[هود: ٣٠]، ونحوه وما نقل عنه أنه يظهره قولا واحدا أظهرناه قولا واحدا كتاء المتكلم والمخاطب والمنون والمثقل وما دخله موانع الإدغام كسبق الإخفاء والحذف وتعدد الإعلال والضعف واللبس والعروض وكذا اللَّائِي يَئِسْنَ [الطلاق: ٤] وما نقل عنه فيه وجهان قرأنا له بهما. هذا كله إذا قرأنا له طريقة الإدغام فإذا قرأنا له بطريقة الإظهار فإنا لا ندغم شيئا من الباب وإن كان متفقا على إدغامه. وقوله بلا خلاف على الإدغام يريد إذا قرئ لأبي عمرو بطريقة الإدغام وقد تقدم أن الناظم كان يقرأ بالإظهار من طريق الدوري وبالإدغام من طريق السوسي، فإذا قرأنا من طريق الدوري قرأنا بالإظهار في الباب كله وإذا قرأنا من طريق السوسي قرأنا بالإدغام فيما اتفق على ادغامه وبالإظهار فيما اتفق على إظهاره على حسب ما نص عليه الناظم ﵀ ورضي عنه من الاختلاف في هذا الباب وبالله التوفيق.
باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين
هذا الباب مقصور على إدغام حرف في حرف يقاربه في المخرج ويحتاج فيه مع تسكينه إلى قلبه إلى لفظ الحرف المدغم فيه فترفع لسانك بلفظ الثاني منهما مشددا ولا يبقى للأول أثر إلا أن يكون حرف إطباق أو ذا غنة فيبقى الإطباق والغنة.
وإن كلمة حرفان فيها تقاربا ... فإدغامه للقاف في الكاف مجتلى
الهاء في قوله فإدغامه للسوسي أي إن اجتمع حرفان متحركان متقاربان في المخرج في كلمة اصطلاحية نخص السوسي من ذلك بإدغام القاف في الكاف. وقوله مجتلى أي منظور إليه يريد بذلك أنه مشهور يعني أنه لم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة سوى القاف في الكاف بشرطين ذكرهما في قوله:
وهذا إذا ما قبله متحرّك ... مبين وبعد الكاف ميم تخلّلا
هذا إشارة إلى الإدغام والهاء في قوله قبله يعود على القاف في أدغم السوسي القاف في الكاف المتصل بالقاف إذا كان قبلها متحرك لفظي وبعد الكاف ميم جمع في الحالين وخرج بقوله متحرك ما قبله ساكن وقوله مبين أي بين ظاهر واحترز به من لفظ ما ساكنه الألف لأن المد الذي فيها يقوم مقام الحركة لكن ما هو مبين وخرج بقوله ميم ما ليس بعده شيء وما بعده حرف غير الميم وعلم من قوله تخللا أن يكون ميم جمع وأصله الصلة فهو متخلل بين الكاف والواو المقدرة وتخلل من قولهم تخلل المطر إذا خص ولم يكن عاما أي تخلل أبو عمرو بإدغامه ذلك ولم يعم جميع ما التقت فيه القاف بالكاف ثم مثل للمدغم والمظهر فقال:
كيرزقكم واثقكم وخلقكّمو ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا
أي مثال إدغام القاف في الكاف يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ [النمل: ٦٤]، [يونس:
٣١]، واثَقَكُمْ بِهِ [المائدة: ٧]، وخَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: ٢]، هذه الأمثلة اجتمع فيها هذا الشرطان لأن قبل القاف متحرك وبعد الكاف ميم وأتى بكاف التشبيه لتدل على أن المراد كل ما جاء مثل هذا. وقوله وميثاقكم أظهر ونرزقك أي أظهر نحو ميثاقكم ولا تدغمه لأنه عدم فيه أحد الشرطين وهو كون الحرف الذي قبل القاف ليس متحركا
لأن قبلها ألفا ساكنة،
стр. 37
وأظهر أيضا نحو نرزقك لأنه عدم فيه أحد الشرطين أيضا وهو وجود الميم بعد الكاف وإن كان قبل القاف متحرك فقد وجد في كل واحدة من الكلمتين أحد الشرطين وعدم الآخر فلأجل ذلك وجب الإظهار لأن شرط الإدغام إنما هو اجتماعهما، وقوله:
انجلى أي انكشف الأمر وظهر بتمثيل ما يدغم وما لا يدغم واعلم أن يرزقكم يمكن أن يقرأ في النظم مدغما وغير مدغم وواثقكم وخلقكم لا يتزن في البيت إلا بقراءتهما مدغمين ويلزم الإدغام في الألفاظ الثلاثة صلة ميم الجمع بواو. فإن قيل لم يقرأ أحد بالإدغام والصلة.
قلت: قد قرأت بهما لابن محيصن من طريق الأهواز وأجمعوا على إدغام أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ [المرسلات: ٢٠] في المرسلات.
وإدغام ذي التّحريم طلّقكنّ قل ... أحقّ وبالتّأنيث والجمع أثقلا
ذي التحريم أي صاحبة التحريم أي إدغام طلقكن الذي في سورة التحريم أحق من إظهاره وفهم من هذا وجه الآخر حق وهو الإظهار أي إدغامه أحق من إدغام الجمع المذكور فلا يعلم منه وجه الإظهار، وقد حكى في التيسير فيه خلافا لكن نسب الإظهار إلى ابن مجاهد وهي طريق الدوري وقال قرأته أنا بالإدغام فجعل الإظهار حكاية مذهب الغير فعلى التقدير الأول نقل للسوسي وجهين: الإظهار والإدغام ويكون وجه الإظهار له من زيادات القصيد على التيسير وعلى التقدير الثاني لا يفهم منه إلا الإدغام ثم بيّن أحقية الإدغام فقال وبالتأنيث والجمع أي كون الكلمة قد اتصل بها ضمير جمع دالّ على التأنيث فقد ساوت طلقكن ما تقدم من تحريك ما قبل القاف وكون كل واحدة منهما قد اتصل بها ضمير جمع دال عليه لكن فقد الشرط الثاني وهو وجود الميم لكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون لأنها محركة مشددة دالة على الجمع والتأنيث بخلاف الميم لأنها ساكنة خفيفة دالة على التذكير فزادت طلقكن على ما تقدم بالتأنيث وتشديد النون فلهذا قال أثقلا. ثم انتقل إلى ما هو من كلمتين فقال:
ومهما يكونا كلمتين فمدغم ... أوائل كلم البيت بعد على الولا
ومهما يكونا أي المتقاربين ذوي كلمتين أي إذا اجتمع الحرفان المتقاربان المتحركان أولهما آخر كلمة وثانيهما أول الثانية فالسوسي يدغم الأول منهما في الثاني في الوصل على الشروط الآتية: إذا ارتفع المانع الآتي وكان الحرف الأول أحد الحروف الستة عشر المنظومة
في أوائل كلمات هذا البيت وهو:
شفا لم تضق بها رم دواضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا
هذه الستة عشر حرفا هي التي اتفق وقوعها في القرآن في الإدغام الكبير وإلا فهي أكثر وهي: الشين واللام والتاء والنون والباء والراء والدال والضاد والثاء والكاف والدال والحاء والسين والميم والقاف والجيم، وأشار بظاهر البيت إلى التغزل بحورية من حور الجنة سماها شفا وقد سمت العرب بذلك النساء ومعنى رم أي اطلب والدواء ما يتداوى به من الضنى وهو المرض ومعنى ثوى أقام، وقوله: سأي على وزن رأي مقلوب ساء على وزن جاء وهو بمعناه وجلا كشف والهاء في قوله منه ضمير المحب أي أن هذا المحب كشف الضنى أمره وساءت حاله لبعده عن مطلوبه، ثم شرط في إدغام هذه الحروف الستة عشر أن تكون سالمة من أحد الموانع المذكورة في قوله:
стр. 38
إذ لم ينوّن أو يكن تا مخاطب ... وما ليس مجزوما ولا متثقّلا
أي أدغم السوسي الحروف التي ذكرت إذا لم يكن الحرف الأول الذي يدغم في غيره منونا نحو: ولا نصير لقد رجل رشيد أو يكن تاء مخاطب نحو كنت ثاويا، دخلت جنتك ولم يقع في القرآن تاء مخبر عند مقارب لها فلهذا لم يذكرها في المستثنى، وأما المجزوم فهو لم يؤت سعة من المال ليس في القرآن غيره ولم يدغمه السوسي بلا خلاف وإن كان المجزوم من باب المثلين عنه فيه وجهان لأن اجتماع المثلين فيه أثقل من اجتماع المتقاربين وقوله ولا متثقلا أي ولا مشددا لأن الحرف المشدد بحرفين نحو: أشد ذكرا والحق كمن هو ونحوه لا يدغم.
فزحزح عن النّار الذي حاه مدغم ... وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا
شرع عفا الله عنه يبين المواضع التي أدغمت فيها الحروف الستة عشر المذكورة في البيت الذي أوله شفا فبدأ بالحاء لسبق مخرجها وهي مذكورة في قوله حسن فأخبر أنها أدغمت في العين عن السوسي من قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:
١٨٥]، فقط، وقوله: فزحزح بالفاء أراد فمنها أي من الكلمات المدغمات زحزح الذي أدغم حاؤه وقصر الحاء ضرورة وقوله وفي الكاف قاف إلخ الكاف والقاف من حروف شفا ذكرهما في قوله كان وقد أخبر أن كل واحدة منهما تدغم في الأخرى بشرط أن يتحرك ما قبل كل واحدة منهما.
تنبيه: اعلم أن الناظم ﵁ إذا عين حرفا من كلمة من القرآن وأخبر أنه يدغم في غيره فلا تأخذ سواه، مثال ذلك الحاء من زحزح لا تدغم إلا في هذا لا غير أي وتظهر في نحو: المسيح عيسى والريح عاصفة من طريق هذا القصيد وأصله فإن أطلق ولم يعين
مثل قوله وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا فتأخذ العموم في جميع القرآن وبالله التوفيق.
خلق كلّ شيء لك قصورا وأظهرا ... إذا سكن الحرف الّذي قبل أقبلا
أي مثال إدغام القاف في الكاف من كلمتين: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: ٢]، فاللام قبل القاف من خلق متحركة فلهذا ساغ الإدغام ومثله يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: ٦٤]، ويُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ [الدخان: ٤]، ونحوه ومثال إدغام الكاف في القاف ويجعل لك قصورا فاللام قبل الكاف متحركة ومثله يعجبك قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً [البقرة: ١٤٤]، وقوله وأظهرا أي فأظهر القاف عند الكاف والكاف عند القاف إذ سكن ما قبل كل واحد منهما ومن هذا علم أن شرط إدغامهما تحرك ما قبلهما فيظهر أن نحو فَوْقَ كُلِّ ذِي
عِلْمٍ
[يونس: ٧٦]، وهدنا إليك قال لسكون الواو قبل القاف وسكون الياء قبل الكاف فيهما ومعنى أقبلا أي الذي جعل قبلهما من أقبل تقول أقبلت فلانا الرمح وغيره إذا جعلته قبله.
стр. 39
وفي ذي المعارج تعرج الجيم مدغم ... ومن قبل أخرج شطأه قد تثقّلا
المعارج بسورة سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: ١]، أي تدغم الجيم في حرفين في التاء في قوله تعالى: ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ [المعارج: ٣]، فقط وفي الشين في قوله تعالى:
أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح: ٢٩] لا غير والجيم من حروف شفا وذكرها في قوله جلا، فقوله ومن قبل أي من قبل ذِي الْمَعارِجِ [المعارج: ١]، أخرج شطأه لأنها قبلها في التلاوة، وقوله: قد تثقلا أي اندغم.
وعند سبيلا شين ذي العرش مدغم ... وضاد لبعض شأنهم مدغما تلا
أي الشين من شفا والضاد من ضن أي الشين تدغم في السين من إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢]، فقط للسوسي وقوله: وضاد يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى الابتداء وتلا خبره والنصب على أنه مفعول تلا وفاعله ضمير يعود على السوسي أي تلاه السوسي مدغما أي وأدغم السوسي الضاد في الشين من بعض شأنهم لا غير.
وفي زوّجت سين النّفوس ومدغم ... له الرأس شيبا باختلاف توصّلا
السين من حروف شفا وذكرها في قوله سأي أي أدغم السوسي السين في الزاي من قوله تعالى وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: ٧]، وله في إدغامها في الشين من قوله تعالى: الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، وجهان الإدغام عن المعدل عن ابن جرير عنه والإظهار عن المطوعي عنه وهذا معنى الخلاف الموصل وأجمع على الإظهار في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ [يونس: ٤٤]، شيئا لخفة الفتحة والله أعلم.
وللدّال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثمّ زهد صدقه ظاهر جلا
الدال من حروف شفا ذكرها في قوله دوا وأخبر في هذا البيت أن السوسي أدغمها في عشرة أحرف جمعها الناظم ﵀ في أوائل كلم عشرة وإلى ذلك أشار بقوله: للدال كلم أي كلم تدغم الدال في أوائلها وهي من قوله: ترب سهل إلخ وهي التاء والسين والذال والشين والضاد والثاء والزاي والصاد والظاء والجيم. ومثال إدغام الدال في الحروف العشرة المساجد تلك، عدد سنين والقلائد ذلك وشهد شاهد، ومن بعد ضراء ويريد ثواب، وتريد زينة، وتفقد صواع، ومن بعد ظلمه، وداود جالوت وقوله ترب التراب والتراب لغتان وذكا من ذكت النار أي أشعلت والشذا حدة رائحة الطيب وضفا طال وثم بفتح الثاء بمعنى هناك، وأشار بذلك إلى تربة كل مؤمن موصوف بالسهولة والصدق الزهد وغير ذلك من الصفات المحمودة ثم ذكر حكم الدال بعد الساكن فقال:
ولم تدغم مفتوحة بعد ساكن ... بحرف بغير التّاء فاعلمه واعملا
قوله: ولم تدغم بتشديد الدال يقال أدغم وادغم بوزن أفعل وافتعل، أخبر ﵀ أن الدال إذا فتحت وقبلها ساكن لم تدغم في غير التاء أي لم تدغم إلا في التاء خاصة وذلك في موضعين كاد تزيغ قلوب وبعد توكيدها لا غير ومثال الدال المفتوحة وقبلها ساكن مع غير التاء مما لا يدغم لوجود الشرطين فيه أبعد ضراء داود زبورا ونحوه وإذا عدم أحد الشرطين عنى الانفتاح أو السكون ساغ
стр. 40
الإدغام ولم يمتنع، نحو وشهد شاهد، من بعد ذلك وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة: ٢٥١]، فاعلمه أي فاعلم ذلك واعمل به.
