← Адаб

Адаб · id 95581

مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس

الفتح بن خاقان

Полный текст (229 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطبة الكتاب أما بعد حمداً لله الذي أشعرنا إلهاماً، وصير لنا أفهاماً، ويسر لنا بُرُود آداب، ونشرنا للانبعاث إلى إثباتها والانتداب، وصلى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبأه منّة ونعمة، وسلم تسليماً: فإنه كان بالأندلس أعلام، فُتنوا بسِحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلّدوها بمحاسنهم وطوّقوها ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا وبقيت مآثرهم غير مُثبتةٍ في ديوان، ولا مُجملةٍ في تصنيف أحد

стр. 2

من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشّط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حثَّ عليه فأجبتُ رغبته، وحلّيتُ بالإسعاف لَبَّته، وذهبتُ إلى إبدائها، وتخليد عليائِها، وأمليتُ منها في بعض الأيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء وتناسق دُرر الكُتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء وأعيان القُضاة والفُهماء. القسم الثالث: يشتمل على سرد محاسن الأدباء، النوابغ النُجباء. وسميتها: مطمح الأنفُس ومسرح التأنُّس في مُلَح أهل الأندلس، وأبقيتها لذوي

стр. 3

الآداب ذِكراً، ولأهل الإحسان فخراً، يُساجلون بها أهل العراق، ويُحاسنون بمحاسنها الشمس عند الإشراق. والله أسأله إلهام المقصد، وانفراج بابه المُرصد بمنّه وكرمه.

стр. 4

القسم الأول الوزراء

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحاجب جعفر بن عُثمان المُصحَفيّ تجرَّد للعليا، وتمرَّد في طلب الدُّنيا، حتى بلغ المُنى، وتسوَّغ

стр. 6

ذلك الجنى، فسما دون سابقه، وارتقى إلى رُتبة لم تكن لبنيتِه بمطابقة فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السُّلافة، واستوزره المُستنصر، وعنه كان يسمع وبه يُبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشَّرك، واقتنى وادّخر، وأزرى بِمن سِواه وسَخِر، واستعطفه المنصور بن أبي عامر، ونجمه

стр. 7

غائر لم يَلح، وسِرُّه مكتوم لم يَبُح، فما عطف، ولا جنى من روضةِ دُنياه ولا قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام، والأندلس متغيرة والأذهان في تكيّف سعده متحيّرة، فناهيك من ذكرٍ خلّد، ومن فَخر تقلّد، ومن صعب راض وجَناح فتنة هاض، ولم يزل بنجَاد تلك الخلافة مُعتقَلا، وفي مطالعها مُنتقلا، إلى أن تُوفّي الحكم، فانُتقِض عِقدُه المُحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسدّدت إليه من الخطوب سهام صوائب، واتصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بالوليد بن يزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شبّ قبل اليوم عن طوقه عمرو، وانتدب

стр. 8

للمُصحَفي بصدر قد كان أوغره، وساءه وصغّره، فاقتص من تلك الإساءة وأغصّ حلقه بأي مَساءة، فأخمله ونكبه، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه حَزَنا ونهب له مُدَّخراً ومُختزنا، ودمّر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، وغير سنين في مهوى تلك النكبة، وجَوى تلك الكُربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين ضيق المُطبق ولهواته، إلى أن تكوّرت شمسُه، وفاضت بين أثناء المِحن نفسُه، ومن بديع ما حُفِظ له في نكبته، قوله يستريح من كُربَته: صَبَرتُ على الأيّامِ لمّا تولّتِ ... وألزمتُ نفسي صبرها فاستمرّتِ فَوَا عجَباً للِقَلبِ كيفَ اعترافه ... وللنّفسِ بعد العزّ كيف استذلّتِ

стр. 9

وما النّفس إلاّ حيثُ يَجعَلُها الفَتَى ... فإنْ طَمِعَت تَاقَتْ وإلاّ تسلّتِ وكَانتْ على الأيّامِ نفسي عزيزةً ... فلمّا رأت صَبْري على الذُّلِّ ذَلَّتِ فَقُلتُ لها: يا نفسُ موتي كريمةً ... فقد كانت الدُّنيا لنا ثُمَّ ولَّتِ وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم القريض مسارع، فمن محاسن إنشاده، التي بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله: لعَينيكِ في قلبي عليّ عيونُ ... وبين ضلوعي للشُّجونِ فنونُ لَئِن كان جِسمي مُخلّقاً في يد الهوى ... فَحُبَّك عندي في الفًؤَادِ مَصونُ وله وقد أصبح عاكفاً على حُميَّاه، هاتفاً بإجابة دُنياه، مُرتشِفاً ثَغر الأُنس متنسِّماً ريّاه، والمُلكُ يغازله بطَرفٍ كحيل، والسَّعد

