Полный текст (282 стр.). Показаны 246–282 · переход к 251.
стр. 246
الأضحية (١) ويطعم الفقراء والمساكين (٢) . الحواشي
(١) أي جزء ولو جلدها، ويحرم ذلك، وليس له إعطاؤه أجرة للجزار.
والأصل في هذا: ما رواه البيهقي (٩/ ٢٩٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ بَاعَ جِلْدَ أضْحِيَتِهِ فَلاَ أضْحيَةَ لَهُ).
وإن كَانت غير منذورة أو واجبة (انظر حاشية ٢ ص ٢٤٤) جاز له الانتفاع بجلدها، وإلاَ وجب عليه التصدق به.(٢) انظر حاشية: ٣ ص٢٤٤.стр. 247
"فصل" والعقيقة مستحبة وهي: الذبيحة عن المولود يوم سابعه (١) ويذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ويطعم الفقراء والمساكين (٢) . الحواشي
(١) وهي في اللغة من العَق وهو الشق والقطع، وهي اسم للشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، سمي بذلك لأنه يحلق ويقطع، وسميت الذبيحة المذكورة بها لأنها يقطع مذبحها ويشق حين الحلق. ويستحب أن يحلق شعره أيضاً يوم سابعه، ويتصدق بزنته ذهباً أوفضة، ذكراً كان المولود أم أنثي. والأصل في مشروعية ما ذكر واستحبابه: ما رواه الترمذي(١٥٢٢) وغيره من حديث سَمرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (الغُلاَمُ مُرْتهَن بِعَقيقته، يذْبَحُ عَنهُ يَوْمَ السابِعِ، ويسمى، ويحلقُ رَأسه).
[مرتهن بعقيقته: أي لا يشفع في والديه يوم القيامة إن لم يعَق عنه، وقيل غير ذلك].
وروى الحاكم (٤/ ٢٣٧) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: عَق رسولُ الله ﷺ عنٍ الحسينِ بِشَاةٍ وقال: (يا فَاطمَةُ احْلِقِيَ رأسَه، وتَصدقي بِزِنةِ شَعْرِهِ). فَوزَناهُ، فكانَ وَزنُه دَرهَماً.(٢) روى ابن ماجه(٣١٦٣) عن عائشة ﵂ قالت: أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أنْ نَعق عن الْغُلاَمِ شَاتيَنْ، وعن الْجَارِيَة شَاة. وعند أبي داود(٢٨٣٤) والترمذي(١٥١٣) : عن الغلاَم شَاتَان متكَافئَتان.
[اَلغلاء: الذكرَ. الجارية: الأنثى. متكافئتان: متساويتان]стр. 248
كتاب السبق والرمي
وتصح المسابقة على الدواب والمناضلة بالسهام (١) : إذا الحواشي
(١) المسابقة من السبْق وهو التقدم، والمناضلة من النضْل وهو الرمي، وتناضل القوم ترامَوْا لتظهر مهارة كل منهم في الرمي.
وهما سنة إن كانا بقصد التأهب للجهاد، وإلا فهما مباحان، ما لم يقصد بهما محرماً - كقطع الطريق - فيحرمان، أو المفاخرة والتعالي.
والأصلَ في مشروعيتهما:
قوله تعالى: "وَأعِدوا لَهُمْ ماَ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة "/ الأنفال: ٦٠/.
فقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي فقال: (ألا إًنَ الْقُوَّةَ الرمْي ألاَ إن الْقوَةَ الرَّمْيُ، ألاَ إن الْقُوَةَ الرَّمْيُ). (مسلم: ١٩١٧).
وروى البخاري(٢٧٤٣) عن سَلَمةََ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قال: مَرَّ النبي ﷺ على نَفرٍ من أسلَمَ يَنْتَضلُونَ، فقال النبي ﷺ : (ارْمُوا بَني إسْماعيلَ، فَإن أَبَاكُمْ كانَ رامياً، ارْمُوا وَأنَا مَع بَنِي فلان). قال: فأمسَكَ أحَدُ الْفَرِيقَيْن بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : (مَالَكُمْ لا تَرْمُونَ).
قالُوا: كيف نَرْمى وَأنتَ مَعهمْ؟ فقال النبي ﷺ : (ارْموا فَأنَا مَعَكُم كُلِّكُمْ).
[نفر: من ثلاثة إلى عشرة من الرجال. أسلم: اسم لقبيلة كانت مشهورة.
إسماعيل: بن إبراهيم ﵉، فإنه أب العرب. فأمسك .. : أمسكوا عن الرمي]
وروىَ البخاري(٤١٠) ومسلم(١٨٧٠) عن ابن عمر رضي الله عنهماстр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٥٧٤) والترمذي(١٧٠٠) وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ سَبقَ إلا في خُف أوْ حَافِرٍ أو نَصْل).
[سبق: هو المال المشروط في السبْق. خف: أي ذي خف: المراد الإبل. حافر: ذي حافر والمراد الخيل وما يلحق بها. نصل: القسم الذي يجرح من السيف والرمح والسهم ونحوها، والمراد الرمي بها].
فصار معنى الحديث: لا يحل أخذ المال بالمراهنة إلا في الثلاثة المذكورة.стр. 250
كانت المسافة معلومة (١) وصفة المناضلة معلومة (٢) .
ويخرج العوض (٣) أحد المتسابقين حتى إنه إذا سبق استرده وإن سبق أخذه صاحبه له وإن أخرجاه معا لم يجز (٤) إلا أن يدخلا بينهما محللا (٥) إن سبق أخذ العوض (٦) وإن سبق لم يغرم. الحواشي
(١) انظر حديث ابن عمر ﵁ في الحاشية السابقة.(٢) كمعرفة الغرض وصفته وكيفية الرمي، ونحو ذلك.(٣) المال المشروط في المسابقة.(٤) لأن كلا منهما على خطر أن يغنم أو يغرم، وهذا قمار فلايجوز وجاز من أحدهما لانتفاء صورة المقامرة المذكورة.
ويجوز أن يكون العوض مشروطاً من غيرهما، كأن يشرطه الإمام من بيت المال، أو أحد الرعية من ماله، للسابق منهما، أو لأحد المتسابقين.(٥) أي شخصاً ثالثاً يكافئهما في شروط المسابقة، وسمي محللا لأنه يجعل العقد حلالاً، لانتفاء عورة المقامرة بوجوده على الوجه المذكور.(٦) المشروط منهما إن سبقهما، وإن سبق مع أحدهما أخذ العوض المشروط من الآخر.стр. 251
كتاب الأيمان والنذور
ولا ينعقد اليمين إلا بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته (١) الحواشي
(١) اليمين هي الحَلِفُ، سميت بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. ولا تنعقد - أي لا تصح ولا تترتب عليها آثارها المعتبرة شرعاً - إلا إذا كانت بما يدل على ذات الله تعالى، كقوله: والله. أو باسم خاص به، كقوله: والإله، مالك يوم الدين. أو بصفة من صفاته، كقوله: والرحمن، والحي الذي لا يموت، ونحو ذلك. والحلف بغير ما، سبق حرام ومعصية.
والأصل في هذا: ما رواه البخاري(٦٢٧٠) ومسلم(١٦٤٦) عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسولَ الله ﷺ أدْرَكَ عُمَرَ بنِ الخَطَاب، وهو يسَيرُ في رَكبَ، يَحْلفُ بأبيه، فقال: (ألاَ إن اللهَ ينْهًاكُمْ أنْ تَحْلفُوا بآبائكُمْ، َ مَنْ كانَ حالِفاً فَلْيحْلفْ بالله أوْ لِيَصمُتْ).