وفي عشرها والطّاء تدغم تاؤها ... وفي أحرف وجهان عنه تهلّلا
لما انقضى كلامه في الدال انتقل إلى التاء المثناة وهي من حروف شفا ذكرها في قوله تضق وأخبر في هذا البيت أنها تدغم في الأحرف العشرة التي أدغمت فيها الدال وتدغم أيضا في الطاء معها والهاء في عشرها للدال وفي تائها يجوز أن تكون للعشر ويجوز أن تكون للأحرف السابقة الستة عشر فإن قيل من جملة حروف الدال العشرة التاء فإدغام التاء في التاء من باب المثلين قيل لم يسغ استثناؤها إذ هي مما تدغم في الجملة ومثال إدغامها في مثلها الشوكة تكون ومثال إدغامها في السين الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ [النساء: ٥٧، ١٢٢]، وفي الذال وَالذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات: ١]، وفي الشين بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤]، وفي الضاد وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١]، وفي الثاء الصَّالِحاتِ [العصر: ٣]، ثم وفي الزاي فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات: ٢]، وفي الصاد قوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [العاديات: ٣]، وفي الظاء قوله تعالى: الْمَلائِكَةُ ظالِمِي [النساء: ٩٧]، [النحل: ٢٨]، وفي الجيم قوله: مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]، وفي الطاء قوله تعالى:
الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل: ٣٢]، ولا خلاف في إدغام هذا جميعه ونحوه، ولم يذكر في
التاء ما ذكر في الدال من كونها لم تدغم مفتوحة بعد ساكن لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وهو قد علم استثناؤه نحو قوله تعالى: دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف: ٣٩]، وقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه: ٣٦]، إلا مواضع وقعت فيها مفتوحة بعد ألف فهي على قسمين منها موضع واحد لا خلاف في إدغامه، وهو قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود: ١١٤]، ومنها ما نقل فيه الخلاف وهو المشار إليه بقوله: وفي أحرف وجهان عنه أي عن السوسي تهللا أي استنار فظهر.
فمع حمّلوا التّوراة ثمّ الزّكاة قل ... وقل آت ذال ولتأت طائفة علا
هذه الأحرف التي فيها وجهان مثل الذين حملوا التوراة ثم لم بالجمعة وآتوا الزكاة ثم توليتم بالبقرة، وقوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ [الإسراء: ٢٦]، بسبحان وفَآتِ ذَا الْقُرْبى [الروم: ٣٨]، وهما المراد بقوله وقل آت ذل وبين الذال ولام التعريف من القربى ألفان إحداهما ألف ذا والأخرى همز الوصل في القربى وهي تسقط في الدرج وتسقط ألف ذا لأجل لام التعريف بعدها لكونها ساكنة فلذلك رسمت في بعض النسخ ذل بإسقاط ألفين على صورة اللفظ وهي الرواية، وفي بعضها بألفين وهو الصواب على الأصل والحرف الخامس بالنساء قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى [النساء: ١٠٢]، فهذه المواضع في كل منها وجهان عن السوسي الإظهار والإدغام وليس في قوله على رمز لأن الباب كله لأبي عمرو ﵁ ثم ذكر الحرف السادس فقال:
وفي جئت شيئا أظهروا لخطابه ... ونقصانه والكسر الإدغام سهّلا
أي في لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مريم: ٢٧]، للسوسي وجهان الإظهار والإدغام أما الإظهار فلأجل تاء الخطاب الموجودة فيه ولأجل نقصانه وهو حذف عين الفعل وضمير أظهروا عائد على ابن مجاهد وأصحابه، فأما المفتوح التاء فلا خلاف في إظهاره وهو موضعان بالكهف قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف: ٧١]، وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف: ٧٤]، وعلم ذلك من قوله والكسر الإدغام سهلا يعني أن تاء الخطاب مكسورة والكسر ثقيل ففارقت غيرها من تاءات الخطاب المفتوحة فسهل كسره الإدغام وسوغه.
стр. 41
وفي خمسة وهي الأوائل ثاؤها ... وفي الصّاد ثمّ السّين ذال تدخّلا
لما أتم كلامه في التاء المثناة انتقل إلى الثاء المثلثة وهي من حروف شفا ذكرها في قوله: ثوى وأخبر أنها تدغم للسوسي في خمسة أحرف وهي أوائل كلمات: ترب سهل ذكا شذا ضفا وهي التاء والسين والذال والشين والضاد وأمثلتها حيث تؤمرون الحديث سنستدرجهم والحرث ذلك وليس غيره حيث شئتما وحديث ضيف إبراهيم وليس غيره.
قوله: وفي الصاد إلخ، أخبر ﵀ أن الذال المعجمة تدخل في الصاد والسين المهملتين
أدغم فيهما السوسي وذلك نحو قوله تعالى: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ [الكهف: ٦١]، في موضعين، وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً [آل عمران: ١١٧]، لا غير وتدخل مثل تحصل يقال تدخل الشيء إذا تحصل قليلا قليلا.
وفي اللّام راء وهي في الرّا وأظهرا ... إذا انفتحا بعد المسكّن منزلا
اللام والراء من حروف شفا ذكرهما في قوله لم وفي قوله رم أي أدغم السوسي الراء في اللام واللام في الراء نحو قوله تعالى: سَيُغْفَرُ لَنا، كَمَثَلِ رِيحٍ [آل عمران:
١١٧]، وقوله: أظهرا إلخ يعني أن ما انفتح منهما وقبله ساكن استثنى فأظهر نحو قوله تعالى: خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ [النور: ٢٧]، ورَسُولَ رَبِّهِمْ [الحاقة: ١٠]، ولا يمنع الإدغام إلا باجتماع السببين أما لو انفتح أحدهما بعد الحركة نحو قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ [إبراهيم: ٣٢]، وجَعَلَ رَبُّكِ [الإسراء: ٢٤]، أو تحرك بغير الفتح بعد السكون نحو المصير لا يكلف، وبالذكر لما ويقول ربي وفضل ربي فإن هذا كله ونحوه مدغم ثم ذكر تمامه فقال:
سوى قال ثمّ النّون تدغم فيهما ... على إثر تحريك سوى نحن مسجلا
أخبر ﵀ أن لام قال: مستثنى من فصل اللام يعنى سوى كلمة قال فإنها أدغمت في كل راء بعدها للسوسي وإن كانت اللام مفتوحة وقبلها حرف ساكن وهو الألف نحو قال رب قال رجلان فخفف بالإدغام لكثرة دوره في القرآن بخلاف فيقول رب ورسول ربهم ونحوه فإنه مظهر. ثم انتقل إلى الكلام في النون وهي من حروف شفا ذكرها في قوله نفسا فأخبر أنها تدغم فيهما أي في اللام والراء للسوسي بشرط أن يتحرك ما قبلها وهو معنى قوله على أثر تحريك أي تكون النون بعد محرك نحو إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف: ١٦٧]، خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ [ص: ٩]، ولَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [البقرة: ٥٥]، فإن وقع قبل النون ساكن لم تدغم مطلقا سوى كان ذلك ألفا أو غيره وسواء كانت النون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو قوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ [النحل: ٥٠]، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [القدر: ٤]، أَنَّى يَكُونُ لِي [آل عمران: ٤٠]، ما خلا حرفا واحدا فإنه يدغم نونه في اللام مع وجود السكون قبل النون وذلك نحو قوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣، ١٣٦]، ونحن لك، نحن لكما، وشبهه حيث وقع وهو المراد بقوله سوى نحن، وقوله مسجلا: أي مطلقا في جميع القرآن:
وتسكن عنه الميم من قبل بائها ... على إثر تحريك فتخفى تنزّلا
الميم من حروف شفا ذكرها في قوله: منه أخبر أنها تسكن عنه أي عن السوسي قبل الباء إذا وقعت بعد متحرك فتخفى نحو قوله: آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة: ٢٧]، وبِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٣]، فإن سكن ما قبلها لم يفعل ذلك نحو قوله تعالى: إِبْراهِيمُ
بَنِيهِ [البقرة: ١٣٢]، اليوم بجالوت والرواية في البيت بضم التاء من تسكن وفتحها من تخفى والهاء في بائها ضمير الميم وقوله: تُنَزِّلَ [النساء: ١٥٣]، تمييز أي فيخفى تنزلها في محلها.
стр. 42
وفي من يشاء با يعذّب حيثما ... أتى مدغم فادر الأصول لتأصلا
الباء من حروف شفا ذكرها في قوله بها أي أدغم السوسي باء يعذب في ميم من يشاء أينما جاء وهو خمسة مواضع سوى الذي بالبقرة موضعان بالمائدة وموضع بآل عمران والعنكبوت والفتح، أما الذي بالبقرة فإنه ساكن الباء في قراءة أبي عمرو فهو واجب الإدغام عنده من جهة الإدغام الصغير لا الإدغام الكبير ولهذا وافقه عليه جماعة كما سنذكره وفهم من تخصيص الباء بيعذب وميم من يشاء إظهار ما عداه نحو أن يضرب مثلا سَنَكْتُبُ ما قالُوا [آل عمران: ١٨١]، [مريم: ٧٩]، ولما انقضى كلامه من حروف شفا الستة عشر التي تدغم في غيرها ختم بقوله: فادر الأصول أي اعلم القواعد المذكورة في هذا النظم لتأصلا أي لتكون أصلا أي ذا أصل يرجع إليه في معرفة هذا الفن ثم ذكر ثلاث قواعد تتعلق بجميع باب الإدغام الكبير مثليا كان أو متقاربا وكل قاعدة في بيت فقال في القاعدة الأولى:
ولا يمنع الإدغام إذ هو عارض ... إمالة كالأبرار والنّار أثقلا
يريد إذا كانت ألف مما له في البابين لأجل كسرة بعدها على حرف وذلك الحرف مما يدغم في غيره فإذا أدغم تبقى الإمالة بحالها لكون الإدغام عارضا فكأن الكسرة موجودة فكما أن الوقف لا يمنع فكذلك الإدغام مثال ذلك إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨]، فإن الألف في الأبرار ممالة لأجل كسرة الراء والراء تدغم في اللام فإذا أدغمت فيها زال موجب الإمالة، وكذلك قوله تعالى: وَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:
١٦]، ربنا وأتى بمثالين الأول منهما لبيان إدغام المتقاربين والثاني لبيان إدغام المثلين، وقوله: أثقلا حال أي في حال الإدغام الصريح احترازا من الروم فإنه لا يمنع قولا واحدا لأن الكسرة موجودة. ثم ذكر القاعدة الثانية فقال:
وأشمم ورم في غير باء وميمها ... مع الباء أو ميم وكن متأمّلا
يقول ﵀ إذا أدغمت حرفا في حرف مماثل له أو مقارب فأشمم حركة الحرف الأول المدغم إن كان ضمة ورمها إن كانت ضمة أو كسرة إلا في الباء والميم إذا لقيت كل واحدة منهما الباء والميم وذلك في أربعة صور وهي أن تلتقي الباء بمثلها نحو قوله تعالى:
نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا [يوسف: ٥٦]، أو مع الميم نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [العنكبوت: ٢١]، وتلتقي الميم مع مثلها نحو أيعلم ما أو مع الباء نحو أعلم بما فإن الروم والإشمام يتعذران في ذلك لانطباق الشفتين بالباء والميم والضمير في ميمها عائد على الباء وكن متأملا أي متدبرا كلام العلماء في كتبهم ثم ذكر القاعدة الثالثة فقال:
وإدغام حرف قبله صحّ ساكن ... عسير وبالإخفاء طبّق مفصلا
أي إذا كان قبل الحرف الذي يدغم في غيره حرف صحيح ساكن فإن إدغامه المحض عسير أي يعسر النطق به وتعسر الدلالة على توجيهه لما يؤدي إليه من الجمع بين الساكنين على غير حدهما لأن المدغم لا بد من تسكينه فحقيقة الإدغام فيه راجعة إلى الإخفاء وتسميته بالإدغام مجاز واحترز بقوله: صح ساكن عما قبله ساكن ليس بحرف صحيح بل هو حرف مد فإن الإدغام يصح معه نحو قوله فيه هدى قال لهم يقول ربنا وكذا إذا انفتح ما قبل الياء والواو ونحو قوله: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ [الفجر: ٦]، [الفيل: ١]، قوم موسى فإن في ذلك من المد ما يفصل بين الساكنين وأما ما قبله ساكن صحيح فلا يتأتى إدغامه
стр. 43
إلا بتحريك ما قبله وإن خفيت الحركة فإن لم تحرك انحذف الحرف الذي تسكينه للإدغام وأنت تظن أنه مدغم فإذا كان كذلك فالطريق السهل حينئذ إما الإظهار وإما الإخفاء فرجح الناظم ﵀ الإخفاء فقال وبالإخفاء طبق مفصلا والضمير في طبق للقارئ أي إذا أخفاه القارئ أصاب وهو من قوله: طبق السيف المفصل إذا أصاب المفصل، ثم مثل بما قبله حرف صحيح ساكن فقال:
خذ العفو وأمر ثم من بعد ظلمه ... وفي المهد ثم الخلد والعلم فاشملا
ذكر ﵀ خمسة أمثلة في كل مثال منها حرف صحيح سكن قبل الحرف المدغم من المثلين والمتقاربين فمن المثلين قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:
١٩٩]، فيه فاء ساكنة قبل الواو ومن العلم مالك فيه لام ساكنة قبل الميم ومن المتقاربين من بعد ظلمه فيه عين ساكنة قبل الدال والمهد صبيا فيه هاء ساكنة قبل الدال والخلد جزاء فيه لام ساكنة قبل الدال ولما لم يوردها على طريق التمثيل خاف أن يتوهم الحصر فقال فأشملا أي عمم الكل وقس المتروك على المذكور نحو قوله تعالى زادته هذه لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ [النور: ٦٢] وشبه ذلك، يقال: شملهم الأمر إذا عمهم.
باب هاء الكناية
سميت هاء الكناية لأنها يكنى بها عن الاسم الظاهر الغائب نحو به وله عليه وتسمى هاء الضمير أيضا والمراد بها الإيجاز والاختصار وأصلها الضم.
ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن ... وما قبله التّحريك للكلّ وصّلا
أخبر ﵁ أن القراء كلهم لم يصلوا هاء الضمير إذا وقعت قبل ساكن لأن الصلة تؤدي إلى الجمع بين الساكنين بل تبقى على حركتها ضمة كانت أو كسرة نحو قوله تعالى: يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧]، رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل: ٢٠]، وكذا إذا كانت الصلة ألفا وذلك في ضمير المؤنث المجمع على صلته بها مطلقا فإن صلتها تحذف للساكن بعدها نحو من تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [البقرة: ٢٥]، وقوله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ [مريم:
٢٣]، وقوله: لَمْ يُصَلُّوا [النساء: ١٠٢]، هاء مضمر عام يشمل ضمير المذكر والمؤنث وإن كان خلاف القراء واقعا في المذكر لا غير ولا يرد على هذا الإطلاق إلا موضع واحد في عبس قوله تعالى: عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ١٠]، في قراءة البزي ثم قال وما قبله التحريك أي والذي تحرك ما قبله من هاءات الضمير المذكر التي ليس بعدها ساكن فكل القراء يصلونها بواو إن كانت مضمومة، وبياء إن كانت مكسورة نحو قوله تعالى: أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:
٢١]، وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: ٢٣]، واعلم أن الصلة تسقط في الوقف إلا الألف في ضمير المؤنث ثم انتقل إلى المختلف فيه فقال:
وما قبله التّسكين لابن كثيرهم ... وفيه مهانا معه حفص أخو ولا
أي والذي قبله من هاءات الضمير ساكن فإنه موصول لابن كثير وحده نحو قوله تعالى: اجْتَباهُ وَهَداهُ [النحل: ١٢١]، وعَقَلُوهُ [البقرة: ٧٥]، وفيه وعليه وإليه فإن لقي الهاء ساكن لم يصل على ما سبق تقريره نحو قوله تعالى يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧]، وقرأ باقي القراء بترك الصلة في كل ما قبله ساكن وعلم ذلك من الضد لأن ضد الصلة تركها
ووافقه حفص على صلة ويخلد فيه مهانا، فهذا معنى قوله: فِيهِ مُهاناً [الفرقان: ٦٩]، معه حفص أي مع ابن كثير أخو ولا أي أخو متابعة لأن الولاء بكسر الواو والمد بمعنى المتابعة وقصره الناظم. واعلم أن هشاما وافق ابن كثير على الصلة في أرجئه في الموضعين كما سيأتي:
وسكّن يؤدّه مع نولّه ونصله ... ونؤته منها فاعتبر صافيا حلا
أراد يؤدي إليك موضعان بآل عمران ونُوَلِّهِ [النساء: ١١٥]، ونُصْلِهِ [النساء:١١٥] بالنساء ونُؤْتِهِ مِنْها [الشورى: ٢٠] موضعان بآل عمران وموضع بالشورى أمر بتسكين الهاء في هذه السبعة موضع لمن أشار إليهم بالفاء والصاد والحاء في قوله:
стр. 44
فاعتبر صافيا حلا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك لأنه ضد الإسكان وإذا تعين للباقين التحريك فهو بالكسر فمنهم من يصل الهاء بياء ومنهم من يختلسها وعلم الاختلاس من قوله وفي الكل قصر الهاء.
توضيح: اعلم أن القراء في هذا البيت على أربع مراتب منهم من سكن هاءاتها قولا واحدا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو، ومنهم من يحركها بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو:
قالون ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني: تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من يحركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وقد لفظ بالكلمات المذكورات في هذا البيت على ما تأتي له في النظم فسكن يؤده ونوله ووصل نصله واختلس نؤته ونبه بقوله فاعتبر صافيا حلا على صحة وجه القراءة وثبوتها.
وعنهم وعن حفص فالقه ويتّقه ... حمى صفوه قوم بخلف وأنهلا
وقل بسكون القاف والقصر حفصهم ... ويأته لدى طه بالإسكان بجتلا
وفي الكلّ قصر الهاء بان لسانه ... بخلف وفي طه بوجهين بجّلا
الواو في قوله: وعنهم فاصلة عاطفة أي من المذكورين في بيت وسكن يؤده وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو ثم قال وعن حفص أي عن المذكورين وعن حفص في فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بالنمل إسكان الهاء فبقي على إسكان فألقه حمزة وعاصم وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ثم استأنف فقال ويتقه حمى صفوه قوم بخلف أراد بقوله: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: ٥٢]، بالنور فأشار إلى تسكين هائه بلا خلاف للمشار إليهما بالحاء والصاد في قوله حمى صفوه وهما أبو عمرو وشعبة والمشار إليه بالقاف من قوله قوم وهو خلاد بخلاف عنه فعلم أن الوجه الآخر هو التحريك ولم يذكر بعد ذلك مع أصحاب القصر الذي هو الاختلاس فعلم أن الوجه الثاني هو الكسر والصلة ومعنى وأنهلا سقاه النهل وهو الشرب الأول ثم قال وقل بسكون القاف والقصر حفصهم يعني أن حفصا قرأ ويتقه بسكون القاف
وقصر حركة الهاء أي باختلاسها وقوله ويأته لدى طه بالإسكان يجتلا أراد وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [طه: ٧٥]، بطه فأخبر أن المشار إليه بالياء من قوله يجتلا وهو السوسي قرأ يأته بسكون الهاء فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ويجتلا ينظر إليه وقوله وفي الكل قصر الهاء بأن لسانه بخلف يعني بالكل جميع الألفاظ المتقدمة من قوله وسكن يؤده إلى قوله ويأته لدى طه وهي سبع كلمات وأراد بقصر الهاء اختلاسها وأخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بأن قرأها كلها باختلاس كسرة الهاء بلا خلاف وإن هشاما وهو المشار إليه باللام من قوله لسانه قرأها جميعها بوجهين أحدهما باختلاس الهاء كقالون والثاني بالصلة كباقي القراء ولا يجوز أن يكون له الإسكان لأنه قد ذكر الإسكان عن الذين قرءوا به ولم يذكر هشاما منهم قوله بخلف عائد على هشام لأنه الذي يليه ولو كان الخلاف عنه وعن قالون لقال بخلفهما ولو كان عن ثلاثة أو أكثر لقال بخلفهم وليس الباء من يخلف رمزا لأن المراد منه أن القارئ الذي قبله اختلفت الرواية عنه وإنما تعينت الصلة لباقي القراء لأنه لم يذكرهم مع أصحاب الإسكان ولا مع أصحاب الاختلاس وقوله وفي طه بوجهين بجلا أخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بجلا عنه في يأته
стр. 45
مؤمنا وجهان وقد تقدم أن السوسي وحده قرأ بالإسكان فعلمنا أن الوجهين هما الاختلاس والصلة وتعين للباقين القراءة بالصلة ومعنى بجلا أي وقر وهو عائد على الوجهين.
توضيح: قوله فألقه القراء فيها على أربع مراتب منهم من سكن هاءه قولا واحدا وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو، ومنهم من حرك الهاء بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو قالون، ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من حركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يتقه فالقراء كلهم يكسرون قافه إلا حفصا وهم من بعد ذلك في الهاء على خمس مراتب منهم من يسكنها قولا واحدا وهما أبو عمرو وشعبة ومنهم من روى عنه وجهان أحدهما الإسكان والثاني صلتها بياء وهو خلاد ومنهم من روى عنه وجهان أيضا الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو هشام ومنهم من له الاختلاس قولا واحدا وهما قالون وحفص ومنهم من يحركها موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يأته فالقراء فيه على ثلاث مراتب (١) منهم من سكن الهاء قولا واحدا وهو السوسي ومنهم من قرأ بوجهين أحدهما الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو قالون ومنهم من وصل كسرة الهاء بياء قولا واحدا وهم الباقون.
وإسكان يرضه يمنه لبس طيّب ... بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا
له الرّحب والزّلزال خيرا يره بها ... وشرا يره حرفيه سكّن ليسهلا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالياء في قوله يمنه وهو السوسي قرأ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧] بإسكان الهاء في الوصل بلا خلاف وأن المشار إليهما باللام والطاء في قوله لبس طيب وهما هشام والدوري عن أبي عمرو اختلف عنهما في الإسكان وأن المشار إليهم بالفاء والنون واللام والألف في قوله فاذكره نوفلا له الرحب وهم حمزة وعاصم وهشام ونافع قرءوا بالقصر يعني باختلاس ضمة الهاء والخلف الذي للدوري هو الإسكان والصلة والذي لهشام الإسكان والقصر، وعلم ذلك من جهة أنه ذكر هشاما مع أصحاب القصر في البيت الثاني ولم يذكر الدوري معهم فكان مع المسكوت عنهم وهم أصحاب الصلة ويجوز في قوله القصر الرفع على الابتداء والنصب بفعل مضمر والنوفل الكثير العطاء يقال رجل نوفل أي كثير النوافل والنفل الزيادة.
توضيح: قوله: يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]، القراء فيه على خمس مراتب، منهم من له الإسكان فقط وهو السوسي ومنهم من له الوجهان الإسكان واختلاس الضمة وهو هشام ومنهم من له وجهان أيضا الإسكان وصلة الضمة بواو وهو الدوري ومنهم من له اختلاس الضمة فقط وهم حمزة ونافع وعاصم ومنهم من له صلة الهاء بواو فقط وهم الباقون قوله والزلزال اسم لسورة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: ١] أمر إسكان الهاء في الموضعين في قوله خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] وشَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٨]، للمشار إليه باللام من قوله ليسهلا وهو هشام وعلم أن قراءة الباقين بتحريك الهاء بالضم وصلتها بواو مما تقرر في أصل الباب من أن هاء الضمير إذا وقعت بين متحركين فإن حكمها الصلة والألف من قوله ليسهلا للتثنية أي ليسهل الحرفان بالإسكان وقوله بها بسورة الزلزال احترز من الذي في سورة البلد وهو قوله: يَرَهُ أَحَدٌ [البلد: ٧].
стр. 46
وعى نفر أرجئه بالهمز ساكنا ... وفي الهاء ضمّ لفّ دعواه حرملا
وأسكن نصيرا فاز واكسر لغيرهم ... وصلها جوادا دون ريب لتوصلا
أخبر ﵁ أن المشار إليهم بنفر وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر حفظوا أرجئه بالهمزة الساكن في الموضعين بالأعراف والشعراء فتعين للباقين ترك الهمز فيهما ومعنى وعى أي حفظ وليست العين من وعى برمز لأن الواو أصلية فصارت العين متوسطة والرمز الحرفي لا يكون إلا في أول الكلم ثم انتقل إلى الكلام في الهاء فقال وفي الهاء ضم أخبر أن المشار إليهم باللام والدال والحاء في قوله لف دعواه حرملا يضمونها وهم هشام وابن كثير وأبو عمرو ثم أمر بإسكانها للمشار إليهما بالنون والفاء من قوله نصيرا فأزوهما
عاصم وحمزة ثم قال واكسر لغيرهم أمر بكسرها لغير الذين ضموا الذين سكنوا وهم نافع والكسائي وابن ذكوان ثم أمر بالصلة للمشار إليهم بالجيم والدال والراء واللام من قوله جواد دون ريب لتوصلا وهم ورش وابن كثير والكسائي وهشام.
توضيح: أرجئه فيها ست قراءات الأولى لقالون أرجه بترك الهمز لأنه ليس من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبالقصر لأنه لم يذكره في أصحاب الصلة الثانية لورش والكسائي مثل قراءة قالون إلا أنهما يصلان الهاء بياء لأنه ذكرهما في أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجه الثالثة لابن كثير وهشام وذلك أنهما قرآ أرجئهو بالهمز لأنهما من نفر وبضم الهاء وصلتها بواو لأنه يذكرهما مع أصحاب الصلة الرابعة لأبي عمرو وذلك أنه قرأ مثل ابن كثير وهشام إلا أنه لم يصل الهاء لأنه لم يذكره مع أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجئه الخامسة لابن ذكوان وذلك أنه قرأ أرجئه بالهمز لأنه من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبترك الصلة لأنه لم يذكره مع أصحابها السادسة لعاصم وحمزة قرءا أرجه بترك الهمز لأنهما ليسا من نفر وبإسكان الهاء لأنه نص لهما على ذلك والهاء في قوله دعواه للضم، والحرمل نبت معروف، والجواد الفرس الجيد والرجل السخي والريب: الشك.
باب المد والقصر
المد في هذا الباب عبارة عن زيادة المد في حروف المد لأجل همز أو ساكن والقصر ترك تلك الزيادة أي باب زيادة المد على الأصل وحذفها وقدم المد على القصر وإن كان فرعا لعقد الباب له والمد طول زمان الصوت والقصر الأصل لعدم توقفه على سبب بخلاف المد وأصل القصر الحبس ومنه حُورٌ مَقْصُوراتٌ [الرحمن: ٧٢]، أي محبوسات وللمد عشرة ألقاب مد الحجز ومد العدل ومد التمكين ومد الفصل ومد الروم ومد الفرق ومد البنية ومد المبالغة ومد البدل ومد الأصل فأما مد الحجز فإنه يحجز بين الساكنين والمتحرك نحو الضالين ودابة وأما مد العدل فإنه سمي بذلك لاعتدال النطق بالهمز نحو آأنذرتهم على قراءة من يمد بين الهمزتين وأما مد التمكين فإنه يمكن الكلمة عن الاضطراب نحو أولئك وبابه وأما مد الفصل فإنه يفصل بين الكلمتين نحو بما أنزل وأما مد الروم فإنه يروم بالمد الهمز نحوها أنتم وأما مد الفرق فإنه يفرق بين الاستفهام وغيره ولا زيادة عليها نحو آلذكرين الآن وأما مد البنية نحو دعاء ونداء فإن الكلمة بنيت على المد دون القصر وأما مد المبالغة فللتعظيم نحو لا إله إلا الله وأما مد البدل فإنه نحو آمن وآزر وآدم لأن المد بدل من الهمزة الثانية وأما مد الأصل فنحو جاء وشاء لأن الهمزة والمد من أصل الكلمة.
