Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من أفْتَاهُ. وفي الحديث: أجْرأْكُم علَى النَّارِ أجْرَأُكُمْ عَلَى الفتْيَا.
ومحمل هذا على من لم يعتمد على مُستَنَدٍ صحيح.
وفي العتبية عن مالك ﵁ أنه قال: إذا كان من يُشار إليه يُفتي بالجهالة سرت في الناس. وقال أيضاً: إذا كان الشيءُ من أمر دينك فعليك أيضاً فيه بالثقة فلن يُنجِيَكَ أنْ تَقُولَ: سمعت، وقد كان يُقال: كفى بالمرء كذباً.
فهذا ما حضر من الكلام على هذه المسألة، ومن خالف فيه أو في بعضه فعليه الدليل قاله ابن سراج.
عدالة المخبر برؤية الهلال
وسئل عن الصوم والإفطار بمجرد الخبر؟
стр. 37
فأجاب: لا ينبغي لأحد أن يعتمد في صومه وفطره عمن لا تعرف عدالته فإن أفطر فلا كفارة عليه، لأنه متأول.
وأما القرية إذا لم يكن فيها قاضٍ ولا من يعتني بارتقاب الهلال فيعتمد على من أخبره من أهل العدالة أنه رآه، وإن كان واحداً، سواء كان من أهل القرية أو غيرها أو يكتفي أيضاً بخبر الواحد العدل بحصول الرؤية على شرطها في قرية أخرى. قاله ابن سراج.
إضرام النار للإعلام بالرؤية
وسئل عن إضرام النار من قرية إلى أخرى إعلاَماً برؤية الهلال؟
فأجاب: النار توقد علامة على رؤية الهلال حسبما ذكر، إذا كان قد حصل لأهل القرية ثقة من أهل القرية الأخرى أنهم لا يوقدون النار إلا إذا رأوا الهلال، بنوا عليه وإلا فلا. قاله ابن سراج.
стр. 38
الزكاة
دفع القيمة في الزكاة
وسئل عمن وجبت عليه شاةٌ واحدة في الزكاة؟
فأجاب: بأنه يتصدق بها على مستحقها ولا يخرج ثمنها إلاَّ إِن أُخذ منه جبراً، وإن لمْ يعلمْ به العدَّادُ ولا المشرف فإنه يتصدق بها ولا يُخبر أحداً منهما بذلك، وأما إن علما به وأخذاها منه أو قيمتها بقصد الزكاة فذلك جائز يجزئه، ولا يفتقر إلى إعادتها.
دفعُ زكاةِ الماشيةِ لمستحقها
وسئل فيما يأخذه العادُّ للكسبِ من الزكاةِ؟
فأجاب: لا بد أن تُدفع زكاةُ الماشيةِ لمن يستحقُّهَا، ولا يجزيه ما أخذ المشرف، لأنه إنما أخذ ما أخذ على وجه أنَّهُ مَغْرَمٌ من المغارم المخزنية بالظلم لا أنه على وجه الزكاة.
ومعنى قول ابن أبي زيد وقول غيره: إنَّ إخراج القيمةُ يجزىءُ،
стр. 39
إذا أجبر عليها إنما ذلك إذا أخذ المصدق عليه القيمة على أنها زكاة.
فلا بد أن يُخرج زكاةَ تلك الماشية، ويدفعها للمساكين، بحيث لا يعلم بها العدَّادُ، ولا يجعلها في زمامه، وإنما يعطيها لمستحقها من غير إعلام العدّاد ولا غيره بها.
توزيعُ دراهم الزكاة
الثالثة: الرجل يعطيه الناسُ من زكاةِ أموالهِمْ ليفرقها على الفقراء والمساكين، فيجيء منهم من يحتاج إلى كسوة أو طعام أو يرى هو أنَّ المسكينَ محتاج، فهل يجوز أن يشتريَ هو ذلك بنفسه للمسكين ويدفعها له أولا يجوزُ ذلك؟ بل يفرق الدراهم عليهم.
الجواب: وأما الثالثة فإن مُفَرِّقَ الزكاةِ يُخبر المسكينَ، ويقول له: لك عندي زكاة، فانظر ما تريد أن أشتريَ لك، فيأمره بما أراد، ويأخذ منها ما يحتاج لنفقته، ونحو ذلك.
стр. 40
شورة اليتيمة من الزكاة
الرابعة: وكذلك إذا رأى أن يتيمةً ضعيفةً تتزوج، هل يدفع لها من الزكاة برسم شَوْرَةٍ لدخولها بزوجها؟
الجواب: وأما الرابعةُ فإنْ كان ما تُشَوَّرُ به اليتيمةُ يسيراً لا يبلغ النصاب فيجوز أنْ يُعْطِيَهَا من الزكاةِ ما تشتري به ثوباً تلبسه أو فراشاً وما أشبه ذلك، لا ما يُتَّخَذُ به حليٌ وزخرف.
стр. 41
الأيْمان
يمين الرجل أن لا يسكن إلا بداره
وسئل في رجل كان ساكناً مع ربيبه بدار زوجه، وأنه حلف باللازمة أنه لا يسكن إلا بدار نفسه.
فهل يجوز له أن يبيت مع ربيبه بالدار المحلوف عليها على وجه الزيارة ويقيم معه الجمعة ونحوها؟
بينوا لنا الحكم في ذلك، وأجركم على الله والسلام عليكم ورحمة الله.
فأجاب: إنه يحنث إن كان الدخول إليه بالنهار، أو بات معه في غير مرض، إلا أن يكون ببلد آخر فسافر إليه، فَيُسْتَخَفُّ أنْ يقيمَ معه يومين أو ثلاثة.
حكاه ابنُ رشد عن مالك من رواية ابن القاسم. وحكاه ابن
стр. 42
حبيب عن مالك وأصحابه. أعني مقدار الإقامة إذا شخص إليه من بلد آخر.
كفارة من حلف أن تذهب زوجتُه إلى أولادها
وسئل فيمن قال لزوجته: والله تمشي لأولادك ما تكون لي بامرأةٍ؟
فأجاب: إن حنث كفَّر بإطعامِ عشرةِ مساكينَ: رطل ونصف رطل لكل مسكين، حب أو دقيق، أو خبز مما يَقتات بلدُ المكفِّر من قمح أو غيره وشيء من إدام، أو ما يكفر به من غير الطعام.
