← Фикх малики

Фикх малики · id 95578

فتاوى قاضي الجماعة ابن سراج الأندلسي

ابن سراج الأندلسي

Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شُرْب الرجلِ لبنَ زوجتِه وأما الثالثة فلا نصَّ في الرجل يشرَبُ لبن امرأته في الحولين أو بعدهما. تزوج زوجة المفقود وقسمة ماله وسئل عن جماعة من الفرسان فُقِدوا في معترك القتال بين المسلمين والنصارى منذ عامين ونصف وثبت بالسماع الفاشي المستفيض على ألسنة أهل العدل وغيرِهم أنَّهمْ قُتلوا واستشهِدُوا، ولم يعش منهم إلا أربعة لا غير، وذلك لكثرة تردد الفكاكين إلى أرض لورقة ونواحيها، وخرج الأسرى من المسلمين منها كلهم يشهدون بذلك، ومنهم من شهد فيه على التعيين بأنه مات هناك، وذلك أيضاً بالسماع الفاشي المستفيض، وأنه لم يثبت حياة واحد منهم ولا سمع أنه حي بوجه طول المدة، فهل يجوز لنسائهم أن يتزوجن وتقسم أموالُهم؟ أو لا تكون الشهادة عاملةً في مثل هؤلاء إلا من شهد فيه على التخصيص بأنه مات بالسماع الفاشي المستفيض؟ ومن تزوجت منهن باجتهاد من الحاكم هل يفسخ نكاحْها ويُنقضُ حكمُ الحاكم أم لا؟

стр. 72

فأجاب: الجواب وبالله التوفيق أنه إن ثبت فيمن فقد من المسلمين المسؤول عنهم أعلاه أنه كان في العسكر متوجهاً للقتال، ورُئي في المعترك، أن الحكم بموته وقسم ماله وتزوج زوجته كما ذُكر في السؤال، صحيح، سواء شهد فيه على التخصيص أنه مات أو شهد بالسماع المستفيض، فقد أفتى القاضي أبو عبد اللهبن الحاج رحمهالله في بعض المغازي الواقعة بأرض الأندلس بين المسلمين والكفار في رجل شُهد فيه بالسماع الفاشي أنه استشهد في تلك الواقعة، وثبت رسم آخر أنه رُئي في العسكر، أنه يحكم بموته في تاريخ ثبوت موته على السماع ويرثه ورثته الأحياء يومئذ، ولا يحكم بموته الآن، ولا يُعمَّر كما يُعمَّرُ المفقودُ وليس لزوجته نفقةٌ في ماله، هي كالمتوفَّى عنها زوجُهَا. وذكر اللخمي فيمن فقد في زمن الطاعون وفيمن توجه إلى بلد فيه طاعون أنه يحمل أمره على الموت، فتعتد امرأته ويقسم ماله، قال: وذكر بعض أصحابنا عن مالك أن الناسَ أصابتهم سنةً بطريق مكة سعالٌ. وكان الرجل لا يسعل إلا يسيراً حتى يموت فمات في ذلك عالم وفقد ناس ممن خرج فلم يأت لهم خبر حياة ولا موت، فرأى أن تُقسم أموالُهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيرُه، فهذا بعضُ ما حكم فيه في هذه النازلة، ويدل على أنه مبني على غلبة الظن في ذلك، فما حكم به صحيح لا مجال فيه لاعتراض معترض.

стр. 73

الميراث والوصية مطالبةُ الأولادِ والدَهم بميراثٍ من أمهم وسئل في رجل كان له مع زوجته نحو ثلاثين عاماً، ثم توفيت الزوجة فطلب الأولادُ والدَهُم بميراثهم مما تركت المتوفاةُ من زرعٍ وزيتٍ وحرير؟ فأجاب: للأولادِ طلبُ أبيهم بالكراء وبغلة ما أخذ من الأملاك ما دون دار السكنى، إن كان للزوجة دارٌ، ويرجعُ هو بإجارة خدمته. ميراث المفقود وسئل في مفقودٍ توفي له ولده. هل يرث أباهُ المفقودَ أم يرثه المفقود؟ فأجاب: يُضربُ للمفقود الأجلُ سنةً من يوم الرفع، فإن لم تثبتْ حياتُه وحكم القاضي بموته يوم الكائنة فيورث منه ولده الذي مات بعد فقده. وعلى هذا جرى العملُ اليومَ. وإن لم يحكم بموته يومَ الكائنةِ، وهو البيِّنُ، فلا يورث منه. وسئل في من غاب في أداء فريضة الحج وانقطع خبرُه وماتت

стр. 74

ابنة عمه وهو غائب. هل يرثها هو أو من يجب له الميراث؟ فأجاب: يُعَمَّرُ، فإذا انقضَى أجلُ التعمير وهو سبعون سنةً من يوم ولادته على المشهور، فإن لم يُعرفْ له خبرٌ ورثه يومئذ أحياءُ ورثته، ولا يرث هو من مات قبل انقضاء أمدِ التعميرِ، ابنة عمه أو غيرها. وصية صبي لحاضنته سؤال: عن صبي عهد بثلث ماله لحاضنته ومات، وكان ابن تسعة أعوام، وثبت العهد كما يجب، فادعى وصيُّ الوارث للعاهد المذكور أن العاهد ما كان يعقل القربة، فأحضر قاضي الموضع الشاهدين بمجلس الحكم وسألهما: هل كان يعقل ذلك أم لا؟ فقال: إنه قال لهما: اشْهَدَا عليَّ بالثلث الجائز لحاضنتي فلانة، لأنها خدمتني وربتني، فقال القاضي: التسعة الأعوام تكفي أم كيف وقد عرف المجازاة على تربيتها له وخدمتها إياه، وأنفذ الحكم بالثلث المعهود لها به، فتفضلوا بالجواب، هل ما حكم به القاضي صحيح أم لا؟ والجواب: إن وصية الصبي المذكورة فيه نافذة لأنه يعقل القربة على ما وُصف به، قال في المدونة: تجوز وصية الصغير ابن عشر سنين وأقل مما

стр. 75

يقاربها، إذا أصاب وجه الوصية، وذلك إذا لم يكن فيها اختلاط، وفي كتاب ابن المواز: قال مالك وأصحابه: تجوز وصية الصغير إذا عقل ما يوصي به مثل ابن تسع سنين وشبهه، فما حكم به القاضي من إنفاذها صحيح لا يطعن فيه، وذكر السائل أن مخاصمي الموصَى له أثبتوا رسماً بأنَّ الصبيَّ كان لا يعقل القربة، فلا يُلتفت إليه، إذ الصحيح أنَّ البينةَ المثبتةَ أنه كان يعقل مقدمةٌ على غيرها، لا سيما وقد حَكَمَ القاضِي في مسألتنا.

стр. 76

الهبة والحبس الهِبة بشاهد واحد وسئل في رجل وهب ابناً له صغيراً موضعاً بشاهدٍ واحدٍ، وتوفي ولم يشهد غيره. فهل تصح الهبة بالشاهد الواحد دون يمين أو توقف بخلال ما يكبر الابنُ ويحلف ما شاهده؟ فأجاب: يُسألُ الورثةُ: فإن وافقوا صحت الهبةُ للموهوب له، وإن لم يوافقوا حلفوا على نفي العلم، ووقف الموهوب بأيديهم إلى أن يبلغ الصبي، فإن حلف أخذه وإلا فلا. نحلة الأب بنتيه في مرضه وسئل في إنسان وقع في المرض، وتمادى مرضُه نحواً من سبعة أشهر، وفي أثناء هذه المدة عقد النكاح على بنتين له، ونحل كلَّ بنتٍ أملاكاً من أملاكه والتزم لها شِواراً بعدد معلوم، ثم توفي في مرضه ذلك. فهل يصح فعلُه فيما ذكر أم لا؟ فأجاب عن المسألة: تقفُ النحلةُ على إجازة الورثة.

