Полный текст (229 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
طارف وتليد، وكان لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سارت بها الأمثال وعُدِم فيها المِثَال، وقد اثبتُّ من شعره ما هو لائق، وفي سماء الحُسن رائق، وذلك قوله في تفضيل الورد:
стр. 37
الورْدُ أحسنُ ما رأتْ عيني وأذْ ... كي ما سقى ماءُ السَّحاب الجائدُ
خَضَعَتْ نواويرُ الرّياضِ لحُسنِهِ ... فتذلّلّت تنقادْ وَهْي شوارد
وإذا تبدّى الوردُ في أَغصَانِه ... يزهو فذا مَيتٌ وهذا حاسد
стр. 38
وإذا أتى وفدُ الرّبيعِ مبشِّراً ... بطلوع صَفحَتِهِ فَنِعمَ الوافِدُ
ليس المبشِّر كالمبشِّر باسمِهِ ... خَبَرٌ عليه من النبوَّةِ شاهدُ
وإذا تعرى الوردُ من أورَاقِهِ ... بَقِيت عوارِفهُ فَهُنَّ خوالِدُ
وله وقد وقف على قصور الأمويين وقد تقوّضت أبنيتها، وعوّضت من أنيسها بالوحوش أفنيتها:
قلتُ يوماً لدارِ قومٍ تفانوا: ... أين سكّانك العِزَاز علينا؟
فأجابت: هنا أقاموا قليلاً، ... ثمّ ساروا، ولست أعلم إينَا
الوزير ذو الوزارتين أبو عامر بن الفرج
من ثِنيَة رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم الأمن
стр. 39
حدى بالإمارة وتردَّى بالوزارة، وأضاء في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخَوَل، وأبو عامر هذا أحدُ أمجادهم، ومتقلد نجادهم، فاتَهم أَدَباً ونُبلاً، وباراهم كرما تخاله وبلا، إلاّ أنه بقي وذَهَبُوا، ولقي من الأيام ما رَهَبُوا، فعاين نُكرها، وشَربَ عكرها وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قِدَاحاً متواليات الإخفاق فأخمِلَ قَدرُه، وتوالى
عليه جور الزمان وغَدرُه، فاندَفنت آثاره، وَعَفت أخباره وقد أثبتُّ له بعضَ ما قاله، وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه، وعنده استقرت نَوَاه، وعليه كان قادماً، وله كان مُنادماً أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جُملة نُدَمائه، وأن لا يُحجَبَ عنه
стр. 40
وتكون منّة من أعظم نَعمائه، فأجابه بالإسعاف، واستَسَاغَ منه، ما كان يعَاف، لِعلمِه بقلّته وإفراط خلّته، فلما كان ظُهرُ ذلك اليوم كتب إليه:
ها قد أهبت بكم وكلّكم هوى ... وأحقّكم بالشّكر مني السّابقُ
فالشَّمسُ أنتَ وقد أظلَّ طُلُوعها ... فاطْلَعْ وبين يديك فجرٌ صادقُ
وكان له ابن مكبود قد أعياه عِلاجُه، وتهيأ للفساد مِزَاجُه، فَدُلَّ على خَمرٍ قديمة فلم يعلم بها إلا عند حكم، وكان وَسِيماً، وللحسن قسيماً فكتب إليه:
أَرسِلْ بهَا مِثْلَ وُدِّك ... أرقّ من ماء خدّك
شقيقة النّفس فانضحْ ... بها جَوَى ابني وعَبدِك
وكتب مُعتذِراً، عمّا جَناه مُنذِراً:
стр. 41
ما تغيّبتُ عَنكَ إلاّ لعُذرٍ ... ودليلي في ذاكّ حِرصي عليكا
