← Тафсир

Тафсир · id 95565

التقييد الكبير للبسيلي

البسيلي

Полный текст (429 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: إن هذا سر القدر الذي لا يفشى، والمخاطب به عارف فكل عالم يعلم سرّ القدر، وهو أن الله تعالى لا يُسأل عمَّا يفعل؛ وإن زعمت أن له سرًّا. قيل لك: أتقدر أن تردّ ما ظهر من الأدلة بما تظن من الدعاوى هذا لا يفعله حبيب!. قال: فإن قلت: أهل النار تحت رحمة، فإن في الإِمكان أن يكون عذابهم أشد؟!. قلنا: هذه عقوبات، وآلام، ولا يقال: لها رفق، فالمقتول بالحجارة كان يمكن قتله بالطعن، ولا يقال: إنه قُصد الرفق به.

стр. 37

قال الآمدي في " أبكار الأفكار ": قال ابن عباس: الرحمن بخلقه جميعًا، والرحيم للمؤمنين خاصة ". قال: وقيل: الرحيم؛ لأهل الدنيا، والرحمن، لأهل الآخرة " انتهى. ونقل ابن العربي فيه سبعة أقوال: أحدها: قول ابن عباس: أنهما رقيقان أحدهما أرق من الآخر ". وقال الفخر: رواه عنه أبو صالح " قال الفخر: وهو وهْم من الراوي، بل هما رفيقان بالفاء؛ لأن الرفق من صفات الله تعالى بخلاف الرقة.

стр. 38

" انتهى ". الثاني: قال الحسن: الرحيم أرق ". وإليه ردّ ابن العربي قول ابن عباس، وقرره بوجهين: إما بأن لفظ: " الرحمن " خاص باللَّه لا يطلق على غيره، ومعناه: عام في منافع الدنيا، وثواب الآخرة. و " الرحيم " خاص في المعنى بالثواب، والعفو عام في اللفظ، لجواز وصف غير الله به. وإمّا بأن تقدير " رحمن " كعطفان إذا كان تلك الساعة على تلك الحالة، وإن لم يكن دائما، و " رحيم " نعتًا دائم مثل: كريم. الثالث: قال أبو عبيدة: " الرحمن: ذو الرحمة، والرحيم: الراحم، وربما سوَّت العرب بين فعلان، وفعيل. قالوا: ندمان، ونديم ". الرابع: قال ثعلب: جمعوا بينهما؛ لأن الرحمن عبراني الأصل،

стр. 39

والرحيم عربي. الخامس: أنهما بمعنى واحد. السادس: قال عطاء: " الرحمن في الرزق، والرحيم في المغفرة " قال الفخر: " والأكثرون على أن الرحمن أبلغ لقولهم: رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، ورحمة الدنيا شاملة للخلق كلهم بالرزق، ورفع المؤلِّمات، ورحمة الآخرة تخص المؤمنين، وكذا قال جعفر الصادق:

стр. 40

اسم الرحمن خاص باللَّه عام في الأثر، والرحيم عكسه "؛ ولأن بناء الرحمن للمبالغة يقال: عُريان لمن لا ثوب له أصلًا، فإن كان له ثوب خلق قلت: " عارٍ لا عُريان "، ورحيم: فعيل بمعنى فاعل، كسميع أو مفعول كقتيل؛ ولأن حروف الرحمن أكثر؛ ولأن أبا سعيد الخدري روى عن علي ﵇ أنه قال: " الرحمن رحمن الدنيا، والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة ". قال: وقُدِّم على الرحيم إمّا لأن الرحمن انفرد به الباري تعالى أو لإفادته عموم الرحمة فكان أصلًا، والرحيم كالزيادة في التشريف؛

стр. 41

للمؤمنين قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ). وإمّا لأجل رؤوس الآي في الفاتحة. وقيل: الرحيم أبلغ بدليل ذكره بعد الرحمن، ولأن الرحمن يفيد نوعًا من القهر، والكبرياء قال تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا)، إذ لولا ذلك لما ناسب ذكر الوعيد معه؛ ولأن ختم الكلام بما هو أقوى دلالة على الرحمة، أرجى، وأقرب لحسن الظن باللَّه ". انتهى. وذكر ابن السِّيد في " أسئلته " الخلاف في " الرحمن "، و " الرحيم " أيهما أخص، وقال: " إن المختص باللَّه تعالى إنما هو مجموعهما ". ومثله للفاسي في " شرح الشاطبية ". ونص إمام الحرمين، وغيره من الأصوليين على أن: الرحمن مختص باللَّه تعالى لا يوصف به غيره ".

