَانِ) كالزيت المذاب الذي يدهن به. كقوله (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) والمعنى: أنها تذوب من حرِّ نار جهنم. والدهان: كل ما يدهن به كالحِزام واللثام والختام.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) هذا في أول الحال قبل شفاعة رسول اللَّه ﷺ للفصل والقضاء، فلا ينافيه (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) والهاء للإنس والجان؛ لتقدمهما رتبة.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) لما في ذلك الوقت من النعيم في ظل عرش الرحمن (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (٤١) بعلامتهم سواد الوجه وزرقة العين (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) مجموعا بينهما، أو على التعاقب.
стр. 54
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤) بلغ نهاية الحرارة. يحترقون بالنار ويشربون من ذلك الحميم.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ... (٤٦) الوقوف بين يديه (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) كقوله: (ذَلِكَ لِمَن خَافَ مَقَامِي)، أو لفظ المقام مقحم أي: لمن خاف اللَّه كقول الشماخ:
............ وَنفيتُ عَنهُ ... مَقامَ الذِئب كالرَجُلِ اللعينِ
(جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) أي: لكل واحد إحداهما للاعتقاد والأخرى للعمل، أو إحداهما لترك المعاصي والأخرى لفعل الطاعات. وجعل إحداهما للخائف من الإنس والأخرى للخائف من الجن بعيد مخالف للأحاديث.
стр. 55
(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) جمع فَنَن: وهو الغصن. خصها بالذكر؛ لأنها التي ينتفع بظلالها وثمارها وحصن المنظر بأوراقها، أو جمع فن أي: أنواع من الثمار.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) حيث أعد لكم هذا وأنتم بعد في العدم.
(فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) كيف شاؤوا إحداهما السلسبيل، والأخرى تسنيم.
روي أنهما ينبعان من جيل من مسك. والوصف بالجريان؛ لتوفير حظ الباصرة فإن النظر إلى الماء الزلال أجلب شيء للسرور.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) صنفان مما تعلمون ومما لا تعلمون، أو رطب ويابس لئلا يُملّ.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) وأيُّ نعيم أفضل من هذا التنويع؟
(مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ... (٥٤) من حرير غليظ، وظهائرها من سندس. نصب على المدح، أو حال من فاعل " خاف "؛ لأنه في معنى الجمع. (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) دان قريب يناله القاعد والمتكئ. اسم بمعنى المجني.
стр. 56
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ ... (٥٧) أي: في الجنان التي لكل واحد منها جنتان، أو في الجنتين؛ لاشتمالها على الأمكنة، أو في الآلاء المعدودة. (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) على أزواجهن لا ينظرن الغير. (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) فهنَّ أبكار كما خلقن. وقرأَ الكسائي في رواية الدوري هنا بضم الميم وكسرها في الثانية، وفي رواية الليث عنه بالعكس، وفي رواية الجوهري بالمرجان خيّر الكسائي بين ضم إحداهما وكسر الأخرى على التعاند. وهذا أحسن جمعاً بين اللغتين بلا ترجيح من غير مرجح.
стр. 57
(كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) في صفاء الياقوت وبياض المرجان. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: " لِكُّلِّ وَاحِدٍ زَوجَتَانِ يُرَى مخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاء اللحْم ". وفي رواية ابن مسعود ﵁: " مِنْ وَرَاءِ سَبعين حُلَّة ".
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) أي: لا يكون إلا ذلك.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) دون الجنتين الأولين في الشرف، هما للمقربين وهاتان لأصحاب اليمين، روى البخاري عن عبد اللَّه بن قيس عن
стр. 58
أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: " جَنتان مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فيهِمَا، وَجَنَّتَان مِنْ فضَّة آنيَتُهُمَا وَمَا فيهِمَا ". وفي اللفظ دلالة على مزية الأوليين.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) سوداوان من الرّيّ. في مقابله (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ).