هَبكَ أنَّ الفِرَارَ من عُظمِ ذَنبٍ ... أتراه يكونُ إلاّ إليكا؟
الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شُهَيد
الأشجَعيِّ
عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قَصَب السَّبقِ فيها، لا يُشبهه أحدٌ من أهل زمانه، ولا ينسقُ ما نَسقَ من دُرَّ البيان وجُمَانه، توغل في شِعَاب البلاغة وطُرُقِهَا، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عَمرو بن بحر، ولا تراه يغترف إلاّ من بحر، مع انطباع، مشى في طريقه بأمدّ باع، وله الحَسَبُ
المشهور والمكان الذي لم يَعده للظهور، وهو من ولد الوضّاح، المتقلّد تلك المفاخر
стр. 42
والأوضَاح صاحب الضَّحَّاك يوم المَرج، وراكب ذلك الهَرج، وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النَّسَب، ونبع لا يراش إلاّ مع ذلك الغَرَب، وقد أثبتُّ له مما هو بالسّحر لاحِق، ولُنور المحَاسِن ماحِق، فمن ذلك قوله:
إنَّ الكَريمَ إذا نَابَتهُ مَخمَصَةٌ ... أبدى إلى النّاسِ ريَّاً وهو ظَمآنُ
يَحْني الضُّلُوعَ على مثل اللَّظَى حُرَقَاً ... والوَجهُ غَمرٌ بِمَاءِ البِشرِ مَلآنُ
وهو مأخوذ من قول الرّضيّ:
ما إن رأيتُ كَمَعشَرٍ صَبَروا ... عِزَّاً على الأزلاَتِ والأزمِ
стр. 43
بَسَطُوا الوجُوه وبين أَضلُعِهِم ... حَرُّ الجوى ومآلم الكَلْمِ
وله أيضاً:
كَلِفتُ بالحُبِّ حتّى لَو دَنا أَجَلي ... لَمَا وجَدتُ لِطَعمِ المَوتِ من ألَمِ
كِلا النَّدَى والهَوَى قِدماً وَلِعتُ بِهِ ... وَيلي من الحُبِّ أو وَيلي مِن الكَرَمِ
وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شُهّيد وكان من البلاغة في مَدى غاية البَيان، ومن الفَصاحَةِ في أعلى مراتب التّبيان، وكنّا نحضر مجلسَ شرابهِ، ولا نغيبُ عن بابهِ، وكان له بباب الصومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره،
стр. 44
ولا يُخلِيه من نَثر درره وأزهاره، فَقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان في لُمَّة من إخوانه، وأئمة سُلوانِه وقد حَفَّوا به، ليقطفوا نُخَب أدبه، وهو بخلط لهم الجدّ بِهزل، ولا يفرِّط في انبِسَاطِ مُشتَهر ولا انقباض جَزل، وإذا، بجارية من أعيان أهل قُرطبة معها من جواريها، من يستُرها ويواريها، وهي ترتاد مَوضِعاً لمُناجَاة رَبِها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذَنبها وهي متنقّبة، خائفة ممَّن يرقُبها مترقِّبة، وأمامها طفل لها كأنَّه غُصنُ آس، أو ظبيٌ يَمرحُ في كِناس فلما وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة وتولت مروعة،
خيفة أن يشبّب بها، أو يَشهُرها باسمها، فلما نظرها، قال قولاً فضحها به وشَهَرها:
وناظرة تَحتَ طَيِّ القناع ... دعاها إلى الله والخيرِ داعِ