стр. 42

وحكى ابن الحاجب في " الأصل " لما عرَّف الحقيقة، والمجاز، والمشترك إنما هو رحمن اليمامة بالاضافة، وذكر الرحمن الأصوليون مثالًا للمجاز الذي ليست له حقيقة.

стр. 43

قال ابن الحاجب: ولو قيل: لو استلزم المجاز الحقيقة لكان لنحو " الرحمن " حقيقة، ولنحو: " عسى " كان قويًّا ". ابن هشام المصري: الحق قول الأعلم، وابن مالك:

стр. 44

الرحمن ليس بصفة، بل عَلَم. وأما قول الزمخشري: إذا قلت: " الله رحمن هل يُصْرف أم لا؟ " وقول ابن الحاجب: اختلف في صرفه " فخارج عن كلام العرب من وجهين: أنه لم يستعمل صفة، ولا مجردًا من " ال "، ويبين عَلَميته أنه في البسملة، ونحوها بدل (لا)، نعت، وأن " الرحيم " بعده نعت له لا نعت لاسم الله سبحانه إذ لا يتقدم البدل على النعت، وأن السؤال الذي سأله الزمخشري، وغيره: لِمَ قدم الرحمن مع أن عادتهم تقديم غير الأبلغ، كقولهم: عالم نحرير، وجواد فياض؟ ا، فغير متجه وممَّا يوضح لك أنه غير صفته مجيئُه كثيرًا غير تابع نحو: (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ).

стр. 45

قال: وقول الشاطبي:. . . . . تبارك رحمانًا رحيمًا ومَوْئلًا. فصب " رحمانًا " بإضمار: أخص أو أمدح، و " رحيمًا ": حال منه لا نعت له، ولا تمييز كما ذكرنا، وجعلهما بعضهم تمييزين، وهو خطأ؛ لأن التمييز لا يتعدد بخلاف الحال فإنها تتعدد. وقيل: إن " رحمانًا " حال، وحذف " أل " من " رحمانًا " للضرورة ". " الفخر ": وقيل: إن عمر بن عبد العزيز خرج إلى المصلى يوم " العيد "، فلما صلى قال: " اللهم ارحمني فإنك قلت: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)، فإن لم أكن منهم فأنا من الصائمين، وقلت: (وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥). فإن لم أكن منهم فأنا من المؤمنين، وقلت: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)، فإن لم استوجب ذلك فأنا شيء، وقلت: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، فإن لم أكن

стр. 46

كذلك فأنا مصاب حيث حُرِمْتُ رحمتك، وقلت: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ).

стр. 47

سورة أم القرآن ٢ - الألف، واللام في (الْحَمْدُ ... (٢) .. للجنس، ويتناول الحمد القديم، وهو حمده تعالى نفسه بنفسه، ويتناول حمده في الدنيا، وحمده في الآخرة. وإن كان خبرًا بمعنى الطلب، فتكون " أل " للماهية إذ لا يقدر أحد على حمده تعالى بجميع محامده؛ ولذا قال ﵇ في حديث الشفاعة: " فاحمده بمحامد يعلمنيها لم أكن أحمده بها قبل ذلك ".

стр. 48

فإن قلت: يكون المطلوب حمده " تعالى " لمجموع المحامد من حيث هو مجموع. قلت: صيغ العموم كلية لا كلٌ. فإن قلت: قد ثبت الحمد للمخلوق فأين العموم؟. فالجواب: أنه، وإن ثبت للمخلوق فهو مجاز لا حقيقة. النووي في " الأذكار ": سئل الحافظ أبو عمرو بن الصلاح عمن حلف أنه يحمد الله بجميع محامده. فأجاب: بأنه لا يبر بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، " بل بأن " يقول:

стр. 49

" الحمد لله حمدًا كثير، طيبًا مباركا فيه "، أو يقول: لا الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده "، ونقله حديثًا عن النبيّ ﷺ . انظر:، التفتازاني " شرح تلخيص المفتاح ".