стр. 10

قد عقد عليه منه إكليل، يصِفُ لون مُدَامِه، وما تعرف له منها دون نِدَامه: صفراءُ تَطرُقُ في الزّجاج فإن سَرَتْ ... في الجِسم دَبَّتْ مِثل صلٍّ لادغِ خَفِيتْ على شُرَّابِها فكأنَّما ... يجدون رِيَّا مِن إناءٍ فارغِ ومن شعره في السفرجل الذي قاله فيه مشبّهاً، وغدا به لنائم البديع منبهاً قوله يصف سفرجلة، ويقال: إنه ارتجله: ومُصفَرَّةٍ تَختَالُ في ثَوبِ نَرجسِ ... وتَعبَقُ عن مِسك ذكيِّ التَّنفُّسِ لها ريحُ مَحبوبٍ وقَسوةُ قَلبِهِ ... ولَونُ محبٍّ حُلَّةَ السُّقمِ مُكتسي فصُفرّتُها من صُفرتي مستعارةٌ ... وأنفَاسُها في الطّيبِ أنفاسُ مُؤنسي وكان لها ثوبٌ من الزُّغب أغبرُ ... على جِسم مصفرٍّ من التّبرِ أملّسِ فلمّا استتمَّت في القَضيبِ شبَابها ... وحاكَت لها الأوراقُ أثوابَ سُندُسِ مَدَدتُ يدي باللّطف أبغي اجتناءها ... لأجعلها رَيحانتي وَسطَ مَجلسي

стр. 11

فَبزَّت يدي غَصباً ثَوبَ جِسمِهَا ... وأعريتُها باللّطفِ مِن كُلِّ مَلبَسِ ولمّا تعرَّتْ في يدي من بُرُودِها ... ولم تبقَ إلاّ في غلالةِ نرجسِ ذكرتُ بها من لا أبوحُ بذِكرِهِ ... فأذْبَلها في الطفِّ حرُّ التَّنفُّسِ وله وقد أعاده المنصور إلى المُطبَق، والشّجون تُسرعُ إليه وتسبق، معزّياً لنفسِهِ، مجتزياً بإسعاد أمسهِ: أُجَازي الزّمانَ على حاله ... مجازاةَ نفسي لأنفَاسها إذا نَفَسٌ صاعِدٌ شفّها ... توارت به دونَ جُلاَّسِها وإنْ عكفت نَكبَةٌ للزّمان ... عطفتُ بنفسي على رأسها وممّا حفظ له في استعاطفه، واستنزاله للمنصور واستلطافه قوله: عفا الله عنك إلا رَحمَة ... تجود بعَفوكَ إنْ أبْعَدا لِئن جلّ ذنب ولَمْ اعتَمِدهُ ... فأنت أجلُّ وأعلَى يَدا

стр. 12

ألمْ ترَ عَبداً عدا طَورهُ ... ومولىً عفا ورشيداً هدى ومفسد أمر تلافَيتَهُ ... فعادَ فأصلحَ ما أفسدا أقِلني أقالك مَنْ لم يزلْ ... يَقيك ويصرف عنك الرّدى قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور: سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده، والحضور على إنزاله في ملحده، فنظرته ولا أثر فيه، وليس عليه شيء يواريه، غير كساءٍ خَلق لبعض البوّابين، فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل، فغسله - والله - على فردة باب اقتُطع من جانب الدار، وأنا أعتبر من تصرّف الأقدار، وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه، وما تجاسر أحد منا للنظر إليه، وإن لي في شأنه لخبرا ما سَمع بمثله طالبُ وعظ، ولا وقع في سمع ولا تُصُوِّر في لَحظ، وقفت له في طريقه من قصره، أيام نهيه وأمره، أروم أن أناوله قصة، كانت به مختصة، فوالله ما تمكّنتُ من الدنو منه بحيلة لكثافة موكبه، وكثرة من حَفَّ به، وأخذ الناس السِّكك عليه وأفواه الطرق داعين، وجارين بين يديه وساعين، حتى ناولتُ قِصَّتي بعض كُتَّابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القِصص، فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشَّرق بحاله والغَصَص، فلم تطل المُدَّة حتى غضِبَ عليه المنصور واعتقله، ونقله معه في الغزوات وحَمَله، واتفق