سَعَتْ خِفيَةً تَبغي مَنزلاً ... لِوَصلِ التَّبتُّلِ والانقطاعِ
وَجَالت بمَوضِعنَا جَولةَ ... فحلّ الربيعُ بتلك البِقَاعِ
стр. 45
أتَتنا تَبَختَرُ في مَشيهَا ... فحلَّتْ بوادٍ كثر السّباعِ
وريعت حِذَاراً على طِفلها ... فَنَادَيتُ يا هذه لا تُرَاعي
غزالك تَفرَقُ منه اللُّيوثُ ... وتَنصَاعُ منه كُمَاةُ المِصَاعِ
فَوَلَّتْ ولِلمِسكِ من ذَيلِهَا ... على الأرضِ خَطٌّ كَظَهِر الشُّجاعِ
وله يتغزل:
أصباحٌ شِيمَ لأمْ بَرقٌ بَدَا ... أمْ سَنَا المَحبُوبِ أورَى زَنَدا
هَبَّ مِنْ مَرقدِهِ مُنكَسِراً ... مُسبِلاً للكُمِّ مُرخٍ للرِّدا
يَمسحُ النَّعسَةَ مِن عَينيْ رَشَا ... صائدٍ في كُلِّ يومٍ أسَدا
أورَدَتهُ لُطفاً آياتُه ... صَفوَة العيشِ وأرعَتهُ دَدَا
فهو من دّلٍّ عَرَاهُ زُبدَةٌ ... من مَريجٍ لم يُخَالِطْ زَبَدا
قُلتُ هَبْ لي يا حبيبي قُبلّةً ... تُشفِ من غَمِّكَ تبريحَ الصَّدَى
فانثنى يَهتَزُّ من مَنكِبِهِ ... مائلاً لُطفاً وأعطَاني اليدا
كُلَّمَا كَلَّمنَي قبَّلتُهُ ... فهو إمّا قالَ قولاً رَدَّدَا
стр. 46
كَادَ أن يَرجِعَ مِن لَثمي لَهُ ... وارتشاف الثَّغرِ مِنهُ أدرَدَا
وإذا استنجزتُ يَوماً وَعدَهُ ... أمطَلَ الوعدَ وقالَ: اصبر غدا
شربت أعطَافُهُ ماَء الصِّبَا ... وسقاهُ الحُسنُ حتَّى عَربَدَا
فإذا بِتُّ بِه في رَوضةٍ ... أغيد يَقرو نباتاً أغيدا
قلمَ في اللّيلِ بِجيدٍ أتلعٍ ... يَنفُضُ اللِمَّة من دَمعِ النَّدَى
ومكان عازب عن جِيرَةٍ ... أصدقاء وَهُمُ عَينُ العِدَا
ذي نباتٍ طيِّبٍ أعرَافُهُ ... كعِذَار الشَّعر في خدٍّ بَدَا
تَحسَبُ الهَضبَةَ مِنهُ جَبَلاً ... وحدُورَ الماءِ مِنهُ أبْرَدَا
وبات ليلةً بإحدى كنائس قُرطُبة وقد فُرشَتْ بأضغاث آس، وعُرشَتْ بسرور واستئناس، وقَرعُ النَّواقيسِ يُبهجُ سَمعهُ، وَبَرقُ الحُميَّا يُسرِجُ لَمعَه، والقُسُّ قد بَرَز في عَبَدة المسيح، متوشّحاً
стр. 47
بالزنانير أبدع توشيح، قد هجروا الأفراح واطّرحوا النّعم كُل اطراح:
لا يعمدون إلى ماء بآنية ... إلاّ اغترافاً من الغُدْران بالرّاح
وأقام بينهم يَعمَلُها حُميَّا، كأنّما يرشف من كأسها شَفَةً لَميَا، وهي تنفح له بأطيب عَرف، كلمّا رشَفَها أعذَبَ رَشف، ثم ارتجل بعدما ارتحل فقال:
ولَرُبَّ حانٍ قد شَممْتُ بدَيرِهِ ... خَمرَ الصِّبَا مُزِجَت بصِرفِ عَصيرِهِ
في فتيةٍ جَعَلوا السُّرورَ شِعَارهُم ... متصاغرين تخشُّعاً لكبيره
والقسّ ممّا شاء طول مُقَامِنَا ... يدعو بعود حَولَنَا بِزَبُورِهِ
يُهدي لنا بالرَّاح كُلِّ مصفّر ... كالخَشفِ خَفَّرهُ التماح خَفَيرِهِ
يتناول الظرفاءُ فيه وشَربهم ... لِسُلافِهِ والأكْلُ من خِنزِيرِهِ
стр. 48