стр. 77

نحلة الأب ابنه قبل عقد نكاحه وسئل عمن نحل ابنَه نحلةً وأشهد بها قبل عقد النكاح المنحول له بأيامٍ، هل يصحُّ ذلك أم لا؟ فأجاب: النحلةُ صحيحةٌ لازمةٌ للأب إن كان حازها الابن في صحة والده وحياته، وإن كان الأب قد مات قبل أن يحوزها فلا تصح له إلا بتسليم الورثة، لأنها تقدمت النكاح بخلاف ما هو في عقد النكاح فلا يفتقر لحوز وأما إن كان الأبُ حيّاً فيُجبر على التَّحْويز. الحبس بشاهد واحد وسئل في حبس بشاهد واحد؟ فأجاب: اختُلف في الحَبَس المعقب بشاهد واحد، فقيل: يحلف من يستحقه ويثبت الحبس له ولمن بعده. وقيل: يثبت له، فإن حلف من جاء بعده استحقه وإلا فلا. والذي يترجح في مسألتنا: أن هذا الذي هو الحبس بيده يحلف مع

стр. 78

الشاهد الذي شهد على خطه، ويثبت له ولغيره لثبوت أصل الحبس، وصرفه فيما حبس عليه. الحبس على مدرس العلم والحديث وسئل عن حبس حبسَ على مقرىء العلم وقارىء الحديث، هل يجوز أن يخص مقرئ العلم نفسه بفائد الحبس ولا يعطي منه لقارىء الحديث شيئاً أم لا؟ فأجاب: لا يجوز أن يخص بالحبس أحد الصنفين إلا أن يكون في عقد الحبس دليل على ذلك. والسلام على من يقف عليه، من محمد بن سراج، وفقها لله. الكتب المحبسة على جامع غرناطة وسئل عن كتب محبسة في خزانة الجامع الأعظم، فاشترط المحبس فيها ألا تُقرأَ إلا في الخزانة المذكورة، وأن لا تخرج منها، ومنها ما اشترط أن يخرج لكن بعد وضع رهن أو ثقة. فهل يجوز أن يتعدى ما اشترط في الحبس فيأثم المتعدي بسبب ذلك أم لا؟ فأجاب: لا يجوز أن يُتعدَّى شرطُ المحبِّس، لأنه تصرف في ملك الغير بغير بإذنِهِ، لأن الانتفاعَ بالحبس على ذمة المحبس. صرف أحباس المساجد وسئل عن مسجد له أصول زيتون لا يُعلم هي هي محبسة على

стр. 79

الإمام أو للوقود؟ فاستمرت العادةُ بطول السنين أنه كان يقسم الزيت على الإمام والمسجد إلى أن منعت البادية ما كان يُعطَى للإمام من الزيت، وصرفوه في بناء المسجد وحصره ووقوده، وأن الزيت شط على ذلك كله، فهل يكون للإمام عادة كما كانت، أو يعطى منه شيئاً معلوماً؟ فأجاب: إن كان المسجدُ جرت العادةُ فيه أن يُدفعَ لإمامه شيء معلوم مما سئل عنه كان ذلك للإمام، وأما إن لم تكن عادة فَيُبَدَّأُ بالبناء ثم الحُصُر ثم الإمام. ما يستحق الإمام من غلة أحباس المسجد وسئل عن إمام قرية أَمَّ بها مدةً من عامين بطعام معلوم وفائدة أحباس المسجد، ومن جملة أحباسه أصول زيتون لم يكن فيها في العام الأول غلة، وجاءت في العام الثاني بغلة كاملة على العادة في غلة الزيتون أنها عام وعام. خرج هذا الإمام عن الإمامة في أكتوبر بعد تمام العامين، ودخل غيرُهُ فأراد الداخل أخذَ الغلةِ كلَّهَا. بينوا لنا لمن تكون الغلةُ منهما؟ فأجاب: إذا كانت الغلةُ في العام الذي خرج فيه الإمام من المسجد فله منها بحسب ما أمَّ فيه من شهور العام.

стр. 80

خروج الإمام بعد دفع الأرض المحبسة على المسجد مزارعة وسئل عن إمام أعطى الأرضَ المحبسةَ على المسجد لشريكين مزارعةً، وزال من الإمامة في إبان الزراعة، فلما كان قبل زواله بيسير دفع للشريك الواحد حظه من الزريعة، وزرع الشريك ما كان بيده. وزال من الإمامة ومكث الحصن مدة من شهر أو نحوه بغير إمام، فحينئذ زرع الشريك الآخَرُ ما كان بيده من تلك الأرض وجعل الزريعة من عنده. ثم إن أهل الحصن نظروا إماماً آخر وأرادوا أن يدفعوا ذلك الذي استفيد في تلك الأرض، أعني النصف منها، وقال الإمام الأولُ: الزرع لي، لكوني أنا دفعت الأرضَ للشريك، فهل يكون الزرع للإمام الأولِ - ما دفع حظه من الزريعة وما زرعه الشريك من عنده - أو يكون له الزرع الذي دفع حظه من الزريعة دون غيره؟ فأجاب: للإمام الخارج من الإمامة حظُّه من الزرع الذي أعطى زريعته ويغرم كراء الأرض، ولا شيء له من الزرع الذي لم يدفع زريعته. زرع الإمام الأرضَ المحبسة على المسجد وسئل عن رجل كان إمامَ موضعٍ، وكان للمسجد الذي يؤمُّ فيه أرضٌ محبسة عليه، فزرع الأرضَ على حسب العادةِ في ذلك، ثم إنَّ أهلَ الموضِع أخرجوه وأخروه عن الإمامة، والزرعُ لم يتم بل بقي لزمان حصاده مدة، ثم إنه دخل إمامُ آخر عوضه، فأراد الإمامُ الثاني أن يتبع الأولَ بكراء الأرض المزدرعة من يوم خرج إلى يوم الحصاد وقلع الكتان، فقيل له: لا يجب لك شيء، لأن الإمامَ أخرجَ وهو كارهٌ فكأنهم غصبوه. فأجاب: يجب على الإمام الذي زال أن يؤديَ كراءَ ما بقيَ من شهوره العامِ بنسب ما بقي من شهورِ السنةِ، ويقض عليه ما ينوبه من كراء الأرض في العام كله إذا وزع عن شهور العام.

