ج. الأحكام التشريعية بين القرآن والكتاب المقدس
يشترك أيضاً القرآن مع الكتاب المقدس في الحديث في موضوع الأحكام التشريعية التي يشرعها الله لعباده، والمسلمون يؤمنون بوحدة أصول الشرائع الإلهية التي أنزلها الله على نبيه ﷺ وإخوانه الأنبياء ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، والقرآن نزل مصدقاً لما جاء به الأنبياء ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: ٣٧).
لقد كان من البدهي أن تتشابه الشرائع المنزلة على الأنبياء لوحدة المشرّع جل وعلا، ومرة أخرى نذكر أن بين الكتابين من التشابه على قدر ما في كتب القوم من الحق، فقد ذكر القرآن شريعة القصاص، وأنها شِرعة شرعها الله لليهود من قبل ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٥)، فهذه الشريعة عدل من الله، ولذا قررها على أنبيائه وفي شرائعه، ومنها شريعة محمد ﷺ التي قررها القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)، ولا يعني هذا التشابه - الذي يتناسب وعدل الله - أن النبي كان ينقلها من كتبهم.
لكن التطابق ممتنع بين الشرائع القرآنية والكتابية في كثير من الصور، ففي هذه الكتب الكثير من الشرائع التي لم يذكرها القرآن، لا بل تتعارض مع قواعد التشريع القرآني الذي يرى فيها ظلماً محرماً، كشريعة كسر عنق الحمار "وأما بكر الحمار فتفديه بشاة، وإن لم تفده تكسر عنقه، كل بكر من بنيك تفديه" (الخروج ٣٤/ ١٩ - ٢٠).
وكذلك قتل صاحب الثور قصاصاً من الثور الذي نطح رجلا فقتله. (انظر
стр. 72
الخروج ٢١/ ١٨ - ٣٢)، وشريعة الإكراه على الزواج بزوجة الأخ المتوفى من غير أن يكون له ولد (انظر التثنية ٢٥/ ٥ - ١٠)، وأيضاً شرائع الكهنوت وإناطة إقامة العبادات والشعائر بهم (انظر سفر اللاويين في مواضع كثيرة منه) والتي لا نجد لها أثراً في القرآن الذي لا يوجد فيه أي مسألة أو حكم يقر النظام الكهنوتي فضلاً عن الدخول في تفاصيله.
ومن أمثلة التباين بين الكتابين أن القرآن يحرم الكثير والقليل من الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (المائدة: ٩٠)؛ فإن الكتاب المقدس يرى شربها وسيلة لعلاج مشكلات الفقراء، بنسيان أتعابهم وآلامهم: "أعطوا مسكراً لهالك، وخمراً لمرّي النفس، يشرب وينسى فقره، ولا يذكر تعبه بعد" (الأمثال ٣١/ ٧).
وفي العهد الجديد دعا بولس لشرب الخمر من غير إسراف في تعاطيه: "لا تكن فيما بعد شراب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة" (تيموثاوس (١) ٢٣/ ٥)، والفروق كثيرة يطول المقام بتتبعها.
ونختم بذكر شهادتين لمستشرقين منصفين، أولهما المستشرق الإنجليزي لايتنر الذي يقول في كتابه "دين الإسلام": "بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباساً , بل قد أوحى إليه ربه, ولا ريب في ذلك".
وأما الشهادة الثانية فهي لهنري دو كاستري، وفيها يقول: "ثبت أن محمداً لم يقرأ كتاباً مقدساً, ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه" (١).
стр. 73
ثانياً: هل تعلم النبي ﷺ القرآن من بَحيرا وورقة بن نوفل ؟
قالوا: تعلم محمد [ ﷺ ] من راهب نسطوري كان يقيم في مدينة بصرى في الشام، كما تعلم من ورقة بن نوفل وهو من علماء أهل الكتاب في مكة، وتربطه صلة قرابة بخديجة زوج النبي ﷺ .
والجواب: تثور في وجه هذه الفرية وأمثالها أسئلة منطقية كثيرة: إذا كان القرآن منقولاً عن ورقة وبَحيرا فلم لم ينسباه إلى أنفسهما؟ ولم أمكنوا محمداً ﷺ من ذلك؟ وكيف اطلع هؤلاء على علوم القرآن التي سجلت قصص الأولين والآخرين وحوت المبهر من أخبار الغيوب التي كشف عنها العلم الحديث اليوم؟
لو فرضنا أنه ﷺ تعلم من بَحيرا وورقة أخبار السابقين، فماذا عن مئات الآيات التي نزلت بخصوص أحداث حصلت بعد وفاة بَحيرا وورقة بزمن طويل، فعالجها القرآن في حينها، كسورة آل عمران التي تتعلق ثمانون آية منها بقدوم نصارى نجران، وستون آية أخرى بأحداث غزوة أُحد، وسورة التوبة التي تحدثت عن أحداث تتعلق بغزوة تبوك، وسورة الأحزاب التي تناولت أيضاً أحداث تلك الغزوة، ومثل هذا كثير لا يخفى.
ويلزم هنا التنبيه إلى أن لقيا النبي ﷺ الراهب بَحيرا إبَّان شبيبته ليس محل اتفاق المسلمين، فقد حسَّن رواية هذا الخبر بعض أهل العلم، وضعفها آخرون منهم (١).
стр. 74
وعلى فرض صحة الرواية فماذا عساه يتعلم غلام يبلغ من العمر التاسعة أو الثانية عشرة (١) في لقاء واحد من هذا الراهب النسطوري! لقد صدق توماس كارلايل: "لا أعرف ماذا أقول بشأن الراهب النسطوري (سرجيوس) الذي قيل إنه تحادث مع أبي طالب، كم من الممكن أن يكون أي راهب قد علم صبياً في مثل تلك السن، لكنني أعرف أن حديث الراهب النسطوري مبالغ فيه بشكل كبير، فقد كان عمر محمد ﷺ أربعة عشر عاماً، ولم يعرف لغةً غير لغته " (٢).
وفرض صحة رواية لقيا الراهب للنبي ﷺ يوصلنا إلى نتيجة أعرض عنها الطاعنون في القرآن، فقد قال الراهب الذي زعموا أن النبي ﷺ تعلم منه: (هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة) (٣).
هذا ولم تنقل الروايات أن النبي ﷺ جلس إلى بحيرا يتعلم منه أخبار السابقين أو غيرهم، بل ذكرت أن بحيرا كان يسأل النبي عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره (٤)، يستثبت فيها من كونه نبي آخر الزمان بما يعرفه من بشارات أهل الكتاب عنه، وقد قال أبو طالب:
ما رجعوا حتى رأوا من محمد ... أحاديث تجلو غم كل فؤاد
وحتى رأوا أحبار كل مدينة ... سجوداً له من عصبة وفراد
стр. 75
فقال لهم قولاً بحيرا وأيقنوا ... له بعد تكذيب وطول بعاد
فإني أخاف الحاسدين وإنه ... لفي الكتب مكتوب بكل مداد (١)
وأما ورقة بن نوفل الأسدي فلم تذكر كتب السيرة والسنة أن النبي ﷺ لقيه إلا يوم نزل عليه الوحي في غار حراء، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، وتوفي بعدها، أي لم يدرك من القرآن إلا تنزل خمس آيات فقط، وقد قالت عائشة ﵂ وهي تحكي قصة لقيا النبي ﷺ له بعد نزوله من غار حراء: (ثم لم ينشب [يلبث] ورقة أن توفي) (٢).
ولو تأمل المنصف بقية القصة لرأى فيها دلائل نبوته ﷺ ، فقد شهد له بالنبوة هذا العالم من علماء أهل الكتاب، فقال: (هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك .. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً).
