← Общие книги

Общие книги · id 95574

تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين

منقذ السقار

Полный текст (306 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولا يتقوى هذا الإسناد بإسناد الطبراني للأثر من رواية الأزرق بن علي (أبي الجهم الحنفي)، وقد ذكره ابن حبان وقال: "يغرب"، أي له غرائب (١). والأزرق صاحب الغرائب يرويه عن حسان بن إبراهيم الكرماني، وقد وثقه البعض، وضعفه غيرهم، كالعقيلي الذي قال عنه: " في حديثه وهم"، كما أعله غير واحد من العلماء، قال ابن حبان: "ربما أخطأ". وقال أبو زرعة: "لا بأس به". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقال ابن عدي: "قد حدث بأفراد كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد" (٢). وبهذا يتبين ضعف هذه الروايات المروية عن مثل هؤلاء، وقد أشار العلماء من أهل الصنعة الحديثية إلى ذلك، فقال ابن حزم: "وكل ما روى عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه؛ فكذب موضوع لا يصح، وإنما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، وفيها أم القرآن والمعوذتان" (٣). وكذلك فإن الباقلاني يكذب هذه الأخبار ويقول: "هذا باطل وزور، ولا ينبغي لمسلم أن يثبته على عبد الله بن مسعود بأخبار آحاد معارضة بما هو أقوى منها عن رجال عبد الله في إثباتها قرآناً" (٤)، ونرى في كلام ابن حزم والباقلاني إشارة إلى أمر مهم - نعود إليه -، وهو مخالفة هذه الروايات الضعيفة للقراءات

стр. 107

المتواترة عن ابن مسعود وغيره من الصحابة الكرام. ويستشهد الباقلاني على ضعف هذه الروايات بعلة أخرى، وهي سكوت الصحابة على قوله وهم جميعاً يقرؤون المعوذتين، فيقول: "وأما المعوذتان، فكل من ادَّعى أن عبد الله بن مسعودٍ أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل، وبعُد عن التحصيل، لأن سبيل نقلهما؛ سبيل نقل القرآن ظاهراً مشهوراً .. وكيف ينكر كونهما قرآناً منزلاً، ولا ينكر عليه الصحابة، وقد أَنكرت عليه أقل من هذا وكرهته من قوله: "معشر المسلمين، أُعزل عن كتابة المصحف؟! والله لقد أسلمت؛ وإن زيداً لفي صلب رجل كافر". قال ابن شهاب: كره مقالته الأماثل من أصحاب رسول الله ﷺ " (١). والصحيح أن ابن مسعود ﵁ لم ينكر سماع المعوذتين من النبي ﷺ ، بل غاية ما نقل أنه كان يراهما عوذة علمها الله لنبيه، فكان يعوذ بهما نفسه والحسن والحسين، لكنه لم يسمعه ﷺ يقرأ بهما في الصلاة، وهذا الذي نُقل عن ابن مسعود: (لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنما هما معوذتان تعوذ بهما النبي ﷺ : قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس) (٢)، وفي رواية الطبراني من طريق أبي الجهم الأزرق بن علي أنه قال: (إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن يقرأ بهما) (٣). وإذا كان ابن مسعود لم يسمع النبي ﷺ يقرأ السورتين في الصلاة فإن ذلك لا يعني بالضرورة عدم قراءته ﷺ لهما، فقد سمعهما غيره منه، قال سفيان: "كان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته، فظن أنهما عوذتان، وأصر على ظنه، وتحقق الباقون كونهما من القرآن،

стр. 108

فأودعوهما إياه" (١). وإذا كان ابن مسعود يظن - حسب تلك الآثار الضعيفة - عدم قرآنيتهما؛ فإن جميع الصحابة خالفوه في ذلك، فالمفروض في ميزان العقلاء أن قوله خطأ يردُّ في مقابل قولهم الصحيح، يقول ابن قتيبة: "إنا لا نقول: إن عبد الله وأُبياً أصابا (٢)، وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكن عبد الله ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن المعوذتين كانتا كالعوذة والرقية وغيرها، وكان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين وغيرهما .. فظن أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعاً" (٣)، ولن يقبل أحد ترك القراءة بآية قرآنية، لأن ابن مسعود لم يسمعها من النبي ﷺ ، فليس من شرط القرآن أن يسمعه ابن مسعود ﵁ تحديداً. قال البزار: "لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأ بهما في الصلاة، وأُثبتتا في المصحف" [أي العثماني] (٤)، أفلا يكفي للإيمان بقرآنيتهما أن النبي ﷺ قرأهما في الصلاة (٥). كما جاء في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال له: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾» (٦)، وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «فإن استطعت ألا تفوتك قراءتهما في صلاة، فافعل» (٧). ونقل أبو سعيد الخدري قرآنيتهما عن النبي ﷺ بقوله: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ

стр. 109

من عين الجان وعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) (١). ولما قيل لأبي بن كعب ﵁: إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه قال أُبي: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتُها، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقلتُها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ (٢). لكن الموضوع الأهم هو ما أشار إليه ابن حزم والباقلاني في أن الأخبار المروية عن ابن مسعود بشأن حك المعوذتين معارضة بآثار أصح منها منقولة عن ابن مسعود ﵁، فالمعوذتان قرأ بهما عاصم - راوي الأثر المشكِل - في قراءته الصحيحة التي يرويها عن زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي عمرو سعد بن إلياس الشيباني، "وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود ﵁، وقرأ السلمي وزِر أيضاً على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄، وقرأ السلمي أيضاً على أُبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵄، وقرأ ابن مسعود وعثمان وعلي وأبو زيد على رسول الله ﷺ " (٣). وكذلك رويت قراءة المعوذتين عن ابن مسعود في قراءة حمزة وتلميذه الكسائي، فقد قرآها عنه من طريق "علقمة والأسود وابن وهب ومسروق وعاصم بن ضمرة والحارث" فقد قرؤوا جميعاً على ابن مسعود ﵁ (٤). بل وقرأ المعوذتين جميعُ القراء العشرة، وأسانيد قراءاتهم أقوى من تلك

стр. 110

الرواية الضعيفة المستشكلة، التي لن تقوى على معارضة (٩٨٠) طريقاً مسندة، وهي عدد الطرق التي ذكرها ابن الجزري تفصيلاً للقراء العشر (١)، وتنتهي هذه الطرق - التي قاربت الألف - إلى ابن مسعود ﵁ وإلى أجلّة إخوانه من أصحاب النبي ﷺ كعثمان وأُبي بن كعب وأبي هريرة وابن عباس، وهذا أصح من الآثار المروية في محو السورتين، ولا تنهض آثار الآحاد الضعيفة في نقض ألف من الأسانيد الصحاح، لذا "أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة من القرآن، وأن مَن جحد شيئاً منها كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح عنه" (٢). ومال بعض المحققين إلى الجمع بين هذه الآثار، والقول بأن ابن مسعود كان يصنع ذلك، لأنه لم يسمع النبي ﷺ يقرأ بهما في الصلاة، فلما رأى إجماع الصحابة قرأ بهما، وأقرأ التابعين كما في القراءات المنقولة عنه، يقول ابن كثير: " مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النَّبيِّ ﷺ ، ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة [بدليل القراءات المروية عنه]، فإن الصحابة أثبتوهما في المصاحف الأئمة، وأنفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنَّة" (٣).

стр. 111

رابعاً: هل أسقط ابن مسعود ﵁ الفاتحة من مصحفه ؟ قالوا: اختلف الصحابة في قرآنية أهم سور القرآن، وهي سورة الفاتحة، فلم يكتبها ابن مسعود من مصحفه، كما نقل عنه ذلك التابعي ابن سيرين بقوله: "إن أُبَيَّ بن كعبٍ وعثمانَ كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعودٍ شيئًا منهن" (١). والجواب: ثبوتية الفاتحة - كغيرها من سور القرآن - ثابتة بنقل جموع المسلمين وتواترهم على قراءتها جيلاً بعد جيل، بل أثبت القرآن نفسه قرانية سورة الفاتحة، أعظم سوره، بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: ٨٧)، فالسبع المثاني هي سورة الفاتحة التي تثنى وتقرأ في كل صلاة، وقد سماها النبي ﷺ أم القرآن: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٢)، فهي أم القرآن وأصله وفاتحته التي: «ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني» (٣). وهذا المنسوب إلى ابن مسعود لا يفيد عدم اعتقاده بقرآنية سورة الفاتحة، فهذا يخالف الصحيح المتواتر عند المسلمين جميعاً، بل هو مخالف أيضاً لما بيناه سابقاً من صحة القراءات المسندة إلى ابن مسعود ﵁، فقد قرأها ﵁ وأقرأها التابعين كما صح عنه في قراءة عاصم وحمزة والكسائي، ولا يظن مسلم أن ابن مسعود يجهل قرآنيتها، وهو الذي يقرأها في كل صلاة، ويقول عنها فيما نقله عنه

стр. 112

ابن سيرين (راوي الأثر المشكِل عنه): (السبع المثاني فاتحة الكتاب) (١). ولو تأملنا المنقول عنه لما وجدنا فيه إنكاراً لقرآنية الفاتحة، بل غاية ما فيه أن ابن مسعود لم يكتب الفاتحة في مصحفه، وصدق ابن قتيبة بقوله: "وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه، فليس لظنه أنها ليست من القرآن (معاذ الله)، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين، مخافة الشك، والنسيان، والزيادة، والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها، فلما أمن عليها العلة التي من أجلها كتب المصحف؛ ترك كتابتها، وهو يعلم أنها من القرآن" (٢)، فقد أغفل ﵁ كتابتها في مصحفه لإطباق الناس على قراءتها، لذا نقل إبراهيم النخعي أنه قيل لابن مسعودٍ: لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: (لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة) (٣). قال أبو بكر الأنباري: "يعني أن كلَّ ركعةٍ سبيلُها أن تفتتح بأم القرآن، قبل السورة المتلوَّة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لَهَا، ولم أثبتها في موضعٍ، فيلزمني أن أكتبها مع كل سورةٍ، إذ كانت تتقدمها في الصلاة" (٤).

