← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 95570

الله جل جلاله واحد أم ثلاثة

منقذ السقار

Полный текст (220 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانياً: نصوص بنوة المسيح لله وتتحدث نصوص إنجيلية عن المسيح ﵇، وتذكر أنه ابن الله، ويراها النصارى أدلة صريحة على ألوهية المسيح، فهل يصح هذا الاستدلال منهم؟ وما هو معنى البنوة لله؟ هل سمى المسيح نفسه ابن الله ؟ أول ما يلفت المحققون النظر إليه أنه لم يرد عن المسيح ﵇ في الأناجيل- تسميته لنفسه بابن الله سوى مرة واحدة في يوحنا (١٠/ ٣٦)، وفيما سوى ذلك فإن الأناجيل تذكر أن معاصريه وتلاميذه كانوا يقولون بأنه ابن الله، ولذلك فإن المحققين يشككون في صدور هذه الكلمات من المسيح ﵇ أو تلاميذه، يقول سنجر في كتابه "قاموس الإنجيل": ليس من المتيقن أن عيسى نفسه قد استخدم ذلك التعبير". ويقول شارل جنيبر: " والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي: أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله ... فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية" (١). وقد قال العالم كولمن بخصوص هذا اللقب: "إن الحواريين الذين تحدث عنهم أعمال الرسل تأسَوا بمعلمهم الذي تحفظ على استخدام هذا اللقب ولم يرغب به، فاستنوا بسنته". ويرى جنيبر أن المفهوم الخاطئ وصل إلى الإنجيل عبر الفهم غير الدقيق من

стр. 37

المتنصرين الوثنيين فيقول: "مفهوم "ابن الله" نبع من عالم الفكر اليوناني". ويرى القس السابق سليمان مفسر - ويوافقه الدكتور شارل جنيبر - أن بولس هو أول من استعمل الكلمة، وكانت حسب لغة المسيح (عبد الله) وترجمتها اليونانية servant، فأبدلها بالكلمة اليونانية pais بمعنى طفل أو خادم تقرباً إلى المتنصرين الجدد من الوثنيين (١). المسيح ابن الإنسان ثم إن هذه النصوص التي تصف المسيح ﵇ (ابن الله) معارضة بثلاثة وثمانين نصاً من النصوص التي لقَّبت المسيح (ابن الإنسان)، ذلك اللقب الذي يرى الأب متى المسكين أن المسيح أعطاه لنفسه "ليخفي وراءه حقيقة ومجد بنوته لله حينما يتكلم عن نفسه" (٢)، ولنا أن نتساءل: لِمَ يُخفي المسيح عنا هذه المسألة المهمة، لم لا يواجهنا بحقيقة ألوهيته؟ لماذا يستر عنا لاهوته بهذا اللقب الذي يصرخ في وجوه مدعي ألوهيته بأنه إنسان وابن الإنسان؟! فالكتاب يخبرنا: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن انسان فيندم" (العدد ٢٣/ ١٩). فلئن كانت النصوص التي أسمته ابن الله دالة على ألوهيته فإن هذه مؤكدة لبشريته، صارفة تلك الأخرى إلى المعنى المجازي، حتى لا تتصادم النصوص. ومنها قول متى: " قال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له، أين يسند رأسه" (متى ٨/ ٢٠)، وأيضاً قوله: " ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه" (مرقس ١٤/ ٢١)، وقد جاء في التوراة: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد ٢٣/ ١٩). فالمسيح ليس الله.

стр. 38

أبناء كثر لله، فهل هم أيضاً آلهة ؟ ولفظ البنوة الذي أطلق على المسيح أطلق كذلك في الكتاب على كثيرين غيره، ولم يقتضِ ذلك ألوهيتهم، بل حملت اليهود والنصارى بنوتهم على المعنى المجازي، أي المؤمنين والصالحين. منهم آدم الذي قيل فيه: "آدم ابن الله" (لوقا ٣/ ٣٨). ومثله داود الذي قيل له: " أنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (المزمور ٢/ ٧). وسليمان أيضاً قيل أنه ابن الله، فقد جاء في سفر الأيام عنه: "هو يبني لي بيتاً ... أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (الأيام (١) ١٧/ ١٢ - ١٣). كما سمى لوقا الملائكةَ (أبناء الله) لشيوع مثل هذه الاستخدام في الصدر الأول للمسيحية "مثلَ الملائكةِ وهم أبناء الله " (لوقا ٢٠/ ٣٦). وسمت النصوص المقدسة أيضاً آخرين (أبناء الله)، أو ذكرت أن الله أبوهم، ومع ذلك لا يقول النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله، فقد قال المسيح عنهم: " قولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " (يوحنا ٢٠/ ١٧). وقال للتلاميذ أيضاً: " فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (متى ٥/ ٤٨). وعلمهم المسيح أن يقولوا: "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك .. " (متى ٦/ ٩)، وقال: " أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٦/ ١١)، فكان يوحنا يقول: " انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله" (يوحنا (١) ٣/ ١). بل واليهود أيضاً كلهم أبناء الله كما يوضحه قول المسيح لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله" (يوحنا ٨/ ٤١).

стр. 39

وفي سفر هوشع "يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي، يقال لهم: أبناء الله الحي" (هوشع ١/ ١٠). ومن ذلك أيضاً ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب إسرائيل " فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر. فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني، فأبيت" (الخروج ٤/ ٢٢). وخاطبهم داود قائلاً: "قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب مجداً وعزّاً" (المزمور ٢٩/ ١). ومثله قوله: "لأنه من في السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله" (المزمور ٨٩/ ٦). وفي سفر أيوب: "كان ذات يوم أنه جاء بنو الله، ليمثلوا أمام الرب " (أيوب ١/ ٦). وقال الإنجيل عنهم: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى ٥/ ٩). وعن المؤمنين يقول بولس: "فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان" (أعمال ١٧/ ٢٩)، فوسم المؤمنين بأنهم ذرية الله، أي المحبون والمطيعون لله. كما نرى في التوراة هذا الإطلاق على الشرفاء والأقوياء من غير أن يفهم منه النصارى أو غيرهم الألوهية الحقيقية، فقد جاء فيها: "أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... إذ دخل بنو الله على بنات الناس، وولدن لهم أولاداً، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم" (التكوين ٦/ ٢).

стр. 40

وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المتحدثة عن بنوة المسيح لله أدلة على ألوهيته ثم يمنعوا إطلاق حقيقة ذات اللفظ على آدم وسليمان وغيرهما، وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي يحتاج إلى مرجح لا يملكونه ولا يقدرون عليه. وحين أراد اليهود اختلاق تهمة وتلفيقها للمسيح قالوا بأنه قد جدف (١) لأنه يزعم أنه ابن الله على الحقيقة لا المجاز، فبكتهم المسيح، ورد عليهم مثبتاً مجازية هذه البنوة، كما هو لسان المقال دائماً في الكتاب، فهو يجعل كل اليهود أبناء الله مجازاً، فقال ﵇: " إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي .. " (يوحنا١٠/ ٣٧)، أي كما وصفكم كتابكم بأنكم آلهة مجازاً؛ فأنا كذلك ابن الله مجازاً، سواء بسواء. معنى البنوة الصحيح والمعنى المقصود للبنوة في كل ما قيل عن المسيح ﵇ وغيره إنما هو معنى مجازي بمعنى: حبيب الله، أو مطيع الله، أو المؤمن بالله. لذلك قال مرقس وهو يحكي عبارة قائد المائة الذي شاهد المصلوب وهو يموت فقال: "حقاً كان هذا الإنسان ابن الله" (مرقس ١٥/ ٣٩). ولما حكى لوقا القصة نفسها أبدل العبارة بمرادفها فقال: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارّاً" (لوقا ٢٣/ ٤٧).

стр. 41

ومثل هذا الاستخدام وقع من يوحنا حين تحدث عن أولاد الله المؤمنين، فقال: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنون باسمه" (يوحنا ١/ ١٢)، وهذا التفسير المهم للبنوة "أي المؤمنون باسمه" أزعج طابعي الكتاب المقدس، فحذفه الكثير منهم من طبعات الكتاب المقدس الحديثة، كالرهبانية اليسوعية والترجمة العربية المشتركة والأخبار السارة. ومثل هذا المعنى للبنوة نفهمه من كلام بولس: "كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رومية ٨/ ١٤)، وهو مفهوم شائع ومعهود في الكتب المقدسة التي تحدثت عن أبناء الشيطان، وأبناء الدهر (الدنيا) .. (انظر يوحنا ٨/ ٤٤، لوقا ١٦/ ٨). هل ادعى المسيح بنوة حقيقة تجعله معادلاً لله ؟ ومما يحتج به النصارى على ألوهية المسيح زعمهم أنه جعل نفسه معادلاً لله، فقد قال يوحنا: "كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط؛ بل قال أيضاً أن الله أبوه، معادلاً نفسه بالله" (يوحنا ٥/ ١٨)، ولا ريب أن بتر النص وعرضه بهذه الطريقة يجعله دليلاً ينطلي على البسطاء، فكلام يوحنا المبتور من سياقه يشير إلى أن المسيح جعل نفسه معادلاً لله، وهذا غير صحيح. ولفهم النص نعود إلى السياق، حيث شفى المسيح مريضاً في يوم السبت، وهو ما اعتبره اليهود نقضاً للسبت، فـ "كان اليهود يطردون يسوع، ويطلبون أن يقتلوه، لأنه عمل هذا في سبت" (يوحنا ٥/ ١٦)، لكن المسيح برر لهم عمله في السبت "فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يوحنا ٥/ ١٧)، أي كما الله يعمل في سائر الأيام؛ أنا كذلك أصنع الخير. لكن اليهود وهم يريدون أن يثيروا مشكلة مع المسيح؛ اعتبروا قوله: "أبي يعمل" تعظيماً لنفسه وادعاءً للبنوة الحقيقية، فهذا القول (البنوة) - المعهود على المعنى المجازي لديهم - اعتبروه من المسيح كفراً وتجديفاً، وأن معناه أنه "معادلاً نفسه بالله"، فزاد