لقد عرف ورقة نبوة النبي ﷺ مما سمعه منه عن ظهور جبريل له في غار حراء، حين قال له: اقرأ. فأجاب النبي ﷺ : «ما أنا بقارئ» (٣)، فهو مصداق ما يجده في صحف أهل الكتاب في سفر النبي إشعيا: "أو يُدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة، ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة" (إشعيا ٢٩/ ١٢).
فورقة العالم بالكتب السابقة يشهد للنبي ﷺ بالرسالة، ويتحسر على أيام فتوته، ويود لو قدر على نصرة هذا الحق الفتِي، ولو كان هذا القرآن من تعليمه لكان له موقف آخر، وصدق الله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣).
стр. 76
ثالثاً: هل القرآن منحول من شعر امرئ القيس ؟
قالوا: القرآن من تأليف محمد [ ﷺ ]، وقد نقل في سورة القمر من أربعة أبيات من شعر الشاعر الجاهلي امرئ القيس الذي يقول:
دَنَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرْ عَنْ غَزَالٍ صَادَ قَلْبِي ونَفَرْ
أَحْوَرُ قَدْ حِرْتُ في أَوْصَافِه نَاعِسُ الطَّرفِ بعَيْنَيهِ حَوَرْ
بِسهَامٍ مِنْ لحاظٍ فَاتِكٍ تَرَكَتْنِي كَهَشِيِمِ المُحْتِظِر
وإذا ما غاب عني ساعة ... كانت الساعة أدهى وأمر
والجواب: لو فرضنا أن القرآن وافق في أربع آيات معاني مذكورة في شعر امرئ القيس، فماذا عن بقية آيات القرآن التي جاوزت الستة آلاف، هل يعجز من ألَّف هذه الآلاف - من غير أن يكون لها مثيل في شعر العرب - عن مثل هذه الفقرات الأربعة؟
إن التماثل في بعض الألفاظ أو الأساليب التعبيرية لا يعني النقل على كل حال، بل نقول: إن وقوع التماثل في أساليب البيان أمر بدهي، إذ جاء القرآن على نسق تعهده العرب في كلامها، فلن يكون مستغرباً أن يشابه ما عهدوه من أمثلة واستعارات وسوى ذلك من ضروب البلاغة، لأنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٥).
ولو كان النبي ﷺ يقتبس من أشعار امرئ القيس فلماذا سكتت عنه قريش، وهو الذي يتحداها أن تأتي بمثل القرآن أو بعضه، إنهم لم يخجلوا من القول ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ (الفرقان: ٥)، لكنهم لم يتهموه أبداً بالنقل عن شعرائهم وأُدبائهم.
على أي حال، فالمحققون يقولون: إن هذه الأبيات مقتبسة من القرآن، وليس العكس، فقد كتبت زمن العباسيين، ونسبت إلى امرئ القيس ضمن ما
стр. 77
يسمى بظاهرة النَحْل في الشعر العربي، حيث عمد بعض الرواة كـ (حماد بن هرمز الراوية تـ ١٥٥هـ، وتلميذه خلف الأحمر تـ١٨٠هـ) زمن العباسيين إلى وضع أشعار من إنشائهم ونسبوها إلى الجاهليين.
ولإلقاء نظرة على طريقة وصول شعر امرئ القيس إلينا ننقل قول الأصمعي: "كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس، فهو عن حماد الراوية إلا شيئاً سمعناه من أبي عمرو بن العلاء" (١)، فمن هو حماد هذا؟ وما موثوقيته؟
يقول محمد بن سلام الجمحي: "أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار" (٢).
ويقول أبو حاتم: "كان بالكوفة جماعة من رُوَاة الشعر مثل حمّاد الراوية وغيره، وكانوا يصنعون الشعر، ويقتنون المصنوع منه، وينسُبونه إلى غير أهله.
وقد حدثني سعيد بن هريم البرجمي قال: حدثني من أثق به أنه كان عند حماد حتى جاء أعرابي، فأنشده قصيدة لم تعرف، ولم يدرِ لمن هي، فقال حماد: اكتبوها، فلما كتبوها وقام الأعرابي، قال حماد: لمن ترون أن نجعلها؟ فقالوا أقوالاً، فقال حماد: اجعلوها لطَرَفَة.
وقال الجاحظ: ذكر الأصمعي وأبو عبيدة وأبو زيد عن يونس أنه قال: إني لأعجب كيف أخذ الناس عن حماد وهو يلحن ويكسر الشعر ويصحّف ويكذب، وهو حماد بن هرمز الديلمي.
قال أبو حاتم: قال الأصمعي: جالستُ حماداً فلم أجد عنده ثلاث مائة
стр. 78
حرف، ولم أرضَ روايته" (١).
وزاد الطين بِلة تلميذُه خلف، حيث يقول: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني، ويدخله في أشعارها، وكان فيه حمق" (٢).
ولو تأمل الأريب في معلقة امرئ القيس وجزالة ألفاظها وغريب سبكها لأيقن كذب نسبة تلك الأبيات الممتلئة رقة وعذوبة إليه، فبينهما من التباين في الأسلوب والألفاظ ما لا يخفى على أديب ناقد، أو عارف بطبقات شعراء العرب وأساليبهم، ولذلك لم يوردها مصطفى عبد الشافي في ديوان امرئ القيس الذي جمعه وحققه (٣).
стр. 79
ولكم أثار شفقتي الدكتور سنكلر تسديل مثير هذه الشبهة في كتابه "مصادر الإسلام"، فعنه نقلها الطاعنون في القرآن؛ أثار شفقتي لكثرة ما وصفه أديب العربية عباس العقاد بالجهل الذي أوقعه ومن تابعه في هذا الغلط الفاحش، فهو؛ أي سنكلر تسديل من "طائفة تقتحم هذه المباحث، وهي أجهل بآلاتها من عامة الأميين .. من جهل هؤلاء الخابطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام .. ربما كان سنكلر تسديل الذي مثلنا به لجهل المستشرقين باللغة والذوق الأدبي وشواهد التضمين والاقتباس .. موازين النقد الأدبي الذي اشتغل به هذا النفر من المستشرقين لا تسلم على هينة من جراء أخطائهم، لأنهم ضللوا أناساً من تلاميذهم [وبخاصة نصارى العرب الذين رددوا ترديد الببغاء هذه الشبهة من بعد تسديل الأعجمي] فاتبعوهم في أكثر الأخطاء التي كانوا يقعون فيها من جراء عجزهم عن النفاذ إلى حقائق التاريخ وأسرار البلاغة العربية" (١).
ولم ينس العقاد أن يعلم تسديل ومن ضل وراءه من تلاميذه أن الفوارق بين الشعر الجاهلي وشعر غير هـ من العصور أكبر من أن تخفى على ناقد، فلكل عصر، بل لكل شاعر خصائصه الشعرية التي لا تخفى إلا على من "لا سند له ولا سابقة من مثله في آداب الأمم، ولا نصيب له من الذوق الأدبي غير النبو والاستغراب" (٢).
بقي ان أهمس في آذان أتباع تسديل فأخبرهم بأن تسديل تخلص من جهله، وتراجع عن شبهته التي طرحها، وقال: "هذا رأي السيد (س. ج. لايل) الذي أرى أنه من العسير أن نجد ناقدًا أقدر منه للحديث في موضوع الشعر العربي القديم. لقد تفضل بإخباري في رسالة أرسلها إلي حول مؤلف الأبيات محلّ السؤال والمنسوبة إلى امرئ القيس, أنّه يعتقد أنّها ليست له، وقد ضمّنت بعض ملاحظاته في هذا الملحق ... لقد غيّرت رأيي في الموضوع في النسخة الفارسيّة بسبب ما قدمه من حجج" (٣).