стр. 47
إذا ألف أو ياؤها بعد كسرة ... أو الواو عن ضمّ لقي الهمز طوّلا
ذكر ﵀ حروف المد الثلاثة فقال إذا ألف ولم يقيد ما قبلها بشيء لأنها ساكنة حتما مفتوح ما قبلها لزوما ثم قال أو ياؤها بعد كسرة فقيد الياء بكسر ما قبلها لأنه يجوز أن يقع قبلها فتحة نحو هيئة وشيء والضمير في قوله ياؤها يعود على الألف ثم قال أو الواو عن ضم فقيد الواو بأن تكون قبلها ضمة لأنه يجوز أن يكون قبلها فتحة نحو سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١]، فالألف لا تزال حرف مد لأن ما قبلها لا يكون إلا من جنس حركتها والواو والياء لهما شرطان أحدهما السكون والثاني أن تكون حركة ما قبلهما من جنسهما فيكون قبل الياء
كسرة وقبل الواو ضمة فحينئذ يكونان حرفي مد ولين وسواء في ذلك حرف المد المرسوم في المصحف والذي لم يرسم له صورة نحوها أنتم ويا آدم ولم يرسم في كل كلمة سوى ألف واحد وهي صورة الهمز وألف هاويا محذوفة نحو صلة هذه الكناية وميم الجمع نحو قوله تعالى به أن يوصل وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: ٧٨]، يجري الأمر فيه كغيره من المد والقصر على ما تقتضيه مذاهب القراء ثم قال لقي الهمز أي استقبله ثم قال طولا أي مد لأن المد
стр. 48
إطالة الصوت بالحرف الممدود أي إذا لقي الألف أو الياء الساكنة المكسور ما قبلها أو الواو الساكنة المضموم ما قبلها همزة مخففة من كلمة حرف المد زيد مد حرف المد على ما فيه من المد الطبيعي للسبعة وعلم أن كلامه في هذا البيت على المد المتصل من قوله بعد فإن ينفصل ولم يخص أحدا من القراء فحمل على العموم وسمي هذا النوع من المد المتصل لاتصال الهمزة بكلمة حرف المد وله محل اتفاق ومحل اختلاف فمحل الاتفاق هو أن السبعة الأشياخ اتفقوا على المد قبل الهمز ومحل الخلاف هو تفاوت الزيادة في المراتب ونصوص النقلة فيها مختلفة وعبارة بعضهم توهم التسوية وأما عبارة الناظم ﵁ فمطلقة تحتمل التفاوت والتسوية وقال السخاوي عنه أي عن الشاطبي ﵀ إنه كان يروى في هذا النوع مرتبتين طولى لورش وحمزة ووسطى للباقين ويعلل عدوله عن المراتب الأربع التي ذكرها صاحب التيسير وغيره بأنها لا تتحقق ولا يمكن الإتيان بها في كل مرة على قدر السابقة وقال صاحب النكت لم يتعرض في القصيد لذكر التفاضل في المد فكان رأيه يعني الناظم أنه يمد في المتصل مدتين طولى لورش وحمزة ووسطى لمن بقي وفي المنفصل أن يمد لورش وحمزة مدة طولى ويمد لقالون والدوري على رواية من يروي لهما المد وابن عامر والكسائي
стр. 49
وعاصم مدة وسطى ويقصر لابن كثير والسوسي بلا خلاف ولقالون والدوري في رواية من يروى لهما القصر وقيل الأولى لمن قرأ من هذه القصيدة أن يسلك طريقة الناظم ﵀ ولعله استأثر بنقله. قلت وكذلك قرأت على الشيخ علاء الدين ﵀ ثم ذكر المنفصل فقال:
فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا ... بخلفهما يرويك درّا ومخضلا
أي فإن ينفصل حرف المد واللين من الهمز مثل أن يكون حرف المد آخر كلمة والهمز أول الكلمة الأخرى فالقصر بادره أي سارع إليه، أمر بمبادرة القصر للمشار إليهما بالباء والطاء من قوله بادرة طالبا وهما قالون والدوري عن أبي عمرو ثم قال بخلفهما أي بخلاف عنهما أي بوجهين القصر والمد وأشار بالياء والدال من قوله يرويك درّا إلى السوسي وابن كثير يعني أنهما قرآ بالقصر بلا خلاف فتعين للباقين المد لا غير، وتفاضل المد في هذا الضرب أيضا على حسب ما ذكر عن الناظم من كونه على مرتبتين ولم يذكر صاحب التيسير القصر عن الدوري فهو من زيادات القصيد وحدّ القصر أن يقتصر على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزة وإنما أمر
стр. 50
بمبادرة القصر لأصالته ولأن المد
فرعه وإذا قرأ القارئ على المقرئ نحو قراءة قالون والدوري عن أبي عمرو فالأولى أن يقدم القصر ثم يأتي بالمد بعده لسهولته لا سيما في جمع الروايات لأن القارئ يبقى كالذي يترقى درجة درجة فيستعين بذلك على تحرير مقادير المدود وبعض أهل الأداء لم يذكروا في تصانيفهم عن أبي عمرو وقالون إلا القصر في المنفصل ولعل الناظم أشار إلى هذا المعنى حيث قال فالقصر بادره ويجوز في قوله فالقصر الرفع والنصب والنصب أجود والدر اللبن والمخضل النبات الناعم، كل هذا ثناء على القصر ثم ذكر أمثلة المتصل والمنفصل فقال:
كجيء وعن سوء وشاء اتّصاله ... ومفصوله في أمّها أمره إلى
مثال الياء وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ [الفجر: ٢٣]، ومثله سِيءَ بِهِمْ [العنكبوت: ٣٣]، [هود: ٧٧] ومثال الواو وتَعْفُوا عَنْ سُوءٍ [النساء: ١٤٩] ومثله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:
٢٢٨]، ومثال الألف شاء الله ومثله جاء فهذه أمثلة المتصل ونبه عليه بقوله اتصاله أي اتصال حرف المد بالهمز في كلمة واحدة وقوله ومفصوله أي أمثلة المنفصل في أمها رسولا هذا مثال الياء ومثله أولى أجنحة ومثال الواو أمره إلى الله، ونبه بهذا المثال على أن واو الصلة التي لا ترسم في المصحف كغيرها في الحكم
стр. 51
مما رسم في المصحف نحو قالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤] وضاق عليه تمثيل الألف من القرآن فلم يساعده النظم ولكنه حاصل من قوله أمها أمره ومثاله في القرآن لا إله إلا الله وَلا أُشْرِكُ بِهِ [الجن: ٢٠]، ولا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [الكافرون: ٢] والهاء في اتصاله ومفصوله لحرف المد، ولما فرغ من حرف المد الواقع قبل الهمزة انتقل إلى حرف المد الواقع بعدها فقال:
وما بعد همز ثابت أو مغيّر ... فقصر وقد يروى لورش مطوّلا
ووسّطه قوم كآمن هؤلا ... ء آلهة آتى للإيمام مثّلا
أي والذي وقع من حروف المد بعد همز ثابت، يعني بالثابت الباقي لفظه وصورته ثم قال أو مغير ويعني بالمغير ما لحقه نقل أو تسهيل أو بدل على ما نبينه ثم قال فقصر أي بالقصر لجميع القراء ورش وغيره ثم قال وقد يروى لورش مطولا أي ممدودا مدا طويلا قياسا على ما إذا تقدم حرف المد واللين على الهمز ثم قال ووسطه قوم أي
جماعة من أهل الأداء رووا عن ورش مدا متوسطا وذكروه في كتبهم فيكون المد في هذا النوع أقل منه فيما إذا تقدم حرف المد واللين على الهمز
стр. 52
لظهور الفارق بينهما ولم يذكر في التيسير غير هذا حيث قال زيادة متوسطة فالطويل والقصير من زيادات القصيدة فصار لورش ثلاثة أوجه في هذا النوع القصر كسائر القراء والمد المتوسط والمد المطول، وأما القاف من قوله قوم فليست برمز بخلاف حمى صفوه قوم ثم مثل لما فيه هذه الأوجه بأربعة أمثلة اثنان فيهما الهمز ثابت وهما آمن وآتى الذي بعد همزه ألف واثنان فيهما الهمز مغير أحدهما لو كان هؤلاء آلهة فقرأ ورش بإبدال همزة آلهة ياء في الوصل وبعدها ألف فهي حرف مد بعد همز
مغير والثاني للإيمان بنقل حركة همزة إيمان إلى اللام فالياء من إيمان حرف مد بعد همز مغير ونحو جاء آل يسهله ورش بين بين فالألف من آل حرف مد بعد همز مغير، ومثال ما بعده واو أوحى والمنقول الحركة نحو قل أوحى من آمن، ومثال ما بعده ياء إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠] وإيلافهم ثم إن بعض القائلين بالوجوه الثلاثة لورش استثنوا له مواضع فلم يمدوها ذكرها الناظم ﵀ فقال:
سوى ياء إسرائيل أو بعد ساكن ... صحيح كقرآن ومسئولا اسألا
стр. 53
ياء إسرائيل وما عطف عليه مستثنى من حرف المد المعبر عنه بلفظ ما الواقعة في البيت المتقدم وتقديره الكلام وما وقع من حروف المد بعد همز ثابت أو مغير فلورش فيه ثلاثة أوجه سوى يا إسرائيل فإنه لم يمده حيث وقع ثم قال أو بعد ساكن يعني واستثنوا من ذلك ما وقع من حروف المد واللين بعد همز وذلك الهمز وقع بعد ساكن صحيح نحو القرآن وقرآن ومسئولا ومذءوما فقصروه ولم يمدوه واحترز بقوله صحيح من حروف العلة نحو جاءوا والموءودة وسوآت والنبئين فإن المد في هذا كله منصوص عليه وقوله اسألا فعل أمر أي اسأل عن علة استثنائه فإن قيل ما الحكم في وجاءوا أباهم هل يمد على الواو لأجل همزة جاءوا وتجري فيها الأوجه الثلاثة أو يمد مدة واحدة لأجل همزة أباهم فقيل يمد مدتين مدة على الألف قبل همزة جاءوا وهي من المتصل ومدة على الواو لأجل همزة أباهم وهي من المنفصل وكذلك يفعل في كل ما يأتي مثله واتفقوا على منع المد في الألف المبدلة من التنوين بعد الهمزة نحو ماء وملجأ وعشاء ثم ذكر بقية المستثنى فقال:
стр. 54
وما بعد همز الوصل ايت وبعضهم ... يؤاخذكم الآن مستفهما تلا
وعادا الأولى وابن غلبون طاهر ... بقصر جميع الباب قال وقوّلا
أي واستثنوا أيضا الذي وقع من حروف المد واللين بعد همزة الوصل فقصروه ونحو آيت بقرآن ائذن لي أو تمن أمانته فإذا ابتدأنا بهذه الكلمات وقع حرف المد الذي هو بدل عن فاء الكلمة التي أصلها همزة في جميع المواضع بعد همزة الوصل لأنك إذا ابتدأت وأتيت بهمزة الوصل اجتمع همزتان همزة الوصل مع الهمزة التي هي فاء الكلمة فأبدلت فاء الكلمة من جنس حركة همزة الوصل فلا يوجد حرف المد إلا إذا ابتدئ بالكلمة فإن وصلت الكلمة بما قبلها سقطت الهمزة وبقيت فاء الكلمة همزة ساكنة على حالها فهذا آخر ما استثنى بعد همز ثابت وهو آخر باب المد والقصر في التيسير وزاد الناظم ما استثنى من هذا النوع بعد همز مغير فقال: وبعضهم يؤاخذكم الآن مستفهما تلا وعادا الأولى، يعني وبعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنوا له مواضع أخر لم يجروا فيها الأوجه الثلاثة بل قصروا له فيها فتعين أن البعض الآخر لم يستثن هذه المواضع فيقرأ
стр. 55
له فيها بوجه واحد بالنظر إلى من استثناها وبالأوجه الثلاثة بالنظر إلى البعض الذي لم يستثنها: الموضع الأول أعني لفظ
يؤاخذكم حيث وقع وكيفما تصرف نحو قوله تعالى: لا تُؤاخِذْنا [البقرة: ٢٦٨] ولا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٢٥]، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ [النحل: ٦١]. الموضع الثاني لفظ آلآن المستفهم بها وهي في موضعين بيونس آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ [يونس: ٥١]، وآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس: ٩١]، أو خرج بقيد الاستفهام الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة: ٧١] والْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف: ٥١]، ونحوه فإنه على أصله، والمراد من آلآن الألف الأخيرة فإن الأولى ليست من هذا الأصل لأن مدها للساكن المقدر أو للهمز. الموضع الثالث عاداً الْأُولى [النجم: ٥] قيد الأولى بعادا احترازا من الأولى إذا لم يصاحبها عادا نحو سِيرَتَهَا الْأُولى [طه: ٢١]، فإنها ممدودة على أصله أي وبعضهم تلا يؤاخذكم والآن والأولى بالقصر لا غير، وقوله: وابن غلبون طاهر. وهو أبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون الحلبي نزل بمصر ومات بها ودفن بالبقعة من القرافة وقبره يزار إلى الآن، قال بقصر جميع الباب أي باب المد المتأخر عن الهمز وهو من قوله وما بعد همز ثابت أو مغير إلى هنا وقول الناظم بقصر متعلق بقال بعده يعني أن ابن غلبون قال بالقصر وقول لورش بذلك أي جعله هو المذهب له وما سواه غلطا وقرر ذلك في كتاب التذكرة وإنما اعتمد على رواية للبغداديين فأما المصريون فإنهم رووا التمكين عن ورش.
стр. 56
ولما تم الكلام في المد للهمز انتقل إلى الكلام على المد للساكن فقال:
وعن كلّهم بالمدّ ما قبل ساكن ... وعند سكون الوقف وجهان أصلا
الساكن ينقسم إلى قسمين: لازم وعارض وقدم الكلام على اللازم فقال: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن. وذلك نحو «الضالين، والطامة، ودابة، وحاجة قومه وآلذكرين، وآلله خير»، ونحو ذلك مما هو واجب الإدغام أخبر أن جميع ذلك ممدود مدا مشبعا عن القراء كلهم ثم ذكر القسم الثاني للجميع وهو العارض فقال وعند سكون الوقف وجهان يعني إذا كان الساكن بعد حرف المد واللين إنما سكنه للوقف وقد كان محركا في الوصل فسكونه عارض وذلك نحو «الرحيم، والعالمين، ويوم الدين، ونستعين، والضالين، ويؤمنون، وينفقون، ومتاب، وعقاب» فإذا وقف على جميع ذلك بالسكون مصاحبا للاشمام حيث يسوغ أو خاليا منه كان فيه لجميع القراء وجهان المد الطويل والمد المتوسط ولم يصرح بهما الناظم لشهرتهما فإذا وقف بالروم فالحكم القصر لا غير لعدم موجب المد وهو السكون لأن الروم هو الإتيان ببعض الحركة وأشار بقوله أصلا إلى وجه ثالث لم يؤصل: أي لم يكن أصلا وهو الاقتصار على ما في حرف المد من المد يعني القصر وهو رأي جماعة يعني أن جماعة من المتأخرين قالوا إن التقاء الساكنين يفتقر في الوقف. واعلم أنه لا فرق في حرف المد واللين بين أن يكون مرسوما نحو قال أو غير مرسوم نحو الرحمن أو كان بدلا من همزة نحو الذيب.
стр. 57
توضيح: إذا وقفت على نحو «العالمين، والضالين، وينفقون»، ففيه لكل القراء ثلاثة أوجه القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد وليس فيه روم ولا إشمام وإذا وقفت على نحو يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] وحَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣] وفَارْهَبُونِ ففيه لكل القراء أربعة أوجه: القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد كما تقدم في نحو العالمين. والرابع الروم مع القصر وإذا وقفت على نحو نَسْتَعِينُ وإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠]، ففيه سبعة أوجه القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد وهذه الثلاثة أيضا مع الإشمام والسابع الروم ولا يكون إلا مع القصر خلافا لابن شريح فتأمل هذه المسائل وقس عليها نظائرها في جميع القرآن.
