Полный текст (429 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الضمير على ما تقدم من الإفراد، والتثنية، والجمع، وإن كان العطف بالـ " فاء " جاز فيه وجهان: أن يكون حسب ما تقدم قبله، وأن يكون مفردًا لا غير. وإن كان العطف ب " ثم " فالأحسن الإِفراد لما فيها من المهلة، وإن كان العطف بما عدا ذلك فإنما يكون الضمير حسب المتأخر من الأسماء المتقدم عليه، ولا يجوز أن يكون على حسب ما تقدم إلا في " أو " خاصة، وذلك شذوذ كقوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا).
ورَدَّه عليه بعضُ المتأخرين. وقال: إن الضمير يكون على حسب الأول مطلقًا في جميع حروف العطف، واستدل بقوله: (فاللَّه أولى بهما. .).
وتأوَّل قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها. .).
стр. 142
- (وما للظالمين من أنصار. .). الفخر: لا دليل فيه لمنكري الشفاعة؛ لأنه بمعنى الكل لا الكلية، ومعلوم أن بعض الظالمين لا ناصر له.
قال شيخنا ابن عرفة: وقد يجاب: بأن أنصار جمع نصير، وهو أخص من ناصر فلا يلزم من نفيه نفيه.
стр. 143
قلت: ويدل على ذلك قول ابن عصفور في " مقربه ": أن " فعيل " إن كان صفة قد يجمع على " أفعال " كشريف، وأشراف. ولم يذكر إذا كان اسمًا، وهو كذلك " كأصيل "، " وآصال ".
٢٧١ - (فنِعمَّا هِيَ. .). قرئ (فنِعْمَّا هِيَ)، وفيه الجمع بين ساكنين وهو لا يجوز إلَّا إن كان الأول حرف مدّ ولين فيجوز بلا خلاف، أو حرف لين خاصة فيجوز على اختلاف.
- (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ).
في الآية ثلاثة أسئلة:
الأول: ذكر (وتؤتوها الفقراء. .) في القسم الثاني دون الأول!.
جوابه: أن الإظهار مظنة الاستقصاء، وتكثير الفقراء، والإخفاء
стр. 144
مظنة عدم استقصاء الفقراء فنبه فيه بالاستقصاء معبرًا عنه بقوله: (وتؤتوها الفقراء).
السؤال الثاني: أضاف " السيئات " إليهم، ولم يضف " الصدقات " إليهم وهما متقابلان!.
جوابه: أن السيئات عبارة عن الجزاء على الأعمال فلا تقابل؛ لأن الصدقة هي العمل لا الجزاء عليه، وإنما يَردُ السؤال إذا قلنا إن " السيئات " عبارة عن الأعمال أنفسها.
السؤال الثالث (ونكفر) فيه عشر قراءات. نُكَفِّرُ، نُكَفِّرْ، نُكَفِّرَ، يُكَفِّرُ، يُكَّفَرْ، يُكَفِّرَ، تُكَفِّرُ، تُكَفِّرْ، تُكَفِّرَ، يُكَفَّرُ. فعلى قراءة رفع الراء لا سؤال؛ لأنها جملة استئنافية. وعلى قراءة جزم الراء يكون معطوفًا على موضع جواب الشرط وهو قوله: (فهوِ خير لكم) وإذا كان كذلك فالحكمة في أن ذكر تكفير السيئات تحريضًا، وتحضيضًا عليه، وزيادة في الأفضلية.
- (وإن تخفوها. .). أبو حيان: ضمير النصب عائد على (الصدقات) لفظًا، ومعنى بأي تفسير فسرت، " ولا زيادة ".
стр. 145
وقيل: (الصدقات) المبتدأة: الفريضة. والمخفاة: التطوع، فالضمير عائد عليها لفظًا لا معنى فهو نظير " عندي درهمٌ ونصفُه ".
انتهى. أراد أن الصدقات غير الثانية؛ لأن المَعْنى من الأولى: الإظهار، ومن الثانية: الإخفاء فلا يتجه أن يكون المعنى: وَإن تخفوا الصدقات المظهرة.
ونظيره ذلك " عندي درهم، ونصفُه " قد يفرق بينهما بأن الدرهم متشخص فلهذا استحال عود الضمير عليه لفظًا، ومعنى بخلاف " الصدقات " فإنها عام لم يقصد بها صدقة معينة، وجعل بعضهم " عندي درْهمٌ ونصفه " من باب الاستخدام.
قال: وهو أن يؤتى باللفظ مجردًا عن المعنى استخدامًا له قصدًا؛ لعود الضمير على لفظه، ولا يقصد بذلك اللفظ إفادة معناه الأصلي بوجه.
стр. 146
٢٧٢ - (ليس عليك هداهم. .). إن قلت: هل هذه مثل قوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). أو خلافها؟ قلت: بل خلافها؛ لأن تلك اقتضت نفى كون الهداية مقدرة له، وإثبات القدرة عليها لله تعالى. وهذه اقتضت نفى التكليف بالهداية عنه، وإثبات القدرة عليها لله تعالى، فهذه أعم من تلك؛ لأن قولك: " أنت قدور على أن تهدي من أحببت " أخص من قولك له: " أنت تهدي من أحببت "، ونفى الأخص أعم من نفى الأعم.