стр. 42

حرصهم على قتله "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضاً: إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله" (يوحنا ٥/ ١٨). فرد عليهم المسيح بخطبة طويلة (انظر يوحنا ٥/ ١٩ - ٤٧) أكد فيها جملة من المعاني التي تدفع فريتهم، وتكشف زيف ادعائهم، وتفند استدلال النصارى بهذا النص على ألوهيته، ولسوف نستخلص هذه المعاني من كلام المسيح، ونرتبها حسب موضوعها: أولاً: أكد المسيح تبعيته للأب حين عمل في السبت، فإنه لا يعمل عملاً إلا وهو موافق فيه ربه "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا ٥/ ١٩). ثانياً: تحدث عن أمور عظيمة دفعها الله إليه " لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء، لأن الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن ... لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً" (يوحنا ٥/ ٢١ - ٢٧)، لكن هذه العطايا جميعاً أعطيت له من الله، ولا يعني ذلك أنه إله، فالإله يصنع هذا كله من نفسه، ومن غير أن يدفع إليه أحد سلطانه. لقد أوضح المسيح أن هذه العطايا لن تجعله إلهاً، لماذا؟ لأنها دفعت إليه مع اعتبار إنسانيته، لا ألوهيته، يقول: " وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان" (يوحنا ٥/ ٢٧)، وليس لأنه ابن الله. وأكد المسيح على أنه ليس له سلطان من نفسه، وأنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا

стр. 43

أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا ٥/ ٣٠)، نعم لأنه ابن الإنسان، وليس لأنه ابن الله بالطبيعة أو الأقنوم الثاني المتجسد في الناسوت كما زعمت المجامع الكنسية. وهذا السلطان العظيم دفعه الله إليه، لأمرين: أولهما: " لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله"، وثانيهما: ليثبت دعواه بالنبوة، فيتعجبوا ويؤمنوا به ويكرموه "وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم .... لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله ... لأن الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها، هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها؛ هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني" (يوحنا ٥/ ٢٠، ٢٣، ٣٦). ثالثاً: أكد المسيح شهادة الله له بالصدق، فقال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً، الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق ... والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (يوحنا ٥/ ٣١ - ٣٧). وهذه الشهادة مسجلة في الكتب السابقة التي كانت تشهد له "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي ... لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يوحنا ٥/ ٣٩، ٤٧)، ولا يوجد في شيء من كتب موسى التي تحمل شهادة الله المقبولة عند المسيح واليهود، لا يوجد في شيء منها البشارة بإله يتجسد ويصلب، بل كانت تشهد بمجيء نبي كريم، ألا يزعمون بأن موسى بشّر بالمسيح حين قال: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك" (التثنية ١٨/ ١٨)؟ وممن شهد للمسيح بالحق النبيُّ العظيم يوحنا المعمدان، لكن المسيح يستغني عن

стр. 44

هذه الشهادة الصادقة من المعمدان بشهادة الله المسجلة في كتبهم التي يؤمنون بها " أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق، وأنا لا أقبل شهادة من إنسان ... وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا" (يوحنا ٥/ ٣٣ - ٣٦)، وليس في كلام المعمدان عن المسيح ما يشير إلى ألوهية المسيح، بل أرسل يسأل المسيح إن كان هو المسيح المنتظر الذي تنتظره اليهود أم لا؟ (انظر متى ١١/ ٣). رابعاً: أكد المسيح المغايرة بينه وبين الله حين قال: "لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله .. الذي يشهد لي هو آخر .. والآب نفسه الذي أرسلني يشهد .. لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب" (يوحنا ٥/ ٢٠، ٣٢، ٣٧، ٤٥)، فكل هذا يشهد بأن المسيح غير الله، فالمحبوب غير المحِب، والشاهد غير الذي يُشهد له، والمرسِل غير المرسَل، والشاكي غير المشتكى إليه. خامساً: أخبر المسيح اليهود أن الإيمان به والتصديق بكلامه هو سبيل الحياة الأبدية "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنا ٥/ ٢٤). وأما الذين لا يؤمنون به فسيصدق فيهم قول المسيح: "ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة .. ولكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم، أنا قد أتيت باسم أبي، ولستم تقبلونني، إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟ " (يوحنا ٥/ ٤٠ - ٤٤). وهكذا نرى بأن المسيح لم يجعل نفسه معادلاً للإله الواحد الحق، ولا ادعى أن ما أوتيه من سلطان من عند نفسه، بل أقر بأنه عطية الله التي أكرمه بها.

стр. 45

بكورية المسيح بين الأبناء لكن النصارى يرون تميزاً مستحقاً للمسيح في بنوته عن سائر الأبناء، فهم لا ينازعون في صحة الإطلاق المجازي عندما ترد لفظ البنوة بحق سائر المخلوقات. لكن النزاع إنما يكمن في تلك الأوصاف التي أطلقت على المسيح ويثبتها النصارى على الحقيقة محتجين بأمور، منها: أنه قد جاء وصف المسيح بأنه الابن البكر أو الوحيد لله. (انظر عبرانيين ١/ ٦، يوحنا ٣/ ١٨) أو أنه سمي ابن الله العلي (انظر لوقا ١/ ٣٢، ٧٦)، أو أنه ابن ليس مولوداً من هذا العالم كسائر الأبناء، بل هو مولود من السماء، أو من فوق. (انظر يوحنا ١/ ١٨). ولكن ذلك كله تثبت النصوص أمثاله لأبناء آخرين. فالبكورية وصف بها إسرائيل: " إسرائيل ابني البكر" (الخروج ٤/ ٢٢ - ٢٣). وكذا إفرايم "لأني صرت لإسرائيل أباً، وإفرايم هو بكري" (إرميا ٣١/ ٩). وكذا داود "هو يدعوني: أنت أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا أيضاً أجعله بكراً، فوق ملوك الأرض علياً" (المزمور ٨٩/ ٢٦ - ٢٧). ولئن قيل في المسيح أنه ابن الله العلي، فكذلك سائر بني إسرائيل "وبنو العلي كلكم" (المزمور ٨٢/ ٦). وكذا تلاميذ المسيح فهم أيضاً بنو العلي " أحبوا أعداءكم ... فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي" (لوقا ٦/ ٣٥). الابن النازل من السماء وتعلق مؤلهو المسيح بما ذكرته الأناجيل عن المسيح الذي أتى من فوق أو من

стр. 46

السماء، و"الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع" (يوحنا ٣/ ٣١)، وهم يرون صورة ألوهيته مشرقة في قوله: " أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم" (يوحنا ٨/ ٢٣)، فدل ذلك - وفق رأي النصارى - على أنه كائن إلهي فريد، وهو ابن لا كسائر الأبناء. لكن المقصود من المجيء السماوي هو إتيان المواهب والشريعة لا إتيان الذات، وهو أمر يستوي به مع سائر الأنبياء، ومنهم يوحنا المعمدان فقد سأل المسيح اليهود: "معمودية يوحنا من أين كانت من السماء؟ أم من الناس؟ ففكروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء، فيقولوا لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، نخاف من الشعب ... " (متى ٢١/ ٢٥ - ٢٦). وأما النازلون على الحقيقة من السماء فهم كثر، ولا تعتبر النصارى أيا منهم آلهة، منهم الملائكة، "لأن ملاك الرب نزل من السماء" (متى ٢٨/ ٢). وكذا صعد أخنوخ إلى السماء "وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد، لأن الله أخذه" (التكوين ٥/ ٢٤)، ومن المعلوم أن "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يوحنا ٣/ ١٣)، فأخنوخ مثله، ولا يقولون بألوهيته. وكذا إيليا صعد إلى السماء "ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء" (الملوك (٢) ٢/ ١١). كما تذكر الأناجيل أن التلاميذ، هم أيضاً مولودون من فوق أو من الله، أي هم مؤمنون به، ففي يوحنا: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يوحنا ١/ ١٢). فالمقصود بالولاد؛ الولاد الروحي، بحيث يتغير قلب الإنسان الخاطئ تغيراً عظيماً كاملاً مستمراً، كأنه ولد ثانية، ويحدث ذلك عند توبته وإيمانه.

стр. 47

والمؤمنون بالمسيح ﵇ جميعاً مولودون من فوق بما أعطاهم الله من الإيمان، فهم كسائر المؤمنين كما قال المسيح: "الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يوحنا ٣/ ٣). وكذا قال: "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله" (يوحنا (١) ٥/ ١)، فكل "من يصنع البر مولود منه" (يوحنا (١) ٢/ ٢٩). وقول المسيح ﵇: " أما أنا فلست من هذا العالم " ليس دليلاً على الألوهية بحال، فمراده اختلافه عن سائر البشر باستعلائه على العالم المادي، بل هو من فوق ذلك الحطام الذي يلهث وراءه سائر الناس. وقد قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضاً بعد أن لمس فيهم حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، فقال: " لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته، لكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لذلك يبغضكم العالم" (يوحنا ١٥/ ١٩). وفي موضع آخر قال عنهم: " أنا قد أعطيتهم كلامك، والعالم أبغضهم، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم" (١٧/ ١٤ - ١٥)، فقال في حق تلاميذه ما قاله في حق نفسه من كونهم جميعاً ليسوا من هذا العالم، فلو كان هذا على ظاهره، وكان مستلزماً الألوهية، للزم أن يكون التلاميذ كلهم آلهة، لكن تعبيره في ذلك كله نوع من المجاز، كما يقال: فلان ليس من هذا العالم، يعني أنه لا يعيش للدنيا ولا يهتم بها، بل همُّهُ دوماً رضا الله والدار الآخرة.