стр. 50

٥ - (إِيَّاكَ ... (٥). . لمَّا اجرى الحامد ما ذكر من الصفات على اسم الذات كأنه اعتقد أنه كالمشاهد الحاضر، فخاطبه بقوله: (إياك). قاله الطيِّبيِّ في غير هذا الموضع. وجعل الزمخشري، ومن تبعه تقديم الضمير المنفصل المنصوب، والمفعول الظاهر يدل على الحصر. وقال صاحب " المثل السائر ": " تقديم المجرور يفيد الحصر كقوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦). ورده صاحب " الفلك الدائر ": " بأن الحصر " في ذلك من

стр. 51

السياق لا من تقديم المجرور. قيل: لو اقتضى التقديم الحصر لاقتضى نقيضه عدم الحصر في مثل (وَاعْبُدْ رَبَّكَ). وأجيب: بأن اللازم؛ لاقتضاء نقيضه لا حصر، وهو أعم من عدم الحصر. قيل: لو اقتضاه، لاقتضاه في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤). وأجيب: بأنَّا إنما نَدْعِي ذلك ظاهرًا لا نصًّا.

стр. 52

سُورَةُ الْبَقَرَةِ

стр. 53

سورة البقرة ٢ - (لَا رَيْبَ فِيهِ (٢) .. ابن هشام المصري: قول بعضهم: الوقف على (ريب)، يرده قوله تعالى في سورة السجدة: (لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). انظر: " شرح تلخيص المفتاح " للتفتازاني " ص: ١ ٧ ٢. ٣ - (ومما رزقناهم ينفقون). يستدل به من يقول: إن الحرام ليس برزق؛ لأن الآية خرجت مخرج الثناء. ويجاب: بأن " من " للتبعيص أي: ينفقون بعض رزقهم، وذلك البعض هو الحلال. ٧ - (ختم الله على قلوبهم. .)، إن قلت: لِمَ خصّ الختم بالقلب، والسمع، وخص الغشاوة بالأبصار؟. قلت:؛ لأن الغشاوة كافية في المنع من الإِبصار، وهي غير مانعة من إدراك القلب، والسمع، والمانع من إدراكهما إنما هو الختم.

стр. 54

١٠ - (فزادهم الله مرضا. .). قيل: زيادة المرض في القلب مِثْلُه ملزوم؛ لاجتماع الأمثال في المحل الواحد. أجيب بوجهين: إما بأن يزاد في جواهر القلب جواهر أُخر يكون محلًا للمزيد أو يُزاد في أزمنة المرض كما يفهم أن صبغ هذا الثوب أقوى من صبغ هذا بمعنى: أنه صبغ في زمن أطول من زمن صبغ الآخر. وهذا المعنى قد تكرر في مواضع من القرآن في سورة آل عمران ١٧ ٣، (فزادهم إيمانًا)، وفي سورة الأنفال ٢، (زادتهم إيمانًا. .)، وفي براءة ١٢٥ (فزادتهم رجسًا) وفي مريم ٧٦، (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)، وفي سورة النحل ٨٨، (زدناهم عذابا فوق العذاب)، وفي الأحزاب ٣٠، (يضاعف لها العذاب ضعفين)، وفي الفتح ٤، (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم)، وفي القتال ١٧، (والذين اهتدوا زادهم هدى)، وفي المدثر ٣١، (ويزداد الذين آمنوا إيمانًا). ١٧ - (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ. .). الآمدي: منع المعتزلة إطلاق لفظ " الترك " على الله تعالى، وأجازه أهل السنة، لقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ). . .