وهل هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ أو عام له، ولسائر المؤمنين؟.
فعلى ما نقل ابن عطية عن سعيد بن جبير، وعن النقاش يقتضي الخصوص، وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم.
стр. 147
وعلى تقدير الخصوص فهو خصوص يستلزم العموم؛ لأنه إذا رفع التكليف بذلك عن النبي ﷺ الذي هو رسول مأمور بالتبليغ، والدعاء إلى الإِيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه.
ابن عطية: ذكر النقاش أن النبي ﷺ أُتي بصدقة فجاءه يهودي فقال: أعطني: فقال النبي ﷺ : " ليس لك من صدقة المسلمين شيء ".
فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية فدعاه رسول الله ﷺ فأعطاه ثم نسخ اللَّه ذلك بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. .) الآية. انتهى.
الظاهر أن هذا ليس بنسخ، ولكن المتقدمون يطلقون عليها نسخًا. والمتأخرون يقولون: العام إن عُمِل به ثم ورد بعده الخاص فهو ناسخ له، وإن ورد الخاص بعده قبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ.
стр. 148
ابن عطية: " والهدى " المنفى هو: خلق الإِيمان في القلوب. وأما " الهدى " بمعنى: الدعاء إلى الإِيمان فهو عليه. انتهى
أما خلق الهدى فنفيه معلوم بالضرورة، فلا يحتاج إلى ذكره. وأما الدعاء إلى الإِيمان فغير منفي، وينفي قسم ثالث، وهو الدعاء المُحَصِّل للإِيمان الكسبيّ لا الجبري. فيقال: هديت فلانًا إلى الإِيمان أي: دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول: هديته إلى الإِيمان فهذا هو المنفى في الآية أي: لست مطلوبًا بتحصيل الهداية الكسبية لهم، إنما عليك أن تدعوهم فقط، والإضافة إلى هذا للمفعول أي: أن تهديهم.
فإن قلت: لعل المعنى لا يجب عليك أن تجبرهم على الإِيمان.
قلت: يرده قوله: (ولكن اللَّه يهدى من يشاء)، ليس المراد به الجبر على الإِيمان، بل خلق الهداية.
ابن عصفور: الجملة التي بعد (لكن) تكون مضادة لما قبلها، ولا يجوز أن تكون موافقة.
واخْتُلِفَ هل تكون مخالفة لما قبلها أم لا؟. وهذه الجملة في الآية مخالفة لما قبلها.
стр. 149
؛ لأن ما قبلها اقتضى أنه ليس مكلفًا بالهداية، وما بعدها اقتضى إثبات القدرة على الهداية للَّه تعالى. وأما في قوله: (إنك لا تهدى من أحببت) فما بعدها مضاد لما قبلها؛ لأن ما قبلها يقتضي نفي القدرة على الهداية، وما بعدها اقتضى إثباتها للَّه تعالى.
فإن قلت: الأصل فى نسبة المتكلم إلى نفسه " فِعْلاً " أن يأتي بأسمه مضمرًا فعلى هذا كان يقال هنا: " ولكنا نهدي "!.
فالجواب: أنه لما كان ذلك خاصًا باللَّه تعالى أتى باسم الجلالة الخاص به بخلاف المضمر إذ هو غير خاص؛ لأن الضمائر كلية؛ ولأن ضمير " نا " النون، والألف يكون للمتكلم وحده إذا عظم نفسه، وللمتكلم ومعه غيره بخلاف اسم الجلالة فإنه خاص قطعًا.
- وقوله: (من يشاء) دليل لأهل السنة. ورده الزمخشري للألطاف
على مذهبه.
стр. 150
- (وما تنفقوا. .). تحتمل الواو للحال أي: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) حال كونكم تقصدون به وجه اللَّه. وهذا خبر فِي معنى الطلب، إمّا الأمر أو النهي.
- (يوفَّ إليكم. .) أي: في المقدار.
- (وأنتم لا تظلمون) أي: في الصفة، وهو تأسيس.
٢٧٣ - (سبيل الله). قال مالك في " كتاب الحبس ": هو وجوه الخير بالإطلاق كيفما كانت.
وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك: أنه الجهاد.
- (من التعفف. .). لم يقل: من تعففهم إشارة إلى إتصافهم بأبلغ وجوه التعفف، وأنهم لم يتصفوا بتعففهم اللائق بهم، بل اتصفوا بالتعفف الأكمل، و (من) للتعليل، وهي متعلقة ب (يحسب) ولا يصح تعلقها بـ (أغنياء)، لأنه متى ظنَّهم ظان قد استغنوا من تعففهم علم أنهم فقراء من المال فلا يكون جاهلاً بحالهم. قاله ابن هشام.