стр. 43
الحالف بالأيمان كلها أن لا يُزوجَ أخته
وسئل فيمن حلف الأيمان كلِّها، ولم يذكر اللزوم، أن لا يزوج أخته ولا يتكلم فيها؟
فأجاب: إن تكلم الحالفُ في تزوج أختِه حنث ولزمه ما نوى بالأيمان كلِّهَا من معنى اللاَّزمة أو غيرها. فإن لم ينو معنى اللازمة ولا طلاقاً أو لم ينو بها شيئاً لجهله فيما يلزم فيها فيلزمه ثلاث كفارات عن ثلاث أيمانٍ باللَّه .
стр. 44
وإن رُفع الأمْرُ إلى القاضي وزوَّج القاضِي مضى النكاحُ، وكان صحيحاً.
الحالف بالأيمان كلِّهَا أن لا يفعل شيئاً
وسئل فيمن حلف بالأَيمان كلهَا أن لا يفعل شيئاً.
فهل له أن يُكفِّرَ، ويفعل الذي حلف عليه؟
فأجاب: إن نَوَى بالأَيمان كلِّهَا معنَى اللاَّزِمةِ فيلزمه حكمها إن فعل المحلوفَ عليه، وإن لم ينو بها اللاَّزمةَ ولم يعتقد معناها، فعليه إن حنت ثلاث كفارات عن ثلاثةِ أيمانٍ بالله تعالى.
من حلف باللاَّزمة أن يقتل شخصاً
وسئل في إنسان حلف باللازمة على فَرّانِ قريتِه، إن خدم في ذلك الفرن قتله.
فما يلزم الحالفَ إن تغلبَ الفرَّانُ ورجع للفرن يخدم فيه؟
فأجاب: إن عاد الفرانُ إلى الفرنِ وجب على الحالف أن يحنث نفسه، لأنَّ قتل المؤمن بغير حقٍّ لا يحلُّ، وإذا حنث نفسه وجب عليه الطلاق، فإن نوى باللاَّزمة الثلاثَ لزمه ذلك، وإلا لزمته طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ.
من حلف باللاَّزمة أن لا يزوج وليته
وسئل فيمن حلف باللاَّزمة أن لا يزوج وَلِيَّتَهُ؟
فأجاب: إن بادر وليٌّ أبعدُ من الذي حلف فعقد النكاحَ مضى على المشهور، وإن رُفِعَ الأمْرُ إلى القاضي فزوج صحَّ النكاحُ.
من حلف باللاَّزمةِ ثم ماتت زوجته
وسئل فيمن حلف باللاَّزمة أن لا يدخل دارَ أخته ولا يكلمها، فبقى كذلك مدةَ حياةِ زوجهِ، ثم إنَّ زوجَه توفيت؟
стр. 45
فأجاب: إن الحالفَ لهُ أنْ يدخلَ دارَ أختِهِ، لأَنَّ المرأةَ المحلوفَ بطلاقتِها قد ماتت، ولا تلزمه اليمينُ فيمن تزَّوجَ بعد ذلك من النساء.
وأما الثانية: فمن حلف باللاَّزمة وفي عصمته امرأة فماتت وتزوج أخرى وحنث، فلا يلزم فيها الحنث، لأن اليمين بها إنما تنعقد في الزوجة يوم الحلف.
وكذلك لو حلف وهو غير متزوج فحنث بعد أن تزوج، لا يلزمه طلاقٌ فيها
الحلف بصيام العام
وسئل في امرأةٍ حلفتْ بصيام السَّنَةِ على شيء حنثت فيه، فما يكون الحكم في ذلك؟
فأجاب: يجب عليها أن تصومَ سنةً على المشهور، ولكن لا يلزم تتابعها وفي المذهب قول آخر: إنه يجب عليها كفارةُ يمينٍ بالله .
ومال إليه جماعةٌ من المتأخرينَ، ووجهه قوله ﷺ : لاَ نَذْرَ فِي
стр. 46
غَضَبٍ وَلاَ فِي معصية اللَّهِ وكفارته كفارةُ يمينٍ وهو قول له وجهٌ من النظر والحديث، ومن بنى عليه كان مُخلِّصًا إن شاء الله.
وسئل في امرأة حلفتْ بصوم عامٍ يلزمُهَا فيه الذي يلزمها، على شيء حنث فيه، فما يكون الحكمُ في ذلك؟
فأجاب: تكفر عن يمين بالله تعالى، فإن أطعمت عشرةَ مساكينَ رطلاً ونصفاً من خبز من غالب ما يَقتات أهلُ الموضع وشيئاً من إدام لكل مسكين أجْزَأَهَا.
وسئل في امرأة حلفتْ بصومِ عامٍ أن لا تَرجعَ لزوجها؟
فأجاب: المرأة إن رجعتْ لزوجهَا حنثت، ولزمها صوم عام كامل لا تحسب فيه رمضانَ ولا أيامَ الأعيادِ، ولا يلزمها تتابعه.
وفي المذهب قول آخر: إنه يجزيها كفارة يمين بالله، وله وجه من النظر من قلَّده لم يُعترضْ.
стр. 47
الذكاة
ذكاة مقطوعة الحلقوم
وسئل في شاة ذبحها رجل قطع من حلقومها مقدار الثلثين. هل تعمل فيها الذكاة؟
فأجاب: إن الذكاة تعمل فيها.
أكل مقطوعة أحد الودجين
وسئل في رجل ذبح عرض بقر، فقطع الحلقومَ والودج الواحد وبقي الودج الآخرُ لَمْ يقطعْ منه شيئاً.
فهل يجوز أكله أم لا يجوز؟
فأجاب: المشهور من مذهب مالك وأصحابه: أنه لا يؤكل.
ويُروَى عن مالك جوازُ أكله، وهو قول جمهور العلماء خارج المذهب فمن أخذ بهذا القول لم يُعترض، لأنه صحيح من جهة البحث والنظر.
стр. 48
قال النبي ﷺ : ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ.
