← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 95577

شرح الشاطبية سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي

ابن القاصح

Полный текст (411 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة المؤلف] وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (قرآن كريم) بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة أبو القاسم علي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن القاصح العذري تغمده الله برحمته: الحمد لله الذي علم القرآن وزين الإنسان بنطق اللسان، فطوبى لمن يتلو كتاب الله حق تلاوته. ويواظب آناء الليل وأطراف النهار على دراسته، وهو كلام الله تعالى الذي أنزله على عبده ورسوله المصطفى محمد النبي الأمي العربي المختار المرتضى، ﷺ وعلى آله المكرمين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن أسهل ما يتوصل به إلى علم القراءات من التصانيف المنظومات نظم الشيخ الإمام العالم أبي محمد قاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي، من قصيدته اللامية المنظومة من الضرب الثاني من بحر الطويل، المنعوتة «بحرز الأماني ووجه التهاني». فأول شارح شرحها الإمام علم الدين السخاوي تلقاها عن ناظمها، وتابعه الناس على ذلك فشرحوها، فمنهم من اقتصر، ومنهم من علل وأطال، وخرج عن حيز الاعتدال، وقد استخرت الله تعالى في حل ألفاظها واستخراج القراءات منها بعبارة سهلة يفهمها المبتدئ، ولهذا لم أتعرض للتعاليل المطولة فإنها مذكورة في تصانيف وضعت لها كإعراب القرآن والتفاسير وغير ذلك، وقد اختصرت هذا الكتاب من شرح السخاوي والفاسي وأبي شامة وابن جبارة والجعبري وغيرهم وزدت فيه فوائد ليست من هؤلاء الشروحات. وسميته: سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي وأسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله إنه قريب مجيب. ولد الشاطبي في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة، وهي قرية بجزيرة الأندلس من بلاد المغرب. وقولهم: الرعيني نسبة إلى قبيلة من قبائل المغرب، أخذ القراءات عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن هذيل بالأندلس، عن أبي داود سليمان، عن أبي عمرو الداني مصنف كتاب التيسير. وأخذ الشاطبي أيضا عن أبي عبد الله محمد بن العاصي النفزي- بالزاي المعجمة- عن أبي عبد الله محمد بن حسن، عن علي بن عبد الله الأنصاري، عن

стр. 2

أبي عمرو الداني. ومات الشاطبي ﵀ بمصر بعد عصر الأحد، وهو اليوم الثامن بعد العشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن بالقرافة، في يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل، المجاورة لتربة ولي الله تعالى الكيزاني صاحب المزار المعروف في القرافة الصغرى، بالقرب من سفح الجبل المقطم، جبل قلعة مصر فرعونه وتعرف تلك الناحية بسارية، قال رحمه الله تعالى: بدأت ببسم الله في النّظم أوّلا ... تبارك رحمانا رحيما وموئلا أخبر الناظم أنه بدأ ببسم الله في أول نظمه، ومعنى بدأت أي قدمت، تقول: بدأت بكذا إذا قدمته، فالباء الأولى لتعدية الفعل، والثانية هي التي في أول البسملة أي بدأت بهذا اللفظ والنظم الجمع، ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا فهي بمعنى منظوم أو مصدر بحاله وتبارك تفاعل من البركة والبركة كثرة الخير ونموه واتساعه، وقوله: رحمانا رحيما يريد به تكملة لفظ بسم الله الرّحمن الرّحيم. ثم قال: وموئلا، الموئل المرجع والملجأ، وهو مفعل من: وأل إليه، أي: رجع ولجأ، أو من وأل منه أي: خلص ونجا، وفي الحديث: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك». وتثنّيت صلّى الله ربّي على الرّضا ... محمّد المهدى إلى النّاس مرسلا أخبر أنه ثنى بالصلاة على رسول الله- ﷺ والرضا بمعنى: ذي الرضا أي: الراضي من قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥]، وفي الحديث: «يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك مرة إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا». والمهدى مأخوذ من قوله ﷺ : «إنما أنا رحمة مهداة للناس». وقوله: مرسلا، منصوب على الحال من الضمير في المهدى. وعترته ثمّ الصّحابة ثمّ من ... تلاهم على الإحسان بالخير وبّلا أصل العترة حجر يهتدي به الضب إلى مأواه، وما يبقى من أصل الشجرة. وعترة النبي ﷺ أهل بيته لقوله ﵊: «وعترتي أهل بيتي»، وروى تفسيره بأزواجه وذريته. وقال مالك بن أنس: أهله الأدنون وعشيرته الأقربون، وقال الجوهري: نسله ورهطه الأدنون. فلما كانت العترة أصحابا ولم يكن كل الأصحاب عترة، قال: ثم الصحابة ليعم، والصحابة اسم جمع، والصحابي من رأى النبي ﵊، أو صحبه أو نقل عنه من المسلمين. قوله: ثم من تلاهم، أي تبعهم على الإحسان أي على طريقة الإحسان، وقوله: وبلا، الوبل: جمع وابل وهو المطر الغزير، شبه الصحابة ﵃ بالأمطار لنفعهم المسلمين. وثلّثت أنّ الحمد لله دائما ... وما ليس مبدوءا به أجذم العلا أخبر أنه ثلث بالحمد، يعني أنه ذكر اسم الله تعالى أوّلا، ثم ذكر النبي ﷺ وعترته وصحابته وتابعيهم ثانيا، ثم ذكر الحمد ثالثا فليس مراده ذكره في ثالث الأبيات بل مراده أنه لم يثلث إلا بالحمد وإن كانت في بيت رابع، والحمد الثناء، ويجوز فتح إن وكسرها في البيت وكلاهما مروي: فالفتح على تقدير «بأن الحمد»، والكسر على تقدير «فقلت إن الحمد». وقد يجوز أن تكون بمعنى نعم فيجوز حينئذ رفع الحمد بعدها ونصبه والرواية النصب. قوله: دائما، أي: مستمرا قوله وما ليس إلى آخره. الجذم: القطع أشار إلى قوله ﵊: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم». ويروى

стр. 3

«كل كلام»، ويروى «بذكر الله»، ويروى «فهو أقطع»، وعن ابن عباس ﵄: «كل كلام لم يبدأ فيه ببسم الله جاء معكوسا». فإن قيل: قد يبدأ الناظم ببسم الله ولم بدأ بالحمد بل جعله ثالثا قيل: تثليثه به لا يخرجه عن البداءة، لأن الجميع أعني الحمد وما تقدمه مبدوء به لأنه ذكره قبل الشروع في الأحكام التي ضمنها هذا النظم، فهو مبدوء به واتفق وقوعه في البداءة ثالثا، والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف، وأتى به في قافية البيت على لفظ المقصور. وبعد، فحبل الله فينا كتابه ... فجاهد به حبل العدا متحبّلا أي: وبعد هذه البداءة فحبل الله فينا كتابه، جاء في تفسير قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [الفرقان: ٥٢]، أنه القرآن، وقال ﵊: «هو حبل الله المتين». وقوله: «فجاهد به»، أي بالقرآن، كما قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان: ٥٢] أي بحججه وأدلته وبراهينه. والحبل بفتح الحاء يستعار للسبب، والقرآن سبب المعرفة، لأنه وصلة بين العبد وبين ربه. والحبل بكسر الحاء: الداهية، والعدا اسم جمع والمشهور فيه كسر العين، وحكى ثعلب ضمها فإن قيل: عداة بالهاء فالضم لا غير. قوله: متحبلا، يقال: تحبل الصيد إذا أخذه بالحبالة وهي الشبكة، أي: انصب الحبائل للأعداء من الكفرة والمبتدعين، لتصيدهم إلى الحق أو تهلكهم بما تورده عليهم من ذلك، والمراد بالحبائل أدلة القرآن اللائحة وحججه الواضحة. وأخلق به إذ ليس يخلق جدّة ... جديدا مواليه على الجدّ مقبلا أخلق به لفظه من لفظ الأمر ومعناه التعجب، وهو كقولك: ما أخلقه، أي ما أحقه، والهاء في «به» للقرآن، وإذ هنا تعليل مثلها في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: ٣٩]. قوله: ليس يخلق جدة، أشار إلى قوله ﵊: «إن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد». وقول الناظم: يخلق، فيه لغتان: ضم الياء مع كسر اللام، وفتح الياء مع ضم اللام. وجديدا من الجد بفتح الجيم وهو العز والشرف. قوله: مواليه، أي: مصافيه مع ملازمة العمل بما فيه، والموالي ضد المعادي. قوله: على الجد بكسر الجيم ضد الهزل، أشار إلى قوله ﵊: «يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس ولا تزال كذلك حتى يأتيك الموت، فإنه إن أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام». وقارئه المرضيّ قرّ مثاله ... كالأترجّ حاليه مريحا وموكلا أشار إلى قوله ﵊: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر». رواه البخاري ومسلم. والمرضي صفة القارئ المؤمن المذكور في هذا الحديث لأنه ليس المراد به أصل الإيمان فقط بل أصله ووصفه، قال ﵊: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه». وقول الناظم: قر، بمعنى استقر أي: استقر مثاله في الحديث. ويقال: الأترج بتشديد الجيم والأترنج بالنون. وقوله: مريحا وموكلا، من أراح الطيب وغيره إذا أعطى الرائحة وأكل الزرع وغيره إذا أطعم.

стр. 4

هو المرتضى أمّا إذا كان أمّة ... ويمّمه ظلّ الرّزانة قنقلا هو ضمير القارئ، أي هو المرتضى قصده لأن معنى الأم القصد، وكان بمعنى صار، ويقال للرجل الجامع للخير أمة، كأنه قام مقام جماعة لأنه اجتمع فيه ما تفرق فيهم من المصالح. ومنه قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠]، وقوله: ويممه أي قصده، والرزانة السكينة والوقار، واستعار للرزانة ظلا وجعل الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به لكثرة خلال الخير فيه، قال ﵊: «من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت». والقنقل الكثيب من الرمل، والقنقل أيضا المكيال الضخم، وكان لكسرى تاج يسمى القنقل. هو الحرّ إن كان الحريّ حواريا ... له بتحرّيه إلى أن تنبّلا هو ضمير القارئ المرتضى قصده، والحر الخالص من الرق أي لم تسترقه الدنيا ولم يستعبده الهوى، وكيف يقع في ذلك من فهم قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]، [الحديد: ٢٠]، وقوله ﵊: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والحريّ بمعنى الحقيق، والحواري الناصر الخالص في ولايته، والياء مشددة خففها ضرورة، والتحري بذل المجهود في طلب المقصود واشتقاقه من الحري أي اللائق والتحري القصد مع فكر، وتدبر واجتهاد أي بطلب ما هو الأحرى أي الأليق. إلى أن تنبلا أي إلى أن مات، يقال: تنبل البعير إذا مات، والهاء في «له» للقرآن، وفي «تحريه» للقارئ. وإنّ كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضّلا هذا حث على التمسك بالقرآن والعمل بما فيه ليكون القرآن شافعا له كافيه، وهو أوثق شافع أي أقوى، وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب، وشفاعة غيره مخرجة له منه بعد وقوعه فيه، قال ﵊: «من شفع له القرآن يوم القيامة نجا»، قوله: وأغنى غناء أي: وأكفى كفاية، أي كفاية القرآن أتم من كفاية غيره، قال ﵊: «القرآن غنى لا فقر معه ولا غنى دونه، وليس منا من لم يتغن بالقرآن»، أي: يستغن، لأنه ﵊ قاله حين دخل على سعيد وعنده متاع رث. قوله: واهبا متفضّلا، أي: زائدا في دوام هبته وبذلها على الاستمرار من غير انقطاع. وخير جليس لا يملّ حديثه ... وترداده يزداد فيه تجمّلا القرآن خير جليس، وهو أحسن الحديث لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر ٢٣]. وقوله ﵊: «ما تجالس قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده». قوله: لا يمل حديثه، أي لا تمل تلاوته وسماعه، أشار إلى قولهم: «كل مكرر مملول إلا القرآن»، والهاء في ترداده تعود على القرآن، لأنه كلما ردد ازداد حسنا وجمالا، ويجوز أن يعود على القارئ لأنه يزداد بترداده من الثواب الجزيل، وفوائد العلم الجليل، ما يتجمل به في الدنيا والآخرة. وحيث الفتى يرتاع في ظلماته ... من القبر يلقاه سنا متهلّلا وصف القارئ بالفتوة وهو خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق، ويرتاع أي: يفزع وأضاف الظلمات إلى الفتى لأنها ظلمات أعماله الناشئة من القبر يلقاه القرآن سنى متهللا، والسنى بالقصر

стр. 5

الضوء، وبالمد الشرف والرفعة. والمتهلل الباشّ المسرور قال ﵊: «إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله لينورها لهم بصلاتي عليهم». والهاء في «يلقاه» للفتى أو للقرآن لأن كل واحد منهما يلقى الآخر. هنالك يهنيه مقيلا وروضة ... ومن أجله في ذروة العزّ يجتلى هنالك إشارة إلى القبر، يهنيه أي: يهنئ القارئ، مقيلا المقيل موضع القيلولة وهي الاستراحة في وسط النهار، وأراد بها الناظم مطلق الراحة أي يصير القبر كالمقيل وكالروضة بثواب القرآن، والمقيل لا يكون إلا موضعا حسنا ذا ظل وراحة، والروضة المكان المتسع قال ﵊: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». قوله ومن أجله أي: ومن أجل القرآن في ذروة العز ذروة كل شيء أعلاه، وتقرأ في البيت بكسر الذال وضمها، والعز الشرف، ويجتلى أي: هو بارز ينظر إليه من قولك اجتليت العروس إذا نظرت إليها بارزة في زينتها. يناشد في إرضائه لحبيبه ... وأجدر به سؤلا إليه موصّلا يناشد أي: يلح في المسألة، والهاء في إرضائه للقرآن، والحبيب القارئ وهاؤه للقرآن ولامه للتعليل بمعنى لأجل حبيبه أي يسأل القرآن الله تعالى أن يعطي القارئ ما يرضى به القرآن، قال ﵊: «يقول القرآن يوم القيامة: يا رب رضني لحبيبي. قوله: وأجدر به تعجب كأخلق به، والسؤل المسئول وهو المطلوب أي: وما أحق الإرضاء المطلوب بالوصول إلى القارئ أو القرآن. فيا أيّها القاري به متمسّكا ... مجلا له في كلّ حال مبجّلا نادى قارئ القرآن المتصف بالصفات المذكورة في هذا البيت وبشره بما ذكره في البيت الآتي بعده والقارئ مهموز وإنما أبدل الهمزة ياء ضرورة، والهاء في به للقرآن وهو متعلق بمتمسكا مقدما عليه أي: متمسكا به أي: عاملا بما فيه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ [الأعراف: ١٧٠]. وقال ﵊: «كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به». وقوله: مجلا له إجلال القرآن تعظيمه وتبجيله توقيره وحسن الاستماع والإنصات لتلاوته. هنيئا مريئا والداك عليهما ... ملابس أنوار من التّاج والحلا أي: عش عيشا هنيئا والهنيء الذي لا آفة فيه والمحمود الطيب المستلذ الخالي من المنغصات، والمريء المأمون الغائلة المحمود العاقبة المنساغ في الحلق وهما من أوصاف الطعام والشراب في الأصل ثم تجوّز بهما في التهنئة بكل أمر سار، وأشار إلى قوله ﵊: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم فما ظنكم بالذي عمل بهذا». وفي مسند بقي بن مخلد أن النبي ﷺ قال: «ويكسى والداه حلة لا تقوم لها الدنيا وما فيها». ففي هذا ذكر الحلة وفيما قبله ذكر التاج، والتاج الإكليل، ثم نظم بقية الحديث المتقدم وهو فما ظنكم بالذي عمل بهذا فقال.