стр. 151
ولبعضهم في المعنى:
غنيّ بلا دنيا عن الناس كلهم ... وإن الغنى الأعلى عن المال لا به
- (تعرفهم بسيماهم. .). خطاب له ﵇، ولغيره.
- (لا يسألون الناس إلحافًا. .) يحتمل أن يكون مثل: (وما ربك بظلَّام للعبيد)، أي: لو قُدِّر صدور السؤال منهم لما قُدِّر وقوعه إلّا بـ " الإِلحاف " لأجل ما نالهم من الجهد، والحاجة.
ويحتمل أن يكون مثل قوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ).
، فيكون من باب نفي استلزام الأخص أمرًا، وإذا لم يستلزم الأخص أمرًا لم يستلزمه الأعم، والمعنى: لا يسألون الناس الإِلحاف في السؤال أي: لأجل سبب الإلحاف، وهو شدة الحاجة، وإذا لم يسألوهم، لأجل شدة الحاجة فأحرى أَلَّا يسألوهم؛ لأجل سبب عدم الإِلحاف، وهو مطلق الحاجة فقط.
" الفخر ": ويحتمل أن يكون المراد بالإِلحاف تأكيد صبرهم.
انتهى. فينبغي على هذا أن يوقف على قوله: (لا يسألون الناس).
و (إلحاف) مصدر أي: يلحفون إلحافًا أي: يبالغون في شدة صبرهم، وتجلدهم على الفقر.
стр. 152
وجعل الزجَّاج معنى الآية كقول امرىء القيس:
عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا
المعنى: لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف، كما أن معنى البيت ليس ثَمَّ منار فلا يكون اهتداء.
وقوله: لاَحِبٍ: طريق. وقولِه: لا يهتدي بمناره أي: ليس فيه علم، ولا منار فيهتدى به. يصف طريقَا غير مسلوك.
وقوله: إذا سافه العَوْد: أي: إذا شمه المُسِنُّ مُسِنُّ الإِبل صوَّت ورغا؛ لبعده وما يلقاه من مَشَقَّتِه، والنباطيِّ: المنسوب إلى النَّبط وهو: أشد الإبل، وأصبرها.
وقيل: هو الضَّخْم، وأِصل اللاحب: الطريق البين الذي لَحبَتْه الحوافر أي: أثَّرتْ فيه فصارت فيه طرائق، وآثار بيِّنة هذا أصله، ثم يستعمل لكل طريق بين، وخفى.
стр. 153
وبناه على " فاعل "، وحقه أن يبني على " مفعول " كما قيل: (عيشة راضية)، بمعنى: مرضية، ومعنى جرجر: صوت.
ورُدَّ على الزجاج: بأن من لوازم المنار الاهتداء بخلاف السؤال فإنه أعم من الإِلحاف فلا يلزم من نفي " الإِلحاف " نفي السؤال، أو يلزم من نفي المنار نفى الاهتداء.
ووجَّه بعضهم قول الزجاج: أنه نفي للسؤال، و " الإلحاف " جميعًا بأن هؤلاء المذكورين بين رجلين رجل جاهل بهم يحسبهم أَغنياء، ورجل يعرفهم بسيماهم، وأنهم فقراء فلا يفتقرون إلى السؤال.
стр. 154
- (وما تنفقوا من خير فإن اللَّه به عليم) طاعة العبد سيده وهو حاضر ينظر إليه أكثر من طاعته إياه في غَيْبَتِه غالبًا، فجاءت الآية على المعتاد.
قيل: (بصير) أخص من (عليم) على مذهب أهل السنة، فلِمَ عدل عنه إلى عَلِمَ الذي هو أعم؟.
وأجيب: بأن الآية خطاب للعوام لا للخواص، وصفة العلم عند العامة أجلى إذ لا خلاف فيها بخلاف (بصير).
فإن منهم من رده لـ (عليم). ومنهم من أبقاه على ظاهره.
٢٧٤ - (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) ابن عطية: عن ابن عباس نزلت في علي بن أبي طالب ﵁: كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم
стр. 155
ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانية. انتهى.
قيل: التصدق بالليل والنهار لا يخرج عن كونه سرًّا، وعلانية.
أجيب: بأنه لا يعترض على السبب، وإنما ينظر في تطبيق السبب على لفظ الآية، ويفهم هذا بأنها قسمة رباعية، فتصدق في الليل بدرهم سرا، وبدرهم علانية، وكذلك في النهار، ويكون من باب اللف والنشر، سرا الليل، وعلانية النهار، ويدل عليه عدم العطف.
فإن قيل: لمَ قدم " السرّ " على " العلانية "، ونفقة السرّ أفضل فهلا بدأ بالعلانية، ليكون العطف ترقيًا لا تدنيًا؛ لأن عطف الترقي تأسيس، وعطف التدني فيه ضرب من التأكيد.