стр. 113

(*) خامساً: هل أخطأ نساخ القرآن في كتابة بعض كلماته ؟ ١. قالوا: النص القرآني تعرض للتغيير والتحريف الذي طرأ عليه بسبب خطأ الرواة والنساخ، واستدلوا لذلك بما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ " أفلم يتبين للذين آمنوا " فقيل له: إنها ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ (الرعد: ٣١) فقال: إني أرى الكاتب كتبها وهو ناعس (١). الجواب: لن نعيد هنا ما سبق عرضه عن كيفية نقل القرآن الكريم بحفظ الجموع من الصحابة وإجماعهم على المصحف الذي كتبه عثمان، فما خالف حروفه تركوا روايته، ولو كان منقولاً عن النبي ﷺ ، فلو صح النقل عن ابن عباس لما كان فيه ما يقدح في وثاقة النص القرآني، لمخالفته لنقل جموع الثقات. لكن الرواية المذكورة لا تصح نسبتها إلى ابن عباس (٢)، بل هي ضعيفة منكرة المتن، ردها العلماء واستبشعوها لمخالفتها لظاهر القرآن الكريم ﴿وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩)، ثم لأبسط معارفنا عن كيفية نقل القرآن الكريم، قال الزمخشري: «هذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكيف يخفى هذا حتى يبقى ثابتاً بين دفتي الإمام [أي المصحف الإمام، وهو مصحف عثمان]، وكان متقلباً بين أيدي أولئك الأعلام المحتاطين لدين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه؛ خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي أقيم عليها البناء؟ هذا والله فرية ما فيها مرية. وقال الفراء: «لا يتلى إلا كما أنزل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾» (٣). وقال أبو حيان: «وأما قول من قال: «إنما كتبه الكاتب وهو ناعس، فسوى أسنان السين» فقول زنديق ملحد» (٤). وقال الألوسي: «فرواية ذلك - كما في الدر المنثور - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما غير صحيحة» (٥). وقال الزرقاني: «لم يصح ذلك عن ابن عباس». ويشهد لضعف هذه الرواية أمور، منها أنه ورد عن ابن عباس تفسيره للفظة ﴿ييأس﴾، مما يدل على قراءته بها، فقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه فسَّر ﴿أفلم ييأس﴾ بقوله: «يعلم»، فتفسيره إقرار منه لأصالتها، ويناقض الرواية المزعومة التي توهم تخطئته لمن قرأ: ﴿ييأس﴾. ويزيد الأمر وضوحاً وجلاء ما أخرجه الطستي عن نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس عن قوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ ففسرها بقوله: «(أفلم يعلم) بلغة بني مالك». فقال ابن الأزرق: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: «نعم، أما سمعت مالك بن عوف يقول: لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا» (٦). لكن الشاهد الأهم على ضعف هذه الرواية هو مخالفتها للقراءات الصحيحة المنقولة عن ابن عباس بروايات الجموع عن الجموع، وفي كلها قرأ الرواة عنه: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾، وهذه القراءات أوثق في أسانيدها وأصح من الرواية المشكلة. فقراءة أبي عمرو الدوري مسندة إلى ابن عباس، وقرأ فيها: ﴿أفلم ييأس﴾، فقد قرأ أبو عمرو على مجاهد المكي وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة بن خالد القرشي وأخيه أبي وابصة الحارث بن خالد القرشي، وكل هؤلاء قرؤوا على ابن عباس ﵁: ﴿أفلم ييأس﴾. كما قرأها أبو عمرو بهذا اللفظ على شيوخه محمد بن محيصن وأبي صفوان حميد الأعرج، وقد قرآ على مجاهد تلميذ ابن عباس (٧). قال ابن الأنباري: «روي عن عكرمة عن ابن أبي نجيح أنه قرأ (أفلم يتبين الذين آمنوا)، وبها احتج من زعم أنه الصواب في التلاوة، وهو باطل عن ابن عباس، لأن مجاهدا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس» (٨). ٢. قالوا: أخطأ نساخ القرآن في قراءة بعض كلمات القرآن، وتغيرت بسبب القراءة الخاطئة، ومثلوا له بكلمة (أمة) في قوله: ﴿وادكر بعد أمة﴾ (يوسف: ٤٥)، فزعموا أنها ينبغي أن تكون (وادكر بعد أمد). وذكروا مثالاً آخر لما أسموه أخطاء نساخ القرآن في كلمة ﴿حصب﴾، وذلك في قوله تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨)، فزعم أنها في الأصل (حطب جهنم)، فتحرفت على قارئها إلى ﴿حصب﴾، لأن الحصب يكون من الحجر، بينما الحطب يكون من الشجر الذي هو وقود النار. الجواب: لم يقرأ المستشرق بيلامي (٩) صاحب هذه الشبهة ما يسوغ له هذا القول في مخطوطة للقرآن، ولم يجده في رواية من الروايات، لكنها خاطرة لامست خياله وهو يشرب الشاي، ولربما القهوة، وقد أودى به جهله بألفاظ العرب إلى الظن بأن كلمة ﴿أمة﴾ لا تناسب هذا السياق، إذ لا يعرف أن (الأمة) لفظ مشترك، يقصد به العرب عدداً من المعاني، ورد بعضها في القرآن، ومنها: الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وجد عليه أمة من الناس﴾ (القصص: ٢٣)، أي جماعة من الناس. ومن معاني (الأمة): المقتدى به، ومنه قوله: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ (النحل: ١٢٠)، أي إماماً يقتدى به، وكذلك يراد من (الأمة): الطريقة أو الدين، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ (الزخرف: ٢٢)، أي على طريقة. ومن معاني هذه الكلمة القرآنية أيضاً في لغة العرب: المدة والأمد، وورد لها شاهد آخر في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾ (هود: ٨)، فأمَّة هنا تعني (مدة) أو (أمد). وأما بخصوص الخطأ الآخر الذي زعمه المستشرق بيلامي، ونسبه إلى قراءة خاطئة لأحد النساخ في قوله: ﴿فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾، فزعم أن الأصل (حطب جهنم) لأن الحصب من الحجر، والحطب من الشجر الذي هو وقود النار. وقد جهل بيلامي أن القرآن ذكر الحجارة مرتين في سياق حديثه عن وقود جهنم، فهي نار ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ (التحريم: ٦)، فالنار وقودها الحجر والشجر والإنسان، ولذا شبه الله عذاب أهل النار بالحصب، وهو الحجر الذي تذيبه النار، وهو مشهد أعظم من إحراق الشجر. ولا ريب أن (الحصب) أنسب هنا من (الحطب)، لأن الحديث عن إحراقهم وآلهتهم المصنوعة من الحجارة لا الشجر ﴿فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾. إن أمثال هذه المطاعن مما تضحك له الثكلى، ويفتقر إلى أدنى صور الموضوعية التي يفتقدها المسنشرقون بقدر جهلهم بوسائط نقل القرآن عبر القرون، وأعداد حافظيه بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين.