стр. 80
رابعاً: هل القرآن منحول من شعر أمية ابن أبي الصلت ؟
قالوا: القرآن من تأليف محمد [ ﷺ ]، وقد نقل فيه من شعر أمية بن أبي الصلت الذي يقول في قصيدته:
وَيَوْم مَوْعِدِهِمْ أنْ يُحْشَرُوا زُمَراً ... يَوْم الَتَّغَابُنِ إذ لا يَنفَعُ الحَذَرُ
مُسْتَوسِقِينَ مَعَ الدَّاعِي كَأَنَّهُمُ ... رِجْلُ الجَرادِ زَفَتْهُ الرَّيحُ مُنْتشرُ
وأُبرزووا بصعيد مستوٍ جُرُزٍٍ ... وأُنْزِلَ العَرْشُ والميزانُ والزُبُرُ
تَقُولُ خُزَّانُها مَا كَانَ عِنْدَكُمُ ... أًلُمْ يَكُنْ جَاءَكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ نُذُرُ
وفيها كبير شبه مع ما نجده في سور القرآن من معان، فدل ذلك - بحسب فهمهم - على أن القرآن منحول من شعر هذا الشاعر العربي.
والجواب: أن أمية بن أبي الصلت شاعر عربي مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من الحنفاء الرافضين لعبادة الأصنام والأوثان، ورأى الرسول ﷺ ، وسمع منه سورة (يس) في مكة، فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه، فقال: أشهد أنه حق، قالوا: هل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. وخرج إلى الشام.
وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وحدثت وقعة بدر، فعاد أمية من الشام يريد الإسلام، فقال له قائل: يا أبا الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمداً قال: وما تصنع؟ قال: أومِن به، وألقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: أتدري من في القليب [قليب بدر حيث أُلقي قتلى المشركين]؟ قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك [أمه ربيعة بنت عبد شمس]، فامتنع من الإسلام، وأقام في الطائف حتى مات في السنة التاسعة من الهجرة (١).
فأمية معاصر للنبي ﷺ ، سمع منه القرآن فتأثر به، وكاد أن يسلم لولا
стр. 81
عصبيته لأبناء خاله، فهو الذي تأثر بالقرآن، ولم يتأثر القرآن به، وقد سمع النبي ﷺ شعر أمية من الشريد بن سويد فأعجبه، وقال: «فلقد كاد يُسلم في شعره» (١).
لكن العجب من زعم المبطلين أن القرآن نقل عن أمية، بينما يشهد أمية على صحة القرآن فيقول لكفار قريش: "أشهد أنه حق" (٢)، فلم لا يقبل القوم شهادته التي تكذب وتنقض دعواهم بنحل القرآن من شعره؟!
كما تذكر الأخبار أن أمية كان يتوق للنبوة قبل مبعث النبي ﷺ ، فلو كان النبي ينقل من شعره "هل يعقل سكوت أمية لو كان قد وجد أي ظن وإن كان بعيداً يفيد أن الرسول قد أخذ فكرة منه، أو من المورد الذي أخذ أمية نفسه منه؟ لو كان شعر بذلك، لنادى به حتماً، ولأعلن للناس أنه هو ومحمد أخذا من منبع واحد، وأن محمداً أخذ منه، فليس له من الدعوة شيء، ولكانت قريش وثقيف أول القائلين بهذا القول والمنادين به" (٣).
بل لو كان صحيحاً ما يقال عن النقل من شعر أمية بن أبي الصلت الثقفي لما أسلم أهل بيته، فقد أتت أخته فارعة النبيَّ ﷺ مسلمة بعد فتح الطائف، وأنشدت بين يديه شيئاً من شعر أخيها (٤)، كما ذكر أهل الأخبار والسير إسلام أولاده حين أسلمت ثقيف كلها، فابنه القاسم ذكره ابن حجر في الصحابة، وكان شاعراً، وهو الذي رثى عثمان بن عفان ﵁ بقوله:
لعمري لبئس الذبح ضحيتم به ... خلاف رسول الله يوم الأضاحي
стр. 82
فطيبوا نفوساً بالقصاص فإنه ... سيسعى به الرحمن سعى نجاح (١)
وكذلك أسلم ابنه ربيعة بن أمية، وهو كذلك مذكور في الصحابة (٢) وابنه القاسم بن ربيعة ولاه عثمان بن عفان الطائف (٣)، وكذلك أسلم وهب بن أمية (٤)، وفي إسلام هؤلاء ما يكفي لرد هذه الأبطولة، فلو رأوا القرآن أو بعضه منحولاً من شعر أبيهم لفضحوا ذلك، ولما كانوا في عداد المؤمنين.
ويشكك جواد علي بكثير مما ينسب إلى أمية ويرده إلى ظاهرة النحل التي ذكرناها آنفاً، فبعض ما ينسب إليه لا يعقل أن يكون من شعره، وهو لا ريب منحول ومتقول عليه، ومنه قولهم:
لك الحمد والمنُّ رب العبا ... د أنت المليك وأنت الحكم
محمداً أرسله بالهدى ... فعاش غنياً ولم يهتضم
عطاء من الله أعطيته ... وخص به الله أهل الحرم
وقد علموا أنه خيرهم ... وفي بيتهم ذي الندى والكرم
أطيعوا الرسول عباد الإله ... تنجون من شر يوم ألم
تنجون من ظلمات العذاب ... ومن حر نار على من ظلم
دعانا النبي به خاتم ... فمن لم يجبه أسر الندم
نبي هُدى صادق طيب ... رحيم رؤوف بوصل الرحم
به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبي ختم
стр. 83
يموت كما مات من قد مضى ... يرد إلى الله باري النسم
مع الأنبياء في جنان الخلود ... هم أهلها غير حل القسم
وقدس فينا بحب الصلاة ... جميعاً وعلم خط القلم
كتاباً من الله نقرأ به ... فمن يعتريه فقد ما أتم
فهذه الأبيات منسوبة إلى أمية بن أبي الصلت، وهي قطعاً من منحول الشعر المنسوب إليه، إذ هي ولا ريب لمؤمن بالنبي ﷺ مصدق بالقرآن، وهذا لم يتحقق في أمية الذي مات على الكفر (١).
ثم لو فرضنا جدلاً أن أمية كان قبل الإسلام، فهل مجرد التشابه في كلمات معدودات كاف للحكم أن القرآن - بطوله - منقول عن هذا أو ذاك، ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (النساء: ٧٨).
وهكذا تبين سخف وضعف الافتراءات والأباطيل التي تنسب إلى القرآن النقل من هذه المصادر البشرية، وأنه كلام الله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
стр. 84
الناسخ والمنسوخ في القرآن
قالوا: في القرآن ناسخ ومنسوخ، ومثل هذا لا يعقل أن يكون في كلام الله العليم المحيط بكل شيء، لأن النسخ يدل على نقص العلم، وتبدل الرأي، والله منزه عن مثل هذه الآفات.
والجواب: العجب كل العجب أن يستنكر وقوع النسخ في القرآن ويستقبحه من تطفح أسفاره المقدسة وتشريعاته بمثله، من غير أن يرى في ذلك قدحاً في كتبه، فكم من حكم في التوراة نسخه العهد الجديد ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: ٥٠).
وشواهد هذا النسخ في كتابهم المقدس كثيرة، ومن ذلك أن الله حرم عليهم في التوراة الكثير من الحيوانات واعتبرها نجسة، كالخنازير والإبل والأرانب "إلا هذه فلا تأكلوها، مما يجترّ، ومما يشق الظلف المنقسم: الجمل والأرنب والوبر، لأنها تجترّ، لكنها لا تشق ظلفاً، فهي نجسة لكم، والخنزير لأنه يشق الظلف، لكنه لا يجترّ، فهو نجس لكم، فمن لحمها لا تأكلوا" (التثنية: ١٤/ ٧ - ٨)، فهذه الحيوانات - وغيرها مما ذكر بعده - نجسة بشهادة التوراة (انظر التثنية ١٤/ ١ - ٢٤).