فصل: ويجوز المد للساكن المدغم الواقع بعد حرف المد نحو قراءة البزي وَلا تَيَمَّمُوا [البقرة: ٢٦٧] ولا تَعاوَنُوا [المائدة: ٢]، ونحو قراءة أبي عمرو بالإدغام نحو قوله تعالى: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [البقرة: ٤٩]، [الأعراف: ١٤١]، [إبراهيم: ٦]، وفيه هدى، وقال لهم والْأَبْرارَ لَفِي [الانفطار: ١٣]، ومَنْ يَقُولُ رَبَّنا [البقرة: ٢٠٠]، وكذلك يجوز المد للساكن غير المدغم نحو الآن موضعين بيونس وكذلك اللاي ومحياي في قراءة من سكن الياء.
стр. 58
ومدّ له عند الفواتح مشبعا ... وفي عين الوجهان والطّول فضّلا
وفي نحو طه القصر إذ ليس ساكن ... وما في ألف من حرف مدّ فيمطلا
قوله ومد فعل أمر وفي داله الحركات الثلاث والرواية الفتح أي ومد للساكن لأن كلامه في البيت السابق فيما يمد قبل الساكن فكأنه قال ومد لأجل الساكن أيضا في موضع آخر وهو فواتح السور نحو الم والمص وكهيعص ونحو ذلك وقوله عند الفواتح أي فيها فكأنه قال إذا وجدت في هذه الفواتح حرف مد ولين لقي ساكنا فأشبع المد لأجل الساكن وذلك لجميع القراء كمد طامة ودابة بخلاف المد لسكون الوقف، واعلم أن الحروف التي تمد لأجل الساكن سبعة أحرف لام كاف صاد قاف سين ميم نون وقوله: مشبعا أي مدا مشبعا أي طويلا ومشبعا بكسر الباء الرواية ويجوز فتحها وقوله وفي عين الوجهان يعني أن في عين من حروف الفواتح وذلك في كهيعص وحم عسق وفي قوله الوجهان إشارة إلى إشباع المد وهو المراد بالطول وإلى عدم الإشباع وهو التوسط ثم قال والطول فضلا يعني الإشباع أفضل من التوسط وهذان الوجهان لجميع القراء وقوله وفي نحو طه القصر يعني أن كل ما كان من حروف الهجاء على حرفين فإنه يجب فيه القصر وذلك خمسة أحرف الطاء والهاء والراء والياء والحاء ثم قال إذ ليس ساكن يعني ليس فيه ساكن فيمد حرف المد لأجله ثم قال وما في ألف من حرف مد يعني أن الألف على ثلاثة أحرف وليس الأوسط حرف مد ولين وإنما هو لام مكسورة بعدها فاء ساكنة وقوله فيمطلا أي فيمد فكل ممطول ممدود ومنه
اشتقاق المطل بالدين لأنه مد في المدة:
توضيح: قد تحرر من هذين البيتين أن حروف الفواتح على أربعة أقسام:
القسم الأول: ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ولين نحو لام ميم نون فهو ممدود بلا خلاف.
القسم الثاني: ما كان على ثلاثة أحرف وليس فيه حرف مد ولين وهو الألف فهو مقصور بلا خلاف.
القسم الثالث: ما كان على ثلاثة أحرف أيضا وأوسطها حرف لين لا حرف مد وهو عين ففيه الوجهان.
القسم الرابع: ما كان على حرفين نحو راويا وطا فهو مقصور بلا خلاف.
وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة ... بكلمة أو واو فوجهان جمّلا
بطول وقصر وصل ورش ووقفه ... وعند سكون الوقف للكلّ أعملا
وعنهم سقوط المدّ فيه وورشهم ... يوافقهم في حيث لا همز مدخلا
تكلم فيما تقدم في حروف المد واللين وهو الآن يتكلم في حرفي اللين وهما الياء الساكنة
стр. 59
المفتوح ما قبلها والواو الساكنة المفتوح ما قبلها وقسمهما أيضا إلى ما يقع المد فيه مجاور الهمزة وإلى ما يقع مجاور السكون فقال فيما يقع مجاور الهمزة وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة بكلمة وذلك نحو شيء وشيئا وكهيئة ولا تيأسوا ثم قال أو واو وذلك نحو ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح: ٦] وسَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١] وسوآت، وقوله بكلمة احتراز من أن يكون حرف اللين في كلمة والهمزة في كلمة أخرى نحو ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة:
٢٧] ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ [آل عمران: ١١٠]، لأن المد في هذا النوع لورش ومذهبه في هذا نقل حركة الهمزة ثم قال فوجهان بطول وقصر وصل ورش ووقفه يعني أن لورش في ذلك وجهين حسنين جيدين في الوصل والوقف والمراد بالوجهين المد المشبع والمتوسط وعبر عن المتوسط بالقصر لأنه قصر عن مقدار الطويل وليست جيم جملا رمزا لتصريحه بعدها بصاحبها. ثم انتقل إلى القسم الثاني وهو ما يقع فيه المد مجاورا للسكون فقال:
وعند سكون الوقف للكل أعملا أي أعمل الوجهان المذكوران للقراء كلهم وهما الطول والتوسط المعبر عنه بالقصر ثم حكى عنهم وجها ثالثا فقال وعنهم سقوط المد فيه وبتصريحه بسقوط المد في هذا الوجه الثالث يعلم أن المراد من القصر المذكور التوسط ثم أخبر أن ورشا يوافقهم في الأوجه الثلاثة فيما لم يكن آخره همزا فأما ما كان آخره همزا فإنه لا يوافقهم في سقوط المد فيه فحصل مما ذكر أن حرف اللين إذا وقع قبل الساكن العارض في الوقف فلا يخلو الساكن من أن يكون همزا أو غيره فإن كان همزا نحو شيء والشيء والسوء
فلورش فيه وجهان الطول والتوسط وسواء وقف بالسكون أو بالروم لأن مده فيه لأجل الهمز ولغير ورش الأوجه الثلاثة مع السكون والقصر مع الروم وإن كان غير
همز نحو الميت والموت فلورش وغيره الأوجه الثلاثة مع السكون والقصر مع الروم.
توضيح: إذا وقفت على شيء المرفوع لورش فله فيه ستة أوجه المد والمتوسط مع الإسكان المجرد وله الوجهان أيضا مع الإشمام وله الوجهان أيضا مع الروم لأن المعتبر عنده الهمز وإذا وقفت عليه لغير ورش ففيه سبعة أوجه كما تقدم في نحو نستعين وقدير إلا أن ورشا يوافقهم على القصر هنا لأنه غير مهموز فقد ظهر لك أن حرفي اللين وهو الياء والواو المفتوح ما قبلهما لا مد فيه إلا إذا كان بعده همزة أو ساكن عند من يرى ذلك فإن خلا من واحد منهما لم يجز مده فمن مد نحو عليهم وإليهم، وصلا أو وقفا فهو لاحن كما أن من مد نحو الصيف والبيت والموت وصلا فهو لاحن مخطئ وقد ذكر الداني هذا الأصل في البقرة فلم يذكر لورش إلا وجها واحدا عبر عنه بالتمكين وهو ظاهر في التوسط فوجه المد له من الزيادات ولم يذكر للباقين سوى القصر فوجه المد والتوسط لهم منها.
стр. 60
وفي واو سوآت خلاف لورشهم ... وعن كلّ الموءودة اقصر وموئلا
قوله: وفي واو سوآت احتراز من الألف التي فيها بعد الهمزة فإن فيها الأوجه الثلاثة:
لورش أي اختلف عن ورش في مد الواو من سَوْآتِهِما [الأعراف: ٢٠] وسوآتكم، وقصرها؛ فبعضهم نقل المد فيها وبعضهم نقل القصر فمن مد فله وجهان: المد الطويل المشبع والمد المتوسط على أصله في مد الواو إذا سكنت ولقيت الهمزة وانفتح ما قبلها نحو سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١]، ومن قصر ولم يمد فلأن أصل هذه الواو الحركة فحاصله أن في الواو ثلاثة أوجه وفي الألف ثلاثة أوجه وإن ضربت الثلاثة في مثلها صارت تسعة أوجه لورش ﵀ وقد قطع في التيسير بتمكين سوآت فوجه القصر من الزيادات وقوله وعن كل الموءودة أقصر وموئلا أمر ﵀ بقصر الواو من قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨]، وموئلا بالكهف لكل القراء فورش مخالف لأصله والباقون على أصولهم ومراده الواو الأولى من الموءودة لأن فيها واوين فأجمعوا على ترك المد في الأولى وأما الواو الثانية فيها ففيها الأوجه الثلاثة لورش ﵀ ورضي عنه.
باب الهمزتين من كلمة
أي باب حكم الهمزتين المعدودتين في كلمة واحدة. والهمزتان في هذا الباب على ثلاثة أنواع مفتوحتان أو مفتوحة بعدها مكسورة أو مضمومة فالهمزة الأولى لا تكون إلا مفتوحة وقدم الكلام على الهمزة الثانية فقال:
وتسهيل أخرى همزتين بكلمة ... سما وبذات الفتح خلف لتجملا
وقل ألفا عن أهل مصر تبدّلت ... لورش وفي بغداد يروى مسهّلا
أخبر ﵀ أن الهمزة الأخيرة من الأنواع الثلاثة تسهيلها بين بين للمشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو ثم قال: وبذات الفتح خلف أي بصاحبة الفتح أي في الهمزة الثانية المفتوحة خلاف يعني التسهيل بين بين والتحقيق للمشار إليه باللام من قوله لتجملا وهو هشام ونبه بقوله
стр. 61
لتجملا على ما حصل لها من المزية في قراءته باستعمال اللغتين والتحقيق له فيها من الزيادات ثم قال وقل ألفا عن أهل مصر تبدلت إلخ. يعني أن أصحاب ورش اختلفوا عنه في كيفية تغيير الهمزة الثانية ذات الفتح فمنهم من أبدالها ألفا وهم المصريون ومنهم من سهلها بين بين وهم البغداديون فتعين لباقي القراء تحقيق الهمزة الثانية كالأولى.
توضيح: قد عرف من هذين البيتين من له التحقيق والتغيير في الثانية وعرف من قوله بعد: ومدك قبل الفتح والكسر حجة بها لذ. أن قالون وأبا عمرو وهشاما يمدون بين الهمزتين وأن الباقين لا يفعلون ذلك وإذا اجتمع التحقيق والتغيير إلى المد بين الهمزتين وتركه كان القراء على مراتب فقالون وأبو عمرو يحققان الأولى ويسهلان الثانية ويمدان بينهما وابن كثير يسهل الثانية ولا يمد ويحقق الأولى إلا قنبلا في الأعراف والملك وورش له وجهان تحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا فإن كان بعدها ساكن طول المد لأجله نحو قوله
تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: ١٠]، وليس في القرآن متحرك بعد الهمزتين في كلمة سوى موضعين يا وَيْلَتى أَأَلِدُ [هود: ٧٢]، في سورة هود وأَ أَمِنْتُمْ مَنْ [الملك: ١٦]، الوجه الثاني تحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما لورش وهشام له وجهان تحقيق الأولى والثانية أيضا وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع المد في كليهما والكوفيون وابن ذكوان يحققون الأولى والثانية أيضا من غير مد بينهما وقوله: وفي بغداد، الرواية بإعجام الذال الثانية وإهمال الأولى وفيها ست لغات بدالين مهملتين وبإعجامهما وبإعجام الأولى وإهمال الثانية وعكسه وبنون بعد الألف مع إعجام الأولى وإهمالها.
ولما ذكر حكم تسهيل الهمزة الثانية من الأنواع الثلاثة على العموم أتبعه حكم ما تخصص وقدم التي في فصلت فقال:
وحقّقها في فصّلت صحبة ... ء أعجميّ والأولى أسقطنّ لتسهلا
بين ﵀ تحقيق الهمزة الثانية التي هي ذات الفتح وذلك بعد تحقيق الأولى من أأعجمي وعربي في سورة فصلت المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا بهمزتين محققتين ثم أمر بإسقاط الأولى للمشار إليه باللام في قوله لتسهلا وهو هشام وقوله في فصلت (احترز به)، من قوله تعالى: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ [النحل: ١٠٣]، بالنحل ولا يرد عليه وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا [فصلت: ٤٤]، لأنه منصوب وهذا لفظه في البيت مرفوع ولم يتعرض هنا للمد والقصر لبقاء من قرأ بهمزتين في ذلك على ما تقدم فنافع إذا
стр. 62
وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي يقرءونه كما يقرءون أأنذرتهم ونحوه وهشام يقرؤه بهمزة واحدة وابن ذكوان وحفص يسهلان الثانية ويقصران كما يفعل ابن كثير وورش في أحد وجهيه فمخالفة القاعدة حصلت من جهة ابن ذكوان وهشام وحفص ففيها خمس قراءات وقوله: لتسهل، أي ليسهل اللفظ بإسقاطها يقال: أسهل إذا ركب الطريق السهل.
وهمزة إذ هبتم في الأحقاف شفّعت ... بأخرى كما دامت وصالا موصلا
أخبر ﵀ أن الهمزة في أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ [الأحقاف: ٢٠] شفعت أي صارت شفعا بزيادة همزة أخرى قبلها للمشار إليهما بالكاف والدال في قوله: كما دامت، وهما ابن عامر وابن كثير فتعين للباقين القراءة بالوتر أي بهمزة واحدة وكل منهما على أصله فابن كثير يسهل الثانية من غير مد بين الهمزتين وابن عامر، يقرأ لصاحبيه كما يقرأ في أأنذرتهم ونحوه فيقرأ لهشام بالتحقيق والتسهيل كلاهما مع المد ويقرأ لابن ذكوان بالتحقيق والقصر ففيهما أربع قراءات وقوله: وصالا موصلا، أي منقولا يوصله بعض القراء إلى بعض.
وفي نون في أن كان شفّع حمزة ... وشعبة أيضا والدّمشقيّ مسهّلا
أخبر ﵀ أن حمزة وشعبة وابن عامر قرءوا في سورة ن والقلم أَنْ كانَ ذا مالٍ
وَبَنِينَ [القلم: ١٤]، بالتشفيع أي بزيادة همزة أخرى على همزة أن كان فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة وحمزة وشعبة فيه على ما تقدم لهما من القراءة بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما ونص الدمشقي وهو ابن عامر على القراءة بالتسهيل فتقرأ لابن ذكوان بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما وتقرأ لهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع المد بينهما ففيها أربع قراءات وقد خالف ابن ذكوان أصله في التحقيق وتركه لهشام.
وفي آل عمران عن ابن كثيرهم ... يشفّع أن يؤتى إلى ما تسهّلا
أخبر ﵀ أن ابن كثير قرأ بالتشفيع أي بزيادة همزة أخرى على همزة أن من قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣]، فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة وقد نص على التسهيل لابن كثير في قوله إلى ما تسهلا فابن كثير يقرأ بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما
стр. 63
وهذا المعنى مفهوم من قاعدته في الهمزتين ولكن الناظم تمم به البيت وقوله وفي آل عمران احترز به عن الذي بالمدثر أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢].