стр. 81

المعاملة في فرن محبس على مسجد وسئل عن فرنٍ حُبس على مسجدٍ اتفق إمامُه والفرّانُ على حظ معلوم منه بالأيام. هل يجوز هذا الاتفاقُ على هذا الوجه أم لا؟ فأجاب: المعاملة في الفرن على الأيام جائزة كما ذكر في السؤال، ومانع ذلك جاهل. قاله ابن سراج. ما يناله الإمامُ من الفرن المحبس على المسجد وسئل في قريةٍ لها فرنَان، أحدها للجانب والآخر للمسجد، ولكل فرن جهة معلومة من ديار القرية، ربما طبخ بعض أناس من الجهتين بفرن الجهة الأخرى لقصد أو عارض يعرض له، فانتقل من جهة فرن الجانب قوم لفرن الأحباس، فقال بعض الناس: لا يجوز للإمام ذلك، وأخذه لذلك الدقيق الذي يتألف، قادح فيه، فبينوا لنا وجه الصواب في القضية؟ فأجاب: ليس على الإمام جناح في ذلك ولا على غيره، وهو حلال، ومن ادعى تحريمه فهو جاهل متقول على الشرع، يجب عليه التوبةُ من كلامه. الرجوع في التحبيس وسئل عن رجل كانت له أملاكٌ وكان بعض جيرانه يضرُّ بِهِ،

стр. 82

فجاء يوماً ووجده قد قُطع له فيها أشجار، فلحقه من ذلك غيظ شديد، فخاف على نفسه وقوعَ الشر بينه وبين جيرانه فحبسها دفعاً للشر لا تقرباً إلىالله تعالى، ثم أراد الرجوع في ذلك متعذراً بكونه حبسها على غير وجه التحبيس ولكونها ليس فيها للمسجد منفعة بسبب كثرة الماء فيها وعدم من يحفر بلاطها، فهل له رجوع لهذا العذر أم لا؟ فأجاب: التحبيس لازم إلا ن يثبت أنه لم يقصده، وأما إن جهل أمرُه فهو لازم لا رجوع له فيه. صرف أحباس المساجد المعطلة في مساجد أخرى وسئل عن أحباسٍ مكتراةٍ من قَبْل استيلاء العدوِّ على الحصن، فتعطلت عمارتها ولم تتم مدة الكراء، فهل يلزمهم الكراء لبقاء مدته أم يُحط عنهم ذلك؟ إذ لا يمكن تعميرها. فأجاب: بأن الأحباس التي حبست على المساجد التي استولت الكفارُ على مواضعها فإنها تُصرف على مساجد المسلمين. بيع الأنقاض التي بأرض الحبس وسئل عن أرض محبسة اغترس فيها وبنى، فلما بلغ حد الانتفاع أراد الباني أو الغارس أو ورثته بيع ما غرس وبنى خاصة، إذ الأرض محبسة، فهل تجوز هذه المسألةُ مطلقاً أو يشترط البائعُ القلعَ والهدمَ، والضمائرُ منعقدةٌ على التبقيةِ أو العادة التبقية؟ فأجاب: بيع الأنقاض المبنية في الأرضِ المحبسةِ من غير شرط القلعِ والهدمِ، فيهِ خلافٌ، منعه جماعة من أهل المذهب، وأجازه جماعةٌ أخرى، والصحيح جوازه إذا جرت العادةُ بإبقائها.

стр. 83

بيع حبس لا منفعة فيه وسئل عن شَعْرَاء بأحواز قرية قرطبة من عمل قمارش حبست على المسجد بالقرية المذكورة منذ أزيد من مائة عام، وإن المسجد المذكور لم ينتفع بها منذ حبست عليه إلى الآن، وأهل القرية يريدون بيعها ووضع ثمنها في بناء المسجد وبلغ ثمنها سبعة دنانير فضية عشرية. فهل يجوز لهم بيعها أم لا؟ فأجاب: إذا ثبت ما ذكر جاز بيع الشعراء وجعل ثمنها في مصالح المسجد المذكور. الانتفاع بأَنقاض المسجد المهدم وسئل عن قرية بأرض قمارش تعرف بالزاوية، وكانت قرية ضعيفة، فهلكت فأحاط بميراث مسجدها قرية أخرى تعرف بالزنج، فهلكت قرية الزنج فأحاط بميراث مسجدها قرية أقوطة، فبقي مسجد قرية الزنج من غير بناء فخفنا عليه من فساد عدته، مثل القرمد والخشب والدفاف. فهل يجوز أن يؤخذ ما بقي منه أو يصلح - إن كان معه سبب لذلك؟ فنريد من كمال فضلكم أن تبينوا لنا حكم هذه المسألة المباركة. فأجاب: المسجد الخرب الذي لا يُصلَّى فيه لبناء من يجاوره يؤخذ نقضه ويبنى به مسجد آخر. متى يجوز هدم المسجد وسئل عن مسجد قرية خلت من السكان حتى لم يبق فيها

стр. 84

للسكنى إلا داران، غير أن المسجد والقرية في وسط العمران، وعلى طريق تُسلك على الدوام، فقلما يخلو المسجد ممن يصلي فيه، وله حبس أُضيف إلى حبس مسجد القرية القريبة منه، التي هي عامرة وصار ينتفع به، ومسجد القرية هو جيد البناء، إلا أن بعضه يحتاج للإِصلاح وفيه عدة جيدة، فهل يجوز هدمه واستخلاص أنقاضه وآلته يبنى بذلك مسجد القرية العامرة لكون بعض أهل الموضع يرومون ذلك خوفاً أن يبقى المسجد الذي بالقرية الخالية على ما هو عليه فتهدم آلته أم يؤخذ من فائد أحباسه، التي أضيفت لمسجد القرية العامرة، ما يصلح به بناؤه ويرم ويبقى مسجداً كما كان؟ على أن القرية الخالية لم يبق فيها أحد يسكن، وهي منذ عشرين عاماً خالية، وإنما بقي من الدارين اللتين بقيتا فيها بعض بنائهما بغير سكنى. فأجاب: الجواب، وبالله التوفيق، أنه إن كان المسجد المشار إليه في السؤال أعلاه، يخاف من اجتماع أهل الشر والفساد فيه، فيهدم ويستعان بنقضه في مسجد آخر، وإن كان لا يخاف من ذلك فيه، فيبنى ما تهدم منه من أوقافه التي نقلت لغيره من المساجد.

стр. 85

البيع والمبادلة البيع بثمن منجم مع شرط فاسد وسئل عن رجل باع ملكاً له من آخر بثمن منجم، وشرط عليه البائعُ في عقد الابتياع أن الثمنَ يبقى لأنجمه المذكورة سواء عاش المشتري أو مات ودفع له الأنجم وأحال في باقيها، ثم قيل له بعد ذلك: إنَّ الصفقةَ لا تجوز بسبب الشرط المذكور، فبقي في نفسه من ذلك شيء إلى أن اجتمع مع المشتري، فقال له: المشتري: إذ هي فاسدة. فإنا نشهد بفسخها ونعقد بعد ذلك عقدة أُخرَى صحيحة، فطاوعه البائعُ على ذلك، وأشهدا بالتفاسخ، فلما انعقد الفسخ بينهما هرب منه، ولم يقدر بعد على ضمه لتجديد العقد، وهو الآن يطلب البائع بما دفع إليه من الثمن، والمحال الذي أحاله البائع على المشتري يقول الآن للبائع: حين أحلتني في بقية الثمن خرجت أنت عن العقدة فبأي وجه حللتها وفسختها ولم يبق لك فيها طلب؟ والبائع المذكور لم يفسخ العقدة إلا ظاناً أنها مفسوخة، فلكم الفضل في بيان الحكم في النازلة بياناً شافياً. فأجاب: تصفحت السؤال المكتوب أعلاه، والجواب أنَّ العقدة أولاً، الظاهر فيها أن البيع صحيح والشرط فاسد، ولا يقال بفساد البيع لأن بعض العلماء خارج المذهب يرى أن الدين لا يحل بموت من هو عليه، وابن القصَّارِ يرى أنه إن التزم الورثة أداءَ الدين عند أجله وكانوا أملياء، أنْ يحكم على صاحب الدين بذلك، وإنما رأى مالك رضيالله عنه أن يحل