стр. 55

٢٠ - (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ). لم يقل مثل ذلك في الرعد؛ لإِتيان البرق بغتة، وعدم إمكان الاستعداد له، والحذر من إبصاره بخلاف الرعد؛ لأنه متأخر عن البرق فيسْتعد له. ٢٥ - (وبَشِّر. .). ابن هشام المصري: عطف الإِنشاء على الخبر، والعكس مَنَعَه البيانيون، وابن مالك في شرح باب المفعول معه من كتاب " التسهيل "، وابن عصفور في " شرح الإِيضاح "، ونقله عن

стр. 56

الأكثرين. وأجازه الصفار، وجماعة مستدلين بهذه الآية، ومثلها في الصف. وقال الزمخشري في هذه الآية: ليس المعتمد بالعطف الأمر حتى ٣ - ١ يطلب له مُشَاكِل، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عذاب الكافرين كقولك:: " زيد يعاقب بالقيد، وبشِّر فلانًا بالإطلاق "، وجوَّز عطفه على (اتقوا). وأتم من كلامه في الجواب الأول أن يقال: المعتمد بالعطف جملة الثواب كما ذكر، ويزاد عليه فيقال: والكلام منظور فيه إلى المعنى الحاصل منه، وكأنه قيل: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات فبشرهم.

стр. 57

وأما الجواب الثاني ففيه نظر لا يصح أن يكون جوابًا للشرط إذ ليس الأمر بالتبشير مشروطًا بعجز الكافرين عن الإِتيان بمثل القرآن. ويجاب: بأنهم قد عُلم أنهم غير المؤمنين، فكأنه قيل: فإن لم تفعلوا فبشر غيرهم بالجنات "، ومعنى هذا: فبشر هؤلاء المعاندين أنهم لا حظ لهم في الجنة. وقال السكاكي: الأمر معطوف على " قل ". مقدَّره قبل (يا أيها) وحذف القول كثير. وقيل: " معطوف على أمر محذوف تقديره: " فأنذر ". واستدلال أبي حيان بأن سيبويه: أجاز " جاءني زيد، ومَنْ عمرو العاقلان "، على أن يكون العاقلان خبر المحذوف. غلط. إنما قال سيبويه: واعلم أنه لا يجوز: " مَن عبد الله، وهذا زيد الرجلين الصالحين " رفعت أو نصبت؛ لأنك لا تُثْني إلا على من أثْبَتَّه، وعلمتَه، ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم فتجَعلهما بمنزلة واحدة.

стр. 58

وقال الصفار: لما منعها سيبويه من جهة النعت عُلم أن زوال النعت يصححها فتصرف أبو حيان في كلام الصفار يوهم فيه، ولا حجة فيما ذكر الصفار إذ أنه قد يكون للشيء مانعان، ويقتصر على ذكر أحديهما؛ لأنه الذي اقتضاه المقام.

стр. 59

- (الصالحات). قال سيبويه: جمع السلامة جمع قلة يحتمل العشرة فدون فإن عُرِّف بـ أل أفاد الكثرة. وردّه ابن السِّيد بأنه إنما يفيد الكثرة في أنها محتملاته، وهو العشرة، ويصير صريحًا فيها كـ (الصالحات) هنا. - (جنات). تحتمل التوزيع أو لكل واحد جنات. - (ولهم فيها. .). مجيء هذين المجرورين متلاحقين دليل لمن يجيزه من البيانيين. - (أزواج مطهرة). أبو حيان: استغنى بجمع القلة فيه؛ لقلة استعمال جمع الكثرة فيه، وهو زوجات. الْمُبرّد في " المقتضب ": جمع التكسير يصح أن يجرى على المفرد؛ لأنه يعرب بالحركات كالمفرد.

стр. 60

٢٧ - (الذين ينقضون). قيل: هذه الصفات إن كانت؛ للتبيين لزم أن يكون من اتصف ببعضها غير فاسق، وإن كانت للتخصيص لزم ثبوت وصف الفسق دونها. أجيب: بأنها للتبيين، والمراد قوم مخصوصون. ٢٨ - (فَأَحْيَاكُمْ) عُطِفَ بالفاء، وما بعده بـ (ثم)؛ لأن المراد بهذا الإحياء الإِيجاد من عدم، وهو أصعب عند العقل من إعادة ما سبق وجوده، فدلت الفاء على أن ذلك بالنسبة إلى قدرة الله أسهل. وأجاب الزمخشري بغير هذا. ٢٩ - (خلق لكم). قول أبي حيان: قيل اللام، للسبب. لا يصح على مذهب أهل السنة في عدم تعليل أفعال الله تعالى، وهو كقول الزمخشري: " لأجلكم ". وكونها للتمليك بناء على أن الأشياء على الإباحة.