стр. 114

سادساً: هل في القرآن زيادة أو سقط أو جمل لم تكتمل ؟ ١. قالوا: في القرآن جمل لا يتضح معناها إلا بحذف واو منها، وقصدوا بذلك قوله تعالى: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ (يوسف: ١٥) فتساءلوا أين خبر ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا﴾، ورأوا أن المعنى لا يتم إلا بحذف الواو في قوله: ﴿وأوحينا﴾ لنصل إلى الخبر، وهو بحسب زعمهم ﴿أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا﴾. ومثله زعموه في قوله تعالى: ﴿فلما أسلما وتله للجبين وناديناه يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ (الصافات: ١٠٣ - ١٠٥)، فزعموا أن قوله: ﴿فلما أسلما﴾ لا يظهر خبره إلا بحذف الواو من قوله ﴿وتله للجبين﴾. الجواب: للعلماء في جواب هذه المسألة أجوبة، وكلها وجوه صحيحة تعرفها العرب في كلامها، وأهمها ثلاثة وجوه: الأول: وهو مذهب علماء اللغة البصريين، ويرون أن الخبر في هذه الشواهد محذوف مضمر، وتقديره يكون بحسب السياق، وهو موضع نستوفيه ونذكر شواهده في حديث يأتي قريباً عن الجمل التي زعموا عدم اكتمالها. الثاني: وهو مذهب علماء اللغة الكوفيين، ويرون أن الخبر في هذه الشواهد وأمثالها ظاهر بعد واو الصلة، التي تقحمها العرب في جواب (لما) و (حتى)، فما يأتي بعدهما يقع جواباً لما قبلهما (١). وقد نقل ابن الأنباري الرأيين بقوله: " ذهب الكوفيون إلى الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرد وأبو القاسم ابن برهان من البصريين. وذهب [جمهور] البصريون إلى أنه لا يجوز" (٢). وتقدير السياق في الآيات السابقة على مذهب الكوفيين: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم) (فلما أسلما وتله للجبين ناديناه يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا). ويسمي بعض النحاة واو الصلة بالواو (الزائدة)، لأنها لا محل لها من الإعراب، والعرب تزيدها في كلامها لمآرب بيانية، وكذلك صنع القرآن الذي نزل موافقاً لطرائقهم في الكلام والبيان. ومن شواهد إضافة العرب لهذه الواو قول الأسود بن يعفر النهشلي: حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب والمعنى: قلبتم ظهر المجن بعد أن كبر أبناؤكم وشبعتم. ولن يقبل تخبط جاهل - لم يعرف طرائق العرب في الكلام - بوجوب حذف الواو في قوله: (وقلبتم)، فما هو أدرى بلغة العرب من شاعر تميم في الجاهلية ونديم النعمان بن المنذر ملك المناذرة. ومن صور الواو (الزائدة) قول امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل والمعنى: لما أجزنا ساحة الحي انتحى بنا .... والواو زائدة. ومن بعدهما قال الأخطل التغلبي النصراني: ولما رأى الرحمن أن ليس منهم ... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر وصب عليهم تغلب ابنة وائل ... فكانوا عليهم مثل راغية البكر والمعنى: صب الله عليهم العذاب بتغلب بعد أن فسدوا وغدروا. الثالث: وهو مكمل للثاني، فقد ذهب آخرون من فقهاء اللغة إلى جواز زيادة الواو في جواب (لما) و (حتى)، وفي جواب غيرهما، ومثّلوا له بقول الشاعر: فإن رشيداً وابن مروان لم يكن ... ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا فإنه أراد رشيد بن مروان، فزاد الواو بين الصفة والموصوف، وليس في السياق (لما) ولا (حتى). ومثله قول شاعر آخر: كنا ولا تعصي الحليلة بعلها ... فاليوم تضربه إذا ما هو عصى فزاد الواو في خبر كان، والمعنى: كنا لا تعصي الحليلة زوجها (٣). ٢. قالوا: ثمة جمل في القرآن لم تكتمل (٤)، ومنها قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً﴾ (الرعد: ٣١)، وقوله: ﴿حتى إذا ما جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها﴾. والجواب: قبل الشروع في تبيان جواب قولهم تفصيلاً؛ نستذكر قولاً لإمام اللغة الجرجاني، وهو يتحدث عن طرف من إعجاز القرآن، فيقول: «الحذف هو بابٌ دقيقُ المسلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأمر، شبيه بالسِّحر، فإِنَّك ترى به ترك الذِكْر أفصحَ من الذكر، والصمت عن الإِفادة أزيدَ للإِفادة، وتجدُك أنطقَ ما تكونُ إِذا لم تنطِقْ وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِن» (٥). ثم ذكر له عشرات الشواهد من القرآن الكريم ومن أشعار العرب وآدابها، ليدلل على فن تعرفه العرب في كلامها، ولا ينكره إلا الجاهلون من الأعاجم المستعربين اليوم. وشواهد الحذف في القرآن الكريم كثيرة، وبين يدينا العديد منها مما جرى فيها حذف بعض الكلام من السياق، ولم يشكل على قارئيه، لأن المحذوف مما يدركه السامع من السياق، من غير حاجة لذكره، ومنه قول الله تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق﴾ (الأنبياء: ٩٦ - ٩٧) فقوله: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب قالوا: يا ويلنا فقد اقترب الوعد الحق أي يوم القيامة. وذلك أن خروج يأجوج ومأجوج علامة على اقترابه. وكذلك حذف الخبر في قوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٢ - ٧٣)، والتقدير: سيق المتقون إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها استقبلتهم الملائكة، وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها .. والواو في قوله: ﴿واقترب﴾ ﴿وفتحت أبوابها﴾ هي واو العطف، معطوفة على محذوف دل عليه السياق.

стр. 115

وهنا يسأل سائل: لم يحذف العرب في كلامهم ما يحذفون؟ العرب تفعل ذلك لأمرين: الأول: الإيجاز البلاغي لما يفهمه السامع من غير حاجته إلى ذكره، فالإيجاز فيما لا يخل بالمعنى ضرب من البلاغة لا يستغني عنه أرباب البيان، لما فيه من صون الكلام عن الحشو. ومنه قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركنٍ شديدٍ (٨٠) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ (هود: ٨٠ - ٨١)، فخبر ﴿لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركنٍ شديدٍ﴾ محذوف، والتقدير: لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركنٍ شديدٍ لأويت إليه. وكذلك قوله تعالى: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ (التوبة: ١١٨)، وتقديره: لما ضاقت عليهم الأرض ألهمهم الله التوبة ثم تاب عليهم. الثاني: أن الحذف يكون أحياناً أبلغ من التصريح في المعنى وأوقع. وضربوا له بأمثلة منها: قول الكريم: إن جئتني أعطيتك ... فتركُ الكريمِ التصريحَ بالمُعطى أوقع وأرجى في نفس السامع من قوله: إن جئتني أعطيتك كذا وكذا. ومن أمثلته أيضاً إنذار القوي المقتدر لعدوه: والله لئن قمت إليك لأفعلن بك ... فسكوت القوي عن التصريح بأنواع الوعيد يذهب بفكر المُتوعَد كل مذهب، فلا يدري أي أنواع المكروه - من الضرب والقتل والكسر - يصيبه، فتتمثل في فكره صور من العقوبات لم يخطر بعضها في ذهن المتوعِد، وتتكاثر عليه وتؤرقه، وهي ولا ريب أبلغ في نفسه وأزجر من قول المتوعِد: لئن قمت إليك لأضربنك. وقد وقع في القرآن في غير ما موضعٍ حذفُ ما يفهم من السياق لقصد الزجر والتخويف، منه قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم﴾ (النور: ٢٠)، فحذف جواب ﴿لولا﴾، والتقدير فيه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة ولعاجلكم بالعقوبة قبل التوبة و .... يقول العلامة أبو السعود في تعليل هذا الحذف: «وجواب لولا محذوف لتهويله، والإشعار بضيق العبارة عن حصره، كأنه قيل: ولولا تفضله تعالى عليكم ورحمته، وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة، حكيم في جميع أفعاله، وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان، لكان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان» (١). ومثله في استدعاء المعاني الكثيرة بحذف الجواب ما جاء في قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً﴾ (الرعد: ٣١)، والتقدير: لو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لما آمنوا به. ويصح أيضاً وجه آخر: لكان هذا القرآن. فحذفُ الجوابِ فتحَ الباب أمام ذهن السامع ليجول في كلا المعنيين الصحيحين، وهو يقول: صدق الله العظيم بقوله: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثلٍ لعلهم يتذكرون (٢٧) قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ لعلهم يتقون﴾ (الزخرف: ٢٧ - ٢٨). وقد يغين الشيطان على أحدهم، فيتساءل: هل تعرف العرب مثل هذا الحذف في كلامها؟ ونقول: نعم، فذلك تعرفه العرب في كلام بلغائها، والقرآن النازل بلسان العرب وافقهم في أساليبهم وطرائق بيانهم، ومنها حذفهم الخبر أو جواب القسم. قال امرؤ القيس: فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَموتُ جَمِيعَةً ... ولكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَاً فقوله: (لو أنها نفس تموت جميعة) مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: لفنيت أو لاستراحت بموتها. فحذفُ الخبر يعطي الفرصة لإعمال الخبرين. وكذلك قال جرير: كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بحزيز رامة والمطي سوامي ولم يقل: لرأين ما يشجيهن ويسخن أعينهن. وقال الشاعر: قالت بنات العم يا سلمى وإنْ ... كان فقيراً معدماً قالت وإنْ أي رضيت زواجه وإن كان فقيراً. وقال حاتم طيء مقالة صارت مثلاً حين أُسر، فلطمته جارية: لو غيرُ ذات سوار لطمتني. أي لو كان ظالمي رجلاً ذا قدر لكان سهلاً عليّ، أو لاقتصصت منه (٢). والعرب تعرف الاختصار في كلامها، لا في الجمل والكلمات فحسب، بل قد تختصر الكلمة الواحدة، وتكتفي عنها بحرف، وهو ضرب لم يرد له في القرآن مثل، لما قد يقع فيه من التوهم، قال ابن مكناس: لم أنس بدرا زارني ليلة ... مستوفراً ممتطياً للخطر فلم يقف إلا بمقدار ما ... قلت له أهلاً وسهلاً ومر [أي: مرحبا]. وقال الشاعر: ما للظليم عَالَ كَيْفَ لا يا ... ينقَدُّ عنه جلده إذاً يا قال الطبري: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل (٣). وقال آخر: وبالخير خيرات وإن شرا فآ [أي: فشر] ... ولا أريد الشر إلا أن تآ [أي: تشاء] وقال آخر: قلنا قفي لنا فقالت قاف [أي وقفتُ] ... لا تَحْسَبِي أنا نَسينا الإيجاف فمن عرف أمثال هذا في كلام العرب أدرك بلاغة القرآن وعظمة بيانه، وأدرك أيضاً جهل الطاعنين فيه على غير هدى. ٣. قالوا: لم يذكر القرآن جواب القسم في قوله تعالى: ﴿والفجر (١) وليالٍ عشرٍ (٢) والشفع والوتر (٣) والليل إذا يسر (٤) هل في ذلك قسمٌ لذي حجرٍ (٥) ألم ترى كيف فعل ربك بعادٍ (٦)﴾ (الفجر: ١ - ٦)، وتساءلوا ما فائدة القسم إذا لم يذكر جوابه. والجواب: ليس في القرآن قسم ليس له جواب، لكن جواب القسم قد يذكر صراحة، وقد يضمر، ويفهمه السامع بقرينة من السياق، يقول سيبويه: «والحذف في كلامهم كثير، إذا كان في الكلام ما يدل عليه». وفي الآية المستشكلة جواب للقسم محذوف تقديره: والفجر وليال عشر ليعذبن الله الكفار كما فعل بعاد ذات العماد وثمود وفرعون ذي الأوتاد. وقد ورد إضمار جواب القسم في غير ما موضع من القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿ص والقرآن ذي الذكر (١) بل الذين كفروا في عزةٍ وشقاقٍ﴾ (ص: ١ - ٢) وجواب القسم مضمر محذوف، تقديره: ص والقرآن ذي الذكر، إنك لرسول الله، والذين كفروا في عزة وشقاق. قال ابن عاشور: "والغرض من حذف جواب القسم هنا الإِعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر، وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عناداً أو شقاقاً منهم" (٤) ومما حذف فيه جواب القسم أيضاً قوله تعالى: ﴿والنازعات غرقاً (١) والناشطات نشطاً (٢) والسابحات سبحاً (٣) فالسابقات سبقاً (٤) فالمدبرات أمراً (٥) يوم ترجف الراجفة﴾ (النازعات: ١ - ٦)، أي: والنازعات والناشطات .. لتبعثُنَّ يومَ ترجف الراجفة. ومثله قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة (١) ولا أقسم بالنفس اللوامة (٢) أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه﴾، وجواب القسم فيه محذوف، دل عليه السياق، أي: أقسم لتبعثن ولتحاسبن وليجزين كل نفس بما كسبت.