стр. 6

فما ظنّكم بالنّجل عند جزائه ... أولئك أهل الله والصّفوة الملا هذا استفهام تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، أي: ظنوا ما شئتم من الجزاء بهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله. والنجل النسل كالولد، يقع على المفرد والجمع قوله: أولئك أهل الله أشار إلى قوله ﵊: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». قوله: والصفوة أي: الخالص من كل شيء، وفي صاده الحركات الثلاث، والرواية الفتح والكسر أشار إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٢]. والملا بفتح الميم أشرف الناس وهو مهموز أبدل همزه ألفا للوقف، أشار إلى قوله ﵊: «أشرف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل». أولو البرّ والإحسان والصّبر والتّقى ... حلاهم بها جاء القرآن مفصّلا أي هم أولو البر، والبر الصلاح والإحسان فعل الحسن، والصبر حبس النفس على الطاعة وردعها عن المعصية وأصله في اللغة المنع، والتقى اجتناب جميع ما نهى الله عنه. قوله: حلاهم أي صفاتهم، جاء بها القرآن مفصلا أي مبينا أي أهل الله جمعوا صفات الخير المذكورة في القرآن نحو قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [المطففين: ٢٢]، [الانفطار: ١٣]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥]، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦]، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٦٨]، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة المتضمنة لهذه المعاني والقرآن في البيت بلا همز كقراءة ابن كثير. عليك بها ما عشت فيها منافسا ... وبع نفسك الدّنيا بأنفاسها العلا أي بادر إلى صفاتهم وألزمها ما عشت، أي مدة حياتك فيها منافسا أي مزاحما فيها غيرك، وبع نفسك الدنيا أي أبدل نفسك الدنية بأنفاسها العلا أي بطيب أرواح الأعمال الصالحة التي هي علا، والأنفاس جمع نفس بفتح الفاء، والعلا بضم العين صفة الأنفاس. جزى الله بالخيرات عنّا أئمّة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا قال ﵊: «إذا قال الرجل لأخيه: جزاك الله عني خيرا فقد أبلغ في الثناء»، معناه كأنه يقول: يا رب أنا عاجز عن مكافأة هذا فكافئه عني، دعاء لكل من نقل القرآن من الصحابة والتابعين وغيرهم إلينا لقوله ﵊: «من أولى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له». قوله: عذبا وسلسلا. أي: نقلا عذبا لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، ولا حرفوا ولا بدلوا، وعذوبته أنهم نقلوه إلينا غير مختلط بشيء من الرأي بل مستندهم فيه النقل الصحيح، والعذب الحلو، والسلسل السهل الدخول في الحلق. فمنهم بدور سبعة قد توسّطت ... سماء العلى والعدل زهرا وكمّلا أي: فمن تلك الأئمة الناقلين للقرآن سبعة، جعلهم كالبدور لشهرتهم وانتفاع الناس بهم، والبدر إذا توسط في السماء وسلم مما يستر نوره وكمل فهو النهاية، والعلى الرفعة والشرف، والعدل الحق، واستعار للعلى وللعدل سماء وجعل هذه البدور متوسطة بها، وفيه إشارة إلى أن من لم يتوسط هذه السماء ليس من بدور القراء والأزهر المضيء والكامل التام.

стр. 7

لها شهب عنها استنارت فنوّرت ... سواد الدّجى حتى تفرّق وانجلى الشهب جمع شهاب والشهاب في أصل اللغة اسم للشعلة الساطعة من النار، ويقال: نار واستنار أي أضاء، والدجى الظلم جمع دجية وهي هنا كناية عن الجهل وتفرق تقطع وانجلى انكشف، أي للقراء السبعة رواة أشبهت الشهب في العلو والاشتهار والهداية أخذت القراءة عنهم وعلمتها الناس حافظين سبلها، فأماطت عنهم ظلمة الجهل وألبستهم أنوار العلم. وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثّلا أي ترى البدور مذكورين في هذه القصيدة على هذه الصفة، أي مرتبين واحدا بعد واحد، فكأنه نزل ظهورهم في النظم سماعا أو كتابة منزلة المتشخص من الأجسام، والأصحاب الأتباع كما تقول: أصحاب الشافعي وأصحاب مالك. قوله متمثلا أي متشخصا، من قولهم تمثل بين يديه. تخيّرهم نقّادهم كلّ بارع ... وليس على قرآنه متأكّلا تخيرهم بمعنى اختارهم، والنقاد جمع ناقد، والبارع الذي فاق أضرابه، والهاء في تخيرهم ونقادهم للبدور السبعة أو للشهب أولهما، أثنى عليهم بالبراعة في العلم ثم أثنى عليهم بالزهد فقال: وليس على قرآنه متأكلا أي بارع غير متأكل بقراءته، يعني أنهم كانوا لا يجعلون القرآن سببا للأكل أشار إلى قوله ﷺ : «لا تأكلوا بالقرآن». فأمّا الكريم السّرّ في الطّيب نافع ... فذاك الّذي اختار المدينة منزلا شرع في ذكر البدور السبعة واحدا بعد واحد فبدأ بنافع، وهو نافع بن أبي نعيم مولى جعونة ويكنى أبا رويم، وقيل غير ذلك، وأصله من أصبهان أسود، كان إمام دار الهجرة وعاش عمرا طويلا قرأ على سبعين من التابعين، منهم يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، وعبد الرحمن بن هرمز. وقرءوا على عبد الله بن عباس، على أبيّ بن كعب، على رسول الله ﷺ . وأشار بقوله: الكريم السر، إلى ما روي عنه من أنه كان إذا تكلم يشم من فيه ريح المسك، فقيل له: أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال ما أمسّ طيبا ولكني رأيت النبي ﷺ في المنام يقرأ في فيّ، فمن ذلك الوقت توجد فيه هذه الرائحة. قوله: فذالك الذي اختار المدينة منزلا، المنزل موضع النزول والسكن، يعني أن نافعا اختار السكنى بمدينة النبي ﷺ ، فأقام بها إلى أن مات فيها سنة تسع وستين ومائة في خلافة الهادي، وقيل: سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك. وله رواة كثيرة ذكر منهم راويين في قوله: وقالون عيسى ثمّ عثمان ورشهّم ... بصحبته المجد الرّفيع تأثّلا الأول: هو أبو موسى عيسى بن مينا ويلقب بقالون، قرأ على نافع بالمدينة، ومات بها سنة خمس ومائتين. الثاني: أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش، ولد بمصر ثم رحل إلى نافع فقرأ عليه بالمدينة، ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة وقبره معروف في القرافة يزار. والضمير في قوله:

стр. 8

ورشهم للقراء، أي هو الذي من بينهم لقبه ورش وكذا قوله فيما يأتي، وصالحهم أبو عمر هم وحرميهم والهاء في «بصحبته» لنافع، والمجد الشرف، والرفيع العالي، ومعنى تأثلا أي جمعا أي سادا بصحبة نافع والقراءة عليه. ومكّة عبد الله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم معتلا وهذا البدر الثاني أبو معبد عبد الله بن كثير المكي، مولى عمرو بن علقمة، تابعي وأصله من أبناء فارس، وكان طويلا جسيما أشمر أشهل يخضب بالحناء، قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي الصحابي، وعلى أبي، وعلى مجاهد بن جبير ودرباس، على عبد الله بن عباس، على أبيّ وزيد بن ثابت، على النبي ﷺ ، ولد بمكة سنة خمس وأربعين في أيام معاوية، وأقام مدة بالعراق ثم عاد إليها، ومات بها سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وله رواة كثيرة ذكر منهم راويين في قوله: روى أحمد البزّي له ومحمّد ... على سند وهو الملقّب قنبلا الأول: منهما هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، وإليه نسب. قرأ على عكرمة، على إسماعيل، وعلى شبل بن عباد، على ابن كثير. والثاني: أبو عمر محمد ولقبه قنبل، قرأ على أحمد القواس، على أبي الإخريط، على إسماعيل، على شبل ومعروف، وقرأ هذان على ابن كثير، وهذا معنى قوله: «على سند»، أي بسند، يعني أنهما لم يرويا عن ابن كثير نفسه، بل بواسطة هؤلاء المذكورين. وأصل السند في اللغة ما أسند إليه من حائط ونحوه، وسند الحديث والقراءة من ذلك. وأمّا الإمام المازنيّ صريحهم ... أبو عمرو البصري فوالده العلا وهذا البدر الثالث: أبو عمرو بن العلاء البصري المازني، من بني مازن كازروني الأصل، أسمر طويلا. والصريح الخالص النسب، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل زيان، وقيل غير ذلك، قرأ على جماعة من التابعين بالحجاز والعراق، منهم ابن كثير، ومجاهد، وسعيد بن جبير، على ابن عباس، على أبيّ، على النبي ﷺ . ولد بمكة سنة ثمان أو تسع وستين أيام عبد الملك، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة سنة أربع أو خمس وخمسين ومائة في خلافة المنصور أو قبله بسنتين، وله رواة كثيرة ذكر منهم راويا فرع منه راويين في قوله: أفاض على يحيى اليزيديّ سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معلّلا أفاض يعني أفرغ من فاض الماء، واليزيدي هو يحيى بن المبارك اليزيدي، عرف بذلك لأنه كان عند يزيد بن المنصور يؤدب ولده نسب إليه، والسيب العطاء، والعذب الماء الحلو، والفرات الصادق الحلاوة، والمعلل الذي يسقى مرة بعد أخرى، يعني أن أبا عمرو أفاض عطاه على اليزيدي، وكنى بالسيب عن العلم الذي علمه إياه، فأصبح اليزيدي ريانا من العلم. أبو عمر الدّوريّ وصالحهم أبو ... شعيب هو السّوسيّ عنه تقبّلا ذكر اثنين ممن قرأ على اليزيدي: أحدهما أبو عمر حفص بن عمر الدوري، والثاني أبو شعيب

стр. 9

صالح بن زياد السوسي، والهاء في «عنه» لليزيدي، أي تقبلا عنه القراءة التي أفاضها أبو عمرو عليه. يقال تقبلت الشيء وقبلته قبولا أي: رضيته. وأمّا دمشق الشّام دار ابن عامر ... فتلك بعبد الله طابت محلّلا وهذا البدر الرابع: عبد الله بن عامر الدمشقي التابعي، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان بن عفان ﵁، وعلى أبي الدرداء عن النبي ﷺ وقيل: إنه قرأ على عثمان ﵁. ووصفه الناظم بأن دمشق طابت به محلّلا أي طاب الحلول فيها من أجله، أي قصدها طلاب العلم من أجله للقراءة عليه والرواية عنه، ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين بقرية يقال لها رحاب، ثم انتقل إلى دمشق بعد فتحها، ومات بها في يوم عاشوراء من المحرم سنة ثمان عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، ذكر من رواته اثنين في قوله: هشام وعبد الله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا هو أبو الوليد هشام بن عمار الدمشقي، قرأ على عراك المروزي وأيوب بن تميم، على يحيى الزماري، على ابن عامر. والثاني أبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان، قرأ على أيوب على يحيى على ابن عامر. قوله: وهو انتسابه لذكوان يعني أن عبد الله بن ذكوان انتسب إلى جده ذكوان، قوله: بالإسناد عنه، أي عن ابن عامر، يعني أن هشاما وعبد الله نقلا القراءة عن ابن عامر بواسطة هؤلاء المذكورين شيئا بعد شيء، وهذا معنى قوله تنقلا. وبالكوفة الغرّاء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا الغراء أي البيضاء المشهورة، قوله: منهم ثلاثة، أي في الكوفة ثلاثة من البدور السبعة وهم: عاصم وحمزة والكسائي، أذاعوا أي أفشوا العلم بها وشهروه، فقد ضاعت أي الكوفة أي فاحت رائحة العلم بها، شبهوا ظهور العلم بظهور رائحة الورد والقرنفل، لأن الشذا كسر العود والقرنفل معروف. فأمّا أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرّز أفضلا هو عاصم بن أبي النجود وكنيته أبو بكر، تابعي قرأ على عبد الله بن حبيب السلمي، وزرّ بن حبيش الأسدي، على عثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، ﵃ على النبي ﷺ ، ومات بالكوفة أو السماوة سنة سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة أيام مروان الأخير. ذكر من رواته اثنين أحدهما شعبة ذكره في قوله فشعبة راويه المبرز أفضلا أي الذي برز فضله، يقال: إنه لم يفرش له فراش خمسين سنة، وقرأ أربعا وعشرين ألف ختمة في مكان كان يجلس فيه، ولما كان شعبة اسما مشتركا والمشهور بهذا الاسم بين العلماء هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج البصري ميز الذي عناه بما يعرف به فقال: وذاك ابن عيّاش أبو بكر الرّضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضّلا ذاك إشارة إلى شعبة لأنه مشهور بكنيته واسم أبيه، ومختلف في اسمه فقيل شعبة وقيل غير ذلك.

стр. 10

وهو أبو بكر بن عياش بن سالم الكوفي، تعلم القرآن من عاصم خمسا خمسا كما يتعلم الصبي من المعلم، وذلك في نحو من ثلاثين سنة. قوله: الرضا أي العدل. ثم ذكر الراوي الثاني فقال: وحفص إلخ، هو حفص بن سليمان الكوفي ويكنى أبا عمرو، ويعرف بحفص قرأ على عاصم، قال ابن معين: هو أقرأ من أبي بكر، ولهذا قال الشاطبي: وبالإتقان كان مفضلا، يعني إتقان حرف عاصم ﵀. وحمزة ما أزكاه من متورّع ... إماما صبورا للقرآن مرتّلا هو حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، ويكنى أبا عمارة، كان كما وصفه الناظم زكيا، متورعا، متحرزا عن أخذ الأجرة على القرآن، صبورا على العبادة، لا ينام من الليل إلا القليل مرتلا، لم يلقه أحد إلا وهو يقرأ القرآن قرأ على جعفر الصادق، على أبيه محمد الباقر، على أبيه زين العابدين، على أبيه الحسين، على أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم. وقرأ حمزة أيضا على الأعمش، على يحيى بن وثاب، على علقمة، على ابن مسعود، وقرأ حمزة أيضا على محمد بن أبي ليلى، على أبي المنهال، على سعيد بن جبير، على عبد الله بن عباس، على أبيّ بن كعب. وقرأ حمزة أيضا على حمران بن أعين، على أبي الأسود، على عثمان، وعلي ﵄. وقرأ عثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ على النبي ﷺ . ولد سنة ثمانين أيام عبد الملك، ومات بحلوان سنة أربع أو ثمان وخمسين ومائة أيام المنصور أو المهدي، ذكر من رواته راويا فرع منه راويين في قوله: روى خلف عنه وخلّاد الّذي ... رواه سليم متقنا ومحصلا أما خلف فهو أبو محمد خلف بن هشام البزار، آخره راء مهملة، وهو صاحب الاختيار. وخلاد هو أبو عيسى خلاد بن خالد الكوفي، والهاء في «عنه» لحمزة؛ يعني أن خلفا وخلادا رويا عن حمزة بواسطة سليم الحرف الذي نقله عنه إليهما. متقنا أي محكما محفوظا، ومحصلا أي مجموعا. وجملة الأمر أن خلفا وخلادا قرآ على سليم، وسليم قرأ على حمزة. وأمّا عليّ فالكسائيّ نعته ... لما كان في الإحرام فيه تسربلا هو أبو الحسن علي بن حمزة النحوي، مولى لبني أسد من أولاد الفرس. قيل له: الكسائي من أجل أنه أحرم في كساء. والسربال القميص وكل ما يلبس كالدرع وغيره. قرأ على حمزة الزيات، وقد تقدم سنده، وقرأ على عيسى بن عمر، على طلحة بن مصرف، على النخعي على علقمة، على ابن مسعود على النبي ﷺ . عاش سبعين سنة، ومات برنبويه قرية من قرى الري صحبة الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة أيامه، ذكر من رواته اثنين في قوله: روى ليثهم عنه أبو الحارث الرّضا ... وحفص هو الدّوري وفي الذّكر قد خلا ليثهم مثل ورشهم، والهاء في عنه للكسائي، أي روى أبو الحارث الليث بن خالد عن الكسائي القراءة، والرضا العدل. والثاني هو أبو عمر حفص الدوري راوي أبي عمرو بن العلاء، وقد ذكر

стр. 11

في هذا البيت أنه روى عن الكسائي أيضا، وقد تقدم ذكره مع ذكر السوسي، فلهذا قال: وفي الذكر قد خلا. أبو عمرهم واليحصبيّ ابن عامر ... صريح وباقيهم أحاط به الولا أضاف أبا عمرو إلى ضمير القراء كما سبق في ورشهم. قوله: واليحصبي في صاده الحركات الثلاث مطلقا، والرواية الفتح، وقد تقدم أن أبا عمرو مازني، وذكر في هذا البيت أن ابن عامر يحصبي نسبة إلى يحصب حي من اليمن، ويحصب بطن من بطون حمير. والصريح الخالص النسب، يعني أن أبا عمرو وابن عامر من صميم العرب، وباقيهم أي: وباقي السبعة. أحاط به الولاء، أي أحدق به، وغلب على ذرية العجم لفظ الموالي، يقال: فلان من العرب وفلان من الموالي، قال الجعبري في كنز المعاني: أبو عمرو وابن عامر نسبهما خالص من الرق وولادة العجم، وباقي السبعة شيب نسبهم بولاء الرق إن ثبت أنه مسهم أو أحد آبائهم، وإلا فولادة العجم وولاء الحلف لا ينافي الصراحة. وهذا النقل هو الأشهر، وإلا فقد اختلف فيهما وفي ابن كثير وحمزة انتهى كلامه. لهم طرق يهدي بها كلّ طارق ... ولا طارق يخشى بها متمحّلا لهم ضمير الرواة، والطرق جمع طريق وهو هنا لمن أخذ عن الراوي لأن أرباب هذا الفن اصطلحوا على أن يسموا القراءة للإمام والرواية للآخذ عنه مطلقا، والطريق للآخذ عن الراوي كذلك، فيقال مثلا: قراءة نافع رواية قالون طريق أبي نشيط ليعلم منشأ الخلاف عن الراوي. قوله: يهدي بفتح الياء وكسر الدال ويروى بضم الياء وفتح الدال، أي لهؤلاء القراء مذاهب منسوبة إليهم من الإظهار والإدغام والتحقيق والتسهيل والفتح والإمالة، وغير ذلك على ما يأتي بيانه. ومعنى يهدي أي يهتدي بها في نفسه أو يرشد المستهدي بتلك الطرق كل طارق، أي كل عالم يعرفها يهدي من طلب معرفتها. والطارق النجم المضيء، كني بالنجم عن العالم. ثم قال: ولا طارق أي: ولا مدلس، يخشى بها أي فيها متمحلا أي ماكرا. وهنّ اللّواتي للمواتي نصبتها ... مناصب فانصب في نصابك مفضلا وهن أي القراءات والروايات والطرق والمواتي الموافق وأصله الهمز فخفف. ونصبتها أي جعلتها مناصب أي أعلاما للعز والشرف لما لم يتضمن هذا القصيد جميع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث بل سبع قراءات منها. قال: هذه المذاهب إنما نظمتها لمن يوافقني على قراءتها ويستعمل اصطلاحي فيما نظمته، وأما من لا يوافقني عليها بل يريد غير هذه الأئمة كيعقوب الحضرمي، والحسن البصري وعاصم الجحدري والأعمش وغيرهم ممن نقل الأحرف السبعة فليس هذا النظم موضوعا له وليطلب ذلك من غيره من كتب الخلاف. قال الجعبري: وخفي معنى هذا البيت على أكثر القراء وبلغ جهله إلى أنه كان إذا سمع قراءة ليست في هذا النظم قال شاذة، وربما ساوت أو رجحت، والحق أن من سمع قراءة وراء علمه حققها من جهابذة النقاد وكتب الثقات. قلت: هذا القائل إنما قال ذلك لقلة اطلاعه على حقيقة هذا الفن واقتصاره على القصيد فيزعم أن ما سواه متروك وقد ألفت مختصرا