[ركَب: جَمع راكب. ليصمت: ليسكت].
وروى البخاري(٦٢٥٣) عن ابن عمر رضى الله عنه قال: كَانَتْ يَمِينُ النَّبي ﷺ : (لاَ وَمُقَلَبِ المْقُلُوبِ).
وثبت في أكثر من حديث عند البخاريَ (٦٢٥٤، ٦٢٥٥) وغيره: أنه ﷺ قال في حلفه: (وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَد بيده).
ويكره الحلف لغًير حاجهَ، قال تعالى: " " وَلاَ تجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةًстр. 252
ومن حلف بصدقة ماله (١) فهو مخير بين الصدقة (٢) أو كفارة اليمين (٣) ولا شيء في لغو اليمين (٤) . الحواشي
(١٩٨١) ومسلم(١٦٠٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: (الْحَلف مُنَفقةٌ للسلْعَة مُمحقةٌ للبَركة).
[للسَلعة: ما يباع ويشترى من المتاعَ. ممحقة: مذهبَة. للبركة: الزيادة والنماء].(١) كأن قال: لله علي أن أتصدق بمالي إن فعلت كذا، ومثله: أن أصوم يوماً، ونحو ذلك. ويسمى يمين اللجاج والغضب، كما يسمى نذر اللجاج والغضب، لشبهه بالنذر من حيث الالتزا بقربة، وشَبهه باليمين من حيث تأكيد المنع من الفعل أو الترك. وهو إلى النذر أقرب وبه أشبه. وأضيف إلى اللجاج - وهو التمادي في الخصومة - وإلى الغضب: لأنه غالبا يحصل عندهما.(٢) أي التصدق بماله، أو تنفيذ ما التزمه من القُرباتِ.(٣) لما رواه مسلم(١٦٤٥) عن عقبة بنَ عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (كَفَارَةُ النذْرِ كَفارَةُ اليَمِينِ). قال النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، هو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً - مثلا - فلله علَيَ حجة، أو غيرها، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا. (شرح مسلم:١٠٤/ ١١).(٤) وهو ما يجري على اللسان دون قَصْدِ الحْلِفِ، أو قَصَدَ الحلفَ على شي فسبق لسانُه إلى غيره. فلا كفارة فيه ولا إثم، لقوله تعالى: "لاстр. 253
ومن حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله لم يحنث (١) ومن حلف على فعل أمرين ففعل أحدهما لم يحنث (٢) .
وكفارة اليمين (٣) هو مخير فيها بين ثلاثة أشياء: الحواشي
(٦٢٨٦) .
وروى أبو داود(٣٢٥٤) وابن حبان(١١٨٧) عن عطاء في اللَّغْوِ في اليمين، قال: قالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله ﷺ قال: (هُوَ كَلاَمُ الرجُلِ في بَيْتِهِ، كَلاَ وَالله، وً بَلى وَاللهِ).(١) من الحنث وهو عدم الوفاء بموجب اليمين، والحنثَ في الأصل الذنب، وأطلق على ما ذكر لأنه سبب له. ولم يحنث في الصورة المذكورة، لأنه لم يباشر الفعل، والفعل ينسب إلى من باشره، وهو قد حلف على فعل نفسه حقيقة، فلا يحنث بفعل غيره.(٢) وذلك كما لو حلف: لا يلبس هذين الثوبين، أولا يكلم زيداً وعمراً، فلبس أحد الثوبين أو كلم أحد الرجلين، فلا يحنث، لأن يمينه واحدة على مجموع الأمرين.
أما لو قال: والله لا ألبس هذا ولا هذا، أو لا أكلم زيداً ولا عمراً، فيحنث بلبس أحد الثوبين أو تكليم أحد الرجلين، لأن إعادة حرف النفي جعلت كلا منهما مقصوداً باليمين على انفراد.(٣) أي المنعقدة، وهي التي يجري لفظها على لسانه ويقصدها قي قلبه، فإن لم يَبر بها، أي يعمل بموجبها، وجبت عليه الكفارة، لقوله تعالى:стр. 254
١ - عتق رقبة مؤمنة
٢ - أو إطعام عشرة مساكين كل مسكين مدا
٣ - أو كسوتهم ثوبا ثوبا فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (١) . الحواشي
(٦٢٩٨) عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: (الْكبائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقوقُ الوَالِدين، وَقتلُ النّفْسِ والْيَمِينُ الْغَمُوسُ).(١) مداً: كيل معروف يساوي مكعباً طول حرفه ٢/ ٩ سم، ويتسع ٦٠٠ غراماً تقريباً.
ثوباً: يقع عليه اسم الكسوة مما يعتاد لبسه. لم يجد: أي كان عاجزاً عن كل من العتق والإطعام والكسوة. ولا يشترط التتابع في صوم الأيام الثلاثة.
والأصل في هذا: قوله تعالى: " فَكَفارَتُهُ إطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ من ْ أوسَط مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهمِْ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فمن لَمَْ يجد فصِياَمُ ثَلاَثَةِ أيامٍ ذلك كفارةُ أيْماَنِكُمْ إذاً حَلَفْتُمْ " / الماَئدة: ٨٩/.
[أوسط: الوسط المعتاد والمألوف لأمثالكم، بدون إسراف ولا تقتير.
تحرير رقبة: أي تخليص إنسان مملوك من الرق، ذكراً كان أم أنثى.
وقيدت بالإيمان لما جاء في كفارة القتل. (انظر: حاشية ١ ص ٢٠٢)
إذا حلفتم: أي ولم تبرُّوا بيمينكم].стр. 255
"فصل" والنذر يلزم في المجازاة على مباح وطاعة (١) كقوله إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أصلي أو أصوم أو الحواشي
(١) أي يصح النذر وترتب عليه آثاره، ويلزم الوفاء به: إن كان بالتزام فعل طاعة مكافأة على حصول أمر مباح، أي محبوب للنفس طبعاً، من إصابة خير أو دفع سوء.
والنذر في اللغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: الوعد بالخير خاصة.
أو: التزام قربة لم تتعين بأصل الشرع. وهو نوعان: نذر لجاج وغضب كما مر (حاشية ١ ص ٢٥١). ونذر تبرر، أي يُطلَب به البر والتقربُ من الله تعالى، وهو قسمان:
أحدهما: أن يكون معلقاً بأن يلتزم فعل قربة إن حدثت له نعمة أو ذهبت عنه نقمة، وهو نذر المجازاة - أي المكافأة - كما ذكر المصنف ومثل له.
والثاني: أن يكون غير معلق، كأن يقول: لله عَلَيّ صوم أو حج أو غير ذلك فيلزمه أيضاً كفى الأظهر في المذهب.
والأصل في شروعية النذر ولزوم الوفاء به: قوله تعالى، في صفات الأبرار: "يُوفوُنَ بالنذْر ويَخَافُونَ يوماً كَانَ شرهُ مُسْتَطيراً " / الدهر: ٧ /.
[يوماً: هو يوم القيامة. شره: هوله وشدته. مستطتراً: ممتداً ومنتشراً].
وقال تعالى: " ولْيوفوا نُذُورهُمْ " / الحج: ٢٩ /.
وذمه ﷺ للذين لا يفون بنذرهم، روى البخاري(٢٥٠٨) ومسلم(٢٥٣٥) عن عمران بن حصين رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بَعدَكُمِ قَوماً يَخوُنون ولاَ يُؤْتَمَنُونَ ويشهدونَ ولا يستشهدون، ويْنْذرون ولا يفونَ، ويَظْهرُстр. 256
أتصدق
ويلزمه من ذلك ما يقع عليه الاسم (١) .