وقال يرثي القاضي ابن ذَكوان، نجيب ذلك الأوَان، في الفتنة وقد افتنّ في الآداب، وسنّ فيها سنَّة ابن دأب، وما فارق ربع الشّبابِ (شرخه)، ولا استمجد في الكهولة عفاره ولا مَرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونَسيمَ أُنسِهِ:
ظَننَّا الذي نادى مُحِقَّاً بِمَوتهِ ... لعُظم الذي أنجى من الرُّزءِ كاذِبَا
وخِلنَا الصبَّاحَ الطَّلقَ ليلاً وإنَّما ... هبطنا خُدَاريَّاً من الحُزن كَارِبَا
ثَكلنَا الدُّجَى لمَّا استقلَّ وإنّنا ... فقدناك يا خيرَ البريَّةِ ناعِبَا
وما ذهبت إنْ حصّل المرءُ نَفسَه ... ولكنّما الإسلام أدبَرَ ذاهِبَا
ولمَّا أبَى إلاّ التَّحمُّلَ رائحا ... منحناه أعناقَ الكِرامِ ركائِبَا
стр. 49
يسير به النَّعْشُ الأعزّ وحوله ... أباعدُ راحوا للمُصَابِ أقاربا
عليه حفيف للملائك أقبلتْ ... تُصافحُ شَيخاً ذاكرَ الله تائبا
تَخَالُ لفيف النّاسِ حول ضَرِيحهِ ... خَلِيطَ قَطَاً وافَى الشريعةَ هارِبَا
إذا ما امتروا سُحبَ الدموعِ تفرّعت ... فروع البُكا عن بارقِ الحُزنِ لاهِبَا
فَمَنْ ذَا لِفضلِ القَولِ يَسطَعُ نُورُه ... إذا نحن ناوينا الألدّ المنَاوِبَا
ومن ذا ربيعُ المسلمينَ يقُوتُهم ... إذا النَاس شاموها بُرُوقا كواذِبَا
فيا لّهفَ قلبي آهٍ ذابت حُشَاشَتِي ... مَضَى شَيخُنَا الدفَّاع عنّا النوائِبَا
ومات الذي غاب السرورُ لمَوتِهِ ... فليس وأن طال السُّرى منه آيبا
وكان عظيماً يُطرِقُ الجمعُ عِندَهُ ... ويعنو له ربُّ الكتيبةِ هائِبَا
وذَا مِقوَل عَضبِ الغِرَارينِ صارمٍ ... يروح به عَن حَومَةِ الدين ضَارِبَا
أبا حاتمٍ صَبْر الأديبِ فإنّني ... رأيتُ جميلَ الصَّبرِ أحلى عواقبا
стр. 50
وما زلتَ قَدْماً ترهب الدهرَ سطوةً ... وصَعباً يُعيي الخطوبَ المصاعِبَا
سأستعتبُ الأيامَ فيكَ لعلَّها ... لصحّة ذاكَ الجسمِ تَطلُبُ طَالِبَا
لئن أَفَلتْ شَمسُ المكارِم عَنكُمُ ... لقد أَسأرَتْ بَدرَاً لها وكواكِبَا
ودَبَّت إليه أيام العَلويّين عَقَارب، بَرئَتْ بها من أباعِد وأقارب، واجَهه بها صَرفٌ قطوف، وانبرت إليه منها خُطُوب، نَبا لها جَنبُه عن المضجَع، وبَقِي بها يَأرقُ ولا يَهجَع، إلى أن عَلِقتهُ من الاعتِقَال حباله، وعَقلتهُ في عِقَال أذهَب مَالهُ، فأقام مُرتهنا، ولقي وهنا، وقال:
قريب بمحتلِّ الهوانِ مَجيدُ ... يجودُ ويَشكو حُزنَه فيَجِيدُ
نَعَى صبره عند الإمام فَيَا لهُ ... عَدُوٌّ لأبناءِ الكِرامِ حسودُ
وما ضرّه إلاّ مِزَاحٌ ورِقَّةٌ ... ثَنَتهُ سَفَيهَ الذّكرِ وهو رَشيدُ
جَنَى ما جَنَى في قُبَّةِ المُلكِ غَيرُه ... وطُوِّقَ منه بالعَظِيمَةِ جِيدُ
وما فيّ إلاّ الشعر أثَبتَهُ الهَوَى ... فسار به في العالمينَ فريدُ
стр. 51
أفوهُ بما لم آته متعرِّضاً ... لحُسنِ المعاني تارةً فأزيدُ