стр. 86

الدين بموت من هو عليه، لأنَّ الميتَ تخرب ذمته بموته، فيؤدي إلى خسارة صاحب الدين، فلذلك حكم بحلوله، لا أنه يثبت فيه سُنةٌ تمتنعُ مخالفتُها. فإذا كان الأمر هكذا فيكون البيعُ صحيحاً، والشرط فاسداً، وأما ما وقع بينهما بعد ذلك من الفسخ فإن ثبتَ ما ذكر في السؤال من أن الفسخ لم يكن إلا في ظاهر الأمر دون الباطن فلا يلزم الفسخ، وإلا فيلزم فيه. والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج. بيع ورق التوت وسئل عن بيع ورق التوت تحرياً دون وزن، يكون بعضها بقرية وبعضها بقرية أخرى؟ وهل يجوز التفاضلُ فيها؟ وهل تجوز المعاوضة بالعصير تحرياً إذا بدا صلاحهُ أو يشتري هذا وهذا وتقع المقاصَّةُ في هذا الثمن؟ وهل يجوز بيعه حِصْرماً إذا كان غير طيب. فأجاب: يجوز بيع ورق التوت بعضها ببعض تحرباً إذا كان البائع والمشتري عارفين بالتحري، أو قدَّمَا عَارِفاً يركنان لقوله، ويجوز التفاضلُ فيهما وأن يكون بعضها بقرية وبعضها بقرية أخرى، ولا تجوز المعاوضة بالعصير لعدم التناجز، ولا يتقاص، ولا أن يأخذ عصيراً في ثمن عصير آخر، ويجوز بيع العنب حِصْرماً إذا كان يقطع حصرماً، وقد كان بلغ أَنْ ينتفع به فيما ينتفع بالحصرم.

стр. 87

بيع القصيل بالطعام وسئل عن بيع القصيل بالطعام؟ فأجاب: بيع القصيل بالطعام جائز باتفاق، نقداً أو إلى أجل ويبادر لاتصال القصيل ولا يتركه حتى يتحبب، وإن تركه حتى تحبب فُسخ البيع على المنصوص لابن القاسم. دفع سلعة عوضاً عن سلعة أخرى في الذمة وسئل عمن وجب عليه حرير، هل يدفع قمحاً أو كتاناً أو غيره من السلع؟ فأجاب: له أن يأخذ عن الدين ما ذكر في السؤال إذا تعجله، إلا أن يكون هذا المأخوذ صنف الدين الذي دفع في الحرير وأخذ أقل أو أكثر فلا يجوز. من أسلَمَ طعاماً في عروض وسئل فيمن أسلم لآخر قمحاً في حرير، فلما حان أمَدُهُ أرادَ الغريمُ أنْ يعطيَهُ قيمةَ الحريرِ دراهمَ فهل يجوز ذلك؟ فأجاب: ذلك جائز بشرط التعجيل لئلا يكون فسخَ دينٍ في دين.

стр. 88

مبادلة الطَّعَامِ وزناً وسئل عن المبادلة في الطعام يَجعلُ هذا طعَامَهُ في كفةٍ والآخر في الكفة الأخرى؟. فأجاب: لا تجوزُ المبادلةُ بأن يجعل الملحُ في كفةٍ والشعيرُ في كفةٍ، وكذلك ما أشبه هذا، لأنه كالزنة بحجر مجهول، فلا يجوز لأنه غرر، إلا أن يُعرفَ مقدارُ وزنِ أحدِهِمَا بما يوزن به الآخر فيجوز، لأنه يصير معلوماً، وقد نصَّ على المنعِ فيما ذكر المنع فيه عبدُ الملك بن حبيب. وسئل عن إمام يجتمع له في فرنِ الأحباسِ دقيقٌ مختلطٌ من الذرة والقمح والشعير والسلت. هل يجوز له المبادلةُ بالذرة مثلاً أو القمح حبوباً فيجعل الحبوب في كفةٍ والدقيق في الكفة الأخرى؟ فأجاب: لا تجوز المبادلةُ على الوجه المذكور المسؤول عنه، إلا أن يكون بغير ما اختلط به مثل أن يختلط دقيق قمحِ ودقيقُ شعيرٍ، فيبدله بدقيق ذرة بالميزان بالصنجة لا في كفتين، لأن دقيقَ الذرة صنف آخر ودقيق الشعير والقمح صنف واحد، وأما بيعه بالدراهم فيجوز. سلف الدقيق وزناً وسئل عن سلف الدقيق بالوزن حسبما جرت به العادةُ،

стр. 89

وذلك أنَّ بعضَ أهلِ الزمانِ منعه، ورأى أنه لا يجوز إلا كيلاً، لأنه المعروفَ في الدقيق عند الفقهاء الأقدمين؟. فأجاب: روى النسائي وغيرُه عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: المِكْيَالُ عَلى مِكْيَالِ أهْلِ المَدِينَةِ، والوَزْنُ عَلَى وَزْنِ أَهْلِ مَكَّةَ فاتفقَ العلماءُ، إلاَّ مَنْ شذَّ منهم ممن لا يُعتدُّ به في المسألة، على أنه يرجع لهذا الحديث في نصب الزكاة، فالمعتبر في الدنانير والدراهم العدد والأواقي المعتبرة في الشرع، وَتُرَدُّ دَرَاهِمُنَا ودنانيرنا إليها، وتعتبر سكتنا بالنسبة إليها، وكانت سكة الذهب والفضة معروفة بمكة قبل الإسلام، فأقرَّهَا النبي ﵇ على ما كانت عليه في الجاهلية وقَدَّرَ بها النصابَ، وكذلك المعتبر في الحبوب من التمر والقمح والشعير والقطاني، وغير ذلك الكيل، فيكون على مقدار النصاب المشروع بمكيال أهل المدينة، ويعتبر في كيل كل بلدٍ نسبته في النصاب بالمقدار المحدود شرعاً إلى مكيالِ أهلِ المدينة، ولا يعتد بما جرت به العادةُ إن كانت مخالفةً لعادةِ الشرع بالوزن، فيما كان المعروف فيه في الشرع الكيل وبالعكس، وكذلك الكفارات على تفصيل فيها، وكذلك فدية الأَذَى.