ولا نذر في معصية كقوله: إن قتلت فلانا فلله عليَّ كذا (٢) .ولا يلزم النذر على ترك مباح كقوله: لا آكل لحما ولا أشرب لبنا وما أشبه ذلك (٣) . الحواشي
(٦٣١٨) عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيع اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِه).(١) أي اسم الصَلاة أو الصوم أو الصدقة شَرعاً، وأقله في الصلاة ركعتان، وفي الصوم يوم، وفي الصدقة أقل ما يتمول شرعاً، أي ما يعده الشرع مالاً. وهذا إن أطلق، فإن عين مقداراً أو عدداً لزمه ما عينه.(٢) لقوله ﷺ : (ومَنْ نَذر أنْ يَعْصِيَه فلاَ يَعْصِهِ). ولقوله ﷺ : (لاَ نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ). مسلم(١٦٤١) . أي لا ينعقد ولا يترتب عليه شيء، إلا إن نوى به اليمين فتلزمه كفارة يمين (انظر حاشية ٣ ص ٢٥١).(٣) ومثل الترك الفعل، كما لو نذر أن يأكل أو يشرب أو يلبس.
دل على ذلك: ما رواه البخاري،(٦٣٢٦) عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخْطُبُ، إذا هو بِرَجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو إسْرَائيلَ، نَذَرَ أنْ يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصومَ. فقالَ النبي ﷺ : (مرْهُ فَلْيتَكَلَمْ وَلْيَستَظِل وَلْيَقعُدْ، وَليتِم صَوْمهُ). وذلك لأن الصوم طاعة، ويلزم الوفاء بها إذا نذرها.стр. 257
كتاب الأقضية والشهادات (١) الحواشي
(١) الأقضية: جمع قضاء، وله في اللغة معان عدة منها: الحكم، قال تعالى: "وَقضىَ رَبكَ ألا تَعْبُدُ وا إلا َإياه وْبَالوَالديَن إحْسَاناً " / الإسراء: ٢٣/. أي حكم.
وفي الشرع: فصل الخصومة بين اثنين فأكثر بحكم الله تعالى.
والأصل في مشروعية: آيات، منها: قوله تعالى: "وَإذَا حَكَمْتمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحكُمُوا بِالعَدْلِ "/ النساء: ٥٨/. وقوله تعالى: "وَأنِ احْكُمْ بيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله "/ المائدة: ٤٩/.
وأحاديث، منها: ما رواه أبو داود(٣٥٨٢) وغيره، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن - وعند الحاكم (٤/ ٩٣): تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حدث السن- ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: (إن الله سيَهْدي قَلْبَكَ، وَيُثَبتُ لِسَانَكَ). قال فما زلت قاضاً، أو: ماشككتَ في قضاء بعد.
[حديث السن: شاب. ذوي أسنان: كبار معمرين. لا علم لي: لم تسبق لي خبرة فيه. فما زلت قاضياً: عالماً بالقضاء].
وسيأتي مزيد من الأدلة في مواضعها من أحكام الكتاب.
والشهادات: جمع شهادة، من المشاهدة، وهي الاطلاع على الشيء عياناً، فهي إخبار عما شوهد أو علم بلفظ خاص. وهي في الشرع: إخبار لإثبات حق لغيره على غيره بلفظ خاص.
والأصل في مشروعيتها:стр. 258
ولا يجوز أن يلي القضاء (١) إلا من استكملت فيه خمس عشرة خصلة:
١ - الإسلام (٢)
٢ - والبلوغ
٣ - والعقل
٤ - والحرية (٣)
٥ - والذكورية (٤)
٦ - والعدالة (٥)
٧ - ومعرفة أحكام الكتاب والسنة (٦)
٨ - ومعرفة الإجماع (٧) ومعرفةُ الحواشي
(١) أي لا تصح توليته، وليس للسلطان أن يوليه، كما أنه يأثم بقبوله.(٢) فلا يصح تولية الكافر القضاء فيَ دار الإسلام ولو ليقضي بين الكفار، لقوله تعالى: " ولَنْ يجْعَلَ الله للكَافِرِينَ عَلى المُؤْمنين سَبِيلاً "، / النساء: ١٤١/. ولا سبيل أعظم من أن يكون قاضياً على المسلمَين أو في ديارهم.(٣) لنقص من فقدت فيه إحدى هذه الصفات.(٤) لقوله ﷺ : (لنْ يُفْلِحَ قَوْمُ وَلوْا أمرَهُمُ امْرَأة).رواه البخاري(٤١٦٣) عن أبي بكَرة ﵁.(٥) لأنه لا يوثق بقول من ليس بعدل ولا يؤمن الجَوْرُ في حكمه.
وسيأتي بيان العدالة في فصل الشهادة.(٦) الأحكام الثابتة بهما، والمحكم منها والمنسوخ، وأن يعرف ما يتعلق بهما من الأحكام العامة التي بواسطتها يستطيع استنباط الأحكام الفرعية، كما يستطيع أن يرجح بين الأدلة عند تغارضها.(٧) أي الأحكام المجمع عليها، حتى لا يخالفها في قضائه. والإجماع في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هو اتفاق جيع مجتهدي الأمة في عصر من العصور، على حكم شرعى، في حادثة لم ينص على حكمها في كتاب أو سنة.
فإذا حصل هذا الإجماع صار الحكم المجمع عليه شرعاً لازماً ولم يجزстр. 259
٩ - الاختلاف (١)
١٠ - ومعرفة طرق الاجتهاد (٢)
١١ - ومعرفة طرف من لسان العرب (٣)
١٢ - ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى (٤) الحواشي
(١) الواقع بين الصحابة ﵃، ومن بعدهم من التابعين والأئمة المجتهدين، في المسألة التي يقضي فيها، ليكون على بصيرة فيما يجتهد فيه ويحكم به.(٢) أي الطرق المؤدية إلى استنباط الأحكام من أدلتها، وكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على الأحكام.(٣) أي أن يكون على شيء من المعرفة باللغة العربية، واشتقاق ألفاظها وتصريفها، ووجوه الإعراب، لأنها لغة الشرع من كتاب أو سنة.(٤) والأصل في هذه الشروط الستة السابقة: ما رواه أبو داود(٣٥٧٣) وغيره، عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (القُضَاة ثَلاَثة: واحِدٌ في الْجَنَّة واثْنَان في النارِ، فَأمَّا الَّذي في الْجَنَةِ: فَرجل. عَرَفَ الْحَق فًقَضى بهَ، ورجلٌ عرف الحَق فَجَارَ في الْحُكمِ فهو في النار، ورَجل قَضَى للناس على جَهلٍ فهو في النّارِ). [على جهل: أي ليس لديه معرفة بما يوصله إلى القضاء بالحق الذي يرضي الله ] قال في الإقناع (٢/ ٢٧٧): والقاضي الذي ينفذ حكمه هو الأول، والثاني والثالث لا اعتبار بحكمهما.
وما رواه البخاري(٦٩١٩) ومسلم(١٧١٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذَا حَكمَ الحاكم فاجْتَهَد ثم أصابَ فله أجْرَانِ، وإذا حَكَمَ فَاجتهدَ ثم أخْطَأَ فله أَجْر).