стр. 116

الأباطيل المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله أولاً: نسبة صفات النقص إلى الله تعالى قالوا: القرآن نسب إلى الله صفات لا تليق به، وهي المكر والخداع والكيد والنسيان، وذلك في مثل قول الله: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢)، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ (الأنفال: ٣٠)، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (الطارق: ١٦)، وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: ٦٧). الجواب: يلزم التنبيه أولاً أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي ينزه الله عن النقائص، فلا يوجد فيه ما في كتب الآخرين التي تتحدث عن مصارعة الله ليعقوب وتغلب يعقوب عليه، وأكله الزبدة واللبن واللحم عند إبراهيم، وغيره مما لا يليق بجناب الله العظيم. فالقرآن يخلو عن مثل هذا، وهو لا ينسب إلى الله تعالى إلا صفات الكمال والجلال، ولا يسميه إلا بأحسن الأسماء ﴿وَلِله الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠)، وكذلك: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ (طه: ٨). ومن أسمائه جل وعلا الحسنى ما ذكره القرآن الكريم بقوله: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر: ٢٢ - ٢٤). ولئن كانت أسماء المخلوقات جامدة معطلة لا تفيد معانيها، وتنحصر دلالتها في التعريف بالذات؛ فإن أسماء الله تدل على ذاته، وهي أيضاً أوصاف لذاته العلية ﵎، وتدل على غاية الكمال في اتصافه بها، فهو الملك الذي لا نِد له في ملكه، وهو الحكيم الذي لا يُدانى في حكمته.

стр. 117

ووفقاً لما سبق فإن الله لا يسمى بأسماء تنتقص ذاته العلية؛ كالماكر والمخادع والكائد، فهذه الأسماء لا كمال فيها، فلا يسمى بها الرب ﵎، كما لا يوصف بالمكر والخداع والكيد، وإن فعل ﵎ هذه الأفعال، فباب الأفعال أوسع من الصفات. والسؤال: كيف نسب القرآن إلى الله فعل الكيد والمكر والخداع؟ وفي جوابه نقول: إن آفة الجهل بلغة العرب وطرائقهم في التعبير عن المعاني من أعظم بلايا هذا الزمان، حيث اضمحلت معرفة الناس باللغة، وأصبح أهلها أعاجم فيها، فالعرب تعرف في أساليبها المشاكلة اللفظية، وهي استخدام اللفظ في غير معناه؛ لمقابلته مع فعل آخر. يقول أبو بكر ابن حجة في تعريف المشاكلة: "المشاكلة في اللغة هي المماثلة، والذي تحرر في المصطلح عند علماء هذا الفن أن المشاكلة هي ذكر الشيء بغير لفظه لوقوعه في صحبته" (١). وعند ابن عاشور المشاكلة هي: "استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ المستعار. فالمشاكلة ترجع إلى التلميح، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقةٌ بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلاّ محاكاة اللفظ، سميّت مشاكلة" (٢). وأمثلتها في لغة العرب كثيرة (٣)، منها قول الشاعر أبي الرقعمق الأنطاكي:

стр. 118

قالوا اقترحْ شيئاً نُجِد لك طبخَه ... قلتُ اطبخوا لي جبّةً وقميصاً فالطبخ إنما يكون في الطعام، وليس في الجبة والقميص، لكن الشاعر العربي تزيد حاجته إلى الجبة والقميص على حاجته إلى الطعام، فطلب الملابس بكلام شاكل فيه قولهم: (نُجِد لك طبخه)، فسألهم حاجته: (اطبخوا لي جبة وقميصاً). ومثله في المشاكلة اللفظية قول عمرو بن كلثوم في معلقته: ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا أي نجازيه على جهله، فسمى المجازاة جهلاً للمشاكلة فحسب، وإلا فإن الجهل لا يفخر به، بل يستحى منه. ومثله قول أبي تمام: من مبلغٌ أفناء يعربَ كلَّها ... أني بنيت الجار قبل المنزل ومن المعلوم أن الجار يجاور ولا يبنى، لكن حقيقة (بنيتُ) اللغوية غير مرادة، فهو لم يرد حقيقة البناء في (بنيتُ) كما لم يرد حقيقة الجهل في (فنجهل) ولا حقيقة الطبخ في (اطبخوا). ومثل هذا يفهمه الناس والعوام في كلامهم حتى في أيامنا هذه، فلو تواعد اثنان على موعد، فغاب عنه أحدهما، واعتذر لذلك بالنسيان، فقابله الآخر بالتخلف عن موعد آخر، ليقابل خلفه بخلف مثله، ثم يقول له: نسيت موعدك كما نسيت موعدي، أو نسيتك كما نسيتني، والسامع لمثل هذا يدرك أنه لا يريد أنه نسيه على الحقيقة، إنما أراد مجازاته على نسيانه بالتخلف المتعمد، وأن قوله: (نسيت) من باب المشاكلة اللفظية فحسب. وهذا الأسلوب الذي عرفه العرب في كلامهم جاء في القرآن صور كثيرة منه، لنزوله بلسان عربي مبين، ومن صور المشاكلة اللفظية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠)، فسمى عقوبة السيئة وقصاصها

стр. 119

سيئة؛ مع أنها ليست سيئة على الحقيقة، بل هي عدل وحق، فالمعنى: وجزاء سيئة عقوبةٌ، واستخدمت كلمة سيئة للمشاكلة اللفظية، وليس المراد منها معنى السوء حقيقة. ومثله قول الله تعالى: ﴿مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٤٩)، فرد الاعتداء ليس اعتداء، لكن جاز تسميته كذلك في باب المشاكلة اللفظية، ومثله ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (البينة: ٨)، فكل منهما على معنى، وأمثاله في القرآن كثير. وفي السنة النبوية صور استخدم فيها النبي ﷺ هذا الأسلوب العربي البديع، منها قوله: «اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم» (١)، والأصل أنها (ما وادعوكم)، فعدل عنها إلى (ودعوكم) للمشاكلة مع (تركوكم). إذا تبين ذلك وجب إعادة قراءة الآيات المشكلة للوقوف على معاني هذه الألفاظ وفق سياقاتها، فالآيات حين تحدثت عن مكر الله بالكافرين أو مخادعته لهم وأمثاله لم تكن تنسب إلى الله هذه الأفعال ابتداء، إنما ذكرت هذه الألفاظ في مقابل فعل المشركين، فحين وقع منهم المكر والخداع والكيد، رد الله كيدهم وخداعهم ومكرهم، فسمى الله فعله بألفاظ من جنس ما صنعوا، للمشاكلة اللفظية مع ما وقع من الكفار، من غير أن تكون الحقيقة اللغوية لهذه الألفاظ مُرادة. وهذه المشاكلة في الأسلوب تتضح لمن قرأ تلك الآيات المستشكلة، كمثل قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢)، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ (الأنفال: ٣٠)، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (الطارق: ١٥ - ١٦)، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ (التوبة: ٧٩)،