فالجواب: أن ذلك على قاعدة استصحاب الحال، وذلك أن نفقة السر أفضل؛ لخلوص النية فيها وسلامتها من الرياء فإذا أنفق أولاً سرًّا
стр. 156
بنية خالصة، واستصحب تلك النية بعينها في نفقة الجهر فأنفق جهرًا بتلك النية الخالصة كان في أعلا درجات الطاعة فبهذا المعنى يكون العطف ترقيًا.
- (فلهم أجرهم. .). معنى الإِضافة: الأجر اللائق بهم. ولو قيل: " فلهم أجر "، كان مفهومه أن من فعل دون ذلك لا أجر له ولا شك أنه يؤجر.
ابن عطية: دخلت " الفاء "؛ لأن الموصول وصل بالفعل، ولم يدخل عليه عامل يغير معناه.
أبو حيان: وكذا إذا كانت الصلة ظرفًا أو مجرورًا. انتهى.
كذا ذكر ابن عصفور في " المقرِّب "، و " شرح الإِيضاح ".
فإن قلت: الظرف والمجرور محل، والتعليل عند الأصوليين بالصفة لا بالمحل!.
فالجواب: أن المحل هنا ناب مناب متعلقه، وهو: كائن أو مستقر.
الذي هو صفة، وتنوسي المتعلق حتى صار المحل كأنه هو؛ ولذا لا يجوز الجمع بينها.
أبو حيان: ومن شروط دخول الفاء أن يكون الخبر مُسْتَحقًّا بالصلة كهذه الآية.
стр. 157
قيل: هذا مردود فإنه ما عُلِمَا كونه سببًا إلَّا بعد دخول الفاء لا قبلها؛ لكونه مُستحقًّا بالصلة فرع عن دخول الفاء فلا يصح أن يكون شرطًا فيها.
وأجيب: بأن هذه بالنسبة إلى السامع، وكلا منا في دخول الفاء، بالنسبة إلى قصد المتكلم، ونيته.
قال الشيخ: وعادتهم يردون على كلام أبي حيان قوله: (الذي خلقني فهو يهدين)، فإن نفس الخلق غير موجب للهداية وإلّا لزم منه مذهب المعتزلة القائلين بمراعاة الأصلح، وعادتهم يجيبون: بأن المراد (الذي خلقني) هذا الخلق الخاص على هذه الصفة، وهي النبوة، ونظيره قوله: (فمن ثقلت موازينه. .).
فإن قلت: النفقة مستلزمة، لثبوت الأجر لهم مع " الفاء "، ومع عدمها فما أفادت؟.
فالجواب: أن الخبر إذا كان ثابتًا، وعطف عليه ما يتوسم عدم ثبوته فلا بدّ من " الفاء " فأتى بها هنا؛ لتدل على كمال الارتباط، وأن ذلك سبب في نفي الحزن، والخوف عنهم، ولفظ: (الرب) هنا دال على أن هذا الثواب محض تفضل من اللَّه تعالى كما يقول أهل السنة.
سؤال آخر: لأي شيء نفى الحزن عنهم بالفعل، والخوف بالاسم والمناسب العكس؟!.
стр. 158
لأن متعلق الحزن ماضٍ، والخوف مستقبل، والجواب عنه أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم بالإِجماع، والفعل في سياق النفي مختلف فيه هل يفيد العموم أولا؟. والماضي محصور؛ لأنه مشاهد مَرْإيّ فمتعلقه غير متعدد، والمستقبل متعلقاته متعددة؛ لأنه غير محصور فالخوف منه يعظم؛ لكثرة الخواطر التي تخطر ببال الإِنسان فيه.
فلذا نفى الخوف بلفظ الاسم الدال على العموم بإجماع، ونفى الحزن بالفعل المحتمل للعموم، وعدمه.
ورُدَّ بمنع الإِجماع؛ لأن النكرة عند النحويين لا تعم إلّا إذا كانت مبنية مع لا.
وأجيب: بأنها أعم من الفعل بلا شك.
٢٧٥ - (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. .) وجه مناسبتها لما قبلها أنه تقدمها إنفاق الصدقة، وهي لا عن عوض.
و (الربا) في ظاهر الأمر زيادة عن عوض؛ لأنه يدفع قليلًا في كثير. وقرر الفخر: المناسبة بأن الصدقة من المال، والربا زيادة فيه فالنفوس تحبه، وتكره الصدقة فجاءت الآية إشعارًا بأن ذلك النقص زيادة، وتلك الزيادة نقص.
والتشبيه بمن (يتخبطه الشيطان) إما حالة تخبطه أو أثر ذلك،
стр. 159
والظاهر العموم، لأن آكلين الربا متفاوتون في الأكل فالمكثر منهم شبيه به حالة التخبط، والمقلل يشبهه أثر التخبط.
واعلم أن قدماء المعتزلة ينكرون الجن بالأصالة، وهو كفر لا شك فيه؛ لأنه تكذيب للقرآن، والحديث.