فإنّ طال ذكري بالمجُون فإنّني ... شقيٌّ بمَنظُوم الكلامِ سعيدُ
وهل كنت في العُشَّاقِ أوَّلَ عاقلٍ ... هَوَتْ بِحِجَاهُ أعينٌ وخدودُ
وإن طال ذكري بالمجُون فإنّها ... عظائم لم يَصبِر لَهُنَّ جليدُ
فِراقٌ وسِجنٌ واشتياقٌ وذِلَّة ... وجَبَّارُ حُفَّاظٍ عليّ عَتيدُ
فمن مُبلغُ الفتيانِ إنّي بَعدَهُم ... مقيمٌ بدار الظالمين وحيدُ
مُقيمٌ بدارٍ ساكنوها من الأذَى ... قِيَامٌ على جَمر الحِمَامِ قُعُودُ
ويُسمَعُ للجِنَّانِ في جنبتها ... بَسِيط كترِجيعِ الصَّدى ونشيدُ
ولست بذي قَيدٍ يرنُّ وإنمّا ... على اللَّحظِ من سُخط الإمام قيودُ
وقلت لصَدَّاح الحَمَامِ وقد بَكَى ... على القصر إلفاً والدّموُع تجودُ
ألا أيُّها الباكي على من تُحِبُّهُ ... كِلاَنا معنىً بالخَلاءِ فريدُ
وهل أنت دانٍ من مُحِبٍّ نأى به ... عن الإلفِ سُلطَانٌ عليهِ شديدُ
فصفّقَ عن ريش الجناحين واقفاً ... على القُربِ حتى ما عليه مَزيدُ
وما زال يبكيني وأبكيه جاهداً ... وللشّوقِ من دون الضّلوعِ وقودُ
إلى أن بكى الجدران من طول شجون ... وأجهش باب جانباه حَديدُ
أطاعت أميرَ المؤمنين كتائبٌ ... تَصرَّفُ في الأموال كيف تريدُ
стр. 52
فللشّمسِ عنها بالنّهار تأخّرٌ ... وللبدْرِ شَحناً بالظلام صدودُ
ألا إنَّهَا الأيّام تَلعَبُ بالفَتَى ... نحوس تهادى تارة وسعودُ
وما كُنتُ ذا أيدٍ فأذعن ذا قُوىً ... من الدَّهرِ مُبدٍ صَرفُهُ ومعيدُ
وراضت صِعَابي سَطوَةٌ عَلويّة ... لها بارقٌ نحو النَّدى ورعودُ
تقول التي من بيتها كفّ مَركبي ... أقُربُكَ دانٍ أم نَوَاكَ بعيدُ
فقلت لها: أمري إلى مَنْ سَمَتْ بهِ ... إلى المجد أباءٌ له وجدودُ
ولزمته آخر عمره علّة دامت به سنين، ولم تفارقه حتى تركت (أعضاءه قد) حُنِين، وأحسبُ أن الله أراد بها تَمحيصَه، وإطلاقه من ذنبٍ كان قَنيصَه فطهَّره تطهيراً، وجعل ذلك على العفو له ظهيراً، فإنها أقعدته حتى حُمِل في المِحَفَّة، وعادته حتى غَدتْ لرونقه مُشتفَّة، وعلى ذلك فلم يَعطُل لسانه، ولم يَبطُل إحسانه وما زال يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعرٍ
стр. 53
قاله، قوله:
ولمّا رَأيتُ العيشَ لَوَّى برَأسه ... وأيقنتُ أنَّ الموتَ لا شكَّ لاحِقي
تمنّيتُ أنَّي ساكِنٌ في عَبَاَءةٍ ... بأعْلى مهبِّ الرّيحِ في رأسِ شَاهِقِ
أرُدُّ سَقِيطَ الظَّلِّ في فَضلِ عِيشَتي ... وحيداً وأحسو الماَء ثَنيَ المعَالِقِ
خليليَّ من رَامَ المنيَّة مرّةً ... فقد رُمتُها خمسينَ قولةَ صَادِقِ
كأنّي وقد حان ارتِحاليَ لم أفُز ... قديماً من الدُّنيَا بِلمحَةِ بَارِقِ
فَمَنْ مُبلِغٌ عَنّي ابن حَزم وكانَ لي ... يَداً في مُلِمَّاتي وعِندَ مَضَايقي
عليك سلامُ الله إنّي مُفارِقٌ ... وحَسبُكَ زاداً من حبيبٍ مُفَارِقِ