стр. 12

لطيفا جمعت فيه ست قراءات من الأحرف السبعة الواردة في الحديث من كتب متعددة، قرأت بها وذكرتها في ذلك المختصر. فالقراءات الست عن ستة أئمة، وهم: يزيد بن القعقاع وابن محيصن والحسن البصري ويعقوب والأعمش وخلف. فإذا قرأ القارئ بما تضمنه هذا القصيد وبما تضمنه المختصر في القراءات الست تحصلت له ثلاث عشرة قراءة عن الأئمة الثلاثة عشر وجميعها من الأحرف السبعة الواردة في الحديث. قوله: فانصب أي اتعب في نصابك، أي في أصلك، وأراد به النية لأنها أصل العمل ونصاب الشيء أصله، ومنه نصاب المال. أي أتعب ذاتك في تحصيل العلم الذي يصير أصلا لك تنسب إليه مفضلا أي ذا فضل. وها أنا ذا أسعى لعلّ حروفهم ... يطوع بها نظم القوافي مسهّلا ها حرف تنبيه، وأنا ضمير المتكلم وحده، وذا اسم إشارة، وأسعى بمعنى أحرص، أي إني مجتهد في نظم تلك الطرق، راجيا حصول ذلك وتسهيله، والضمير في «حروفهم» للقراء، والمراد قراءاتهم المختلفة، قال صاحب العين، كل كلمة تقرأ على وجوه من القراءات تسمى حرفا. ويجوز أن يكون المراد بالحرف الرموز، لأنها حروفهم الدالة عليهم ويدل عليه قوله بعد ذلك جعلت أبا جاد، ويطوع بمعنى ينقاد، والقوافي جمع قافية وهي كلمات أواخر الأبيات بضابط معروف في علمها. جعلت أبا جاد على كلّ قارئ ... دليلا على المنظوم أوّل أوّلا أخبر أنه جعل حروف «أبي جاد» دليلا أي علامة على كل قارئ نظم اسمه من القراء السبعة ورواتهم. أول أولا أي الأول من حروف أبي جاد للأول من القراء، ففي اصطلاحه أبج لنافع وراوييه، فالهمزة لنافع، والباء لقالون، والجيم لورش. «دهز» لابن كثير وراوييه، الدال لابن كثير، والهاء للبزي والزاي لقنبل. «حطي» لأبي عمرو وراوييه، الحاء لأبي عمرو والطاء للدوري، والياء للسوسني. «كلم» لابن عامر وراوييه، الكاف لابن عامر واللام لهشام، والميم لابن ذكوان «نصع» لعاصم وراوييه، النون لعاصم والصاد لشعبة والعين لحفص. «فضق» لحمزة وراوييه، الفاء لحمزة والضاد لخلف، والقاف لخلاد «رست» للكسائي وراوييه، الراء للكسائي، والسين لأبي الحارث والتاء للدوري عنه وترتيبها عند الحساب. (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ). فغيرها الناظم إلى اصطلاحه فصار ترتيبها عنده أبج دهز حطي كلم نصع فضق رست ثخذ ظغش والواو للفصل. ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله ... متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا المراد بالحرف هنا ما وقع الاختلاف فيه بين القراء من كلم القرآن، سواء كان حرفا في اصطلاح النحويين، أو اسما أو فعلا، وأسمي بمعنى أضع. والمراد برجاله قراؤه أي أذكرهم برموزهم التي أشرت إليها لا بصريح أسمائهم، فإن ذلك يتقدم على الحرف ويتأخر كما سيأتي. وبيّن بهذا البيت كيفية استعماله الرمز بحروف أبجد فذكر أنه يذكر حروف القرآن أولا، ثم يأتي بحروف الرمز ولا يأتي بها مفردة،

стр. 13

بل في أوائل كلمات، قد تضمنت تلك الكلمات معاني صحيحة، من ثناء على قراءة أو قارئ، أو تعليل مفيد. ثم يأتي بالواو الفاصلة كقوله: ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] راويه ناصر. وعند صراط ذكر أولا حرف القرآن وهو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، ثم ذكر الرمز في قوله: راويه ناصر وهما الراء والنون ثم أتى بالواو الفاصلة في قوله وعند صراط. وهذا معنى قوله: «متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا»، أي إذا انقضى ذكر الحرف المختلف في قراءته ورمز من قرأه، آتي بكلمة أولها واو تؤذن بانقضاء تلك المسألة واستئناف كلمة أخرى. وقوله: ذكري الحرف يقرأ بإضافة ذكر إلى ياء المتكلم، ونصب الحرف ويقرأ بخفض الحرف على إضافة ذكر إليه عوض ياء المتكلم الساقطة من اللفظ لالتقاء الساكنين. سوى أحرف لا ريبة في اتّصالها ... وباللّفظ أستغني عن القيد إن جلا يعني أنه ربما استغنى عن الإتيان بالواو الفاصلة إذا دل الكلام بنفسه على الانقضاء والخروج إلى شيء آخر وارتفعت الريبة كقوله: وغيبك في الثاني إلى صفوه دلا خطيئته التوحيد عن غير نافع، فإن لفظ خطيئته دل على انقضاء الكلام في الغيبة والخطاب، وقوله: وباللفظ أستغني عن القيد، كقوله وحمزة أسرى في أسارى، فإنه استغنى عن تقييد اللفظين كما قيد في قوله في بقية البيت وضمهم نقاد وهم والمد. قوله إن جلا أي إن كشف اللفظ عن المقصود وبينه ومنه، يقال جلوت الأمر إذا كشفته، يعني لا يستغني باللفظ إلا إذا كان اللفظ يكفي عن ذلك القيد وإن لم يكف قيد. وربّ مكان كرّر الحرف قبلها ... لما عارض والأمر ليس مهوّلا رب حرف جر في الأصح لتقليل النكرة ومكان مجرورها. وقوله: كرر يقرأ بضم الكاف وكسر الراء، والرواية بفتحهما ففي كرر ضمير يعود إلى الناظم، أي رب مكان، كرر الناظم حرف الرمز قبل الواو الفاصلة، وأراد بالحرف هنا حرف الرمز الدال على القارئ لا الكلمة المختلف فيها المعبر عنها بقوله ومن بعد ذكري الحرف. قوله: لما عارض، أي لأمر عارض اقتضى ذلك من تحسين لفظ أو تتميم قافية وهو في ذلك على نوعين: أحدهما أن يكون الرمز لمفرد مكرر بعينه كقوله: حلا حلا وعلا علا. والثاني أن يكون الرمز لجماعة ثم يرمز لواحد من تلك الجماعة كقوله سما العلا ذا أسوة تلا، وقد يتقدم المفرد كقوله: إذ سما كيف عولا، والهاء في قبلها تعود على الواو الفاصلة المنطوق بها أي قبل موضعها وإن لم توجد فإن حلا حلا وعلا علا ليس بعدهما واو فاصلة. فإن قيل فما الرمز فيهما هل هو الأول والثاني؟ قيل: ظاهر كلام الناظم أن الرمز هو الأول وهو الذي ينبغي أن يكتب بالأحمر، فإن كان صغيرا مع كبير فلا يحمر إلا الكبير الذي دخل فيه الصغير نحو إذ سما فلا يحمر ألف إذ، وكذا سما العلا لا تحمر الألف من العلا، وكذلك إذا أضيف الكبير إلى ضمير نحو حرميهم وصحبتهم، لا يحمر الهاء والميم. واعلم أنه كما يكرر الرمز لعارض فقد تكرر الواو الفاصلة أيضا لذلك كقوله: قاصدا ولا ومع جزمه يفعل ولم يخشوا هناك مضلّلا وأن يقبل. قوله: والأمر ليس مهولا، بكسر الواو، أي أمر استعمال الرمز هين ليس مفزعا.

стр. 14

ومنهنّ للكوفيّ ثاء مثلّث ... وستّتهم بالخاء ليس بأغفلا عنيت الأولى أثبتّهم بعد نافع ... وكوف وشام ذالهم ليس مغفلا لما اصطلح على رموز القراء منفردين، كل حرف من حروف «أبي جاد» رمز لقارئ كما تقدم، اصطلح أيضا على حروف من حروف «أبي جاد» دالة عليهم مجتمعين كل حرف يدل على جماعة. واعلم أن الحروف الباقية من حروف «أبي جاد» ستة يجمعها كلمتان «ثخذ، ظغش». ولهذا قال: ومنهن، أي من حروف أبي جاد للكوفي، أي للقارئ الكوفي من السبعة، أي لهذا الجنس، وهم عاصم وحمزة والكسائي. ثاء مثلث، أي ذات نقط ثلاث، جعل الثاء المثلث وهو الأول من ثخذ دالا على الكوفيين الثلاثة إذا اجتمعوا على قراءة نحو قوله: وفي درجات النون مع يوسف ثوى، فالثاء من قوله: ثوى، ذات رمز لهم. قوله: وستتهم بالخاء، أي وستة القراء بالخاء المنقوطة، والأغفل من الحروف الذي لم ينقط. قوله: عنيت، أي أردت، الأولى أي الذين أثبتهم أي نظمتهم، أخبر أنه جعل الحرف الثاني من «ثخذ» وهو الخاء لغير نافع، فلهذا قال: عنيت الأولى أثبتهم، أي عنيت بالستة الذين ذكرتهم في النظم بعد ذكر نافع، وهم: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، إذا اجتمعوا على قراءة رمز لهم، بالخاء كقوله: والصابئون خذ، فالخاء رمز لهم، ثم شرع في الحرف الثالث من ثخذ، فقال: وكوف وشام ذالهم، أخبر أنه جعل الذال المعجمة للكوفيين وابن عامر، إذا اجتمعوا على قراءة كقوله: «وما يخدعون»، الفتح من قبل ساكن، وبعد ذكا، فالذال من ذكا رمز لهم. وقوله: ليس مغفلا، أي ليس مغفلا من النقط بل هو منقوط. ثم لما فرغ من حروف ثخذ شرع في تفصيل حروف ظغش فقال: وكوف مع المكّيّ بالظاء معجما ... وكوف وبصر غينهم ليس مهملا أخبر أن الحرف الأول من حروف ظغش، وهو الظاء المعجمة أي المنقوطة جعلها للكوفيين والمكي، يعني أن عاصما وحمزة والكسائي وابن كثير، إذا اجتمعوا على قراءة رمز لهم بالظاء كقوله: وفي الطور في الثاني ظهير، فالظاء من ظهير رمز لهم. قوله: وكوف وبصر، إلخ ... أخبر أن الحرف الثاني من حروف ظغش، وهو الغين، جعلها رمز العاصم وحمزة والكسائي وأبي عمر. وإذا اجتمعوا على قراءة كقوله: وقبل، يقول: الواو غصن، فالغين رمز لهم. وقوله: غينهم ليس مهملا، أي منقوط، والمهمل الخالي من النقط، والمعجم من الحروف المنقوط من قولهم: أعجمت الكتاب، أي أزلت عجمته بالنقط. وذو النّقط شين للكسائي وحمزة ... وقل فيهما مع شعبة صحبة تلا صحاب هما مع حفصهم عمّ نافع ... وشام سما في نافع وفتى العلا ومكّ وحقّ فيه وابن العلاء قل ... وقل فيهما واليحصبي نفر حلا أخبر أن الحرف الثالث من حروف ظغش، وهو الشين المنقوط جعله رمز الحمزة، والكسائي إذا اجتمعا على قراءة كقوله: وقل حسنا شكرا، فالشين رمز لهما، وإليه أشار بقوله: ذو النقط، أي صاحب النقط. فهذا آخر حروف «أبي جاد»، وكملت حروف المعجم جميعها، وهو آخر الرمز الحرفي. ثم اصطلح

стр. 15

على ثمان كلمات جعلها رموزا وهن: «صحبة صحاب عم سما حق نفر حرمي حصن». ثم شرع في بيان مدلول تلك الكلمات فقال: وقل فيهما مع شعبة صحبة الضمير في «فيهما» عائد على حمزة والكسائي، أي قل في الكسائي وحمزة مع شعبة هذه الكلمة وهي صحبة، فجعل صحبة علما دالا على هؤلاء، يعني أن حمزة والكسائي إذا اتفق معهما شعبة على قراءة، عبر عنهم بلفظ صحبة كقوله: وصحبة يصرف، فصحبة رمز لهم. وتارة يرمز لهم بالحرف كقوله: «وموص ثقله صح شلشلا»، فالصاد لشعبة، والشين لحمزة والكسائي. قوله: تلا أي تبع الرمز الكلمي الرمز الحرفي. ثم شرع في الكلمة الثانية وهي صحاب فقال: صحاب هما مع حفصهم، أخبر أنه جعلها رمزا لحمزة والكسائي وحفص، إذا اجتمعوا على قراءة، رمز لهم بصحاب كقوله: وقل زكريا، دون همز جميعه صحاب الضمير في قوله: هما يعود إلى حمزة والكسائي ومراده حفص عاصم. الكلمة الثالثة عم جعلها رمزا لنافع وابن عامر، فقال عم نافع وشام. الكلمة الرابعة: سما جعلها رمزا لنافع، وأبي عمرو وابن كثير، فقال: سما في نافع وفتى العلا. ومكّ. الكلمة الخامسة: حق جعلها رمزا لابن كثير وأبي عمرو فقال: ومك وحق وابن العلاء قل. الكلمة السادسة: نفر جعلها رمزا لابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر فقال: وقل فيهما واليحصبي نفر حلا. ثم ذكر باقي الكلمات فقال: وحرميّ المكّيّ فيه ونافع ... وحصن عن الكوفي ونافعهم علا الكلمة السابعة: حرمي جعلها رمزا لابن كثير ونافع. الكلمة الثامنة: حصن جعلها رمزا لنافع والكوفيين، وهم: عاصم وحمزة والكسائي. قوله: حرمي بكسر الحاء وسكون الراء وتشديد الياء، لغة في الحرم. وقوله: علا أي: ظهر. المراد وهذه الثمان كلمات تارة يأتي بها بصورتها، وتارة يضيف بعضها إلى ضمير كقوله: «صحابهم وحقك يوم لا مع الكسر عمه». ومهما أتت من قبل أو بعد كلمة ... فكن عند شرطي واقض بالواو فيصلا أي: ومهما أتت كلمة أولها رمز من قبل كلمة من الكلمات الثمان، التي وضعتها رمزا تارة استعملها مجردة عن الرمز الحرفي، وتارة يجتمعان فإذا اجتمعا لم ألتزم ترتيبا بينهما، فتارة يتقدم الكلمي على الحرفي نحو وعم فتى، وتارة يتقدم الحرفي على الكلمي نحو نعم عم، وتارة يتوسط الكلمي بين حرفين نحو صفو حرميه رضى، ومدلول كل واحد من الحرفي والكلمي بحاله لا يتغير بالاجتماع، فهذا معنى قوله: فكن عند شرطي، أي: على ما شرطته واصطلحت عليه قوله: واقض بالواو فيصلا، أي احكم بعد ذلك بالواو فاصلا على القاعدة المتقدمة. وما كان ذا ضدّ فإني بضدّه ... غنيّ فزاحم بالذّكاء لتفضلا انتقل إلى بيان اصطلاحه في عبارات وجوه القراءات فقال: كل وجه له ضد واحد سواء كان عقليا أو اصطلاحيا، فإني أستغني بذكر أحد الضدين عن الآخر لدلالته عليه، فيكون من سمى يقرأ بما ذكره، ومن لم يسم يقرأ بضد ما ذكره. قوله: فزاحم بالذكاء أي: زاحم العلماء بذكائك، أي بسرعة فهمك لتفضلا أي لتغلب في الفضل. واعلم أن الأضداد المذكورة تنقسم قسمين: أحدهما: ما يعلم من جهة العقل. والثاني ما يعلم من جهة اصطلاحه، ثم هي تنقسم قسمين آخرين منها ما يطرد وينعكس، أي كل