стр. 90

وأما في البيوع والسَّلَمِ والمعاملات فتُعْتَبَرُ العوائدُ وما جرى به عرفُ كل موضعٍ من كيلٍ أو وزن، ولا أعلمُ في ذلك خلافاً، فالتمر مثلاً كان المعروف فيها بالشرع الكيل، وعندنا المعروف فيها الوزن فلا يجوز عندنا التعامل فيها بالكيل، لأنه مجهول فيقع في الغرر، وقد نهى النبيصلى الله عليه وسلم عن بيعِ الغرر فيخص بهذا النهي قولهصلى الله عليه وسلم: المِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المَدِينَةِ الحديث المتقدم. وأما المبادلةُ فيما تطلب فيه المساواةُ شرعاً فهل يُعتبر فيهَا ما هو معتادٌ في موضع التعامل كالبيوع، وإن خالفَ عادة الشرع، أو لا يُعتبر إلا ما اعتبر فيه في الشرع من كيل أو غيره؟ اختُلِفَ في ذلك على قولين: أحدهما: أنه اعتبر ما جرت به العادةُ في موضع التعامل، وهذا قول ابن القصَّار، فأجاز مبادلة القمح بالقمح وزناً، وأجاز مبادلة القمح بدقيقه وزناً، وقيد إحدى الروايتَيْنِ عن مالك بالمنع من مبادلة القمح بالدقيق إلاَّ إذا كانت بالكيل، ورأى أنها إذا كانت بالميزان جازت كما قال في الرواية الأخرى. والقول الثاني: أنه يُعتبر فيها ما قرر في الشرع في ذلك الشيء من كيل أو وزن، وهذا قول الباجي ومال إليه بعده جماعة من المتأخرين كابن

стр. 91

شاس وابن الحاجب وغيرهما. فوجه القولِ الأولِ أنَّ المقصودَ المساواةُ وقد حصلت. والمعتبر فيهما ما يعلم به ذلك عادة كالبيوع، ويُخَصُّ الحديث المتقدم وهو قولهصلى الله عليه وسلم: المِكْيَالُ علَى مِكْيَالِ أهْلِ المَدِينَةِ والوزْنُ وَزْنُ أهْلِ مَكَّةَ بالزكاة والكفارات. ووجه القول الآخر: أنَّ المعتبر ما عرفَ في الشرع، فيه يتحقق التساوي، لأن الشارع لما أمر بالمُمَاثَلَةِ اعتبر فيها ما كانت تحصل به في زمانه، ويعضده بالحديث المتقدم ويعمه في الزكاة والمبادلة، بخلاف المعاملة فإنه يخصه بحديث النهي عن بيع الغرر، ومنع في كتاب الصرف من المدونة بيع القمح وزناً فيحتمل أن يكونَ وجهُ المنع ما تقدم فيكون مذهب اعتبار العادة عندهم فيه الكيل فمخالفتها توقع في الغرر، وعبارات الفقهاء في الموطإ وغيره تقتضي أنَّ التعاملَ في الدقيق بالكيل، والمعروف فيه عندنا بالعادة الوزن لا الكيل. فإذا تقرر هذا فنقول: السلف يشبه المبادلةَ في طلب التساوي ابتداءً، فلا يجوز التفاضُلُ فيه بالشرط ويشبه المبايعةَ في كونه متعلقاً بالذمة، والذي يترجح، والله أعلم، أنْ يُعتبر فيه بابُ المبايعة، لأنه يتعلق بالذمة، فيعتبر فيه ما يعلم به المقدارَ عادةً لِيُعلم ما يرد ويرتفع به الغرر، لأنه إذا انتقلَ فيه إلى

стр. 92

مكيالٍ لم يعتبر في العرف وقع في الجهل والغرر، لأن بعضَ القمح أخفُّ وزناً من غيره، بخلاف المبادلة فإنها في معين. ووجه آخر وهو أنْ يُقال: القرض بُني فيه على المسامحة في القضاء، فيجوز اقتضاء أقلَّ مع الرضى باتفاق واقتضاء أكثر من غير شرط على اختلاف، والمبادلة لا يجوز فيها شيءٌ من المسامحة بالزيادة أو النقصان، وإن كان مع الرضى، باتفاق. فيدل هذا على افتراق البابين، وأن القرض يُسمح فيه ما لا يُسمح في المبادلة، فقد بُني فيه على ما يحصل به التماثل بالعادة ولا يلزم ما اعترف به الشرع ويضيق فيه كما ضُيِّقَ في باب المبادلةِ، ولأن القرضَ أصلُه المنعُ لأنه مبادلة بالتأخير، ولكن سمح فيه لما فيه من الرفق فهو مبني على التخفيف. ووجه آخر: أن التفاضُلَ في مبادلة العرض بالعرض جائزةٌ، وفي القرض يمنع باتفاق مع الشرط، لكونه سلفاً جرَّ منفعةً، فدلَّ على أنَّ عِلَّةَ المنعِ في البابين ليست واحدة وأنها في المبادلة التفاضلُ وفي السلف الوقوعُ في سلفٍ جرَّ منفعةً، وإذا افترقت علةُ المنعِ لم يُقَسْ أحدُ البابين على الآخر، وهذا كله على طريقة الباجي. وأما على طريقة ابن القصار فيجوز بلا إشكالٍ، لأنه إذا أجازه في المبادلة فمن باب أولَى أنْ يجيزَهُ في السَلفَ.

стр. 93

فعلى هذا يترجح في المسألة المسؤول عنها أن يكون في الدقيق عندنا بالميزان. والسلام عل من يقف عليه من ابن سراج وفقه الله. وسئل هل يجوز سلف الدقيق من الجيران بالوزن أم لا؟ فإن بعض الناس منعه ورأى أنه ربا، وهل يجوز سلف الخبز بالشخص واحدة بواحدة أو بالعدد إن كان أكثر على أن تكون خبزة في مقابلة خبزة، أو تكون اثنتان باثنتين أو ثلاث بثلاث؟ فأجاب: سلف الدقيق بالوزن جائز، لا أعلم فيه خلافاً، والقول بأنه ربا خطأ، وسلف الخبز تحرياً بأن يقدر ما في الخبزة من مقدار الدقيق، فإذا رد المتسلف خبزة نظر، فإن قدر أنها مثلها فلا إشكال، وإن كانت أقل ورضيَ المسلف بذلك فهوجائز، وإن لم يرض فلا يلزمه ذلك، وله طلب ما نقص، وأمَّا إن كانت أكثر ورضي المتسلف بدفع الزائد فيجوز على قول عيسىبن دينار مطلقاً، وعلى قول أشهب إن كانت الزيادة يسيرة، وأما على قول ابن القاسم فيظهر أن يمنع، لأنه يمنع الزيادة في السلف من غير شرط، ويحتمل أن يقال بالجواز في هذه المسألة على

стр. 94

مذهبه لِيَسَارَةِ الزيادة، ولقصد المعروف بين الجيران، والتساوي فيها من كل وجه قد يصعب، والذي يترجح عندي في هذه المسألة خصوصاً الجواز لما ذكرته. رد ابن سراج على تعقيب القربَاقي على هذه الفتوى لم يبينّ هذا المعترض وجهاً للاعتراض، ولا أبدى مانعاً في الفقه، ولا نقل قول إمام يعارض به، فقلت وبالله التوفيق: سلف الدقيق بالميزان جائز، لا أعرف أحداً ممن يقتدى به منعه، وذلك أنه يطلب في السلف معرفة المقدار المسلف ليعلم قدر ما يؤخذ، وقد حصل بالوزن، وبه أيضاً يعرف التساوي، وقد أجاز ابن القصار رحمهالله مبادلة الحنطة بدقيقها وزناً، وفسّر به قول مالك، وكذلك أجاز مبادلة القمح بالقمح وزناً لأن المقصود المساواة، وقد حصلت، وعلى هذا يكون قول ابن القصار نصاً في مسألتنا، لأنه إذا أجاز ذلك في المبادلة كانت إجازته في السلف أولى وأحرى، ولا أعلم لهذا المانع وجهاً، فإن كان استند إلى القول بالمنع من مبادلة القمح بالقمح وزناً فلا دليل له، لأن باب المبادلة أشد، لأنه يمنع فيه التفاضل في الصنف الواحد الربوي، وإن كان التفاضل يسيراً جداً، ولذلك منعت الزيادة اليسيرة في المراطلة، وإن كانت حبةً بإجماع لحصول الربا بذلك، وباب السلف أخف لما فيه من الرفق