ومع ذلك لا يمتنع المسيحيون اليوم عن واحد منها، لأن مقدسهم بولس أخبرهم بنسخ نجاستها ونسخ تحريمها أيضاً بقوله: "أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حد ذاته، ولكنه يكون نجساً لمن يعتبره نجساً " (رومية ١٤/ ١٤)، فهذا نسخ لحكم النجاسة التوراتي، وأما نسخ التحريم ففي زعم بولس أن المسيح بدمه المسفوح "محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كولوسي ٢/ ١٤ - ١٦)، فقد نسخ دمه كل المحرمات من طعام وشراب وسبت، ولأجل ذلك يأكلها المسيحيون بلا أي حرج؛ مع إيمانهم بصحة النصوص التوراتية
стр. 85
المحرِِّمة لها، لكنهم يعتبرونها نصوصاً منسوخة من جهة العمل بها.
بل إن الكتاب المقدس يحكي لنا في مسألة حكم الطلاق عن تبدل ونسخ الحكم الإلهي مرة بعد مرة، فالطلاق حسب إنجيل متّى كان حراماً في زمن آدم، ثم أحله الله لبني إسرائيل في أيام موسى، فجاءت شرائع التوراة ببيان أحكامه (انظر التثنية ٢٤)، ثم حرمه المسيح ﵇ إلا لعلة الزنا.
وبيان هذا وتفصيله أن المسيح قال للفريسيين محرماً الطلاق: "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان، قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلّق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: إن من طلّق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلّقة يزني" (متى ١٩/ ٦ - ٩).
ويبطل النصارى اليوم كل الشرائع التوراتية الموجودة في العهد القديم، والتي يؤمنون بقدسيتها، وأنها من الله تعالى، لكنهم يرونها منسوخة من جهة العمل بها، ويقولون: أبطلها جميعاً جسدُ المسيح المعلق على الصليب، كما يقول بولس عن المسيح: "مبطلاً بجسده ناموس الوصايا" (أفسس ٢/ ١٥)، وقوله: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية ٣/ ١٣)، فالمسيح وفق هذه الفقرات خلصهم من اللعنة المذكورة في سفر التثنية، والتي تحيق بكل من لا يعمل بأحكام الشريعة: "ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس، ليعمل بها" (التثنية ٢٧/ ٢٦)، فبطل فيما بطل مئات الأحكام التوراتية الواردة في سفري التثنية واللاويين، كقتل القاتل ورجم الزاني والختان والسبت وتحريم الخنزير.
ويلزمنا هنا التنبيه إلى أن قول أهل الكتاب بالنسخ مختلف تماماً عن قول المسلمين الذين يعظمون المنسوخ من القرآن، ويرونه حكماً إلهياً صالحاً ونافعاً رفعه الله بحكم آخر أنفع للعباد منه مراعاة لتغير أحوالهم، بينما تنتقص كتب أهل
стр. 86
الكتاب المنسوخ منها، وتجعل علة نسخه ضعفَه وعدمَ نفعه، لا مراعاة المستجدات في أحوال الناس، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين: "فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل، به نقترب إلى الله" (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويواصل كاتب رسالة العبرانيين، فيصف ناموس الكهنوت التوراتي بالعتق والشيخوخة والتهافت، فيقول: "وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال" (عبرانيين ٨/ ١٣)، ويزدريه متهماً إياه بالعيب: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما طُلب موضعٌ لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧)، ولتدارك هذا العيب والضعف في العهد القديم؛ فقد أنشأ عهداً جديداً يجعل الإيمان بالمسيح المصلوب طريقاً للنجاة، وهكذا فالنسخ عند أهل الكتاب سببه طروء العلم على الله بعد الجهل - وحاشا لله العظيم العليم -، وهو ما يسميه علماء الفلسفة بـ (البداء).
أما نحن المسلمين، فنؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، لا يعزب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض، ونسخُ بعض آياته إنما هو من تمام علمه بما يصلح أحوال خلقه.
وقد حكى الله لنا في القرآن استنكار المشركين للنسخ، وتولى الرد عليهم ببيان سعة علمه، وأنه يبدل وفق علمه العظيم رغم معارضة الذين لا يعلمون بما يفعله الله وما يقدر عليه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ١٠١)، وقد بينت الآية التي بعدها علة التبديل، وأنه مراعاة لتبدل أحوال الناس: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ١٠٢) فتبين الآية أن النسخ يكون بعلم الله المطلع على ما يقوله الجاهلون.
ولتقريب فهم النسخ إلى الأذهان مثَّل العلماء له بفعل الطبيب الحاذق الذي يصف للمريض دواء، وهو يعلم أنه بعد تحسن حاله سيصف له دواء بديلاً يناسب حاله الجديد، فتبديله للدواء عن علم وحذق، وإن استنكر صنيعه بعض
стр. 87
الذين لا يعلمون.
هذا ويجدر التنبيه إلى أن النسخ خاص بالأحكام التي تتبدل مراعاة لأحوال العباد، ولم يقع شيء من نسخ القرآن في الأخبار، لأن النسخ فيها ضعفُ علمٍ وقلةُ معرفة وتكذيبٌ لخبر سابق، وإنما وقع نسخ القرآن في الأحكام التي تدرج الله فيها مراعاة لأحوال الناس، وليعطيهم فرصة لتغيير إلفِهم وما اعتادوه زمناً طويلاً.
ومثال ذلك في تحريم الله الخمر بالتدريج مراعاة لأحوال العرب الذين كانوا يعاقرون الخمر،، فأراد الله أن ييسر عليهم ترك هذه العادة فحرمها بالتدريج، فأول ما نزل فيها قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩)، فالخمر فيها منافع محدودة (كالتجارة)، لكن ما فيها من الإثم والضرر أعظم، وهذا كاف عند الكثيرين للتنبه إلى خطرها والامتناع عنها درءاً لضررها، واستغناء عن منفعتها المالية.
ثم بعد أن تشبع المسلمون بهذا المعنى وامتنع الكثير منهم عن معاقرة الخمر نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: ٤٣)، فامتنع جميع المسلمين عن تناولها سائر النهار، لأنها تشغل عن الصلاة وتفسدها، فتضايق عليهم وقت شربها، فلم يجدوا لها وقتاً إلا ما بين صلاة العشاء إلى الفجر، وهو وقت نومهم وراحتهم، وما بين الفجر والظهر، وهو وقت أعمالهم.
وقد أحس الصحابة لما نزلت هذه الآية أن الله يشدد عليهم في الخمر، فدعا عمر ﵁ الله فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيان شفاء. فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:
стр. 88
٩٠ - ٩١)، فدُعي عمر، فقُرئت عليه، فقال: (انتهينا انتهينا) (١).
فتغير حكم الخمر، ونسخه في آيات القرآن مرتبط بأحوال الناس ومراعاة مصلحتهم بالتدريج في التخلص من عادة شرب الخمر، كحال الطبيب الذي يعطي مريضه دواء ثم يستبدله بدواء آخر في أجل كان يرقبه، لتحسن حال المريض، فهذا من حذقه، ولو عدَّه بعض السفهاء قلة علم وضعف معرفة.
كما قد يقع النسخ لحكم أخرى، منها ابتلاء الله واختباره امتثال العباد لأوامره ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله﴾ (البقرة: ١٤٣)، ومن هذا النوع أيضاً ابتلاء الله لإبراهيم حين أمره الله بذبح ابنه ابتلاء واختباراً، فلما امتثل إبراهيم وإسماعيل أمر ربِّهما، ورأى الله صدق استسلامهما وانقيادهما؛ افتداه الله بكبش أُمِر إبراهيم بذبحه، وبذلك نسخ الله الأمر بذبح الابن بأمر جديد وهو ذبح الكبش، لا لعلم جديد علمه الله، بل هو العليم الذي علم كل شيء قبل أن يخلقه، وكما قال ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (٢).
ويقع النسخ أيضاً - بتشديد الأحكام - عقوبة من الله لعصاة بني آدم، كما حرم الله على بني إسرائيل بعض ما كان حلالاً عليهم ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (النساء:١٦٠ - ١٦١).