وطه وفي الأعراف والشّعرا بها ... ء آمنتم للكلّ ثالثا أبدلا
وحقّق ثان صحبة ولقنبل ... بإسقاطه الأولى بطه تقبّلا
وفي كلّها حفص وأبدل قنبل ... في الأعراف منها الواو والملك موصلا
قوله: بها أي بهذه السور الثلاث لفظ آمنتم وكان ينبغي أن يذكر أَآلِهَتُنا خَيْرٌ [الزخرف: ٥٨]، هاهنا لمناسبة أآمنتم في اجتماع ثلاث همزات في الأصل لكنه أخره إلى سورته تبعا للتيسير وأراد قوله تعالى في سورة طه (أآمنتم له)، وفي الأعراف (أآمنتم به)، وفي الشعراء قال (ء آمنتم له)، وأصل هذه الكلمة أأمن على وزن أفعل فالهمزة التي هي فاء الفعل ساكنة أبدلت ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها كما أبدلت في آدم وآزر ثم دخلت على الكلمة همزة الاستفهام فاجتمع ثلاث همزات فأخبر في البيت الأول أن الهمز الثالث الذي هو فاء الفعل أبدل للقراء كلهم ألفا ثم أخبر في البيت الثاني أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة حققوا الهمزة الثانية بعد تحقيق الأولى على أصولهم في تحقيق الهمزتين فتعين للباقين القراءة بالتسهيل بين بين إلا ما سنذكره عن قنبل وحفص، وقوله ولقنبل بإسقاطه الأولى بطه أخبر أن قنبلا أسقط الهمزة الأولى في سورة طه، وقوله: تقبلا أي قبل الإسقاط ثم قال وفي كلها حفص أخبر أن حفصا أسقط الهمزة الأولى في كلها أي في السور الثلاث ومن أبدل لورش الهمزة الثانية في نحو أأنذرتهم ألفا أبدلها أيضا هاهنا ألفا ثم حذفها لأجل الألف التي بعدها فتبقى قراءة ورش على هذا بوزن قراءة حفص بإسقاط الهمزة الأولى فلفظهما متحد ومأخذهما مختلف ولا تصير قراءة ورش كلفظ قراءة حفص إلا
إذا قصر ورش أما إذا قرأ بالتوسط وبالمد فيخالفه وقوله وأبدل قنبل في الأعراف منها الواو والملك أخبر أن قنبلا أبدل من الهمزة الأولى واوا في حال الوصل في سورة الأعراف وأنه فعل ذلك في وإليه النشور وأمنتم في سورة الملك وقوله موصلا بكسر الصاد حال من قنبل يعني أن قنبلا إذا وصل أبدلها واوا مفتوحة للضمة التي قبلها في فرعون والنشور وإذا ابتدأ حقق لزوال الضمة.
توضيح: اعلم أن في أأمنتم التي في الأعراف أربع قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين لنافع والبزي وأبو عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لحفص (ويوافقه ورش في اللفظ في أحد وجهيه إذا قرأ بالبدل).
القراءة الثالثة: بإبدال الهمزة الأولى واوا مفتوحة وتسهيل الثانية على أثرها لقنبل وحده.
القراءة الرابعة:
стр. 64
بتحقيق الهمزتين لحمزة والكسائي وشعبة.
وأما أأمنتم التي بطه ففيها ثلاث قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية لنافع والبزي وأبي عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لقنبل وحفص.
القراءة الثالثة: بتحقيق الهمزة الأولى والثانية لحمزة والكسائي وشعبة.
وأما أمنتم التي بالشعراء ففيها أيضا ثلاث قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لحفص (ويوافقه ورش في أحد وجهيه إذا قرأ بالبدل).
القراءة الثالثة: بتحقيق الأولى والثانية لحمزة والكسائي وشعبة.
وقد تقدم أن الجميع أبدلوا من الهمزة الثالثة ألفا في الأعراف وطه والشعراء. فإن قيل: قد تقدم أن مذهب ورش ﵀ في حرف المد الواقع بعد همز ثابت أو مغير المد والتوسط والقصر وهذا حرف مد بعد همز مغير أعني الألف المبدلة عن الهمزة الثالثة في لفظ
أأمنتم المجتمع فيه ثلاث همزات فهل يقرأ له بالأوجه الثلاثة أم لا. قيل: ظاهر كلام الناظم ﵀ اندراجه في القاعدة لأنه لم يستثنه فيما استثنى منها وأما أأمنتم التي في سورة الملك فليس فيها إلا همزتان فحكمها حكم أأنذرتهم وشبهه لأنها من باب اجتماع همزتين ففيها إذا ست قراءات:
القراءة الأولى: وتسهيل الثانية ومدة بينهما لأبي عمرو وقالون وهشام.
القراءة الثانية: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية على أثرها من غير مد بينهما لورش ويدخل معه البزي في هذا الوجه.
القراءة الثالثة: بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا لورش أيضا.
القراءة الرابعة: بإبدال الأولى واوا مفتوحة وتسهيل الثانية على أثرها من غير مد بينهما لقنبل وحده.
القراءة الخامسة: بتحقيق الأولى والثانية ومدة بينهما لهشام.
القراءة السادسة: بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما للكوفيين وابن ذكوان فتأمل ترشد إن شاء الله تعالى.
وإن همز وصل بين لام مسكّن ... وهمزة الاستفهام فامدده مبدلا
فللكلّ ذا أولى ويقصره الّذي ... يسهّل عن كلّ كالآن مثّلا
ولا مدّ بين الهمزتين هنا ولا ... بحيث ثلاث يتّفقن تنزّلا
انتقل إلى الكلام فيما دخلت فيه همزة الاستفهام على همزة الوصل الداخلة على لام التعريف وذلك ستة مواضع لسائر القراء وموضع سابع على قراءة أبي عمرو وحده فأما الستة التي لسائر القراء قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ [الأنعام: ١٤٣]، وآلآن موضعي يونس وآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: ٥٩]، بها أيضا وآلله خير أما يشركون بالنمل وأما الموضع الذي انفرد به أبو عمرو في قراءته فهو في يونس في قوله تعالى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ [يونس: ٨١]، وقوله: وإن همزة وصل أي وإن وقع همز وصل وقوله بين لام مسكن
стр. 65
وهمزة الاستفهام. أي بين لام التعريف الساكنة وهمزة الاستفهام وقوله فامدده مبدلا. أي فامدد الهمز في حال إبدالك إياه ألفا وأراد بالمد المذكور المد الطويل لأجل سكون لام التعريف وقوله: فللكل ذا أولى، أي فلكل السبعة هذا الوجه وهو وجه البدل أولى من وجه التسهيل بين الألف والهمزة الساكنة، وقوله: ويقصره، الذي يسهل عن كل أي ويقصر الهمزة من أخذ بالتسهيل عن كل السبعة وقوله الآن مثلا بواحدة من الكلم المذكورة وقوله: مثلا أي مثل ذلك وقوله ولا مد بين الهمزتين هنا يعني في هذا الذي سهلت فيه همزة الوصل الداخلة على لام التعريف في
المواضع المذكورة. ثم قال: ولا بحيث ثلاث يتفقن تنزلا يعني ولا مد أيضا في موضع يتفق فيه اجتماع ثلاث همزات وهو: أآمنتم وأ آلهتنا بالزخرف أي لا مد في النوعين المذكورين لمن مذهبه المد بين الهمزتين نحو أآنذرتهم وهم قالون وأبو عمرو وهشام كما سيأتي، ومعنى تنزلا أي اتفق نزولهن:
وأضرب جمع الهمزتين ثلاثة ... ء أنذرتهم أم لم أءنّا أءنزلا
أخبر أن اجتماع الهمزتين من كلمة واحدة يأتي في القرآن على ثلاثة أضرب مفتوحتان ومفتوحة بعدها مكسورة ومفتوحة بعدها مضمومة وقد بينها بالأمثلة بقوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: ١٠]، مثال المفتوحتين ونحوه أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ [البقرة: ١٤٠]، أَأَسْلَمْتُمْ [آل عمران: ٢٠]، أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود: ٧٢]، وقوله: أم لم تتمة لقوله تعالى أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: ١٠] احتاج إليه لوزن البيت، وقوله: أَإِنَّا، مثال المفتوحة وبعدها مكسور نحو أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا [الصافات: ٣٦] أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الأنعام: ١٩] أَئِمَّةً يَهْدُونَ [الأنبياء: ٧٣] وقوله: أَأُنْزِلَ [آل عمران: ٢٠] مثال الهمزة المفتوحة وبعدها مضمومة وذلك ثلاث مواضع. قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ [آل عمران: ١٥]، بآل عمران أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ [٨] بص، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ [القمر: ٢٥]، والرابع على قراءة نافع أَشَهِدُوا [الزخرف: ١٩] بالزخرف، ذكر ذلك توطئة لقوله:
ومدّك قبل الفتح والكسر حجّة ... بها لذ وقبل الكسر خلف له ولا
أخبر ﵁ أن المد قبل الفتح والكسر أي قبل الهمزة الثانية ذات الفتح أي المفتوحة وذات الكسر أي المكسورة للمشار إليهم بالحاء والباء واللام في قوله حجة بها لذ وهم أبو عمرو وقالون وهشام أي يمدون بين الهمزة الثانية والأولى وهذا المد لا يكون إلا بقدر الألف وتعين للباقين ترك المد وقوله بها لذ أي لجأ إليها وتمسك بها وقوله وقبل الكسر خلف له أخبر ﵀ أن في المد قبل الهمزة الثانية ذات الكسر أي المكسورة خلافا يعني المد وتركه للمشار إليه باللام في له وهو هشام والولا مصدر ولي يلي ولاء فهو ولي، والولي الناصر.
وفي سبعة لا خلف عنه بمريم ... وفي حرفي الأعراف والشّعرا العلا
أءنّك إفكا معا فوق صادها ... وفي فصّلت حرف وبالخلف سهّلا
أخبر ﵀ أن هشاما يمد في سبعة مواضع بين الهمزتين بلا خلاف عنه وقد ذكرها معينة
стр. 66
فقال بمريم يعني أَإِذا ما مِتُّ [مريم: ٦٦]، وفي حرفي الأعراف يعني أئنكم لتأتون، آئن لنا لأجرا والشعراء آئن لنا لأجرا وقوله العلا جمع صفة السور أي المتقدمة في الترتيب والنظم على ما في قوله أئنك إفكا معا فوق صادها يعني آئنك لمن المصدقين، آئفكا آلهة الموضعان في السورة التي فوق صادها. يعني والصافات، ثم قال وفي فصلت حرف
يعني آئنكم لتكفرون ثم قال وبالخلف سهلا أي جاء عن هشام في حرف فصلت وجهان أحدهما التسهيل ولم يذكر في التيسير غيره والثاني التحقيق وهو من زيادات القصيد. واعلم أن هشاما لم يسهل من المكسورة بعد المفتوحة غير حرف فصلت.
توضيح: قد تقدم في أول الباب أن نافعا ﵁ وابن كثير وأبا عمرو يسهلون الثانية من هذا النوع أيضا فتعين للباقين التحقيق وإذا اجتمع التحقيق والتسهيل إلى المد بين الهمزتين وتركه كان القراء على مراتب. منهم من يسهل الثانية ويمد ما قبلها قولا واحدا وهما قالون وأبو عمرو، ومنهم من يسهل الثانية ولا يمد ما قبلها قولا واحدا وهما ورش وابن كثير، ومنهم من يحققها ولا يمد قبلها قولا واحدا وهم الكوفيون وابن ذكوان، ومنهم من يفرق بين المواضع فيقرأ ما عدا السبعة المذكورة بالمد وتركه كلاهما مع التحقيق ويقرأ في حرف فصلت بالتحقيق والتسهيل كلاهما مع إدخال المد ويقرأ في الستة المذكورة قبله في هذين البيتين بالتحقيق والمد فقط وهو هشام ثم أفرده فقال:
وآئمّة بالخلف قد مدّ وحده ... وسهّل سما وصفا وفي النّجو أبدلا
أخبر ﵀ أن هشاما انفرد بالمد بين الهمزتين في لفظ أئمة حيث وقع بخلاف عنه في ذلك فتعين للباقين ترك المد وأئمة لا يتزن به البيت إلا على قراءة هشام والهاء في وحده ضمير هشام، وقوله وسهل سما وصفا أمر بتسهيل الهمزة الثانية للمشار إليهما بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين التحقيق ونبه بسموّ وصف التسهيل على حسنه واشتهاره، وقوله وفي النحو أبدلا إخبار بمذهب بعض النحويين في هذه الهمزة فإنهم يبدلونها ياء نص على ذلك أبو علي في الحجة والزمخشري في مفصله ووافقهم بعض القراء وقرءوا بياء مكسورة ونصوا عليه في كتبهم واختار الزمخشري مذهب القراء ونص عليه في تفسيره فحصل من الكتابين مجموع الأمرين وقال الداني بهمزة وياء مختلسة الكسر. قلت يريد التسهيل وأما البدل فمن الزيادات.
توضيح: اعلم أن في لفظ أئمة أربع قراءات لنافع وابن كثير وأبي عمرو وقراءتان التسهيل والبدل من غير مد ولهشام وجهان تحقيق الهمزتين مع المد بينهما وتركه، وللكوفيين وابن ذكوان تحقيق الهمزتين من غير مد بينهما كأحد وجهي هشام.
ومدّك قبل الضّمّ لبّى حبيبه ... بخلفهما برّا وجاء ليفصلا
وفي آل عمران رووا لهشامهم ... كحفص وفي الباقي كقالون واعتلا
لما فرغ ﵀ من الهمزة المفتوحة والمكسورة شرع يذكر المضمومة وقد تقدم أنها في قوله
стр. 67
تعالى: أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ وأَ أُنْزِلَ وأَ أُلْقِيَ، فأخبر أن المد بين الهمزتين في هذا النوع للمشار إليهما باللام والحاء في قوله لبى حبيبه وهما هشام وأبو عمرو
بخلاف عنهما وللمشار إليه بالباء في قوله برا وهو قالون المد بلا خلاف فتعين للباقين القصر ومعنى لبى حبيبه برا وجاء، يعني أن القارئ المتصف بالبر لما أحب المد دعاه فلباه وجاء ليفصل بين الهمزتين، والبر والبار بمعنى واحد وهو ضدّ العاق المخالف، وقوله وفي آل عمران رووا لهشامهم كحفص أخبر أن هشاما قرأ أقل أؤنبئكم بآل عمران كقراءة حفص، وقد علم أن مذهب حفص يحقق الهمزتين من غير مد بينهما لأن مراده بحفص حفص عاصم وقوله وفي الباقي أي وفي باقي الثلاثة وهو أأنزل عليه في ص وأ ألقى بالقمر كقالون أي قرأهما هشام كقالون وقد علم أن مذهب قالون المد بين الهمزتين مع تسهيل الثانية منهما، وقوله واعتلا أي على هذا الوجه الثالث يعني التفصيل.