стр. 13

أن نزلت بجِلِّيقيَّة إلى جانب خبائه في ليلة نهى المنصور فيها عن وقود النيران، ليُخفي على العدو وأثره ولا ينكشف إليه خبره، فرأيت والله، عثمان تبنه يسفّه دقيقاً قد خلطه بماء يقيم به أوَدهُ، ويمسك بسببه رمقه، بضعف حال، وعدم زاد، وهو يقول: تأمَلتُ صَرفَ الحادثات فلم أزلْ ... أراها توفّي عند موعدها الحُرّا فلله أيام مضت بسبيلها ... فإنّي لا أنسى لها أبداً ذِكراً تجافت بها عنّا الحوادثُ بُرهَةً ... وأبدتْ لنا منها الطّلاقة والبِشْرا لياليَ لم يدرِ الزمانُ مكانها ... ولا نظرتْ منها حوادثه شَزْرا وما هذه الأيّام إلاّ سحائب ... على كلّ أرض تُمطِرُ الخَيرَ والشَّرَّا وكان مّما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المُصحَفي ميل الوزراء إليه وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقّيه وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها لم تكن حميّة إعرابية، فقد كانت سَلفيَّة سُلطانَّية، يقتضي القوم فيها سبيل سَلفهم ويمنعون بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة،

стр. 14

وخلّفوها عادة أثيرة، تشاحّ الخلف فيها تشاحّ أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحداً لا يلحق فيها غاية، ولا يتلقّى لها رأية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه، وهو نزيع بينهم ونابغ فيهم، حسدوه وذمّوه، وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه آل أبي عبدة، وآل شُهَيد، وآل فُطَيس من الخلفاء وأصحاب الرِّدافة، وأولي الشرف والإنافة،

стр. 15

وكانوا في الوقت أزمة المُلك وقُوَّام الخِدمِة، ومصابيح الأمة، وأغير الخلق على جاه وحرمة، فاحظوا محمد بن أبي عامر مشايعة، ولبعض أسبابه الجامعة متابعة، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ الأمل والتحف يمينه بمناه واشتمل، وعند التئام هذه الأمور لابن أبي عامر، استكان جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال الحال وانتقال الرُّتبة، وكفّ عن اعتراض محمد وشركته في التدبير، وانقبض الناس من الرّواح إليه والتبكير، وانثالوا على ابن أبي عامر، فخفّ موكبه، وغار من سماء العزّ كوكبه وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه، إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح، وليس بيده من الحجابة إلاّ أسمها، وابن أبي عامر مشتمل على رَسمها، حتى محاه، وهتك ظلّه وأصحاه. قال محمد بن إسماعيل: رأيته يُساق إلى مجلس الوزراء للمحاسبة راجلاً فأقبل يدرم، وجوارحه باللّواعج تَضطرم، وواثق الضاغط يَنهرُهُ، والزَّمع والبُهر قدها ضاه، وقصّرا خطاه، فسمعته يقول: رفقاً بي فستدرك ما تحبّه وتشتهيه، وترى ما كنت ترتجيه، وياليتَ أنّ الموت بيع

стр. 16

فأغلى الله سومه، حتى يَرِدَه من قد أطال عليه حومه، ثم قال: لا تأمننَّ من الزّمان تقلُّبَا ... إنَّ الزّمانَ بأهلِهِ يتقلّبُ ولقد أراني والليوث تخافني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلبُ حَسبُ الكريمِ مذلّةً ومهانةً ... ألاّ يزالُ إلى لئيمٍ يُطلَبُ فلمّا بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلّم على أحد، أو يومئ إليه بعين أو يد، فلمّا أخذ مجلسه تسرّع إليه الوزير محمد بن حَفص بن جابر فعنَّفه واستجفاه، وأنكر عليه ترك السلام وجفاه، وجعفر معرض عنه، إلى أن كثر القول منه، فقال له: يا هذا، جهلتَ المبرّة، فاستجهلتَ معلّمها، وكفرت اليد فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدّمها، ولو أتيتُ نكراً لكان غَيرُك أدرى، وقد وقعتَ في أمر ما أظنك تخلص منه، ولا يسعك السكوت عنه، ونسيت الأيادي الجميلة، والمبرّات الجليلة، فلمّا سمع محمد بن حَفص ذلك من قوله، قال: هذا البَهَتُ بعينه، وأيّ أياديك الغرّ التي منَنت بها، وعنيتَ أداء واجبها؟ أيدُ كذا أم يدُ كذا؟ وعددَ أشياء أنكرها منه أيام إمارته، وتصرّف