стр. 89
وهكذا فالنسخ بعض كمال قوة الله وقدرته وعلمه بما يصلح لعباده، فهو ينسخ ما يشاء، ويبدله بما شاء وأراد ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:١٠٦)، فالآية صريحة بكمال صفات الله، وأنه ينسخ ما يشاء بقدرته التي لا يحدها شيء.
ويلزمنا التنبيه إلى أن النسخ في القرآن لا يقع من النبي ﷺ ، بل هو فعل إلهي محض: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥).
ثم لو تأملنا الآيات المنسوخة لوجدنا فيها - أحياناً- ما يشعر بكون هذا الحكم مؤقتاً، كما في حكم حبس الزانية في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٥)، فقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ نص في ترقب حكم جديد ينزل من الله تعالى، وقد تحقق هذا السبيل المنتظر من الله في آيات سورة النور التي قضت بجلد الزانية، بدلاً من الحكم المنسوخ (حبسها).
ولم تنسخ الآية من التلاوة؛ لأن الله نسخ حكمها، وأبقاها متلوة إلى قيام الساعة؛ يؤجر المسلمون على قراءتها، ويرون فيها بعض رحمة الله وتخفيفه على عباده حين نسخها بحكم آخر أيسر منه.
أما النوع الثاني من أنواع النسخ؛ فهو نسخ التلاوة، وهو نوع مخصوص بآيات من القرآن نزلت على النبي ﷺ ، وقرأها المسلمون، ثم رفعها الله من قرآنه لحكمة هو أعلم بها ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٣٩)، فما يمحوه الله من آياته ليس نسياناً، ولا لغيره مما يطرأ على البشر، بل هو وفق حكمته ومشيئته وعلمه الأزلي ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج:
стр. 90
٢١ - ٢٢)، فهو ﵎ قادر على نسخ ما يشاء من آي القرآن ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (الإسراء: ٨٦).
ولو شئنا تلمس ومعرفة الحكمة الإلهية في نسخ بعض الآيات تلاوة؛ لوجدنا أن بعض هذه الآيات نزل في معالجة أحداث مخصوصة كحادثة بئر معونة التي قتل فيها ما يقارب عُشُر المسلمين حينذاك، فأنزل الله ما أنزل تثبيتاً لقلوب المؤمنين في وقت كربتهم وزلزالهم، ومثله نزلت آيات النهي عن الانتساب لغير الأب في وقت كان الناس يتعايرون بأنسابهم، فلربما نسب الرجل نفسه إلى غير أبيه؛ فلما علم ربنا حاجة المسلمين إلى تلكم الآيات في ذلك الزمان؛ أنزلها، وعلم ربنا أن الحاجة إليها مؤقتة، وأن البشرية لا تحتاجها في أجيالها القادمة؛ فنسخها بما هو خير منها أو مثلها، ورفع تلاوتها من المصاحف.
إن ما يعتبره المسلمون قرآناً ليس كل ما نزل على النبي ﷺ من الوحي، بل ما أثبته الله في العرضة الأخيرة لجبريل، وهو يعرضه على النبي ﷺ في آخر رمضان أدركه النبي ﷺ قبيل وفاته، وهذا المعنى يخبر عنه أنس بن مالك ﷺ بقوله: (أُنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه، ثم نسخ بعد ﴿بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه﴾) (١).
ويوضحه قول عمر ﵁: (أقرؤنا أُبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أُبي، وذاك أن أُبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعتُه من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾) (البقرة: ١٠٦) (٢).
فالله ينسخ من آياته ويُنسِي عباده ما يشاء، فهو الذي يعلم الجهر وما يخفى، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى
стр. 91
إِلَّا مَا شَاءَ الله إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (الأعلى: ٦ - ٧).
وهكذا فالعرضة الأخيرة للقرآن هي فقط ما تعبدنا الله بتلاوته إلى يوم القيامة، وأما ما سوى ذلك مما كان يقرأ؛ فقد نسخ بقراءة العرضة الأخيرة التي شهدها جمع من الصحابة، منهم زيد بن ثابت، فأهَّله ذلك لجمع القرآن زمن الصديق، ثم زمن عثمان ﵃ أجمعين.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه (١).
وقال عن زيد: "شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف ﵃ أجمعين " (٢).
وعن كثير بن أفلح أن عثمان ﵁ "لما أراد أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت .. وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه .. إنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الآخرة، فيكتبونها على قوله" (٣).
وعن سمُرة ﵁ قال: عرض القرآن على رسول اللهِ ﷺ عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة (٤).
стр. 92
قال عَبِيدة السلماني ـ وهو (٢٨) من كبار التابعين ـ: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه؛ هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم (١).
وقال ابن تيمية: "العرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة" (٢).
وقال البغوي: "المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ , فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه , وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعاً لمادة الخلاف , فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم" (٣).
وهكذا، فالآيات المنسوخ تلاوتها لم تسقط من المصحف نسياناً أو جهلاً؛ إنما نسخها الله، فلم يقرأها جبريل على النبي ﷺ في العرضة الأخيرة، التي أقرأها النبي ﷺ زيد بن ثابت وغيره من الصحابة، وبها قرأ المسلمون في كل العصور.
ومن هذا المنسوخ تلاوة؛ آية الرجم، وهي آية حفظها الصحابة ووعوها، ومع ذلك لم تكتب في القرآن الكريم لنسخها في العرضة الأخيرة، وقد خطب عمر الصحابة زمن خلافته، وقبل جمع عثمان للمصاحف، فقال: (إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس
стр. 93
زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله "أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" أو "إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم") (١).
فذكر عمر ﵁ في هذا الأثر آيتين منسوختين تلاوة من القرآن، فهو يعرفهما، ويقول عن آية الرجم: (فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها)، ثم يذكر أنها نسخت من القرآن، وفي رواية أنه قال: (وايم الله، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله ؛ لكتبتها) (٢)، فهو ﵁ يؤكد نزولها، وأنها محفوظة عنده، وأنها غير موجودة في كتاب الله، وهذا قبل الجمع العثماني للقرآن الكريم.
كما ضرب عمر ﵁ مثلاً آخر للمنسوخ تلاوة بآية التحذير من الانتساب إلى غير الآباء، وهذا كله في حضور جموع الصحابة رضوان الله عليهم؛ مما دل على معرفتهم جميعاً بوقوع النسخ تلاوة في القرآن الكريم.
وأما سبب إسقاط الصحابة لهذه الآية من المصحف فهو أمر النبي ﷺ بذلك، فقد روى البيهقي من حديث زيد بن ثابت أنه دخل على مروان بن الحكم فسأله مروان عن سبب ترك كتابة هذه الآية في المصاحف، فأخبره زيد أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ ، فقال: أكتبني آية الرجم؟ فقال ﷺ : «لا أستطيع ذاك».
قال البيهقي: "في هذا وما قبله دلالة على أن آية الرجم حكمها ثابت،
стр. 94
وتلاوتها منسوخة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً" (١).
ومن أمثلة المنسوخ تلاوة آية الرضاع، ففي صحيح مسلم، من حديث أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن) (٢).
وقولها: (وهن فيما يقرأ من القرآن)، ليس يساوي القول: (وهن من القرآن)، بل معناه أن النسخ كان في أواخر حياة رسول الله ﷺ ، فمات وبعض الصحابة لم يبلغهم النسخ، فما زالوا يقرؤونه على أنه من القرآن، وقد قال أبو موسى الأشعري ﵁: (نزلت ثم رفعت) (٣).
قال النووي: "معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً؛ حتى أنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلواً؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى" (٤).
وقد يشكل - هنا - ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها) (٥)، فهذا الخبر يفيد أن آية الرجم وآية الرضاع عشراً قد ضاعتا بسبب أكل الداجن للصحيفة التي كتبتا فيها.