توضيح: اعلم أن الرواة اختلفوا عن هشام فمنهم من نقل عنه المد في المواضع الثلاثة بغير خلاف مع تحقيق الهمزتين ومنهم من نقل عنه في المواضع الثلاثة ترك المدّ بغير خلاف مع تحقيق الهمزتين وهذا الوجه من الزيادات فاتفق الناقلان على تحقيق الهمزتين لكن ما وقع عنهما الخلاف إلا في المد وأما الناقل الثالث الذي ذكره الناظم في البيت الثاني فإنه نقل عن هشام التفصيل في المواضع الثلاثة كما تقدم فحصل لهشام في آل عمران قراءتان تحقيق الهمزتين مع المد وتركه وله في ص والقمر ثلاث قراءات تحقيق الهمزتين مع المد وتركه أيضا من الناقلين الأولين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية والمد بينهما من هذا الناقل الثالث المفصل. وأما باقي القراء فهم في المواضع الثلاثة على مراتب منهم من حقق الأولى وسهل الثانية ومد بينهما قولا واحدا وهو قالون ومنهم من حقق الأولى وسهل الثانية من غير مد بينهما قولا واحدا وهما ورش وابن كثير ومنهم من حقق الأولى وسهل الثانية وله المد بينهما وتركه وهو أبو عمرو غير أن المد له في المواضع الثلاثة من الزيادات، ومنهم من له تحقيق الهمزتين من غير مد بينهما وهو الكوفيون وابن ذكوان.
باب الهمزتين من كلمتين
أي هذا باب حكم الهمزتين المجتمعتين في كلمتين وهما على ضربين متفقتين ومختلفتين فأما المتفقتان فعلى ثلاثة أنواع مفتوحتين ومكسورتين ومضمومتين، وأما المختلفتان فعلى خمسة أضرب كما سيأتي، وقدم ﵀ الكلام على المتفقتين فقال:
وأسقط الأولى في اتفاقهما معا ... إذا كانتا من كلمتين فتى العلا
وأسقط أي حذف الأولى أي الهمزة الأولى ولا يتزن البيت إلا بالنقل، وقوله: في اتفاقهما أي في الحركة مثل كونهما مفتوحتين أو مكسورتين أو مضمومتين وقوله معا شرط أن تكون الأولى
стр. 68
تلي الثانية لأن معا تدل على ذلك، وقوله: إذا كانتا أي إذا حصلتا من كلمتين أي حذف أبو عمرو بن العلاء الهمزة الأولى من همزتي القطع المتفقتين في الحركة إذا تلاصقتا بأن تكون الهمزة الأولى في آخر كلمة والهمزة الثانية في أول كلمة أخرى وليس بينهما حاجز فإن وقع بينهما حاجز فاتفق القراء كلهم على تحقيقهما نحو السوأى أن كذبوا [الروم: ١٠]، فمن غير همزة السوأى لأجل اجتماع الهمزتين فقد أخطأ وكذلك كل ما جاء من نحو هذا.
تنبيه: اعلم أن أهل الأداء عبروا عن قراءة أبي عمرو بإسقاط الهمزة. فمنهم من يرى أن الساقطة هي الأولى كالناظم ومنهم من يجعل الساقطة هي الثانية، ومن فوائد هذا الخلاف ما يظهر في نحو جاء أمرنا من حكم المد فإن قيل الساقطة هي الأولى كان المد فيه من قبيل المنفصل وإن قيل هي الثانية كان المد فيه من قبيل المتصل لا غير. ثم ذكر الأمثلة فقال:
كجاء أمرنا من السّما إن أوليا ... أولئك أنواع اتّفاق تجمّلا
كجاء أمرنا مثال المفتوحتين من السماء إن مثال المكسورتين أولياء أولئك مثال المضمومتين وليس في القرآن غيرهما وقوله أنواع اتفاق أي هذه الأمثلة فيها أنواع المتفقتين
من كلمتين وتجملا معناه تجمعا أو تحسن ولفظ بالأمثلة الثلاثة على قراءة أبي عمرو لأجل الوزن. واعلم أن الآتي في القرآن من المفتوحتين تسعة وعشرون موضعا وهي: السفهاء أموالكم في النساء أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ [المائدة: ٦] وجاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ [الأنعام: ٦١] وتِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ [الأعراف: ٤٧] وفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف:
٣٤] وفَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ [المؤمنون: ٢٧] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً [هود: ٥٨] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً [هود: ٦٦] وقَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ٧٦] وجاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا [هود: ٨٢] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً [هود: ٩٤] ولَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود:
١٠١]، سبعة في هود: جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٧١] وإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [يونس: ٤٩]، فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ [الحجر: ٦١]، وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ [الحجر: ٦٧]، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [النحل: ٦١]، السَّماءَ أَنْ تَقَعَ [الحج: ٨٢] وجاءَ أَمْرُنا وَفارَ [المؤمنون:
٢٧] وإِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ [المؤمنون: ٩٩] وإِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ [الفرقان:
٥٧] وإِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب: ٢٤] وفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [فاطر: ٤٥] وفَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ [غافر: ٧٨] وفَقَدْ جاءَ أَشْراطُها [محمد: ١٨] في القتال إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقون: ١١] وجاءَ آلَ فِرْعَوْنَ [القمر: ٤١] وجاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ [الحديد: ١٤] وشاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: ٢٢]، ومن المكسورتين خمسة عشر موضعا عند الجماعة وسبعة عشر عند ورش لزيادة وهبت نفسها للنبي إن ولا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا [الأحزاب: ٥٣]،
стр. 69
وستة عشر عند حمزة لزيادة من الشهداء أن تضل وهي بأسماء هؤلاء إن كنتم من النساء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] وإِلَّا ما مَلَكَتْ [النساء: ٢٤] ومِنْ وَراءِ إِسْحاقَ [هود: ٧١] ولَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: ٥٣] وما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا [الإسراء: ١٠٢] وعَلَى الْبِغاءِ [النور: ٣٣] إن من السماء إن كنت من السماء إلى الأرض: وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ [الأحزاب: ٥٥]، من النساء أن اتقين من السماء إن هؤلاء إياكم هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ص: ١٥] وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ [الزخرف:
٨٤]، وقد ذكرت هذه المواضع لئلا تلتبس على المبتدي بهمز الوصل نحو فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ [النبأ: ٣٩]، فالهمزة في شاء همزة قطع وألف اتخذ ألف وصل أسقط في الدرج ومثله: الْماءَ اهْتَزَّتْ [الحج: ٥]، فالهمزة في الماء همزة قطع وألف اهتزت ألف وصل والألف التي تصحب لام التعريف نحو جاءَ الْحَقُّ [الإسراء: ٨١]، فالهمزة في جاء همزة قطع وألف الحق ألف وصل.
وقالون والبزّيّ في الفتح وافقا ... وفي غيره كاليا وكالواو سهّلا
وبالسّوء إلّا أبدلا ثمّ أدغما ... وفيه خلاف عنهما ليس مقفلا
أخبر ﵀ أن قالون والبزي وافقا أبا عمرو في إسقاط الهمزة الأولى من المفتوحين ثم قال وفي غيره أي في غير الفتح أي الذي في غير الفتح وهو الكسر والضم
يعني أن قالون والبزي سهلا الهمزة الأولى من المتفقتين بالكسر فجعلاها كالياء أي بين الهمزة والياء وسهلا الهمزة الأولى من المتفقتين بالضم فجعلاها كالواو أي بين الهمزة والواو وقد تقدم أنه «أولياء أولئك»، لا غير وقوله: وبالسوء إلا أبدلا ثم أدغما أخبر أن قالون والبزي أبدلا الهمزة الأولى من بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣]، واوا ثم أدغما الواو الساكنة التي قبلها فيها فصارت واوا واحدة مشددة مكسورة بعدها همزة محققة، وهي همزة إلا وقوله وفيه خلاف عنهما أي وفي تخفيف همزة السوء إلا خلاف عن قالون والبزي يعني أن فيه ما ذكر من الإبدال والإدغام ووجه آخر وهو تسهيل الأولى بين الهمزة والياء وتحقيق الثانية على أصلها في المكسورتين، وقوله ليس مغفلا أي ليس مقلقا ولا مشكلا لكون صاحب التيسير ما ذكره وذكر البدل والإدغام فالتسهيل من الزيادات. ثم انتقل إلى الهمزة الثانية فقال:
والأخرى كمدّ عند ورش وقنبل ... وقد قيل محض المد عنها تبدّلا
مذهب أبي عمرو وقالون والبزي كان متعلقا بالهمزة الأولى ومذهب ورش وقنبل متعلق
стр. 70
بالهمزة الثانية وهي المرادة بقوله والأخرى أي الهمزة الأخيرة، يعني أن ورشا وقنبلا أوقعا التغيير في الهمزة الأخيرة من المتفقتين في الأنواع الثلاثة، وعنهما في تغييرها وجهان فروي عنهما أنهما جعلا الثانية من المفتوحتين بين الهمزة والألف والثانية من المكسورتين بين الهمزة والياء الساكنة والثانية من المضمومتين بين الهمزة والواو الساكنة وإلى ذلك أشار بقوله كمد لأنها تصير في اللفظ كذلك وهذا هو المذكور في التيسير فقط وروي عنهما أنهما جعلا الثانية من المفتوحتين ألفا والثانية من المكسورتين ياء ساكنة والثانية من المضمومتين واوا ساكنة وهذا من الزيادات وإليه أشار بقوله: وقد قيل محض المد عنها تبدلا. وهذا الوجه يسمى البدل والوجه الأول هو الذي في التيسير يسمى التسهيل وهو القياس.
تنبيه: إن كان ما بعد الهمزة الثانية متحركا فلا إشكال وإن كان ساكنا غير حرف مد فعلى البدل يزاد مد الحجز نحو جاءَ أَمْرُنا [هود: ٤٠] ومِنَ النِّساءِ إِلَّا [النساء:
٢٤]، وإن كان حرف مد نحو جا آل فعلى التسهيل تجري وجوه ورش ﵀ في الألف الثانية فيقرأ له: جاءَ آلَ لُوطٍ [الحجر: ٦١] بألف طويلة وبعدها محققة بعدها مسهلة وبعدها ألف مقصورة ومتوسطة ومطولة ولقنبل ألف ممكنة بعدها محققة بعدها مسهلة بعدها ألف مقصورة وعلى البدل لورش ألف مطولة بعدها محققة بعدها ألف مقصورة ومتوسطة ومطولة ولقنبل ألف ممكنة بعدها محققة بعدها ألف مقصورة. ثم أفرد ورشا بوجه فقال:
وفي هؤلاء إن والبغا إن لورشهم ... بياء خفيف الكسر بعضهم تلا
أخبر أن بعض أهل الأداء رووا أن ورشا قرأ بالبقرة: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٣١] وعَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [النور: ٣٣]، بوجه ثالث بإبدال الهمزة
الثانية ياء خفيفة الكسر أي مختلسة الكسر وهذا الوجه مختص بورش في هذين الموضعين لا غير وله ولقنبل الوجهان السابقان في هذين الموضعين وغيرهما:
توضيح: قد تقدم أن أبا عمرو حذف الأول في الأنواع الثلاثة وقالون والبزي حذفا أولى المفتوحتين وسهلا أولى المضمومتين والمكسورتين وزاد أوجه البدل في بالسوء إلا ما وورش وقنبل بتسهيل الأخرى وإبدالها مدا في الأنواع الثلاثة، وزاد ورش إبدالها ياء مختلسة في «هؤلاء إن، والبغاء إن» والباقون بتحقيق الهمزتين في الأنواع الثلاثة. ثم ذكر حكما يتعلق بتغير الهمز فقال:
стр. 71
وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
ذكر ﵀ في هذا البيت قاعدة كلية لكل القراء فأخبر أن حرف المد إذا وقع قبل همز مغير قد غير بالتسهيل أو الحذف ففيه وجهان: أحدهما القصر، والثاني: المد، ورجحه بقوله والمد ما زال أعدلا أي أرجح من القصر؛ فمثال ما جاء قبل المسهل من ذلك من السماء إن أولياء أولئك في قراءة قالون والبزي وإسرائيل والملائكة في وقف حمزة وهشام وها أنتم في قراءة أبي عمرو وموافقيه على رأي الناظم، ومثال ما جاء قبل المحذوف منه جاء أمرنا في قراءة البزي والسوسي وفي قراءة قالون والدوري عند من أخذ لهما بالقصر في المنفصل.
توضيح: إذا سهلت الأولى من نحو هؤلاء إن فلقالون والبزي وجهان القصر والمد، ولحمزة في نحو إسرائيل والملائكة وجاءهم الوجهان القصر والمد مع التسهيل وإذا حذفت نحو جاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤]، فالوجهان لأبي عمرو وقالون والبزي: واعلم، أن هذا عام في كل حرف مد قبل همز مغير فيندرج فيه ألف الفصل بين الهمزتين لأنها حرف مد قبل همز مغير عند من يغير الهمزة الثانية. وحكي أن ابن الحاجب المالكي ﵀ وقع بينه وبين السخاوي خلاف في ألف الفصل فكان ابن الحاجب يقول بالمد من غير نقل ثم عادا واطلعا على النقل فيها فوجدا فيها خلافا. ثم انتقل إلى المختلفتين فقال:
وتسهيل الأخرى في اختلافهما سما ... تفيء إلى مع جاء أمّة أنزلا
أخبر ﵀ أن المشار إليهم بقوله سما، وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخيرة من الهمزتين في الكلمتين إذا اختلفتا في الحركة وأراد بالتسهيل مطلق التغيير على ما سيأتي. واعلم أن الهمزة الأولى محققة لكل القراء والثانية مختلف فيها وإذا تعين لنافع وابن كثير وأبي عمرو فيها التغيير تعين لغيرهم التحقيق واختلافهما على خمسة أنواع والقسمة العقلية تقتضي ستة إلا أن النوع السادس لم يوجد في القرآن فلذلك لم يذكره أما الخمسة الموجودة في القرآن فهي أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة أو مضمومة وأن تكون الثانية مفتوحة والأولى مضمومة أو مكسورة فهذه أربعة أنواع وسيأتي النوع الخامس
في قوله: يشاء إلى كالياء أقيس معدلا، والنوع السادس الساقط من القرآن هي أن تكون الأولى مكسورة والثانية مضمومة نحو على الماء أمم فذكر في هذا
стр. 72
البيت النوعين الأولين من الخمسة فقوله تفيء إلى مثال الهمزة المكسورة بعد المفتوحة نحو تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩]، شهداء إذ حضر، والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ١٤]، والنوع الثاني مفتوحة بعدها مضمومة وهو جاءَ أُمَّةً رَسُولُها [المؤمنون: ٤٤]، بقد أفلح، وليس في القرآن من هذا النوع غيره ومعنى أنزلا أي أنزل ذلك ولا يتزن البيت إلا بنقل حركة الهمزة إلى الساكن في قوله وتسهيل الأخرى وفي قوله أمة أنزلا.