стр. 120

وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: ٦٧)، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٤)، فلم تنسب هذه الأفعال (الخداع، المكر، الكيد ... ) إلى الله؛ إلا في باب المقابلة لفعل الكافرين، من غير أن تكون معانيها مُرادة على الحقيقة. والتدقيق في معاني تلك الآيات يبين أنها لا تدل على معان سيئة في حديثها عن أفعال الله، فمكر الله في قصة قوم صالح هو إهلاكهم لكفرهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النمل: ٤٩ - ٥١) فالمكر الإلهي هنا هو عذاب الله الذي أتاهم وهم لا يشعرون، وليس في هذا أي معنى يستقبح. وأما الخداع في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، فهو "إمْهال الله لهم في الدنيا حتى اطمأنّوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجَا على المسلمين، وأنّ الله ليس ناصرهم .. فإطلاق الخداع على استدراج الله إيّاهم استعارة تمثيلية، وحسنَّتَهْا المشاكلة" (١). ولما أراد اليهود بالمسيح السوء، وحاكوا مؤامرتهم للقبض عليه مكر الله بهم فأنجى المسيح بأسلوب خفي عليهم، ولذلك قال الله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:٥٤)، فمكر الله هو إنجاء المسيح منهم، وعدم تحقيق أهدافهم، وهو غاية نبيلة ومقصد كريم. ومثله إنجاء الله نبيه محمداً ﷺ من مؤامرة قريش حين اجتمعوا على بابه يريدون قتله يوم الهجرة، فقال الله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)، فإنجاء نبيه ﷺ ليس فيه ما يستقبح. ونطوي التفصيل في بقية الصور فهي على مثل ما بيناه. ولن يفوتنا التنبيه إلى أمر صحيح ذكره أهل العلم باللغة، حين قالوا: هذه الألفاظ (المكر والكيد والخداع) لا تُستقبَح معانيها في لغة العرب ابتداء، إنما تستقبح باعتبار ما أضيفت إليه، فالمكر - مثلاً - هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالعدو، فمكرك بأحدهم تمكنك منه من غير أن يتنبه إلى فعلك وتدبيرك، فهذا في اللغة (مكر)، ولا يوصف بمدح أو ذم إلا بمعرفة ما ينضاف إليه، فتوصل المرء إلى حقه بأسلوب خفي (مكر) ممدوح، وتوصله إلى حقوق الناس بأسلوب خفي (مكر) مذموم. وهكذا فإن الله يقابل مكر الكافرين السيء (أي سعيهم للإيقاع بالأنبياء على وجه خفي) بالمكر الحسن (إنجاء الأنبياء بوجه خفي)، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ

стр. 121

يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)، ولأجل ذلك قال الله عن فعله: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)، ولم يقل بأنه: (أمكر الماكرين)، لأنه لا يمكر إلا بخير، فهو يمكر بالماكرين، ومكره الخير فعل جميل يقابل مكرهم السيء. وأما الخداع فهو حسب الفيروزبادي: إرادة الشر بالمخدوع وهو لا يعلم (١)، وأما ابن دريد فعرفه بأنه الكتمان والإخفاء، وكلا المعنيين لا يستقبح؛ إلا إذا انضاف إليه مقصد السوء، وإلا فمخادعة العدو الظالم لنيل الحقوق المشروعة لا يستقبحها أحد، فالله جازى الكافرين شراً على أفعالهم وهم لا يدرون (بخفاء)، فقابل الله خداع الكافرين المشين بخداع ممدوح.

стр. 122

وأما الكيد في مثل قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (الطارق: ١٥)، فهو كما عرفه الجرجاني بأنه إرادة مضرة الغير خفية، وعرفه غيره بأنه التدبير ضد العدو (١). وهذه المعاني لا عيب فيها، إلا إذا كانت سبيلاً للتوصل إلى غاية مرذولة، أما مقاومة كيد الكائدين (إرادتهم الضر بالخفاء) بكيد مثله، أي (بإضرار خفي بهم)، فهذا غير مستنكر، إذ لا يلزم أن يكون الإضرار بالعدو على وجه ظاهر حتى يستساغ من الناحية الأخلاقية. ولذلك يقول الله على لسان إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ (الأنبياء: ٥٧)، ويعني أنه سيتخلص منها بوجه خفي، وهذا كيد ممدوح يتخلص به النبي إبراهيم ﵇ من الأصنام التي تعبد من دون الله؛ من غير أن يدري به سفهاء المشركين، فيتعرضوا له بالقتل والإيذاء، وقد فعل هذا الكيد، فحطم أصنامهم من غير أن يعرفوا ذلك ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٩). ومثله قول الله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (يوسف: ٧٦)، أي صنع الله صنيعاً خفياً جلب فيه الخير ليعقوب وبنيه بإحضارهم من المجاعة إلى أرض مصر. وهكذا فالكيد الحسن والخداع الحسن لا يستبشعه أحد، ومن مثل هذا المخادعة والمكر بمن أراد الاعتداء على العرض والمال والنفس، فمخادعة المعتدي والمكر به طلباً للإنجاء منه وللإيقاع به على وجه خفي من محاسن الأمور وفاضل الأفعال. وفي خاتمة هذا المبحث أرى أن أذكِّر القارئ الكريم أن هذه الفرية يثيرها قوم ينسب كتابهم لله مثل هذه المعاني، ولكن أعياهم أن يجدوا في القرآن ملمزاً صحيحاً، وتقطعت بهم السبل، فرموا القرآن بما نراه في كتبهم، فاعجب لذلك، وليطل عجبك وأنت تقرأ المنسوب إلى النبي داود حيث قال: «إلى متى يا رب تنساني كل النسيان» (المزمور١٣/ ١)، ونسب سفر إرمياء إليه أنه خاطب الله بقوله: "آه يا سيد الرب، حقاً إنك خداعاً خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلاً: يكون لكم سلام. وقد بلغ السيف النفس" (إرميا ٤/ ١٠)، فالكتاب ينسب إلى الله - وحاشاه - نسياناً وخداعاً ينطوي على الكذب؛ إذ وعِد بالسلام، لكنه أعطى القتل والدمار!! سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 123

ثانياً: هل يضل الله عباده ؟ قالوا: أتى القرآن بالمنكر من القول حين ذكرت آياته أن الله يضل من يشاء، والإضلال عمل مشين، فكيف ينسبه القرآن إلى الله ؟! وكيف يعذب الله بناره من أضلهم وحجب عنهم هدايته؟! الجواب: من الضروري أن يتبين لكل أحد أنه لا يوجد كتاب امتدح الله وعظمه بمثل ما نجد في القرآن العظيم، ولكنا نؤمن أيضاً أنه ما من فعل حسن أو قبيح يجري في هذه الدنيا؛ إلا وهو واقع بمشيئة الله وإرادته، فالمسلمون يؤمنون أن الله هو المهيمن على هذا الكون، فلا رب فيه سواه، وكل ما يجري في الكون من خير أو شرور فإنما يقع وفق قدره الأزلي، فلن يعصى الله أو يطاع إلا بإرادته وعلمه، وهو تعالى وحده دون سواه خالق الخير والشر، فالمسلمون لا يقولون بقول المجوس الذين زعموا أنهم ينزهون الله عن النقائص، فجعلوا للكون خالقين، خالقاً للخير، وآخر للشر. وعليه فإن الله هو الذي يخلق ويرزق ويحيي ويعطي وينفع ويهدي، وهو أيضاً من يميت ويمنع ويمرض ويضل، فنسبة مثل هذه الأفعال إليه لتعلقها بطلاقة قدرته وهيمنته جل وعز. وأما مسألة تعذيب الله لمن أضله وقول القائلين بأنه مناف لعدل الله، فإنما يصدق لو كان إضلال الله للناس ابتداء، وهذا محال على عدل الله ﵎ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٥)، فقد خلق الناس جميعاً على الفطرة موحدين، لذا خطب النبي ﷺ الناس فقال: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا .. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به

стр. 124

سلطاناً» (١)، وهكذا فالله خلق البشر مؤمنين، وإنما ضل من ضل باتباع الشياطين بإرادتهم واختيارهم. ولتقوم حجة الله على عباده فإنه وهبهم العقل؛ ليميزوا به بين سبيل الخير وسبيل الشر: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: ١٠)، ولأجل ذلك أرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب، ولو كانت الهداية والإضلال جبرية حتمية لما كان من ضرورة لإرسال النبيين ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: ١٦٥). والمتأمل في آيات القرآن يرى جلياً أن إضلال الله لهؤلاء الذين أضلهم كان بمقتضى أفعالهم السيئة، فقد أضلهم لاختيارهم العماية ورفضهم الهداية وتنكبهم طرقها، فالله يضل من اختار الضلال، وفي المقابل هو يهدي من اختار الهدى والرشاد. وقد نبه القرآن على هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: ٥) (٢)، فكان إضلال الله لهم ومنعه الهداية عنهم بسبب زيغانهم، ومثله قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: ١٠). ومثله حال أولئك الذين صرف الله قلوبهم عن النور والهدى بسبب استكبارهم عن قبول الحق ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٦).