стр. 17

الدّهر طوع إشارته، فقال جعفر: هذا ما لا يُعرف، والحقُّ الذي لا يُردُّ ولا يُصرَف، رفعي القطع عن يُمنَاك وتبليغي لك إلى مُنَاك، فأصرّ محمد بن حَفص على الجَحد، فقال جعفر أُنشِدُ الله من له علم بما أذكره، إلاّ اعترفَ به ولا ينكره، وأنا أحوج إلى السكوت، ولا تُحجَبُ دعوتي فيه عن المَلكَوت، فقال الوزير أحمد بن عباس: قد كان بعض ما ذكرتَه يا أبا الحسن، وغير هذا أولى بك وأنت فيما أنت فيه من مِحنّتك وطلبك، فقال: أحرجني الرجل فتكلّمت، وأحوجني إلى ما به أعلمت، فأقبل الوزير أبو الوليد محمد بن جَهوَر على محمد بن حَفص، وقال: أسأتَ إلى الحاجب، وأوجبتَ عليه غير الواجب، أوَ ما علمتَ أنَّ منكوبَ السُّلطان لا يسلّم على أوليائه، لأنه إن فعل ألزمهم الردَّ لقوله تعالى: (وإذَا حُيّيتُمْ بتحيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنهَا أوْ رُدّوُهَا). فإن فعلوا أطاف بهم من إنكار السلطان ما يُخشَى ويُخَاف، لأنه تأنيسُ

стр. 18

لمن أوحش وتأمين لمن أخاف، وإن تركوا الردّ أسخطوا الله فصار الإمساك أحسن، ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن، فانكسر محمد ابن حَفص، وخجل ممّا أتى به من النقص. وبلغه أن أقواماً توجّعوا له، وتفجّعوا مِمّا وصله، فكتب إليهم: أحنّ إلى أنفاسكم فأظنُّها ... بواعثَ أنفَاسِ الحَياةِ إلى نفسي وإنّ زمانا صرتُ فيه مقيّداً ... لأثقلُ من رَضوى وأضيقُ من رَمْسِ الوزير أبو العبّاس أحمدٍ بن عبد الملك بن عُمَر بن شُهَيْد مَفخَر الإمامة، وزَهرُ الكِمَامة، حاجِبُ الناصر عبد الرحمن، وحامل الوزارتين على سموهما في ذلك الزّمان، استقل

стр. 19

بالوزارة على ثِقَلهَا، وتصرَّف فيها كيف شاءَ على حدّ نظرها، والتفات مُقِلِهَا، فظهر على أولئك الوزراء، واشتهر مع كثرة النُّظراء، وكانت إمارةُ عبد الرحمن أسعد إمارة، بَعُد عنها كل نفس بالسَّوءِ أمّارة، فلم يطرقها صَرف، ولم يرمقها بمحذور، طَرف، ففَرَع الناس فيها هِضاب الأمانيِّ ورُبَاها، ورتعت ظباؤها في ظلال ظُبَاها، وهو أسدٌ على براثنه، رابض، وبَكَلٌ أبدا على قوائم سيفه قابض، يروع الروم طَيفُه، ويجوس خلال تلك الديار خَوفه، ويُروى من نجيعهم كُلَّ آونةٍ سيفُه، وابن شهيد ينتج الآراء ويُلقحها، وينتقد تلك الأنحاء وينقّحها والدولة مشتملة بفنائه، متجمّلة بسنائه، وكرمه منتشر على الآمال، ويكسو الأولياء بذلك الإجمال، وكان له أدب تزخر لُجَجُه، (وتبهر حُجَجُه)، وشعر رقيق لا ينقّد، ويكاد من اللطافةُ يُعقَد، فمن ذلك قوله: ترى البَدرَ منها طالعاً وكأنّما ... يجول وشاحاها على لُؤلُؤٍ رَطبِ بعيدةُ مهوى القُرْطُ مُخطَفَةُ الحَشَا ... ومُفعَمَةُ الخَلخَال مُفعَمة القُلبِ

стр. 20

من اللاّءِ لم يَرْحلنَ فَوقَ رَوَاحِلٍ ... ولا سِرنَ يوماً في رِكابٍ ولا رَكبِ ولا أبرَزتهُنّ المُدَامُ لِنَشوَةٍ ... فتشدو كما تشدو القيان على الشَّربِ وكانت بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولي الأمر معه، ومشاركة في التدبير إذا حضر موضعه، منافسة، لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة وكلاهما يتربص بصاحبه دائرة السوء، ويغصُّ به غَصَصَ الأُفقِ بالنَّوءِ، فاجتاز يوماً إلى رَبَضِه، ومال إلى زيارته ولم تكن، من غرضه، فلمّا استأمر عليه، تأخر خروج الأذن إليه، فثنى عِنَانَه حَنَقاً من حِجَابه، وضجراً من حُجَّابه، وكتب إليه مُعرِّضاً، وكان يلقّب بالحمار: أتيناك لا عن حاجةٍ عَرَضتْ لنا ... إليكَ ولا قَلبٍ مشوقُ ولكنّنا زُرْنا بفَضْل حُلُومِنَا ... حماراً تولّى بِرَّنا بعُقوقِ فراجعه ابن جهور يغضّ منه، بما كان يشيع عنه، بأن جدّه أبا هشام، كان بيطاراً بالشام، بقوله:

стр. 21

حجبناكَ لمّا زُرتنا غيرَ تائقِ ... بقلبِ عدوٍّ في ثيابِ صديقِ وما كان بيطارُ الشآم بموضعٍ ... يُبَاشِرُ فيه بِرَّنا بخليقِ ومن قوله يتغزّل: خَلفْتُ بِمَن رَمَى فأصابَ قَلبي ... وقلّبه على جَمْر الصّدودِ لقد أودَى تذكّره بمثِلي ... ولست أشكُّ أنّ النّفسَ تودي فقيدٌ وهو موجودٌ بقَلْبي ... فوا عَجَباً لموجودٍ فقيدِ الوزير أبو القاسم محمد بن عبّاد هذه بقية منتماها في لَخم، ومرتماها إلى مَفخَرٍ ضَخم،

стр. 22

وجدّهم المُنذر بن ماء السّماء، ومطلعهم من جوّ تلك السماء، وبنو عبّاد ملوك أنِسَ بهم الدهر، وتنفّس منهم عن أعبَق الزّهر، وعمروا ربع المُلك، وأمروا بالحياة والهلك ومعتَضِدُهم أحد من أقام وأقعَد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتَعد. وافترش من عِرِّيسته وافترس من مكائد فريسته، وزاحم بِعَود. وهزّ كُلَّ طَود، وأخمل كلَّ ذي زيٍّ وشارة وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيّرات تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة خواصّ دولته بمنادمة العقائل:

стр. 23

لقَد حَنَنتُ إلى ما اعتدت من كَرَمٍ ... حنين أرْض إلى مُستَأجر المطرِ فهاتِها خِلَعا أُرضي السّماحَ بها ... محفوفةً في أكُفّ الشَّرب بالبِدَرِ وهو القائل وقد حنّ في طريقه، إلى فريقه: أدارَ النّوى كَمْ طالَ فيكِ تَلذُّذي ... وكم عُقتِني عن دارِ أهيفَ أغيدِ حلفتُ به لو قد تعرّض دونَه ... كماةُ الأعادي في النَسيج المسرّدِ لجرّدتُ للضّرب المهنّد فانقضى ... مرادي، وعز ما مثل حدّ المهنّدِ والقاضي أبو القاسم هذا جدُّهم، وبه سَفر مَجدُهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصّهم منه بالحظّ الوافر فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدّت إليها من مستحقيها (اليَدُ)، وأتلعوا أجياداً زانها الجيد، وفَغَر عليها فمه حتى هجا بيت العِبِدَّى، وتصدّى إليها من تحضّر وتبدى فاقتعد سنامِهَا وغارِبَها، وأبعد عنها عجمها وأعارِبَها، وفاز من المُلك بأوفر حِصَّة، وعُدَّت سمته به صفةً مختصة، فلم يمحُ رسمَ القضاء، ولم يتَسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غُرَّته، حتى حوته الرّجام وخلت منه تِلك الآجام، وانتقل المُلك إلى ابنه المعتضد،

стр. 24

وحلّ منه في روض نُمِّق له ونُضِّد، ولم يعمّر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدّر ذلك المَنهل، وعكّر أثناء ذلك صفو العلِّ والنّهل، وما زال للأرواح قابضاً وللوثوب عليها رابضاً، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوَكر، وينتصف منهم بالدهاء والمَكر، إلى أن أفضى المُلك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرَّمد، وأحمد مجده وتقلّد منه أيَّ بأس ونجده، وندى به لحق مناه، وأقام في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، لم تعدم منه فيها حسنة، ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غُلِبَ على سلطانه وذُهِبَ به من أوطانه، فنُقِل إلى حيثُ اعتقل، فأقام كذلك إلى أن مات، ووارته بريّة أغمات، وكان للقاضي جدّه أدب غضّ، ومذهب مبيضّ، ونظم يرتجله كل حين، ويبعثه أعطر من الرّياحين، فمن ذلك قوله يصف النَّيلُوفر: يا ناظرين لذا النَّيلُوفر البَهِج ... وطيب مخبره في الفوحِ والأرَج