نشاء أصبنا والسّماء أو ائتنا ... فنوعان قل كاليا وكالواو سهّلا
وهذان نوعان على العكس مما تقدم وهما مضمومة بعدها مفتوحة نحو قوله تعالى:
نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأعراف: ١٠٠] ويا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: ٤٤]، ومكسورة بعدها مفتوحة نحو قوله: مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢] ومِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [البقرة: ٢٣٥] أو هؤُلاءِ أَهْدى [النساء: ٥١]، ثم بين ذكر كيفية التسهيل في النوعين الأولين فقال فنوعان قل كاليا وكالواو يعني أن الهمزة الثانية المكسورة من قوله:
تفيء إلى ونحوه تسهل كالياء أي بين الهمزة والياء وأن الهمزة المضمومة من جاءَ أُمَّةً [المؤمنون: ٤٤]، تسهل كالواو أي بين الهمزة والواو. ثم ذكر حكم النوعين الأخيرين
فقال:
ونوعان منها أبدلا منهما وقل ... يشاء إلى كالياء أقيس معدلا
يعني ونوعان من الأنواع الأربعة أبدلا أي أبدل الواو والياء منهما أي من همزتهما يعني أن الهمزة الثانية المفتوحة في نَشاءُ أَصَبْناهُمْ [الأعراف: ١٠٠]، ونحوه أبدلت واوا وأن الهمزة الثانية المفتوحة مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا [الأنفال: ٣٢]، ونحوه أبدلت ياء. ولما انقضى كلامه في حكم الأنواع الأربعة شرع في ذكر النوع الخامس فقال وقل يشاء إلى وهو ما وقع فيه همزة مضمومة بعدها مكسورة نحو قوله تعالى: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥]، والشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [البقرة: ٢٨٢]، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [يوسف: ٤٣]، وقوله كالياء أقيس معدلا يعني أن الهمزة الثانية المكسورة في يشاء إلى ونحوه تسهل كالياء أي أن «الهمزة والياء» وهو القياس في تسهيلها ونبه على ذلك بقوله أقيس معدلا: أي أقيس عدولا؛ يعني أن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والياء»، أقيس من عدوله إلى البدل ومن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والواو». ثم ذكر مذاهب القراء فقال:
وعن أكثر القرّاء تبدل واوها ... وكلّ بهمز الكلّ يبدا مفصّلا
أخبر ﵀ أن أكثر القراء أبدلوا من الهمزة الثانية واوا في «يشاء إلى»، ونحوه ومن القراء من يجعلها بين «الهمزة والواو» فحصل في تخفيف الهمزة الثانية المكسورة بعد
المضمومة ثلاثة أوجه التسهيل بين «الهمزة والياء» وإبدالها «واوا» والثالث تسهيلها بين «الهمزة والواو» ولم يذكر هذا الوجه في التيسير وهو مذهب القليل من القراء وقد تم الكلام في الهمزتين المختلفتين فعلم ما لنافع وابن كثير وأبي عمرو
стр. 73
من التغيير على اختلاف أنواعه.
وعلم أن للباقين وهم الكوفيون وابن عامر التحقيق في الأنواع الخمسة وقوله: «وكل بهمز الكل يبدأ مفصلا». أي كلّ من سهل «الهمزة الثانية»، من المتفقتين أو المختلفتين إنما ذلك في حال وصلها بالكلمة قبلها. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى، فقد انفصلت «الهمزتان»، فإذا ابتدأ بالثانية حققها؛ ومعنى مفصلا، مبينا لما هو أصلها من الهمز.
والإبدال محض والمسهل بين ما ... هو الهمز والحرف الذي منه أشكلا
بيّن ﵀ بهذا البيت حقيقة الإبدال والتسهيل، فأخبر أن الإبدال محض أي تبدل «الهمزة» حرف مد محض ليس يبقى منه شائبة من لفظ الهمز فتكون «ألفا أو واوا أو ياء ساكنين أو متحركين». والتسهيل أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي تولدت منه حركة الهمزة فتسهل الهمزة المفتوحة، بين «الهمزة والألف»، والمضمومة بين «الهمزة والواو» والمكسورة، بين «الهمزة والياء» هذا معنى قوله منه أشكلا. قال الجوهري: شكلت الكتاب أي قيدته بالإعراب. وأشكلته أزلت إشكاله.
باب الهمز المفرد
يعني بالمفرد الذي لم يجتمع مع همز آخر بخلاف البابين المتقدمين فقال:
إذا سكنت فاء من الفعل همزة ... فورش يريها حرف مدّ مبدلا
أخبر أن الهمزة إذا سكنت وكانت «فاء من الفعل» فإنّ ورشا يبدلها حرف «مدّ ولين»، ولا يبدلها إلا بهذين الشرطين. أحدهما: «كونها ساكنة»، والثاني: كونها «فاء الكلمة»، فيبدلها على قاعدة الإبدال فيما سكن من «الهمز»، فإنه يبدل بعد الفتحة «ألفا»، وبعد الكسرة «ياء» وبعد الضمة «واوا». وفاء الفعل عبارة عما يقابل «الفاء»، بما جعل معيارا لمعرفة الأصلي والزائد من لفظ الفعل وتعرف «الهمزة» التي هي فاء الفعل بثلاثة أشياء.
أحدها أن يقال كل ما كان وقوعه بعد همزة وصل فهو فاء الفعل نحو «ائت وأمر وائتمن وائتمروا»، ألا ترى أن أوزانها أفعل وأفعل وافتعل وافتعلوا. والثاني: أن يقال كل ما كان ساكنا بعد ميم في اسم الفاعل أو المفعول فهو فاء الفعل نحو «المؤمنون والمؤمنين ومأمون ومأكول»، ألا ترى أن أوزانها المفعلون والمفعلين ومفعول. الثالث: أن كل ما كان منه بعد حرف المضارعة فهو فاء الفعل نحو، «يؤمن وتألمون ويألمون»، ألا ترى أن أوزانها «يفعل وتفعلون ويفعلون» وتقريبه على المبتدئ أن كل همزة ساكنة بعد همزة وصل أو تاء أو ياء أو نون أو واو أو فاء أو ميم فإنها همزة فاء الفعل ثم استثنى فقال:
стр. 74
سوى جملة الإيواء والواو عنه إن ... تفتّح إثر الضّمّ نحو مؤجّلا
أي استثنى ورش من الهمز الساكن الذي هو فاء الفعل جميع ما وقع من لفظ الإيواء نحو «تؤوى وتؤويه والمأوى ومأواهم ومأواكم وفأووا إلى الكهف» فقرأه بالهمزة ولم يبدله؛ ثم استأنف كلاما آخر بقوله والواو عنه أي عن ورش إن تفتح يعني الهمز الذي هو فاء الفعل أثر الضم أي بعد الضم نحو مؤجلا، مثال ما وجد فيه ذلك يعني أن الهمز الذي وجد فيه ما ذكر من الشروط الثلاثة الانفتاح وكونه فاء الكلمة وكونه بعد الضم فإن ورشا يبدله واوا نحو
يؤاخذ يؤلف ويؤخر ومؤذن ومؤجلا فإن لم يجتمع فيه الشروط الثلاثة حققه ولم يبدله نحو وَلا يَؤُدُهُ [البقرة: ٢٥٥] وتَؤُزُّهُمْ [مريم: ٨٣] ووَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى [القصص: ١٠] وظَلَمَكَ بِسُؤالِ [ص: ٢٤] وتأذن، وما تأخر، ألا ترى أن المثالين الأولين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل فإنها مضمومة وما قبلها مفتوحة وأن المثالين الثانيين وإن كانت الهمزة فيهما مفتوحة وما قبلهما مضموم فليست بفاء الفعل وأن المثالين الثالثين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل وهي المفتوحة فإن ما قبلها غير مضموم:
ويبدل للسّوسيّ كلّ مسكّن ... من الهمز مدّا غير مجزوم اهملا
أخبر عفا الله عنه أن السوسي أبدل له كل مسكن أي كل همز ساكنة على قاعدة الإبدال كما تقدم سواء كانت فاء أو عينا أو لاما مثال الفاء نحو ما تقدم لورش ومثال العين نحو البأس والرأس وبئر وبئس وما تصرف من ذلك ومثال اللام نحو قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] وجئت وشِئْتَ [الأعراف: ١٥٥]، وما تصرف من ذلك، وقوله غير مجزوم أهملا استثناء يعني أن السوسي يبدل له الهمز الساكن إلا المجزوم منه فإنه أهمل من البدل فبقي محققا على أصله. ثم ذكر المجزوم منه فقال:
تسؤ ونشأ ستّ وعشر يشأ ومع ... يهيّئ وننسأها ينبّأ تكمّلا
اعلم أن هذا المستثنى على خمسة أنواع: الأول ما سكونه علامة للجزم وهو جميع المذكور في هذا البيت. والنوع الثاني ما سكونه علامة للبناء. والثالث ما همزه أخف من إبداله. والنوع الرابع ما ترك همزة يلبسه بغيره. والخامس ما يخرجه الإبدال من لغة إلى لغة أخرى وعد في هذا البيت الكلم المجزوم وهي تسع عشر كلمة فمنها تسؤ في ثلاثة مواضع تسؤهم في آل عمران والتوبة وتسؤكم بالمائدة ومنها نشأ في ثلاثة مواضع إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ [الشعراء: ٤]، وإِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ [سبأ: ٩] وإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ [يس:
٤٣] ومنها يشأ في عشرة مواضع إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [النساء: ١٣٣]، [الأنعام: ١٣٣]، [إبراهيم: ١٩]، [فاطر: ١٦]، مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ [الأنعام: ٣٩]، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء: ٥٤] وفَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى: ٢٤] وإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ [الشورى: ٣٣]، وبالشورى وعد في جملتها مكسورتين في الوصل لالتقاء الساكنين وهما: من يشأ الله يضلله وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى:
٢٤] والجزم فيهما يظهر في الوقف ومنها يهيئ في الكهف وننسأ بالبقرة وينبأ بالنجم فالهمزة في جميع ذلك ساكنة للجزم وقوله: تكملا أي تكمل المجزوم الذي لا يبدله السوسي. وأما قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧]، فالسوسي يبدل همزه وليس من المستثنى لأن سكون الهمز فيه لأجل ضمير الفاعل لا للجزم.
стр. 75
وهيّئ وأنبئهم ونبّئ بأربع ... وأرجئ معا واقرأ ثلاثا فحصّلا
ذكر في هذا البيت النوع الثاني وهو ما سكونه علامة للبناء أي واستثنى لأبي عمرو هذه الكلمات المذكورة أيضا، وهي إحدى عشرة كلمة وجميعها مبني على السكون وهي: هيئ لنا بالكهف وأنبئهم بأسمائهم بالبقرة وقوله ونبىء بأربع أي في أربع كلمات نبئنا بتأويله بيوسف ونبىء عبادي ونبئهم عن ضيف إبراهيم كلاهما بالحجر ونبئهم أن الماء قسمة بالقمر وأرجئ معا أي في موضعين أرجئه وأخاه وأرسل في الأعراف وأرجئه وأخاه وابعث في الشعراء واقرأ ثلاثا أي في ثلاث مواضع أولها في الإسراء اقرأ كتابك والثاني والثالث بالعلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] واقْرَأْ وَرَبُّكَ [العلق: ٣]، فجميع هذا يقرأ لأبي عمرو بتحقيق الهمزة وإبقائه على حاله وليست الفاء من قوله فحصلا رمزا أي فحصل العلم.
وتؤوي وتؤويه أخفّ بهمزه ... ورئيا بترك الهمز يشبه الامتلا
ذكر في هذا البيت النوع الثالث والرابع، فأخبر أن تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب:
٥١] وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [المعارج: ١٣]، مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه فيه كونه بالهمز أخف من الابدال، ثم أخبر أن رئيا مستثنى له أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه ما يؤدي إليه الإبدال من التباس المعنى واشتباهه وذلك أنه لو أبدل الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها كما قرأ قالون وابن ذكوان فكان يشبه لفظ الري وهو الامتلاء بالماء، ورئيا بالهمز من الرؤية وهو ما رأته العين من حالة حسنة وكسوة ظاهرة وبترك الهمز يحتمل المعنيين فترك أبو عمرو إبداله لذلك:
ومؤصدة أوصدت يشبه كلّه ... تخيّره أهل الأداء معلّلا
ذكر في هذا البيت النوع الخامس وأخبر أن عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد: ٢٠]، وإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة: ٨]، بالهمزة مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمز على الأصل ولم يخفف بالإبدال. واختلف أهل العربية في اشتقاقه فذهب قوم وأبو عمرو منهم إلى أن أصله أأصدت أي أطبقت فله أصل في الهمزة وقال آخرون هو من أوصدت ولا أصل له في الهمز فاختار أبو عمرو همزه لئلا يتوهم أنه قرأ بلغة أوصدت كما يقرأ غيره وليس هو عنده كذلك فلهذا قال الناظم أوصدت يشبه أي موصدة بترك الهمز يشبه لغة أوصدت ثم قال كله أي كل هذا المستثنى تخيره المشايخ وأهل الأداء القراءة كابن مجاهد ومن وافقه كانوا يختارون تحقيق الهمزة في ذلك كله معللا بهذه العلل المذكورة.
تنبيه: المراد أكثر أهل الأداء ومعنى اختيار أهل الأداء يعني اختيار ابن مجاهد أنه قد روى عن أبي عمرو تحقيق الهمز الساكن مطلقا وروى عنه تخفيفه مقيدا فاختار ابن مجاهد وحذاق الناقلين رواية التقييد على الإطلاق لا أنهم قرءوه برأيهم كما توهم.
وبارئكم بالهمز حال سكونه ... وقال ابن غلبون بياء تبدّلا
أخبر ﵀ أن بارئكم قرأ للسوسي في موضعي البقرة بالهمز الساكن على الأصل وقوله حال سكونه فيه تنبيه على قراءته إياه بالسكون كما سيأتي في قوله وإسكان بارئكم وبذلك دخل في هذا الباب فكأنه قال استثنى له بارئكم في حال كونه ساكنا في قراءته ثم أخبر أن أبا الحسن طاهر بن غلبون