стр. 160
قال شيخنا ابن عرفة: كان الشيخ ابن عبد السلام يحكي: أنه كان هناك طالب يتحدث أنه كان في بلاد الجريد بعض المدرسين له طالب جلف بليد فصُرِعَ ذلك الطالب البليد ذات يوم فجاوبه بعنف فقال المدرس:
أعلمه الرماية كل حين ... فلما اشتد ساعده رماني
فقال له ذلك الطالب: أخطأت إنما هو " استد " بالسين المهملة فدلّ على أن
стр. 161
الجنِّي نطق على لسانه، والبيت يُروى بالوجهين معا. وجرى ذكر هذا البيت بمجلس السلطان أبي العباس بحضرة شيخنا ابن عرفة، وكبار طلبته، وذكر الروايتين، فقال السلطان الصواب عندي أنه بالسين المهملة؛ لأنه الذي من فعل العلم، والحاصل من تعليمه فقال له بعض الطلبة الحاضرين: يحق لهذا الكلام أن يكتب بماء الذهب.
- (ذلك). الإِشارة لأكلهم (الربا)؛ لأنه سبب في عقوبتهم، وسبب السَّبب سبب، وهذا قياس تمثيلي. وذكروا منه قياس الشبه، والتسوية، وهو قياس آخر بمعنى: أن الحكم في المقيس عليه ثابت في الفرع المقيس من باب أحرى، فينعكس فيه التشبيه ومثله ابن ملك في " المصباح " بهذه الآية، ويقول الشاعر:
وكأن النجوم بين دجاها:. سنن لاح بينهن ابتداع
فجعل أهل السنة بين المبتدعة بمنزلة النجوم في الظلام.
وقال غيره: إن الابتداء بالنجوم محتاج فيه إلى معرفة استدلال، واتباع
стр. 162
أهل السنة لا يحتاج فيه تكلف دليل فكان أحرى.
وقال الزمخشري: الإِشارة للعقاب.
- (وأحل اللَّه البيع وحرم الربا). تحتمل أن يكون من كلامهم كالاعتراض على حكم اللَّه تعالى، واستشكالاً لتحريم أحدهما، وتحليل الآخر مع تساويهما عندهم.
وجعله الزمخشري ردّا على قياسهم، والصواب أنه تجهيل لهم؛ لتقدم النص، فهو قياس في معرض النص فهو فاسد الوضع.
وعلى ما قال الزمخشري: يكون النص غير متقدم، والواو تحتمل الحال، والإِستئناف.
واختلف الفقهاء في لفظ: (البيع) " هل هو من قبيل المجمل ثَمَّ بيِّن، أو عام مخصوص، وقيل: لم يخصص، فعلى الاوَلينَ يكون حقيقة لغوية، وعلى الثالث: يكون حقيقة شرعية؛ لأنه إذا كان
стр. 163
مخصوصًا فيكون عبارة عن البيع الشرعي فلا يتناول إلّا الحلال من البيوعات.
فإن قلت: يلزم على هذا تحصيل الحاصل؛ لأن الحلال لا يُحلل!.
قلت: تكون الواو على هذا للحال.
و (الربا). حكى فيه اللَّخْميِّ في " كتاب الصرف " ثلاثة أقوال.
٢٧٦ - (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. .). الأحكام الشرعية منوطة بمصالح دنيوية، وأخروية فلما تضمن الكلام السابق حصول المصلحة الأخروية بالصدقة تضمن هذا أنه مُحصِّل للمصلحة الدنيوية.
و (الربا) متضمن أيضا للمفسدة الدينية؛ لترتب العقاب عليه، والدنيوية؛ لأنه مَمْحَقة للمال، والصدقة زيادة فيه. وحمله ابن عطية على أنه في الدار الآخرة، والظاهر خلافه وبدأ هنا (بالربا)، وفيما تقدم بالصدقة، وطريق المقابلة، واللف، والنشر العكس.
стр. 164
والجواب: أنه لمَّا كان ذِكْر الصدقة يطول الكلام فيه قدم الكلام على (الربا) ثم عاد إلى " الصدقة ".
فإن قلت: هلا قيل: يمحق الله المال الذي فيه (الربا) فهو أبلغ في التخويف؛ لأن محق المال الذي فيه الربا أشد؛ لاستلزامه محق الربا، وزيادة.
فالجواب: أن هذا أجلى في محق الربا، والمخاطبون عوام.
- (والله لا يحب كل كفار أثيم) قول ابن عطية: الله تعالى يحب التوفيق على العموم. انتهى.
كان القاضي أبو العباس بن حيدره، والفقيه المفتي أبوالقاسم الغُبْرينِّي يقولان: هذه نزعة اعتزالية غفل فيها، ولم يشعر فيها، بل مذهبنا أن الله تعالى يحب الخير، والشر. والرجل سُنِّي لا شك في فضله، ودينه.