стр. 48

ثالثاً: نصوص الحلول الإلهي في المسيح ويرى النصارى أن بعض النصوص المقدسة تفيد حلولاً إلهياً في عيسى ﵇، منها قوله: "لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ، وأنا فيه" (يوحنا ١٠/ ٣٨)، وفي موضع آخر: "الذي رآني فقد رأى الآب ... الآب الحال فيّ " (يوحنا ١٤/ ٩ - ١٠)، ويبقى أقوى أدلة النصارى على ألوهية المسيح قوله: "أنا والآب واحد" (يوحنا ١٠/ ٣٠). فهذه النصوص أفادت - حسب قول النصارى - أن المسيح هو الله، أو أن لله حلولاً حقيقياً فيه. حلول الله المجازي على مخلوقاته وقد تتبع المحققون هذه النصوص، فأبطلوا استدلال النصارى بها، وبينوا سوء فهمهم لها. فأما ما جاء من ألفاظ دلت على أن المسيح قد حلّ فيه الله - على ما فهمه النصارى - فإن فهمهم لها مغلوط. ذلك أن المراد بالحلول حلول مجازي كما جاء في حق غيره بلا خلاف، ونقول مثله في مسألة الحلول في المسيح. فالله - حسب الكتاب المقدس- يحل في كثيرين، أي حلول المواهب الإلهية، لا حلول الذات العلية التي تتن الحلول في المخلوقات المحدودة، فقد جاء في رسالة يوحنا "من اعترف بأن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه، وهو في الله، ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله، والله فيه" (يوحنا (١) ٤/ ١٥ - ١٦)، فحلول الله في الذين اعترفوا بالمسيح ليس بحلول ذوات، وإلا كانوا جميعاً آلهة.

стр. 49

ومثله فإن الله يحل مجازاً في كل من يحفظ الوصايا ولا يعني ذلك ألوهيتهم، ففي رسالة يوحنا: "ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه، وهو فيه، وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (يوحنا (١) ٣/ ٢٤)، فليس المقصود تقمص الذات الإلهية لهؤلاء الصالحين، بل حلول هداية الله وتأييده عليهم. وكذا الذين يحبون بعضهم لله؛ فإن الله يحل فيهم برحمته، لا بذاته "إن أحب بعضنا بعضاً؛ فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكملت فينا، بهذا نعرف أننا نثبت فيه، وهو فينا" (يوحنا (١) ٤/ ١٢ - ١٣). وكما في قوله عن التلاميذ: " أنا فيهم، وأنت في" (يوحنا ١٧/ ٢٢). ومثله يقول بولس عن المؤمنين: "فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً" (كورنثوس (٢) ٦/ ١٦ - ١٧)، ويقول: "وأما أنتم فجسد المسيح" (كورنثوس (١) ١٢/ ٢٧)، فالحلول في كل ذلك مجازي. فقد أفادت هذه النصوص حلولاً إلهياً في كل المؤمنين، وهذا الحلول هو حلول مجازي بلا خلاف، أي حلول هدايته ومواهبه وتوفيقه، ومثله الحلول في المسيح، ومن زعم الفرق بين الحلولين وجب عليه إحضار الدليل. كما تذكر التوراة حلول الله - وحاشاه - في بعض مخلوقاته على الحقيقة، ولا تقول النصارى بألوهية هذه الأشياء، ومن ذلك ما جاء في سفر الخروج "المكان الذي صنعته يا رب لسكنك" (الخروج ١٥/ ١٧)، فقد حل وسكن في جبل الهيكل، ولا يعبد أحد ذلك الجبل. وفي المزامير: "لماذا أيتها الجبال المسمنة ترصدون الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه، بل الرب يسكن فيه إلى الأبد" (المزمور ٦٨/ ١٦).

стр. 50

ولعل من أهم نصوص الحلول المزعوم قول المسيح: "أنا والآب واحد" (يوحنا ١٠/ ٣٠)، وقوله: "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤/ ٩)، فهل يدل النصان على ألوهية المسيح؟ أ. قول المسيح: "أنا والآب واحد " القول المنسوب إلى المسيح: "أنا والآب واحد" أهم ما يتعلق فيه أولئك الذين يقولون بألوهية المسيح، وقد فهموا منه وحدة حقيقية جهر بها المسيح أمام اليهود، وفهموا منه أنه يعني الألوهية لذاته. ولفهم النص نعود فنقرأ السياق من أوله، فنرى بأن المسيح ﵇ كان يتمشى في رواق سليمان في عيد التجديد، فأحاط به اليهود وقالوا: "إلى متى تعلق أنفسنا؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً. أجابهم يسوع: إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون، لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم: خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والآب واحد" (يوحنا١٠/ ٢٤ - ٣٠). فالنص من أوله يتحدث عن قضية معنوية مجازية (١)، فخراف المسيح أي تلاميذه يتبعونه، فيعطيهم الحياة الأبدية، أي الجنة، ولن يستطيع أحد أن يخطفها منه (أي يبعدها عن طريقه وهدايته) لأنها هبة الله التي أعطاه إياها، ولا يستطيع أحد أن يسلبها

стр. 51

من الله الذي هو أعظم من الكل، فالله والمسيح يريدان لها الخير، فالوحدة وحدة الهدف لا الجوهر. يقول الدكتور واين جردوم أستاذ علم اللاهوت مصححاً هذا المعنى للوحدة في سياق حديثه عن بدعة (المودالية أو الشكلية أو السابليانية): "الآية السابقة (يوحنا ١٠/ ٣٠) جاءت في سياق يؤكد فيه يسوع أنه سينجز كل ما أوكله إليه الآب، ويخلص كل الذين أعطاهم إياه الآب، وتعني أن يسوع والآب واحد في القصد" (١)، نعم هما واحد في القصد والهدف، لا الذات. ومثل هذا المعنى نقله المفسر وليم باركلي عن بعض المفسرين: "إن الكلمة مرتبطة بما قبلها، ويسوع هنا يتحدث عن رغبة الهداية ورعاية الله لها وقدرته الاعجازية حول ذلك، وكأنه يقول لهم: أنا والآب واحد في القيام بكل هذه الأعمال" (٢). لكن اليهود في رواق سليمان كان فهمهم لكلام المسيح سقيماً - أشبه ما يكون بفهم النصارى له -، لذا "تناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه ... لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً". فعرف المسيح ﵇ خطأ فهمهم لكلامه، واستغرب منهم كيف فهموا هذا الفهم وهم يهود يعرفون لغة الكتب المقدسة في التعبير المجازي فأجابهم: " أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت إنكم آلهة؟ " ومقصده ما جاء في مزامير داود: "أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم" (المزمور ٨٢/ ٦)، أي فكيف تستغربون بعد ذلك مثل هذه الاستعارات، وهي معهودة في كتابكم الذي جعل بني إسرائيل آلهة بالمعنى المجازي للكلمة؟! فالمسيح أولى بهذه الألوهية المجازية من سائر بني إسرائيل "إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي .. " (يوحنا١٠/ ٣٧).

стр. 52

والنص في نسخة الرهبانية اليسوعية أكثر وضوحاً، وفيه: "أجابهم يسوع: ألم يكتب في شريعتكم: قلت: إنكم آلهة؟ فإذا كانت الشريعة تدعو آلهةً من ألقيت إليهم كلمة الله .. فكيف تقولون للذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تجدف، لأني قلت: إني ابن الله". يقول الأب متى المسكين تعليقاً على هذه الفقرة: "المسيح يستشهد بالمزمور الثاني والثمانين (الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي .. أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم)، فالوحي الإلهي هنا يعطي صفة الآلهة للمجمع الذي يجتمع على الحكم على أساس الحكم بكلمة الله .. يأتي رداً على ادعائهم أن كون المسيح إلهاً يعتبر تجديفاً، في حين أن كل الذين صارت إليهم كلمة الله يدعون في الناموس آلهة" (١). وهكذا وبهذا الشاهد من المزامير صحح المسيح ﵇ لليهود ثم للنصارى الفهم السيئ والحرفي لوحدته مع الآب. وهذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة معهود في النصوص خاصة في إنجيل يوحنا، إذ يقول عن التلاميذ على لسان المسيح: "ليكون الجميع واحداً كما أنت أيها الآب فيّ، وأنا فيك، ليكونوا (أي التلاميذ) هم أيضاً واحداً فينا .. ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد ... أنا فيهم وأنت فيّ" (يوحنا ١٧/ ٢٠ - ٢٣)، فالحلول في المسيح والتلاميذ حلول معنوي فحسب، وإلا لزم تأليه التلاميذ، فالنص الإنجيلي يستخدم كلمة (كما) والتي تفيد المماثلة بين الطرفين المتقابلين، والمعنى: كما المسيح والآب واحد، فإن التلاميذ والمسيح والآب أيضاً واحد، أي وحدة الهدف والطريق، لا وحدة الذوات، فإن أحداً لا يقول باتحاد التلاميذ ببعضهم أو باتحاد المسيح فيهم بذاته.