стр. 95
لكن هذا القول يندفع إذا علمنا أن الأثر ضعيف السند، منكر المتن، رده العلماء وضعفوه لأن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ويرويه بالعنعنة [أي بقوله: عن فلان]، وعنعنة المدلس لا تقبل، وترد حديثه كما هو معلوم في قواعد المحدثين، قال الألباني: "ابن إسحاق مدلس، وإنه إذا قال: (عن)؛ فليس بحجة، وإذا قال: (حدثني) فهو حجة" (١).
وسئل أحمد بن حنبل عنه: ابن إسحاق إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال: "لا، والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من ذا" (٢).
وكان يقول: "ابن إسحاق ليس بحجة" (٣).
قال الذهبي: "وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب" (٤)، وهذا الحديث من عجائبه ومناكيره، ويعله أمران: أولهما: أنه ليس في المغازي، والآخر: أنه معنعن غير مسند.
وقال أيضاً في ترجمته: "الذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئاً" (٥).
قال ابن قتيبة: "فأما رضاع الكبير عشراً فنراه غلطاً من محمد بن إسحاق" (٦)، هذا من جهة إسناده.
وأما السرخسي فأعلَّ الأثر بنكارة متنه الذي يوحي أن مصدر هذه الآية كان هذه الصحيفة فقط، وأنها لم تكن محفوظة عند جماهير الصحابة: "حديث
стр. 96
عائشة لا يكاد يصحّ ... ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذّر عليهم به إثباته في صحيفة أُخرى، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث" (١)، وهكذا فالأثر ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح ولا يقوى للاحتجاج به، وبمثل هذا الأثر الضعيف يفرح وينعق المبطلون!.
ومن المنسوخ تلاوة دعاء القنوت الذي يقنت به المسلمون في صلاة الوتر إلى يومنا هذا، فقد نزل قرآناً، ثم نُسخ في العرضة الأخيرة «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين مُلحِق».
وقد روي عن أبي بن كعب أنه أثبته في مصحفه، ذلك أن أُبياً كان يقول: (لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ )، وقد رد عليه الخليفة عمر، وضعّف قوله مستدلاً بقول الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (البقرة: ١٠٦) (٢).
وهذا المذهب بالقراءة بالمنسوخ كان مذهب أُبي ﵁ أول الأمر، ثم رجع عنه، بدليل أنه أقرأ التابعين بما في مصحف الجماعة، كما هو مروي عنه في قراءة عاصم ونافع وابن كثير وأبي عمرو، التي اتصل إسنادها إليه من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن عياش المخزومي وعبد الله بن السائب وأبي العالية (٣).
وذكر أبو الحسن الأشعري أنه رأى مصحف أنس بالبصرة، عند بعض
стр. 97
ولدِه، يقول: فوجدتُه مساوياً لمصحف الجماعة، وكان ولد أنس يروي أنه خط أنس وإملاء أُبي بن كعب (١).
وهكذا يستبين للمنصف أن قول المسلمين بالنسخ مختلف عن قول أهل الكتاب، وأنه فرع عن كمال علم الله وقدرته ولطفه بعباده، فهو تعالى ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٣٩)، وكل ذلك وقع في القرآن وفق حكمته ومشيئته وعلمه الأزلي المكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج:٢١ - ٢٢).
стр. 98
هل تغير النص القرآني في عصر الصحابة الكرام وبعدهم ؟
أولاً: اختلاف مصاحف الصحابة
قالوا: اختلفت مصاحف الصحابة في الصدر الأول مما استدعى من الخليفة الثالث عثمان أن يقول بإحراق هذه المصاحف وأن يجمع الصحابة على مصحفه.
الجواب: تحدثنا فيما سبق عن جمع عثمان للمصاحف، وتبين لنا في حينه أن أبا بكر الصديق جمع القرآن في دفتي كتاب بعد أن جمع كل ما عند الصحابة مما كتبوه بين يدي النبي ﷺ ، وأن عثمان أراد جمع الصحابة على حرف قريش الذي نزل القرآن به، وأنه بدأ بصحف الجمع البكري، فأرسل إلى أم المؤمنين حفصة والتي كانت تحتفظ بصحف أبي بكر: (أن أرسلي إلينا بالصحف؛ ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك)، فقد أعاد عثمان نسخ صحف أبي بكر التي جمعت من المكتوب بين يدي النبي ﷺ ، وقد استوثق له وانعقد له إجماع الصحابة.
فإن وجد في مصاحف بعض الصحابة خلاف المصحف المجمع عليه، فهذا يعود إلى خطأ في نسخته، ونسخته ليست أثبت من النسخة التي أجمع عليها الصحابة، إذ قد يفوت الآحاد ما لا يفوت الجمع، كما أن في نسخ آحادهم بعض ما نزل على النبي ﷺ قبل العرضة الأخيرة للوحي في أواخر حياة النبي ﷺ ، ففيها ما نسخت تلاوته، كما قد يقع في نسخ آحاد الصحابة نقص بعض سوره أو زيادة الناسخ - في نسخته - شرح كلمة وسواها، فيخشى أن يظن من يأتي بعد ناسخها أنها من القرآن.
وتكامل المصحف العثماني وفق المنهجية التي ذكرنا تفاصيلها قبلُ، وأجمع أصحاب النبي ﷺ على القراءة بهذا المصحف، وأمر عثمان بإرسال نسخ منه إلى الأمصار، وأمر من كان عنده شيء من صحف القرآن أن يحرقها، يقول حذيفة: (حتى إذا نسخوا الصحف [صحف الجمع البكري] في المصاحف؛ رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل
стр. 99
صحيفة أو مصحف أن يحرق) (١) ففعل الصحابة وامتثلوا ذلك، واتفقوا على صحة صنيع عثمان، يقول علي ﵁: (يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعاً، والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل) (٢)، ويقول مصعب بن سعد ﵁: (أدركت الناس حين شقق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد) (٣).
وأما ما نقل عن اعتراض ابن مسعود ﵁ وقوله: (يا معشر المسلمين، أُعزل عن نسخ كتابة المصحف ويتولاها رجل [يقصد زيد بن ثابت]، والله لقد أسلمتُ وإنه لفي صُلب رجل كافر) (٤)، فهو اعتراض شخصي الصبغة، لا يتضمن اعتراضاً منه على وثوقية الجمع أو منهجيته، ولا على أمانة زيد بن ثابت أو قدرته، لكنه يعتب على الصحابة رضوان الله عليهم أنهم أسندوها إلى شاب صغير، ولم يسندوها إليه ﵁، وهو الذي تعلم القرآن قبل ولادة زيد ﵁، وقد لقي اعتراضه كراهية في صدور كبار الصحابة الذين رأوا في اختيار زيد الاختيار الأمثل والأفضل، يقول الزهري في تمام الرواية معلقاً على اعتراض ابن مسعود: فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجالٌ من أفاضل أصحاب النبي ﷺ .
وهكذا اجتمعت الأمة على القراءة بالمصحف الذي كتبه عثمان ﵁ واتفق الصحابة عليه، وما زال المسلمون في كل عصر يطبعون القرآن وفق رسمه.
стр. 100
ثانياً: اختلاف الصدر الأول في قراءة بعض آيات القرآن الكريم
قالوا: اختلف الناس في قراءتهم لبعض آيات القرآن على عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فجاء حذيفة بن اليمان إليه فقال: (يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى) (١)، مما استدعى من الخليفة الثالث جمعهم على قراءة واحدة، فاختلافهم قبل جمع عثمان دليل على تدخل البشر في النص القرآني.
الجواب: نزل القرآن الكريم أول ما نزل في مجتمع قريش في مكة حاضرة العرب، فأقرأ النبي ﷺ أصحابه المكيين القرآن الكريم، فكان سهلاً وميسوراً عليهم قراءته، فهم أفصح العرب بياناً.
