سلسلة الهدى والنور (٣)
الله ﷻ
واحد أم ثلاثة؟
د. منقذ بن محمود السقار
стр. 2
ـ[الله ﷻ واحد أم ثلاثة؟]ـ
المؤلف: د. منقذ بن محمود السقار
الناشر: دار الإسلام للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
عدد الأجزاء: ١
(تنبيه): النسخة الإلكترونية مهداة من المؤلف، وهي أحدث من المطبوعة، ولذا توجد بينهما بعض الاختلافات
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 3
مقدمة
﴿قل هو الله أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفواً أحد﴾ (سورة الإخلاص)
﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ (المائدة: ٧٥)، ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل﴾ (الزخرف: ٥٩)، ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً - لقد جئتم شيئاً إدّاً - تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً - أن دعوا للرحمن ولداً - وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً - إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً - لقد أحصاهم وعدهم عداً - وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً﴾ (مريم: ٨٨ - ٩٥).
لخصت الآيات الكريمة معتقد المسلمين في الله الواحد، ونبيه المسيح ﵊، فهو نبي كريم ورسول عظيم أرسله الله بالتوحيد والبينات والهدى، كما بعث بذلك سائر أنبيائه ورسله ﴿وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (الأنبياء: ٢٥).
لكن النصارى يقولون بنقيض ذلك، حين يقولون ببنوة المسيح لله، أو يقول بعضهم بأنه الله، وأنه تجسد في جسد عيسى، وتأنس وصفع وصلب من أجل أن يكفر خطايا البشرية
стр. 4
التي ورثتها منذ أخطأ أبوها آدم.
فمن أين استلوا هذا المعتقد، وهل في كتبهم ما يؤيد ذلك ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (الأنبياء: ٢٤).
وإدراكاً منا لخطورة هذه المسألة نطرح سؤالنا الهام: المسيح ﵇ رسول أم إله؟ وهل الله واحد أم ثالوث؟ وذلك في حلقتنا الثالثة من سلسلة الهدى والنور.
ونستنطق - في الإجابة عن هذين السؤالين - الكتاب المقدس بعهديه، القديم والجديد، ونستأنس بأقوال رجالات الكنيسة وأحرار الفكر من الغربيين. فماذا هم قائلون؟
اللهم اهدنا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة - ربيع الأول - ١٤٢٤هـ
mongiz@maktoob.com
стр. 5
المسيح في معتقد المسلمين
يتلخص معتقد المسلمين في المسيح ﵇ أنه المسيح ابن مريم الصديقة، ولد بمعجزة إلهية من غير تدخل بشري، وقد ابتعثه الله نبياً ورسولاً إلى بني إسرائيل، يدعو إلى توحيد الله، ويبشر بمقدم خاتم النبيين، وأيده بالمعجزات العظيمة، فاستمر في دعوته، مراغماً لليهود الذين أرادوا قتله، جرياً على عادتهم في قتل الأنبياء، لكن الله أنجاه من مكر اليهود ومؤامرتهم لقتله، ورفعه إلى سماواته، وسيعود ﵇ قبيل قيام الساعة، داعية إلى الله من جديد، ومطبقاً لشرعه، منكساً للصليب، ورافعاً لأعلام التوحيد.
ولمزيد من البيان نستعرض الآيات التي أنزلها الله بشأنه ﵇ في القرآن الكريم.
فقد تحدثت الآيات عن عيسى ﵇، فذكرت أن الله شرفه ببنوته لمريم الطاهرة البتول المصطفاة من نساء العالمين ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ (آل عمران: ٤٢)، ومثل هذا المديح للبتول مريم لن يجده قارئ في كتاب ما سوى القرآن الذي ذكر أن الله أكرمها بالكرامات، ومنها ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله﴾ (آل عمران: ٣٧).
وحكى القرآن عن كفالة النبي زكريا لها بعد نذر أمها بأن يكون حملها محرراً لله وعبادته، فولدت البتول الطاهرة، وتربت على عبادة الله وامتثال أمره، وقد أمرها الله بذلك ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ (آل عمران: ٤٣)
ولما بلغت مريم مبلغ النساء حملت بمولودها الذي بشرها الله به عن طريق الملائكة، وسماه لها ﴿إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ (آل عمران: ٤٥).
стр. 6
وذكرت الآيات القرآنية الكريمة أن المولود القادم قد خُلق بكلمة من الله، من غير تدخل بشري، فقد خلقه الله من غير أب، وبينت الآيات أن ليس في ذلك ما يقتضي عبادة النصارى له وتأليههم، فقد خلق الله آدم أيضاً على غير الصورة المألوفة في البشر ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩)، لقد خلقا جميعاً بكلمة التكوين الإلهية (كن).
وتحدثت الآيات القرآنية عن ولادة هذا المولود المبارك، فقد كان ميلاده من غير أب، لتكون أول معجزاته ﵇ ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (المؤمنون: ٥٠)، ثم أنطقه الله في المهد حال طفولته، أنطقه ليرد فرية اليهود على أمه العذراء البتول ﴿قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّاً - قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً - وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيّاً - وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيّاً - والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّاً﴾ (مريم: ٢٩ - ٣٣)، ﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين﴾ (آل عمران: ٤٦).
ولما بلغ مبلغ الرجال أرسله الله كما أرسل رسلاً قبله ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم﴾ (المائدة: ٤٦)، ورسالة عيسى تصديق وتتمة لرسالة موسى الكليم ﴿ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ (آل عمران: ٥٠)، لذا آتاه الله العلم بالتوراة ﴿إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ (المائدة: ١١٠)، وأنزل الله عليه الإنجيل ﴿وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور﴾ (المائدة: ٤٦)، والإنجيل المذكور في الآية هو إنجيل المسيح، وليس شيئاً مما ينسبه النصارى إلى تلاميذه وتلاميذهم.
وقد أيد الله المسيح بالمعجزات، وآتاه من الآيات ما يدل على نبوته وما تقوم به حجة الله على قومه الذين
стр. 7
أرسل إليهم ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني﴾ (المائدة: ١١٠)، ومن آياته أيضاً علمه ببعض الغيوب التي أطلعه الله تعالى عليها ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ (آل عمران: ٤٩).
وكما أيده الله بالبينات؛ أيده بروح القدس، جبريل ﵇ ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾ (البقرة: ٨٧)
وبين القرآن أن رسالته ﵇ كانت إلى بني إسرائيل خاصة ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ (آل عمران:٤٩)، فدعاهم إلى عبادة الله، وبشرهم بنبيه الخاتم ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).
وقد انقسم بنو إسرائيل حيال دعوته إلى مؤمن به وكافر ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة﴾ (الصف: ١٤)، والمؤمنون به هم حواريوه البررة الكرام.
وأما غيرهم من اليهود فكادوا عيسى ابن مريم ولم يؤمنوا به، فاستحقوا اللعنة والغضب من الله ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون - كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ (المائدة: ٧٨ - ٧٩).
وتحدثت الآيات القرآنية أيضاً بوضوح عن نجاة عيسى ﵇ من الصلب الذي لم تنف الآيات وقوعه، لكنها أكدت على أن المصلوب الذي تمكن منه اليهود غيره ﵊ ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ (النساء: ١٥٧)، وأكد القرآن جهل أهل الكتاب في هذا الموضوع وعدم تيقنهم منه ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً﴾ (النساء: ١٥٧).
стр. 8
وأكدت الآيات نجاته من الصلب مرة أخرى في قوله: ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ (آل عمران: ٥٥)، وقوله: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ (آل عمران: ٥٤).
ويذكر القرآن مصير عيسى ﵇ بعد نجاته من المؤامرة ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ (آل عمران: ٥٥)، وقوله: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ (النساء: ١٥٨)، والوفاة المذكورة في الآية تحتمل معان في لغة العرب، منها الموت، ومنها النوم، ولا يمكننا الجزم بأي المعنيين، وإن مال الكثيرون من أهل العلم إلى الثاني.
ويشهد لصحة هذا الرأي في فهم الآية ما يذكره القرآن من نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب به ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ (النساء: ١٥٩)، فنزوله سيكون آخر الزمان، وهو علامة على انقضائه ﴿وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها﴾ (الزخرف: ٦١).
وذكرت في سياق معجزاته ﷺ أنه ﴿يكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ (آل عمران: ٤٦)، وليس في كلام الكهل إعجاز إلا إذا كان صاحبه قد رفع إلى السماء ولما يبلغ بعد سن الكهولة، أي أنه سيعود مرة أخرى، ويكلم الناس حال كهولته.