стр. 53

وفي موضع آخر ذكر يوحنا نفس المعنى فقال عن التلاميذ: " أيها الأب القدوس، احفظهم في اسمك الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما نحن" (يوحنا ١٧/ ١١)، أي كما أن وحدتنا هي وحدة هدف لتكن وِحدتهم بنا كذلك. ومثله قوله: "تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم" (يوحنا ١٤/ ٢٠)، فهل هذه النصوص تتحدث عن وحدة ذوات بين الله والمسيح والتلاميذ أم تتحدث عن وحدة مجازية، يشترك فيها كل المؤمنين، كمحبة المسيح أو الدعوة إلى مكارم الأخلاق، فالله والمسيح والأنبياء متحدون في محبة المسيح، وكذلك في الدعوة إلى مكارم الأخلاق؛ من غير أن يقتضي هذا حلول الذوات واتحادها. ومثل هذه المعاني نستطيع قراءتها في قول بولس: "فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً" (كورنثوس (٢) ٦/ ١٦ - ١٧). ومثله في قوله: "إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل، وفي كلكم" (أفسس ٤/ ٦). وكذلك مثله قول المسيح ﵇ لتلاميذه: " أنا الكرمة، وأنتم الأغصان، الذي يثبت في، وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير" (يوحنا ١٥/ ٥)، أي من يحبني ويطيعني ويؤمن بي فهذا يأتي بثمر كثير. وهكذا يتبين أن المعنى الصحيح لقوله: "لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ، وأنا فيه" (يوحنا ١٠/ ٣٨) أي أن الله يكون في المسيح، أي بمحبته وقداسته وإرشاده وتسديده، لا بذاته المقدسة التي لا تحل في الهياكل "العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي" (أعمال ٧/ ٤٨). وقد تكرر هذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة في نصوص كثيرة، منها قول بولس: " أنا غرست، وأبلُّوس سقى ... الغارس والساقي هما واحد .. فإننا نحن عاملان مع الله" (كورنثوس (١) ٣/ ٦ - ٩)، فوحدة بولس مع أبلوس وحدة الهدف المشترك، لا الجوهر والذات. ومثله جاء في التوراة في وصف الزوجين "يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكونان جسداً واحداً" (التكوين ٢/ ٢٤) أي كالجسد الواحد، لا أن ذاتهما

стр. 54

قد أضحت واحدة، وعليه لا يصح الفهم الظاهري السطحي لقوله: "يكون الاثنان جسداً واحداً، إذاً ليسا بعدُ اثنين، بل جسد واحد" (متى ١٩/ ٥)، ومثله أيضاً لا يصح الفهم الظاهري لقول لابان ليعقوب ابن أخته: "إنما أنت عظمي ولحمي" (التكوين ٢٩/ ١٤)، بل المراد بيان المحبة والوحدة المجازية فحسب. ومن النصوص التي تفيد وحدة الهدف والغاية بين التلاميذ؛ مع استعارتها للفظ يدل ظاهره على وحدة الجسد، وليس هذا الظاهر مقصوداً ولا صحيحاً، وذلك في قوله: " هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضاً لبعض" (رومية ١٢/ ٥)، ونحوه في قوله: "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح" (كورنثوس (١) ٦/ ١٥)، (وانظر صموئيل (٢) ١٩/ ١٢، كورنثوس (١) ١٢/ ٢٧)، (أفسس ٢/ ١٤). وغير ذلك من أمثلة وحدة المشيئة والهدف والمحبة، لا الذات، التي تماثل قول المسيح: "أنا والآب واحد". ومثل هذا الاستخدام للوحدة المجازية، وحدة الهدف والمشيئة ورد في القرآن عن النبي ﷺ من غير أن يفهم منه أحد من المسلمين الوحدة الحقيقية، وحدة الذات، وذلك في قوله تعالى، وهو يخاطب نبيه: ﴿إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله﴾ (الفتح: ١٠)، فلم يقل أحد من المسلمين أن الله ونبيه ذات واحدة كما صنع النصارى في قول المسيح: "أنا والآب واحد". ب. قول المسيح: "الذي رآني فقد رأى الآب " ومن أهم ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح ﵇ قوله: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤/ ٩)، إذ فهموا منه أن الله الآب هو المسيح، وأن رؤية المسيح هي بالحقيقة رؤية لله .

стр. 55

إن هذه الطريقة السطحية في الفهم سقيمة كلاء، وتعرضنا لعدد من الصعوبات المشينة التي ترقى لاعتبارها تجديفاً صارخاً على الله وإساءة إلى مقام الألوهية المنزه عن النقائص والمعايب البشرية، فلئن كان رؤية اليهود للمسيح تعتبر رؤية للآب؛ فإنه - بالضرورة - يعتبر صفع اليهود للمسيح وبصقهم عليه (انظر متى ٢٧/ ٣٠) صفعاً وبصقاً على الآب خالق السماوات والأرض. وكذلك فإن جهل المسيح بموعد الساعة (انظر مرقس ١٣/ ٣٢ - ٣٣) يعتبر جهلاً للآب، وكذلك فإن تناول المسيح الطعام والشراب (انظر لوقا ٢٤/ ٤٢ - ٤٣) يكون - وفق هذا المنطق السطحي - طعاماً وشراباً لله الآب، وأما موت المسيح المزعوم على الصليب، فهو وفق هذه الطريقة في الاستدلال موت للآب، فكما أن من رأى المسيح؛ رأى الآب، فإن من قتل المسيح؛ قتل الآب، فهل الله العظيم خالق السماوات والأرض يموت أو يأكل ويشرب ويخرج فضلات هذا الطعام والشراب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وهذا القول الشنيع يتطابق مع بدعة المودالية أو الشكلية، لذا يقول الدكتور واين جردوم أستاذ علم اللاهوت في تفسير هذا النص: "الآية الأخيرة (يوحنا ١٤/ ٩) تعني ببساطة أن يسوع يكشف طبيعة الله الآب بشكل كامل" (١). ولفهم النص الفهم الصحيح نعود إلى سياقه، فالسياق من أوله يخبر أن المسيح ﵇ قال لتلاميذه: "أنا أمضي لأعد لكم مكاناً، وإن مضيت وأعددتُ لكم مكاناً؛ آتي أيضاً وآخذكم " وقصده بالمكان الملكوت. فلم يفهم عليه توما قوله، وقال: " يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق"، لقد فهم - خطأً- أن المسيح يتحدث عن طريق حقيقي وعن رحلة حقيقية، فقال له المسيح مصححاً ومبيناً أن الرحلة معنوية وليست حقيقية مكانية: "أنا هو الطريق والحق والحياة " (يوحنا١٤/ ١ - ٦)، أي أن اتباع شرعه ودينه هو وحده الموصل إلى رضوان الله وجنته.

стр. 56

ثم طلب فيلبُّس من المسيح أن يريهم الله، فنهره المسيح وقال له: " ألست تعلم أني أنا في الأب، والأب فيّ، الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الأب الحال فيّ هو يعمل الأعمال ... " (يوحنا ١٤/ ١٠) أي كيف تسأل ذلك يا فيلبس، وأنت يهودي تعلم أن الله لا يرى، فالذي رآني رأى الآب، حين رأى أعمال الله (المعجزات) التي أجراها على يد المسيح. يشبه هذا النص تماماً ما جاء متى " ثم يقول الملَك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني .. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا رب، متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك، ومتى رأيناك غريباً فآويناك .. فيجيب الملَك، ويقول لهم: الحق أقول لكم: بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم" (متى ٢٥/ ٣٤ - ٤٠)، ومن المعلوم أن أحداً في الدنيا لا يقول بأن الجائع المطعم هو الملَك رغم قوله: "فبي فعلتم"، إذ هذا على سبيل تقريب المعاني، لا الحلول والتماهي بين الذوات. فمثله كمثل قول الشاعر: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرتَه كنتُ أنا ويشبهه أيضاً ما جاء في إنجيل مرقس "فأخذ ولداً، وأقامه في وسطهم، ثم احتضنه، وقال لهم: من قبِل واحداً من أولاد مثل هذا باسمي يقبَلني، ومن قبلني فليس يقبلني أنا، بل الذي أرسلني" (مرقس ٩/ ٣٧)، فالنص لا يعني أن الطفل الذي رفعه المسيح هو ذات المسيح، ولا أن المسيح ﵇ هو ذات الله، ولكنه يخبر ﵊ أن الذي يصنع براً بحق هذا الطفل، فإنما يصنعه طاعة ومحبة للمسيح،

стр. 57

لا بل طاعة لله وامتثالاً لأمره. وكما أن من يرى المسيح فكأنه يرى الله، فإنه من قبِل المسيح وتلاميذه فكأنما قبِل الله ، ومن كفر بهم ورفض دعوتهم فإنما رفض في الحقيقة دعوة الله، لذا يقول المسيح: "الذي يسمع منكم يسمع مني، والذي يرذلكم يرذلني، والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" (لوقا ١٠/ ١٦). ويؤكده مرة أخرى فيقول: "من يَقَْبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" (متى ١٠/ ٤٠)، وكذا من رأى المسيح فكأنه رأى الآب الذي أرسله، لأن "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الأب الحال في هو يعمل الأعمال ... " (يوحنا ١٤/ ١٠). ولما كان بولس يضطهد التلاميذ قال له المسيح في رؤيته المزعومة: "شاول شاول، لماذا تضطهدني .. أنا يسوع الذي أنت تضطهده" (أعمال ٢٦/ ١٤ - ١٥)، وهو لم يضطهد المسيح حقيقة، بل لم يره، لكن من اضطهد تلاميذ المسيح فقد اضطهد المسيح، ومن قبِلهم فقد قبِل معلمهم، وقبِل الرب الذي أرسله. ومثله قول بطرس لحنانيا الكاهن مبكتاً إياه على إخفاء بعض ثمن الحقل على التلاميذ "أليس وهو باق كان يبقى لك، ولما بيع ألم يكن في سلطانك، فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر، أنت لم تكذب على الناس، بل على الله" (أعمال ٥/ ٤ - ٥)، فالكذب الذي صنعه حنانيا خداع لله، وإن كان في ظاهره مخادعة للناس (التلاميذ)، ولا يعني هذا النص أبداً أن الناس والله ذات واحدة. وهذا السياق "الذي رآني فقد رأى الآب" الذي يفيد الاشتراك في الحكم بين المسيح والله، والذي عبر عنه هنا بالرؤية معهود في العهد القديم أيضاً، إذ لما رفض بنو إسرائيل تولية ابني النبي صموئيل على بني إسرائيل بعد أبيهما "وقالوا له: هوذا أنت قد شخت، وابناك لم يسيرا في طريقك. فالآن اجعل لنا ملكاً يقضي لنا كسائر الشعوب، فساء الأمر في عيني صموئيل ... فقال الرب لصموئيل: اسمع