стр. 165
الآمدي في " أبكار الأفكار ": إذا وردت صفة لله تعالى يستحيل حملها على حقيقتها، فإمّا أن ترد لصفة المعنى، وهي الإِرادة أو لصفة الفعل، فالمعنى هنا: واللَّه لا يريد كل كفار. وإن رددتها لصفة الفعل فالمعنى: واللَّه لا يهدي كل كفار. ويكون حينئذ مخصوص بمن علم الله سبحانه، وتعالى أنه يموت كافرًا؛ لأن من أسلم فقد هُدِي، وعلى المعنى الأول تكون لا نافية على عمومها أي: لا يريد ثواب كل كفَّار.
قيل: إن قلت: إن نقيض المستحب مكروه فظاهر، وإن كان أعم فَهلَّا قيل: واللَّه يكره كل كفَّار.
وأجيب: بأن عادة العرب أنهم يقولون في المدح التام: " حبذا زيد " وفي الذم التام: " لا حبذا زيد ". فنفى المحبة عندهم يستلزم الكراهة.
ابن هشام: قال البيانيون: إذا وقعت " كل " في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد
стр. 166
كقولك: " ما جاء كل القوم "، و " لم يأخذ كلَّ الدراهم " " وكلُّ الدراهم، لم آخذ "، وقوله:
ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد
وقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
وإن وقع النفيُ في حيزها اقتضى السلب من كل فرد كقوله ﵇ لما قال له ذو اليدين: " أنسيت أم قُصِرَتْ الصلاة: كلُ ذلك لم يكن ".
وقول أبي النجم:
стр. 167
قد أصبحتْ أمُّ الخيار تَدْعِي ... عليَّ ذنبًا كلهُ لم أصنع
وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى: (واللَّه لا يحب كل كفار أثيم)، وقوله تعالى: (واللَّه لا يحب كل مختال فخور).
قلت: وكذا هذه الآية.
وقد صرح الشلوبين، وابن مالك في بيت أبي النجم: بأنه لا فرق في المعنى بين رفع " كَل " ونصبه.
ورَدّ الشلوبين على ابن أبي العافية إذ زعم أن بينهما فرقا، والحق ما قال البيانيون.
والجواب عن الآية: أن دلالة المفهوم إنما يُعَول عليها عند عدم
стр. 168
المعارض، وهو هنا موجود إذ دلَّ الدليل على تحريم الاختيال، والفخر مطلقًا. انتهى.
قيل: " كافر " في باب النفي أبلغ فلِمَ عدل عنه؟.
أجيب: بأنه لمّا كان المنفى أخص. كان النفي أخص.
وأجيب أيضا: بأنه لما ذكر فاعل (الربا) أتى في هذا ببناء المبالغة توكيدًا لذمه.
(أثيم) نعت بمعنى الذم كالشيطان الرجيم.
وجعله ابن عطية نعت بيان. وهو بعيد؛ لأن (كفَّار) يدل عليه؛ لأنه من أبنية المبالغة،.
٢٧٧ - (لهم أجرهم. .). وفي الآية المتقدمة (فلهم)!.
أجيب بوجهين:
الأول: أنه ما ذُكر في الآية الأولى أكمل، وأبلغ. قيل: الأعمال الصالحة هنا تستلزم النفقة، وغيرها. وقيل: تستلزم مطلق النفقة، وتلك نفقة خاصة.
стр. 169
الثاني: أن هذا مؤكد ب (أن) فأغنى عن " الفاء ". وقال الزمخشري: قيل هذا.
وأجيب أيضا: بأن الأول موصول مُضَمَّن معنى الشرط أفصح دخول " الفاء " في خبره، و " إن " لا تدخل على الشرط فدخولها على الموصول يمنع من كونه مضمنًا معنى الشرط، فلا تدخل " الفاء " في خبره.
٢٧٨ - (يأيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه. .) حمله ابن عطية على أحد ثلاثة أمور: إمّا (يأيها الذين آمنوا) بمحمد دوموا على إيمانكم، وإمّا (يأيها الذين آمنوا) في الظاهر (اتقوا اللَّه. . إن كنتم مؤمنين) في الباطن، وإمّا (يأيها الذين آمنوا) بعيسى وموسى آمنوا بمحمد.
стр. 170
٢٧٩ - (فإن لم تفعلوا. .). قيل: فيها حجة لمن يقول: الترك فعل؛ لأن قبلها (وذووا ما بقِيَ من الربا) ثم قال: (فإن لم تفعلوا). فسماه فعلاً؛ لأن المعنى: فإن تركتم ما أمرتم به، ولم تفعلوه.
وأجيب: بأن هذا كف لا ترك؛ ولذا قال ابن الحاجب في حدّ الأمر: طلب فعل غير كف. ونظير هذا إذا كان طعام طيب بين يدي رجلين أحدهما جائع، والآخر شبعان ولم يأكلا منه شيئًا.
فيقال في الجائع: إنه كف عن الأكل، وفي الشبعان: إنه ترك الأكل.
وأجيب أيضا: بجعل قوله: (فإن لم تفعلوا) راجعا لقوله: (واتقوا اللَّه) لا لقوله: (وذروا).
ورُدَّ بأن الآية إنما سبقت لتحريم (الربا) بدليل استدلالهم بها في كتب بيوع الآجال في ربا الجاهلية، والأمر بالتقوى ليس هو لذاته.