والقطع: بأن ما قُطع ودجُه لا يعيش.
وسئل فيمن ارتفعت يدُه عن الذبح مغلوباً، وقد قطع بعضَ الأوداج، ثم أعاد يده في الفورِ فأجهزها؟
فأجاب: اختُلف فيها، والصحيح جواز أكلها.
اضطراب الذبيحة
وأمّا المسألة الثانية، وهي اضطراب البهيمة عند الذبح حتى قامت من يد الذابح، وقد قطع بعضَ الأوداج، ثم ردّها بعد ساعة فأجهز عليها، فلا تحل تلك الذبيحة.
الغلصمة في الذبيحة
وسئل في الغلصمة تكون لجهة الصدر، ولم يبق منها شيء لجهة الرأس؟
стр. 49
والجواب: فيها اختلافٌ كثيرٌ في المذهب.
فذهب جماعة كثيرة من أصحاب مالك إلى منع أكلها.
وذهب جماعة كثيرة منهم أيضاً إلى الجواز.
وروي عن مالك المنعُ، وطعن بعضهم في صحة هذه الرواية.
والصحيح من جهة النظر: الجواز.
ذبح فروج دون قطع الحلقوم الذي فيه الغلصمة
وسئل فيمن ذبح فروجاً وقطع الودجَيْن وكلَّ ما يتعلّق بهما، إلا الحلقوم الذي فيه الغلصمة لم يُقطع منه شيء، قال اللخمي على هذا: لا يكون شرطاً في الذكاة على من أجاز الأكل، وإن كانت الغلصمةُ للأسفل؟
فأجاب: إن قطعَ الذابحُ فوْقَ الجوزةِ، وكانت الجوزةُ أسفلَ من القطع فهي مغلصمة، وتؤكل الذبيحةُ على القول الصحيح.
وأمّا إن لم يقطع شيئاً من فوق الجوزة ولاتحتها فلا تؤكل.
الذبيحة المغلصمة
وسئل عن الذبيحة المغلصمة؟
стр. 50
فأجاب: كثر فيها الخلاف في المذهب.
رُوي عن مالك منع أكلها، فأنكر ابنُ وضّاح صحّةَ هذه الرواية، ورأى ابن رشد أنّ المشهورَ منعُ أكلها.
والصحيح من جهة النظر: جوازه.
ذبح الفروج المختنق بالعجين
وسئل في فروج يعلف بالعجين، فاختنق في حين العلف، فذبح ولم يتحرك منه إلا ريشتان من طرف جناحه وسال دمه؟
فأجاب: الفروج لا يؤكل.
الشاة التي يوجد كرشها مثقوباً
وسئل في نطيحة أو متردية ذُبحت، وعلامات الحياة بها مثل سيلان الدم وركض الرجْل وما أشبهه، فيوجد كرشها مثقوباً، أو يوجد في أحد مقاتلها قطع قليل أو كثير.
هل يجوز أكلها أم لا؟
стр. 51
فأجاب: أكل الشاة التي كانت مثقوبة الكرش يجوز على قول ابن رزق شيخ ابن رشد. وهو الصحيح.
ووقع الخلاف فيها في زمانه لكن لا يبيعها إلا بعد أن يُبَيِّنَ.
وأما انتثار الحشوة فالمعمول عليه في المذهب: أنه من المقاتل.
ذبيحةٌ يسيل دمها ولا تتحرك
وسئل فيمن ذبح عرض بقر فلم يتحرك منه عضوٌ، إلا أنَّ الدمَ خرج منزعجاً حتى رش ثياب الذابح، وسال من الذبيحة دم كثير.
فهلْ تُؤكَلُ أم لا؟
فأجاب: إن كانت الذبيحةُ صحيحةً عند الذبح فتؤكل إن سال دمها ولم تتحرك. وإن كانت مريضةً فلا يُكْتَفَي منها بسيلان الدم حتى تركض بيد أو رجل، أو تحرك ذنبها، أو تطرف بعينها، أو يجري نفسها في حلقها.
стр. 52
وسئل في الشاةِ إذا ذُبحت وسَالَ دمُهَا، ولم تتحرك؟
فأجاب: إن كانت الشاةُ التِي سالَ دمُهَا ليس بها مرض فيكتفى فيها بسيلان الدم، وإن كانت مريضة أو منخنقة أو ما أشبه ذلك، فلا يُكتَفَى بالدم ولا بد من التحريك.
ذبيحة السارق
وسئل في السارق إذا ذبح شاةً مسروقةً، ثم أُطلقت من يده.
هل تُؤْكَلُ أم لاَ؟
فأجاب: السارق تُؤكل ذبيحتُه إذا كان قد قطع الودجين والحلقوم.
وأجاب على مثل السؤال: إن وافق السارقُ وجهَ الصواب في الذبيحةِ أُكلت ذبيحتُهُ، وإلا فلا.
المقاتل المتفق عليها في الحيوان
بينوا لنا المقاتل المتفق عليها؟ وكيف هو انتثار الحشوة؟
جوابه: أما المقاتل فهي:
انتثار الحشوة على الصحيح المعروف.
стр. 53
وانتثار الدماغ.
وقطع النخاع: وهو المخ الذي في السلسلة.
وقطع الأوداج.
وثقب المصير الأعلى.
واختلف في ثقب الكرش، وشق الودجين، وكسر الصلب والعنق من غير قطع النخاع.
والصحيح: أنه ليس من المقاتل، حتى ينقطع النخاع، وإذا قُطع من النخاع شيء يسير فالظاهر أن البهيمة تؤكل.
وسئل بما نصه:
الفقهاء ﵃ عدوا انتثار الحشوة من المقاتل، فالحشوة على ماذا تشتمل؟ وبالانتثار ما معناها؟ فإن البهيمة ربما عدا عليها السَّبُعُ ففتح بطنها، فخرج
بعض مصارينها سالماً من الشوق بحيث يمكن رده وخياطة الجلد ومعالجتها حتى تبرأ لمن أراد ذلك، وربما خرج المصران مثقوباً، يسيل منه الروث يخاف عليها الموت أكثر من الأخرى؟
فأجاب: الحشوة تشمل ما احتوى عليه البطن من الأمعاء والرئة والطحال والغرنوق والقلب والكلى.