وأخبر النبي ﷺ عن نزول أخيه المسيح ﵇ قبيل الساعة وعن كسره للصليب، وأنه ﵇ لا يقبل من الأديان غير الإسلام، وأنه يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت كسائر الناس، فيصلي عليه إخوانه المسلمون، قال ﷺ : ((ليس بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين مُمَصَّرَتين [أي ملابسه فيها صُفرة خفيفة]، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويُهلِك المسيحَ الدجال، فيمكثُ في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون)) (١).
стр. 9
وحذرت الآيات القرآنية من الغلو في عيسى ﵇، واعتبرته من التقول الباطل على الله ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ (النساء: ١٧١)، فهذه هي حقيقة المسيح التي أوضحها القرآن في مواضع كثيرة منه ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ الّذي فيه يمترون - ما كان لله أن يتّخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون﴾ (مريم: ٣٣ - ٣٤)، فقد خلقه الله بكلمته، وحاشا لله أن يتخذه أو غيرَه ولداً.
والمسيح ﵇ لم يدع ألوهية نفسه قط، بل إنه يبرأ يوم القيامة من كل المشركين الزاعمين ألوهيته، وذلك حين يسأله الله على رؤوس الأشهاد: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧)، فتنكس الرؤوس حينئذ ولا تنفع الحسرات، ولا تنقطع التأوهات.
هذه هي الحقيقة فحسب، وما لذا فإن مذاهب النصارى فيه زور وافتراء ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ (مريم: ٣٤)، ومن افترائهم قولهم الذي كفرهم الله به ببنوة المسيح لله: ﴿وقالت النّصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم﴾ (التوبة: ٣٠)، كما ذمّت الآيات قول آخرين بأنه هو الله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً﴾ (المائدة: ١٧).
وهكذا فإن إيمان المسلم بهذا النبي العظيم ركن من أركان الإيمان، لا يقبل الله عبداً إلا به ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (البقرة: ٢٨٥)، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
стр. 10
عقائد الفرق النصرانية المعاصرة
تجمع الفرق النصرانية المثلثة اليوم على القول بأن الله إله واحد في جوهره، لكنه مثلث من جهة أقانيمه، وتجمع أيضاً على أن أول هذه الأقانيم هو الآب، وثانيها هو الابن (الكلمة)، وثالثها هو روح القدس. وتعتقد أن الثلاثة إله واحد.
لكن هذه الفرق تختلف اختلافاً بيناً في تحديد طبيعة المسيح، فلقد صدر عن مجمع نيقية تأليهه، ثم حار النصارى في تحديد طبيعة هذا الاتحاد ومصدر هذا الانبثاق الذي أثمر معتقد الألوهية.
ونتوقف بعض الشيء مع الفرق النصرانية الكبرى، ونذكر أوجه الاختلاف بينها وظروف نشأة كل منها.
أولاً: الأرثوذكس
وهم أتباع الكنائس الشرقية (اليونانية)، وكلمة "أرثوذكس" كلمة لاتينية معناها: "صحيح أو مستقيم العقيدة" أو "مذهب الحق".
وينتشر أتباع الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا وعموم آسيا وصربيا ومصر والحبشة، ويتبعون أربع كنائس رئيسة لكل منها بطريريك (القسطنطينية ثم الإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم).
وقد انقسمت الكنيسة الأرثوذكسية في أعقاب مجمع القسطنطينية الخامس ٨٧٩م إلى قسمين كبيرين (الكنيسة المصرية أو القبطية أو المرقسية، وكنيسة القسطنطينية، المسماة بالرومية أو اليونانية).
وترى الكنائس الأرثوذكسية في معتقداتها امتداداً صادقاً لما جرى في مجمع نيقية، إذ تتفق معتقداتهم مع مجمل ما جاء في رسائل أثناسيوس الذي ولي البابوية في الإسكندرية بعد مجمع نيقية.
стр. 11
الأقانيم عند الأرثوذكس
يرى الأرثوذكس الأقانيم مراحل لإله واحد في الجوهر، فالأب هو الابن، وهو روح القدس، يقول القس القبطي الأنبا غريغورس ملخصاً معتقدهم بالثالوث: "المسيحيون يؤمنون بإله واحد، أحدي الذات، مثلث الأقانيم والخاصيات، فالتوحيد للذات الإلهية، وأما التثليث فللأقانيم، وللأقانيم خاصيات وصفات ذاتية، أي بها تقوم الذات الإلهية، فالله الواحد هو أصل الوجود، لذلك فهو الآب - والآب كلمة ساميّة بمعنى الأصل - .. والله الواحد هو العقل الأعظم .. تجلى في المسيح .. لذلك كان المسيح هو الكلمة .. والكلمة تجسيد العقل، فإن العقل غير منظور، ولكنه ظهر في الكلمة، وهو أيضاً الابن- لا بمعنى الولادة في عالم الإنسان -، بل لأنه صورة الله غير المنظور، والله هو الروح الأعظم، وهو آب جميع الأرواح، ولهذا فهو الروح القدس، لأن الله قدوس". (١)
ويقول الأسقف سابليوس عن الله في هرطقته التي تقترب كثيراً من مذهب الأرثوذكس: "ظهر في العهد القديم بصفته آب، وفي العهد الجديد بصفته ابن، وفي تأسيس الكنيسة بصفته روح القدس".
وإذا تساءلنا عن سبب اختلاف الأسماء في هذه المراحل للجوهر الواحد فإن القس توفيق جيد يجيب: "إن تسمية الثالوث باسم الآب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نفلسف في تفكيكها وتحليلها، أو نلحق بها أفكاراً من عندياتنا .. ".
وما دامت هذا الأقانيم مراحل للجوهر الواحد، فإن ياسين منصور يقول عنها
стр. 12
بأنها "ثلاث شخصيات متميزة غير منفصلة، متساوية فائقة عن التصور"، ويقول أثناسيوس بالتساوي بين الأقانيم "فلا أكبر ولا أصغر، ولا أول ولا آخر، فهم متساوون في الذات الإلهية والقوة والعظمة". (١)
وأبرز معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية وفروقها عن الكنائس الأخرى:
- أن الله هو الإله الواحد من جهة جوهره، المثلث من جهة أقانيمه، فالله هو الآب والابن والروح القدس.
- يرى أرثوذكس الكنيسة المرقسية المصرية أن المسيح له مشيئة واحدة وطبيعة واحدة اتحدت فيها الطبيعتان الإلهية والإنسانية في اتحاد عجيب، لا اختلاط فيه ولا تمازج ولا تغيير. يقول (القديس) كيرلس الإسكندراني الذي قاد الكنيسة في مجمع أفسس ٤٣٠م: "نحن نقرن الطبيعتين بالاتحاد .. نقول: طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" (٢) بينما يرى أرثوذكس روسيا وأوربا (كنيسة القسطنطينية) أن له طبيعتين ومشيئتين كما قرر عام ٤٥١م في مجمع خلقدونية، وهو المجمع الذي رفضت الكنيسة المصرية قراراته، في حين أن الكنائس الأرثوذكسية الرومية القائلة بالطبيعتين قبلته متفقة مع الكنيسة الكاثوليكية.
- يؤمن النصارى الأرثوذكس أن روح القدس انبثق من الأب فقط.
- يؤمن النصارى الأرثوذكس بأسفار الأبوكريفا السبعة التي يؤمن بها الكاثوليك، وإن كانت الكنائس الأرثوذكسية تستخدم في طقوسها وتعليمها النسخة البرتسنتتية التي تحذف هذه الأسفار.
стр. 13
- يؤمن النصارى الأرثوذكس بأسرار الكنيسة السبعة (المعمودية - الميرون المقدس- القربان المقدس - الاعتراف - مسحة المرضى - الزواج - الكهنوت) (١).
ثانياً: الكاثوليك
وهم أتباع الكنائس الغربية التي يرأسها بابا الفاتيكان في روما.
وكلمة: " الكاثوليك" كلمة لاتينية، تعريبها: "العام أو العالمي".
وينتشر أتباع هذه الكنيسة في بقاع كثيرة من العالم، ويشكلون عدداً كبيراً من سكان أوربا.