стр. 125

ووفق هذه القاعدة أيضاً أضل الله من نقض عهده وميثاقه وأفسد في الأرض بالمعاصي: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ٢٦ - ٢٧)، فهذا الفاسق يستحق الضلالة بسبب إفساده في الأرض وعمله المشين. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠)، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ (النحل: ٣٧)، فكل هؤلاء الذين أضلهم الله لا يستحقون هداية الله بسبب فعالهم القبيحة: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (آل عمران: ٨٦ - ٨٧). وكما أن الإضلال نتيجة للضلال ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠)، فكذلك هداية الله إنما هي توفيق وجزاء لمن اختار طريق الطاعة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ (النساء: ١٧٥)، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ١٠). ومثل هذه المعاني التي يستنكرها أهل الكتاب على القرآن وردت في كتبهم، ومنه قول بولس: " لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا، ولأجل هذا سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب، لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا

стр. 126

الحق، بل سروا بالإثم " (تسالونيكي (٢) ٢/ ١٠ - ١٢). وبعد ثبوت براءة القرآن مما نسبوه إليه فإني أتساءل والعَجب يلفني: هل جهل أصحاب هذه الشبهة وجود ما استنكروه على القرآن في كتبهم؟ ألم يقرؤوا ما جاء في سفر حزقيال، وهو من الأسفار المقدسة التي يؤمن بها الطاعنون في القرآن من اليهود والنصارى: "النبي إذا ضل وتكلم بكلام، فأنا الرب أضللت ذلك النبي" (حزقيال ١٤/ ٩)؟! (١)، وفي العهد الجديد يذكر بولس أن الله يقسي قلوب من أراد ضلالهم: "هو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" (رومية ٩/ ١٨)، فماذا هم قائلون؟ وبعيداً عن التعليل القرآني الذي ذكرناه لإضلال الله أهل الشر من عباده؛ فإن بولس لا يجعل الهداية والإضلال بسبب اختيار البشر ونتيجة أفعالهم، بل يسنده وما يستتبعه من العذاب إلى حق الله المطلق في فعل ما يشاء، فيقول: "فتقول لي: لماذا يلوم بعد؟ لأن من يقاوم مشيئته! بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبْلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟ أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة، وآخر للهوان" (رومية ٩/ ١٨ - ٢١)، فالإضلال حسب النص الإنجيلي لا يتعلق إلا بالمشيئة الإلهية، وليس بسبب ظلم العباد وضلالهم وطغيانهم.

стр. 127

ثالثاً: هل يأمر الله بالفحشاء ؟ قالوا: القرآن ينسب إلى الله الأمر بالفاحشة في قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (الإسراء: ١٦)، ففهموا منه أن الآية تقول: الله أمر المترفين بالفسق، ثم عاقبهم على ذلك! والجواب: لم يظهر في منطوق الآية صريحاً حقيقة ما أمر به الله، فالآية تقول: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، ولا تحدد حقيقة المأمور به ولا تفصيله، لكن مفهوم الآية يدل على أن الله أمرهم بالطاعة ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ بعصيانهم له، فالفسق هو الخروج عن الطاعة. قال ابن منظور: " ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ خرج من طاعة ربه، والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس، والفسق الخروج عن الأمر وفسق عن أمر ربه أي خرج" (١). ومن هذا تبين أن فسقهم هو خروجهم عن أمر الله الذي أمرهم بالصالح، فخرجوا عن أمره، والله لا يأمر إلا بالصالح، ولا يدعو ﵎ إلى الفاحشة ولا إلى السيء من القول أو الفعل ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَالله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٨).

стр. 128

رابعاً: هل يتحسر الله ؟ قالوا: نسب القرآن إلى الله التحسر في قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ (يس: ٣٠)، والتحسر أشد الندم، فهل الله يتحسر؟ والجواب: أن الآية لم تذكر مطلقاً صدور الحسرة من الله، بل تحكي تحسر الكافرين على تكذيبهم الرسل وهم يلقون في النار، ولو كان التحسر من الله ـ عياذاً بالله من هذا المعنى ـ فإن الله قادر على إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة؛ فهذا أولى له من التحسر الذي يصنعه من لا يملك حيلة ولا دفعاً لما يتحسر عليه. وهذا المعنى فهمه مفسرو الإسلام ونقلوه عن التابعين، قال ابن كثير: "قال قتادة: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: أي يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله ... ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله" (١). قال ابن عباس: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي يا ويل العباد (٢). ويصدق هذا قول الله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (الزمر: ٥٦)، فالمتحسر هو الكافر، لا الله ، فبطلت الشبهة واستبان الحق لمن ألقى السمع وهو شهيد. والعجب أن كتب أصحاب هذه الشبهة لا تمل من كثرة نسبة التحسر والندم إلى الله تعالى، ومن ذلك أن الرب قال: "ندمتُ على أني جعلتُ شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي " (صموئيل (١) ١٥/ ١٠)، وأنه رفع عن بني إسرائيل العذاب بيد أعدائهم "لأن الرب ندم من أجل أنينهم " (القضاة ٢/ ١٨).

стр. 129

خامساً: هل الكبر صفة محمودة ؟ قالوا: الكبر صفة مذمومة ينفر منها العقلاء، ومع ذلك فإن القرآن يصف الله ويسميه بالمتكبر في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الحشر: ٢٣). والجواب: بداية فإن الله وصف نفسه وسماها في القرآن الكريم بأسماء وصفات الجمال والجلال ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾، فأي اسم من أسمائه يدل على غاية في الحسن والكمال، مما يليق بجلال الله وعظمته. وهذا المعنى يلازم صفات الله، وإن دلت هذه الصفات على غير الكمال والجلال حين تضاف إلى العباد؛ فإن الاسم في إطلاقه على الله يتعالى عن كل معنى مشين. وقد سمى الله تعالى نفسه بالمتكبر لتعاليه وتنزهه عن كل النقائص والمعايب، قال قتادة: "تكبر عن كلّ شر" (١). ولو تساءلنا عن معنى الكبر في لغة العرب؛ لوجدنا المرتضى الزبيدي يجيب بالقول: "الكِبر: الرفعة والشرف ... والتكبر والاستكبار: التعظم .. "، والله مستحق للرفعة والشرف والتعظم، بل له من ذلك أكمله وأتمه. قال ابن الأثير: "المتكبر والكبير أي العظيم ذو الكبرياء، وقيل: المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه .. والكبرياء العظمة والملك، وقيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى" (٢). وأما كِبر الإنسان فهو مذموم - بالجملة - إذا طلب فيه الإنسان ما لا يستحقه، فالناس سواسية، لا يتميز بعضهم على بعض إلا بقدر ما أنعم الله به على الواحد فيهم، فمن كان هذا حاله؛ فحقه المزيد من التواضع والصَّغار لله المنعِم، لا

стр. 130

التباهي والكبر على عباد الله، يقول الزبيدي: " الكبر والتكبر والاستكبار متقاربة، فالكبر: حالة يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسه أكبر من غيره" (١)، فمثل هذا الكبر مذموم؛ لأن البشر متساوون، فتعظم يعضهم واستكبارهم على بعضهم غير مستحق، فلحق صاحبه الذم. كما أن من كِبر العباد ما هو ممدوح؛ كاستكبارهم واستعلائهم عن الذنوب والدنايا والخسائس، فالعاقل يتكبر ويترفع على مواقعتها، وتكبره عليها غير مذموم. ومن الكبر غير المذموم ما يقع طبيعة؛ كاستكبار الإنسان على غيره من الحيوانات، فيرى أنه أفضل منها وأعلى، وأنه أحق بالحياة منها، وأن حياة كثير منها رهن مصلحته وحاجته، وأنه الأحق بمنافع الكون المسخر له، فاستكباره عليها وتكبره بذبحها وإهدار مصالحها ليس بمذموم؛ لأنه حقه، فإذا كان كذلك؛ فتكبر الله المنعم على عباده أولى. سادساً: هل الله لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها ؟ قالوا: القرآن ينسب إلى الله أنه لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها، واستدلوا بآيات، منها قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ (الأنفال: ٦٦)، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: ١٤٣). والجواب: أن القرآن نسب إلى الله العلم المطلق بكل شيء، فهو الذي يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، والآيات القرآنية في هذا الصدد لا تكاد تحصى لكثرتها، منها قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٣١)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: ١١٩)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (النساء: ٣٢).

стр. 131

وعلمُ الله أزلي، وقد كتب الله ما سيعمله العباد قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، يقول ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (١) وفي حديث آخر: «وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض» (٢) فهذا النوع الأول من علم الله، وثبوته كاف في دفع الشبهة. والنوع الثاني من العلم الإلهي هو علمه بوجود ما علمه أزلاً، أي عِلمه بحدوث أفعالنا التي كان يعلم أنها ستكون، فالله يعلم ذنب المذنب وطاعة المطيع قبل أن يخلق الخلق، ثم إذا أذنب العبد أو أطاع؛ علم الله تحقق الفعل ووجوده، فأثابه عليه بموجب فعله، فهذا نوع آخر من العلم، يتصف به الله العليم الذي كان وما يزال عليماً. وهو ما يفهمه المتأمل في آيات القرآن الكريم، ففي آيات سورة المائدة يخبر الله أنه يبتلي عباده بما حرم عليهم من الصيد ليعلم من يخافه بالغيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (المائدة: ٩٤)، فهذا علم الوجود للفعل وتحققه، وهو العلم الذي يحاسب الله الخلائق به، ولا يمنع هذا ولا يتعارض مع علم الله المطلق الذي أثبته السياق نفسه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٩٧). ومثله في حديث الله عن المنافقين، فقد أخبر الله أنه يعلم ما في صدورهم، وأنه سيعلم أفعالهم التي تخبر بما في قلوبهم حين يفعلونها ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: ١٠ - ١١).