стр. 16

واحد من الضدين يدل على الآخر، ومنها ما يطرد ولا ينعكس. فبدأ بالقسم الأول من القسمين أعني الذي يعلم من جهة العقل المطرد المنعكس. كمدّ وإثبات وفتح ومدغم ... وهمز ونقل واختلاس تحصّلا المد ضده القصر كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره. وقوله: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن، وتارة يعبر بالمد عن زيادة حرف كقوله: وفي حاذرون المد، وتارة يعبر بالقصر عن حذف الألف كقوله: وقل لابثين القصر. قوله: وإثبات الإثبات ضده الحذف كقوله: وتثبت في الحالين درا لوامعا ... وقل قال موسى واحذف الواو دخللا قوله: وفتح الفتح هنا ضده الإمالة الكبرى والصغرى، ولم يستعمله الناظم إلا في قوله في سورة يوسف: والفتح عنه تفضلا، وفي باب الإمالة في قوله: «ولكن رءوس الآي قد قل فتحها». وإنما لم يقع التقييد بالفتح إلا في هذين الموضعين، لأن القراءة إذا كانت دائرة بين الفتح والإمالة، فما يعبر الناظم بالفتح لعدم دلالة الفتح على أحد نوعي الإمالة، لأن الإمالة منقسمة صغرى وكبرى فما تفهم القراءة الأخرى لو عبر بالفتح، فيعبر بالإمالة إما الصغرى أو الكبرى وأيهما كانت فضدها الفتح. والصحيح أن الفتح هنا غير الفتح الذي يأتي مؤاخيا بينه وبين الكسر، لأن الفتح هنا ضد الإمالة بخلافه ثم فإن ضده الكسر. قوله: ومدغم إلى آخره، ضد الإدغام الإظهار. وضد الهمز ترك الهمز وضد النقل إبقاء الهمز على حركته، وإبقاء الساكن قبله. وضد الاختلاس إكمال الحركة، لأن معنى الاختلاس خطف الحركة والإسراع بها، وقوله: تحصلا، أي تحصل في الروية وثبت. ثم شرع في بيان الأضداد التي اصطلح عليها فقال: وجزم وتذكير وغيب وخفّة ... وجمع وتنوين وتحريك اعملا الجزم ضده في اصطلاحه الرفع، وهو يطرد ولا ينعكس. أما بيان اطراده فلأنه متى ذكر الجزم فخذ ضده الرفع، كقوله: وبالقصر للمكي واجزم فلا يخف. وأما الرفع فضده النصب كما سيأتي. والتذكير ضده التأنيث، وكل من الضدين يدل على الآخر كقوله: وذكر لم يكن شاع، وقوله: وإن تكن أنث. والغيبة ضدها الخطاب، وكل من الضدين يدل على الآخر كقوله: وفي يعملون الغيب حل، وقوله: وتدعون خاطب إذ لوى. والخفة ضدها الثقل، وكل منهما يدل على صاحبه، كقوله: وكوفيهم تساءلون مخففا. وقوله: وحق وفرضنا ثقلا والجمع ضده التوحيد والإفراد، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة باصطلاحه نحو: وجمع رسالاتي حمته ذكوره، وكقوله: خطيئته التوحيد رسالات فرد. والتنوين ضده تركه، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة كقوله: لثمود نوّنوا واخفضوا رضى وقوله: ثمود مع الفرقان والعنكبوت لم ينون. والتحريك ضده الإسكان، سواء كان مقيدا نحو: وحرك عين «الرعب» ضما أو مطلقا، نحو: معا قدر حرك من صحاب، وقوله: اعملا أي عاملا في الحرف. وحيث جرى التّحريك غير مقيّد ... هو الفتح والإسكان آخاه منزلا التحريك يقع في القصيد على وجهين: مقيد، وغير مقيد، فالمقيد كقوله: واللام حركوا برفع خلودا، وكقوله: وحرك عين الرعب ضما. وغير المقيد كقوله: معا قدر حرك. ولا يكون إذا إلا فتحا، ومثله قوله:

стр. 17

نعم ضم حرك واكسر الضم أثقلا، والإسكان ضدهما معا، وإنما قال في هذا البيت والإسكان آخاه ولم يستغن بما تقدم في البيت الذي قبله لفائدة، وليس هذا بتكرار. أراد به إذا ذكر التحريك غير مقيد فضده الإسكان، وإذا ذكر الإسكان فضده الفتح إذا كان الإسكان غير مذكور الضد كقوله: ويطهرن، في الطاء السكون فضد هذا السكون الفتح لأنه ذكره ولم يذكر له ضدا، فإن كان للسكون ضد غير الفتح فلا بد من ذكره وتقييده كقوله: وحيث أتاك القدس إسكان داله ... دواء وللباقين بالضم أرسلا لما كان ضد الإسكان هنا الضم ذكره وعينه. وكقوله: وأرنا وأرني ساكنا الكسر. ثم شرع يذكر بقية الأضداد التي اصطلح فيها فقال ﵀: وآخيت بين النّون واليا وفتحهم ... وكسر وبين النّصب والخفض منزلا أخبر أنه آخى بين النون والياء، وبين الفتح والكسر، وبين النصب والخفض. وفعل ذلك لكثرة دورهما في التراجم وفرق بين لقبي الفتح والنصب، وبين لقبي الكسر والخفض، على اصطلاح البصريين في التفرقة بين ألقاب حركات الإعراب والبناء. فحاصل هذا البيت أن النون والياء ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه، فمتى كانت القراءة دائرة بين الياء والنون فإذا ذكرت الياء لقارئ نحو قوله: ويا ويكفر عن كرام، فتأخذ للمسكوت عنهم النون لتصريحه بالياء، وإذا ذكر النون لقارئ نحو قوله: وحيث يشاء نون دار، فتأخذ للمسكوت عنهم الياء، لتصريحه بالنون. وقوله: وفتحهم وكسر إلخ الفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه كقوله: إن الدين بالفتح رفلا، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بكسر الهمز. ومثال الكسر كقوله: عسيتم- بكسر السين- حيث أتى انجلا، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بفتح السين. وأما النصب والخفض فهما ضدان، وكل واحد منهما يدل على الآخر كقوله: وغير أولي بالنصب صاحبه كلا. ومثال التقييد بضده كقوله: والأرحام بالخفض جملا. وقوله: منزلا، بضم الميم أي: منزلا كل شيء من ذلك منزلته. وحيث أقول الضّمّ والرّفع ساكتا ... فغيرهم بالفتح والنّصب أقبلا أخبر أنه إذا ذكر الضم وسكت عن قراءة الباقين كانت بالفتح كقوله: وفي إذ يرون الياء بالضم كللا: فابن عامر يقرأ بالضم، والباقون يقرءون بالفتح، وإذا ذكر الرفع وسكت عن قراءة الباقين كانت بالنصب كقوله: وحتى يقول الرفع في اللام أولا، فنافع يقرأ بالرفع، والباقون يقرءون بالنصب، وإذا لم تكن قراءة الباقين في النوع الأول بالفتح، ولا في النوع الثاني بالنصب، فإنه لا يسكت عنها مثاله في الضم قوله: وجزءوا وجزء ضم الإسكان صف. فقد ذكر الضم لأبي بكر، وذكر معه الإسكان، فتأخذ لغيره الإسكان لأنه المذكور مع الضم. وكذلك قوله: ورضوان اضمم غير ثان العقود كسره صح، فتأخذ لأبي بكر الضم لنصه عليه، وتأخذ للباقين المذكور معه وهو الكسر. ومثاله في الرفع قوله: يضاعف ويخلد رفع جزم كذي صلا: فتأخذ لابن عامر وأبي بكر القراءة بالرفع وتأخذ للباقين ما ذكر مع الرفع وهو الجزم وكذلك قوله: وخضر برفع الخفض عم حلا علا فالحاصل أن ضد الرفع إذا سكت النصب، وضد النصب الخفض وكذلك ضد الضم إذا سكت الفتح، وضد الفتح الكسر. فالفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما

стр. 18

يدل على الآخر وكذلك النصب والخفض كل واحد منهما يدل على الآخر قوله: أقبلا أي جاء الغير بالفتح في مقابلة الضم، وبالنصب في مقابلة الرفع وبالله التوفيق: وفي الرّفع والتّذكير والغيب جملة ... على لفظها أطلقت من قيّد العلا أي في القصيد جملة مواضع من: الرفع، والتذكير، والغيب، وأضدادها، أطلقت القارئ الذي فهم الأضداد المتقدمة على قراءتها، خالية من الترجمة. فاعلم من هنا أن الخلاف إذا دار بين الرفع وضده فلا أذكر إلا الرفع رمزا أو صريحا، وإذا دار بين التذكير وضده فلا أذكر إلا التذكير، وإذا دار بين الغيب وضده فلا أذكر إلا الغيب. فإذا علمت أحد الوجهين من هنا أخذت للمسكوت عنه ضده من المتقدم. وقوله: على لفظها، أي على قراءتها أطلقت أي أرسلت. أي: وفي الرفع والتذكير والغيب جملة من حروف القرآن، في القصيد أطلقت على لفظها من غير تقييد، يعني أنه ربما استغنى بألفاظ هذه الثلاثة عن تقييدها. وقد اتفق اجتماع هذه الثلاثة في بيت واحد بالأعراف، وهو قوله: وخالصة أصل، ولم يقل بالرفع، فكان هذا الإطلاق دليلا على أنه مرفوع. ولا يعلمون قل، ولم يقل بالغيب، لشعبة في الثاني ويفتح شمللا، ولم يقل بالتذكير، ونبه بقوله: من قيد العلا، على أنه إنما وضع قصيده لمن عرف معانيه ليرتقي به إلى أعلى هذا الشأن، أي: من حاز الرتب العلا: وقبل وبعد الحرف آتي بكلّ ما ... رمزت به في الجمع إذ ليس مشكلا أخبر أنه لا يلتزم لكلم الجمع مكانا، بل يأتي بها تارة قبل الحرف وتارة بعده، إذ لا إشكال فيها، بخلاف حروف أبجد. والمراد بالحرف هنا كلمة القرآن. والرمز في اللغة الإيماء والإشارة ومنه قوله تعالى: إِلَّا رَمْزاً [آل عمران: ٤١]، ولما كانت هذه الكلمات والحروف التي جعلها دالة على القراءة كالإشارة إليهم، سماها رمزا وأراد بما رمز به في الجمع الكلمات الثماني، فإنها هي التي لا يشكل أمرها في أنها رمز سواء تقدمت على الحروف أو تأخرت. وأما الحروف الدالة على الجمع كالتاء والخاء وما بعدهما فلها حكم الحروف الدالة على القراء منفردين، وقد التزم ذكرها بعد حرف القرآن بقوله: ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله وقد تقدم هذا، ومثال ذكره رمز الجمع قبل حرف القرآن، نحو: وصحبة يصرف ومثال ذكره إياه بعده نحو يستبين صحبة ذكر وأولا وقوله ليس مشكلا أي ليس بصعب؛ وسوف أسمّي حيث يسمح نظمه ... به موضحا جيدا معمّا ومخولا أخبر أنه يسمي القارئ باسمه ولا يرمزه، حيث يسمح نظمه به، أي حيث يسهل عليه نظمه تارة يذكره قبل حرف القرآن، وتارة بعده على حسب ما يسهل كقوله: «لحمزة فاضمم كسرها أهله امكثوا»، وقوله: «ولا كذابا بتخفيف الكسائي أقبلا. واعلم أن التصريح تارة يكون باسم القارئ كما تقدم وتارة يكون بكنيته كقوله: «وقطبه أبو عمرو»، وتارة يكون بنسبه كقوله: «وكوفيهم تساءلون»، وتارة يكون بضمير كقوله: «وبصروهم أدرى». وأما حرمي فإنه وإن كان نسبة فإنه جعله رمزا، فيجتمع مع الرمز كقوله: وإستبرق حرمي نصر وقد استمر له أنه لا يجمع بين رمز واسم صريح في ترجمة واحدة، ويجمع بينهما في ترجمتين فإنه قد يرمز بقراءة القارئ في الحرف الواحد، ويصرح فيه بالقراءة الأخرى لغيره كما قال: «يلهث له دار جهلا»، ثم قال: «وقالون ذو خلف»، وكذلك قد يرمز للقراء ويستثني بالصريح كقوله «وإضجاع «را» كل الفواتح»، ذكره حمى غير حفص. وقوله: «ليقضوا سوى بزيهم نفر

стр. 19

جلا وموضحا» أي مبينا، والجيد العنق، والمعم المخول ذو الأعمام والأخوال، وذلك أنهم كانوا يعرفون الصبي ذا الأعمام والأخوال بجيده لما فيه من الزينة. ومن كان ذا باب له فيه مذهب ... فلا بدّ أن يسمى فيدرى ويعقلا يريد أن القارئ إذا انفرد بباب لم يشاركه فيه غيره ذكره في ذلك الباب باسمه من غير رمز زيادة في البيان كقوله: ودونك الإدغام الكبير «وقطبه: أبو عمرو»، وقوله: وفي هاء تأنيث الوقوف وقبلها: «ممال الكسائي»، وقوله: «وغلظ ورش فتح لام لصادها». وبانتهاء هذا البيت انتهى ما رتبته من الرموز والاصطلاح في القصيد، ثم شرع يثني عليها فقال: أهلّت فلبّتها المعاني لبابها ... وصغت بها ما ساغ عذبا مسلسلا الإهلال: رفع الصوت أي نادت صارخة بالمعاني، فلبتها أي أجابتها بقولها: لبيك، أي أقامت دائمة على الإجابة، من ألبّ بالمكان: أقام به، ولباب المعاني خالصها، وضعت من الصياغة ويعبر بها عن إتقان الشيء وإحكامه، وساغ سهل، والعذب الحلو والمسلسل السلس، يعني أنه نظم فيها اللفظ الحلو السلس الذي سهل على اللسان لتناسب مادته حال التذاذ السمع به لملاءمة الطبع. وفي يسرها التّيسير رمت اختصاره ... فأجنت بعون الله منه مؤمّلا رمت الشيء طلبت حصوله: أي أنه لما قصد اختصار كتاب التيسير ونظم مسائله في هذه القصيدة استعان بالله تعالى، فحصل له فيها ما أمله من المنفعة للمسلمين، واختصار الشيء جمع معانيه في أقل من ألفاظه واستعار الجني للمعاني للطافتها. والتيسير يقرأ برفع الراء ونصبها والرفع الرواية. ومصنف التيسير هو الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأصله من قرطبة وهو مقرئ محدث مات بدانية في شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وكتاب التيسير من محفوظات الشاطبي قال: عرضته حفظا عن ظهر قلب، وتلوت ما فيه على ابن هذيل بالأندلس: وألفافها زادت بنشر فوائد ... فلفّت حياء وجهها أن تفضّلا الألفاف: الأشجار الملتفة لكثرتها، والفوائد: جمع فائدة، أي نشرت فوائد زائدة على ما في كتاب التيسير من زيادة وجوه وإشارة إلى تعليل وغير ذلك، ومن جملة ذلك باب مخارج الحروف ثم بعد هذا استحيت أن تفضل على كتاب التيسير استحياء الصغير من الكبير، ولفت أي سترت والذي سترت به وجهها هو الرمز. وسمّيتها حرز الأماني تيمّنا ... ووجه التّهاني فاهنيه متقبّلا أخبر أنه سمى هذه القصيدة «حرز الأماني ووجه التهاني» وأخبر بهذه التسمية أيضا أنه أودع فيها أماني طالبي هذا العلم وأنها تقابلهم بوجه مرضي مهنئ بمقصودهم، وتيمنا تبركا ومعنى فأهنئه متقبلا: أي تهنأ بهذا الحرز في حال تقبلك وكن به متهنئا. وناديت اللهمّ يا خير سامع ... أعذني من التّسميع قولا ومفعلا ناديت: أي قلت ومعنى اللهم يا الله الميم عوض عن حرف النداء وقطع همزته ضرورة، ثم كرر

стр. 20

النداء بقوله: يا خير سامع أعذني، أي اعصمني من التسميع أي من السمعة قولا ومفعلا أي في قولي وفعلي: إليك يدي منك الأيادي تمدّها ... أجرني فلا أجري بجور فأخطلا لما مد يده حال الدعاء قال: إليك يدي أي إليك مددت يدي سائلا الإعاذة من التسميع والإجارة من الجور، وقوله: «منك الأيادي تمدها»، الأيادي النعم أي هي الحاملة والمسهلة لي على مد يدي، أجرني أي خلصني من الخطأ فإنك إن أجرتني فلا أجري بجور أي فلا أفعله، والجور الميل عن الحق، فأخطلا أي فأقع في الخطل وهو الكلام الفاسد. أمين وأمنا للأمين بسرّها ... وإن عثرت فهو الأمون تحمّلا لما دعا أمن على دعائه فقال: أمين، ومعناه استجب، وفيه لغتان قصر الهمزة وهو الأصل، ومدها وهو الأفصح، وهو مبني على الفتح، وقد حكي فيه التشديد، والأمن ضد الخوف والأمين الموثوق به والسر ضد العلانية، كأنه قال: اللهم استجب، وهب أمنا للأمين بسرها أي بخالصها ومن أمانته اعترافه بما فيها من الفوائد، وقوله: وإن عثرت إلخ أصل العثار في المشي، ثم يستعمل في الكلام يقال: عثر في منطقه إذا غلط، والعثرة الزلة، وأضافها إلى القصيدة مجازا، وإنما يعني عثرة ناظمها فيها، والأمون الناقة القوية أي يكون الناظر في هذه القصيدة قويا بمنزلة هذه الناقة في تحمل ما يراه من زلل أو خطأ فيقيم المعاذير: أقول لحرّ والمروءة مرؤها ... لإخوته المرآة ذو النّور مكحلا أخبر أنه مخاطب للحر بما تضمنته الأبيات التي تلي هذا البيت، وأراد الحر الذي تقدم شرحه في قوله: هو الحر، فقال: أقول لحر أخي أيها المجتاز واعترض بين القول والمقول بقوله: والمروءة مرؤها إلى آخر البيت، والمروءة كمال المرء بالأخلاق الزكية، وهي مشتقة من لفظ المرء كالإنسان من لفظ الإنسانية، وقوله: مرؤها معناه رجلها الذي قامت به المروءة، وأشار بقوله والمروءة مرؤها لإخوته المرآة ذو النور إلى قوله ﵊: «المؤمن مرآة المؤمن»، وروي «إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى شيئا فليمطه». والمكحل الميل الذي يكتحل به: أخي أيّها المجتاز نظمي ببابه ... ينادى عليه كاسد السّوق أجملا هذا من المقول للحر نادى أخاه في الإسلام الذي جاز هذا النظم ببابه أي: مر به، كني بذلك عن السماع به أو الوقوف عليه إنشادا أو في كتاب، واستعار الكساد للخمول وكساد السلعة ضد نفاقها أي إذا رأيت هذا النظم خاملا غير ملتفت إليه فأجمل أنت أي ائت بالقول الجميل فيه. وظنّ به خيرا وسامح نسيجه ... بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا أي ظن بالنظم خيرا لأن ظن الخير بالشيء يوجب حسن الاعتذار عنه، وسامح من المسامحة وهي ضد المشاححة، نسيجه يعني ناسجه أي ناظمه بالإغضاء أي بالتغافل والحسنى أي بالطريقة الحسنى، وإن كان هلهلا في نسيجه، والهلهل الخفيف النسج.