стр. 25

كأنَّهُ جَامُ دُرٍّ في تألُّقِهِ ... قد أحكموا وَسطَه فصَّاً من السَّبج الوزير أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز كاتب المنصور رحمه الله تعالى وزير المنصور عبد العزيز، وربّ السَّبق في وُدِّهِ والتبريز، ومنقض الأمور ومُبرمها، ومُخمد الفتن ومضرمها، اعتقل بالدُّهي، واستقل بالأمر والنهي على انتهاض بين الأكفاء، واعتراض المحو لرسومه والإعفاء فاستمر غير مراقب، وأمر ما شاء غير ممتثل للعواقب، ينتضي عزائمه انتضاء، فإن ألمّت من الأيام مظلمة أضاء، إلى أن أودى، وغار منه الكوكب الأهدى، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي

стр. 26

بكر فناهيك من أبي عُرف ونُكر، وقد أربى على الدّهاة، وما صبا إلى الظبية ولا إلى المهاة، واستقل بالهول يقتحمه، والأمر يُسديه ويُلحمه، فأيّ ندى أفاض، وأيّ أجنحة بمُدىً هاض، فانقادت إليه الآمال بغير خِطَام، ووردت من نداه ببحر طام، ولم يزل بالدولة قائماً، وموقظاً من بهجتها ما كان نائماً، إلى أن صار الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب، ومسدّ الثغور والدروب، فاعتمد عليه واتّكل، ووكل إليه الأمر غير وكل، فما تعدّى الوزارة إلى الرياسة، ولا تردّى بغير التدبير والسياسة، فتركه مستبّداً، ولم يجد من ذلك بُدَّاً، وكان أبو بكر

стр. 27

هذا ذا رفعةٍ غير متضائلة، وآراء لم تكن آفلة، أدرك بها ما أحبّ، وقطع غارب كل منافس وجبّ، إلى أن طلّحه العمر وأنضاه، وأغمده الذي انتضاه، فخلّى الأمر إلى ابنيه. فتبلّدا في التدبير، ولم يفرّقا بين القبيل والدبير، فغلب عليهما القادر بن ذي النون وجلب إليهما كل خطب ما خلا المنون، فانجلوا، بعدما ألقوا ما عندهم وتحلّوا، وكان لأبي عبد الله نَظمٌ مُستَبدع، يوضع بين الجوانح ويودع، فمن ذلك ما راجع به ابن عبد العزيز، وكتب إليه يعاتبه بقطعة أولها: يا أحسنَ النّاسِ آداباً وأخلاقا ... وأكرمَ النّاسِ أغصاناً وأوراقا ويا حيَا الأرضِ لمْ نكّبْتَ عن سَنَني ... وسُقتَ نحوي إرعاداً وإبراقا

стр. 28

ويا سَنَا الشَّمسِ لِمْ أظلَمتَ في بَصَري ... وقد وسعْتَ بلاد الله إشراقا من أيّ بابٍ سَعَتْ غِيَرُ الزّمان إلى ... رَحِيبِ صَدركَ حتى قِيلَ قد ضاقا قد كُنتُ أحسَبُني في حُسنِ رأيك لي ... أنّي أخذتُ على الأيّام ميثاقا فالآنَ لم يبقَ لي بَعد انحرافك ما ... آسَى عليهِ وأُبدي منه إشفَاقا فأجابه ابن عبد العزيز بهذه القطعة: ما زلتُ أوليك إخلاصاً وإشفاقاً ... وأنثَني عنك مَهما غِبتَ مُشتاقا وكانَ من أملي أن أقتنيك أخاً ... فأخفقَ الأملُ المأمولُ إخفاقا فقلتُ غَرسٌ من الإخوان أكلؤُهُ ... حتى أرى منه إثمارا وإيراقا فكانَ لمَّا زهتْ أزهارُهُ ودَنَت ... أثْماره حَنظَلاً مرّاً لِمَن ذاقا فلستَ أوَّلَ إخوانٍ سَقيتُهم ... صفوي وأعلقتهم بالقَلب إعلاقا

стр. 29

فما جَزوْني بإحساني ولا عَرَفوا ... قدري ولا حَفِظوا عَهداً وميثَاقَا الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخَوْلاني عَلَم من أعلام الزمان، وعين من أعيَان البيان، باهِرُ الفصاحة، طاهِرُ الجناب والسَّاحة تولّى التَّحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح والإنشاء ولبس العزّة مُدّتها، ضافيَة البُرُود، وورَدَ بها النَّعمَةَ صافية الورود وامتطى من جياد التوجيه، أعتقَ من لاحِقٍ والوجيه وتمادى طَلَقه، ولا أحد يلحقه، إلى أيّام المظفّر، فمشى على سَنَنه، وتمادى السَّعد يترنَّم على فَنَنِهِ، إلى أن قَتل المظفّر صِهْرَه