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) في مقابلة (عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) والنضخ: الفوران، أقل من الجري.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) أفردهما؛ لبيان شرفهما على سائر الفواكه كأنهما جنسان آخران، أو لاشتمالهما على غير التفكه كالتغذي في التمر، والتداوي وفي الرمان؛ ولذلك ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن من
стр. 59
حلف لا يأكل الفاكهة لا يحنث بأكل أحدهما. والوجه هو الأول إذ هذا إنما يتصور في فاكهة الدنيا؛ لأن كل ما يتناول في الجنة لا يتناول إلا على وجه التفكه.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) جميلات حسان الأخلاق، تخفيف خيرات صفة لا اسم تفضيل. إذ ذاك لا يجمع هذا الجمع.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) مخدرات لا يخرجن، أو مقصور طرفهن على أزواجهن.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ... (٧٦) وسائد من حرير أخضر؛ لأنه لون مفرِح، ويقال أيضاً للبسط ولأطراف الخيمة وكل ثوب أخضر. (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) بُسُطٍ حسَنةٍ منسوب إلى عبقر. تزعم العرب أنه اسم بلد للجن ينسبون إليه كلّ شيء عجيب. ومنه في وصف عمر. " فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّاً يَفْرِي فَريَه " والمراد به الجنس؛ ولذلك جمع وصفه.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ... (٧٨) كثر خيره وازداد. أراد لفظ الرحمن الذي يعقبه هذه النعم، أو كل اسم له فإنه لا يبدأ به شيء إلا صار ذا بركة
стр. 60
ويمن. (ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) تقدم الكلام فيه. وقرأ ابن عامر (ذو) مرفوعاً صفة للاسم وفيه مبالغة حسنة.
* * *
تمت سورة الرحمن، والحمد لمن له الفضل والإحسان، والصلاة على المبعوث إلى الإنس والجان، وآله وصحبه ذوي الرتب والشان.
стр. 61
سورة الواقعة
مكية، وهي سبع وتسعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) أي: القيامة. عبّر عنها بالواقعة، دلالة على تحقق وقوعها لا محالة كقولك: حدثت الحادثة. و " إذا " ظرف لليس، أو نصب بـ " اذكر "، أو لمقدر أي: إذا وقعت يكون كيت وكيت وهذا أجزل.
(لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) نفس تكذِّب في الإخبار عن عدم وقوعها كاليوم كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)، أو من كذبته نفسه عند الخطب إذا شجعته على أمر لا طاقة له به. كأنه قال: هذا الخطب ليس من الخطوب التي تقدر نفس على الكذب مع صاحبها في احتماله. وعلى الوجهين اللام للوقت. مثلها في (قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، أو هو
стр. 62
كلام على طريقة التمثيل أي: بعد وقوعها ليس نفس تكذب بلسان الحال أو المقال ويقول لها لم تكوني، أو مصدر بمعنى الكذب كما يقال: حمل عليه حملة صادقة. أي: ذات صدق.
(خَافِضَةٌ ... (٣) لأقوام (رَافِعَةٌ) لِأُخَرَ. لقوم ويل ولقوم نيل.
(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) حركت تحريكاً عنيفاً كقوله: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ).
(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) سيرت. وفي الحديث: " إذا فُتحت العراقُ يأتي قوم يبسون بأهليهمْ "، أو فتتتْ، لقوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً ... (٦) غباراً (مُنْبَثًّا) منتشراً.
(وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ... (٧) أصنافاً (ثَلَاثَةً).
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) أي: أصحاب الجنة هل تدري ما صفتهم، وما هم فيه؟. أقام المظهر مقام المضمر؛ لما فيه من الفخامة. والميمنة: الجهة التي تسامن أقوى الجانين، من اليمن وهو البركة. والعرب تتايمن باليمين، وتتشاءم بالشمال ويسمونها الشُّؤْمى، أو لأن أهل السعادة يؤخذ بهم ذات اليمن، وأهل الشقاوة ذات الشمال.
стр. 63
(وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) أي: ما هم، وما صفتهم؟. سيق للتعجب.
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) مبتدأ وخبر أي: السابقون إلى الإيمان هم الذين بلغك خبرهم في علوّ الرتية ورفعة الشأن كقوله: " أنا أبو النجم وشعري شعري. وتخصيصهم بالأنبياء مما لا وجه له.
(أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) أي: للوصوفوف بالسبق هم الذين قربت درجاتهم من اللَّه، وأعلت منازلهم في الجنة. استئناف لبيان ذلك الإبهام.