стр. 21

وسلّم لإحدى الحسنيين إصابة ... والأخرى اجتهاد رام صوبا فأمحلا أي إذا اجتهد العالم فأصاب فله أجران أي أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر أي أجر اجتهاده: أي سلم لي حالي وأمسك عن لومي لحصول إحدى الحسنيين لي ثم بينهما فقال إصابة أي إحداهما إصابة وهي التي يحصل بها الأجران للواحد والأخرى اجتهاد لا يحصل معه الإصابة وهو الذي يحصل به الأجر الواحد أشار إلى قوله ﵊: «من طلب علما فأدركه كان له كفلان من الأجر وإن لم يدركه كان له كفل من الأجر». وعبر عن الخطأ بعد الاجتهاد بقوله: «رام صوبا فأمحلا»، ومعنى رام حاول وطلب، والصوب نزول المطر والمحل جفاف النبات لعدم المطر. وقوله: سلم معناه وافق، وإصابة بالرفع الرواية، ويجوز فيها الجر على البدل من إحدى الحسنيين: وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا أي وإن وقع في نسيجه خرق كنى بالخرق عن الخطأ، رشح استعارة النسج والهلهل بالخرق للعيب. قوله فأدركه، أي فتدارك ذلك الخرق بفضله من الحلم، أي من الرفق والحلم هنا الصفح وأصله تأخير المؤاخذ، وليصلحه أي يزيل فساده من جاد مقولا والمقول اللسان وهو بكسر الميم، وأذن في هذا البيت لمن وجد خطأ في نظمه وجاد مقوله أن يصلح ذلك الخطأ وهذا تواضع منه: وقل صادقا لولا الوئام وروحه ... لطاح الأنام الكلّ في الخلف والقلا أي وقل قولا صادقا، لولا الوئام أي لولا الوفاق وروحه أي وروح الوئام أي حياته، لطاح لهلك الأنام، والأنام الإنس، وقيل الإنس والجن، وقيل كل ذي روح. والقلا البغض، أشار إلى قوله ﵊: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، أي لولا الموافقة لهلك الأنام في الاختلاف والتباغض وفي المثل السائر: «لولا الوئام لهلك الأنام». وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب ... تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا عش: أي دم سالما صدرا، أي خالص الصدر من كل غش «وعن غيبة فغب» أي لا تحضر مع المغتابين، وقوله تحضر من الحضور حظار القدس، الحظار والحظيرة ما يحوط به على الماشية من نحو أغصان الشجر ليقيها البرد والريح. والقدس الطهارة، وحظار القدس الجنة، وقيل: هو موضع في السماء فيه أرواح المؤمنين وعليهما المعنى. وأنقى نظيف أي نقيا من الذنوب مغسلا أي مطهرا منها. وهذا زمان الصّبر من لك بالّتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا هذا إشارة إلى زمانه: أي هذا الزمان زمان الصبر لأنه قد أنكر المعروف وعرف المنكر، وأوذى المحق وأكرم المبطل، فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كقابض على جمر فتأس به فتسلم من العذاب، أشار إلى قوله ﵊: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». ويقال فيما يستبعد وقوعه: «من لك بكذا». والبلاء ممدود قصره وأصله الاختبار، والمراد به هنا عذاب الآخرة: ولو أنّ عينا ساعدت لتوكّفت ... سحائبها بالدّمع ديما وهطّلا ساعدت أي عاونت صاحبها على البكاء لتوكفت أي قطرت، يقال: وكف البيت وكفا إذا قطر.

стр. 22

وسحائبها أي مدامعها، أي: لسال دمعها دائما بكثرة بكائها، على التقصير في الطاعة، والديم: جمع ديمة وهو المطر الدائم، وقيل أقله يوم وليلة والهطل تتابع المطر والدمع وسيلانه: ولكنّها عن قسوة القلب قحطها ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا لكن للاستدراك، وقسوة القلب غلظه، والقحط الجدب. أي: لم ينقطع الدمع إلا بسبب أن القلب قاس، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل والحرص على الدنيا». قوله: «فيا ضيعة الأعمار» نادى ضيعة الأعمار على معنى التأسف، وضيعة الأعمار ذهابها بلا كسب عمل صالح. تمشي أي: تمضي سبهللا أي فارغة، يقال لكل شيء فارغ سبهلل: بنفسي من استهدى إلى الله وحده ... وكان له القرآن شربا ومغسلا أي: أفدي بنفسي من كل محذور. من استهدى، أي: من طلب الهداية من الله وحده لا من غيره، أي: منفردا بطلب الهداية في زمن إعراض الناس عنها، وكان له القرآن شربا أي نصيبا. أي إذا اقتسم الناس حظوظهم كان القرآن حظه يتروى به ومغسلا يتطهر به من الذنوب، أي بدوام تلاوته والعمل بما فيه: وطابت عليه أرضه فتفتّقت ... بكلّ عبير حين أصبح مخضلا أي طابت على المستهدي أرضه، فتفتقت: أي فتفتحت له بكل عبير لما يثني به عليه أهلها من الثناء الذي يشبه العبير طيبا والعبير الزعفران، وقيل: هو أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران حين أصبح مخضلا أي مبتلا، كني بذلك عما أفاض الله عليه من نعمه بالمحافظة على حدوده: فطوبى له والشّوق يبعث همّه ... وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا طوبى له أي للمستهدي أي الجنة له، أي ما أطيب عيشه حين يبعث الشوق همه، والهم هنا الإرادة، أي الشوق إلى ثواب الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم يثير إرادته ويوقظها مهما أنس منها فتورا أو غفلة. والزند الأعلى مما يقدح به النار والزندة السفلى استعارة له. والأسى الحزن من أسيت على الشيء أي أسفت عليه، ويهتاج أي يثور وينبعث، ومشعلا أي: موقدا. وسبب هذا الحزن التأسف على ما ضاع من العمر: هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم ... قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا هو ضمير المستهدي والمجتبى المختار يغدو إذا مر أي يمر بالناس متصفا بهذه الصفات المذكورة قريبا من الله غريبا من الناس، مستمالا أي يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه، مؤملا أي يؤمل عند نزول الشدائد: يعدّ جميع النّاس مولّى لأنّهم ... على ما قضاه الله يجرون أفعلا يعد أي يعتقد أن كل واحد من الناس مولى أي عبد الله. مأمورا مقهورا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فلا يرجوهم ولا يخافهم لأن أفعالهم تجري على ما سبق به القضاء والقدر، أو يكون أراد بمولى: سيدا فلا يحتقر أحدا منهم بل يتواضع لكبيرهم وصغيرهم لجواز أن يكون خيرا منه:

стр. 23

يرى نفسه بالذّم أولى لأنّها ... على المجد لم تلعق من الصّبر والألا يرى هنا من رؤية القلب أي لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم ويرى ذمه لنفسه أولى لأنها على المجد أي على تحصيل المجد وهو الشرف لم تلعق من الصبر والألا أي لم تتحمل المكاره وعبر عن تحمله ذلك بتناول ما هو مر المذاق كلعق الصبر وأكل الألا والصبر فيه ثلاث لغات وأصله بفتح الصاد وكسر الباء وجاز فيه إسكان الباء مع كسر الصاد وفتحها كما في كبد وكتف وهذه الرواية والآلاء بالمد وقصر للوزن وهو نبت يشبه الشيح رائحة وطعما. وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله ... وما يأتلي في نصحهم متبذّلا أوصى بعض الحكماء رجلا فقال: انصح لله كنصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويضربونه ويأبى إلا أن يحوطهم وما يأتلي ما يقصر من قولهم ما يألو جهدا، والنصح ضد الغش والتبذل في الأمر الاسترسال فيه لا يرفع نفسه عن القيام بشيء منه جليله وحقيره وهو بالذال المعجمة وبالله التوفيق. لعلّ إله العرش يا إخوتي بقي ... جماعتنا كلّ المكاره هوّلا ويجعلنا ممّن يكون كتابه ... شفيعا لهم إذ ما نسوه فيمحلا أي لعل الله يقينا إن قبلنا هذه الوصايا وعملنا بها جميع مكاره الدنيا والآخرة وأهوالها ويجعلنا ممن يفوز بشفاعة الكتاب العزيز أشار إلى قوله ﵊: «القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من شفع له القرآن يوم القيامة نجا ومن محل به القرآن يوم القيامة أكبه الله في النار على وجهه»، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها»، وفي الدعاء «ولا تجعل القرآن بنا ماحلا»، يقال محل به إذا سعى به إلى سلطان أو نحوه وبلغ أفعاله القبيحة. وبالله حولي واعتصامي وقوتي ... وما لي إلّا ستره متجلّلا حولي أي تحولي والاعتصام الامتناع والقوة القدرة، أشار إلى قوله ﵊: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة»، وفسرها ﵊ لابن مسعود: «لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله». قوله: وما لي إلا ستره أي وما لي ما أعتمد عليه إلا ما جللني به من ستره في الدنيا وأنا أرجو مثل ذلك في الآخرة. وقوله: متجللا أي متغطيا به فيا ربّ أنت الله حسبي وعدّتي ... عليك اعتمادي ضارعا متوكّلا حسبي أي محسبي والمحسب الكافي والعدة بضم العين ما يعد للحوادث واعتمادي مصدر اعتمد عليه أي استعان به والضارع الذليل والمتوكل المظهر العجز معتمدا على من يتوكل عليه نظم في هذا البيت معنى حسبنا الله ونعم الوكيل. باب الاستعاذة باب الشيء هو الذي يتوصل إليه منه والاستعاذة الاستجارة، يقال: عاذ بكذا أي استجار به وليست من القرآن بالإجماع في أول التلاوة.

стр. 24

إذا ما أردت الدّهر تقرا فاستعذ ... جهارا من الشّيطان بالله مسجلا نبه على معنى قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]، لأن معناه إذا أردت قراءة القرآن وهو كقوله: إذا أكلت فسمّ الله إذا أي أردت الأكل، قوله: تقرأ يجوز نصبه، والرواية الرفع، وقوله: فاستعذ جهارا هو المختار لسائر القراء وهذا في استعاذة القارئ على المقرئ أو بحضرة من يسمع قراءته، أما من قرأ خاليا أو في الصلاة فالإخفاء أولى والاستعاذة قبل القراءة بإجماع، وقوله: مسجلا أي مطلقا لجميع القراء وفي جميع القرآن. على ما أتى في النّحل يسرا وإن تزد ... لربّك تنزيها فلست مجهّلا أي استعذ على اللفظ الذي نزل في سورة النحل جاعلا مكان استعذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومعنى يسرا أي ميسرا وتيسره قلة كلماته وزيادة التنزيه أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ونحو ذلك، وقوله: فلست مجهلا أي لست منسوبا إلى الجهل لأن ذلك كله صواب ومروي، قيل: هذه الزيادة وإن أطلقها فإنها مقيدة بالرواية ولم يروها بل نبه على مذهب الغير، وهو قوله في التيسير

стр. 25

المستعمل عند الحذاق من أهل الأداء في لفظها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم دون غيره، ثم عضد روايته بدليل من السنة فقال: وقد ذكروا لفظ الرّسول فلم يزد ... ولو صحّ هذا النّقل لم يبق مجملا الضمير في ذكروا للقراء والمحدثين ومفعوله لفظ الرسول أي استعاذته فلم يزد أي لم يزد لفظها على ما أتى في سورة النحل، أشار إلى قول ابن مسعود قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي. قل يا ابن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وروى نافع عن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكلا الحديثين ضعيف وأشار بقوله: ولو صح هذا النقل إلى عدم صحة الحديثين، وقوله: لم يبق مجملا أي لو صح نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية واتضح معناها وتعين لفظ النحل دون غيره ولكنه لم يصح فبقي اللفظ مجملا، ومع ذلك فالمختار أن يقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لموافقة لفظ الآية وإن كان مجملا ولورود الحديث به على الجملة وإن لم يصح لاحتمال الصحة. وفيه مقال في الأصول فروعه ... فلا تعد منها باسقا ومظلّلا أي وفي التعوذ مقال أي قول طويل انتشرت فروعه في الأصول يعني أصول الفقه وأصول القراءات وذلك أن الفقهاء يقولون اتباعا لنص الكتاب فلا بد من معرفة النص والظاهر وهل هذا الأمر على الوجوب أم لا؟ وأما أصول القراءات ففيها الحديث في استعاذة النبي ﷺ ، ويحتاج إلى معرفة ما قيل في سنده والباسق الطويل المرتفع والمظلل الساتر بظله من استظل به. وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا ... وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا الإخفاء هنا الإسرار، أي روى إخفاء التعوذ عن حمزة ونافع، وأشار إلى حمزة بالفاء من فصل لأنها رمزه، وأشار إلى نافع بالألف من أباه لأنها رمزه، وهذا أول رمز وقع في نظمه والواو من وعاتنا للفصل، وتكرر بقوله: وكم وجهر به الباقون وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي، هذا هو المقصود بهذا النظم في الباطن ونبه بظاهره على أن من ترجع قراءته إليهم من الأئمة أبوا الإخفاء ولم يأخذوا به، بل أخذوا بالجهر للجميع، ولذلك أمر به مطلقا في أول الباب، قوله: وإخفاؤه فصل الفصل الفرق والإباء الامتناع ووعاتنا حفاظنا، ثم قال: وكم من فتى كالمهدوي يشير إلى أن كثيرا من الأقوياء في هذا العلم اختاروا الإخفاء، ومن جملتهم المهدوي وهو أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي منسوب إلى مهدية من بلاد إفريقية بأوائل الغرب كان يأخذ بالإخفاء لحمزة فيه أعملا أي أعمل فكره في تصحيح الإخفاء.