стр. 58

لصوت الشعب في كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوك أنت، بل إياي رفضوا " (صموئيل (١) ٨/ ٤ - ٧)، إذ رفضهم طاعة النبي صموئيل هو عصيان لله في الحقيقة. والرؤية في قوله: "الذي رآني فقد رأى الآب" معنوية مجازية، أي رؤية البصيرة، لا البصر، وهي متحققة لكل المؤمنين الذين هم من الله كما قال المسيح ﵇: "ليس أن أحداً رأى الآب إلا الذي من الله، هذا قد رأى الآب" (يوحنا ٦/ ٤٦)، ومن المعلوم أن كل المؤمنين هم من الله " كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله" (يوحنا (١) ٥/ ١)، فكلهم رأى الله ببصيرته رؤية المعرفة والإيمان. ومما يؤكد أن الرؤيا معنوية أنه قال في تمام النص الذي نحن بصدده: " بعد قليل لا يراني العالم أيضاً، أما أنتم فترونني" (يوحنا ١٤/ ١٩)، فهو لا يتحدث عن رؤية حقيقية، إذ يتحدث عن رفعه للسماء، فحينذاك لن يراه العالم ولا التلاميذ، لكنه يتحدث عن رؤية معرفية إيمانية يراها التلاميذ، وتعشى عنها وجوه العالم الكافر. ويشهد له ما جاء في متى: " ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن " (متى ١١/ ٢٧)، فهو المقصود من الرؤية المذكورة في النصوص السابقة. ونحوه قوله: "فنادى يسوع وقال: الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني، والذي يراني يرى الذي أرسلني ... لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية، ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" (يوحنا ١٢/ ٤٤ - ٥١)، فالمقصود بكل ذلك رؤية المعرفة بالبصيرة، لا البصر. وقوله: " والذي يراني يرى الذي أرسلني" ولا يمكن أن يراد منه أن الذي رأى الابن المرسَل قد رأى الآب المرسِل، إلا إذا كان المرسِل هو المرسَل، وهو محال للمغايرة

стр. 59

التي بينهما كما قال المسيح: "أبي أعظم مني" (يوحنا ١٤/ ٢٨)، وقال: "أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل" (يوحنا ١٠/ ٢٩). وليس من أحد من النصارى يرضى بالقول بأن الآب هو الابن، فإنهم يقولون بتمايز الأقانيم، وإن زعموا أنها متوحدة في جوهرها، يقول الأب متى المسكين: " الإيمان المسيحي يقول: إن الأقانيم في الله متميزة، فالآب ليس هو الابن، ولا الابن هو الآب، وكل أقنوم له اختصاصه الإلهي" (١)، وعليه فمن رأى الابن لم يرَ الآب. وأما قول المسيح: "أنا هو الطريق والحق والحياة" فيقصد فيه المسيح الدعوة إلى التزام تعليمه ودينه الذي أنزله الله عليه، فهو وإخوانه الأنبياء - بتعاليمهم وهديهم - الطريق الموصل إلى الجنة دار الخلود، كما قال في موطن آخر: "ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي" (متى ٧/ ٢١)، فالخلاص يكون بالعمل الصالح والبر " أقول لكم: إنكم إن لم يزد بِرّكم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات .. ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" (متى ٥/ ٢٠ - ٢٣). ويتأكد ضعف الاستدلال بهذا الدليل المزعوم "الذي رآني فقد رأى الآب" إذا آمنا أن رؤية الله الآب ممتنعة في الدنيا، كما قال يوحنا: " الله لم يره أحد قط" (يوحنا ١/ ١٨)، وكما قال بولس: "لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية " (تيموثاوس (١) ٦/ ١٦)، فيصير النص لزاماً إلى رؤية المعرفة والبصيرة كما تقدم بيانه. ج. معية المسيح الأبدية ويتعلق الزاعمون بألوهية المسيح بما جاء في أقوال المسيح من نصوص تتحدث

стр. 60

عن معية المسيح للتلاميذ ومن بعدهم من المسيحيين، وأنها معية دائمة إلى الأبد، فقد قال وهو يصعد إلى السماء: "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى ٢٨/ ٢٠)، وقال: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم" (متى ١٨/ ٢٠)، ففهم منه الواهمون حضوراً ومعية حقيقيين، واعتبروا هذه المعية دليلاً على الألوهية، فالمسيح موجود في كل زمان ومكان، كما الله موجود في كل زمان ومكان (١). وهنا نلحظ خطأين متراكبين: أولهما: في فهم معية الله لخلقه على الحقيقة، والثاني: في فهم معية المسيح. فالكتاب المقدس لم يتحدث عن معية حقيقية لله أو للمسيح، فالله تعالى لا يحل في مخلوقاته، ولا يخالطهم، ومعيته لخلقه ﵎ أمر مجازي، معية النصر والتأييد والهداية، ومعية المسيح للتلاميذ هي كذلك معية إرشاد ومعية تعاليم، وقد قال الأنبا غريغوريوس في موسوعته تعليقاً على خاتمة إنجيل متى: "وهذه المعية ليست معية ظاهرة مادية، بل معنوية، بمعنى أنه أعطاهم المواهب والقدرات" (٢). وهذا النوع من المعية المجازية لا تكاد تحصى نصوصها - في الكتاب - لكثرتها، ومنها قول يحزيئيل بن زكريا مثبتاً اليهود في حربهم " قفوا اثبتوا، وانظروا خلاص الرب معكم، يا يهوذا وأورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا، غداً اخرجوا للقائهم، والرب معكم" (الأيام (٢) ٢٠/ ١٧)، ومثله قول موسى: "لأن الرب إلهكم سائر معكم، لكي

стр. 61

يحارب عنكم أعداءكم ليخلصكم" (التثنية ٢٠/ ٤)، فالرب معهم بخلاصه وتأييده، لا أنه نزل من السماء فوقف بينهم يقاتل معهم. ومعية الرب لبني إسرائيل تستلزم معية مقابلة من بني إسرائيل لربهم، وهي معية الإقبال على الله والتذلل بين يديه، فقد قال لهم عزريا بن عوديد: "الرب معكم ما كنتم معه، وإن طلبتموه يوجد لكم، وإن تركتموه يترككم" (الأيام (٢) ١٥/ ٢)، وكل هذا يثبت مجازية هذه المعية (١). وبخصوص المعية الحقيقية المزعومة للمسيح، فإن المسيح ﵇ قد نفاها عن نفسه حين أخبر تلاميذه بأنه سيغادر الأرض ولن يبقى معهم، فقد قال لهم: "الفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين" (متى ٢٦/ ١١)، وقال: "أنا معكم زماناً يسيراً بعدُ، ثم أمضي إلى الذي أرسلني" (يوحنا ٧/ ٣٣)، وقال: "ولستُ أنا بعدُ في العالم" (يوحنا ١٧/ ١١)، فحضوره معهم حضور روحي معنوي، كما في قول بولس لأهل كولوسي: "فإني وإن كنت غائباً في الجسد، لكني معكم في الروح فرحاً وناظراً ترتيبكم ومتانة إيمانكم في المسيح" (كولوسي ٢/ ٥)، ومثله في (كورنثوس (١) ٥/ ٣). د. المسيح صورة الله ومن أدلة النصارى على ألوهية المسيح ما قاله بولس عنه: "مجد المسيح الذي هو صورة الله" (كورنثوس (٢) ٤/ ٤)، وفي فيلبي يقول: "المسيح يسوع أيضاً الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائر في صورة الناس" (فيلبي ٢/ ٦ - ٧)، ويقول عنه أيضاً: "الذي هو صورة الله

стр. 62

غير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥). لكن هذه الأقوال صدرت عن بولس الذي لم يشرف برؤية المسيح ﵇ ولا التلمذة على يديه، ولا نرى مثل هذه العبارات عند أحد من تلاميذ المسيح وحوارييه، وهذا كاف لإضفاء ظلال الشك والارتياب عليها. ثم إن الصورة تغاير الذات، وصورة الله هنا تعني نائبه في إبلاغ شريعته أو في القيام بشريعته، كما قال بولس في موضع آخر عن الرجل: " فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه، لكونه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل" (كورنثوس (١) ١١/ ٧)، ومعناه أن الله أناب الرجل في سلطانه على المرأة. كما أن كون المسيح على صورة الله لا يمكن أن يستدل به على ألوهيته، فإن آدم - وفق الكتاب المقدس - يشارك الله في هذه الصورة، فقد جاء في سفر التكوين عن خلقه: "قال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ... فخلق الإله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه" (التكوين ١/ ٢٦ - ٢٧). فإن أصر النصارى على الجمع بين الصورة وألوهية المسيح فإن في الأسفار ما يخطئهم، فقد جاء في إشعيا "اجتمعوا يا كل الأمم ... لكي تعرفوا وتؤمنوا بي ... قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون، أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص" (إشعيا ٤٣/ ٩ - ١١). هـ. السجود للمسيح وتتحدث الأناجيل عن سجود بعض معاصري المسيح له، ويرون في سجودهم له دليل ألوهيته واستحقاقه للعبادة، فقد سجد له أب الفتاة النازفة "فيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء، فسجد له " (متى ٩/ ١٨)، كما سجد له الأبرص "إذا أبرص قد جاء وسجد له " (متى ٨/ ٢)، وسجد له المجوس في طفولته " فخروا وسجدوا له،