стр. 30

عيسى بن القطاع، صاحب دولته وأميرها المطاع وكان أبو مروان قديمَ الاصطناع له والانقطاع إليه، فاتُّهم معَهُ وكاد أن يذوقَ الحِمَام ويَجُرَعَهُ، إلاّ أنّ إحسانَه شَفعَ، وبيانَه مَنَع ودَفَع، فحُطّ عن تلك الرُّتب، وحُمِلَ إلى طُرطُوشَة على القَتَب، فبقي هنالك مُعتقَلاً في بُرج من أبراجها نائي المُنتهى، كأنّما يُنَاجي السُّها، قد بَعُدَ ساكنه عن الأنيس فَعُدَّ من النّجم بمنزلة الجليس، تمرّ الطيور دونه ولا تجوزه، ويُرى منه الثَّرى، ولا يكاد يحوزه، فبقي فيه دهرا لا يرتقي إليه راق،

стр. 31

ولا يرجى لبثّه راق، إلى أن أُخرِجَ منه إلى ثَرَاه واستراح مِمّا عَرَاه، فمن بديع ما قاله، قوله يصف المعقل، الذي فيه اعتُقِل: يأوي إليهِ كُلُّ أعورَ ناعقٍ ... وتَهُبُّ فيه كُلُّ ريحٍ صَرصَرِ ويكاد من يرقى إليه مرّة ... من عُمْره يشكو انقطاع الأبْهَرِ ودخل ليلةً على المنصور، والمنصور قد اتّكأ وارتفق، وحكى بمَجلسه ذلك الأفق، والدُّنيا بمَجلسه ذلك مَسُوقه، وأحاديث الأماني به منسوقة، فأمره بالنزول في جملة الأصحاب، والقمر يظهر ويَحتجِبُ في السَّحاب، والأفق يبدو به أغرَّ ثمَّ يعود مُبهَماً، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدْهما، وأبو مروان قد انتشى، وجال في ميدان الأنسِ ومشى، وبُردُ خَاطرِه قد دّبجَه السرور ووَشَى، فأقلقه ذلك المغيبُ والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح فقال: أرى بَدرَ السَّماءِ يلوح حينَاً ... فيبدو ثُمَّ يلتحف السحابا وذلك أنه لما تبدّى ... وأبصر وجهَك اسَتحيَا فَغَابا

стр. 32

مقال لو نَمَى عندي إليه ... لراجعني بذا حقّا جَوَابَا وله في مدة اعتقاله، وتردّده في قيده وعقاله: شَحَط المزارُ فلا مزارَ ونافَرَتْ ... عيني الهجوع فلا خيالٌ يعتري أزرى بصبري وهو مشدود القُوَى ... وألانَ عودي وهو صُلبُ المكْسَرِ وطوى سروري كُلَّهُ وتلذُّذي ... بالعيش طيَّ صحيفةٍ لم تُنْشرِ ها إنّما ألقَى الحبيبَ توهُّماً ... بضمير تذكاري وعينِ تذكُّري عَجَبَاً لِقَلبي، يومَ راعتني النَّوى ... زدنا وَدَاعٌ كيفَ لَمْ يَتَفطَّرِ الوزير الأجلّ أبو الحَزّم جَهوَر بن محمَّد بن جَهوَر

стр. 33

وبنو جَهوَر أهلُ بيت وزارة، اشتهروا كاشتهار ابن هُبَيرة في فَزَارة وأبو الحَزْم أمجدهم في المكرمات، وأنجدهم في الملمّات، ركب مُتُون الفتون فَراضها، ووقع في بحور المِحَن فَخَاضَها، مُنبسِطٌ غيرُ مُنكمش، لا طائش اللّسانِ ولا رَعِش، وقد كان وزر في الدولة العامرية فَشَرُفَت بجلاله، واعترفتْ باستقلاله فلمّا انقرضت، وعاقت الفتن واعترضت، تخلّى عن التدبير مُدَّتها، وخلّى لخلافه تدبير الخلافة وشدَّتها، وجعل يُقبل مع أولئك الوزراء ويُدبِر،

стр. 34

وينهلُ الأمر معهم ويُدَبِّر، غير مُظهر للانفراد ولا مقصِّر في ميدان ذلك الطِّراد، إلى أن بلغت الفتنة مداها، وسوّغت ما شاءت رداها، وذهب من كان يَخِد في الرياسة ويخبُّ، ويسعى في الفتنة وَيَدبُّ، ولمّا ارتفع ذلك الوبال وأدبر ذلك الإقبال راسل أهل التقوى مستمدّاً بهم، ومعتمداً على بعضهم، تحيّلاً منه وتمويها، وَتَداهِياً على أهل الخلافة وذويها، وعرض عليهم تقديم المعتدّ هشام، وأومض منه لأهل قُرطُبَة برق خُلَّبِ يشام بعد سرعة التياثِها، وتعجيل انتكاثِها، فأنابوا إلى الإجابة، وأجابوا إلى استرعائه الوزارة