ثم بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة دخلت قبائل العرب في الإسلام فصعب عليهم قراءة القرآن وفق لهجة قريش، فبعض حروفها غير مألوف في كلامهم، كما ثمة كلمات عربية قرآنية لم تكن شائعة في لهجاتهم، ونظراً لكون عامة العرب أميين يصعب عليهم التحول عن مألوف لهجاتهم إلى لهجة قريش؛ وبخاصة كبار السن والأطفال فقد سأل النبي ﷺ الله أن يخفف عن أمته بإقراء الناس القرآن على حروف سبعة، فعن أُبي بن كعب أن جبريل لقي رسول الله ﷺ وهو عند غدير لبني غفار، فقال: «إن الله يأمرك أن تُقرئ أُمتك القرآن على حرف. فقال ﷺ : أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك.
ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أُمتك القرآن على حرفين. فقال ﷺ : أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أُمتي لا تطيق ذلك.
ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أُمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال ﷺ : أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أُمتي لا تطيق ذلك.
стр. 101
ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أُمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا» (١).
وفي رواية أنه قال: «يا جبريل إني بعثتُ إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط. قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٢)، فهذه الأحرف السبعة رخصة وتيسير من الله، وقد نزل القرآن بها جميعاً، وليست اجتهاداً نبوياً.
وقد فسر لنا أصحاب النبي ﷺ هذه الحروف، كما روي عن أبي بكرة أن جبريل أذن للنبي ﷺ بالقراءة على سبعة أحرف، وقال له: «كلٌّ شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل، وهلم واذهب، وأسرع واعجل» (٣).
وقد قرأ أصحاب النبي ﷺ بهذه الوجوه التي يسر الله بها عليهم، وأقرؤوا الناس بها، حتى ذربت على قراءته ألسنتُهم وسهل عليهم حفظُه وقراءتُه في الصلوات والخلوات.
وقد التبس على بعض الصحابة على عهد النبي ﷺ اختلافُ بعض الكلمات أو طريقة نطقها أو وجوه الإعراب فيها بسبب تعدد الأحرف، فتولى ﷺ رفع الخلاف بينهم، وبيَّن لهم أن جميع هذه الأحرف من وحي الله، يقول عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله، فاستمعتُ لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك
стр. 102
هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله، فقلت: كذبت، فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول الله، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله: «أرسله. اقرأ يا هشام». فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله: «كذلك أنزلت».
ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله: «كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه» (١)، فالقرآن نزل بتلك الحروف التي قرأ بها عمر وبتلك التي قرأ بها هشام، واختلافهما ليس مرده الخطأ والنسيان، بل تسهيل الله على هذه الأمة الأمية قراءة كتابها.
ومثل هذا الموقف وقع لأُبي بن كعب حين دخل المسجد فسمع رجلاً يصلي ويقرأ قراءة أنكرها أُبي عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فالتبس الأمر على أُبي، فدخل معهما إلى النبي ﷺ ، فقرؤوا بين يديه، فحسن النبي ﷺ شأنهما.
يقول أُبي: فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية.
فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، فقال لي: «يا أُبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فرد إلي الثانية: اقرأه على حرفين. فرددت إليه أن هوِّن على أمتي. فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف» (٢)، ففهم أُبي بن كعب حينذاك أن القرآن تنزل بهذه الحروف، وأن الخلاف بين الصحابة في بعض حروفه هو رخصة من الله أعطاها الله لنبيه ﷺ تخفيفاً عليهم ورحمة بهم، ولذلك
стр. 103
كان ﵁ يقرأ بهذه الحروف بعد اجتماع الصحابة على لغة قريش وحرف القرآن الذي تنزل به أول مرة، وكان يقول: (لا أدع شيئاً سمعتُه من رسول الله ﷺ ) (١).
لقد فهم الصحابة حكمة تعدد الأحرف وما تقتضيه هذه الرخصة من تنوع؛ اقتضاه تنوع لهجات القبائل العربية واختلاف طريقة نطق كل قبيلة لبعض الحروف العربية عن غيرها من القبائل، فلم يعب بعضهم على بعض قراءته، إذ علموا أن كل ذلك من عند الله.
لكن الأمر لم يكن كذلك في عهد عثمان الخليفة الثالث للنبي ﷺ ، حيث دخل في الإسلام العرب والعجم، ممن لم يفقه الأحرف السبعة، وأن الله نزل القرآن بها جميعاً تسهيلاً ورحمة بالأمة، فجعل بعضهم يخطئ الآخرين في قراءتهم، ويرى أن حرفه أصح من حرف غيره، وحصل بينهم مراء، فجاء حذيفة بن اليمان إلى الخليفة عثمان بن عفان ﵁ يشكو تنافر المسلمين بسبب اختلافهم في الحروف التي سمعوها من النبي ﷺ ، فقال: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى" (٢).
فاستشار عثمان أصحاب النبي ﷺ في إعادة نسخ القرآن في مصحف واحد جامع: (نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت) (٣).
وقد أسقط الجمع العثماني من الأحرف السبعة ما تعارض مع الرسم العثماني، فقد قال عثمان للجنة الكتابة: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن
стр. 104
فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم) (١)، وليس في ذلك إهمال لبعض نص القرآن، بل عود لأصل تنزله على حرف واحد، فقد عاد الصحابة للأصل الأول الذي نزل به القرآن، وهو لسان قريش بعد أن زال سبب التخفيف والرخصة التي أنزل الله من أجلها بقية الأحرف.
والذي دعا الصحابة إلى هذا الصنيع خوفُهم من تفرق الأمة واختلافها بسبب هذه الرخصة التي فات محلها، ووقوع الناس لجهلهم بحكمتها في المراء الذي حذر رسول الله ﷺ منه، قال ابن الجزري: "وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبرائيل ﵇ متضمنة لها لم تترك حرفاً منها .. وهذا القول هو الذي يظهر صوابه لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له" (٢).
وهكذا اجتمع المسلمون منذ الصدر الأول على القراءة بالقرآن الذي بين أيدينا، فنقل عن الصحابة بطرق لا تحصى لكثرتها، نقل منها ابن الجزري في النشر ٩٨٠ طريقاً (٣)، وهي في كل ذلك لا تختلف عن بعضها في شيء من آيات أو كلمات القرآن الكريم.
стр. 105
ثالثاً: هل أسقط ابن مسعود ﵁ المعوذتين من مصحفه ؟
قالوا: اختلف الصحابة في المعوذتين هل هما من القرآن أم لا؟ فكان ابن مسعود يحكُّهما من المصاحف، ويقول: (إنهما ليستا من القرآن، فلا تجعلوا فيه ما ليس منه).
والجواب: إن القرآن نقل إلينا بالتواتر، جيلاً بعد جيل، فقد حمله من الصحابة من لا يحصي عددهم إلا الله، ونلقه عنهم أضعافهم عدداً إلى يومنا هذا، فتوافق الصحابة على النص القرآني حجة لا ينقضها ولا يقدح فيها مخالفة واحد من آحاد الصحابة أو من بعدهم، إذ مخالفة الآحاد لا تقدح في التواتر، فليس من شرطه عدم وجود المخالف، فقد تواتر عند الناس - اليوم - وجود ملك قديم، الفرعون خوفو، فلو أنكر اليوم واحد من الباحثين هذا الذي تواتر عند الناس، وقال: لم يوجد هذا الملك، فإنه لا يلتفت إليه، لمخالفته المتواتر.
ومثله تواتر القرآن برواية الجموع عن الجموع في كل جيل، فلو صح إنكار ابن مسعود سورة من سوره، بل لو أنكر القرآن كله لما قدح هذا بقرآنية القرآن ولا طعن في موثوقيته.
لكن هذه الروايات لا تصح عن ابن مسعود ﵁، ففي أسانيدها ما يقدح في صحتها، فخبر حكِّ السورتين من المصاحف، وقول ابن مسعود ﵁: (ليستا من كتاب الله ﵎، مروي في مسند أحمد والطبراني في الكبير، وتدور أسانيدهما على أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني عن عبد الرحمن بن يزيد.