وأما الكرش فليس من المقاتل على الصحيح.
وإذا فتح السبعُ بطنَ الشاة أو غيرها، وخرج من مصرانها شيء فخيط ورد في الجوف من غير شق فيه فليس بمقتل.
стр. 54
وأما ثقب المصران الذي فيه الفرث، فليس بمقتل على الصحيح.
وأجاب في المعنى المتقدم:
المراد بالحشوة: ما حواه البطن، فيدخل في هذا الأمعاء والرئة والكبد والقلب وغيرها.
وانتثارها: انقطاعها، وانفصال بعضها عن بعض. وأما مجرد ثقبها فالراجح أنه لا يضر.
وقد حكى بعضُ المتأخرين الخلافَ في انشقاقِ القلبِ والكلى، كما وقع الخلافُ بين ابن رشد وشيخه ابن رزق في ثقب الكرش.
والراجح في ذلك كله: الجواز:
وأما المصير الأعلى فهو عبارة عن المعدة وما قرب منها، فإن حدث فيه انقطاعٌ أو انخراق ينقطع به الغذاء فهو مقتل على المشهور، وإن كان ثقباً يسيراً لا ينقطع الغذاء به فالراجح جواز الأكل.
وضرب النخاع لا يضر.
وفيما لم تنفذ مقاتله وأصابها ما يخاف على البهيمة منه الموت ثلاثة أقوال:
جواز الأكل ومنعه. والفرق بين أن يشك في موتها فيجوز، أو يظن فلا يجوز.
والظاهر: جواز الأكل مطلقاً.
وكل ما فيه خلاف فلا يطعمه الإنسان أحَداً، فقيراً أو غيره، إِلاَّ بعْدَ التَّبْيِينِ.
стр. 55
النكاح وما شاكله
ولاية الأخ لأم في النكاح
وسئل في عقد نكاح بولاية أخ لأم؟
فأجاب: إن كان الأخُ للأم ابنَ عم البنت أو وصيًّا صحَّ إنكاحُه إيَّاهَا، وإلا فلا يصِحُّ، وهو مفسوخ قبل البناءِ وبعده.
خطبة الرجل على خطبة غيره
وسئل في رجلٍ خطب بنتاً لوالدها ووقع بينهما التقاربُ والتراكُنُ في كل شيءٍ، حتى لم يبق إلا الإشهادُ بينهما، فتوفي والد الزوجة، ثم خطبها آخر وعقد عليها معه أخوها؟
فأجاب: نكاح الثاني ممنوع، لأنه بعدما ركن الأولُ، لكنه لا يُفسخ على القول الصحيح، ويؤمر الزوج بأن يعرض الزوجة على الأول، فإن تركها له فيسوغ له البقاء على النكاح، وإلاَّ يستحب له أنْ يطلقها. فإن تزوَّجَها الأولُ كان ذلك له، وإلا فللثاني أن يتزوجَها.
стр. 56
النكاح بشاهد واحد
وسُئل في رجل خطب بنتاً وتحدَّث مع وصِيّهَا، ووقع الاتفاقُ والتراكن وشهد عليها شاهدٌ واحدٌ ووالدُ الزوجِ، ثم أنكر الوصيُّ؟
فأجاب: النكاحُ غيرُ ثابتٍ، لأن والدَ الزوجِ لا يُقْبَلُ، لأنه شهد لولده، والنكاح لا يثبت بشاهد واحدٍ.
الصيغة في عقد النكاح
وسئل: عن رجل تحدث مع رجل آخر في تزويج شقيقته البكر واتفق معه على شيء معلوم من نقد، وكالئ وعروض وغير ذلك، ثم ساق الزوج بعضَ العروض
ودفعها للزوجة على العادة في ذلك، وهما لم تقع بينهما الشهادةُ، والبكر المذكورة يتيمةٌ مهملةٌ دون وصي، ثم توفي الزوج.
فهل للزوجةِ أن ترثه بمجرد ما وقع بينهما من غير إشهاد؟
فأجاب: لا ميراث بينهما إلا أن يثبتَ وقوعُ صيغةِ النكاح، والمراد بالصيغة أن يثبت من الزوجين ما يستلزم النكاحَ مثل أن يقول الزوج: قد تزوجت وشبهه، وتقول المرأة إن كانت مالكة أمرَهَا: قد تزوجتُك أو رضيت وشبه ذلك، أو يقول وليها إن كان مجبِراً: قد زوجتك، وشبه ذلك، فإن
стр. 57
كانت الزوجةُ يجب استئمارُهَا فَتُسْتَأْمَرُ وتُرَضَّى بما يدل على الرضى في حقها، فإن لم يقعْ شيءٌ من هذا فلا يَصِحُّ النكاحُ، ولا يَحْصُلُ فيه ميراثٌ.
صداق المتوفَّى زوجُهَا قبلَ البِنَاءِ
وسئل فيما يجب للزوجة من صداقها إذا مات زوجُها قبل البناءِ بها؟
فأجاب: تُوَفَّى الزوجةُ ما يجبُ لها من نصفِ صداقِها ومن نصف سياقتها، وإن أتى ذلك على المال كله.
الزواجُ في مدَّةِ الاستبراءِ من الزنى
وسئل في بكرٍ تزوجتْ، ثم أتتْ بولدٍ لشهرينِ من تاريخ العقدِ وثبتَ ذلك، وفُسِخَ النكاحُ بغير طلاقٍ، ثم أراد تزوجَها وردَّها لملكه؟
فأجاب: المشهور أنه لا تحل لزوجها أبداً، لأنه تزوجها في استبراءِ الزنى، فهي بمنزلة من تزوجت في العدة.
وفي المذهب قولٌ آخر: أنه يجوز له أن يتزوجها بعد الاستبراءِ بثلاثِ حِيض، ووجهه: أنه لا يرى الماءَ الفاسدَ كالصحيح، وهو قول لَهُ وجهٌ من النظرِ صحيحٌ، فمن قلَّدَهُ لم نعترضه.
وإن كان هذا الرجلُ لم يمسها بعد الولادة يفتقر إلى استبراء.