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) جماعة كثيرون، من الثَّل وهو الصب والهدم. خبر محذوف أي: هم.
(وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) وفي تفسير الأولين وجهان. قيل: السابقون على هذه الأمة من لدن آدم إلى محمد ﵇ فالسابقون من أولئك أكثر من سابقي هذه الأمة.
стр. 64
ورووا هذا عن الحسن، وهذا قول لا سند له. بل السابقون واللاحقون من هذه الأمة، وذلك لما صَح " أن أَهلَ الْجَنَّهِّ مِائَة وعِشْرونَ صَفًّا ثمَانُونَ مِنْ هَذ الأمِّةِ وَأَرْبَعونَ مِنْ سَائِرِ الأمَمِ ". وقد نطق القرآن بأن هذه الأمة خير الأمم. وروى البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: " نَحْنُ أَقَل عَمَلًا وَأَكْثَر أَجْرًا ". فكيف يكون السابقون من أربعين أكثر من السابقين من ثمانين، مع أن هؤلاء أكثر أجراً وخيراً من أولئك بنص القرآن والحديث؟! بل الأولون هم أوائل هذه الأمة، الذين أشار إليهم بأنهم خير القرون. (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ).
(عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) منسوجة بالدر والياقوت داخلاً بعضها في بعض كحلق الدرع، وقيل. متدانية، أدنى بعضها من بعض.
(مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) حالان من الضمير في (عَلَى سُرُرٍ).
стр. 65
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) مبقون على تلك الهيئة أبدا، لا يعتريهم تغير وتبدّل من كبر سن، أو في آذانهم الخلدة وهي القُرْطة. وعن الحسن: " هم أولاد الكفار ". والحق أنهم أهل الجنة، وقيل: هم الأولاد والأطفال الذين ماتوا من غير عمل.
(بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ... (١٨) متعلق بـ يطوف، والكوب: ما ليس له عروة ولا خرطوم، والإبريق عكس ذلك، وهذا التنوع على طريقة أهل الشرب في الدنيا. (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) هو القدح الذي يشرب به، والمعين: الجاري أي: ليس مثل خمر الدنيا توخمت من مجاورة الدِّنِّ.
(لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ... (١٩) لا يحصل لهم بشربها صداع (وَلَا يُنْزِفُونَ) يسكرون يقال: أنزف سَكِرَ. قال:
стр. 66
لَعَمْري لَئِنْ أَنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لبِئْسَ النَّدامى أنتمُ آلَ أَبْجرا
أو لا ينفد شرابهم، من أنزف: نفد والمعنى: لا تنفد عقولهم ولا شرابهم. وقرأ غير الكوفيين بفتح الزاي على بناء المفعول، من أنزفه؛ أسكره. وهذا أوفق بقوله (لَا يُصَدَّعُونَ).
(وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) يرتضون (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) يستلذون.
(وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) بيض نجل العيون. عطف على ولدان معنىً. أي: لهم ولدان وعندهم حور، أو على فاعل متكئين؛ لوجود الفاصل كقوله (مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا). وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفاً على جنات أي: في جنات ومعاشرة حور عين،
стр. 67
وعن الزجاج عطف على بـ " أكواب " أي: يطوف عليهم الولدان بالحور كما هو دأب الملوك يأتي الخادم بحظاياهم إلى أماكن أنسهم، وعن الفراء الجر على الجوار.
(كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) في الصدف في الصفاء والطراوة، أو المخزون لشرفه وبهائه.
(جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) مفعول له. أي: هذا الذي أتحفناهم به جزاء أعمالهم.
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... (٢٥) كلاماً باطلا، (وَلَا تَأْثِيمًا) ولا شيئاً لو كان في الدنيا أوجب إثماً كما يقع من أَهل السُّكْر في مجالسهم.
(إِلَّا قِيلًا ... (٢٦) قولا (سَلَامًا) سالماً عن ذلك (سَلَامًا) بدل منه، أو إلا سلاماً إثر سلام. (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) أي: لهم شَأن وأي شأن، ثم شرع يفصله.