وأبو إسحاق رغم توثيق العلماء له؛ فإنه قال عنه ابن حبان: "وكان مدلساً"، والمدلس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث [أي قال: حدثني]، وترد روايته إذا كانت بصيغة العنعنة، كما في هذه الرواية، حيث يقول فيها: (عن عبد الرحمن بن يزيد).
стр. 106
ولا يتقوى هذا الإسناد بإسناد الطبراني للأثر من رواية الأزرق بن علي (أبي الجهم الحنفي)، وقد ذكره ابن حبان وقال: "يغرب"، أي له غرائب (١).
والأزرق صاحب الغرائب يرويه عن حسان بن إبراهيم الكرماني، وقد وثقه البعض، وضعفه غيرهم، كالعقيلي الذي قال عنه: " في حديثه وهم"، كما أعله غير واحد من العلماء، قال ابن حبان: "ربما أخطأ".
وقال أبو زرعة: "لا بأس به".
وقال النسائي: "ليس بالقوي".
وقال ابن عدي: "قد حدث بأفراد كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد" (٢).
وبهذا يتبين ضعف هذه الروايات المروية عن مثل هؤلاء، وقد أشار العلماء من أهل الصنعة الحديثية إلى ذلك، فقال ابن حزم: "وكل ما روى عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه؛ فكذب موضوع لا يصح، وإنما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، وفيها أم القرآن والمعوذتان" (٣).
وكذلك فإن الباقلاني يكذب هذه الأخبار ويقول: "هذا باطل وزور، ولا ينبغي لمسلم أن يثبته على عبد الله بن مسعود بأخبار آحاد معارضة بما هو أقوى منها عن رجال عبد الله في إثباتها قرآناً" (٤)، ونرى في كلام ابن حزم والباقلاني إشارة إلى أمر مهم - نعود إليه -، وهو مخالفة هذه الروايات الضعيفة للقراءات
стр. 107
المتواترة عن ابن مسعود وغيره من الصحابة الكرام.
ويستشهد الباقلاني على ضعف هذه الروايات بعلة أخرى، وهي سكوت الصحابة على قوله وهم جميعاً يقرؤون المعوذتين، فيقول: "وأما المعوذتان، فكل من ادَّعى أن عبد الله بن مسعودٍ أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل، وبعُد عن التحصيل، لأن سبيل نقلهما؛ سبيل نقل القرآن ظاهراً مشهوراً .. وكيف ينكر كونهما قرآناً منزلاً، ولا ينكر عليه الصحابة، وقد أَنكرت عليه أقل من هذا وكرهته من قوله: "معشر المسلمين، أُعزل عن كتابة المصحف؟! والله لقد أسلمت؛ وإن زيداً لفي صلب رجل كافر". قال ابن شهاب: كره مقالته الأماثل من أصحاب رسول الله ﷺ " (١).
والصحيح أن ابن مسعود ﵁ لم ينكر سماع المعوذتين من النبي ﷺ ، بل غاية ما نقل أنه كان يراهما عوذة علمها الله لنبيه، فكان يعوذ بهما نفسه والحسن والحسين، لكنه لم يسمعه ﷺ يقرأ بهما في الصلاة، وهذا الذي نُقل عن ابن مسعود: (لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنما هما معوذتان تعوذ بهما النبي ﷺ : قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس) (٢)، وفي رواية الطبراني من طريق أبي الجهم الأزرق بن علي أنه قال: (إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن يقرأ بهما) (٣).
وإذا كان ابن مسعود لم يسمع النبي ﷺ يقرأ السورتين في الصلاة فإن ذلك لا يعني بالضرورة عدم قراءته ﷺ لهما، فقد سمعهما غيره منه، قال سفيان: "كان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته، فظن أنهما عوذتان، وأصر على ظنه، وتحقق الباقون كونهما من القرآن،
стр. 108
فأودعوهما إياه" (١).
وإذا كان ابن مسعود يظن - حسب تلك الآثار الضعيفة - عدم قرآنيتهما؛ فإن جميع الصحابة خالفوه في ذلك، فالمفروض في ميزان العقلاء أن قوله خطأ يردُّ في مقابل قولهم الصحيح، يقول ابن قتيبة: "إنا لا نقول: إن عبد الله وأُبياً أصابا (٢)، وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكن عبد الله ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن المعوذتين كانتا كالعوذة والرقية وغيرها، وكان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين وغيرهما .. فظن أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعاً" (٣)، ولن يقبل أحد ترك القراءة بآية قرآنية، لأن ابن مسعود لم يسمعها من النبي ﷺ ، فليس من شرط القرآن أن يسمعه ابن مسعود ﵁ تحديداً.
قال البزار: "لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأ بهما في الصلاة، وأُثبتتا في المصحف" [أي العثماني] (٤)، أفلا يكفي للإيمان بقرآنيتهما أن النبي ﷺ قرأهما في الصلاة (٥).
كما جاء في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال له: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾» (٦)، وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «فإن استطعت ألا تفوتك قراءتهما في صلاة، فافعل» (٧).
ونقل أبو سعيد الخدري قرآنيتهما عن النبي ﷺ بقوله: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ
стр. 109
من عين الجان وعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) (١).
ولما قيل لأبي بن كعب ﵁: إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه قال أُبي: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتُها، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقلتُها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ (٢).
لكن الموضوع الأهم هو ما أشار إليه ابن حزم والباقلاني في أن الأخبار المروية عن ابن مسعود بشأن حك المعوذتين معارضة بآثار أصح منها منقولة عن ابن مسعود ﵁، فالمعوذتان قرأ بهما عاصم - راوي الأثر المشكِل - في قراءته الصحيحة التي يرويها عن زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي عمرو سعد بن إلياس الشيباني، "وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود ﵁، وقرأ السلمي وزِر أيضاً على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄، وقرأ السلمي أيضاً على أُبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵄، وقرأ ابن مسعود وعثمان وعلي وأبو زيد على رسول الله ﷺ " (٣).
وكذلك رويت قراءة المعوذتين عن ابن مسعود في قراءة حمزة وتلميذه الكسائي، فقد قرآها عنه من طريق "علقمة والأسود وابن وهب ومسروق وعاصم بن ضمرة والحارث" فقد قرؤوا جميعاً على ابن مسعود ﵁ (٤).
بل وقرأ المعوذتين جميعُ القراء العشرة، وأسانيد قراءاتهم أقوى من تلك
стр. 110
الرواية الضعيفة المستشكلة، التي لن تقوى على معارضة (٩٨٠) طريقاً مسندة، وهي عدد الطرق التي ذكرها ابن الجزري تفصيلاً للقراء العشر (١)، وتنتهي هذه الطرق - التي قاربت الألف - إلى ابن مسعود ﵁ وإلى أجلّة إخوانه من أصحاب النبي ﷺ كعثمان وأُبي بن كعب وأبي هريرة وابن عباس، وهذا أصح من الآثار المروية في محو السورتين، ولا تنهض آثار الآحاد الضعيفة في نقض ألف من الأسانيد الصحاح، لذا "أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة من القرآن، وأن مَن جحد شيئاً منها كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح عنه" (٢).
ومال بعض المحققين إلى الجمع بين هذه الآثار، والقول بأن ابن مسعود كان يصنع ذلك، لأنه لم يسمع النبي ﷺ يقرأ بهما في الصلاة، فلما رأى إجماع الصحابة قرأ بهما، وأقرأ التابعين كما في القراءات المنقولة عنه، يقول ابن كثير: " مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النَّبيِّ ﷺ ، ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة [بدليل القراءات المروية عنه]، فإن الصحابة أثبتوهما في المصاحف الأئمة، وأنفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنَّة" (٣).