[اجتهد: بذل وسعه للتعرف على القضية ومعرفة الحق فيها. أصاب: الحق والواقع في حكمه. أخطأ: الحق وواقع الأمر في قضائه]стр. 260
١٣ - وأن يكون سميعا
١٤ - وأن يكون بصيرا
١٥ - وأن يكون كاتبا
١٦ - وأن يكون مستيقظا (١)
ويستحب أن يجلس في وسط البلد في موضع بارز للناس (٢) ولا حاجب له (٣) ولا يقعد للقضاء الحواشي
(١) غير مغفل بحيث لا يخدع، هذا شرط إن كان فيه اختلال رأي ونظر، وإلا فهو مستحب. واشترط السمع ليميز بين الإقرار والإنكار. والبصر: ليميز بين الخصوم والشهود، ويعرف الطالب من المطلوب، لأن الأعمى لا يميز إلا بالصوت والصوت قد يشتبه.
والأصح أن الكتابة ليست بشرط، إلا إذا لم يوجد لديه كاتب يثق به.(٢) أي يمكن التعرف عليه بسهولة، للمستوطن والغريب.(٣) أي بواباً ونحوه، يحجب الناس عنه في وقت جلوسه للحكم ويمنعهم من الدخول إليه. لما رواه أبو داود(٢٩٤٨) والترمذي(١٣٣٢) وغيرهما، عن أبي مريمَ الأزدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ وَلاَه الله شيْئاً منِْ أمرِ المُسلِمِينَ،стр. 261
في المسجد (١) .
ويسوي بين الخصمين في ثلاثة أشياء:
١ - في المجلس
٢ - واللفظ
٣ - واللحظ (٢) .
ولا يجوز أن يقبل الهدية من أهل عمله (٣) . الحواشي
(١) صوناً له عن الصياح واللغط والخصومات، على أنه قد يحتاج أن يحضر إلى مجلس القضاء من ليس لهم أن يمكثوا فيَ المسجد كالحُيَّض، ومن لا يليق دخولهم بالمسجد كالصغار والمجانين والكفار.(٢) أي النظر، فلا ينظر إلى أحد الخصمين ويقبل عليه أكثر من الآخر، كما أنه لا يخصه بكلام أو سلا م دون خصمه. وكذلك سائر أنواع الإكرام.
والأصل في هذا: ما رواه الدارقطني (٤/ ٢٠٥) عن أم سلمة، ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من ابْتُلِيَ بالقضاء ين الناس فليعدل بينهم: في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر).(٣) أي الذين يرجعون إليه في حل خصوماتهم والفصل في منازعاتهم.
والأصل في هذا: ما رواه البخاري(٦٢٦٠) ومسلم(١٨٣٢) عن أبي حُميد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ : استَعْل عاملا، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسولَ الله هذا لكم وهذا أهْديَ لي. فقال له: (أفَلاَ قعَدتَ في بيت أبيكَ وأمِّك فنظرتَ: أيهدَى لك أم لا) ثم قام رسول الله ﷺ عَشِيَّة بعد الصلاة، فتشهدْ وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فماстр. 262
ويجتنب القضاء في عشرة مواضع:
١ - عند الغضب
الحواشي
(١٣٣٦) وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال:стр. 263
٢ - والجوع
٣ - والعطش
٤ - وشدة الشهوة (١)
٥ - والحزن
٦ - والفرح المفرط
٧ - وعند المرض
٨ - ومدافعة الأخبثين (٢)
٩ - وعند النعاس
١٠ - وشدة الحر والبرد (٣)
ولا يسأل المدعي عليه إلا بعد كمال الدعوى (٤) الحواشي
(١) أي التوقان إلى الجماع.(٢) البول والغائط.(٣) وغير ذلك من الأحوال التي تورث اضطرابا في النفس وسوءاً في الخلق وخللاً في الفكر.
والأصل فيَ هذا: ما رواه البخاري(٦٧٣٩) ومسلم(١٧١٧) عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لاَ بقْضِيَن حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ). وعند ابن ماجه(٢٣١٦) (لاَ يَقْضي الْقَاضى ... ) وفي رواية: (لاَ يَنبَغي لِلْحاكِمِ أنْ يقْضيَ ... ).
وألحق بالغضب ما ذكر، لأنه في معناه من حيث تغير النفس، وخروجها عن الطبيعة التي تؤهلها للنظر والفكر والاجتهاد لمعرفة الحكم.
والنهي في هذا للكراهة، ولو قضىَ في حال منها نفذ حكمه.(٤) أي بعد فراغ المدعي من بيان دعواه.стр. 264
ولا يحلفه إلا بعد سؤال المدعي (١) ولا يلقن خصما حجة ولا يفهمه كلاما (٢) ولا يتعنت بالشهداء (٣)
ولا يقبل الشهادة إلا ممن ثبتت عدالته (٤) ولا يقبل شهادة عدو على عدوه ولا شهادة والد لولده
ولا ولد لوالده (٥) الحواشي
(١) أي بعد أن يطلب المدعي من القاضي أن يُحَلَف المدعى عليه، لأن استيفاء اليمين من المدعى عليه حق للمدعي، فيتوقف على إذنه وطلبه.(٢) يعرف به كيفية الدعوى أو الجواب، أو كيف يقر أو ينكر، لما في ذلك من إظهار الميل له والإضرار بخصمه، وهذا حرام.(٣) أي لا يَشُقُّ عليهم ويؤذيهم بالقول ونحوه، كأن يهزأ بهم، أو يعارضهم في أقوالهم، أو يشدد عليهم في التعرف على كيفية تحملهم للشهادة، وظاهر حالهم الصدق وكمال العقل، لأن مثل ذلك ينفر من الشهادة وتحملها أو أدائها، والناس في حاجة إليها. قال تعالى: "ولا يضارَ كاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإن تَفْعَلُوا فَإنَّه فسوقٌ بِكمْ " / البقرة: ٢٨٢/.(٤) وتثبت العدالة بمعرفة القاضي للشاهد، أوبتزكية عدلين له عنده.
وسيأتي بيان العدالة ودليلها بعد فصلين.(٥) لتهمة التحامل على العدو، والمحاباة للوالد أو الولد. والأصل في رد الشهادة للتهمة، فيما ذكر وغيره: ما رواه أبو داود(٣٦٠١) وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذِي غِمْر عَلى أخِيهِ).
وفي رواية عند الترمذي(٢٢٩٩) : (ولا ظَنين في وَلاء ولا قرابة).
[الغمر: الحقد والغل والشحناء. الظنين: المتهم]стр. 265
ولا يقبل كتاب قاض إلى قاض آخر في الأحكام إلا بعد شهادة شاهدين يشهدان بما فيه (١) .
"فصل" ويفتقر القاسم (٢) إلى سبعة شرائط:
١ - الإسلام
٢ - والبلوغ
٣ - والعقل
٤ - والحرية
٥ - والذكورة
٦ - والعدالة
٧ - والحساب (٣)
فإن تراضى الشريكان بمن يقسم بينهما لم يفتقر إلى ذلك (٤)
وإذا كان في القسمة تقويم لم يقتصر فيه على أقل من الحواشي
(١) أي إذا حكم قاض على غائب، وكتب إلى القاضى الذي في بلده بما حكم به لينفذه عليه، اشترط أن يشهد على الكتابة شاهدين، يشهدان أمام القاضي المكتوب إليه بمضمون الكتاب.(٢) هو الذي ينصبه القاضي ليقسم الأشياء المشتركة بين الناس، ويميز نصيب كل شريك من نصيب غيره.
والأصل في مشروعية القسمة قوله تعالى في الميراث: "وَإذَا حَضَرَ الْقِسمةَ أولُوا الْقُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُم قَوْلاَ مَعْرُوفاً "/ النساء: ٨/.