وقد وجدت هذه الكنيسة بعد تصدع الكنيسة الأم بعد صراع سياسي ديني طويل يمتد إلى القرن الخامس الميلادي، فحين قسم الامبرطور تيودواسيوس امبراطوريته عام ٣٩٥م بين ابنيه، فتولى أكاديوسيوس الشطر الشرقي وعاصمته القسطنطينية، فيما تولى نوريوس الشطر الغربي وعاصمته روما.
وبدأ الصراع والتنافس بين المركزين، وفي عام ٤٥١م وعقب مجمع خلقدونية انفصلت الكنيسة المصرية (أول الكنائس الأرثوذكسية) عندما قالت بطبيعة واحدة للمسيح منكرة ما ذهب إليه المجمع من أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، ثم انفصلت بقية الكنائس الشرقية عقب مجمع القسطنطينية الرابع ٨٦٩م، والخامس ٨٧٩م، بسبب إصرار الغربيين على اعتبار الروح القدس منبثقاً من الأب والابن معاً (٢).
стр. 14
الأقانيم عند الكاثوليك
ويلخص محررو قاموس الكتاب المقدس عقيدة النصارى الكاثوليك والبرتستانت في التثليث، فيقولون: "الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله ... شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى .. التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتاً أو ظاهرياً، بل أبدي وحقيقي .. التثليث لا يعني ثلاثة آلهة، بل إن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد ... الشخصيات الثلاث متساوون". (١)
والكاثوليك يعتبرون أركان الثالوث ثلاث شخصيات أو ثلاث ذوات، لكل منها مهام منفصلة، وترجع إلى ذات واحدة موجودة في الأزل، ويرون لكل أقنوم وظيفة واختصاصاً، فهم يسندون للأب خلق العالم والمحافظة عليه، وللابن كفارة الذنوب وتخليص البشر، وأما الروح القدس فيتولى تثبيت قلب الإنسان على الحق وتحقيق الولادة الروحية الجديدة.
وأما أبرز ما تختلف فيه الكنيسة الكاثوليكية عن الأرثوذكسية المصرية فهو:
- قولهم بأن المسيح له طبيعتان ومشيئتان: إلهية وإنسانية، فهو عند الكاثوليك إله تام وإنسان تام، وفيه اتحد الابن بناسوت المسيح.
- الأب والابن وروح القدس هي الأقانيم الأزلية للإله، والمتحد منها بجسد المسيح الإنساني هو الابن فقط.
- روح القدس انبثق من الأب والابن معاً، وهو مساوٍ للأب والابن.
- الأرواح الخاطئة لن تدخل الجنة حتى تتطهر في جحيم صغير في مكانٍ ما من الأرض يسمى: "المطهر" تتطهر به أرواح العصاة، ثم تكون أهلاً لدخول الفردوس.
стр. 15
- صلوات الكهنة ترفع العذاب عن النفوس الخاطئة، ومنه نشأت فكرة صكوك الغفران التي أقرها المجمع الثاني عشر المنعقد عام ١٢١٥م.
- القول بعصمة بابا روما، وبأنه وريث سلطان بطرس الذي دفعه له المسيح (انظر متى ١٦/ ١٩)، وبذلك تسمى أيضاً كنائس الكاثوليك بالكنائس البطرسية.
- تقدس الكنسية الكاثوليكية مريم، وتسميها (والدة الإله) و (خطيبة الله)، وتخصها ببعض الصلوات والابتهالات.
وتعترف الكنيسة الكاثوليكية بسائر العبادات والطقوس الأرثوذكسية كالتعميد والاعتراف والعشاء الرباني ... فقد صرح بقانونيتها المجمع التريدنتيني عام ١٥٤٧م، ويجيز الكاثوليك عبادة الصور والأيقونات (١).
ثالثاً: البروتستانت
وهم في الأصل من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وكلمة "بروتستانت" كلمة إنجليزية معناها: المحتجون.
وقد انشق البروتستانت عن الكنسية الكاثوليكية في منتصف القرن السادس عشر وبعد عدة احتجاجات على ممارسات بابوات الكنيسة التي زكمت منها الأنوف.
وهنا يجدر بنا الاستطراد في الحديث عن بعض هذه الدعوات الإصلاحية التي ظهرت في أوربا والتي مهدت لقيام البرتستانت، فقد بدأت هذه الدعوات للإصلاح على يد جيرارد في كنيسة لورين في عام ٩١٤م، وعاصرتها دعوة أخرى تسمى حركة كلوين، ثم ظهرت في جنوب فرنسا حركتا
стр. 16
الكاتاريين والوالدنيين، وتمكنت البابوية من القضاء عليهما.
وفي القرن الثالث عشر ظهرت حركة الرهبان (الإخوان)، ودعت للبساطة وحماية الكنيسة من الهراقطة، وتدعيم البابوية عن طريق الأتباع المخلصين، لكن مع نهاية هذا القرن وقع رواد الحركة فيما حذروا منه، فأصبحوا من الأثرياء، وجر الثراء إلى ما يسوء ذكره.
وفي عام ١٣٨٣م توفي داعي الإصلاح حنَّا بعد أن طرد وأتباعه، ثم بعده نادى حنّا هس بإيقاف صكوك الغفران التي استعان بها البابا حنا الثالث والعشرون في حربه ضد مملكة نابلي، وقد أحرق حنّا هس حياً عام ١٤١٥م.
وفي بداية القرن السادس عشر ظهر مارتن لوثر، وهو قس ألماني ذهب إلى الحج في روما طالباً بركات البابا فيها، وفي ذهنه صورة من النقاء والطهر والخشوع، لكنه فوجىء في روما بواقع آخر، فجعل يصيح بأن ليس هذا دين عيسى، وعاد لألمانيا يدعو للإصلاح، وهاجم صكوك الغفران واعتبرها دجلاً، وانضم إليه أتباع سموا بالمحتجين (البروتستانت).
ثم تأثر بلوثر الفرنسي كالفن المولود عام ١٥٠٩م، ثم السويسري زونجلي، وأسس كلفن التنظيم الكنسي البروتستانتي.
وقد انتشرت أراء هذه المدرسة الإصلاحية في ألمانيا وأمريكا وكندا واسكتلندا والنرويج وهولندا، كما وجدت لها قبولاً ضعيفاً في معظم دول العالم، حيث نجد كنائس برتسنتية صغيرة.
والبرتستانت في الجملة كاثوليك، ويتميزون عنهم بأمور أهمها:
- الإيمان بأن الكتاب المقدس فقط (وليس البابوات) هو مصدر الدين والعقيدة، لكنهم - في حقيقة الأمر - لم يطبقوه فيما سوى مسائل قليلة كصكوك الغفران وعصمة البابا ورفض تبتل الكهنة، كما رفضوا تقديس الأيقونات والصليب.
стр. 17
- إجازة قراءة الكتاب المقدس لكل أحد، كما له الحق بفهمه دون الاعتماد في ذلك على فهم بابوات الكنيسة.
- عدم الإيمان بأسفار الأبوكريفا السبعة، واعتماد التوراة العبرانية بدلاً من اليونانية.
- عدم الاعتراف بسلطة البابا وحق الغفران وبعض عبادات وطقوس الكنيسة الكاثوليكية كالاستحالة في العشاء الرباني وعبادة الصور وتقديس مريم، وعذاب المطهر، وعموم الأسرار الكنيسة.
- يعتبرون الأعمال الصالحة ثمرة من ثمار الإيمان، ويرونها غير ضرورية للخلاص.
- لكل كنيسة بروتستانتية استقلالها التام.
- يمنع البروتستانت الصلاة بلغة غير مفهومة كالسريانية والقبطية، ويرونها واجبة باللغة التي يفهمها المصلون.
- يمنع البروتستانت التبتل، ويوجبون زواج القسس، إذ يرونه طريقاً لازماً لإصلاح الكنيسة.
- ويوافق البروتستانت الكاثوليك في انبثاق الروح القدس من الأب والابن كما يوافقونهم في أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين (١).
стр. 18
أدلة النصارى على ألوهية المسيح
تؤمن الفرق النصرانية (١) - رغم اختلافها في طبيعة المسيح - بأن المسيح إله متجسد، وتؤيد دعواها بعشرات النصوص التي وردت في العهد الجديد - وأحياناً - القديم، ويرونها تتحدث عن إلهيته حين سمته رباً وإلهاً أو وسمتْه بـ (ابن لله)، بينما أفادت نصوص أخرى في الكتاب أن الله حل فيه، وأضافت نصوص أخرى إليه القيام بأفعال الله كغفران الذنوب وخلق المخلوقات، ثم كان من أعظم أدلة ألوهيته ما ظهر على يديه من معجزات إلهية كإخباره ببعض الغيب وإحيائه الموتى ...