стр. 63

ثم فتحوا كنوزهم " (متى ٢/ ١١). فيما رفض بطرس سجود كرنيليوس له، وقال له: "قم أنا أيضاً إنسان" (أعمال ١٠/ ٢٥)، فقد اعتبر السجود نوعاً من العبادة لا ينبغي إلا لله، وعليه يرى النصارى في رضا المسيح بالسجود له دليلاً على أنه كان إلهاً. ولا ريب أن السجود مظهر من مظاهر العبادة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل سجود عبادة، فمن السجود ما هو للتبجيل والتعظيم فحسب، فقد سجد إبراهيم إكراماً لبني حث "فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض لبني حثّ" (التكوين ٢٣/ ٧). كما سجد يعقوب ﵇ وأزواجه وبنيه لعيسو بن إسحاق حين لقائه " وأما هو فاجتاز قدامهم، وسجد إلى الأرض سبع مرات، حتى اقترب إلى أخيه .. فاقتربت الجاريتان هما وأولادهما وسجدتا، ثم اقتربت ليئة أيضاً وأولادها وسجدوا، وبعد ذلك اقترب يوسف وراحيل، وسجدا " (التكوين ٣٣/ ٣ - ٧). كما سجد موسى ﵇ لحماه (والد زوجته) حين جاء من مديان لزيارته "فخرج موسى لاستقبال حميه، وسجد، وقبّله" (الخروج ١٨/ ٧)، وسجد إخوة يوسف ﵇ تبجيلاً؛ لا عبادة لأخيهم يوسف "أتى إخوة يوسف، وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض" (التكوين ٤٢/ ٦)، واستمرت هذه العادة عند بني إسرائيل " وبعد موت يهوياداع جاء رؤساء يهوذا، وسجدوا للملك " (الأيام (٢) ٢٤/ ٧). وكل هذه الصور وغيرها كثير لا تفيد أكثر من الاحترام، وعليه يحمل سجود من سجد للمسيح ﵇. وأما رفض بولس وبطرس لسجود الوثنيين لهما، فكان بسبب أن مثل هؤلاء يكون سجودهم من باب العبادة، لا التعظيم، خاصة أنهم يرون معجزات التلاميذ، فقد يظنونهم آلهة لما يرونه من أعاجيبهم.

стр. 64

رابعاً: نصوص نسبت صفات الله إلى المسيح أ. أزلية المسيح ويتحدث النصارى عن المسيح الإله الذي كان موجوداً في الأزل قبل الخليقة، ويستدلون لذلك بأمور، منها ما أورده يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " إن إبراهيم تشوق إلى أن يرى يومي هذا، فقد رآني وابتهج بي، من قبل أن يكون إبراهيم؛ كنتُ أنا " (يوحنا ٨/ ٥٦ - ٥٨)، ففهموا منه - باطلاً - أن للمسيح ﵇ وجوداً قبل إبراهيم، مما يعني - وفق فهمهم - أنه كائن أزلي. وأيدوا استشهادهم بما ذكره يوحنا عن المسيح: "هوذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه .. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية" (الرؤيا ١/ ٧ - ٨). أي الأول والآخر. كما جاء في مقدمة يوحنا ما يفيد وجوداً أزلياً للمسيح قبل خلق العالم " في البدء كانت الكلمة، الكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله" (يوحنا ١/ ١ - ٢). فهذه النصوص مصرحة - حسب رأي النصارى - بأزلية المسيح وأبديته، وعليه فهي دليل ألوهيته. ويخالف المحققون في النتيجة التي توصل إليها النصارى، إذ ليس المقصود من الوجود قبل إبراهيم الوجود الحقيقي للمسيح كشخص، بل المقصود الوجود القدري والاصطفائي، أي أن اختيار الله للمسيح واصطفاؤه له قديم، كما في قول بولس عنه - حسب الرهبانية اليسوعية -: "وكان قبل اصطفي قبل إنشاء العالم" (بطرس (١) ١/ ٢٠)، ومثله قال بولس عن نفسه وأتباعه: "كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين" (أفسس ١/ ٤) أي اختارنا بقَدَره القديم كما اختار المسيح واصطفاه، ولا يفيد أنهم وجدوا أو أنه وُجِد حينذاك.

стр. 65

وهذا الوجود القديم للمسيح ﵇ بمعنى الاصطفاء الإلهي والمحبة الإلهية له هو المجد الذي منحه الله المسيح، كما في قوله: "والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يوحنا ١٧/ ٥)، وهو المجد الذي أعطاه لتلاميذه حين اصطفاهم واختارهم للتلمذة كما الله اختاره للرسالة " أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يوحنا ١٧/ ٢٤)، ومحبة الشيء لا تستلزم وجوده، فقد يحب المرء المعدوم أو المستحيل، الذي لم ولن يوجد. وقبل أن نفسر معنى الرؤية الإبراهيمية للمسيح ننبه إلى أن الرؤية تكون على نوعين: رؤية البصر المعروفة، ورؤية البصيرة بمعنى المعرفة، كما يقول القائل: رأيت الإسلام أعظم الأديان. أو رأيت عنترة أشجع الفرسان، فهذه رؤية المعرفة. ورؤية إبراهيم للمسيح رؤية معرفة، وهو لم ير المسيح قبل خلقه ووجوده الأرضي، لأنه لم يره قطعاً، لذا فقوله: "فقد رآني وابتهج بي"، هو رؤية مجازية معرفية، بمعنى أنه عرف خبري وابتهج لذلك، ومن أنكر ذلك لزمه أن يذكر دليلاً على رؤية إبراهيم للابن الذي هو الأقنوم الثاني، أو أن يثبتوا لجسد المسيح وجوداً زمن إبراهيم ﵇. وقول المسيح: "من قبل أن يكون إبراهيم كنت أنا" (يوحنا ٨/ ٥٦ - ٥٨)، لا يدل على وجوده في الأزل، وغاية ما يفيده النص - إذا حمل على ظاهره - أن للمسيح ﵇ وجوداً أرضياً يعود إلى زمن إبراهيم، وزمن إبراهيم لا يعني الأزل. ثم لو فرضنا - جدلاً - أن المسيح أقدم من إبراهيم وسائر المخلوقات، فإن له من يشاركه في هذه الأقدمية، وهو النبي إرمياء، والذي عرفه الله منذ القدم وقدسه قبل أن يخرج من رحم أمه، إذ يقول عن نفسه: "فكانت كلمة الرب إليّ قائلاً: قبلما صورتكَ في البطن عرفتُك، وقبلما خرجتَ من الرحم قدستُك، جعلتك نبياً للشعوب" (إرمياء ١/ ٤ - ٥)، وقال عنه ابن سيراخ في حكمته: "وهو الذي قُدِّس في جوف أمه" (ابن سيراخ ٤٩/ ٧)، وهذه المعرفة الإلهية لإرمياء - بلا ريب - أشرف من معرفة إبراهيم للمسيح وأقدم، ولا تستلزم وجوداً حقيقياً له على الأرض.

стр. 66

وممن شارك المسيح في هذه الأزلية المدعاة، ملكيصادق كاهن ساليم الذي تنقل الترجمة العربية المشتركة في حاشيتها أن "بعض التقاليد اليهودية تعتبره كائناً إلهياً ومخلصاً سماوياً، ومن هنا قال النص [أي عبرانيين ٧/ ٣ الذي يأتي بعد قليل] على مثال ابن الله"، فما قصة هذا الملكيصادق؟ تجيبنا مخطوطات قمران أن ملكيصادق وُلِد بطريقة عجيبة، فقد حملت به أمه العجوز صوفونيم من غير زرع بشر، لأن "الكاهن نير لم يكن قد نام معها منذ اليوم الذي كان الرب قد أقامه أمام الشعب، فشعرت بالعار، واختبأت الأيام كلها" ثم أخبرت صوفونيم زوجها بخبرحملها، وماتت فجأة بين يديه، فظهر جبريل لزوجها مبشراً "هذا الطفل الذي ولد منها هو ثمرة حقة، وسأستقبله في الجنة، حتى لا تكون أباً لهبة الله" فلما أراد دفنها نير بمعاونة أخيه نوح "خرج الطفل (ملكيصادق) من صوفونيم الميتة". وتنقل المخطوطات القمرانية أن الطفل "كان يتكلم بفمه ويبارك الرب"، ففرح نير به، وشكر الله "مبارك الرب إله آبائنا الذي لم يعاقب كهنوتي لأن كلمتك خلقت كاهناً عظيماً في رحم صوفونيم امرأتي" ثم لما بلغ الطفل الأربعين يوماً اختطف من الأرض "وقال الرب لميخائيل: انزل على الأرض، وخذ الطفل ملكيصادق الذي معه، وضعه محفوظاً في جنة عدن، لأن الوقت يقترب [وقت طوفان نوح]، وأنا سأفلت المياه كلها على الأرض .. وسأعيده في سلالة أخرى، وسيكون ملكيصادق رأس الكهنة في هذه السلالة"، وهكذا رفع الطفل إلى السماء، فلم تكن له نهاية على الأرض (١). هذا المخلوق العجيب (ملكيصادق) يصفه بولس بالأزلية والأبدية: "ملكيصادق هذا ملك ساليم كاهن الله العلي .. بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له، ولا نهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله، هذا يبقى كاهناً إلى الأبد" (عبرانيين ٧/ ١ - ٣)، فلم لا يقول النصارى بألوهية ملكيصادق الذي يشبه بابن الله، لكثرة صور التشابه بينهما، بل هو متفوق على المسيح الذي يذكر النصارى أنه صلب ومات، وله أم بل وأب - حسب ما أورده متى ولوقا -، في حين أن ملكي صادق قد تنزه عن ذلك كله، ورفع إلى الجنة! والسؤال: لمَ لا يقول النصارى بمساواة المسيح لملكيصادق، فقد وضعهما الكتاب في منزلة واحدة "أقسم الرب ولن يندم: أنت [أيها المسيح] كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (المزمور ١١٠/ ٤)، فالمسيح وملكيصادق في مرتبة واحدة. ومن هؤلاء الذين كانوا قبل إبراهيم ويستحقون الأزلية - لو فهمت النصوص على ظاهرها - حكمة البشر أو النبي سليمان الحكيم حين قال عن نفسه وعن حكمة الله التي تجسدت فيه وفي غيره من البشر: "أنا الحكمة أسكن الذكاء، وأجد معرفة التدابير .. الرب قناني أول طريقه، من قبل أعماله منذ القديم، منذ الأزل مسحتُ، منذ البدء، منذ أوائل الأرض، إذ لم يكن ينابيع كثيرة المياه، ومن قبل أن تقرر الجبال أُبدئتُ، قبل التلال أُبدئتُ " (الأمثال ٨/ ١٢ - ٢٥)، فقد أضحى سليمان أو الحكمة البشرية - وفقاً للفهم الظاهري الحرفي - مسيحاً للرب منذ الأزل. وقول بعض النصارى أن سفر الأمثال كان يتحدث عن المسيح ﵇ لا دليل عليه، فسفر الأمثال قد كتبه سليمان كما في مقدمته "أمثال سليمان بن داود" (الأمثال ١/ ١)، وقد تكرر في مواضع متفرقة منه استمرار سليمان الحكيم في الحديث، وهو يقول: "يا ابني أصغ إلى حكمتي" (الأمثال ٥/ ١)، وانظر (الأمثال ١/ ٨، ٣/ ١، ٣/ ٢١، ٧/ ١ وغيرها)، فالمتحدث في السفر هو سليمان ﵇ والحكمة المتجسدة فيه. وسليمان هو الموصوف بالحكمة في الكتاب المقدس، وأي حكمة؟ حكمة الله،