стр. 95

والمعروف بين الناس، لا سيما الدقيق بين الجيران، ولأن قضاءً أقل إذا رضيه المسلف جائز باتفاق، وقضاء أكثر من غير شرط، إذا رضي المتسلّف، جائز مطلقاً على قول ابن حبيب وعيسىبن دينار، ويجوز عند أشهب إن كانت الزيادة يسيرة، ووجه الجواز مطلقاً قولهصلى الله عليه وسلم: خَيَارُكُمْ أحْسَنَكُمْ قضاءً، فحمله على إطلاقه في زيادة الصفة، وروى البزَّار عن ابن عباس رضيالله عنه أن رسولاللهصلى الله عليه وسلم: اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ أرْبعينَ صَاعاً فَرَدَّ إلَيْهِ ثمانين: أَرْبَعِينَ عَنْ سَلَفِهِ، وأَرْبَعِينَ فَضْلاً. فقد تبينّ من هذا أن باب المبادلة لا يُسْمَح فيه بِشَيْءٍ من التفاضل اختياراً بخلاف القرض، ولا يقاس فرع على أصل إلا بشرط اتفاقهما في العلّة، ومهما حصل فرق لم يصح القياس. ووجه آخر: وهو أن العلة في منع الزيادة في المبادلة التفاضل، وفي السلف عند من منع ردّ الأكثر الوقوع في سلف جرّ منفعة، وهو ممنوع لا للتفاضل بدليل أنه منع ذلك في سلف العروض وهي لا يدخلها الربا، وقد أجاز اقتضاء أقل في الطعام وغيره، والطعام يدخله الربا، وإذا اختلفت العلة لم تقس إحدى المسألتين على الأخرى. ووجه آخر: وهو أنه من باع طعاماً بثمن لم يجز أن يَقتضيَ بعد المفارقة من ذلك الثمن طعاماً من جنس الطعام المبيع أجود أو أكثر باتفاق، وقد نصّ في المدونة أنه من أسلف آخر مائة درهم تنقص نصفاً أنه يجوز أن يقتضي منها مائة وازنة.

стр. 96

ووجه آخر: أن المبادلة في الربويات لا يجوز فيها التأخير، والقرض مبادلة بالتأخير، لكن جاز لما فيه من الرفق. فهذه الأمور تدل على افتراق حكم البابين، وأنه يسمح في باب القرض ما لا يسمح فيه في باب المبادلة، فلا يلزم على هذا القائل باعتبار المعيار الشرعي في المبادلة أن يقوله في القرض، فينبغي الجواز في مسألتنا، لأن معرفة المساواة تحصل بالميزان، وهو المعروف عندنا في الدقيق، على أنه لا يجوز عندنا بيعه إلا به، لأن المبايعة إنما تكون بالمعيار المعروف، وإن خالفت العادة عادة الشرع، كالتمر مثلاً لايجوز بيعه عندنا بالكيل، وإن كان ذلك هو المعروف في عادة الشرع له لما يقع في الغرر المنهي عنه، ويعتضد في مسألتنا بما تقدم عن ابن القصار. إذا تقرر هذا فيقال: قد جرى العرف عند الناس والجيران في سلف الدقيق بالميزان، وهو يحصل به التساوي المطلوب في السلف، ولا يعرفون فيه الكيل، وله وجه صحيح، فلا يمنعون منه، لأن الناس إذا جرى عملهم على شيء له وجه صحيح يستند إليه لا ينبغي أن يحمل الناس على قول إمام، ويلزمون ذلك، إن كانوا مستندين في عملهم لقول إمام معتمد، أمّا إن كان المانع لا مستند له إلا مجرد نظره من غير نص ولا مشاورة فمنعه خطأ، فقد نصّ العلماء على أن من شرط تغيير المنكر أن يحقق كونه منكراً، وإلا فلا يجوز، ومن شرطه أيضاً أن يكون متفقاً عليه عند العلماء. فحسب هذا الرجل إن كان ظهر له المنع أن يمتنع منه في خاصة نفسه، ويتورع في ذاته، ولا يحمل الناس عليه ويدخل عليهم شغباً في

стр. 97

أنفسهم وحيرة في دينهم لمجرد نظره من غير استناد لمن يعتمد عليه من العلماء، فهذا ما يتعلق بالمسألة من الفقه. وأما جواب هذا الإنسان، الذي أتى بسجع كسجع الكهان، فهو أن يقال: ثَبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بِغرّة: عبدٍ أو وليدةٍ، فقال المقضي عليه: كيف أغرم ما لا شرب ولا أكَلَ، ولا نطق ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذلك بطل؟! وفي رواية أخرى: يُطَلُّ، فقال رسول الله ﷺ : إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ، قال الراوي: من أجل سجعه الذي يسجع، وَوَجْهُ إنكاره ﷺ أنه أتى بالاسجاع ليستميل بها القلوب لغير الحق لأجل الفصاحة، وروى أبو داوود أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ تَعلَّمَ صَرْفَ الكَلاَم لِيَسْبِي بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالٍ والنِّسَاءِ لَمْ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ يوم الْقِيَامَةِ صَرْفاً ولا عَدْلاً وروى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إلَيَّ وَأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامة أَحاسِنَكُمْ أخْلاقاً. وإنَّ أبغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُون والمُتَشَدِّقُون والْمُتَفَيْهقُونَ. قالوا: يا رَسُول الله: قَدْ عَلمْنا الثرِّثَّارِينَ والْمُتَشَّدَّقِين فَمَا الْمُتَفَيْهُقُون؟ قال: الْمُتَكَبِّرُونَ قال الترمذي: الثرثار هو كثير الكلام، والمتشدق الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبدو عليهم.

стр. 98

ففي هذا وأشباهه عظة لهذا الرجل، فإن الذي كان ينبغي له ويليق به أن يبين وجه الصواب ممّا قال، ويستدل على صحة ما ادّعاه، وأمّا ما أتى به من الأسجاع الرديئة فإن كان لم يرها قبيحة في حق نفسه فإنها قبيحة، وعدم صدق الطريقة التي انتسب إليها، فإن من أقامهالله مقام الاقتداء، وانتسب للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وجعل في رتبة الإمامة، وحلّ محلّ من تُرجى شفاعته يوم القيامة، فيجب عليه أن يتأدّب بأدب الشرع ويَقتدي بأهله. ولا يضع الشيء في غير محله، فقد قال النبي ﷺ : أنْزلُوَا الناس مَنَازِلَهُمْ وروي أن مالكاً ﵁ كانت أمه ترسله وهو صغير إلى حلقة ربيعة وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل أن تتعلّم من علمه، وروي عن ربيعة أنه قال: لا تعلموا العلم سفهاءكم فيصرفوا أخلاقهم فيه. فمن أقامه الله تعالى في تعليم العلم وبثّه للناس والفتيا به واسطة بين الربّ وعباده، فيجب عليه أن يشكر مولاه على ما أقامه فيه، ويسأل من ربِّه التوفيق والتسديد، ويفكّر في جوابه إذا وقف عند ربّه ويسأله عن كل مسألة أفتى فيها وفيما يكون خلاصه. والبحث عن المسائل من أحسن العمل إذا صحّت النية، وكان على