مدخل إلى مناقشة أدلة النصارى على ألوهية المسيح
وقبل أن نبدأ بمناقشة أدلة النصارى، فإنا نسجل ملاحظات هامة في هذا الباب:
- أنه لا يوجد نص واحد في الكتاب المقدس يصرح فيه المسيح بألوهيته أو يطلب من الناس عبادته، كما لم يعبده أحد من معاصريه، ولم ينظر إليه هؤلاء إلا كمدع للنبوة، آمن به بعضهم، وكفر بنبوته الأكثرون من اليهود، لكن دعوى ألوهيته لا أساس لها في الكتاب المقدس أو على الأقل في أقوال المسيح وتلاميذه، وفي هذا الصدد تحدى العلامة أحمد ديدات كبيرَ قساوسة السويد في مناظرتهما المتلفزة قائلاً: "أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه عيسى عن نفسه: أنا إله. أو قال: اعبدوني"، وهيهات أن يجدوه.
والقس فندر يقول في كتابه "مفتاح الأسرار" مبرراً عدم تصريح المسيح بألوهيته في العهد الجديد: "ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه
стр. 19
وعروجه ... فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني ... إن كبار ملة اليهود أرادوا أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بيّن ألوهيته بين أيديهم إلا عن طريق الألغاز" (١).
ويؤكد هذا المعنى البابا شنودة حيت سئل عن سبب عدم تصريح المسيح بألوهيته، فأجاب: "لو قال عن نفسه إنه إله؛ لرجموه, ولو قال للناس: إعبدوني؛ لرجموه أيضاً وانتهت رسالته قبل أن تبدأ ... إن الناس لا يحتملون مثل هذا الأمر، بل هو نفسه قال لتلاميذه: "عندي كلام لأقوله لكم , ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يوحنا ١٦/ ١٢) " (٢).
والخوف من اليهود ورجمهم وأذاهم لا يقبل نسبته إلى الإله أو حتى للمسيح الذي رأيناه يواجه اليهود مراراً فيقول: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون .. أيها العميان ... لأنكم تشبهون القبور المكلسة، أيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم" (متى ٢٣/ ١٣ - ٣٤)، فكيف له بعد ذلك أن يغمض على البشرية في إظهار حقيقته، ففي ذلك إضلال وتلبيس.
- أن أحداً من تلاميذ المسيح لم يكن يعتقد ألوهية المسيح، إذ لم يعبده واحد منهم، بل كلهم وجميع معاصري المسيح ما كانوا يعتقدون أكثر من نبوته، وسيمر معنا تفصيله.
- ثم إن أقوى ما يتعلق به النصارى من دليل على لاهوت المسيح المزعوم إنما نجده في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، بينما تخلو الأناجيل الثلاثة من دليل واضح ينهض في إثبات ألوهية المسيح، بل خلو هذه الأناجيل عن هذا الدليل هو الذي دفع يوحنا - أو كاتب إنجيل يوحنا - لكتابة إنجيل عن لاهوت المسيح، فكتب في آخر القرن الميلادي الأول ما لم يكتبه الآخرون قبله، وجاءت كتابته مشبعة بالغموض والفلسفة الغريبة عن بيئة المسيح البسيطة التي صحبه بها العوام من أتباعه.
- عدم الدليل الصحيح الصريح على ألوهية المسيح جعل النصارى يحرفون في طبعات الأناجيل الجديدة، بغية خلق أدلة تسند هذه المعتقدات الغريبة عن الكتاب المقدس.
ومن ذلك إضافتهم نص التثليث الصريح الوحيد في (يوحنا (١) ٥/ ٧).
стр. 20
ومثله وقع التحريف في قول بولس: " عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس (١) ٣/ ١٦) فالفقرة كما قال المحقق كريسباخ: محرفة، إذ ليس في الأصل كلمة "الله"، بل ضمير الغائب "هو" أو "الذي".
ويقول القس جيمس أنِس مبيناً سبب وقوع هذا التحريف وتاريخه: "ومما يرجح صحة قراءة (الذي) عدم ذكر اللاهوتيين القدماء هذه الآية مع الآيات الكثيرة التي أوردوها ليثبتوا لاهوت المسيح، وهم يردون على ضلالة آريوس.
أما سبب تبديل كلمة (الذي) بكلمة (الله) في النسخ اليونانية الحديثة، فهو ما بين اسم الجلالة (حيث كتبت على صورتها المختصرة بحرفين فقط) [ C ?] ، وكلمة (الذي) [ C ?] من المشابهة في صورة كتابتها، فليس بينهما فرق إلا في خط صغير؛ يقرب من النقطة التي تفرق بين الجيم والحاء في الكتابة العربية .. والراجح أن النساخ زادوا ذلك الخط الصغير ليوضحوا المعنى في بعض النسخ، فتحولت كلمة (الذي) إلى (الله)، ثم شاع استعماله في كل نسخ القرون المتوسطة؛ خلافاً للنسخ القديمة التي لم يُر فيها إلا كلمة (الذي) " (١).
ولو أعدنا قراءة قول بولس حسب القراءة الصحيحة وبعيداً عن التحريف المتعمد للنساخ؛ فإنا نجده متحدثاً عن ظهور التقوى في جسد حي، فأحالته الترجمات الحديثة إلى دليل على التجسد الإلهي في المسيح.
وفي النسخة اليسوعية الكاثوليكية والترجمة العربية المشتركة تم إزالة التحريف وتصحيح النص، ليصبح: "عظيم سر التقوى الذي تجلى في الجسد"، واختفى منها اسم الله ﵎، وتغير المعنى، وتلاشت دلالته على ألوهية المسيح.
стр. 21
ومثله تلاعب المترجمون برسالة يهوذا، حيث جاء في النسخة البرتستنتية الأشهر في المسيحية - والتي اعتمدنا عليها في هذه السلسلة - ما يوهم أن المسيح هو "القادر أن يحفظكم غير عاثرين، ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج، الإله الحكيم الوحيد، مخلّصنا، له المجد والعظمة والقدرة والسلطان الآن وإلى كل الدهور" (يهوذا ١/ ٢٤ - ٢٥)، والصحيح أن النص يتحدث عن الله المخلص، الذي يخلص بالمسيح، وليس عن المسيح، فالقراءة كما في نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية: "للإلهِ الواحد مخلصِنا- بيسوع المسيح ربِنا - المجدُ والجلال والعزة والسلطان"، والنص في النسخة البرتستنتية حذف اسم المسيح، ليوهم أنه صاحب الخلاص، وليس واسطة الخلاص، وأنه "الإله الحكيم الوحيد"، بينما النص الكاثوليكي يتحدث عن الله "الإله الواحد مخلصنا".
وثالثة الأثافي التلاعب بعبارة بولس في سفر أعمال الرسل، حيث زعموا أنه قال: " لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أعمال ٢٠/ ٢٨)، وعليه فالمسيح هو الله الذي اقتنى الكنيسة بدمه، وقد قال أغناطيوس: "دعي يسوع المسيح إلهاً، وقيل في دمه: إنه دم الله" (١).
وهذه القراءة لا يسلم بصحتها ودقّتها، وقد أشار إلى ذلك محققو الرهبانية اليسوعية في حاشية النص إلى تعدد قراءات النص في المخطوطات، فقالوا: "قراءات مختلفة: "كنيسة الرب (يسوع) "، أو " (يسوع) المسيح"، أو "الرب"، أو "الرب (و) الله".
ويبينه القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره بقوله: "جاء تعبير (كنيسة الله)
стр. 22
هنا في كثير من المخطوطات، خاصة السريانية: (كنيسة الرب) " (١).
وهكذا ترك طابعو الكتاب تلك القراءات وما في تلك المخطوطات الكثيرة، واختاروا ما يحلو لهم، وذلك في خضم تخبطهم وبحثهم عن أدلة يسندون فيها دعواهم بألوهية المسيح.
ويجدر التنبيه إلى أن بعض النسخ الإنجليزية كنسخة ( Good News Bible) ونسخة ( Contemporary English Version) ، وغيرها يقول: " through the blood of his Son" أي اقتناها بدم ابنه. فيفرق بين صاحب الكنيسة (الله أو الرب) وابنه صاحب الدم.
لقد لجؤوا إلى التحريف حين أعياهم أن يجدوا دليلاً صحيحاً في دلالته على ألوهية المسيح ﵊.