وقوله ﷺ : (الشفْعَةُ فِيمَا لَمْ يقْسمَْ).
(انظر حاشية ٣ ص ١٣٩).
وثبت أنّه ﷺ قَسًم الغنيمةَ بين الغانمينَ. (انظر: ص ٢٢٧ حا ٥، ص ٢٢٨ حا ١).(٣) أما الشروط الستة الأولى: فلأن القاسم له ولاية كل من يقسم لهم، لأن قسمته ملزمة، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط فليس من أهل الولاية.
وأما معرفة الحساب، وكذلك المساحة وما يحتاج إليه حسب المقسوم، فلأن ذلك آلة القسمة، كما أن معرفة أحكام الشرع آلة القضاء.(٤) أي إلى جميع هذه الشروط، وإنما يكتفى بكونه مكلفاً، أي بالغاًстр. 266
اثنين (١) .
وإذا دعا أحد الشريكين شريكه إلى قسمة ما لا ضرر فيه (٢) لزم الآخر إجابته (٣) .
"فصل" وإذا كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم وحكم له بها وإن لم تكن له بينة فالقول قول المدعي عليه بيمينه (٤) فإن نكل عن اليمين ردت على المدعي الحواشي
(١) لأن التقويم تقدير قيمة الشيء المقسوم، فهو شهادة بالقيمة، فيشترط فيه العدد.(٢) أي في قسمته، كدار كبيرة، وثياب متعددة، ونحو ذلك.(٣) أي موافقته على القسمة، إذ قد يكون في استمرار الشركة ضرر عليه. أما لو كانت في القسمة ضرر، فإنه لا تلزمه إجابته.
والأصل في هذا: قوله ﷺ : (لا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ).
ابن ماجه (٢٣٤٠،٢٣٤١) ومالك في الموطأ (٢/ ٧٤٥، ٨٠٥).(٤) البينة: أي شهود يشهدون على مدعاه. فالقول: الذي يُسْمعَ ويُقْبَل.
والأصل في هذا أحاديث، منها: ما رواه البخاري(٤٢٧٧) ومسلم(١٧١١) واللفظ له، عن ابن عباس ﵄: أِن النبي ﷺ قال: (لَوْ يُعْطَى الناس بدَعوَاهُم، لادعى ناس دماءَ رجال وأموالهم، ولَكنْ اليَمينُ على الَمُدَعَى عَلَيه).
وروى مسلَمِ(١٣٨) عن الأشْعثِ بنِ قَيْس ﵁ قال: كان بيني وبينَ رجُل أرضٌ باليمنِ، فخاصمتُهُ إلى النبي ﷺ فقال: (هَل لَكَ بينة) فقلت: لا. قال: (فَيَمينُه). وفي رواية (شَاهِداكَ أو يمينُه).стр. 267
فيحلف ويستحق (١)
وإذا تداعيا شيئا في يد أحدهما: فالقول قول صاحب اليد بيمينه (٢) وإن كان في أيديهما تحالفا وجعل بينهما (٣)
ومن حلف على فعل نفسه حلف على البت والقطع (٤)
ومن حلف على فعل غيره فإن كان إثباتا حلف على البت والقطع (٥) وإن كان نفيا حلف على نفى العلم (٦) . الحواشي
(١) ما ادعاه، لما رواه الحاكم (٤/ ١٠٠) عن ابن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ رَد اليَمنَ على طَالِبِ الحَق.
قال: هذا حديث صحيح الإسناد.
وطالب الحق هو المدعي. ونكل: امتنع.(٢) عملا بالأصل واستصحاب الحال، فإن وجوده بيده يرجح أنه ملكه، حيث لا بينة تخالفه، لأن الأصل أن لا يدخل في يده إلا بسبب مشروع.(٣) تحالفا: أي حلف كل منهما على نفي أن يكون ملكاً للآخر.
روى أبو داود(٣٦١٣) وغيره، عن أبي موسى الأشْعريَ ﵁: أنَ رجلين ادعَيَا بعيراً أو دَابَّة، إلى النبي ﷺ ، ليست لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فجعله النبي ﷺ بَينَهُما.
قال الحاكمَ (٤/ ٩٥): هذا حديث صحيح.(٤) البت: هو الجزم والقطع، لأنه عالم بنفسه ومحيط بحاله.(٥) لسهولة الاطلاع على المثبت والعلم به، كما لو ادعى أن لمورثه عل فلان كذا، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وحلف المدعي.(٦) أي إن كان ينفي فعلا عن غيره فلا يحلف على الجزم، لأنه لا سبيل له إلى القطع في نفي فعل غيره- بل يقول: والله لا أعلم أن فلاناً فعل كذا.стр. 268
"فصل" ولا تقبل الشهادة إلا ممن اجتمعت فيه خمس خصال:
١ - الإسلام
٢ - والبلوغ
٣ - والعقل
٤ - والحرية
٥ - والعدالة (١)
وللعدالة خمس شرائط:
١ - أن يكون مجتنبا للكبائر
٢ - غير مصر على القليل من الصغائر
٣ - سليم السريرة
٤ - مأمون الغضب
٥ - محافظا على مروءة مثله (٢) . الحواشي
(١) أما الإسلام: فلقوله تعالى: " وَاسْتَشْهِدُ وا شَهِيدين مِنْ رِجَالِكُمْ " / البقرة ٢٨٢/. والكافر ليس من رجالنا. ولقوله تعالى: "وَأشْهِدُ وا ذَوَيْ عَدل مِنكُمْ " / الطلاق: ٢/. والكافر ليس بعدل، كما أنه ليس منا.
وأيضا الشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر، كما علمت (انظرص ٢٥٧ حا ٢) وأما البلوغ والعقل والحرية: فلأن الصبي والمجنون والعبد لا ولاية لهم على أنفسهم فلا ولاية لهم على غيرهم من باب أولى، فلا تقبل شهادتهم.
لأن الشهادة ولاية كما علمت.
وأما العدالة: فلقوله تعالى: " وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منْكُمْ " فهي صريحة في اشتراط أن يكون الشاهد عدلاً.
ولقوله تعالى: "ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ " / البقرة: ٢٨٢/.
وغير العدل ممن لا يرضى.(٢) الكبائر: جمع كبيرة، وهي كل ما ورد فيه وعيد شديد في كتاب أو سنة، ودل ارتكابه على تهاون في الدين، كشرب الخمر والتعامل بالربا وقذف المؤمنات بالزنا، قال تعالى في شأن القاذفين: "وَلا تَقْبَلُوا لَهمْ شَهَادَة أبَداً وَأولئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " / النور: ٤/.
والصغائر: جمع صغيرة، هى ما لم ينطبق عليه تعريف الكبيرة، كالنظر المحرم وهجر المسلم فوقَ ثلاث، ونحو ذلك.
سليم السريرة: أي العقيدة، فلا تقبل شهادة من يعتقد جواز سب الصحابة ﵃.стр. 269
"فصل" والحقوق ضربان:
١ - حقوق الله تعالى
٢ - وحقوق الآدميين:
فأما حقوق الآدميين فهي على ثلاثة أضرب:
١ - ضرب لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران، وهو: ما لا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال (١)
٢ - وضرب يقبل فيه شاهدان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي وهو ما كان القصد منه المال (٢) . الحواشي
(١) كالزواج والطلاق والوصية ونحو ذلك: لقوله تعالى في الوصية: " يَا أيهَا الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمْ المَوْتُ حِينَ الوَصِيةِ اثنَانِ ذَوا عَدْل منْكُمَْ "، / المائدة: ١٠٦/.