стр. 99

طريقة الناس والعلماء، فإن تبينّ الحق وجب الرجوع إليه، وإن وقع اختلاف ولكل واحد من الناظرين وجه صحيح ارتفعت المسألة خلافية، كما كانت العلماء العاملون. والبحث في المسائل الفقهية وإجراؤها على الأصولِ الصحيحة مع صحّة النيّة من أفضل العبادات وأقرب القربات وأعظم الوسائل إلى الله، فإن اتّعظ هذا الإنسان وانتهى عن حاله وشاور فيما يشكل عليه وبحث وناظر على طريقة الطلبة والعلماء فحسن، وإن عاد لحاله رفعت أمره وبينت حاله في هذا وفيما صَدَرَ منه قبل عند من يجب، فقد قيل: إنالله يَزَعُ بالسلطان ما لاَ يَزَعُه بالقرآن. والله يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه بمنه وفضله، ولله در القائل: اصبر على كل الأذى تحمد، سوى أذى له تعلق بالدين، والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج ورحمة الله وبركاته. تراجع في إقاله وسئل عن رجل اشترى داراً من رجل آخر دفع له من الثمن أربعين ديناراً وبقي منه أمر يسير، ثم مات المشتري وبقي ورثته، فقالوا للبائع: أَقِلْنَا في الدار المذكورة، ورد لنا الثمنَ في آخر السنة، فقال لهم: نعم على شرط أنْ تصبروا عليَّ في الذي صار قِبَلِي من الثمن للعَاقد.

стр. 100

فتشاهدوا على ذلك، فلما حان الأمدُ الذي خرجوا عليه طالبوه بالثمن، فقال لهم: قد بدا لي في تلك الإقالة ولا أريد إلا بقية الثمن، وهو إذ ذاك يعمر الدار، وما زال منها؟ فأجاب: إذا ثبتت الإقالةُ فلا مقال له بعد ذلك، وهي لازمة له. قاله ابن سراج وفقه الله تعالى.

стр. 101

الصرف والسكة الرد في النقود الجارية وصرفها سئل عن مسائل تتعلق بالرد في الدراهم وبصرف نقود السكة الجارية بين الأندلسيين، وفيما يلي نصوص الأسئلة وأجوبتها، مع الملاحظ أن بعض المسائل تتكرر وفي تكرر أجوبتها مزيد تفصيل فقهي. الأولى هل يجوز رد القيراط على الدرهم الصغير إذا وُزن الدرهم ولم يوزَن القيراط إذ جل الموازين ليس فيها ميزان القيراط؟ فأجاب: أما المسألة الأولى فهي جائزة للضرورة، لأن الأصل في المسألة المنع، وإن كان بالميزان، لأنه فضة بفضة وسلعة، وأصل المذهب المنع في ذلك، وقد كان مالك يمنع الرد مطلقاً، ثم قال: كنا نمنعه ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم أجزناهُ للضرورة، ولأن الناس لا يقصدون به صرفاً، فتعليل مالك بهذا يقتضي جواز ما ذكر في الرد إذا غلب على ظنه وزن القيراط، لكونه لا يظهر فيه أثر كسر ونحو ذلك. والثانية: إن بعض فقهاء الوقت يُفْتي بمنع صرف الدرهم الكبير بدرهمين صغيرين أو درهم صغير بقيراطين ويُفْتِي بمنع رد درهم صغير على درهم كبير أو قيراط على درهم صغير بالميزان المعروف بالقلسطون، ويعلل بأن التساوي بعد الوزن بالقلسطون غير حاصل، إذ بعض الدراهم أوزن من بعض فالمسرع فيه في الهبوط أثقل من البطيء، قال: فيجب على الإنسان

стр. 102

أن يعمل شاهدًا ويزن فيه بالصنجة؟. فأجاب: وأما الثانية فإنها جائزة، ومنعُها علو وتنطع، وقد قال تعالى: (لا تغلو في دينكم) وقال النبي ﷺ : هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ. هذا في الرد بالقلسطون، وأما مبادلة الكبير بالصغيرين على القول بجوازه فالذي يترجح جوازه. الثالثة: في القراريط المقروضة الجارية بين الناس، هل يجوز ردها على الدرهم الصغير أو على الكبير إذا اشترى بدرهم ونصف؟ فأجاب: أما المسألة الثالثة فإن شيخنا القاضي أبا عبد اللهبن علاق رحمهالله كان يجيز الرد في الدراهم الصغيرة المقطوعة من الكبار وفي القراريط المقطوعة من الدراهم للضرورة، ولأنّها مسكوكة، لأن أثر السكة فيها، ولأنّ مالكاً لم ينقل عنه أنّه منع التعامل بها، فلم تشبه قطعة الفضة التي ليس فيها أثر سكة، وهذا بين لما نذكره في المسألة الثانية إن شاءالله. الرابعة: إذا قيل بالجواز هل يجوز رده ورد القيراط الصحيح بغير وزن القيراط إذ لا يوجد للقيراط ميزان في أكثر الموازين أعني في القلسطون؟ فهل يجوز رد القيراط صحيحاً كان أو مقروضاً بغير وزن لكن يعدون الدرهم إذ لا ضرورة فيه؟ وأما المسألة الرابعة فيقال: الأولى في الرد في الدرهم على المذهب المنع، لأنه فضة وسلعة بفضة، ومذهب مالك منع هذا، لكن أجازه في الرد

стр. 103

في الدرهم للضرورة، وخالف أصله، فقد روي عنه أنه قال: كنا نمنعه ويخالفنا أهل العراق، ثم أجزناه لضرورة الناس، ولأنهم لا يقصدون به صرفاً، فإذا تقرر هذا فيقال: كان الأولى في الوزن أن يكون بميزان غير القلسطون حتى يتحقق به مقدار النقص، فإن الدرهم إذا وزن بالقلسطون إنما يفيد معرفة وزنه من نقصه، وأما مقدار ما بين درهمين فلا، وجرى العمل من الشيوخ بالمسامحة في الرد به للضرورة، لأنه لا يوجد ميزان غيره لذلك، وقد يكون الدرهم يهبط في القلسطون من كل جهة، ويكون المردود عليه يهبط فيه من جهة واحدة وبالعكس، فقد تحقق عدم التساوي بين الدرهمين، ولكن سمحوا بهذا للضرورة مراعاة لمذهب أهل العراق، فإنهم يجيزون فضة بفضة وسلعة، ويجعلون ما يقابل ما نقص من الفضة عن الفضة الأخرى في مقابلة السلعة، والإمام قد راعى هذا في مسألة الرد، وهم لا يشترطون تساوي الفضتين، فكذلك يلزم في هذا، فعلى هذا يجوز رد القيراط من غير وزن إذا لم يوجد له ميزان واضطر لذلك، لأنه إذا كان من تقدم من الشيوخ لا يمنع الرد بالقلسطون للضرورة وهو يتحقق فيه التفاضل لكون أحد الدرهمين أكثر وزناً من الآخر ومراعاة لمذهب أبي حنيفة ولقول الإمام: أجزناه لضرورة الناس، ولأنهم لا يقصدون به صرفاً فكذلك هذا، وقد أخبرني به وابن القباب رحمهما الله أنه إذا كان المردود وازناً في بعض الموازين لا يلزم البائع بدله، لأنه كالاختلاف في وجود العيب، فلم يراعيا ما يتوقع من الربا، ووجه ذلك ما تقدم، والله أعلم.