стр. 58
الزواج في العِدَّة
وسئل في امرأةٍ اعْترفتْ بتمام عِدَّتها بالأقراء وعُقِد عليها النكاحُ، ثم بعد ذلك زعمت أنها لم تحضْ إلا حيضتَيْن؟
فأجاب: هذا النكاحُ فاسدٌ، يُفسخ قبلَ الدخولِ وبعدَهُ، وإنْ طال وولدت الأولادَ، فإن فسخ قبل الدخول صحَّ للرجلِ أن يتزوجَهَا بعد ذلك بعقدٍ آخَر صحيح.
نكاح المرتَدِّ
وسُئل عن رجل تنصر وتزوج في أرض العدوّ نصرانيةً وأقام معها سنين، ثم عاد إلى الإسلام وأسلم وأسلمتْ هي معه في زمان واحد، وخرجا إلى بلاد المسلمين، هل يُقَران على نكاحهما أو يُفسخ بطلاق، وبعد ذلك يُنشئان عقداً آخر، وعلى أنهُ يفسخُ فما يكون الحكمُ فيهما اليوم، إذ هما باقيان على ما كانا عليه لم يفرق بينهما، وهل يؤدب كل واحدٍ منهما أم لا؟
فأجاب: تصفحت السؤال أعلاه، والجواب أنَّ المرتدَّ لا يُقَرُّ على
стр. 59
نكاحه في حال ردته على المشهور، وهو مذهب المدونة.
وقال ابنُ الماجشون: إنه يقر، وذهب إليه ابنُ حبيب.
والمشهور المعول عليه هو الأول، فيفسخ النكاح المسؤول عنه بطلاق، وتتربصُ المرأةُ حتى يمضيَ لها ثلاثةُ أطهار ويردها الزوجُ إن أحَبَّ، ولا يلحق واحداً منهما أدبٌ في إبقاءِ الزوجة معه في الأيام التي أبقاها، مراعاةً للخلاف، والولد لاحق.
من حرَّمَ على نفسه الزواجَ
وسئل في رجل قال: متى حل لي الزواجُ في هذه الجزيرة فهو حرام عَلَيَّ؛ ثم أقام
بعد ذلك فيها، فأراد الزواج خوف العنت للعصمة؟
стр. 60
فأجاب: إن كان قصد بقوله: متى حل لي الزواج، متى تزوجتُ، فلا يتزوج بهذه الجزيرة. وإن لم يقصد ذلك، وإنما قصد تحريمَ الزواج، فلا شيء عليه.
تحريم الزوجة
وسئل فيمن قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام؟
فأجاب: إن قصد الثلاثَ بقوله: أنت حرام، لزمَهُ ذلك وإن لم يقصدْ الثلاثَ وكانت الزوجةُ مدخولاً بها لزمه الثلاثُ على المشهور.
وفي المذهب قول: إنه تلزمه طلقة واحدة بائنة.
وقد رجحه بعضُ أشياخِ المذهب، وهو قول صحيح له وجه من النظر مَن قلده لم يُعْتَرضْ فيه.
وسئل فيمن قال لزوجته: هي عليه حرام كلحم الخنزير. ما يلزمه في يمينه من الطلاق؟
وقد سئل الحالف، فقال: إنه لم ينو طلاق الثلاث.
فأجاب: قد اختلفت العلماء قديماً وحديثاً فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، على أقوال كثيرة ذكر ابنُ العربي منها خمسة عشر قولاً يتحصل منها في المذهب خمسةُ أقوال.
стр. 61
فقال مالك وابنُ القاسم في المدونة: هي ثلاث في المدخول بها ولا يُنَوَّى وفي غير المدخول بها له نيته: من واحدةٍ أو غيرها.
وقال عَبدُ الملك: هي ثلاث على كل حال.
وقال أبو مصعب وابنُ عبد الحكم: هي ثلاث في المدخول بها، وفي غيرها واحدة.
وقال عبد العزيزبن أبي سلمة: هي واحدةٌ رجعيةٌ مطلقاً.
وروى ابن خويز منداد عن مالك: إنها واحدة بائنة في المدخول بها وغيرها.
وكان بعضُ الشيوخ - رحمهمالله - ممن له الفتوى ببلدنا هذا، يعتمد هذه الرواية، ويُفتي بها، ويرى أن ذلك جارٍ على مذهب المدونة المتقدم ذكره، لأنه إنما فرَّق فيها بين المدخول بها وغيرَهَا، لأن البينونة لم تكن عندهم إلا بالثلاث في المدخول بها، أما عندنا فإنها تَبِينُ بالواحدة. فالمدْخول بها اليوم نظير غير المدخول بها إذ ذاك، فحكمها واحد.
стр. 62
وقد أشار إلى هذا اللخمي في بعض أبحاثه.
وقد رجح ابنُ رشد القولَ بتصديق من يزعم أنه لم يُرِد بالحرام الطلاقَ، وصحَّحَه، وجاءت به روايةٌ في العتبية.
ومن باب أولَى تصديقُه إذا زعم أنه أرادَ غيرَ الثلاث.
فمن أخذ بهذا القول الأخير فهو مخلِّصٌ، إن شاءالله.
تحريم الزوجة التي لم يدخل بها
وسئل في رجل له زوجة لم يدخل بها، فقال في حال حرج: هي عليه حرام ثلاث مرات، ثم قال بعد ذلك في فور واحد: اشْهَدُوا علَيَّ أنها مطلقةٌ.
فأجاب: يُنَوَّى هذا القائلُ: هي عليه حرام، فإن نوى بها الثلاثَ لزمته؛ وَإن قال: إنه لم ينو بها الثلاث، فإن كان قولُه: اشهدوا بطلاقها، متصلاً بالتحريم، فتلزمه طلقتان: طلقة بالتحريم، وهذه الأخرى، وإن لم يكن متصلاً وكان بعد سكوته فيلزمه طلقةٌ واحدة بائنة بالتحريم خاصة.
من قال لزوجته: امشي عن وجهي
وسئل فيمن قال لزوجته: امشي عن وجهي، ما لي بك حاجة، فخرجت إلى دار والدها؟
فأجاب: إن قصد بقوله ذلك الطلاقَ لزمه، وإن لم يقصد به الطلاقَ فلا شيء عليه.