وهذي يدي ممدودة إليك - أخي الباحث عن الحقيقة - لندرس معاً بحيادية وموضوعية أدلة النصارى الكتابية التي زعموا أنها دالة على ألوهية السيد المسيح ﵊.
стр. 23
أولاً: نصوص نسبت إلى المسيح الألوهية والربوبية
يستمسك النصارى بالألفاظ التي أطلقت على المسيح ﵇ لفظ الألوهية والربوبية، ويرونها دالة على ألوهيته، وفي أولها أنه سمي (يسوع)، وهي كلمة عبرانية أصلها: يهوه خلاص، ومعناها: (الله خلَّص).
كما احتجوا بما اعتبروه نبوءة عن المسيح في سفر إشعيا: "لأنه يولد لنا ولد، ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعيا ٩/ ٦)، فالمسيح سيدعى إلهاً.
كذا استمسكوا بقول داود في عن القادم المبشَر به بالنبوات أنه ربه أو سيده: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك، شعبك منتدب في يوم قوتك، في زينة مقدسة، من رحم الفجر لك طل حداثتك، أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (المزمور ١١٠/ ١ - ٤)، فسماه داود رباً.
يقول القس الدكتور إبراهيم سعيد: "كل من يلقي نظرة على المزمور ١١٠ ولا يقتنع بلاهوت المسيح؛ لابد أن يكون واحداً من اثنين: إما أن يكون جاهلاً قد بسطت الغباوة غشاوة على عينيه، فلا يقدر أن يرى، أو أن يكون مكابراً قد طمس العناد قلبه فلا يريد أن يرى" (١).
كما يرى النصارى نبوءة أخرى دالة على ألوهية المسيح في قول إشعيا: "لكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه: عمانوئيل" (إشعيا
стр. 24
٧/ ١٤)، فكلمة (عمانويل) تعني: الله معنا.
ويرون تحقق النبوءة بالمسيح كما في بشارة الملاك ليوسف النجار خطيب مريم "فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (متى ١/ ١٨ - ٢٣)، فتسمية المسيح (الله معنا) دليل - عند النصارى - على ألوهيته.
ومثله جاء في العهد الجديد قول بولس: "المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد" (رومية ٩/ ٥)، ومثله قول توما للمسيح: "ربي وإلهي" (يوحنا ٢٠/ ٢٨).
كما قال بطرس له: "حاشاك يا رب" (متى ١٦/ ٢٢)، وقال أيضاً: "هذا هو رب الكل" (أعمال ١٠/ ٣٦).
وجاء في سفر الرؤيا عن المسيح: " وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب" (الرؤيا ١٧/ ١٤) وغير ذلك من النصوص مما أطلق على المسيح كلمة رب أو إله، فدل ذلك عندهم على ألوهيته وربوبيته.
الأسماء والألقاب لا تفيد ألوهية أصحابها
لكن هذه الإطلاقات من أسماء وألقاب ما كان لها أن تجعل من المسيح رباً وإلهاً، إذ كثير منها ورد في باب التسمية، وتسمية المخلوق إلهاً لا تجعله كذلك. فقد سمي بولس وبرنابا آلهة لما أتيا ببعض المعجزات "فالجموع لما رأوا ما فعله بولس رفعوا أصواتهم قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا" (أعمال ١٤/ ١١)، فقد كان من عادة الرومان تسمية من يفعل شيئاً فيه نفع للشعب (إلهاً)، ولا تغير التسمية في الحقيقة شيئاً، ولا تجعل من المخلوق إلهاً، ولا من العبد الفاني رباً وإلهاً.
стр. 25
فلئن سمي المسيح (يسوع)، ومعناه (الله خلص) فإن إسماعيل ﵇ سمي بهذا الاسم العبراني، ومعناه: (الله يسمع)، ومثله الملك يهوياقيم أي: (الله يرفع)، ويهوشع (الرب خلص)، وغيرهم ... ولم تقتضِ أسماؤهم ألوهيتَهم ولا ربوبيتهم.
وجاء في سفر الرؤيا: "من يغلب فسأجعله في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي - أورشليم الجديدة - النازلة من السماء من عند إلهي واسمي الجديد" (الرؤيا ٣/ ١٢).
وجاء في التوراة: "فيجعلون اسمي على بني إسرائيل" (العدد ٦/ ٢٧)، ومع ذلك ليسوا آلهة.
هل سمي المسيح (الرب) و (الإله) ؟
بداية، لا يسلم المسلمون بصحة صدور كثير من تلك العبارات الصريحة في تسمية المسيح بالرب أو الإله، والتي يزعم العهد الجديد أنها صدرت من التلاميذ، فلقد كانت هذه المواضع محلاً للتحريف المقصود والمتعمد كما وقع في (يوحنا (١) ٥/ ٧ - ٨)، كما قد يقع التحريف فيها بسبب سوء الترجمة وعدم دقتها، فكلمة "الرب" التي ترد كثيراً في التراجم العربية كلقب للمسيح هي في التراجم الأجنبية بمعنى: "السيد" أو "المعلم"، فالمقابل لها في الترجمة الإنجليزية هو كلمة: " lord"، ومعناها: السيد، وفي الترجمة الفرنسية: " Le Maître"، ومعناها: المعلم، وهكذا في سائر التراجم كالألمانية والإيطالية والأسبانية.
وما أتت به الترجمة العربية ليس بجديد، بل هو متفق مع طبيعة اللغة التي نطق بها المسيح ومعاصروه، فكلمة: "رب" عندهم تطلق على المعلم، وتفيد نوعاً من الاحترام والتقدير فحسب.
ففي إنجيل يوحنا أن تلاميذ المسيح كان يخاطبونه: "يا رب"، ومقصودهم: يا معلم، فها هي مريم المجدلية تلتفت إليه وتقول: "ربوني الذي تفسيره: يا معلم ... وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب" (يوحنا ٢٠/ ١٦ - ١٧)، فغاية ما تعتقده فيه أنه نبي معلم، وذلك لم يمنعها من أن تسميه (ربوني) أو (الرب)، بمعنى السيد.
стр. 26
كما خاطبه اثنان من تلاميذه بقولهما: "رب الذي تفسيره: يا معلم" (يوحنا ١/ ٣٨).
ولم يخطر ببال أحد من التلاميذ المعنى الاصطلاحي لكلمة (الرب) حين أطلقوها على المسيح، فقد كانوا يريدون: المعلم والسيد، ولذلك لم يستنكفوا عن تشبيهه بيوحنا المعمدان حين قالوا له: "يا رب علمنا أن نصلي كما علم يوحنا تلاميذه" (لوقا ١١/ ١).
واستعمال لفظة (الرب) بمعنى: (السيد)، شائع في اللغة اليونانية التي كتبت بها أسفار العهد الجديد، يقول ستيفن نيل: "إن الكلمة اليونانية الأصلية التي معناها: (رب) يمكن استعمالها كصيغة للتأدب في المخاطبة، فسجَّان فلبي يخاطب بولس وسيلة بكلمة: " (سيدي) أو (ربي)، يقول سفر الأعمال: " أخرجهما وقال: يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ فقالا: آمن بالرب يسوع المسيح، فتخلص أنت وأهل بيتك" (أعمال ١٦/ ٣٠) ... وكانت اللفظة لقباً من ألقاب الكرامة ... ".
ومما يؤكد صحة هذا التأويل أن بولس يصف المسيح بـ (الرب)، ولا يمنعه ذلك من جعله في مقام العبودية لله "كي يعطيكم إلهُ ربِنا يسوعَ المسيح، أبو المجد، روحَ الحكمةِ والإعلان في معرفته" (أفسس ١/ ١٧).
قول توما: "ربي وإلهي"
وأما قول توما للمسيح "ربي وإلهي" فهو لم يقع منه في مقام الخطاب للمسيح، بل لما رأى المسيح حياً، وقد كان يظنه ميتاً استغرب ذلك، فقال متعجباً: "ربي وإلهي! " (يوحنا ٢٠/ ٢٨)، بدليل علامة التعجب التي يضعها الطابعون بعد قول توما "ربي وإلهي! "، فهي تزين غالب الترجمات العربية والأجنبية للنص.
стр. 27
وقد يشكل على البعض في قوله: "أجاب توما وقال له: ربي وإلهي" (يوحنا ٢٠/ ٢٨)، فيرى أن هذه الصيغة لم ترد في باب الاستغراب، بل في باب الخطاب المباشر للمسيح بلقب الألوهية، بدليل قول يوحنا: "وقال له".