стр. 104

ووجه آخر: أن اعتبار الوزن في الرد لم ينقل عن مالك ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين فيما يذكر، وإنما ذكره ابن الكاتب تأويلاً عن مسألة ابن البلاط لما سأله ابن عمر، وهي الواقعة في كتاب الصرف من المدونة إلى جواز الرد بغير قلسطون ولا ميزان عند بعدهما كان يذهب شيخنا الخطيب أبو عبد الله الحفار رحمهالله. تلقيت ذلك أنا منه واحتج بما ذكرته، وهو بينَّ إذا نظر في المسألة بالانصاف. والذي يظهر - والله أعلم - أن الذي يعتبر من الشروط في الرد ما كان الخروج عنه يؤدي إلى الربا المتفق عليه بين أهل المذاهب المعتمدة، مثل عدم التناجز أو الردّ على الهبة والصدقة والسلف وما أشبه ذلك، وأما ما اختلف فيه فيجوز للضرورة، لأن مالكاً رضيالله عنه خالف أصله لذلك، فإن منعنا من غير نص منه على المنع خالفنا أصله الذي اعتمده من مراعاة الخلاف للضرورة. الخامسة: ما معنى اشتراط الفقهاء في الدرهم المدفوع

стр. 105

والمردود أن تكون السكة فيهما واحدة؟ هل معنى ذلك أن يكونا معاً مضروبين صحيحين كانا أو مقروضين؟ الجواب: وأما المسألة الخامسة وهو اشتراط أن تكون السكة واحدة فلم يشترطها فيما يذكر إلا ابن القباب رحمهالله، وكان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن علاق رحمهالله يستشكله ويعترضه بأنه إن أراد التساوي في الجودة والرداءة فهذا لم يقله أحد، ولم يكن يشترطه فيما يعلم، وإن أراد أن لا يكون أحدهما من ضرب ستين درهماً في الأوقية والآخر من ضرب سبعين فاشتراط الوزن يكفي. تَغَيَّرُ السِّكَّةِ الجاريةِ وسئل في من باع بسكة فقطعت، ماذا يجب له؟ فأجاب: للبائع دراهم سكته من الجارية يوم العقد، ولا يجوز له أخذ دراهم جديدة إلا قدر البالية، وإن طابت نفس الدافع بذلك. . .

стр. 106

الشفعة الشفعة في أصل توت وسئل في أصل توت مشترك، باع أحد الشريكين حَظَّهُ، فأراد الآخر الشفعة فيه؟ فأجاب: لا شفعة في ذلك على رواية ابن القاسم، وهو المشهور. سقوط الشفعة وسئل في فدان مشترك بين أختين محجورتين، فباعت وصي البنت الواحدة على محجورتها النصف الواحد منه لجهة معينة، ثم إنَّ البنتَ الأُخرى قامت بعد أربعة أعوام تريد الشفعة فيما بيع على أختها من ذلك. فهل تجب لها أم لا؟ فأجاب: لا تثبت الشفعة فيما سئل عنه أعلاه، وبيع الوصي نافذ إلا أن يثبت أنه لمْ يُوافق السَّدَاد.

стр. 107

لا حق في الشفعة في الماء وسئلفي رجل باع شِرْبَ ماءٍ كان لأخته منه الخمس فأرادت أخذه بالشفعة. هل لها ذلك أم لا؟ فأجاب: لا شفعة في الماء، قاله ابن سراج.

стр. 108

الشركة والمزارعة الشركة في عقد اللبن جُبناً وسئلعن رجلين يشتركان في عقد اللبن، فيجعل هذا من اللبن كيلاً معلوماً ويجعل الآخر بقدر ذلك، ثم يعقدانه جُبْناً ويقتسمانه عند نهوضه جبناً؟ فأجاب: المسألة تجري على الخلاف في خلط الجلجلان والزيتون في المعصرة، والذي يترجح - والله الموفق - جوازُها للحاجة، لكن بشرط أن يُكال اللبن عند الخلط، ويقسم الجبن على حسبه. الشركةُ في غلة الزيتون وسئل في الشركة في غلة الزيتون على أن يقول الرجلُ

стр. 109

للرجل: اخدمْ في أصل الزيتون بالموضع بكذا، وأعطيك من غلتها كذا: الربع أو ما يتفقان عليه؟ فأجاب: إن كانت الغلةُ لم تطلب، وعامل صاحب الأرض الآخر على أن يخدمه ويسقيه وغير ذلك، فهي مساقاة جائزة. وإن كان عامله بعد طيبها على جمعها بالربع فهي ممنوعة، لأنها إجارة مجهولة، إلا أن يحزراها ويخمناها ويكونان عارفين بذلك، أو يقدما عارفا، فيجوز وتكون إجارة بالربع بعد علمه بالتقدير. الشركة في دودة الحرير وسئل عن علوفة دودة الحرير وشركتها وإجارتها؟. فأجاب: عن المسألة: إذا كانت الورق لإنسان فدفعها لآخر يعلف عليها على الثلث للعلاف والثلثين لرب الورق والزريعة بينهما كذلك والمؤونة كلها على العامل، بما نصه: الشركة في العلوفة إذا وقعت على الوجه المذكور يظهر أنها جائزة بشروط: الشرط الأول: أن تكون الورق قد ظهرت وبدا صلاحُهَا. الشرط الثاني: أن ينظر إلى الورق ويحْرزها ويعلم مقدارها بالحزر والتخمين.

стр. 110

الشرط الثالث: أن يشترطا أنهما إن نفدت الورق واحتاجا إلى ورق آخر أنْ يشترياها مَعاً من غير أن يختص أحدُهما بشراءٍ دون الآخر. الشرط الرابع: أن يكون العمل معلوماً إما بالشرط وإِمَّا بالعادة. الشرط الخامس: إن احتاجا إلى شراء ورق أن يكون العمل معلوماً بينهما على حسب الشركة كما كان الشراء بينهما كذلك، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فتمتنع، وإن توفرت فيظهر، والله أعلم، أنها جائزة قياساً على المزارعة وإن كانت رخصة. والقياس على الرخص مختلف فيه، ولكن البناء على القول بجوازه ظاهر في مسألتنا للضرورة والحاجة إليه، ولما يؤدي إليه من إضاعة المال في بعض الأحوال إن لم يعمل به وقد علمنا من أصل الشرع مراعاة هذه المصالح في المزارعة والقراض والمساقاة، فكذلك مسألتنا. وقد قال مالك رضيالله عنه - في بعض المسائل: لا بد للناس مما يصلحهم، فظاهر هذا الكلام أنه تُراعى مصلحة الناس إذا كانت تجري على أصل شرعي. وروى سحنون أنه أجاز للرجل أن يدفع ملاحته لمن يعمل فيها بجزء معلوم منها، وإن كان بعض أشياخ المذهب اعترضها، لأنها إجارة بجزءٍ مجهول، وهذا بناءً على الأصل، وسحنون رحمهالله راعى ما تقدم من الضرورة فيها والحاجة إليها، وروى ابن رشد المنع في مسألة الملاحة إن سموها إجارةً، والجواز إن سموها شركة، وإن وقعت بلفظ محتمل تتخرج على قولين فأجاز ابن رشد المعاملة فيها إن سموها شركة وقول سحنون
следующие страницы →