стр. 63
النية في تحريم الزوجة
وسئل في رجل قصد غشيان زوجته، فلم تطاوعه، فقال لها في الحين: هي عليه حرام في هذه الساعة، وخرج عن السرير حيث كان معها مضطجعاً.
فما يجب عليه في قوله هذا؟
فأجاب: ذكر مُوَصِّلُهْ وزعم أنهُ الحالفُ، وأنه لم ينو بقوله: هي عليَّ حرام، طلاقاً ولا تحريماً، وإنما أراد الامتناعَ منها في الحال.
والجواب: أنه لا يلزمه، لعدم النية على الصحيح.
تحريم الزوجة عقب طلاقها
وسئل فيمن طلق زوجه وحرَّمَها عقب الطلاق تحريماً مُرْدَفاً على الفور، وزعم بعد وقوع الطلاق أن نيتَه بالتحريم تأكيد الطلاق الأول، ولم يقصد به إلا واحدةً خاصة.
فهل تُسمَعُ دعواه هذه أم لا؟
فأجاب: إن كان التحريم متصلاً بالطلاقِ فيلزمه طلاقُ الثلاثِ، ولا يُصدق فيما ادعى من التأكيد. وأما إن كان بعد سكوته وانقطاع اللفظ
стр. 64
بالطلاق، فإن كان قصد بالطلاق الطلاقَ المتعارفَ عند الناس اليومَ، وهو المملك، فلا يرتدف، وإن قصد الرجعي فيرتدف وهو مصدق فيما يدعي من القصد.
مراجعة الزوجة التي حرمت بعد طلاق الثلاث
وسئل فيمن طلَّق زوجتَه ثلاثاً،. ثم قال بعد إيقاعه للطلاق: متى حلت حرمت، متى ما حلت حرمت، ثم تزوجت هذه المطلقة بعد ذلك وفارقها الزوج الثاني،
والأول يريد رجوعها.
هل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إنَّ له أن يُراجعَها.
الطلاق والمراجعة في يوم واحد
وسئل فيمن حلف باللازمة أن لا تبقى زوجُه في ملكه، وأراد طلاقها ومراجعتها في يوم واحد.
فأجاب: يجب عليه طلاقها، ويجوز له مراجعتُها في يوم واحد.
مراجعة المطلقة
وسئل في رجل حلف باللازمة لزوجه أن لا تخرج من الدار، فأشهد بطلاقها رجلاً واحداً وامرأتين، وخرجت المرأةُ من الدار بعد إشهاده، وهو يريد ارتجاعها؟
فأجاب: يُشْهِدُ الآن بطلاق زوجته شاهداً آخر، ثم يردها.
стр. 65
مراجعة الزوجة الحامل
وسئل فيمن راجع زوجه بعد مضي ستة أشهر من الحمل؟
فأجاب: إن كانت حاملاً في الشهر السادس ولم تدخل في السابع فتجوز مراجعتُها على الصحيح، وأما إن كانت بعدما دخلت في الشهر السابع فلا تجوز مراجعتها على المشهور.
فإن راجعها فيه فُسخ النكاح، فإن لم يفسخ حتى تضع وبقيت حية تم النكاح ولم يفسخ، لزوال الحمل.
خُلْعُ المَرأة التي أَضرَّ بها زوجُها
وسئل عن امرأة اختلعتْ لزوجها بأقلَّ مما يجب لها عليه في مطالبها قِبَلَهُ، وضمن
عنها الدرك في ذلك، وطلقها زوجها عليه. ثم بعد ذلك شهد شهودٌ بالسماع أنه كان يضربها إلى الافتداء منه، فإن وجب الغرم على الزوج، فهل له مطالبةُ الضامن؟ وهل تعمل شهادة السماع في مثل هذا؟ فإن أعلمت فما معناها وكيفيتها؟
فأجاب: إذا ثبتَ الضررُ لم يلزم للزوجة الخلعُ باتفاق، ولا ضامن
стр. 66
الدرك على الصحيح، ويكفي في ثبوت الضرر شهادةُ السماع.
من أوقف طلاق زوجتِهِ على تنازلها عن صداقها
وسئل في رجل سألته زوجُه طلاقها فقال لها: إن تركتِ مالكِ عندي من صداق وسياقة فلكِ ذلك، فقالت له: نعم. فأتى بشاهدين وأشهدهما بذلك وتراضيا به وضمنت الزوجةَ أمُّهَا، وأشهدت على نفسها أنها متى قامت بسنتُهَا تطلبُ ما ذكر فالأم حاملة عنه، ولم يسم الرجلُ طلاقاً، ولم يلفظ به حين إشهاد الزوجة وأمها بما ذُكر، وإن بعض الناسِ سأله عند انصرافه من موطن الإشهاد، فقال له: إني بريء منها على خير، ثم سأله ثان وثالث فقال لهما مثل قوله للأول، فمكث أياماً قلائل، ثم قال: إني لم أطلقها ولا أشهدت بطلاقها، ولم أوقعه عليها حين انصرافها.
فهل الطلاق واقع على حكم الخلع أم لا؟
وهل يرد إلى نيته في قوله: برئت منها؟
بينوا لنا ما يلزمه في ذلك كله.
فأجاب: إن ثبت ما ذُكر بشهادة العدول، أو اعترف الزوج به لزمه الطلاق، وإن لم يلفظ به، قياساً على ما قالوا فيمن قال لزوجته: إن أعطيتني كذا فارقتك، إِن فُهم من قرائن الأحوال وبساط الكلام أنه أراد وجهَ الخلع، أنه يلزمه الطلاقُ والخلعُ.
وهذه المسألة المسؤولُ عنها كذلك، لأن بساط الحال وضمان الكلام، وهو حاضر
ساكت، وقوله بعد ذلك: برئت منها على خير، يقتضي أنه أراد الطلاقَ والخلع.
стр. 67
سقوط النفقة على الناشز
وسئل هل للناشز نفقةٌ على زوجها أم لا؟
فأجاب: إن ثبت عند القاضي نشوزُ المرأةِ على الوجه المذكور في السؤال، تسقط نَفَقَتُهَا مدةَ نشوزِها.