стр. 132

ومثله قول الله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: ١٥٤)، فهو عليم بضمائرهم، واختباره لهم ليس لزيادة علمه ﵎، بل ليتحقق ما علمه بفعل العباد، فيجازيهم بموجب هذا العلم، أي بموجب علمِه بما عملوا. وقد سمى العلماء هذا العلم "علم المشاهدة"، أي مشاهدة أو رؤية ما علمه الله أزلاً، ثم تحقق فرآه، ومن المعلوم أن الرؤية والعلم يترادفان في بعض الإطلاقات، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (المجادلة: ٧)، ومعناه: ألم تعلم، لذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (الجن: ٢٨): "المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيباً" (١). وفي شرح قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ (محمد: ٣١) يقول ابن الجوزي: "العلم الذي هو علم وجود، وبه يقع الجزاء" (٢). وقال ابن تيمية: "عِلم الرب ﵎ لا يجوز أن يكون مستفاداً من شيء من الموجودات، فإن علمه من لوازم ذاته؛ فعلمُ العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو الرب تعالى أو بعض مخلوقاته، وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم والمعلوم: إما نفسه المقدسة وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها ... ". ثم ذكر بعضاً من الآيات من جنس ما أورده الطاعنون في القرآن اليوم، وعقب بالقول: "هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون

стр. 133

قبل أن يكون، وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر" (١). وهكذا تبين فساد هذا القول وبطلانه بالدليل والبرهان. لكن العجب في هذه الأبطولة صدورها ممن في كتبه مثل هذه المعاني من غير أن يستنكرها، فقد جاء في سفر التكوين أن الله قال لإبراهيم: " لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني" (التكوين ٢٢/ ١٢)، ومثله في سفر التثنية "وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر؛ لكي يُذلَّك ويجربك، ليعرف ما في قلبك؛ أتحفظ وصاياه أم لا؟ " (التثنية ٨/ ٢)، أفما كان أولى بهم أن يحملوا نصوص القرآن على المعاني التي يحملون عليها ما جاء في كتبهم؟ لكنهم قوم مبطلون. سابعاً: هل شكّ القرآن في عدد قوم يونس ﵇ ؟ قالوا: شك القرآن في عدد قوم يونس حين قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧)، وهذا الشك - الذي يفيده حرف (أو) - يمنع نسبة القرآن إلى الله العليم الذي لا يخفى عليه عدد قوم يونس ولا غيرهم. والجواب: الله بكل شيء عليم، ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما جهل المستشكل لهذه الآية لغة العرب، ذلك أن (أو) في لغة العرب تأتي على معاني (٢)، فمنها ما هو للشك، كقولنا: جاء محمد أو زيد، ومنها ما يفيد التخيير، كقولنا: تعال اليوم أو غداً، ومنها ما يأتي بمعنى (و) أو (بل)، وهما معنيان متقاربان، وهو موضع الشاهد، ويلزمنا فيه بعض التفصيل.

стр. 134

تفيد (أو) معنى الواو، وهو كثير في لغة العرب، كما في قول الشاعر توبة بن الحمير: وقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها أي: وعليها فجورها. ومثله قول أبي الأسود الدؤلي: أُحب محمّداً حباً شديداً ... وعباساً وحمزة أو عليّاً ويريد أنه يحب حمزة وعلياً؛ لا أنه متردد في محبته بينهما. ومثله قول جرير وهو يمدح الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: نال الخلافة أو كانت له قدَراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدَر أي: نال الخلافة وقد كانت له قدَراً. وهذا الاستخدام الشائع عند العرب لحرف (أو) بمعنى الواو (١) ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (الإنسان: ٢٤)، أي: ولا تطع آثماً وكفوراً، وكذلك قوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ (المرسلات: ٦)، أي: عذراً ونذراً، وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٤)، أي: يتذكر ويخشى، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (طه: ١١٣)، أي: يتقون ويحدث لهم ذكراً، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (الأنعام: ١٤٦)، أي: وما اختلط بعظم. وقد خرج العلماء قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ على هذا المعنى الشائع عند العرب، أي: بمعنى الواو، فالمعنى: أن الله أرسل يونس إلى مائة ألف ويزيدون، ونُقل ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، كابن عباس والحسن وسعيد بن جبير،

стр. 135

بل هو مروي عن النبي ﷺ ، فقد سأله أُبي بن كعب عن هذه الآية؟ فقال ﷺ : «عشرون ألفاً» (١)، أي: يزيدون عشرين ألفاً. كما تأتي (أو) في لغة العرب بمعنى آخر قريب، وهو (بل) التي تفيد الإضراب الانتقالي كما أسماه إماما اللغة أبو علي الفارسي وابن جني، وغيرهما، واستشهدوا بقول جرير وهو يصف كثرة عياله: ماذا ترى في عيال قد برَمْت بهم ... لم أُحصِ عدتهم إلا بعَدَّاد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قَتَّلْتُ أولادي ومثله قول ذي الرمة: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنَق الضُّحَى ... وصورتِها أو أنتِ في العين أَمْلَحُ (٢) وتفيد (بل) معنى زائداً على (الواو)، وهو إثبات المخبر عنه، ونفي ما زاد عنه، ومعناه في البيت الأول أنهم ثمان وثمانون، وليسوا أقل من ذلك، وفي الثاني أن جمالها ليس بأقل من قرن الشمس، بل هي أجمل منها. وهذا المعنى الفصيح والبليغ لـ (أو) ورد في القرآن مراراً، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤)، أي: بل هي أشد قسوة، وقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (النساء: ٧٧)، أي: بل أشد خشية، وقوله عن قرب النبي ﷺ من جبريل: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم: ٩)، أي: بل هو أدنى، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (النحل: ٧٧)، أي: بل هو أقرب، وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ (البقرة: ٢٠٠)،

стр. 136

أي: بل أشد ذكراً. لذا لما سأل عبد الله بن سلام النبي ﷺ : على كم تفرقت بنو إسرائيل؟ أجابه ﷺ : «على واحدة أو اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي أيضاً ستفترق مثلهم، أو يزيدون واحدة، كلها في النار إلا واحدة» (١). وقوله: «على واحدة أو اثنتين وسبعين فرقة»، ليس للشك، بل المعنى: واحدة وسبعون لليهود، واثنتان وسبعون للنصارى، كما يفسره ﷺ في حديث عوف بن مالك عنه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة .. وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة». وكذلك قوله ﷺ : «وأمتي أيضاً ستفترق مثلهم، أو يزيدون واحدة»، معناه: بل يزيدون واحدة، كما في قوله في حديث عوف السالف: «والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٢). ومال إلى هذا التوجيه ابن كثير بقوله في شرحه لآية سورة يونس: "أي: ليسوا أقل منها، بل هم مائة ألف حقيقة، أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به، لا شك ولا تردد، فإن هذا ممتنع هاهنا" (٣). وهكذا فإن القرآن ينص على أن عدد قوم يونس ﵇ قد جاوز المائة ألف، فاستبان الأمر وبطلت الشبهة ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: ٣٣).

стр. 137

الأباطيل المتعلقة بما في القرآن عن أنبياء الله تعالى الأنبياء رسل الله إلى خلقه من الجن والإنس، وهم صفوته منهم، وحملة رسالاته ووحيه إليهم، اختارهم الله واصطفاهم لهذه المهمة الشريفة من بين سائر عباده ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النمل: ٥٩)، فهم أبرُّ أهل الأرض، وأكرمهم، وأجلهم، عصمهم الله من الكفر، ونزههم عن مقارفة الكبائر بتوفيقه وهدايته ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤)، فالرسول على قدر المرسِل. لكنهم صلوات ربي وسلامه عليهم - رغم عصمة الله لهم من الكبائر والخسائس - فإنهم كسائر بني آدم، بشر يصيبون ويخطئون، وينالهم ما يصيب غيرهم من عوارض البشرية، وقد قال ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة». قال عبد الله بن عمرو راوي الحديث: أحسبه قال: «ولا عملها» (١)، وفي رواية ابن عباس، وفيها ضعف: «ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ، أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا» (٢)، فالحديث يفيد عصمة نبي الله يحيى دون سواه من الأنبياء عن الصغائر التي تجوز في حقهم، وكما قال ابن بطال فإن المسلمين "اختلفوا، هل يجوز وقوع الذنوب منهم؟ فأجمعت الأمة على أنهم معصومون في الرسالة، وأنه لا تقع منهم الكبائر .. وقال أهل السنة: جائز

стр. 138

وقوع الصغائر من الأنبياء" (١). وقد ذكر القرآن الكريم وقوع بعض الأنبياء في صغائر الذنوب، وذكر استغفارهم الله وتوبتهم منها، ومنه قوله تعالى عن أبينا آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه:١٢١ - ١٢٢)، وقوله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء: ٨٢)، وقوله عن النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح: ٢)، فهم بشر يخطئون، لكنهم - عليهم الصلاة والسلام- أعرف الناس بربهم، وأخوفهم له، وأسرعهم إليه توبة، وأقلهم مواقعة لمعصيته، فـ "الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا .. وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور [أي كانت نادرة]، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة" (٢). وهذه الذنوب الصغائر يُغض عنها، فتطوى لندرتها؛ فإنها تغور في بحور حسنات الأنبياء الذين سبقوا إلى الله بالعمل الصالح ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء:٩٠). وإزاء هذا التصور الإسلامي لمقام النبوة تثور مفاهيم باطلة؛ يزعم أصحابها