وقوله تعالى في الطلاق: " مأمسِكُوهُن بمعرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُن بمَعْروفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ " / الطلاق: ٢/ مثنى ذو، وهو بمعنى صاحب.
وقرله ﷺ في الزواج: (لاَ نِكَاحَ إلا بِوَليٍ مُرْشِد وَشَاهدَيْ عَدل). انظر حاشية ٢ ص ١٦١.
ففَي النصوصً الثلاثة ورد الشهود بلفظ التذكير، وقيس ما لم يذكر من الحقوق على ما ذكر.(٢) كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك. والأصل في هذا: قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجَالِكُمْ فَإنْ لَمْ يكُونا
رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وَامْرأتَان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدَاءِ أنْ تَضِل إحْدَاهمَا فَتُذكرَ إحدَاهمَا الأخْرَى "/ البقرة: ٢٨٢/. تضل: تنسى.
وروى مسلم(١٧١٢) عن ابن عباس ﵄: أن رسولَ اللهстр. 270
٣ - وضرب يقبل فيه رجل وامرأتان أو أربع نسوة وهو ما لا يطلع عليه الرجال (١) .
وأما حقوق الله تعالى فلا تقبل فيها النساء (٢) وهي على ثلاثة أضرب:
١ - ضرب لا يقبل فيه أقل من أربعة وهو الزنا (٣) . الحواشي
(١) غالباً، من عيوب النساء، وكذلك الرضاع والولادة ونحوها.
لما رواه ابن أبى شيبة، عن الزهري رحمه الله تعالى قال: مضت السنةُ بأنه يجوز شهادةُ النَساء فيما لا يَطلِعُ عليه غيرُهن، من وِلاَدَةِ النساء وعيوبهن. (الإقناَع: ٢٩٧٢) ومثل هذا القول من التابعي حجة، لأنه في حكَم الحديث المرفوع، إذ لا يقال سن قبيل الرأي والاجتهاد.
وقيس على ما ذكر غيره. مما يشاركه في معناه وضابطه.
واشترط العدد، لأن الشارع جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد.
وإذا قبلت شهادة النساء منفردات في شؤونهن، فقبولها مع اشتراك رجل وامرأتين أولى، لأن الأصل في الشهادة الرجال، وكذلك إذا انفرد الرجال بالشهادة.(٢) لأن شهادتها فيها شبهة، وهذه الحقوق يؤخذ فيها بالاحتياط، وكذلك قبول شهادتها منفرة فيما مر للستر. وروى مالك عن الزهري قال: مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود. (الإقناع: ٢/ ٢٩٦).(٣) دل على ذلك آيات، منها: قوله تعالى: " وَالَذينَ يَرْمُونَ المَحْصَنَاتِ ثم لَمْ يَأتُوا بِأرْبَعَة شهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ " / النور ٤/.
فقد رتب وجوب الجلد على عدم اَلإتيان بأربعة شهداء، فدل على أن الزنا لا يثبت إلا بهم.стр. 271
٢ - وضرب يقبل فيه اثنان وهو ما سوى الزنا من الحدود (١)
٣ - وضرب يقبل فيه واحد وهو هلال رمضان (٢) . الحواشي
(١٤٩٨) أن سعد بن عبادة ﵁ قال: يا رسولَ الله، لو وجدت مع أهلي رجلاً، لم أمسَهُ حتَّى آتيَ بأرْبَعَةِ شهَدَاءَ؟ قال رسولُ الله: (نَعَمْ) قال: كَلا والَّذي بعثَك بالحَق، إنْ كنتُ لأعاجلُه بالسَّيفِ قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : (اسْمَعوا إلى ما يَقولُ سَيَدُكُمْ، إنه لَغيُورٌ، وَأنَا أغْيَرُ مِنْه، واللهُ أغْيَرُ مِنَي). وقال ذلك عندما نزل: " والذين يرمون ... " ثم نزلت آيات اللعان فُسْحَة للأزواج. (انظر حاشية ٣،٢ ص ١٧٧).(١) كحد القذف والشرب (انظر حا ٢ ص ٢٠٨، حا ٢ ص ٢١٠) ومثله القصاص لعموم نصوص الشهادة، مثل قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " وقوله: "وأشهدوا ذوي عدل منكم " وقوله ﷺ (شاهداك أو يمينه). مع قول الزهري: مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود.(٢) لما رواه أبو داود(٢٣٤٢) وغيره، عن ابن عُمَرَ ﵄ قال: تَرَاءى النَّاسُ الهِلاَلَ، فأخرتُ رسولَ الله ﷺ أنَي رأيته، فصامَهُ وأمر النَّاسَ بصيامه.
والحكمة في قبول شاهد واحد في هذا اَلاَحتياط في أمر الصوم، إذ الخطأ في فعل العبادة أقل مفسدة ميت الخطأ في تركها، ولذا لا يقبل في هلال شوال بأقل من شاهدين.стр. 272
ولا تقبل شهادة الأعمى إلا في خمسة مواضع:
١ - الموت
٢ - والنسب
٣ - والملك المطلق (١)
٤ - والترجمة (٢)
٥ - وما شهد به قبل العمى (٣)
٦ - وما شهد به على المضبوط (٤)
ولا تقبل شهادة جار لنفسه نفعا ولا دافع عنها ضررا (٥) . الحواشي
(١) أي كأن يدعي شخص ملك شيء ولا منازع له فيه، فيشهد الأعمى: أنَّ هذا الشيء مملوك، دون أن ينسبه لمالك معين. وقبلت شهادته في هذه الأمور لأنها مما يثبت بتسامع الناس لها، أي تناقلها بينهم، واستفاضتها فيهم، ولا تفتقر إلى مشاهدة وسماع خاص، لأنها تدوم مدة طويلة، يعسر فيها إقامة البينة على ابتدائها لذهاب من حضرها فيَ غالب الأحيان.(٢) أي بيان كلام الخصوم والشهود وتوضيحها، لأن ذلك يعتمد على اللفظ لا على الرؤية.(٣) أي تحمل فيه الشهادة قبل العمى، إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب.(٤) أي الممسوك، وذلك كأن يقول أحد في أذن الأعمى قولاً، من إقرار أو طلاق ونحوه، فيمسكه ويذهب به إلى القاضى، ويشهد عليه بما قاله في أذنه.(٥) مثال الأول: أن يشهد الوارث أن مورثه مات قبل أن يندمل الجرح، فيأخذ الدية. ومثال الثاني: أن تشهد العاقلة في قتل الخطأ بفسق شهود القتل، حتى لا تتحمل الديهّ. والأصل في رد هذه الشهادة التهمة.стр. 273
كتاب العتق (١)
ويصح العتق من كل مالك جائز التصرف في ملكه (٢) الحواشي
(١) وهو إزالة الملك عن الاَدمي، وتخليصه من الرق، تقرباً إلى الله تعالى. وقد جاء في الحث عليه والندب إليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة: أما الكتاب: فمثل قوله تعالى: " فَلاَ اقتحَمَ الْعَقَبةَ. وَمَا أدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ. فَك رَقَبَة " / البلد: ١١ - ١٣/.
ومنها: آيات الكفارات، كالقتل والظهار واليمين، كما مر معك.
وأما الأحاديث: فمنها: ما رواه البخاري(٢٣٨١) ومسلم(١٥٠٩) عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : (أيمَا رجُل أعتقَ امْرَأ مُسْلِماً، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنهُ عُضْواً منْهُ مِنَ النارِ).
[رجل: مسلم، ذكراً كان أم أنثى. استنقذ: خلص ونجى، وتخليص العضو تخليص لكامل الجسد، لأنه إذا استحق عضو النار بمباشرته المعصية، كانت العقوبة لكامل الجسد].