نفقة زوجة المفقود
وسئل في امرأة فُقِدَ زوجُها، ورفعَتْ أمرها إلى القاضي بموضعها بعد فقده بمدة، وكانت قد أخذتَ نفَقتَها وكسوتَهَا من مال المفقود من يوم الفقد إلى يوم رفعها لأمرها فحكم لها القاضي بالنفقة والصرف وسائر فرضها من يوم رفع الأمر، ولم يثبت لها شيئاً مما قبل ذلك.
فهل ما حكم به القاضي صَحيحٌ أم لا؟
بينوا لنا وجهَ الصوابِ في ذلك.
فأجاب: ما حكم به القاضي هو فقه المسألة.
نفقةُ الزوجة قبل الدخول
وسئل في من طُلب بالنفقة قبل الدخول؟
стр. 68
فأجاب: إن كان قد دُعي الزوجُ للدخول وامتنع لغير عذر بالزوجة قُضِيَ عليه بالنفقة وإلاَّ فلا.
حضانة جدتين ليتيم
وسئل عن رجل كان له زوج فتوفيت وتركت له بنتاً من نحو عام، فأخذتها جدتها للأم فحضنتها مدةَ ستةِ أعوام، حتى نفدَ مالُ البنت ولم يبق منه إلا بعضُ أرض،
فأراد والدها وجدها للأب أخذَها، والتزمت جدتها للأب أن تنفق عليها وتربيتها وتجري عليها النفقة وسائر المؤنة إلى أن تتزوج، ليبقى مال البنت على ملكها، وقصدها بذلك الرفق بالبنت وتوفير ما بقي من مالها.
فتفضلوا بالجواب مأجورين مشكورين.
فأجاب: إنه نُقل في كتاب الاستغناء الخلافُ فيما إذا كانت لليتيم جدتان جدة للأم وجدة للأب، ولم يكن معه إلا دار قيمتها عشرون ديناراً أو نحوها، فأرادت جدة الأم بيعها عليه لتنفق ثمنها عليه، وقالت جدةُ الأب: أنا أنفق عليه من مالي ويكون معي وتبقى له داره رفقاً به، وليس له مال تجري عليه منه النفقةُ عند جدة الأم، فحكي عن بعض المفتين من الشيوخ
стр. 69
أن الجدةَ للأم أولَى بالحضانة. وقال المشاوَر: يُنظرُ إلى الأرفق بالصبي، لأنهما وليان جميعاً؛ فوجه القول الأول البقاء مع الأصل في أن الجدة للأم أولى بالحضانة مقدمة في الحضانة.
ويعضد هذا القولَ، القولُ بأن الحضانةَ حق للحاضن، ووجه الثاني أنَّ الحضانةَ أصلُها الرفق بالمحضون، ولذلك قدم فيها النساء على الرجال لما ظهر من الشفقة والحنان وحسن القيام على التربية، ويعضده القول بأن الحضانةَ حقٌ للمحضون، وقيل: إنها حق لهما معاً.
والظاهر عندي في هذه المسألة المسؤول عنها: أنه إن كان بقاء الصبية مع جدتها للأم يؤدِي إلى الإجحافِ بها في يسارةِ مالها، ويُخاف أن يُباعَ عليها وتصيرَ فقيرةً من فقراء المسلمين، وكانت جدة الأب تلتزم نفقتها وجميعُ مؤنها وهي في الرفق بها وحسن التربية بمنزلة الجدة للأم، والأب ضعيف لا كبير مال معه يواسيها به، أن تنتقل حضانتُها إلى جدة الأب، ولا تمنع من زيارة جدتها للأم والمقام معها في بعض الأيام. وإن كان لا يؤدي إلى الإجحاف بها كثيراً وكان لأبيها من أن يواسيها وامتنع من ذلك بخلاً منه، لا إضرار بجدة الأم أن تبقى معها ولا تنتقل
إلى الجدة للأب، والنظر في ذلك إلى القاضي، أعانهالله ووفقه، فيما يظهر له من مخايل الأمور والأحوال وما يثبت عنده في ذلك.
стр. 70
إلحاق بنت بنسب أبيها للشبهة
وسئل في رجل تُوفي عن زوجة وبنت منها، وأُلفِيَ في صداقهما طلقةٌ ومراجعةٌ، والرسمان غيرُ مشهودَين، والبنت عن وطء بعد المراجعة.
فأجاب: تُلحقُ البنتُ به للشبهة الدالة علَى أنَّهَا ابنَتُه.
اتهامُ زوج زوجتَهُ بالزنى
وسُئل فيمن اتَّهَمَ زوجه بالزنى، والزوجة حامل منه؟
فأجاب: إنَّ تحققَ أنها وقعت في الزنى وجب عليه أن يُمسك عنها، حتى تضع حملها، وإن لم يحقق أمسك عنها على جهة الورع، من غير وجوب.
من أقرت أن رجلاً جامعَها غلبةً ثم أنكرت
وسئل في امرأةٍ ذاتِ حَمْلٍ، أقرتْ أنَّ رجلاً دخل عليها غلبةً وجامعها، ثم أنكرت بعد الإقرارِ؟
فأجاب: إن كانت المرأةُ غيرَ متزوجةٍ لا يجوز لها أن تتزوج حتى تضعَ؛ وإن كانت متزوجةً لا يجوز لزوجها أن يَقربها، إلا بعد ثلاثِ حِيَضٍ، وإن حملت من الماء الفاسد فلا يقربُها حتى تضع، وإذا أنكرتْ قُبِلَ إنكارُهَا بعد اعترافها.
стр. 71
شُرْب الرجلِ لبنَ زوجتِه
وأما الثالثة فلا نصَّ في الرجل يشرَبُ لبن امرأته في الحولين أو بعدهما.