стр. 35

والحِجَابة وتوجّهوا مع ذلك الإمام، وألموا بقرطبة أحسنَ إلمام، فدخلوها بعد فتن كثرة، واضطرابات مستثيرة، والبلد مُقفِر، والجلد مُسفِر، فلم يبقَ غيرُ يسيرٍ حتى جبذ واضطرب أمره فخُلِع، واخُتطِفَ من المُلك وانُتزِع، وانقضت الدولة الأمويّة، وارتفعت الدولة العَلويّة، واستولى على قُرطُبَة عند ذلك أبو الحزم، ودبّرها بالجِدِّ والعزم، وضبطها ضبطاً أمَّنَ خائفها، ورفع طارق تلك الفتنة وطائفها، وخلا له الجزّ فطار، واقتضى اللُّبَانَات والأوطار، فعادت له قرطبة إلى أكمل حالاتها، وانجَلى به نوء استجلالاتها، ولم تزل به مشرقة وغصون الأمل فيها مورقة، إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي الوليد، واشتمل منه على

стр. 36

طارف وتليد، وكان لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سارت بها الأمثال وعُدِم فيها المِثَال، وقد اثبتُّ من شعره ما هو لائق، وفي سماء الحُسن رائق، وذلك قوله في تفضيل الورد:

стр. 37

الورْدُ أحسنُ ما رأتْ عيني وأذْ ... كي ما سقى ماءُ السَّحاب الجائدُ خَضَعَتْ نواويرُ الرّياضِ لحُسنِهِ ... فتذلّلّت تنقادْ وَهْي شوارد وإذا تبدّى الوردُ في أَغصَانِه ... يزهو فذا مَيتٌ وهذا حاسد

стр. 38

وإذا أتى وفدُ الرّبيعِ مبشِّراً ... بطلوع صَفحَتِهِ فَنِعمَ الوافِدُ ليس المبشِّر كالمبشِّر باسمِهِ ... خَبَرٌ عليه من النبوَّةِ شاهدُ وإذا تعرى الوردُ من أورَاقِهِ ... بَقِيت عوارِفهُ فَهُنَّ خوالِدُ وله وقد وقف على قصور الأمويين وقد تقوّضت أبنيتها، وعوّضت من أنيسها بالوحوش أفنيتها: قلتُ يوماً لدارِ قومٍ تفانوا: ... أين سكّانك العِزَاز علينا؟ فأجابت: هنا أقاموا قليلاً، ... ثمّ ساروا، ولست أعلم إينَا الوزير ذو الوزارتين أبو عامر بن الفرج من ثِنيَة رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم الأمن

стр. 39

حدى بالإمارة وتردَّى بالوزارة، وأضاء في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخَوَل، وأبو عامر هذا أحدُ أمجادهم، ومتقلد نجادهم، فاتَهم أَدَباً ونُبلاً، وباراهم كرما تخاله وبلا، إلاّ أنه بقي وذَهَبُوا، ولقي من الأيام ما رَهَبُوا، فعاين نُكرها، وشَربَ عكرها وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قِدَاحاً متواليات الإخفاق فأخمِلَ قَدرُه، وتوالى عليه جور الزمان وغَدرُه، فاندَفنت آثاره، وَعَفت أخباره وقد أثبتُّ له بعضَ ما قاله، وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه، وعنده استقرت نَوَاه، وعليه كان قادماً، وله كان مُنادماً أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جُملة نُدَمائه، وأن لا يُحجَبَ عنه

стр. 40

وتكون منّة من أعظم نَعمائه، فأجابه بالإسعاف، واستَسَاغَ منه، ما كان يعَاف، لِعلمِه بقلّته وإفراط خلّته، فلما كان ظُهرُ ذلك اليوم كتب إليه: ها قد أهبت بكم وكلّكم هوى ... وأحقّكم بالشّكر مني السّابقُ فالشَّمسُ أنتَ وقد أظلَّ طُلُوعها ... فاطْلَعْ وبين يديك فجرٌ صادقُ وكان له ابن مكبود قد أعياه عِلاجُه، وتهيأ للفساد مِزَاجُه، فَدُلَّ على خَمرٍ قديمة فلم يعلم بها إلا عند حكم، وكان وَسِيماً، وللحسن قسيماً فكتب إليه: أَرسِلْ بهَا مِثْلَ وُدِّك ... أرقّ من ماء خدّك شقيقة النّفس فانضحْ ... بها جَوَى ابني وعَبدِك وكتب مُعتذِراً، عمّا جَناه مُنذِراً:
следующие страницы →