وعند أبي داود(٣٩٦٦) وغيره، عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (منْ أعْتَقَ رَقَبَة مؤْمنَة كَانَتْ فداءَهُ منَ النارِ). والرقبة تشمل الذكر والأنثى.
وَكان رسول الله ﷺ يأمر به عند النوازل.
روى البخارى(٢٣٨٣) عن أسماءَ بنت أبى بكر ﵄ قالت: أمَر النبي ﷺ بِالْعَتاقَةِ في كُسُوفِ الشمْس.(٢) أي مطلق التصرف فيما يملك، وهو: كل بالغ عاقل غير محجورстр. 274
ويقع بصريح العتق والكنابة (١) مع النية
وإذا أعتق بعض عبد عتق عليه جميعه وإن أعتق شركا له في عبد وهو موسر سرى العتق إلى باقية وكان عليه قيمة نصيب شريكه (٢) . الحواشي
(١) وهي هنا: كل لفظ يتضمن زوال المِلك أو ينبىء عن الفرقة، كقوله: لا سلطان لي عليك، أنت سائبة، لا خدمة لي عليكم، ونحو ذلك.(٢) شركاً: نصيباً مشتركاً. موسر: غني يملك قيمة باقيَ العبد. سرى: تعدى وجاوز. فإن لم يكن المعتق موسراً عتق نصيبه، وتُرِك العبد ليعمل ويكسب قيمة باقيه، ويدفعها إلى الشركاء، فيصبح حراً بالكلية.
والأصل في هذا:
ما رواه البخاري(٢٣٨٦) ومسلم(١٥٠١) وغيرهما، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ أعتقَ شِرْكاً له في عَبد، فكانَ له مَال يبلغٌ ثمَنَ العبد، قُومَ الْعَبْد قيمةَ عدل، فَأعطىَ شركاءَه حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَليْه، وإلا فقد عتق منه ما عتق).
[قيمة عدل: أي لا زيادة فيها ولا نقص. حصصهم: قيمة حصصهم.
ما عتق: أي نصيبه الذيَ أعتقه].
وروى البخاري(٢٣٦٠) ومسلم(١٥٠٣) وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (منْ أعْتَقَ شَقِيصاً منْ ممْلوُكِه فعليه خَلاَصُهُ في ماله، فَإنْ لم يكنْ له مالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قيمةً عَدْلٍَ، ثم استُسْعِيً غَيرَ مشقوق عليه).
[شقيصاً: نصيباً. خلاصه: أداء قيمة باقية ليتخلصً منَ الرق نهائياً.стр. 275
ومن ملك واحدا من والده أو مولوده عتق عليه (١) .
"فصل" والولاء من حقوق العتق (٢) وحكمه حكم التعصيب عند عدمه (٣) وينتقل الولاء عن المعتق إلى الحواشي
(١) أي من ملك أحد أصوله مهما علوا كجد وجدة، أو فروعه مهما نزلوا كابن ابن وبنته، أصبح حراً تملكه له. والأصل في هذا: ما رواه مسلم(١٥١٠) وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ يَجزي وَلَدُ وَالداً، إلا أنْ يَجدَهُ مَمْلُوكاً فَيشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ). أي فيكون شَراؤه له سبباً لعتقَه، فيعتق بنفس الشراء: لا يحتاج إلى لفظ جديد.
وقيس على الشراء غيره من أسباب الملك، كالهبة والميراث وغيرها.
[لا يجزي: لا يقوم بماله عليه من حق. مجده: يصادفه].
وقيس بالأصول الفروع بجامع البعضية، أي إن الولد الذي هو الفرع بعض الوالد الذي هو الأصل، فكما أن الأصل لايملكه بعضُه، فهو لايملك بعضَه.(٢) أي ملازم له، يثبت للمعتِق بمجرد عتقه، ولا يملك إسقاطه أو التنازل عنه. والولاء: من الموالاة، وهي المعاونة والنصرة، والمراد به هنا: استحقاق الميراث إذا لم يوجد عصبة من النسب.
روى البخاري(٤٤٤) ومسلم(١٥٠٤) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (فَإن الْوَلاَءَ لِمَنْ أعْتَقَ).(٣) أي للمعتق ما للعصبة من النسب، كالولد والوالد والأخ، عند فقده، من استحقاق الميراث وولاية التزويج وتحمل الدية والمطالبة بها،стр. 276
الذكور من عصبته (١) وترتيب العصبات في الولاء كترتيبهم في الإرث (٢) ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته (٣) .
"فصل" ومن قال لعبده: إذا مت فأنت حر فهو مدبر (٤) يعتق بعد وفاته من ثلثه (٥) ويجوز له أن يبيعه في حال حياته ويبطل تدبيره (٦) وحكم المدبر الحواشي
(١) أي عصبة المعتق، وذلك بعد موته.(٢) أي الأقرب والأولى من عصبة المعتقَ مقدم على غيره.(٣) روى البخاري(٢٣٩٨) ومسلم(١٥٠٦) عن ابن عمر ﵁ قال نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِه.(٤) من التدبير، وهو: تعليقُ المالك عتقَ عبده على موته. سمي بذلك لأن الموت دُبُرُ الحياة، أي آخرها ونَهايتها.(٥) أي من ثلث تركته بعد تجهيزه ووفاء ديونه، لأنه تبرع معلق بالموت، فأشبه الوصية، وهي من الثلث. وروي أن ابن عمر ﵁ قال: المدبر من الثلث. دارقطني (٤/ ١٣٨) ولم ينكر عليه أحد، فصار في حكم الإجماع. (نهاية: ٣/ ١١٦).(٦) روى البخاري(٢٠٣٤) ومسلم(٩٩٧) عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَ رجُلا أعْتَق غُلاَماً له عن دُبر، فاحْتَاج فأخذه النبي ﷺ فقال: (مَنْ يَشْتَرِيه منَي). فاشتراه نُعَيْمُ بنُ عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه.стр. 277
في حال حياة السيد كحكم العبد القن (١) .
"فصل" والكتابة مستحبة إذا سألها العبد وكان مأمونا مكتسبا (٢) ولا تصح إلا بمال معلوم ويكون مؤجلا إلى أجل معلوم أقله نجمان (٣)
وهي من جهة السيد لازمة ومن جهة المكاتب جائزة فله فسحها متى شاء (٤) وللمكاتب التصرف فيما في يده من المال الحواشي
(١) أي له أن يتصرف به بيعاً وهبة ونحو ذلك لما مر آنفاً.
والقن: هو المملوك الذي لم يتصل به شيء من أحكام العتق أو مقدماته، وهي: التدبير كما سبق، والكتابة والاستيلاد، كما سيأتي.(٢) الكتابة في اللغة: الضم والجمع، وفي الشرع: عقْد عتْقِ على عوض، بشروط تأتي، وبلفظ الكتابة. سميت بذلك، لأن المملَوكَ يضم قسطاً من المال إلى قسط حتى يعتق. أميناً: مأموناً فيما يكسبه. مكتسباً: قادراً على الكسب. والأصل فيها: قوله تعالى: " وَالَّذِينَ يَبتَغُونَ الْكتَابَ ممَّا مَلَكَتْ أيمَانكُمْ فَكَاتبُوهُمْ إنْ عَلمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً " / النورَ: ٣٣/.