مسألة: هل الترك فعل أم لا؟.
ذكرها ابن بشير، وغيره في " كتاب الصيد " في المار بالحبالات، وفيها صيد فيتركه فيموت هل يضمنه أم لا؟.
وفيها بحث لشيخنا ابن عرفة في " مختصره ".
стр. 171
- (حرب). الزمخشري: التنكير للتعظيم.
قيل: كونه للتعظيم مشكل، لأن التنكير إنما هو للتقليل، والشيوع في آحاد ذلك الشيء.
وأجيب: بأن التعظيم في الصفة، وفي الكيفية لا في الكمية، والقدر.
- (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم). قيل: مفهومه مخالف لمذهبنا أنه يجب ردّ الزيادة، وبطلان الربا، وللمعطي رأس ماله.
وأجيب: بأنهم إن لم يتوبوا سقط الخطاب؛ لأنه لا يخاطب بردِّ الربا إلا المؤمن.
٢٨٠ - (وإن كان ذو عسرة). ابن العربي: في المعنى المقصود منها ثلاثة أقوال:
الأول: المراد بها ربا الدَّين خاصة فيه يكون الإنظار قاله ابن
стр. 172
عباس، وشريح القاضي، والنخعي.
والثاني: أنه عام في كل دين قاله العامة، وعبّر عنه ابن عطية بقوله: قاله جمهور العلماء: النَظِرَة إلى الميسرة حكم ثابت في العسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة فسّره الضحاك.
الثالث: قال متأخر علمائنا: هو نص في دين الربا، وغيره من الديون مَقِيسٌ عليه.
قال ابن العربي: والأول ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس، لأن الآية وإن كان أولها خاصًّا كان آخرها عام، وخصوص أولها لا يمنع من عموم آخرها لا سيما إذا كان العام مستقلا بنفسه.
стр. 173
الثالث: ضعيف، لأن العموم قد يتناول الكل فلا مدخل للقياس فيه ". انتهى.
قال عياض في " كتاب الوصايا " من " الإكمال " في حديث سعد بن أبي وقاص: أن قولك: " زيد ذو مال " أبلغ من قولك: " زيد له مال ".
ونحوه للزمخشري أول سورة آل عمران، في قوله تعالى: (واللَّه عزيز ذو انتقام)، وفي سورة غافر في قوله تعالى: (إن اللَّه لذو فضل. .)، ونحوه لابن الخطيب في سورة الروم، في قوله: (فأت ذا القربى حقه. .).
стр. 174
وخالفهم ابن اعطية في سورة الرعد:، في قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة. .) أنها دالة على تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء؛ لأن قوله: (ذو مغفرة) تقتضي تقليل المغفرة.
وقال بعضهم: قولك: " زيد صاحب مال " أبلغ من قولك: " ذو مال "؛ لأن " ذو مال، يقتضي مطلق النسبة سواء اتصف به أم لا بخلاف قولك: " صاحب " بناء على قول الأكثر وهو الصحيح.
والإِتيان بلفظة (ذو عسرة)، ولم يقل: وإن كان معسرًا موافق لما تقرر في الفقه أن من له دار، وخادم، وفرس لا فضل في ثمنهن يجوز له أخذ الزكاة، ويسمى فقرا مع أنه إذا كان عليه دين فإن ذلك يباع عليه فليس مجرد الإِعسار موجبًا، لإِنظاره، فناسب إدخال (ذو).
ابن عطية: (كان) هنا عند سيبويه تامة بمعنى وجد، وحدث.
ومن هنا يَظْهرُ أن الأصل الغني؛ لإِدخال (إن) فدلَّ على أن الإِعسار لم يكن موجودًا " انتهى.
ويردّ بأنه فرق بين الدين الكائن عن عوض، والدين الكائن لا عن عوض فالدين عن عوض الأصل فيه المِلأ واستصحاب الحال ببقاء ذلك العوض، وذهابه على خلاف الأصل، والذي لا عن عوض كنفقة الزوجات، والبنين، ونفقة الأبوين، ليس الأصل فيه الملاء.
стр. 175
وحكى المهدوي عن بعضهم: أن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين.
وحكى مكيّ أنه ﵇ أمر به في صدر الإِسلام. فعلى الأول هو نسخ لغوي، وعلى الثاني نسخ اصطلاحي، وأورد القَرافي في " قواعده " سؤالًا قال: ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب مع أن تأخير الغريم بالدين واجب، والتصدق به عليه مندوب إليه، والآية نص في أن التصدق عليه أفضل.
стр. 176
وأجاب: بأن التصدق به عليه يستلزم التأخير وزيادة.
- (وأن تصدقوا خير لكم. .). ابن عطية: معناه عند الأكثر أن الصدقة على المعسر. خير من انظاره.
وقيل: معناه (وأن تصدقوا) على الغني، وعلى الفقير " انتهى.