والحق أن لفظة (له) لم توردها معظم تراجم النص العربية، ولو فرضنا أصالتها فإنما تعني (قال لأجله أو لأجل ما رأى منه)، ولها مثيل في الكتاب في سفر صموئيل، حيث دعا النبي يوناثان الله من أجل داود، بينما يفهم من ظاهر السياق أن الحديث موجه إلى داود، وهو في الحقيقة دعاء لله من أجل داود، يقول سفر صموئيل: "وقال يوناثان لداود: يا ربُ إله إسرائيل، متى اختبرت أبي مثل الآن غداً أو بعد غد؛ فإن كان خير لداود ولم أُرسل حينئذ فأخبره" (صموئيل (١) ٢٠/ ١٢)، فهو نداء لله، والسياق يقول: "وقال يوناثان لداود "، أي لأجله.
ومما يؤكد أن قول توما للمسيح: «ربي وإلهي» كان في سياق التعجب؛ لا نسبة المسيح إلى مقام الألوهية؛ أن المسيح أخبر في نفس السياق بأنه سيصعد إلى إلهه. (انظر يوحنا ٢٠/ ١٧)، وعليه فمن العجب أن نقول بأن توما ينادي الإله (المسيح) الذي له إله آخر (سيصعد إليه)، فهذا الآخر إله الإله؛ إلا أن يكون معنى ألوهية المسيح عند توما معنى مجازي غير حقيقي.
ثم لو فهم المسيح من كلام توما أنه أراد ألوهيته على الحقيقة لما سكت ﵊ عن مثل هذا الكفر والتجديف، فقد رفض ﵇ أن يدعى صالحاً، لما ناداه بعض تلاميذه: "أيها المعلم الصالح ... فقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله " (متى ١٩/ ١٧)، فمن رفض دعاءه بـ"المعلم الصالح" كيف نتصور أن يقبل دعاءه "ربي وإلهي" على سبيل الحقيقة!؟
قول داود: "قال الرب لربي"
وأما الاستدلال بقول داود في المزامير "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (المزمور ١١٠/ ١)، فهو خروج بالنص عن معناه، لأن قول داود لا يراد به المسيح بحال من الأحوال، بل المراد منه المسيح المنتظر، الذي وعد به بنو إسرائيل، وهو نبينا ﷺ .
وقد أخطأ بطرس - والنصارى من بعده - حين فهم أن النص يراد به المسيح، فقال: "لأن داود لم يصعد إلى السموات. وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أعمال ٢/ ٣٤ - ٣٧).
ودليل الخطأ في فهم بطرس وفهم النصارى من بعده، أن عيسى ﵇ أنكر أن يكون هو
стр. 28
المسيح الموعود على لسان داود، وبرهن لهم ذلك حين "سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح (أي من هو المسيح الذي تنتظره اليهود؟)، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود".
لقد كانت إجابتهم خاطئة، فالمسيح القادم ليس من ذرية داود، لذا رد عليهم المسيح، فـ "قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦)، لم يستطيعوا جوابه لأن حجته مقنعة، فالأب لا يقول عن ابنه "ربي".
فالمسيح حسب إنجيلي متى ولوقا من ذرية داود ﵇، وعليه فليس هو المسيح المنتظر الذي ناداه داود: "ربي"، لأن الأب لا يقول ذلك لابنه "فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه! ".
ولمزيد من الإيضاح ننقل حوار المسيح مع الفريسيين برواية مرقس، فقد سألهم المسيح: " كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس ١٢/ ٣٥ - ٣٦)، كان سؤالاً استنكارياً أعياهم أن يجدوا له جواباً.
والقصة ذكرها لوقا أيضاً في إنجيله، ليزيد يقيننا بصحة المعنى الذي انتهينا إليه: "وقال لهم: كيف يقولون أن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإذا داود يدعوه رباً، فكيف يكون ابنه؟! " (لوقا ٢٠/ ٤٠ - ٤٤)، فالمسيح (المنتظر) المبشر به الذي يناديه داود: "ربي" ليس عيسى ﵇، الذي لا يختلف النصارى في أنه كان من ذرية داود كما جاء في نسَبيه في متى ولوقا.
وبعد هذا البيان من المسيح ﵇، نسأل الدكتور القس إبراهيم سعيد: هل ما زال مصراً على اتهامنا بالجهل والمكابرة لأننا لا نرى النص نبوءةً عن المسيح ﵇.
البشارة بـ (عمانوئيل)
وأما ما جاء في إشعيا من التنبؤ بقدوم (عمانوئيل)، فهو نص لا علاقة له بالمسيح، الذي لم يتسم بهذا الاسم أبداً، ولم ينادَ به إطلاقاً.
ولو عدنا إلى القصة في سفر إشعيا لوجدنا أنها تتحدث عن قصة حصلت قبل المسيح بسبعة قرون، حين تآمر راصين ملك أدوم مع فقح بن رمليا ملك مملكة إسرائيل الشمالية على آحاز ملك مملكة يهوذا
стр. 29
الجنوبية، فأعلمه الله بانتصاره على أعدائه وزوال الشر عن مملكة يهوذا، وجعل له علامة على ذلك، ميلاد الطفل (عمانوئيل) ليكون ذلك إيذاناً بخراب مملكتي راصين وفقح على يد الآشوريين، وموت الملكين المتآمرين على آحاز، يقول إشعيا: " ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلاً: .. ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه عمانوئيل. زبداً وعسلاً يأكل.
متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملِكَيها [راصين وفقح]، يجلب الرب عليك وعلى شعبك وعلى بيت أبيك أياماً لم تأتِ منذ يوم اعتزال أفرايم عن يهوذا أي ملك أشور.
ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصى ترع مصر وللنحل الذي في أرض أشور ... وقال لي الرب: خذ لنفسك لوحاً كبيراً، واكتب عليه بقلم إنسان: لمهير شلال حاش بز ... فحبلت وولدت ابناً، فقال لي الرب: ادعو اسمه: مهير شلال حاش بز، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو: يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (إشعياء ٧/ ١٠ - ٨/ ٤)، فالنص يتعلق بأحداث حصلت قبل المسيح بسبعة قرون، وذلك إبان الغزو الآشوري لفلسطين، وقد ولد هذا الغلام، وسماه أبوه (مهير شلال حاش بز)، تيمناً بانتصار الملِك آحاز، فاسمه يعني: (مُسرع إلى السلب مقدِم إلى النهب)، لأن الله معه (١).
وقد تحققت هذه النبوءة، وتحقق النصر للملك آحاز بمجيء الملك الآشوري وتسلطه على الملِكين الغازيين المتآمرين على مملكة يهوذا" ثم عاد الرب يكلمني أيضاً قائلاً: .. هوذا السيد يصعد عليهم مياه النهر القوية والكثيرة ملك أشور وكل مجده، فيصعد فوق جميع مجاريه، ويجري فوق جميع شطوطه، ويندفق إلى يهوذا، يفيض ويعبر، يبلغ العنق، ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل، هيجوا أيها الشعوب،
стр. 30
وانكسروا، واصغي يا جميع أقاصي الأرض، احتزموا وانكسروا، احتزموا وانكسروا، تشاوروا مشورة فتبطل، تكلموا كلمة فلا تقوم، لأن الله معنا" (إشعيا ٨/ ٥ - ١٠).
يقول محققو قاموس الكتاب المقدس عن الملك آحاز: " وقد تحالف رصين ملك آرام وفقح بن رمليا ملك إسرائيل ضد آحاز وحاصراه في أورشليم (٢ملوك ١٦: ٥، اش ٧: ١) فأرسل الرب إليه النبي أشعيا قبل وصول القوات الغازية، ليحثه على وجوب الاتكال على الرب وعدم دعوة قوات أجنبية لمعونته، ولكنه لم يؤمن بقول الرب، ورفض أن يطلب آية علامة منه. عندئذ نطق النبي بنبوته المشهورة الخاصة بميلاد عمانوئيل (اش ٧: ١ - ١٦) " (١).
ويجدر بالذكر أن النص الذي ذكره لوقا استخدم فيه ترجمة محرفة من سفر إشعيا، إذ لا ذكر لـ (العذراء) في الأصول العبرانية ولا في التراجم القديمة للتوراة مثل ترجمة أيكوئلا، وترجمة تهيودوشن، وترجمة سميكس التي تعود إلى القرن الميلادي الثاني، فالأصول العبرانية تتحدث عن (عَلماه)، التي تعني: الصبية أو الشابة، وليس فيها أي ذكر للفظة العذراء (بتولّا)، التي ابتدعها مترجمو الترجمة السبعينية، ونقلها عنهم الإنجيليون لموافقتها لهواهم (٢).