стр. 67

فقد رأى معاصروه فيه حكمة الله "ولما سمع جميع إسرائيل بالحكم الذي حكم به الملك، خافوا الملك، لأنهم رأوا حكمة الله فيه " (الملوك (١) ٣/ ٢٨). ويمضي السفر ليبين لنا عِظَم حكمة الله التي حلت وتجسدت في سليمان الحكيم، فيقول: "وأعطى الله سليمان حكمة وفهماً كثيراً جداً ... وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس ... وكان صيته في جميع الأمم حواليه ... وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان، من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته" (الملوك (١) ٤/ ٢٩ - ٣٤). وفي سفر الأيام "مبارك الرب إله إسرائيل الذي صنع السماء والأرض، الذي أعطى داود الملك ابناً حكيماً صاحب معرفة وفهم، الذي يبني بيتاً للرب وبيتاً لملكه" (الأيام (٢) ٢/ ١٢)، فالحكيم هو سليمان الذي شرفه الله ببناء بيته. وكلمة "منذ الأزل مسحتُ" لا تدل على المسيح عيسى ابن مريم، إذ "المسيح" لقب أطلق على كثيرين غير المسيح عيسى، ممن مسحهم الله ببركته من الأنبياء كداود وإشعيا. (انظر المزمور ٤٥/ ٧، وإشعيا ٦١/ ١)، فلا وجه لتخصيص المسيح بالمسح دون غيره ممن الممسوحين. وأمام الحرج الذي يسببه نص سفر الأمثال فإن البعض من النصارى يقولون: إن المتحدث في سفر الأمثال هو حكمة الله التي هي صفته الذاتية القائمة به في الأزل، وليس فعله الذي منحه لنبي الله سليمان، وهذا المعنى مرفوض بدلالة النص الذي يتحدث عن نبي ممسوح بزيت البركة "منذ الأزل مسحت"، وصفة الله القائمة به لا يمكن أن تمسح، ولماذا تمسح؟ كما أن النص يتحدث عن حكمة مخلوقة، وإن كانت قديمة، فقد قالت الحكمة: "الرب قناني أول طريقه .. ومن قبل أن تقرر الجبال أُبدئت، قبل التلال أبدئت "، وفي

стр. 68

الترجمة الإنجليزية المسماة ( THE GOOD NEWS BIBLE) :، والصادرة عام ١٩٧٨ - ١٩٧٧، تستخدم كلمة (خلقني)، فتقول: The lord created me" " بدلاً من قوله: (الرب قناني). وهو ذات الصنيع الذي صنعته نسخة الرهبانية اليسوعية، ففيها: "الرب خلقني أول طرقه، قبل أعماله"، وهكذا فهذه الحكمة مخلوقة قديماً، وهي مُبدأة من قبل الجبال والتلال. وفي حكمة ابن سيراخ "قبل كل شيء خُلقت الحكمة" (ابن سيراخ ١/ ٤)، وتحديداً "قبل الدهور، ومنذ البدء خلقني، وإلى الدهور لا أزول" (سيراخ ٢٤/ ٩)، فهي ليست حكمة الله الأزلية، بل حكمته التي أعطاها الحكماء فتجسدت فيهم، وفي مقدمتهم سليمان الحكيم، والذي "رأوا حكمة الله فيه " (الملوك (١) ٣/ ٢٨). والمتأمل بتجرد للنص؛ لن يجد صعوبة لفهم نوع الحكمة التي تتحدث في النص السالف، فهي ثمينة " لأن الحكمة خير من اللآلئ، وكل الجواهر لا تساويها" (الأمثال ٨/ ١١). وهي بشرية "فم الصديق ينبت الحكمة" (الأمثال ١٠/ ٣١). وأول درجات هذه الحكمة البشرية مخافة الله "بدء الحكمة مخافة الله" (الأمثال ٩/ ١٠). وأيضاً هذه الحكمة البشرية هي هبة الله للإنسان "الرب يعطي حكمة من فمه: المعرفة والفم" (الأمثال ٢/ ٦).

стр. 69

وبهذه الحكمة البشرية التي وهبها الله للإنسان ساد السادة من الملوك والقضاة والأغنياء على غيرهم "أنا الحكمة أسكن الذكاء .. لي المشورة والرأي، أنا الفهم لي القدرة، بي تملك الملوك، وتقضي العظماء عدلاً، بي تترأس الرؤساء والشرفاء، كل قضاة الأرض، أنا أحب الذين يحبونني، والذين يبكرون إليّ يجدونني، عندي الغنى والكرامة، قنية فاخرة فاخرة وحظ، ثمري خير من الذهب ومن الإبريز، وغلّتي خير من الفضة المختارة، في طريق العدل أتمشى، في وسط سبل الحق، فأورّث محبيّ رزقاً، وأملأ خزائنهم، الرب قناني أول طريقه ... " (الأمثال ٨/ ١٢ - ٢٢). فالمتأمل لهذا وغيره - لا ريب - يجزم بأن هذه الحكمة ليست صفة الله الأزلية القائمة به، إذ تلك لا تثمن بالجواهر واللآلئ، ولا تثمر الغنى والمال والملك والسلطان، كما لا تنبت من فم البشر، ولا تشمل بالطبع مخافة الله لأنها صفة الله (١). الألف والياء أما نصوص سفر الرؤيا والتي ذكرت أن المسيح الألف والياء، وأنه الأول والآخر، فلا تصلح للدلالة في مثل هذه المسائل التي يتعلق بها مصير المليارات من البشر، فهي كما أشار العلامة ديدات وجميع ما في هذا السفر مجرد رؤيا منامية غريبة رآها يوحنا، ولا يمكن أن يعول عليها، فهي منام مخلط كسائر المنامات التي يراها الناس، فقد رأى يوحنا حيوانات لها أجنحة وعيون من أمام، وعيون من وراء، وحيوانات لها قرون بداخل قرون .. (انظر الرؤيا

стр. 70

٤/ ٨)، فهي تشبه إلى حد بعيد ما يراه في نومه من أتخم في الطعام والشراب، وعليه فلا يصح به الاستدلال (١). ثم في آخر هذا السفر مثل هذه العبارات المتحدثة عن المسيح، صدرت عن أحد الملائكة كما يظهر من سياقها، وهو قوله: "أنا يوحنا الذي كان ينظر ويسمع هذا، وحين سمعت ونظرت خررت لأسجد أمام رجلي الملاك الذي كان يريني هذا. فقال لي: انظر لا تفعل، لأني عبد معك ومع إخوتك الأنبياء والذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد لله. وقال لي (أي الملاك): لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب لأن الوقت قريب .. وها أنا آتي سريعاً، وأجرتي معي. أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر" (الرؤيا ٢٢/ ٨ - ١٣) وليس في ظاهر النص ما يدل على انتقال الكلام من الملاك إلى المسيح أو غيره، فقد قال الملاك عن نفسه ما قاله يوحنا عن المسيح، فهل يقول النصارى بألوهيته أم يرون للنصوص تأويلاً كما نراه في تلك التي تتحدث عن المسيح ﵇. ب. مقدمة إنجيل يوحنا وأما الاستدلال على ألوهية المسيح بمقدمة يوحنا: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يوحنا ١/ ١ - ٣) فقد كان للمحققين معه وقفات عديدة ومهمة، منها: - تنبيه العلماء إلى أن هذا النص قد انتحله كاتب الإنجيل من فيلون الإسكندراني