стр. 61

- (ما في الأرض جميعًا). انظر كلام ابن عطية هنا، وفيه نظر، لأنه ليس لنا إلا المعمورة من الأرض. قال القرطبي: والآية تدل على أن الأرض واحدة. وهو بناء على أن (جميعًا) حال من (ما). وذلك لا يتعين؛ لاحتمال كونه حالًا من ضمير (لكم). - (وهو بكل شيء عليم). الآمدي في " أبكار الأفكار ": " مذهب أهل السنة أن المعدوم ليس بشيء " خلافًا للمعتزلة، ولا نبني على ذلك كفر، ولا إيمان.

стр. 62

وأما هل للمعدوم تقرر في العدم أو لا؟، وهي مسألة أخرى. فمذهب أهل السنة أن لا. وذهب المعتزلة إلى أن له تقرر، فألزمنا قدم العالم ". ٣٠ - (في الأرض خليفة)، قدم المجرور هنا، وأَخر في سورة ص (إنَّا جعلناك خليفة في الأرض)، وذلك لوجهين: الأول: أن أحد أسباب التقدم " الشرف ". وكان آدم حينئذ معدومًا، والأرض موجودة، والموجود أشرف من العدم، والمخاطب في سورة (ص) داود ﵇، وهو أشرف من الأرض ضرورة.

стр. 63

الثاني: أن هذه الآية خرجت مخرج الاعتناء بالأرض بجعل الخليفة فيها؛ لإزالة الفساد عنها، وآية (ص) في معرض التشريف لداود فقدم فيها ما يقتضي التشريف، وهو الخلافة. - (قالوا أتجعل. .). قد يحتج به من يقول: " بالتحسين، والتقبيح "، وجوابه بين عقلًا. ابن عطية: " كأنهم تعجبوا من استخلاف الله من يعصيه أو عصيان من يستخلفه ". وذكره أبو حيان، ولم يتعقبه. ولا يصح الوجه الثاني؛ لأنهم لو تعجبوا من عصيان المُسْتَخْلَف؛ لقالوا: " أيفسد في الأرض من تجعله خليفة ". ٣٦ - (بعضكم لبعض. .). يدل على إطلاق لفظ " البعض " على أكثر من النصف. ٣٨ - (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). إن قلت: لِمَ نفى الخوف بلفظ الاسم، والحزن بلفظ الفعل مع أن الخوف هو التألم بسبب أمر مستقبل متوقع، والحزن هو التألم بسبب أمر واقع فيما مضى، فكان المناسب باعتبار الفَهْمِ العكس؟.

стр. 64

فالجواب من وجوه: أ - روعي في كل واحد منهما سببه، فسبب الخوف مستقبل، وهو متقدم عليه فجعل ماضيًا ثابتًا واقعًا، فأتى فيه بلفظ الاسم المقتضي للثبوت. وسبب الحزن ماضٍ وهو متأخر عنه فجعل مستقبلاً؛ لتأخره عن سببه فأتى فيه بلفظ المستقبل. ب - إن متعلق الحزن ماضٍ، ومتعلق الخوف مستقبل، والأمور المستقبلة أكثر من الأمور الماضية، فأشبهت غير المتناهي ألا ترى أن الإِنسان يخاف العذاب في الدنيا، وفي الآخرة، وأمر الآخرة غير متناهٍ، لأنه يدخل الجنّة فيذهب عنه الخوف دائمًا، وأمر الماضي متناهٍ؛ لأنه بدخول الجنة ذهب الخوف عنه، فناسب الإِتيان فيما يتناهى بالاسم النكرة في سياق النفي، ليعم، وهو أبلغ. جـ - إن سبب الخوف يمكن دفعه، والتحرز منه؛ لأن متعلقه مستقبل بخلاف سبب الحزن. د - إن الخوف متقدم في الوجود على الحزن؛ لأن متعلقه مستقبل، ومتعلق الحزن ماضٍ، والمستقبل أسبق في الوجود من الماضي، والاسم متقدم على الفعل فعبّر عن كلٍّ بما يناسبه.