стр. 26

باب البسملة ذكره بعد باب الاستعاذة لتناسبهما بالتقدم على القراءة. والبسملة مصدر بسمل إذا قال بسم الله: وبسمل بين السّورتين بسنّة ... رجال نموها درية وتحمّلا أخبر أن رجالا بسملوا بين السورتين آخذين في ذلك بسنة نموها أي رفعوها ونقلوها وهم قالون والكسائي وعاصم وابن كثير، وأشار إليهم بالباء والراء والنون والدال من قوله: بسنة رجال نموها درية، وعلم من ذلك أن الباقين لا يبسملون بين السورتين لأن هذا من قبيل الإثبات والحذف وأراد بالسنة التي نموها كتابة الصحابة لها في المصحف وقول عائشة ﵂ اقرءوا ما في المصحف، وكان النبي ﷺ لا يعلم انقضاء السورة حتى نزل عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم، ففيه دليل على تكرير نزولها مع كل سورة، ومعنى درية وتحملا أي دارين متحملين لها أي جامعين بين الرواية والدراية. ووصلك بين السّورتين فصاحة ... وصل واسكتن كلّ جلاياه حصّلا أخبر أن وصل السورة بالسورة من باب الفصاحة لما فيه من بيان الإعراب نحو الحاكمين اقرأ والأبتر، قل ولي دين إذا، ومعرفة أحكام ما يكسر منها وما يحذف لالتقاء الساكنين كآخر المائدة والنجم وبيان همزة الوصل والقطع كأول القارعة وألهاكم التكاثر وما يسكت عليه في مذهب خلف كآخر والضحى، وأشار بالفاء من قوله: فصاحة إلى حمزة لأنه روى عنه أنه كان يصل آخر السورة بأول الأخرى ولا يبسمل بينهما. قوله: وصل واسكتن إلخ، أمر بالتخيير بين الوصل والسكت لمن أشار إليهم بالكاف والجيم والحاء في قوله: كل جلاياه حصلا وهم ابن عامر وورش وأبو عمرو والمعنى صل السورة بالسورة إن شئت واسكت بينهما إن شئت وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير وإلا فالواو ليست موضوعة له والجلايا جمع جلية من جلا الأمر إذا بان واتضح أي كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه. ولا نصّ كلّا حبّ وجه ذكرته ... وفيها خلاف جيده واضح الطّلا اختلف الشراح هل في هذا البيت رمز أم لا، فأكثرهم على أن الكاف والحاء من كلا حب رمز، وكذلك الجيم من جيده رمز، وقوله: ولا نص أي لم يرد نص عن ابن عامر وأبي عمرو بوصل ولا سكت وإنما التخيير لهما استحباب من الشيوخ، وإلى ذلك أشار بقوله: كلا حب وجه ذكرته،

стр. 27

وقيل: لا نص أي لا رواية منصوصة عن ابن عامر وأبي عمرو بالفصل بالبسملة ولا تركه بل إن البسملة لهما اختيار من أهل الأداء، فعلى هذا التفسير لا بسملة لابن عامر وأبي عمرو في رواية الشاطبي وهو مطابق لنقل التيسير، لكن وجه النفي إلى التخيير أي ثبت عن الاثنين ترك البسملة، ولا نص لهما في السكت ليمتنع الوصل ولا في الوصل ليمتنع السكت، فأخذ النقلة لهما بالتخيير، وقوله: وفيها خلاف أي وفي البسملة خلاف عن المشار إليه بالجيم من قوله: جيده وهو ورش وذلك أن أبا غانم كان يأخذ له بالبسملة بين السورتين وأن المصريين أخذوا له بتركها بينهما، وقيل: لا رمز في هذا البيت لأحد، وفيها خلاف عنهم أي وفي البسملة خلاف عن ابن عامر وأبي عمرو وورش فعلى هذا التفسير البسملة للثلاثة من زيادات القصيدة فحصل من مجموع ما ذكر أن لكل واحد من الثلاثة أعني أبا عمرو وابن عامر وورشا ثلاثة أوجه، أحدها: صلة السورة بالسورة، الثاني: السكت بينهما، الثالث: الفصل بينهما بالبسملة والجيد العنق والطلا جمع طلية والطلية صفحة العنق يعني أن جيد هذا الخلاف مشهور عند العلماء. وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا لهم دون نصّ وهو فيهنّ ساكت ... لحمزة فافهمه وليس مخذّلا الضمير في وسكتهم يعود على الثلاثة المخير لهم بين الوصل والسكت وهم ابن عامر وورش وأبو عمرو أي وسكت السكات بين السورتين دون تنفس أي من غير قطع نفس وبعضهم في الأربع الزهر بسملا لهم أي لابن عامر وورش وأبي عمرو أي وبعض أهل الأداء من المقرئين الذين استحبوا التخيير بين الوصل والسكت واختاروا في السكت أن يكون دون تنفس اختاروا أيضا البسملة لابن عامر وورش وأبي عمرو في أوائل أربع سور وهي: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بهذا البلد وويل للمطففين وويل لكل همزة دون نص أي من غير نص وإنما هو استحباب من الشيوخ وهو فيهن ساكت لحمزة وهو يعود على البعض في البيت المتقدم أي ذلك البعض الذي بسمل لابن عامر وورش وأبي عمرو في هذه السور الأربع يسكت لحمزة فيهن فيتعين أن البعض الآخر لا يسكت له فيهن فيقرأ له فيهن بالوصل والسكت ليشمل الطريقين فافهمه وليس مخذّلا أي فافهم هذا المذهب المذكور لحمزة وهو السكت له في هذه السورة فإنه منصور يقال خذله إذا ترك عونه ونصرته وينبغي لمن أخذ للثلاثة المذكورين بالوصل كحمزة أن يسلك هذه الطريقة أي يكتفي لهم فيهن بالسكت

стр. 28

ومن عدا من أشار إليه من أهل الأداء لا يفرقون بين هذه السور وغيرهن ويجرون كل واحد من الأربعة فيهن على عادته في غيرهن. ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسّيف لست مبسملا تصلها الضمير فيه لبراءة أضمر قبل الذكر على شريطة التفسير يعني أن سورة براءة لا بسملة في أولها سواء وصلها القارئ بالأنفال أو ابتدأ بها ثم ذكر الحكمة في ترك البسملة في أولها فقال لتنزيلها بالسيف يعني أن براءة نزلت على سخط ووعيد وتهديد وفيها آية السيف قال ابن عباس سألت عليا ﵁ لم لم تكتب في براءة بسم الله الرّحمن الرّحيم فقال لأن بسم الله أمان وبراءة ليس فيها أمان نزلت بالسيف وقوله لست مبسملا أي لا تبسمل لأحد من القراء لمنافاة الرحمة للعذاب. ولا بدّ منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خيّر من تلا قوله: ولا بد منها أي لا فرار من البسملة أخبر أن القارئ إذا ابتدأ بالسورة فلا بد من البسملة لسائر القراءة إلا براءة سواء في ذلك من بسمل منهم بين السورتين ومن لم يبسمل. قوله: وفي الأجزاء أي وفي الأجزاء خير أهل الأداء القارئ في البسملة إن شاء أتى بها وإن شاء تركها لكل القراء وليس المراد به الأجزاء المصطلح عليها بل كل آية ابتدأ بها في غير أول سورة فيدخل في ذلك الأجزاء والأحزاب والأعشار والرواية في خير فتح الخاء والياء، وتلا قرأ. ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفنّ الدّهر فيها فتثقلا اختار الأئمة لمن يفصل بالبسملة أن يقف القارئ على أواخر السور ثم يبتدي لمن يسمي بالبسملة موصولة بأول السورة المستأنفة هذا هو المختار وعكسه لا يجوز وهو ما نهى عنه الناظم بقوله: فلا تقفن وهو أن يصل القارئ البسملة بأواخر السور ثم يقف على البسملة لأن البسملة لأوائل السور لا للأواخر فهذان وجهان: الأول: مختار، والثاني: منهي عنه، والثالث: أن تصل طرفي البسملة بآخر السورة السابقة وأول السورة اللاحقة، والرابع: أن تقطع طرفي البسملة لأن كل واحد منهما وقف تام، وتلفظ بالبسملة وحدها فحصل من ذلك أن في البسملة ثلاثة أوجه. فآن قلت من أين تأخذ هذه الأوجه. قلت لما نهى عن الوقف على آخر البسملة إذا وصلت بالسورة الماضية علم أن ما عدا هذا الوجه من تقاسيم البسملة جائز والضمير في تصلها وفي فيها للبسملة وفيها بمعنى عليها

стр. 29

وإذا وقفت على السورة الماضية ولفظت بالبسملة وحدها ووقفت على الرحيم يتجه فيه أربعة أوجه المد والقصر ومد متوسط بين القصر والمد فهذه ثلاثة أوجه مع الإسكان المجرد في الميم من قوله فيما يأتي وعند سكون الوقف، والرابع: روم حركة الميم من غير مد وعلى ذلك فقس أواخر السور إذا وقفت عليها. وسيأتي شرح الروم والإشمام. سورة الفاتحة سميت الفاتحة أم القرآن لأنها أول القرآن ولأن سور القرآن تتبعها كما يتبع الجيش أمه وهي الرواية، ولهما أسماء كثيرة. ومالك يوم الدّين راويه ناصر ... وعند سراط والسّراط لقنبلا بحيث أتى والصّاد زاء أشمّها ... لدى خلف وأشمم لخلّاد الأوّلا مالك هو أول المواضع التي وقع فيها الاستغناء باللفظ عن القيد فلم يحتج أن يقول ومالك بالمد أو نحو ذلك فأخبر أن المشار إليهما بالراء والنون في قوله: راويه ناصر وهما الكسائي وعاصم، قرآ مالك يوم الدين على ما لفظ به من إثبات الألف فتعين للباقين القراءة بحذفها فهو من قبيل الإثبات والحذف، وأشار بظاهر قوله: رواية ناصر إلى أن من قرأ بالألف نصر قراءته لأن المصاحف اجتمعت على حذف الألف فرسم ملك ثم قال وعند سراط والسراط أي مجردا عن لام التعريف ومتصلا بها ثم المجرد عن اللام قد يكون نكرة نحو إلى صراط مستقيم صراطا سويا، وقد يكون معرفة بالإضافة نحو صراط الذين صراطك المستقيم صراطي مستقيما ثم هذا أيضا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد فكأنه قال بالسين واعتمد على صورة كتابتها في البيت بالسين وهو مرسوم بالصاد في جميع المصاحف، وهذه اللام المفردة من قوله «ل» قنبلا هي فعل أمر من قولك ولي هذا يليه إذا جاء بعده أي اتبع قنبلا فاقرأ قراءته بالسين في هذا اللفظ أين أتى أي في جميع القرآن قوله والصادر زاء أشمها لدى خلف أي عند خلف والصاد يروي بالنصب والرفع أمر بقراءته بالصاد مشمة زاء لخلف حيث وقع ثم أمر بإشمامها في الأول خاصة لخلاد أي الأول الذي في الفاتحة يعني اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، فحصل من مجموع ما ذكر أن قنبلا قرأ بالسين في جميع القرآن وأن خلفا يشم الصاد صوت الزاي في جميع القرآن وأن خلادا قرأ الأول من الفاتحة بإشمام الصاد الزاي وقرأ في جميع ما بقي من القرآن بالصاد الخالصة وأن الباقين قرءوا بالصاد الخالصة في جميع القرآن والمراد بهذا الإشمام خلط صوت الصاد بصوت الزاي فيمتزجان فيتولد منهما حرف ليس بصاد ولا زاي. عليهم إليهم حمزة ولديهمو ... جميعا بضمّ الهاء وقفا وموصلا أي قرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم هذه الألفاظ الثلاثة في جميع القرآن بضم الهاء في الوقف والوصل والواقع في الفاتحة عليهم فقط فأردفها بذكر إليهم ولديهم لاشتراكهن في الحكم وعلمت قراءة الباقين من قوله كسر الهاء بالضم شمللا لأن المقابل للضم هنا الكسر ونص على الحالين

стр. 30

لئلا يتوهم دخول الثلاثة في قوله وقف للكل بالكسر والأولى أن يلفظ بالثلاثة في البيت مكسورات الهاء ليؤخذ الضد من اللفظ ويلفظ بلديهم موصولة الميم للوزن. وصل ضمّ ميم الجمع قبل محرّك ... دراكا وقالون بتخييره جلا أمر بضم ميم الجمع موصولا بواو للمشار إليه بالدال في قوله داركا وهو ابن كثير إذا وقع قبل حرف متحرك نحو عليهم غير معكم أينما جاءكم موسى وقوله: قبل محرك احتراز من وقوعها قبل ساكن فإنها لا توصل نحو ومنهم الذين فإن اتصل بها ضمير وصلت للكل نحو أنلزمكموها ومعنى دراكا أي متابعة ثم قال وقالون بتخييره جلا يعني أن قالون روى عنه في ضم ميم الجمع وجهان خير فيهما القارئ إن شاء ضمها ووصلها بواو كابن كثير وإن شاء قرأ بإسكانها كالجماعة. وحكى مكي الخلاف مرتبا الإسكان لأبي نشيط والصلة للحلواني وليست جيم جلا رمزا لتصريحه بالاسم ومعناه كشف لأنه نبه بالتخيير على ثبوت القراءتين. ومن قبل همز القطع صلها لورشهم ... وأسكنها الباقون بعد لتكملا أي ضم ميم الجمع وصل ضمها بواو لورش إذا جاء بعدها همز القطع وهمز القطع هو الذي يثبت في الوصل نحو عليهم أأنذرتهم أم لم، ومنهم أميون ولما لم يمكن أخذ قراءة الباقين من الضد قال وأسكنها الباقون لأنه قد تقدم ضم الميم مع صلتها وضد الضم الفتح وضد الصلة تركها ولا يلزم من تركها الإسكان إذ ربما تبقى الميم مضمومة من غير صلة ولم يقرأ به أحد فاحتاج إلى ذكر قراءة الباقين فأخبر أن باقي القراء أسكنها أي أسكن ميم الجمع الباقون وهم الكوفيون وابن عامر وأبو عمرو قوله بعد متعلق بالباقون أي الذين بقوا بعد ذكر نافع وابن كثير لتكملا أي لتكمل وجوه القراءات في ميم الجمع قبل المتحرك. ومن دون وصل ضمّها قبل ساكن ... لكلّ وبعد الهاء كسر فتى العلا مع الكسر قبل الها أو الياء ساكنا ... وفي الوصل كسر الهاء بالضّمّ شمللا كما بهم الأسباب ثمّ عليهم ال ... قتال وقف للكلّ بالكسر مكملا كلامه في هذه الأبيات الثلاثة على ميم الجمع الواقع قبل الساكن أمر بضمه أي أمر بضم ميم الجمع إذا وقعت قبل ساكن لكل القراء بدون صلة أي من غير صلة نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣]، وقوله ضمها يروى بفتح الضاد وضم الميم ويروى بضم الضاد وفتح الميم. قوله وبعد الهاء كسر فتى العلا مع الكسر قبل الهاء أو الياء ساكنا أخبر أن فتى العلا وهو أبو عمرو كسر ميم الجمع الواقعة قبل ساكن بأحد الشرطين أحدهما إذا وقع قبل الميم هاء قبلها كسرة مطلقا أو وقع قبل الميم هاء قبلها ياء ساكنة لفظية واحترز بقوله ساكنا من المتحرك نحو لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ [هود: ٣١]، قوله وفي الوصل كسر الهاء بالضم شمللا أخبر أن المشار إليهما بالشين في قوله شمللا وهما حمزة والكسائي ضما في حال الوصل الهاء التي

стр. 31

قبلها كسرة أو ياء ساكنة أي جعلا مكان الكسر في الهاء الضم، ومن هنا علم أن الهاء إنما هي دائرة بين الضم والكسر فقط وذكر الوصل لهما زيادة إيضاح وإلا فهو معلوم من قوله فيما بعد وقف للكل بالكسر ومعنى شمللا أسرع ثم أتي بمثال ما كسر أبو عمرو ميمه وضم حمزة والكسائي هاءه في حال وصلهم فقال كما بهم الأسباب أي المختلف فيه كهم الأسباب وما زائدة أراد قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [البقرة: ١٦٦]، وهذا مثال الهاء المكسور ما قبلها وفيه إشارة إلى اشتراط مجاورة الكسرة للهاء ومثله فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ [القصص: ٢٣]، فلو حال بين الكسر والهاء ساكن لا يكسره نحو ومنهم الذين المثال الثاني في قوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ [البقرة: ٢٤٦]، هذا مثال الهاء الواقع قبلها ياء ساكنة ومثله يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ [البقرة: ١٦٧]، أرسلنا إليهم اثنين كلامه من أول الباب إلى هنا كان على الوصل ثم ذكر حكم الوقف فقال وقف للكل بالكسر أمر بالوقف لكل القراء بالكسر أي في الهاء الواقعة قبل ميم الجمع ومكملا حال أي قف بالكسر في حال إكمالك معرفة ما ذكرته من الأوجه. توضيح: اعلم أن ميم الجمع الواقع قبل الساكن قسمان: قسم لا خلاف في ضمه وهو ما لم يقع قبله هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣]، وقسم فيه خلاف وهو ما وقع قبله ذلك نحو ما مثل به الناظم في المثالين والقراء فيه على ثلاث مراتب في حال الوصل منهم من ضم الهاء والميم وهما حمزة والكسائي ومنهم من كسر الهاء والميم وهو أبو عمرو. ومنهم من كسر الهاء وضم الميم وهم الباقون وأما الوقف فكلهم كسروا الهاء فيه ولا خلاف بين الجماعة أن الميم في جميع ما تقدم ساكنة في الوقف. خاتمة: آمين ليست من القرآن، وهي مستحبة لتأكيد الدعاء. باب الإدغام الكبير الإدغام في اللغة عبارة عن إدخال الشيء في الشيء وهو ينقسم إلى كبير وصغير، فالكبير يكون في المثلين والمتقاربين وسمي بالكبير لتأثيره في إسكان الحرف المتحرك قبل إدغامه والصغير ما اختلف في إدغامه من الحروف السواكن نحو ومن لم يتب فأولئك ودال قد وذال إذ وتاء التأنيث ولام هل وبل ولا يكون إلا في المتقاربين. ودونك الإدغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصريّ فيه تحفّلا ودونك إغراء أي خذ الإدغام وحقيقة الإدغام أن تصل حرفا ساكنا بحرف متحرك فتصيرهما حرفا واحدا مشددا يرتفع اللسان عنه ارتفاعة واحدة وهو بوزن حرفين. قوله وقطبه أبو عمرو قطب كل شيء ملاكه وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليه أمرهم أي مدار الإدغام على أبي عمرو وهو منقول عن جماعة كالحسن وابن محيصن والأعمش إلا أنه اشتهر عن أبي عمرو فنسب إليه فصار قطبا له يدور عليه كقطب الرحا. قوله فيه تحفلا أي تحفل أبو عمرو في أمر الإدغام من جمع حروفه ونقله والاحتجاج له يقال احتفل في كذا أو بكذا والناظم نسب الإدغام إلى أبي عمرو ولم يصرح بخلفه كالتيسير لكنه صرح به في الهمز الساكن ونسبه إلى أبي عمرو بشرط علم منه الخلاف والناظم خص السوسي بإبدال الهمز والدوري بتحقيقه فأسقط وجه إبدال الدوري ووجه تحقيق