стр. 139

فيها أن القرآن أساء فيها إلى أنبياء الله الكرام، وانتقص من أقدارهم، والعجب كل العجب أن هذه الغيرة المزعومة على الأنبياء صدرت ممن تطفح كتبه بنسبة الكفر والكبائر من الذنوب والإثم إلى الأنبياء، ففي توراتهم التي يؤمن بها كل من اليهود والنصارى أن نوحاً ﵇ سكر وظهرت عورته أمام أبنائه (انظر التكوين ٩/ ٢٥ - ٢٦)، وأن لوطاً أسكرته ابنتاه، وضاجعتاه، وأنجبتا منه (انظر التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٧)، وأن هارون ﵇ صنع العجل الذهبي لبني إسرائيل ليعبدوه من دون الله (انظر الخروج ٣٢/ ٢ - ٤)، وأنه وأخاه موسى ﵉ خانا الله (انظر التثنية ٣٢/ ٥١)، ولم يؤمنا به (انظر العدد ٢٠/ ١٢). ولا تخص التوراة النبي موسى بالأمر بقتل النساء والأطفال (انظر العدد ٣١/ ١٤ - ١٨)، بل تنسب هذا الفعل المريع الشنيع إلى وصيه النبي يوشع بن نون (انظر يشوع ٦/ ٢٠ - ٢٤)، وإلى نبي الله داود الذي تزعم الأسفار أنه لم يكتف بقتل النساء والأطفال، بل عمد إلى نشر أعدائه الفلسطينيين بالمناشير، وحطم عظامهم بالفؤوس قبل أن يحرقهم في الأفران (انظر صموئيل (٢) ١٢/ ٣١) و (الأيام (١) ٢٠/ ٣). وقد نال هذا النبيَّ الكريم الأواب (داود)، وابنَه الحكيم سليمان النصيبُ الأكبر من الجرح والسوء، فيذكر سفر صموئيل أنه رقص حتى تكشفت عورته أمام عبيده (انظر صموئيل (٢) ٦/ ١٤ - ٢٠)، وأنه قتل مائتين من الفلسطينيين، وقطع غُلُفهم ليقدمها مهراً لزوجته ميكال ابنة الملك شاول (انظر صموئيل (١) ١٨/ ٢٧)، وأنه حين تولى الملك ضاجع زوجة قائده أوريا، فحبلت منه، فدفع زوجها إلى الموت ليستر على فعلته (انظر صموئيل (٢) ١١/ ٢ - ٢٦). وأما ابنه النبي الحكيم سليمان؛ ففي التوراة - التي يؤمن بها الطاعنون في القرآن الكريم - أن نساءه الوثنيات أملن قلبه إلى آلهتهن في شيخوخته، فبنى معابد

стр. 140

للأوثان، لتُعبد فيها الأصنام من دون الله (انظر الملوك (١) ١١/ ٣ - ١١). وهكذا، سلسلة طويلة لا تنتهي من الإساءات إلى أنبياء الله تمتلئ بها صفحات كتب الطاعنين في القرآن، الذي يقابلها جميعاً بقول الله للنبي ﷺ عن هؤلاء الأنبياء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام:٩٠). ولكن صدور تلك الإساءات إلى الأنبياء في كتب الطاعنين لن يكون كافياً في الذَّبِّ عن القرآن الكريم، بل لابد من التعرض بالتفصيل والشرح والبيان لحقيقة هذه الأباطيل. أولاً: هل وقع آدم في الشرك ؟ قالوا: القرآن ينسب الشرك إلى الأنبياء، فقد نسبه إلى آدم بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٠)، واستدلوا لذلك بما أورده المفسرون من حديث سمرة المرفوع إلى النبي ﷺ : «ولما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد - فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» (١)، قالوا: والحارث اسم الشيطان حين كان في الجنة. والجواب: القرآن يثني على آدم ﵇ أعظم الثناء وأزكاه ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، ويؤكد هدايته واصطفاء الله له بعد توبته من أكل الشجرة ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه: ١٢٢)، ولا يمكن لمن مدحه الله هذه المدحة أن يكون مشركاً بالله. وأما ما ينقله المفسرون في كتبهم من روايات فيصدق فيها قول أبي حيان

стр. 141

الأندلسي: "وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء لم تثبت في قرآن ولا حديث صحيح فأطرحت ذكرها" (١)، وبمثل هذا يتشبث المنصفون في كل عصر وحين. وقد أطبق العلماء على ضعف حديث سمرة الذي فيه أمر الشيطان لآدم بتسمية ابنه عبد الحارث، لأن في سنده الحسن يرويه عن سمرة بصيغة العنعنة، وهو مدلس، فلا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث، قال الذهبي: "كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان، ضعف احتجاجه" (٢). قال البيهقي: "أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن البصري من سمرة في غير حديث العقيقة" (٣). ولذلك حكم الألباني بضعف الحديث، وقال: " ضعيف .. وأعله ابن عدي في "الكامل" بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: وحديثه عن قتادة مضطرب" (٤)، واستدل لتضعيفه بما نقله ابن كثير من تفسير الحسن للآية، فقد جاء تفسيره مخالفاً للمروي عنه في هذا الأثر: "قال [أي الحسن]: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم .. عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده"، فقوله هذا مبطل لما روي عنه. ثم عقب ابن كثير بقوله: " وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵀، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ ، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما

стр. 142

مع تقواه لله وَوَرَعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم، مثل: كعب أو وهب بن مُنَبّه وغيرهما" (١). ولو فرضنا جدلاً صحة القصة التي تنسب إلى آدم؛ فإن غاية ما تذكره القصة أن آدم وقع في شرك التسمية؛ حين سمي الولد "عبد الحارث"، ولكنه لم يقع في شرك العبادة، وبين النوعين فرق كبير، قال قتادة: "فأشركا في الاسم. ولم يشركا في العبادة " (٢). وقال القرطبي في شرحه: "قال المفسرون: كان شركاً في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية .. إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، فسمياه به، كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه، كما قال حاتم طيء: وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تيك من شيم العبد " (٣). وبالعود إلى الآية المستشكلة في معناها فإن من العلماء من يرى أنها تتحدث إلى قريش، وأن الله خلقهم من نفس واحدة هي نفس أبيهم قصي بن كلاب، وأنها تعنفهم على ما وقعوا فيه من الشرك بعد ذلك (٤). ولكن جمهور المفسرين يرون أن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مقصود به آدم

стр. 143

وزوجه، ثم انتقلت الآية للحديث عن ذريته وما وقعوا فيه من الشرك بالأصنام، وهذا التفسير مشهور عند العلماء، نقله المفسرون ومنهم ابن عجيبة بقوله: " ﴿فلما آتاهما﴾ ولداً ﴿صَالِحاً﴾ كما سألا، جعل أولادُهما ﴿لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك؛ لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يُعاتبُ المِلكُ الأب على ما فعل أولادهُ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك" (١). وهذا المعنى للآية منقول عن جملة من التابعين، منهم عكرمة القائل: "لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الناس بعد آدم" (٢)، ومنهم الحسن البصري الذي يقول: "كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم"، وكان يقول: "هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا" (٣). ويرى المفسرون ومنهم البغوي في تفسيره أن في الآية محذوفاً في قوله: ﴿جعلا له﴾: "راجع إلى جميع المشركين من ذريَّةِ آدم .. أي: جعل أولادهما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم؛ كما أضاف فعل الآباء إلى الأبْنَاءِ في تعييرهم بفعل الآباء فقال: ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ (البقرة: ٥١)، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ (البقرة: ٧٢)، خاطب به اليهُود الذين كانوا في عهد النبي ﷺ ، وكان ذلك الفعل من آبائهم" (٤).

стр. 144

والالتفات في الخطاب من آدم إلى بنيه من غير التنبيه على فصل في الحديث معهود في القرآن، وأمثلته كثيرة، ذكر السيوطي بعضها بعد أن نقل الآثار السابقة وغيرها من تفسير ابن أبي حاتم (١). ومن صوره ما جاء في قصة آدم ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣ - ١٢٤)، فالحديث في أول الآية موضوعه آدم وحواء ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾، ثم انتقل بلا فصل للحديث عن ذريته ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. ومما يشهد لصحة هذا التأويل (الانتقال في الخطاب إلى بني آدم) ويدل عليه قوله تعالى في آخر السياق: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١) وما بعدها، فقد انتقل من الحديث عن الاثنين (آدم وحواء) إلى الحديث عن الجمع (ذريته). والسياق أيضاً بيِّن وواضح في أن المقصود من الشرك عبادة الأصنام؛ لا عبادة الشيطان المذكورة في قصة آدم ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٢ - ١٩٤)، فهذا كله في عبادة الأصنام لا الشياطين.

стр. 145

ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ﴾، فقوله ﴿مَا﴾ يبين أن المتحدث عنه مما لا يعقل، وهو الأصنام، ولو كان المتحدث عنه الشيطان لقال: (أيشركون من لا يخلق) (١). ويدل على صحة هذا التأويل أيضاً أن آدم في حديث الحشر يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة متذرعاً بذكر ذنبه الأكبر، فيقول: «ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح» (٢)، فلو كان آدم وقع في الشرك لذكره في هذا الموطن، فهو أعظم من الأكل من الشجرة، وهو أدعى للاعتذار عنه في موطن الخوف والإقرار والبراءة من الذنب، ومحال أن يعتذر آدم عن الصغير ويغفل الكبير، فدل ذلك كله على براءة آدم من الوقوع في الشرك. ثانياً: هل شك إبراهيم ﵇ ؟ قالوا: القرآن أساء إلى أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، حين اتهمه بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٠). كما نقل عنه أنه قال بربوبية الشمس والقمر: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ (الأنعام: ٧٧ - ٧٨).
следующие страницы →