وفي النسخة المنقحة ( R.S.V) الصادرة عام ١٩٥٢م استبدلت كلمة (العذراء) في إشعيا بكلمة (الصبية)، ولكن هذا التنقيح لا يسري سوى على الترجمة الإنجليزية (٣).
الإله الابن صاحب الرئاسة
وبخصوص نبوءة النبي إشعيا " يولد لنا ولد، ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعيا ٩/ ٦)، فإن أياً من هذه الأسماء لم يتسم به المسيح ﵇، فأين سمي عجيباً أو مشيراً أو قديراً أو أباً أو رئيس السلام، فليس في الكتاب المقدس نص يذكر أنه سمي بأي من هذه الأسماء.
فإن قالوا: المراد أن هذه صفات هذا الابن الموعود، فهي أيضاً لا تنطبق على المسيح بحال، فهي تتحدث عن نبي غالب منتصر يملك على قومه، ويكون وارثاً لملك
стр. 31
داود، وكل هذا ممتنع في حق المسيح، ممتنع بدليل الواقع والنصوص.
فالمسيح ﵇ لم يملك على قومه يوماً واحداً، بل كان فاراً من بني إسرائيل، خائفاً من بطشهم، كما هرب من قومه حين أرادوه أن يملك عليهم. "وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده" (يوحنا ٦/ ١٥).
لقد هرب منهم، وذلك لأن مملكته ليست دنيوية زمانية، ليست على كرسي داود، بل هي مملكة روحية في الآخرة "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا ١٨/ ٣٦).
كما أن إشعيا يتحدث عن رئيس السلام، وهو لا ينطبق بحال على الذي نسبت إليه الأناجيل أنه قال: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنّة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته " (متى ١٠/ ٣٤ - ٣٦)، فهل يسمى المسيح الإنجيلي بعد ذلك رئيس السلام؟
ثم إن النبي إشعيا يتحدث عن شخص قدير "ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً "، وليس عن بشر محدود لا يقدر أن يصنع من نفسه شيئاً كما قال عن نفسه: " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين" (يوحنا ٥/ ٣٠)، وفي نص آخر يقول لليهود: "الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا ٥/ ١٩) (١).
стр. 32
ثم إن الكتاب المقدس يمنع أن يكون المسيح ملكاً على بني إسرائيل، فقد حرم الله الملك على ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا أحد أجداد المسيح، فقد ملك على مملكة يهوذا، فأفسد، فقال الله فيه: "هكذا قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً، وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم " (إرميا ٣٦/ ٣٠ - ٣١).
والمسيح - حسب الأناجيل - من ذرية هذا الملك الفاسق، يقول متى في سياق نسب المسيح: " وآمون ولد يوشيا، ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل " (متى ١/ ١٠ - ١١)، وقد أسقط متعمداً اسم يهوياقيم، فذكر أباه يوشيا، وابنه يكينيا.
وبيان ذلك في سفر الأيام الأول "بنو يوشيا: البكر: يوحانان، الثاني: يهوياقيم، الثالث: صدقيا، الرابع: شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (١) ٣/ ١٤ - ١٥)، فيهوياقيم أحد أجداد المسيح، وهذا يمنع تحقق نبوءة إشعيا في المسيح، فالملِك القادم لن يكون من ذرية المحروم يهوياقيم.
إطلاقات لفظ الألوهية والربوبية في الكتاب المقدس
وليس في وصف المسيح ﵇ بالرب أو الإله أي دلالة على ألوهية المسيح، لأن إطلاقهما على المخلوقات معهود في الكتاب المقدس.
فمما ورد في كتب أهل الكتاب إطلاق لفظة "الرب" و "الإله" على الملائكة، فقد جاء في سفر القضاة، وهو يحكي عن ظهور ملاك الرب لمنوح وزوجه: " ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وامرأته، حينئذ عرف منوح أنه ملاك الرب، فقال منوح
стр. 33
لامرأته: نموت موتاً، لأننا قد رأينا الله" (القضاة ١٣/ ٢١ - ٢٢)، ومراده ملاك الله.
وظهر ملاك الله لسارة وبشرها بإسحاق "وقال لها ملاك الرب ... فدعت اسم الرب الذي تكلم معها: أنت إيل رئي" (التكوين ١٦/ ١١ - ١٣) فأطلقت على الملاك اسم الرب.
ومثله تسمية الملاك الذي صحب بني إسرائيل في رحلة الخروج بالرب "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم ... فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم " (الخروج ١٣/ ٢١ - ١٤/ ١٩)، فسمى الملاك رباً.
ومما جاء في التوراة إطلاق هذه الألفاظ على الأنبياء، من غير إرادة معناها الحقيقي، فقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلهاً " (الخروج ٤/ ١٦).
ومثله في قول الله لموسى: " فقال الرب لموسى: انظر. أنا جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيّك" (الخروج ٧/ ١) أي: مسلطاً عليه.
وقد عهد تسمية الأنبياء (الله) مجازاً أي رسل الله، فقد "كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل الله: هلم نذهب إلى الرائي، لأن النبي اليوم كان يدعى سابقاً الرائي" (صموئيل (١) ٩/ ٩).
وأطلقت لفظة "الله" وأريد منها القضاة، لأنهم يحكمون بشرع الله، ففي سفر الخروج "إن قال العبد ... يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب ... " (الخروج٢١/ ٥ - ٦).
وفي السفر الذي يليه: "وإن لم يوجد السارق يقدم صاحب البيت إلى الله ليحكم هل لم يمد يده إلى ملك صاحبه ... فالذي يحكم الله بذنبه يعوض صاحبه" (الخروج ٢٢/ ٨ - ٩).
стр. 34
وفي سفر التثنية "يقف الرجلان اللذان بينهما الخصومة أمام الرب أمام الكهنة" (التثنية ١٩/ ١٧).
ومثله "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي، حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار" (المزمور ٨٢/ ١)، والحديث كما هو ظاهر من السياق عن أشراف بني إسرائيل وقضاتهم.
بل يمتد هذا الإطلاق ليشمل كل بني إسرائيل كما في قول داود في مزاميره: " أنا قلت: إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم، لكن مثل الناس تموتون" (المزمور ٨٢/ ٦)، وهذا الذي استشهد به عيسى ﵇ عندما قال: " أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله. ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الآب، وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله " (يوحنا ١٠/ ٣٤).
وتستمر الكتب في إطلاق هذه الألفاظ حتى على الشياطين، والآلهة الباطلة للأمم، فقد سمى بولس الشيطان إلهاً، كما سمى البطن إلهاً، وأراد المعنى المجازي، فقال عن الشيطان: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (كورنثوس (٢) ٤/ ٥)، وقال عن الذين يتبعون شهواتهم ونزواتهم: "الذين إلههم بطنهم، ومجدهم في خزيهم .. " (فيلبي ٣/ ١٩). ومثله ما جاء في المزامير " لأني أنا قد عرفت أن الرب عظيم، وربنا فوق جميع الآلهة" (المزمور ١٣٥/ ٥)، وألوهية البطن وسواها ألوهية مجازية غير حقيقية.
جاء في "شرح أصول الإيمان": "موسى تسمى (إلهاً) من الله ذاته، دلالة على نيابته عن الباري لدى فرعون، وليس لكونه اتصف بصفات إلهية، وكذلك القضاة تسموا (آلهة) لكونهم ينفذون مقاصد الله، وأما الأصنام والبطن والمال فقد سميت بذلك
стр. 35
لاتخاذ بعض الناس إياها آلهة، والشيطان تسمى (إلهاً) لتسلطه على العالم الحاضر" (١).
فهذه لغة الكتاب المقدس في التعبير، والتي يخطئ من يصر على فهم ألفاظها حرفياً كما يخطئ أولئك الذين يفرقون بين المتشابهات، فألوهية هؤلاء جميعاً مجازية، وكذا ألوهية المسيح، سواء بسواء.
وفي كتاب "مرشد الطالبين" يقول الدكتور سمعان كهلون: وأما اصطلاح الكتاب المقدس؛ فإنه ذو استعارات وافرة غامضة خاصة العهد العتيق .. واصطلاح العهد الجديد أيضاً هو استعاري جداً، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحاً حرفياً ... " (٢).