стр. 65

هـ - إن سبب الخوف مستقبل فلا يعقل فيه تجدَّد؛ لأنه لم يقع بخلاف الحزن. ٤٦ - (الذين يظنون. .). متعلق الظن زمن الملاقاة، وإن كان في الحقيقة مشكوكًا فيه لكن؛ لمحبتهم لقاء ربهم جُعل مظنونًا لهم. وجَعل

стр. 66

ابن عطية: " الظن بمعنى: العلم ". وقال الزمخشري: " يتوقعون لقاء ثوابه، وقيل: ما عنده، ويطمعون فيه. ٤٧ - (وأني فضلتكم. .). إن جعل قوله: (نعمتي) عاما فهو عطف الخاص على العام، وإن جعل مطلقًا فهو من عطف المقيد على المطلق. - (على العالمين). إن جعلت " ال " للجنس كما قال الزمخشري: فالقضية حقيقة لا خارجية، وإن جعلت للعهد أي: عالم زمانهم فهي خارجية.

стр. 67

٤٨ - (ولا تقبل منها شفاعة. .) ابن عطية: " أحاديث الشفاعة متواترة ". ابن الصلاح: " لم يصح من أحاديث الشفاعة غيرحديثين. فعلى هذا يكون التواتر معنويا لا لفظيًّا. ٤٩ - (يذبِّحون أبناءكلم ويستحيون نساءكم. .) أي: لم يقل: بناتكم في مقابلة أبناءكم؛ لتركهم إياهن إلى أن يصرن نساء بخلاف الأبناء. ٥٠ - (فأنجيناكم. .) فإن قلت: لمَ قدم الانجاء وإن كان دفع المؤلم آكد؟. مراعاة للترتيب الوجودي؛ لأن الانجاء متقدم على إغراق آل فرعون. ٥٩ - (فبدل الذين ظلموا. .). يؤخذ عدم صحة نقل الحديث بالمعنى إلا أن يجاب بأنهم بدلوا اللفظ، والمعنى.

стр. 68

واسْتُشْكِلَ فَهْم معنى الآية بأنها اقتضت أنهم بدلوا غير الذي قيل لهم لا ما قيل لهم؛ لأن (غير) نعت (قولًا) إذ لا يتعدى (بدَّل) إلا لمفعول واحد!. وأجيب: بأنه تعدى إلى الثاني بحرف الجر أي ب (غير) أو يكون (بدَّل) بمعنى: " أتى ". ٦٠ - (فانفجرت. .) ابن هشام: فضرب (فانفجرت). وزعم ابن عصفور: " أن الفاء في (فانفجرت) هي (فاضرب). وأن فاء (فانفجرت) حذفت؛ ليكون على المحذوف دليله ببقاء بعضه، وليس بشيء؛ لأن لفظ الفاءين واحد، فكيف يحصل الدليل؟. وجوّز الزمخشري ومن تبعه أن تكون فاء الجواب أي: فإن ضربت فقد (انفجرت). ويرُدّه أن ذلك يقتضي تقدم الانفجار على الضرب مثل: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، إلا أن يقال: " المراد: فقد حكمنا بترتيب الانفجار على ضربك ". ٦١ - (أتستبدلون). إن قلت: الاستبدال يقتضي ترك المبدل منه، وهم

стр. 69

لم يطلبوا ذلك " منه لما، وإنما طلبوا الزيادة عليه فكيف يناسب الجواب؟!. قلت: العادة تقتضي أن من كان بين يديه طعام واحد أكل منه حتى يشبع، فإذا كان بين يديه طعامان ترك موضعًا للطعام الثاني. ٧٣ - (فقلنا اضربوه ببعضها. .). إن قلت: لِمَ لم يسألوا تعيين البعض كما سألوا تعيين البقرة؟. قلت: لأن الأجزاء، والأبعاض متماثلة بخلاف الأشخاص. ٧٤ - (أو أشد. .) أتى بـ (أشدُّ)، وإن كانت القسوة ليست من الخُلق الثابتة؛ لأنه أبلغ؛ لاقتضائه أعلى مراتب القسوة، وهي شدّتها. وجعل السكاكي ذلك من " ترشيح المجاز ".