[يبتغون: يطلبوَن ويقصدون. الكتاب: المكاتبة مما ملكت أيمانكم: من العبيد والإماء. خيراً: هو القدرة على الاكتساب والأمانة](٣) مثنى نجم وهو الوقت، لأن العرب كانوا يوقتون بطلوع النجم، ويطلق أيضاً على المال المؤدى في كل وقت.(٤) لازمة: أي عليه الاستمرار بها، وليس له فسخها والرجوع عنها.
جائزة: أي لا يجب عليه الاستمرار بها، وله الوجوع عنها وفسخها، سواء عجز عن أداء النجوم أم لا. وذلك مراعاة لصلحة المكاتب، لأن الكتابة شرعت في الأصل نظراً لمصلحته.стр. 278
ويجب على السيد أن يضع عنه من مال الكتابة ما يستعين به على أداء نجوم الكتابة (١) ولا يعتق إلا بأداء جميع المال (٢) .
"فصل" وإذا أصاب السيد أمته فوضعت ما تبين فيه شيء من خلق آدمي حرم عليه بيعها ورهنها وهبتها وجاز له التصرف فيها بالاستخدام والوطء وإذا مات السيد عتقت من رأس ماله قبل الديون والوصايا (٣) وولدها من غيره بمنزلتها (٤) الحواشي
(١) أي يحط عنه جزءاً من المال المتفق عليه ليسهل عليه الأداء. قال تعالى: " وَآتُوهُمْ مِنْ مَال الله الَّذي آتَاكُمْ " /النور:٣٣/.(٢) روى أبو داود(٣٩٢٦) عنَ عبدَ الله بَن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: (المُكَاتَبُ عبدٌ مَا بَقِيَ عَليْه منِْ مُكَاتَبتَه درْهَمٌ).(٣) أصابَ: َ وطىء، وتسمى بوضعها ما ذكر بعد وطئه لها أم ولد.
والأصل فيما ذكر لها من أحكام: ما رواه الدارقطني (٤/ ١٣٤) والبيهقي (١٠/ ٣٤٨) وصححا وقفه على عمر ﵁: أمهات الأولاد لا يبعن ولا يوهن ولا ديورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حياً، فإذا مات فهي حرة. وصحح ابن القطان رفعه.
(نهاية:٣/ ١٢١).
وعند مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٦) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة.(٤) أي إذا أتت بولد من غير سيدها، بعد أن أصبحت أم ولد، فولدها يصبح حرا مثلها بعد موت السيد، لأن الولد تبع لأمه فيَ الحرية.стр. 279
ومن أصاب أمة غيره بنكاح فالولد منها مملوك لسيدها (١) وإن أصابها بشبهة (٢) فولده منها حر وعليه قيمته للسيد وإن ملك الأمة المطلقة بعد ذلك (٣) لم تصر أم ولد له بالوطء في النكاح وصارت أم ولد له بالوطء بالشبهة على أحد القولين (٤) والله أعلم. الحواشي
(١) لأنها مملوكة وولدها تبع لها.(٢) أي ظناً منه أنها أمته أو زوجته الحرة.(٣) أي بعد وطئه لها بالنكاح، وصورتها: أنه تزوجها مملوكة ووطئها، فأتت منه بولد، ثم طلقها، ثم ملكها من سيدها، بشراء أو هبة ونحوها.(٤) وهو مرجوح، والأرجح أنها لا تصير أم ولد، ما لم يطأها وتضع منه بعد ملكه لها.
تم الكتاب بفضل الله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٢٦٠) مثلا فهو الرقم المتسلسل لأحاديث الصحيح من أول الكتاب الى آخره. وأذكر هكذا (٢/ ١٥) مثلا، فالرقم الأول رقم الكتاب في الصحيح، والرقم الثاني رقم الباب ضمن الكتاب المشار اليه.
٢ - صحيح مسلم رحمه الله تعالى (الجامع الصحيح): طبعة دار إحياء التراث العربي، المصورة عن طبعة عيسى البابي الحلبي، بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، وهي مرقمة الكتب والأبواب والاحاديث، والرقم المشار اليه عند كل حديث هو الرقم المتسلسل للاحاديث.стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ٣ - الجامع الصغير للسيوطي رحمه الله تعالى، وهو ذو أرقام، والرقم المشار إليه يعني الرقم المتسلسل للحديث.
٤ - سنن ابن ماجه رحمه الله تعالى: طبعة عيسى البابط الحلبى (١٣٧٢هـ - ١٩٥٢ م) بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي، وهي مرقمة، والرقم المشار اليه عند الرواية هو الرقم المتسلسل للحديث.
٥ - سنن أبي داود رحمه الله تعالى: طبعة الأستاذ عزت عبيد الدعاس وبتعليقه- الطبعة الأولى، وهي ذات أرقام متسلسلة للأحاديث، وقد أشرت الى رقم الحديث عند روايته.
٦ - سنن الترمذي ﵀ تعالي: طبعة الأستاذ عزت عبيد الدعاس بتعليقه (١٣٨٥هـ - ١٩٦٥ م) وهي طبعة مرقمة، والرقم المشار اليه عند الرواية هو الرقم المتسلسل للحديث.
٧ - سنن النسائي رحمه الله تعالى: طبعة دار إحياء التراث العربي،
٨ - سنن الدارقطني رحمه الله تعالى: طبعة السيد عبد الله هاشم يماني المدني بالدينة المنورة (١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م).
٩ - السنن الكبرى للبيهقي رحمه الله تعالى: طبعة الطبعة العثمانية بالهند (١٣٥٣ هـ).
١٠ - شرح صحيح مسلم: للإمام النووي رحمه الله تعالى.
١١ - كشف الخفاء: طبعة دار أحياء اللتراث العربى (١٣٥١ هـ).
١٢ - المستدرك على الصحيحين: للحاكم رحمه الله تعالى: الطبعة الهندية، نشر مكتب الطبوعات الاسلامية - حلب - محمد أمين دمج.
١٣ - المسند: للإمام أحمد رحمه الله تعالى: نشر الكتب الإسلامي ودار صادر.стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ١٤ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: للحافظ الهيثمي رحمه الله تعالى، وهو المعتمد حيث يسند الحديث إلى ابن حبان، والرقم المشار إليه عند الرواية هو الرقم المتسلسل للحديث فيه.
١٥ - الموطأ: للإمام مالك رحمه الله تعالى: طبعة عيسى البابي الحلبي، بتعليق محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى.
١٦ - نيل الأوطار: للشوكاني رحمه الله تعالى، طبعة مصطفى البابي الحلبي (١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م).
ملاحظة: الرقم المذكور، عند الرواية عن الكتب. غير الرقمة ترقيما متسلسلا يعني رقم الجزء والصفحة.
كتب الفقه المشار اليها
١ - الأم للشافعي رحمه الله تعالى، تصوير كتاب الشعب في القاهرة.
شروح متن الغاية والتقريب: وهى:
- الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: للخطيب الشربيني رحمه الله تعالى، طبع الطبعة العامرة الشرفية في القاهرة سنة ١٣١٧ هـ.
- كفاية الأخيار: لتقي الدين الحسيني الحصني الدمشقى، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
- النهاية: للعلامة أبي الفضل ولى الدين البصير، بتحقيق مجموعة من أساتذة الأزهر الشريف، ومراجعة محمد محي الدين عبد الحميد، طبع المكتبة التجارية الكبرى في القاهرة.
٣ - المجموع للإمام النووي رحمه الله تعالى، وتكملته، نشر زكريا علي يوسف.
٤ - مغني المحتاج: للخطيب الشربيني رحمه الله تعالى، شرح المنهاج للنووي رحمه الله تعالى، طبعة مصطفى البابي الحلبي، (١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م).