كما أن المسيح ﵇ وهو يسمع بمثل هذه الاستعارات والآلهة المجازية أوضح بأن ثمة إلهاً حقيقياً واحداَ، هو الله، فقال: "الحياة الأبدية أن يعرفوك، أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧/ ٣)، وهي ما تعني بوضوح أن الجنة وحياتها الأبدية لا تنال إلا بالشهادة لله بالتوحيد، ولنبيه وصفيه المسيح ﵇ بالرسالة، وهو ما يعتقده المسلمون فيه ﵊.
стр. 36
ثانياً: نصوص بنوة المسيح لله
وتتحدث نصوص إنجيلية عن المسيح ﵇، وتذكر أنه ابن الله، ويراها النصارى أدلة صريحة على ألوهية المسيح، فهل يصح هذا الاستدلال منهم؟ وما هو معنى البنوة لله؟
هل سمى المسيح نفسه ابن الله ؟
أول ما يلفت المحققون النظر إليه أنه لم يرد عن المسيح ﵇ في الأناجيل- تسميته لنفسه بابن الله سوى مرة واحدة في يوحنا (١٠/ ٣٦)، وفيما سوى ذلك فإن الأناجيل تذكر أن معاصريه وتلاميذه كانوا يقولون بأنه ابن الله، ولذلك فإن المحققين يشككون في صدور هذه الكلمات من المسيح ﵇ أو تلاميذه، يقول سنجر في كتابه "قاموس الإنجيل": ليس من المتيقن أن عيسى نفسه قد استخدم ذلك التعبير".
ويقول شارل جنيبر: " والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي: أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله ... فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية" (١).
وقد قال العالم كولمن بخصوص هذا اللقب: "إن الحواريين الذين تحدث عنهم أعمال الرسل تأسَوا بمعلمهم الذي تحفظ على استخدام هذا اللقب ولم يرغب به، فاستنوا بسنته".
ويرى جنيبر أن المفهوم الخاطئ وصل إلى الإنجيل عبر الفهم غير الدقيق من
стр. 37
المتنصرين الوثنيين فيقول: "مفهوم "ابن الله" نبع من عالم الفكر اليوناني".
ويرى القس السابق سليمان مفسر - ويوافقه الدكتور شارل جنيبر - أن بولس هو أول من استعمل الكلمة، وكانت حسب لغة المسيح (عبد الله) وترجمتها اليونانية servant، فأبدلها بالكلمة اليونانية pais بمعنى طفل أو خادم تقرباً إلى المتنصرين الجدد من الوثنيين (١).
المسيح ابن الإنسان
ثم إن هذه النصوص التي تصف المسيح ﵇ (ابن الله) معارضة بثلاثة وثمانين نصاً من النصوص التي لقَّبت المسيح (ابن الإنسان)، ذلك اللقب الذي يرى الأب متى المسكين أن المسيح أعطاه لنفسه "ليخفي وراءه حقيقة ومجد بنوته لله حينما يتكلم عن نفسه" (٢)، ولنا أن نتساءل: لِمَ يُخفي المسيح عنا هذه المسألة المهمة، لم لا يواجهنا بحقيقة ألوهيته؟ لماذا يستر عنا لاهوته بهذا اللقب الذي يصرخ في وجوه مدعي ألوهيته بأنه إنسان وابن الإنسان؟! فالكتاب يخبرنا: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن انسان فيندم" (العدد ٢٣/ ١٩).
فلئن كانت النصوص التي أسمته ابن الله دالة على ألوهيته فإن هذه مؤكدة لبشريته، صارفة تلك الأخرى إلى المعنى المجازي، حتى لا تتصادم النصوص.
ومنها قول متى: " قال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له، أين يسند رأسه" (متى ٨/ ٢٠)، وأيضاً قوله: " ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه" (مرقس ١٤/ ٢١)، وقد جاء في التوراة: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد ٢٣/ ١٩). فالمسيح ليس الله.
стр. 38
أبناء كثر لله، فهل هم أيضاً آلهة ؟
ولفظ البنوة الذي أطلق على المسيح أطلق كذلك في الكتاب على كثيرين غيره، ولم يقتضِ ذلك ألوهيتهم، بل حملت اليهود والنصارى بنوتهم على المعنى المجازي، أي المؤمنين والصالحين.
منهم آدم الذي قيل فيه: "آدم ابن الله" (لوقا ٣/ ٣٨).
ومثله داود الذي قيل له: " أنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (المزمور ٢/ ٧).
وسليمان أيضاً قيل أنه ابن الله، فقد جاء في سفر الأيام عنه: "هو يبني لي بيتاً ... أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (الأيام (١) ١٧/ ١٢ - ١٣).
كما سمى لوقا الملائكةَ (أبناء الله) لشيوع مثل هذه الاستخدام في الصدر الأول للمسيحية "مثلَ الملائكةِ وهم أبناء الله " (لوقا ٢٠/ ٣٦).
وسمت النصوص المقدسة أيضاً آخرين (أبناء الله)، أو ذكرت أن الله أبوهم، ومع ذلك لا يقول النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله، فقد قال المسيح عنهم: " قولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " (يوحنا ٢٠/ ١٧).
وقال للتلاميذ أيضاً: " فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (متى ٥/ ٤٨).
وعلمهم المسيح أن يقولوا: "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك .. " (متى ٦/ ٩)، وقال: " أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٦/ ١١)، فكان يوحنا يقول: " انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله" (يوحنا (١) ٣/ ١).
بل واليهود أيضاً كلهم أبناء الله كما يوضحه قول المسيح لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله" (يوحنا ٨/ ٤١).
стр. 39
وفي سفر هوشع "يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي، يقال لهم: أبناء الله الحي" (هوشع ١/ ١٠).
ومن ذلك أيضاً ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب إسرائيل " فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر. فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني، فأبيت" (الخروج ٤/ ٢٢).
وخاطبهم داود قائلاً: "قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب مجداً وعزّاً" (المزمور ٢٩/ ١).
ومثله قوله: "لأنه من في السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله" (المزمور ٨٩/ ٦).
وفي سفر أيوب: "كان ذات يوم أنه جاء بنو الله، ليمثلوا أمام الرب " (أيوب ١/ ٦).
وقال الإنجيل عنهم: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى ٥/ ٩).
وعن المؤمنين يقول بولس: "فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان" (أعمال ١٧/ ٢٩)، فوسم المؤمنين بأنهم ذرية الله، أي المحبون والمطيعون لله.
كما نرى في التوراة هذا الإطلاق على الشرفاء والأقوياء من غير أن يفهم منه النصارى أو غيرهم الألوهية الحقيقية، فقد جاء فيها: "أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... إذ دخل بنو الله على بنات الناس، وولدن لهم أولاداً، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم" (التكوين ٦/ ٢).
стр. 40
وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المتحدثة عن بنوة المسيح لله أدلة على ألوهيته ثم يمنعوا إطلاق حقيقة ذات اللفظ على آدم وسليمان وغيرهما، وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي يحتاج إلى مرجح لا يملكونه ولا يقدرون عليه.
وحين أراد اليهود اختلاق تهمة وتلفيقها للمسيح قالوا بأنه قد جدف (١) لأنه يزعم أنه ابن الله على الحقيقة لا المجاز، فبكتهم المسيح، ورد عليهم مثبتاً مجازية هذه البنوة، كما هو لسان المقال دائماً في الكتاب، فهو يجعل كل اليهود أبناء الله مجازاً، فقال ﵇: " إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي .. " (يوحنا١٠/ ٣٧)، أي كما وصفكم كتابكم بأنكم آلهة مجازاً؛ فأنا كذلك ابن الله مجازاً، سواء بسواء.
معنى البنوة الصحيح
والمعنى المقصود للبنوة في كل ما قيل عن المسيح ﵇ وغيره إنما هو معنى مجازي بمعنى: حبيب الله، أو مطيع الله، أو المؤمن بالله.
لذلك قال مرقس وهو يحكي عبارة قائد المائة الذي شاهد المصلوب وهو يموت فقال: "حقاً كان هذا الإنسان ابن الله" (مرقس ١٥/ ٣٩).
ولما حكى لوقا القصة نفسها أبدل العبارة بمرادفها فقال: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارّاً" (لوقا ٢٣/ ٤٧).