стр. 70

٨٠ - (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. .). معناه: طلب دليلهم على ذلك. فإن قلت: قد تقرر أن النافي لا يطالب بدليل!. قلت: هؤلاء نفوا، وأثبتوا، ويردّ على هذا الجواب أن من ادعى ما يوافقه خصمه عليه لم يطلب منه دليل، ودعوى هؤلاء أن النار تمسهم أيامًا معدودة صحيح، وإنما ينكر عليهم ادعاؤهم عدم دوام العذاب. والجواب: أن النفي الأصلي هو الذي لا يحتاج مدعيه إلى دليل بخلاف النفي " الذي " يتقدمه إثبات، وهؤلاء أقروا بدخولهم النار، وأنكروا دوام العذاب " بعد دخولهم ". ٨٤ - (ثم أقررتم وأنتم تشهدون. .). يدل على تغاير الإقرار، والشهادة وفيه خلاف، ومذهب " المدونة " أن الإقرار شهادة. ٨٥ - (أفتؤمنون ببعض الكتاب. .). . داموا على قصر الإِيمان بالبعض لا على نفس الإِيمان به.

стр. 71

- (فما جزاء. .). أتى بالحصر، وإن كان عدمه في مثل هذا التركيب أبلغ دفعًا [لما] يتوهم من أن إيمانهم بالبعض يوجب تخفيف العذاب عنهم. ٨٦ - (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. .). أخذ منه ابن عطية، أن من خُّير بين شيئين يُعدُّ متنقلًا. وُيرَدُّ بحديث: " كل مولود يولد على الفطرة ". فإن قيل: يلزم عليه أن يكون كل كافر مرتدًّا. قيل: حقيقة المرتد من اتصف بالكفر بعد تلبُّسِه بالإِيمان بالفعل.

стр. 72

٨٧ - (ولقد آتينا موسى الكتاب. .). ابن عطية: يجوز أن يكون (الكتاب) مفعولًا أولًا أو ثانيًا ". انتهى. يردّ بأن " أعطى " مفعولاها أولهما فاعل في المعنى، و (وموسى) هو أخذ الكتاب. ٨٩ - (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا. .). الزمخشري: " أي من الحق ". ابن عطية: المراد النبيّ ﷺ ". . انتهى. و (ما)

стр. 73

واقعة على صفته لا على ذاته؛ لأنها لا تقع على من يعقل. ويؤخذ منه الاكتفاء في الشهادة، والأحكام بالصفة، ومثله في " كتاب اللقطة " من " المدونة " في مسألة: من اعترفت بيده دابة. والموثوقون في ذلك متفاوتون منهم من يكتب الصفة، والتعريف بعين المشهود عليه، وأنه هو فلان بن فلان، وهذا أبلغ، ومنهم من يكتفي بالصفة. وقد يقال: الإِتيان بالمُعْجِزات قرائن تقوم مقام التعيين. ٩١ - (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا. .). الأُبَّذي في " شرح الجزولية ": إنما

стр. 74

شُرِطَ في الحال الانتقال، لكونها هيئة الفاعل، والمفعول " التي " يكون عليها كل واحد منهما، وتلك الهيئة هي غير لازمة، بل هي صفات متنقلة نحو قوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)، و (يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. .). ومثل: " دعوت الله سميعا "، ومعلوم أن البعث لا يكون إلا على صفة " الحياة "، والحق لا يكون إلا مصدقا، والله تعالى لم يزل سميعًا، وهذا عند النحويين يسمونه حالًا مؤكدة؛ لأن الحال صفة في المعنى، والصفة قد تكون بيانًا، وقد تكون توكيدًا. ١٠١ - (وراء ظهورهم. .) كناية عن البعد، وإلا فظاهر اللفظ يقتضي أنهم طرحوه بين أيديهم. ١٠٦ - (ما ننسخ. .). استدل بها الفخر في " المحصول ": على جواز النسخ. وردّه السرّاج في " التحصيل اختصار المحصول ": بأنها قضية

стр. 75

شرطية لا يلزم منها الجواز، ولا العدم إذ لا يلزم من ملازمة الشيء للشيء جواز وقوعه " ولا عدم وقوعه " وأجاب الخطيب شمس الدين الجزري: بأن الآية خرجت مخرج التمدح، والتمدح لا يكون إلا بالممكن الوقوع. ١١٤ - (ومن أظلم ممّن منع. .) وفي آية أخرى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى. .). فالجواب: بثبوت التساوي في المذكُورين. ١١٦ - (بل له ما في السماوات. .). استدل به اللَّخْمِي على أن من
следующие страницы →