стр. 68
(فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) عن الشوك كأنه خضد، وقيل: هو موقر الجمل. من خضده: إذا ثناه وأماله.
(وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) نُضِدَ بالثمر من أسفله إلى أعلاه وهو شجر الموز أو أمُّ غيلان، وقيل: شجر في البادية. والظاهر أنه إنما خُصَّا بالذكر؛ لكثرتهما في أرض العرب وليس لهما ثمر فاخر. فأشار إلى أنهما في الجنة ليسا على ما كانا عليه، وقيل؛ إنما ذكر المعنى، التظليل دون الثمر وليس بوجه؛ لذكر الظل بعده، ولكون الوصف بالخضد والنضد غير ملائم، وقيل. هذا كلام مع أهل الوبر وأم غيلان: له رائحة طيبة، وله شوك، فأشار إلى أن ما في الجنة لا شوك له مع كونه موقراً بالثمر.
(وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) لا فُرَج فيه ولا يتقلص، كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) على الدوام كيف شاءوا (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) الأنواع (لَا مَقْطُوعَةٍ ... (٣٣) في وقت كفاكهة الدنيا (وَلَا مَمْنُوعَةٍ) من الوصول إليها.
стр. 69
(وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) على السرر، أو نضد بعضها فوق بعض فارتفعت. روى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال في تفسير (فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) " ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسمِائَهِّ عَام ". أو هو كناية عن الحور.
(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) أي: خلقناهن خلقاً جديداً، إما ابتداء وهن الحور أو نساء الدنيا. والضمير للفرش إن كان كناية عن النساء، أو لما دل عليه ذكر الفُرُش وإن لم يسبق له ذكر. وعن أم سلمة ﵂ سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ) قال: هُنَّ اللَّاتِي كُنَّ في الدّنْيَا شُمْطًا رُمْصًا، عَجَائِزَ.
(فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا ... (٣٧) جمع عَرُوب. متحببات إلى أزواجهن. قرأ أبو بكر بسكون الراء مخففاً. (أَتْرَابًا) لدات، هن والأزواج [في سن واحد وثلاثين] (١) وطول آدم ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع.
стр. 70
(لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) متعلق بـ (أَنْشَأنَا)، أو صفة أخرى لـ (أَبْكَارًا).
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) خبر مبتدأ محذوف.
(وَأَصْحَابُ الشِمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِمَالِ (٤١) في سوء الحال.
(فِي سَمُومٍ ... (٤٢) في نار تتقد في المسام. (وَحَمِيمٍ) وماء تناهت في الحرارة. (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) دخان أسود، من الحمة وهي السواد.
(لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) ليس فيه برد وروح كسائر الظلال. أثبت لهم الظل، ثم نفى برده ورَوْحه؛ تهكمًا وتعريضاً بأن ذلك إنما يستحقه أضدادهم.
(إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) متنعمين، أذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا. من أترفته النعمة: أطغته.
(وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) الكفر باللَّه
(وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) منكرين ذلك مكذبين للرسل، نافين لقدرة المقتدر.
стр. 71
(أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) مع تقادم العهد هذا أشد بعداً. والعطف على المستكن في مبعوثون؛ لوجود الفاصل، أو على محل اسم إن. وقرأ ابن عامر وقالون بسكون الواو، ويتعين العطف على المحل.
(قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) الميقات: ما يوقت به الشيء، ومنه ميقات الإحرام أي: إلى وقت معين من يوم معلوم. الإضافة بمعنى " من ".
(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) المكذبون بالبعث. قدم الضلالة؛ لأنها منشأ الكذب.
(لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) " من " الأولى لابتداء الغاية، والثانية بيان.
(فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) لغلبة الجوع.
(فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) الماء المتناهي في الحرارة. وتأنيث الضمير أولاً ثم تذكيره ثانياً باعتبار اللفظ والمعنى، وحمل التذكير على الأكل يفك الضمائر.
(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) جمع هيماء: وهي التي لا تروى من العطش لداء بها.
قال ذو الرمة.
فأصبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ صَداها ... ولا يَقْضي عليها هُيامُها
стр. 72
أو جمع هَيام: وهو الرمل الذي لا يمسك الماء. والعطف باعتبار الصفة؛ لأن شربهم الحميمم لدفع العطش بديع، كما أن شربهم كشرب الهيم عجيب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي بفتح الشين، وهما لغتان، والضم أشهر.
(هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) هو ما يعد للضيف النازل، وإذا كان هذا النزل فما بعده أطَمّ.
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ ... (٥٧) لا تشكون في ذلك. (فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) بالإعادة فإنها أوضح من البدء.
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) تلقون في الأرحام من النطف (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) هب أنكم لا تعلمون خلق أنفسكم ألستم شاهدون ما تولد منكم؟!
(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ... (٦٠) قضينا بذلك، وسويناكم فيه مع الاختلاف في الأعمار كالأرزاق. (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ... (٦١) يقال: سبقت على كذا غلبت عليه. (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) ما هو وما عهدتم مثله، قدرتنا على الأمرين سواء.
стр. 73
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) فإنها في غاية الظهور لا تحتاج إلى ترتيب مقدمات.
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) تشقون الأرض وتلقون فيها من البذر.
(أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ... (٦٤) تنبتونه وتوصلونه إلى الكمال، (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) الفاعلون لذلك؟!.
(لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ... (٦٥) متكسراً (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) قضيتم نهاركم تتعجبون أو تندمون على تعبكم فيه، أو على المعاصي التي تسببت له. وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " لا يقُلْ أحَدُكمْ زرَعْتُ وليقلْ حرَثتُ".
(إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) لذهاب رزقنا، من الغرام، أو ملزمون بغرامة ما أنفقنا فيه، من الغرامة. وقرأ أبو بكر بالاستفهام تعجباً، والإخبار أبلغ.
(بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) مصابون بالحرمان والشقاء.
(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) عذباً فراتاً.
(أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ... (٦٩) جمع مُزْنَة: السحاب الأبيض فإن ماءه أعذب (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ... (٧٠) مُرًّا زُعاَقاً لا يسوغ. (فَلَوْلَا
стр. 74
تَشْكُرُونَ) هذه النعمة. وإنما حذف اللام؛ لتقدمها قريباً مع اشتهار لونها، ولأن المشروب تبع للمأكول، ليدل على أن فقده أهم، والاهتمام به أتم.
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) تقدحون بالزند والزندة.
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا ... (٧٢) المودعة فيها النار؟ (أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ... (٧٣) تدل على قدرتنا على الإعادة، وأنموذجاً من نار الآخرة (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) النازلين بالقواء ممدود ومقصور، من القيِّ: وهو المكان القفر، وخص بالذكر؛ لفرط الاحتياج فيه، أو من القوى: وهو الخلو فيعم المسافر والمقيم.
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) نزهه عما لا يليق بجلاله بذكر اسمه العظيم شكراً لعظيم آلائه، أو اذكره باسمه العظيم تعجباً ممن يرى هذه النعم ثم يكفر. الباء للاستعانة أو للملابسة.
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) بِمَساقطها، أو في ذلك الوقت يزول سلطانها فيكون أدل على وجود الصانع. وعن الحسن: انتشارها يوم القيامة، وقيل منازلها، وقيل: أوقات نزول القرآن، و " لا " مزيدة. وقرأ حمزة والكسائي " بموقع النجوم " لإرادة الجنس.
(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) اعتراض فيه اعتراض لما في المقسم به من كمال القدرة، أو نهاية الرأفة.
стр. 75
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) شريف، نيط به أمر المعاش والمعاد، أو كريم عند اللَّه، وإنما بالغ في القسم وجعل القرآن مقسماً به؛ لكون السورة مصدرة بأمر المعاد، وقد استوفى فيها أدلة الآفاق والأنفس على وجه تحار فيه الألباب، ولا يبقى لذي العينين ارتياب.
(فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) مصون عن يد الأغيار، ولم يقع فيه شائبة تبديل.
(لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) من دنس الآثام، وهم السفرة الكرام البررة، أو المطهرون من الأحداث. رواه مالك وأبو داود، فالنفي بمعنى النهي.
(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) مصدر نعت به صفة أخرى للقرآن.
(أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) متساهلون، من الدهن. فإن المتهاون يلين جانبه.