تزوج زوجة المفقود وقسمة ماله
وسئل عن جماعة من الفرسان فُقِدوا في معترك القتال بين المسلمين والنصارى
منذ عامين ونصف وثبت بالسماع الفاشي المستفيض على ألسنة أهل العدل وغيرِهم أنَّهمْ قُتلوا واستشهِدُوا، ولم يعش منهم إلا أربعة لا غير، وذلك لكثرة تردد الفكاكين إلى أرض لورقة ونواحيها، وخرج الأسرى من المسلمين منها كلهم يشهدون بذلك، ومنهم من شهد فيه على التعيين بأنه مات هناك، وذلك أيضاً بالسماع الفاشي المستفيض، وأنه لم يثبت حياة واحد منهم ولا سمع أنه حي بوجه طول المدة، فهل يجوز لنسائهم أن يتزوجن وتقسم أموالُهم؟ أو لا تكون الشهادة عاملةً في مثل هؤلاء إلا من شهد فيه على التخصيص بأنه مات بالسماع الفاشي المستفيض؟ ومن تزوجت منهن باجتهاد من الحاكم هل يفسخ نكاحْها ويُنقضُ حكمُ الحاكم أم لا؟
стр. 72
فأجاب: الجواب وبالله التوفيق أنه إن ثبت فيمن فقد من المسلمين المسؤول عنهم أعلاه أنه كان في العسكر متوجهاً للقتال، ورُئي في المعترك، أن الحكم بموته وقسم ماله وتزوج زوجته كما ذُكر في السؤال، صحيح، سواء شهد فيه على التخصيص أنه مات أو شهد بالسماع المستفيض، فقد أفتى القاضي أبو عبد اللهبن الحاج رحمهالله في بعض المغازي الواقعة بأرض الأندلس بين المسلمين والكفار في رجل شُهد فيه بالسماع الفاشي أنه استشهد في تلك الواقعة، وثبت رسم آخر أنه رُئي في العسكر، أنه يحكم بموته في تاريخ ثبوت موته على السماع ويرثه ورثته الأحياء يومئذ، ولا يحكم بموته الآن، ولا يُعمَّر كما يُعمَّرُ المفقودُ وليس لزوجته نفقةٌ في ماله، هي كالمتوفَّى عنها زوجُهَا.
وذكر اللخمي فيمن فقد في زمن الطاعون وفيمن توجه إلى بلد فيه طاعون أنه يحمل أمره على الموت، فتعتد امرأته ويقسم ماله، قال: وذكر بعض أصحابنا عن مالك أن الناسَ أصابتهم سنةً بطريق مكة سعالٌ. وكان الرجل لا يسعل إلا يسيراً حتى يموت فمات في ذلك عالم وفقد ناس ممن خرج فلم يأت لهم خبر حياة ولا
موت، فرأى أن تُقسم أموالُهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيرُه، فهذا بعضُ ما حكم فيه في هذه النازلة، ويدل على أنه مبني على غلبة الظن في ذلك، فما حكم به صحيح لا مجال فيه لاعتراض معترض.
стр. 73
الميراث والوصية
مطالبةُ الأولادِ والدَهم بميراثٍ من أمهم
وسئل في رجل كان له مع زوجته نحو ثلاثين عاماً، ثم توفيت الزوجة فطلب الأولادُ والدَهُم بميراثهم مما تركت المتوفاةُ من زرعٍ وزيتٍ وحرير؟
فأجاب: للأولادِ طلبُ أبيهم بالكراء وبغلة ما أخذ من الأملاك ما دون دار السكنى، إن كان للزوجة دارٌ، ويرجعُ هو بإجارة خدمته.
ميراث المفقود
وسئل في مفقودٍ توفي له ولده.
هل يرث أباهُ المفقودَ أم يرثه المفقود؟
فأجاب: يُضربُ للمفقود الأجلُ سنةً من يوم الرفع، فإن لم تثبتْ حياتُه وحكم القاضي بموته يوم الكائنة فيورث منه ولده الذي مات بعد فقده.
وعلى هذا جرى العملُ اليومَ.
وإن لم يحكم بموته يومَ الكائنةِ، وهو البيِّنُ، فلا يورث منه.
وسئل في من غاب في أداء فريضة الحج وانقطع خبرُه وماتت
стр. 74
ابنة عمه وهو غائب.
هل يرثها هو أو من يجب له الميراث؟
فأجاب: يُعَمَّرُ، فإذا انقضَى أجلُ التعمير وهو سبعون سنةً من يوم ولادته على المشهور، فإن لم يُعرفْ له خبرٌ ورثه يومئذ أحياءُ ورثته، ولا يرث هو من مات قبل انقضاء أمدِ التعميرِ، ابنة عمه أو غيرها.
وصية صبي لحاضنته
سؤال: عن صبي عهد بثلث ماله لحاضنته ومات، وكان ابن تسعة أعوام، وثبت
العهد كما يجب، فادعى وصيُّ الوارث للعاهد المذكور أن العاهد ما كان يعقل القربة، فأحضر قاضي الموضع الشاهدين بمجلس الحكم وسألهما: هل كان يعقل ذلك أم لا؟ فقال: إنه قال لهما: اشْهَدَا عليَّ بالثلث الجائز لحاضنتي فلانة، لأنها خدمتني وربتني، فقال القاضي: التسعة الأعوام تكفي أم كيف وقد عرف المجازاة على تربيتها له وخدمتها إياه، وأنفذ الحكم بالثلث المعهود لها به، فتفضلوا بالجواب، هل ما حكم به القاضي صحيح أم لا؟
والجواب: إن وصية الصبي المذكورة فيه نافذة لأنه يعقل القربة على ما وُصف به، قال في المدونة: تجوز وصية الصغير ابن عشر سنين وأقل مما
стр. 75
يقاربها، إذا أصاب وجه الوصية، وذلك إذا لم يكن فيها اختلاط، وفي كتاب ابن المواز: قال مالك وأصحابه: تجوز وصية الصغير إذا عقل ما يوصي به مثل ابن تسع سنين وشبهه، فما حكم به القاضي من إنفاذها صحيح لا يطعن فيه، وذكر السائل أن مخاصمي الموصَى له أثبتوا رسماً بأنَّ الصبيَّ كان لا يعقل القربة، فلا يُلتفت إليه، إذ الصحيح أنَّ البينةَ المثبتةَ أنه كان يعقل مقدمةٌ على غيرها، لا سيما وقد حَكَمَ القاضِي في مسألتنا.
следующие страницы →