стр. 71

(ت٤٠م)، يقول فيلسيان شالي: "فكرة الكلمة التي جاءت من فلاسفة رواقيين ومن فلسفة يهودي (فيلون)، ومستعارة من هذه العقائد أو النظريات على يد القديس جوستين ويد مؤلف الأسطر الأولى من الإنجيل الذي يعزى إلى القديس يوحنا" (١). ويرى العلماء أن مصطلح "الكلمة" بتركيباته الفلسفية غريب عن بيئة المسيح وبساطة أقواله وعامية تلاميذه، وخاصة يوحنا الذي يصفه سفر أعمال الرسل بأنه عامي عديم العلم، فيقول: "فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا" (أعمال ٤/ ١٣). - كما ينبه ديدات إلى أن ثمة تلاعباً في الترجمة الإنجليزية، وهي الأصل الذي عنه ترجم الكتاب المقدس إلى لغات العالم. ولفهم قول المسيح على حقيقته نعود إلى الأصل اليوناني، حيث النص في الترجمة اليونانية يستخدم كلمة (الله) بصيغة التعريف (??? ????) في قوله: "والكلمة كانت عند الله"، وتترجم إلى كلمة ( God) في الترجمات الإنجليزية، وكتابتها بحرف كبير ( G) للدلالة على أن الألوهية حقيقة، هذا في المقطع الأول. ثم يمضي النص اليوناني، ليعرِّفنا بصفة الكلمة وخصائصها فيقول: "وكان الكلمة (الله) " (??? ???? ?? ? ?????)، ويستخدم النص اليوناني كلمة (الله) بصيغة تنكير????)) بمعنى إله، وكان ينبغي أن يستخدم في الترجمة الإنجليزية كلمة ( god) بحرف صغير للدلالة على أن الألوهية مجازية، كما وقع في نص سفر الخروج "جعلتك إلهاً لفرعون" (???? ?????? ?? ???? ????? ???) (الخروج ٧/ ١)، فكلمة (الله) في هذا المقطع من قول يوحنا جاءت نكرة، فهي لا تفيد العَلَمية التي هي اسم الله . لكن المفاجأة أن هذه الصيغة التعريفية لاسم الألوهية (? ????) لم تعط في الكتاب المقدس للمسيح ﵇، لكنها منحت للشيطان حين أسماه بولس "إله الدهر الذي أعمى أذهان غير المؤمنين" (كورنثوس (٢) ٤/ ٤) فاستخدمت التراجم العربية صيغة تنكير "إله"، وكذلك التراجم الإنجليزية ( a god) ؛ مع أن النص اليوناني جاء معرفاً (?? ??? ? ???? ??? ??????).

стр. 72

وهكذا فاستخدام التراجم العربية والعالمية اسم (الله) في قول يوحنا: "وكان الكلمة الله"، نوع من التلبيس والتحريف في النص (١). وقد استدركت بعض الترجمات العربية والعالمية الخطأ، فغيرت النص، منها نسخة ترجمة العالم الجديد في ترجماتها العالمية المختلفة، وقد جاء في نسختها العربية: "وكان الكلمة إلهاً". كما أفردت ملحقاً خاصاً بتبيان التحريف الذي وقعت فيه النسخ المخالفة في قراءة هذه الكلمة، ومما جاء فيه: "إن عبارة يوحنا أن الكلمة أو لوغوس كان (إلهاً) أو (إلهياً) أو (كإله)، لا تعني أنه كان (الله) الذي كان هو معه، إنها تعبر فقط عن صفة معينة للكلمة أو لوغوس، ولكنها لا تحدد هويته أنه الله نفسه". ونقلت عن فيليب هارنر الكاتب في مجلة أدب الكتاب المقدس (المجلد ٩٢/ ٨٧) قوله: "أنا أرى أن القوة الوصفية للمُسند في (يوحنا ١:١) بارزة جداً بحيث إنه لا يمكن اعتبار الاسم معرفة". ويقول الأب متى المسكين في شرحه لإنجيل يوحنا: "هنا كلمة (الله) جاءت في الأصل اليوناني غير معرفة بـ (الـ) ... ، وحيث (الله) المعرف بـ (الـ) يحمل معنى الذات الكلية، أما الجملة الثانية فالقصد من قوله: "وكان الكلمة الله" هو تعيين الجوهر أي طبيعة (الكلمة)، أنها إلهية، ولا يقصد تعريف الكلمة أنه هو الله من جهة الذات.

стр. 73

وهنا يُحذَّر أن تقرأ (الله) معرفاً بـ (الـ) في "وكان الكلمة الله"، وإلا لا يكون فرق بين الكلمة والله، وبالتالي لا فرق بين الآب والابن، وهذه هي بدعة سابيليوس الذي قال أنها مجرد أسماء، في حين أن الإيمان المسيحي يقول: إن الأقانيم في الله متميزة، فالآب ليس هو الابن، ولا الابن هو الآب، وكل أقنوم له اختصاصه الإلهي، كذلك فالله ليس هو الكلمة، والكلمة ليس هو الله الكلي" (١). ونوافق الأب المسكين في كثير مما قاله عن تنكير الكلمة المستخدمة، ولا نوافقه على قوله: "وهنا يقابلنا قصور مكشوف في اللغة العربية فلا توجد كلمة (الله) بدون تعريف (الـ) .. " إذ كلامه يوهم القارئ اضطرارهم إلى استخدام اللفظة المعرّفة (الله) في غير معناها بسبب قصور اللغة العربية، وهو غير صحيح، فذكرها إلباس وتحريف، بدليل وقوعه في سائر التراجم العالمية، وفي مقدمتها الترجمة الإنجليزية التي تعرض عن استخدام اللفظ النكرة ( god a) ، وتصر على تعريف الكلمة ( God) . - ولو غض المحققون طرفهم عن ذلك كله، فإن في النص أموراً مُلبِسة تمنع استدلال النصارى به على ألوهية المسيح: أولها: ما معنى كلمة "البدء"؟ ويجيب النصارى: أي الأزل. لكن ذلك لا يسلم لهم، فإن الكلمة وردت في الكتاب على معانٍ منها: - وقت بداية الخلق والتكوين كما جاء في " في البدء خلق الله السموات والأرض" (التكوين ١/ ١)، فوقت الخلق قديم لكنه في لحظة مخلوقة، وليس في الأزل، ومثله قول المسيح عن إبليس أنه كان منذ البدء: " أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كان قتالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق، لأنه ليس فيه حق" (يوحنا ٨/ ٤٤)، فإبليس قتال للناس منذ البدء أي بداية الخليقة، ولا يعني النص أنه كان في الأزل، فالشيطان ليس أزلياً.

стр. 74

ومثله قاله متى على لسان المسيح، وهو يحاجج اليهود "قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلّق، قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا" (متى ١٩/ ٧ - ٨)، ومعناه أن ذلك لم يكن مأذوناً به عند بداية الخليقة، وبداية الخلق لحظة مخلوقة، وليست الأزل الذي يسبق كل زمان. - وترد كلمة البدء أيضاً، ويراد منها فترة معهودة من الزمن كما في قول لوقا: "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء" (لوقا ١/ ٢)، فالبدء هنا يعني أول رسالة المسيح. ومثله قول يوحنا: "أيها الإخوة لست أكتب إليكم وصية جديدة، بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء. الوصية القديمة هي الكلمة التي سمعتموها من البدء" (يوحنا (١) ٢/ ٧). ومثله قوله في جواب اليهود لما سألوه: "فقالوا له: من أنت؟ فقال لهم يسوع: أنا من البدء ما أكلمكم أيضاً به" (يوحنا ٨/ ٢٥)، فكل هذه الاستعمالات لكلمة البدء لا يراد منها الأزل، بل أوقات معينة حادثة. وعليه فلا يقبل قول النصارى بأن الأزل هو المراد في قوله "في البدء كان الكلمة"، فهذه اللفظة استخدمت في مواضع أخرى بمعان أخرى، فلا يصار إلى المعنى الذي أرادوه إلا بدليل مرجح. ويرجح الشيخ العلمي في كتابه الفريد "سلاسل المناظرات" بأن معنى النص يتحدث عن بدء تنزل الوحي على الأنبياء، أي أنه ﵇ كان بشارة صالحة عرفها الأنبياء كما في (إرميا ٣٣/ ١٤) (١). ثانيها: ما المقصود بـ (الكلمة)؟ هل هو المسيح ﵇؟ أم أن اللفظ يحتمل أموراً أخرى، وهو الصحيح. فلفظة (الكلمة) لها إطلاقات في الكتاب المقدس:

стр. 75

منها: كتاب الله أو وحيه "وكانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا" (لوقا ٣/ ٢)، " أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١) "لكن ليس هكذا حتى إن كلمة الله قد سقطت، لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون" (رومية ٩/ ٦). ومنها: الأمر الإلهي الذي به صنعت المخلوقات، كما جاء في المزامير "بكلمة الرب صنعت السموات، وبنسمة فيه كل جنودها .. لأنه قال فكان، هو أمر فصار" (المزمور ٣٣/ ٦ - ٩)، ولهذا المعنى سمي المسيح ﵇ كلمة، لأنه خلق بأمر الله، من غير سبب بشري قريب (أي من غير أب) ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩)، أو لأنه - حسب المعنى الأول - أظهر كلمة الله، أي وحيه وكتابه. كما قد يسمى وعيد الله كلمته؛ كما حكى النبي إرمياء استعجال بني إسرائيل ليوم البلاء والعذاب الذي أوعدهم الله إياه: "ها هم يقولون لي: أين هي كلمة الرب؟ لتأت. أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعياً وراءك، ولا اشتهيت يوم البلية " (إرمياء ١٧/ ١٥ - ١٦)، والمسيح يعتبر وفق هذا المعنى أيضاً (كلمة الله)؛ أي أنه الكلمة الموعودة المبشر بها على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما المعنى الذي يزعمون النصارى للكلمة (اللوغس)، وأنها الأقنوم الثاني للثالوث الأقدس، فلم يرد في كتب الأنبياء البتة، لذلك يقول الدكتور جردوم عن (الرؤيا ١٩/ ١٣) وعن مقدمة يوحنا: "تشكلان الموضعين الوحيدين في الكتاب المقدس اللذين يشيران إلى ابن لله بصفته الكلمة أو كلمة الله" (١). ثالثها: "وكان الكلمة الله" غاية ما يمكن أن يستدل به من هذه الفقرة أن المسيح ﵇ أطلق عليه: (الله)،
следующие страницы →