المشهور عند الأصوليين أن العام إذا ورد على سبب فإنه لا يقتصر على سببه بل يكون عامًا فعمومه في الغني، والفقير أحسن. الزمخشري: وقيل: المراد بالتصدق الإِنظار كقوله ﵇: " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة ". انتهى.
وهل هو أيضا عام في المعسر والموسر أو خاص بالمعسر؟.
فإن قلنا: إنه خاص فـ (خير) " فعل " لا " أفعل " إذ يجبر الغريم على إنظار المعسر.
стр. 177
وإن قلنا: إنه عام كانت " أفعل "؛ لأن إنظار المعسر غير واجب لكنه خير من التضييق عليه.
٢٨١ - (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى اللَّه. .). الفخر: الرجوع يؤذن بأنه كان يتقدّم للمكان عند الرجوع إليه، وهو من قولك: " رجع زيد إلى القيام " فإنه يؤذن بأنه كان قائمًا فقعد ثم عاد إلى القيام، وهؤلاء لم يكونوا عند اللَّه!.
وجوابه: أن الإِنسان له ثلاث حالات: حالة في بطن أمه، وأمره فيها إلى الله، وليس له فيها في أموره تدبير، ولا كسب. وحالة: كونه في الدنيا وله فيه التكسب، والإِرادة. وحالة الموت فما بعدها: يعود كما كان لا قدرة له، ولا تكسب ويصير أمره كله للَّه فشابهت الحالة الأخيرة الحالة الأولى بهذا الاعتبار.
- (ثم توفى كل نفس. .). عام مخصوص؛ لأن المجانين، وأطفال الكفار لا يدخلون فيها.
فإن قيل: لا كسب لهم.
قلنا: قد تقرر من مذهبنا أن الطفل الصغير إذا استهلك شيئًا فإنه
стр. 178
يغرم مثله أو قيمته من ماله فكسبه معتبر في الدنيا وهو في الآخرة معفو عنه.
- (وهم لا يظلمون). الفخر: ما أفاد مع أنه مفهوم مما قبله؛ لأنها إذا وُفيت ما كسبت لم تظلم؟!.
وجوابه: أن التوفيه في الحسنات (وهم لا يظلمون) أي لا يزاد عليهم في السيئات " انتهى.
وأجاب بعضهم: بأن التوفيه تقتضي الزيادة على الشيء فأتى بقوله: (وهم لا يظلمون) نفيًا؛ لتوهم الزيادة في السيئات.
ورُدّ بمنع دلالة التوفيه على الزيادة، بل قال الزمخشري في سورة الشعراء في قوله: (أوفوا الكيل. .)، " إن الكيل " يكون على ثلاثة أضرب:
وافٍ، وطفيف، وزائد. فنص على أن الوافي هو القدر الواجب والطفيف النقص منه.
стр. 179
٢٨٢ - (تداينتم. .). قيل: هي مفاعلة لا تكون إلا من الجانبين فلا يتناول إلا الدَّين بالدَّين أو فسخ الدَّين في الدَّين فلا يصح حمله على ظاهره، بل المراد به إذا تعاملتم.
وأجيب: بأنه يتناول الدَّين بالدَّين عن معاوضة فإن من اشترى بنقد أو نسيئة فإذا دفع الثمن حصل له في ذمة المشتري، وله عليه الرجوع بعهدة العيب أو الاستحقاق.
- (وبدين). أتى به ليكون نكرة في سياق الشرط فيعم.
الزمخشري: ذُكِرَ ليعود عليه الضمير ولو لم يذكر لقال: " فاكتبوا الدين "، ولا يحسن بذلك النظم، ولأنه أبين؛ لتنويع الدين إلى مؤجل، وحال ".انتهى.
يقال له: لا يتوقف عود الضمير على ذكره؛ لجواز إعادته على المصدر المفهوم من الفعل كما أعيد في قوله: (اعدلوا هو أقرب للتقوى).
ابن عطية: أتى به،؛ لأن تدايَن في كلام العرب مشترك يقال: تداينوا أي جاز بعضهم " بعضا ".
ويقال: تداين بمعنى أخذ الدين.
فقال: (بدين) ليبين أنه من أخذ الدين. " انتهى.
стр. 180
قيل: هذا مردود بأن الفعل عند البصريين مشتق من المصدر والمشتق بمنزلة المشتق منه، وكما أن التداين مشترك فكذلك الدين فلم يزل اللبس.
وأجيب: بأن مصدر تداين إنما هو تدايناً لا ديناً.
وفي " المدونة " لما ذكر هذه الآية قال مالك: هذا يجمع الدين كله.
قال شيخنا: عوائدهم يتعقبون قول مالك هذا بأن لفظ (دين) نكرة في سياق الثبوت فلا تعم.
وأجيب بوجهين:
الأول: أنها في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تعم؛ لأن الشرط عند النحويين يجري مجرى النفي.
الثاني: أنها في سياق (إذا)، و (إذا) عامة فتعم، وهو راجع للأول، لأن (إذا) هي الشرط.
следующие страницы →