стр. 32

السوسي اختيارا منه، والمشهور عند النقلة إجراء الوجهين لكل منهما ثم إن الناظم اعتمد على القاعدة المصطلح عليها غالبا وهو أن الإدغام يمتنع مع التحقيق فحصل لأبي عمرو في القصيد مذهبان مرتبان وهما المتقابلان الإدغام مع الإبدال للسوسي والإظهار مع الهمز للدوري وهما المحكيان عن الناظم في الإقراء كما قال السخاوي ونقص عن التيسير مذهب الإبدال مع الإظهار لأن المفهوم من التيسير ثلاثة أوجه: الإدغام والإبدال من قوله إذا قرأ بالإدغام لم يهمز والإظهار والهمز من ضده أي إذا لم يدغم همز والإظهار والإبدال من قوله إذا أدرج القراءة أي ولم يدغم لا يهمز معناه إذا أسرع وأظهر خفف وقدرنا إذا أدرج ولم يدغم لعطفه الإدغام على الدرج بأو. ففي كلمة عنه مناسككم وما ... سلككم وباقي الباب ليس معوّلا اعلم أن المثلثين إذا التقيا فإما أن يكونا في كلمة أو في كلمتين فإن كانا في كلمة واحدة فالمنقول عن أبي عمرو المعول عليه إدغام الكاف في مثلها أي في الكاف من هاتين الكلمتين وهما: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [البقرة: ٢٠٠]، وما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢]، وباقي الباب ليس معولا أي باقي كل مثلين اجتمعا في كلمة واحدة نحو بأعيننا وجباههم وبشرككم فإنه روي عن أبي عمرو إدغامه ولكنه متروك لا يعول عليه فليس فيه إلا الإظهار والهاء في عنه لأبي عمرو أي أدغم السوسي عن أبي عمرو مناسككم وما سلككم وقوله: ففي كلمة تقرأ في البيت بسكون اللام ومناسككم بإظهار الكاف مع إسكان الميم وبالإدغام مع صلة الميم وما سلككم بالإدغام وسكون الميم للوزن. وما كان من مثلين في كلمتيهما ... فلا بدّ من إدغام ما كان أوّلا كيعلم ما فيه هدى وطبعّ عليّ ... قلوبهم والعفو وأمر تمثّلا أي إذا التقى حرفان متماثلان متحركان بأي حركة تحركا سكن ما قبل الأول أو تحرك أولهما آخر كلمة وثانيهما أول كلمة أخرى وارتفع المانع الآتي ذكره وجب إدغام الأول منهما في الثاني للسوسي في الوصل ثم أتى بأربعة أمثلة تضمنت ثلاثة أنواع عليها مدار الباب وذلك أن الحرف المدغم إما أن يكون قبله متحركا أولا فإن كان متحركا فمثاله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [البقرة: ٢٥٥]، وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٨٧]، وإن لم يكن قبله متحرك فإما أن يكون حرف مد أو لا فإن كان حرف مد فمثاله فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، وإن لم يكن حرف مد فهو حرف صحيح فمثاله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]، واعلم أن قراءة المثالين الأولين والأخير في البيت بالإظهار وهاء فيه بالصلة للرواية وإن جاز حذفها وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٨٧]، بالإدغام وصلة الميم ثم ذكر موانع الإدغام فقال: إذا لم يكن تا مخبر أو مخاطب ... أو المكتسى تنوينه أو مشقّلا ككنت ترابا أنت تكره واسع ... عليم وأيضا تمّ ميقات مثّلا الضمير في يكن عائد إلى قوله ما كان أولا أي أدغم السوسي الأول من المثلين إذا لم يكن ذلك الأول تاء مخبر أي ضميرا هو تاء دالة على المتكلم نحو كُنْتُ تُراباً [النبأ: ٤]، أو يكن تاء مخاطب نحو أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ [يونس: ٩٩]، أو يكون الذي اكتسى تنوينه نحو واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، أي تنوينا فاصلا بين الحرفين، وأشار

стр. 33

بذلك إلى أن التنوين كالحلية والزينة وقصر لفظ تا وأسكن ياء المكتسى ضرورة والمثقل هو المشدد نحو فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ [الأعراف: ١٤٢]، قوله: وأيضا أي مثل النوع الرابع وهو مصدر آض إذا رجع. وقوله: مثلا أي مثل الموانع الأربعة أي متى وجد أحد هذه الموانع الأربعة تعين الإظهار واستدرك مانع خامس عام نحو أَنَا نَذِيرٌ [الملك: ٢٦] وأنا لكم فإن المثلين والمتقاربين التقيا لفظا ولا إدغام محافظة على حركة النون ولهذا تعمد بألف في الوقف فتصير انا وقد أورد على استثناء المنون الهاء الموصولة بواو أو ياء نحو سبحانه هو الله من فضله هو خيرا لهم فقيل أدغم السوسي الهاء لأن صلة الضمير تفتقر ثم ذكر بقية الموانع فقال: وقد أظهروا في الكاف يحزنك كفره ... إذ النّون تخفى قبلها لتجمّلا أي أظهر رواة الإدغام عن السوسي كاف يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [لقمان: ٢٣] بلقمان وبه أخذ الداني وعليه عول الناظم ثم ذكر التعليل، فقال إذ النون تخفى قبلها أي أظهروا الكاف لأن النون الساكنة التي قبلها أخفيت فانتقل مخرجها إلى الخيشوم فصعب التشديد بعدها فامتنع الإدغام. وقوله: لتجملا تعليل أي لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها فحاصله أنا نقرأ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [لقمان: ٢٣]، بترك الإدغام لأبي عمرو من طريق الدوري والسوسي من هذا القصيد على ما سيأتي تقريره في أحكام النون الساكنة والتنوين من أنها تخفى عند الكاف. وعندهم الوجهان في كلّ موضع ... تسمّى لأجل الحذف فيه معلّلا كيبتغ مجزوما وإن يك كاذبا ... ويخل لكم عن عالم طيّب الخلا وعندهم أي عند المدغمين من أصحاب السوسي الوجهان أي الإظهار والإدغام في كل موضع أي في كل مكان التقى فيه مثلان بسبب حذف وقع في آخر الكلمة الأولى لأمر اقتضى ذلك، وقد يكون المحذوف حرفا أو حرفين وكل كلمة فيها حرف من حروف العلة وهي الألف والواو والياء يقال هذه الكلمة معتلة وقد أعلت كأنه حصل بها إعلال ومرض وكل خلاف يذكر هنا رواية يجب أن يكون متشعبا عن السوسي لأنه صاحب روايته ثم نص على المواضع فقال كيبتغ مجزوما الوجه أن تكون الكاف في كيبتغ مجزوما زائدة لئلا يتوهم أن ثم كلمات غير هذه والواقع فيه الخلاف إنما هي هذه الكلمات الثلاث أولاهن وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ [آل عمران: ٨٥]، فأصله يبتغي بالياء ثم حذفت للجزم الثانية وإن يك كاذبا فأصله يكون بالنون فحذف الجازم حركة النون فاجتمع ساكنان هي والواو قبلها فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ثم حذفت النون تخفيفا فهذه الكلمة حذف منها حرفان وحركة الكلمة الثالثة يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [يوسف: ٩]، فأصله يخلو بالواو فحذفت الواو لجواب الأمر. قوله عن عالم أي عن رجل عالم طيب الخلا والخلا بالقصر العشب الرطب استعير للحديث الطيب يقال هو الطيب الخلا أي حسن الحديث والعالم هو السوسي أي الوجهان أعني الإظهار والإدغام في هذه الكلمات الثلاث تروى عن السوسي.

стр. 34

ويا قوم ما لي ثمّ يا قوم من بلا ... خلاف على الإدغام لا شكّ أرسلا لا خلاف عن السوسي في إدغام الميم من وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ [غافر: ٤١]، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ [هود: ٣٠]، وقوله: أرسلا أي أطلق على الإدغام بلا شك في ذلك وفائدة ذكرهما رفع توهم من يعتقد أنهما من قبيل يبتغي وليسا منه لأن قوم لم يحذف منه شيء فأصوله باقية فلا يسمى معتلا وإنما الياء المحذوفة ياء الإضافة وهي كلمة مستقلة، واللغة الفصيحة حذفها. وإظهار قوم آل لوط لكونه ... قليل حروف ردّه من تنبلا عني بالقوم أبا بكر بن مجاهد وغيره من البغداديين الناقلين للإدغام منعوا إدغام آل لوط حيث وقع وأظهروا محتجين بقلة حروف الكلمة. وقوله: رده من تنبلا يعني به الداني وغيره أي من صار نبيلا في العلم أو من مات من المشايخ يقال تنبل البعير إذا مات يعني أن هذا الرد قديم ثم بين الذي رده به فقال: بإدغام لك كيدا ولو حجّ مظهر ... بإعلال ثانيه إذا صحّ لا اعتلا أي رده الداني وغيره بإدغام لك كيدا قال الداني: أجمعوا على إدغام لك كيدا في يوسف وهو أقل حروفا من آل لأنه على حرفين فدل ذلك على صحة الإدغام فيه أي رد تعليل إظهار آل لوط لكونه قليل الحروف بإدغام لك كيدا لأنه على حرفين باعتبار الاتصال وعلى حرف باعتبار الانفصال وهو مدغم فلو كانت قلة الحروف مانعة لامتنع هذا بطريق الأولى لأنه أقل حروفا منه. قوله ولو حج مظهر أي لو احتج من اختار الإظهار بإعلال ثاني آل لوط وهو الألف إذا صح يعني إذا صح له الإظهار من جهة النقل فإن الداني قال في غير التيسير لا أعلم الإظهار فيه من طريق اليزيدي. وقوله لا اعتلا أي لا ارتفع عمن اختار والإدغام يقال لمن غلب علا كعبه ثم بيّن كيفية الإعلال فقال: فإبداله من همزة هاء أصلها ... وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا ذكر في كيفية الإعلال مذهبين أحدهما: مذهب سيبويه أن أصل آل أهل قلبت الهاء همزة توصلا إلى الألف ثم قلبت الهمزة ألفا وجوبا لاجتماع الهمزتين فصار آل والثاني مذهب الكسائي المشار إليه ببعض الناس أن أصله أول تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار آل وهذا المذهب الثاني من زيادات القصيد ولم يرو الناظم في آل لوط سوى الإدغام قال الداني في التيسير وبه قرأت انتهى والإظهار حكاية مذهب الغير فتقدير قوله وإظهار قوم أي من غير شيوخنا فهذا التقدير منع رمزية القاف مع تقدم الصريح دل على التقدير قوله إذا صح أي إظهاره كما في التيسير لأنه لو رواه ما علقه. وواو هو المضموم هاء كهو وّ من ... فادغم ومن يظهر فبالمد علّلا ويأتي يوم أدغموه ونحوه ... ولا فرق ينجي من على المدّ عوّلا قوله: ووا وهو احترز به من الواو الواقعة في غير لفظ هو عني خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ [الأعراف: ١٩٩]، ومِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ

стр. 35

التِّجارَةِ [الجمعة: ١١]، وقوله المضموم هاء بجر الميم صفة هو احترز به عن ساكنها وهو ثلاثة مواضع: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ [الأنعام: ١٢٧]، بما في الأنعام فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ [النحل: ٦٣]، بالنحل، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ [الشورى: ٢٢]، فهذه الثلاث مدغمة عند السوسي بلا خلاف لاندراجها في المثلين. وقولي احترز به عن ساكنها أعني أن أبا عمرو يقرؤها بإسكان الهاء وتوجه كلام الناظم إلى ثلاثة عشر بالبقرة جاوزه هو والذين وآل عمران إلا هو والملائكة والأنعام إلا هو وإن يمسسك إلا هو ويعلم إلا هو وأعرض، والأعراف هو وقبيله ويونس إلا هو وإن يردك والنحل هو ومن يأمر وهذا الذي مثل به الناظم وطه إلا هو وسع والنمل هو وأوتينا والقصص هو وجنوده والتغابن هو وعلى الله والمدثر إلا هو وما هي إلا ذكرى فرواية الناظم فيها الإدغام ولهذا قال فأدغم وقال في التيسير وبه قرأت وإشارته موهمة ثم حكى مذهب الغير ليبين فساد تعليله فقال: ومن يظهر فبالمد عللا أي ومن يظهر علل بالمد يعني أنه إذا أريد إدغام الواو وجب إسكانها فإذا سكت وقبلها ضمة فتصير حرف مد ولين وحرف المد لا يدغم بالإجماع لأداء الإدغام إلى ذهاب المد الذي في مثل واو قالوا واقبلوا آمنوا وكانوا ومثل ياء في يومين الذي يوسوس ثم أورد نقضا على من علل بالمد بقوله: ويأتي يوم أدغموه ونحوه يعني الذين قالوا بالإظهار في هذا المضموم الهاء لأجل المد أدغموا يأتي يوم يعني الياء من يأتي في الياء من يوم ومراده يأتي يوم لا مرد له وقوله ونحوه يعني كل ياء متحركة مكسور ما قبلها مثل نُودِيَ يا مُوسى [طه: ١١]، وينبغي لهم أن يظهروه كما أظهروا الواو من هو المضموم الهاء لأن العلة الموجبة للإظهار هناك موجودة هنا فإما أن يدغم في الموضعين وإما أن يظهر فيهما لعدم الفارق بينهما أي لا فرق بين هو المضموم الهاء وبين يأتي يوم ينجي من علل بالمد وعول عليه: وقبل يئسن الياء في اللّاء عارض ... سكونا أواصلا فهو يظهر مسهلا أخبر أن أبا عمرو أظهر الياء في اللائي الواقع قبل يَئِسْنَ [الطلاق: ٤] بسورة الطلاق وإنما قيده بيئسن احترازا من غيره لأن هذا هو الذي اجتمع فيه مثلان لأنه يقرأ بياء ساكنة في إحدى الروايتين عنه كما يأتي بالأحزاب فقد اجتمع فيه مثلان في هذه الرواية فأظهره بلا خلاف ولم يدغمه بحال لكونه راكبا للطريق الأسهل يقال أسهل إذا ركب الطريق السهل وسكونا أو أصلا تمييز الرواية بنقل حركة همزة أصلا إلى الواو وعلل ذلك بعلتين إحداهما كون سكون الياء عارضا والثانية أنها عارضة لأن أصل اللائي بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة فحذفت الياء تخفيفا لتطرفها وانكسار ما قبلها على حد حذفها في الرام والغاز ثم أبدل من الهمزة ياء مكسورة على غير قياس لأن القياس فيها التسهيل بين بين ثم أسكنت الياء استثقالا للحركة عليها وجاز الجمع بين الساكنين للمد فلم يدغمها لما تقدم. توضيح: فإن قيل قد ذكر لأبي عمرو في هذا الباب كلمات متفق على إدغامها وكلمات متفق على إظهارها وكلمات مختلف في ادغامها واظهارها وأنت تقول الإدغام والإظهار مرويان عن أبي عمرو وتقرأ له بهما فهذا ينافي ما ذكرته. قيل إذا قرأنا لأبي عمرو بطريق الإدغام فما نقل عنه أنه يدغمه في الباب قولا واحدا أدغمناه قولا واحدا وهو أكثر الباب مما التقى فيه مثلان وكذا ما نص عليه في الباب مثل: يا قَوْمِ ما لِي [غافر: ٤١]، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي

стр. 36

[هود: ٣٠]، ونحوه وما نقل عنه أنه يظهره قولا واحدا أظهرناه قولا واحدا كتاء المتكلم والمخاطب والمنون والمثقل وما دخله موانع الإدغام كسبق الإخفاء والحذف وتعدد الإعلال والضعف واللبس والعروض وكذا اللَّائِي يَئِسْنَ [الطلاق: ٤] وما نقل عنه فيه وجهان قرأنا له بهما. هذا كله إذا قرأنا له طريقة الإدغام فإذا قرأنا له بطريقة الإظهار فإنا لا ندغم شيئا من الباب وإن كان متفقا على إدغامه. وقوله بلا خلاف على الإدغام يريد إذا قرئ لأبي عمرو بطريقة الإدغام وقد تقدم أن الناظم كان يقرأ بالإظهار من طريق الدوري وبالإدغام من طريق السوسي، فإذا قرأنا من طريق الدوري قرأنا بالإظهار في الباب كله وإذا قرأنا من طريق السوسي قرأنا بالإدغام فيما اتفق على ادغامه وبالإظهار فيما اتفق على إظهاره على حسب ما نص عليه الناظم ﵀ ورضي عنه من الاختلاف في هذا الباب وبالله التوفيق. باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين هذا الباب مقصور على إدغام حرف في حرف يقاربه في المخرج ويحتاج فيه مع تسكينه إلى قلبه إلى لفظ الحرف المدغم فيه فترفع لسانك بلفظ الثاني منهما مشددا ولا يبقى للأول أثر إلا أن يكون حرف إطباق أو ذا غنة فيبقى الإطباق والغنة. وإن كلمة حرفان فيها تقاربا ... فإدغامه للقاف في الكاف مجتلى الهاء في قوله فإدغامه للسوسي أي إن اجتمع حرفان متحركان متقاربان في المخرج في كلمة اصطلاحية نخص السوسي من ذلك بإدغام القاف في الكاف. وقوله مجتلى أي منظور إليه يريد بذلك أنه مشهور يعني أنه لم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة سوى القاف في الكاف بشرطين ذكرهما في قوله: وهذا إذا ما قبله متحرّك ... مبين وبعد الكاف ميم تخلّلا هذا إشارة إلى الإدغام والهاء في قوله قبله يعود على القاف في أدغم السوسي القاف في الكاف المتصل بالقاف إذا كان قبلها متحرك لفظي وبعد الكاف ميم جمع في الحالين وخرج بقوله متحرك ما قبله ساكن وقوله مبين أي بين ظاهر واحترز به من لفظ ما ساكنه الألف لأن المد الذي فيها يقوم مقام الحركة لكن ما هو مبين وخرج بقوله ميم ما ليس بعده شيء وما بعده حرف غير الميم وعلم من قوله تخللا أن يكون ميم جمع وأصله الصلة فهو متخلل بين الكاف والواو المقدرة وتخلل من قولهم تخلل المطر إذا خص ولم يكن عاما أي تخلل أبو عمرو بإدغامه ذلك ولم يعم جميع ما التقت فيه القاف بالكاف ثم مثل للمدغم والمظهر فقال: كيرزقكم واثقكم وخلقكّمو ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا أي مثال إدغام القاف في الكاف يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ [النمل: ٦٤]، [يونس: ٣١]، واثَقَكُمْ بِهِ [المائدة: ٧]، وخَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: ٢]، هذه الأمثلة اجتمع فيها هذا الشرطان لأن قبل القاف متحرك وبعد الكاف ميم وأتى بكاف التشبيه لتدل على أن المراد كل ما جاء مثل هذا. وقوله وميثاقكم أظهر ونرزقك أي أظهر نحو ميثاقكم ولا تدغمه لأنه عدم فيه أحد الشرطين وهو كون الحرف الذي قبل القاف ليس متحركا لأن قبلها ألفا ساكنة،

стр. 37

وأظهر أيضا نحو نرزقك لأنه عدم فيه أحد الشرطين أيضا وهو وجود الميم بعد الكاف وإن كان قبل القاف متحرك فقد وجد في كل واحدة من الكلمتين أحد الشرطين وعدم الآخر فلأجل ذلك وجب الإظهار لأن شرط الإدغام إنما هو اجتماعهما، وقوله: انجلى أي انكشف الأمر وظهر بتمثيل ما يدغم وما لا يدغم واعلم أن يرزقكم يمكن أن يقرأ في النظم مدغما وغير مدغم وواثقكم وخلقكم لا يتزن في البيت إلا بقراءتهما مدغمين ويلزم الإدغام في الألفاظ الثلاثة صلة ميم الجمع بواو. فإن قيل لم يقرأ أحد بالإدغام والصلة. قلت: قد قرأت بهما لابن محيصن من طريق الأهواز وأجمعوا على إدغام أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ [المرسلات: ٢٠] في المرسلات. وإدغام ذي التّحريم طلّقكنّ قل ... أحقّ وبالتّأنيث والجمع أثقلا ذي التحريم أي صاحبة التحريم أي إدغام طلقكن الذي في سورة التحريم أحق من إظهاره وفهم من هذا وجه الآخر حق وهو الإظهار أي إدغامه أحق من إدغام الجمع المذكور فلا يعلم منه وجه الإظهار، وقد حكى في التيسير فيه خلافا لكن نسب الإظهار إلى ابن مجاهد وهي طريق الدوري وقال قرأته أنا بالإدغام فجعل الإظهار حكاية مذهب الغير فعلى التقدير الأول نقل للسوسي وجهين: الإظهار والإدغام ويكون وجه الإظهار له من زيادات القصيد على التيسير وعلى التقدير الثاني لا يفهم منه إلا الإدغام ثم بيّن أحقية الإدغام فقال وبالتأنيث والجمع أي كون الكلمة قد اتصل بها ضمير جمع دالّ على التأنيث فقد ساوت طلقكن ما تقدم من تحريك ما قبل القاف وكون كل واحدة منهما قد اتصل بها ضمير جمع دال عليه لكن فقد الشرط الثاني وهو وجود الميم لكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون لأنها محركة مشددة دالة على الجمع والتأنيث بخلاف الميم لأنها ساكنة خفيفة دالة على التذكير فزادت طلقكن على ما تقدم بالتأنيث وتشديد النون فلهذا قال أثقلا. ثم انتقل إلى ما هو من كلمتين فقال: ومهما يكونا كلمتين فمدغم ... أوائل كلم البيت بعد على الولا ومهما يكونا أي المتقاربين ذوي كلمتين أي إذا اجتمع الحرفان المتقاربان المتحركان أولهما آخر كلمة وثانيهما أول الثانية فالسوسي يدغم الأول منهما في الثاني في الوصل على الشروط الآتية: إذا ارتفع المانع الآتي وكان الحرف الأول أحد الحروف الستة عشر المنظومة في أوائل كلمات هذا البيت وهو: شفا لم تضق بها رم دواضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا هذه الستة عشر حرفا هي التي اتفق وقوعها في القرآن في الإدغام الكبير وإلا فهي أكثر وهي: الشين واللام والتاء والنون والباء والراء والدال والضاد والثاء والكاف والدال والحاء والسين والميم والقاف والجيم، وأشار بظاهر البيت إلى التغزل بحورية من حور الجنة سماها شفا وقد سمت العرب بذلك النساء ومعنى رم أي اطلب والدواء ما يتداوى به من الضنى وهو المرض ومعنى ثوى أقام، وقوله: سأي على وزن رأي مقلوب ساء على وزن جاء وهو بمعناه وجلا كشف والهاء في قوله منه ضمير المحب أي أن هذا المحب كشف الضنى أمره وساءت حاله لبعده عن مطلوبه، ثم شرط في إدغام هذه الحروف الستة عشر أن تكون سالمة من أحد الموانع المذكورة في قوله:

стр. 38

إذ لم ينوّن أو يكن تا مخاطب ... وما ليس مجزوما ولا متثقّلا أي أدغم السوسي الحروف التي ذكرت إذا لم يكن الحرف الأول الذي يدغم في غيره منونا نحو: ولا نصير لقد رجل رشيد أو يكن تاء مخاطب نحو كنت ثاويا، دخلت جنتك ولم يقع في القرآن تاء مخبر عند مقارب لها فلهذا لم يذكرها في المستثنى، وأما المجزوم فهو لم يؤت سعة من المال ليس في القرآن غيره ولم يدغمه السوسي بلا خلاف وإن كان المجزوم من باب المثلين عنه فيه وجهان لأن اجتماع المثلين فيه أثقل من اجتماع المتقاربين وقوله ولا متثقلا أي ولا مشددا لأن الحرف المشدد بحرفين نحو: أشد ذكرا والحق كمن هو ونحوه لا يدغم. فزحزح عن النّار الذي حاه مدغم ... وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا شرع عفا الله عنه يبين المواضع التي أدغمت فيها الحروف الستة عشر المذكورة في البيت الذي أوله شفا فبدأ بالحاء لسبق مخرجها وهي مذكورة في قوله حسن فأخبر أنها أدغمت في العين عن السوسي من قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران: ١٨٥]، فقط، وقوله: فزحزح بالفاء أراد فمنها أي من الكلمات المدغمات زحزح الذي أدغم حاؤه وقصر الحاء ضرورة وقوله وفي الكاف قاف إلخ الكاف والقاف من حروف شفا ذكرهما في قوله كان وقد أخبر أن كل واحدة منهما تدغم في الأخرى بشرط أن يتحرك ما قبل كل واحدة منهما. تنبيه: اعلم أن الناظم ﵁ إذا عين حرفا من كلمة من القرآن وأخبر أنه يدغم في غيره فلا تأخذ سواه، مثال ذلك الحاء من زحزح لا تدغم إلا في هذا لا غير أي وتظهر في نحو: المسيح عيسى والريح عاصفة من طريق هذا القصيد وأصله فإن أطلق ولم يعين مثل قوله وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا فتأخذ العموم في جميع القرآن وبالله التوفيق. خلق كلّ شيء لك قصورا وأظهرا ... إذا سكن الحرف الّذي قبل أقبلا أي مثال إدغام القاف في الكاف من كلمتين: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: ٢]، فاللام قبل القاف من خلق متحركة فلهذا ساغ الإدغام ومثله يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: ٦٤]، ويُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ [الدخان: ٤]، ونحوه ومثال إدغام الكاف في القاف ويجعل لك قصورا فاللام قبل الكاف متحركة ومثله يعجبك قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً [البقرة: ١٤٤]، وقوله وأظهرا أي فأظهر القاف عند الكاف والكاف عند القاف إذ سكن ما قبل كل واحد منهما ومن هذا علم أن شرط إدغامهما تحرك ما قبلهما فيظهر أن نحو فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ [يونس: ٧٦]، وهدنا إليك قال لسكون الواو قبل القاف وسكون الياء قبل الكاف فيهما ومعنى أقبلا أي الذي جعل قبلهما من أقبل تقول أقبلت فلانا الرمح وغيره إذا جعلته قبله.

стр. 39

وفي ذي المعارج تعرج الجيم مدغم ... ومن قبل أخرج شطأه قد تثقّلا المعارج بسورة سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: ١]، أي تدغم الجيم في حرفين في التاء في قوله تعالى: ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ [المعارج: ٣]، فقط وفي الشين في قوله تعالى: أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح: ٢٩] لا غير والجيم من حروف شفا وذكرها في قوله جلا، فقوله ومن قبل أي من قبل ذِي الْمَعارِجِ [المعارج: ١]، أخرج شطأه لأنها قبلها في التلاوة، وقوله: قد تثقلا أي اندغم. وعند سبيلا شين ذي العرش مدغم ... وضاد لبعض شأنهم مدغما تلا أي الشين من شفا والضاد من ضن أي الشين تدغم في السين من إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢]، فقط للسوسي وقوله: وضاد يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى الابتداء وتلا خبره والنصب على أنه مفعول تلا وفاعله ضمير يعود على السوسي أي تلاه السوسي مدغما أي وأدغم السوسي الضاد في الشين من بعض شأنهم لا غير. وفي زوّجت سين النّفوس ومدغم ... له الرأس شيبا باختلاف توصّلا السين من حروف شفا وذكرها في قوله سأي أي أدغم السوسي السين في الزاي من قوله تعالى وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧]، وله في إدغامها في الشين من قوله تعالى: الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، وجهان الإدغام عن المعدل عن ابن جرير عنه والإظهار عن المطوعي عنه وهذا معنى الخلاف الموصل وأجمع على الإظهار في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ [يونس: ٤٤]، شيئا لخفة الفتحة والله أعلم. وللدّال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثمّ زهد صدقه ظاهر جلا الدال من حروف شفا ذكرها في قوله دوا وأخبر في هذا البيت أن السوسي أدغمها في عشرة أحرف جمعها الناظم ﵀ في أوائل كلم عشرة وإلى ذلك أشار بقوله: للدال كلم أي كلم تدغم الدال في أوائلها وهي من قوله: ترب سهل إلخ وهي التاء والسين والذال والشين والضاد والثاء والزاي والصاد والظاء والجيم. ومثال إدغام الدال في الحروف العشرة المساجد تلك، عدد سنين والقلائد ذلك وشهد شاهد، ومن بعد ضراء ويريد ثواب، وتريد زينة، وتفقد صواع، ومن بعد ظلمه، وداود جالوت وقوله ترب التراب والتراب لغتان وذكا من ذكت النار أي أشعلت والشذا حدة رائحة الطيب وضفا طال وثم بفتح الثاء بمعنى هناك، وأشار بذلك إلى تربة كل مؤمن موصوف بالسهولة والصدق الزهد وغير ذلك من الصفات المحمودة ثم ذكر حكم الدال بعد الساكن فقال: ولم تدغم مفتوحة بعد ساكن ... بحرف بغير التّاء فاعلمه واعملا قوله: ولم تدغم بتشديد الدال يقال أدغم وادغم بوزن أفعل وافتعل، أخبر ﵀ أن الدال إذا فتحت وقبلها ساكن لم تدغم في غير التاء أي لم تدغم إلا في التاء خاصة وذلك في موضعين كاد تزيغ قلوب وبعد توكيدها لا غير ومثال الدال المفتوحة وقبلها ساكن مع غير التاء مما لا يدغم لوجود الشرطين فيه أبعد ضراء داود زبورا ونحوه وإذا عدم أحد الشرطين عنى الانفتاح أو السكون ساغ

стр. 40

الإدغام ولم يمتنع، نحو وشهد شاهد، من بعد ذلك وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة: ٢٥١]، فاعلمه أي فاعلم ذلك واعمل به. وفي عشرها والطّاء تدغم تاؤها ... وفي أحرف وجهان عنه تهلّلا لما انقضى كلامه في الدال انتقل إلى التاء المثناة وهي من حروف شفا ذكرها في قوله تضق وأخبر في هذا البيت أنها تدغم في الأحرف العشرة التي أدغمت فيها الدال وتدغم أيضا في الطاء معها والهاء في عشرها للدال وفي تائها يجوز أن تكون للعشر ويجوز أن تكون للأحرف السابقة الستة عشر فإن قيل من جملة حروف الدال العشرة التاء فإدغام التاء في التاء من باب المثلين قيل لم يسغ استثناؤها إذ هي مما تدغم في الجملة ومثال إدغامها في مثلها الشوكة تكون ومثال إدغامها في السين الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ [النساء: ٥٧، ١٢٢]، وفي الذال وَالذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات: ١]، وفي الشين بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤]، وفي الضاد وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١]، وفي الثاء الصَّالِحاتِ [العصر: ٣]، ثم وفي الزاي فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات: ٢]، وفي الصاد قوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [العاديات: ٣]، وفي الظاء قوله تعالى: الْمَلائِكَةُ ظالِمِي [النساء: ٩٧]، [النحل: ٢٨]، وفي الجيم قوله: مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]، وفي الطاء قوله تعالى: الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل: ٣٢]، ولا خلاف في إدغام هذا جميعه ونحوه، ولم يذكر في التاء ما ذكر في الدال من كونها لم تدغم مفتوحة بعد ساكن لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وهو قد علم استثناؤه نحو قوله تعالى: دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف: ٣٩]، وقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه: ٣٦]، إلا مواضع وقعت فيها مفتوحة بعد ألف فهي على قسمين منها موضع واحد لا خلاف في إدغامه، وهو قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود: ١١٤]، ومنها ما نقل فيه الخلاف وهو المشار إليه بقوله: وفي أحرف وجهان عنه أي عن السوسي تهللا أي استنار فظهر. فمع حمّلوا التّوراة ثمّ الزّكاة قل ... وقل آت ذال ولتأت طائفة علا هذه الأحرف التي فيها وجهان مثل الذين حملوا التوراة ثم لم بالجمعة وآتوا الزكاة ثم توليتم بالبقرة، وقوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ [الإسراء: ٢٦]، بسبحان وفَآتِ ذَا الْقُرْبى [الروم: ٣٨]، وهما المراد بقوله وقل آت ذل وبين الذال ولام التعريف من القربى ألفان إحداهما ألف ذا والأخرى همز الوصل في القربى وهي تسقط في الدرج وتسقط ألف ذا لأجل لام التعريف بعدها لكونها ساكنة فلذلك رسمت في بعض النسخ ذل بإسقاط ألفين على صورة اللفظ وهي الرواية، وفي بعضها بألفين وهو الصواب على الأصل والحرف الخامس بالنساء قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى [النساء: ١٠٢]، فهذه المواضع في كل منها وجهان عن السوسي الإظهار والإدغام وليس في قوله على رمز لأن الباب كله لأبي عمرو ﵁ ثم ذكر الحرف السادس فقال: وفي جئت شيئا أظهروا لخطابه ... ونقصانه والكسر الإدغام سهّلا أي في لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مريم: ٢٧]، للسوسي وجهان الإظهار والإدغام أما الإظهار فلأجل تاء الخطاب الموجودة فيه ولأجل نقصانه وهو حذف عين الفعل وضمير أظهروا عائد على ابن مجاهد وأصحابه، فأما المفتوح التاء فلا خلاف في إظهاره وهو موضعان بالكهف قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف: ٧١]، وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف: ٧٤]، وعلم ذلك من قوله والكسر الإدغام سهلا يعني أن تاء الخطاب مكسورة والكسر ثقيل ففارقت غيرها من تاءات الخطاب المفتوحة فسهل كسره الإدغام وسوغه.
следующие страницы →