فلا تَنسَ تَأبيني إذا ما ذَكَرتني ... وتَذكار أيَّامي وفَضلَ خلائقي
وحرِّكْ لَهُ بالله مَهمَا ذَكّرْتني ... إذا غيّبوني كُلَّ سَهم غُرانِقِ
عسَى هَامَتي في القَبرِ تسمع بَعضَه ... بتَرجيعِ شادٍ أو بِتَطريبِ طَارِقِ
فَلي في ادِّكاري بَعدَ موتيَ راحةٌ ... فلا تَمنعُوهَا لي عُلاَلَةَ رَاهِقِ
وإنّي لأَرجُو الله فيما تقدَّمَتْ ... ذُنُوبي به ممّا درى مِن حَقَائِقِ
стр. 54
الوزير الكاتب أبو المُغِيرَة عبد الوهاب بن حَزْم
وبنو حَزم فِتيةُ عِلمٍ وأدَب، وثنّية مجدٍ وحَسب، وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحَد، لا يُنعتُ ولا يحدّ، وهو فارس المِضمار، حامي ذلك الذِّمار، وبطلُ الرّعِيل، وأسد ذلك الغِيل، نَسق المُعجِزات، وسبقَ في المُعضِلات الموجزات، إذا كتب وشَّى المهارق ودّبج، وركب من بحر البلاغة الثَّبج، وكان هو وأبو عامر بن شهيد، خليليْ صَفاء، وحَليفي وَفاء، لا ينفصلان في رَواحٍ ولا مَقِيل، ولا يفترقان كمالكٍ وعَقيل، فكانا بقُرطُبة رافعيْ ألوَية الصَّبوَةِ، وعامريْ أندية السَّلوة، إلى أن اتُّخِذَ أبو عامرٍ في حُبالة الرَّدى وعَلِق، وغدا رَهنُه فيها قد غَلِق، فانفرد أبو المغيرة بذلك المَيدان، واستردَّ من سَبقِهِ ما فاته منذ زمان، فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة، ولا سَرت له فِقرَة وإن كانت مُستحسَنة، لتعذُّر ذلك وامتناعه، بشفوف أبي عامر
стр. 55
وامتداد باعه، وأما شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره، ومُختلِط زهره بدُرِّه، وقد أثبتّ له منها فُنُونا تُجَنُّ بها الأفهام جُنُونا، فمن ذلك قوله:
ظَعَنتْ وفي أحداجها من شَكلِها ... عين فضحن بحُسنهنَّ العِينَا
ما أنصّفَتْ في جَنبِ تُوضِح إذ قَرَتْ ... ضَيفَ الوِدَادِ بَلابِلاً وشُجُونَا
أضحَى الغَرَامُ رَبْع فُؤادِهِ ... إذ لَم يَجِد بالرّقمّتين قَطِينَا
وله أيضاً:
لمَّا رَأيتُ الهِلالَ مُنطَوياً ... في غُرَّةِ الفَجر قَارَن الزُّهْرة
شَبَّهيُهُ والعِيان يَشهَدُ لي ... بصَولَجانٍ انثَنَى لضَربِ كُرَة
الوزير أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد بن
مسلمة
стр. 56
بيت شرف باذخ، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ، وزروا للخلفاء، وانتجعتهم الأدباء، واتبعتهم العظماء، وانتسبت لهم النعماء وتنفّست عن نور بهجتهم الظلماء
وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل، وجوادهم الذي لا يَبخلَ، زعيمُهم المعظَّم، وسِلكُ مَفخَرِهم المنظَّم، وكان فتى المدام، ومستفتى النِّدَام، وأكثر من النعت للرّاح والوصف، وآثر الأفراح والقصف وأرى قَينات السُّرور مجلَّوة، وآيات الحُسن متلوّة، وله كتاب سمّاه بحديقة الارتياح، في وصف حقيقة الراح واختصّ بالمعتضد اختصاصاً جرّعه رَدَاه، وصَرَعه في مَدَاه، فقد كان في المُعتَضِد من عدم تحفّظه بالأرواح وتهاونه باللّوام في ذلك واللّوّاح، فاطمأنّ إليه أبو عامر واغترّ، وأنِسَ إلى ما بَسَم من مؤانسته وافترَّ، حتى أمكنته في اغتياله فًرصة، ولم يعلق فيها حصّة، ولم يطلق عليه إلا أنه زلّت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا، ولم يُعلَم به إلاّ بعدما طفا، فأُخرِجَ وقد قضى، وأُدرِجَ منه
стр. 57
في الكفن حُسام المَجد مُنتضَى، فمن محاسنه قوله يصف السَّوسَن، وهو مِمَا أبدعَ فيه وأحسن:
وسَوسَن راق مرآه ومخبَرُهُ ... وجلّ في أعين النَّظَّار منظره
كأنَّه أكؤسُ البَلُّورِ قد صُنِعَتْ ... مُسَندَسَاتٍ تعالى الله مُظهِرُهُ
وبَينَها أَلسُنٌ قَد طُوِّقَتْ ذَهَباً ... من بَينها قائمٌ بالملكِ يُؤثِرُهُ
وله أيضاً:
حَجَّ الحجيجُ مِنَىً فَفَازوا بالمُنَى ... وتفرَّقَتْ عن خَيفِه الأشهَادُ
ولنَا بِوَجهكَ حجَّةٌ مَبرُورَةٌ ... في كلِّ يَومٍ تُقتَضَي وتعاد
واجتمع بجنّة بخارج إشبيلية مع إخوان له عِليَة، فبينا هم يديرون الرّاح، ويشربون من كأسها الأفراح، والجوُّ صاح، إذا بالأُفقِ قد غَيَّم، وأرسل الدِّيَم، بعدما كسا الجوَّ بِمطَارِفِ اللاّذ، وأشعر الغُصًونَ زهر قُبَاذ، والشَّمسُ مُنتقِبَة بالسَّحاب، والرَّعد يبكيها
стр. 58
بزَمزَمةٍ كالانتحاب، فقال:
يوم كأنّه سَحَابَه ... لبست عماماتِ الصوامتْ
حَجَبَتْ به شمس الضُّحى ... بمثالِ أجنِحَةِ الفواختْ
والغيثُ يبكي فَقدَهَا ... والبرقُ يَضحَكُ ضَحْك شَامِتْ
والرعد يَخطُبُ مُفصِحَاً ... والجوّ كالمحزون سَاكِتْ
وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رِدَاه، ونثر على معاطف الغصون نَدَاه، فأقام بها وقال:
وخَمِيلَةٍ رَقَم الزّمانُ أدِيمَها ... بمُفَضَّضِ ومقسَّمٍ ومشوبِ
رشفت قبيل الصُّبْح ريق غمامةٍ ... رَشفَ المُحِبِّ مراشِفَ المَحبُوبِ
وطردتُ في أكْنافها ملكَ الصِّبا ... وقعدتُ واستوزرتُ كلّ أديبِ
وأدرتُ فيها اللَّهوَ حقَّ مُدَارِهِ ... مع كلّ وضّاح الجبينِ مَهُوبِ
стр. 59
الوزير الكاتب أبو حَفص أحمد بن بُرْد
هذه ثِنيَة غُذِيَت بالأدب، ورَبتْ في أسمى الرُّتَب، ما منهم إلاّ شاعرٌ كاتب ولازم لباب السُّلطان راتب، لم يزل في الدول العامريّة بسبقٍ يُذكر وحق لا يُنكر، وأبو حَفص هذا بديع الإحسان، بليغُ القلم واللّسان، مليحُ الكتابةِ فصيحُ الخطابة، وله رسالة السيف والقلم وهو أوّل من قال بالفرق بينهما، وشعره مثقف المباني، مُرهف كالحُسام اليماني، وقد لأثبتُّ منه ما يُلهيكَ سَماعا، ويُريكَ الإحسان لِمَاعا، فمن ذلك قوله يَصِفُ البَهَار:
تأمّل فَقَدْ شقَّ البَهَارُ كَمائِماً ... وأبرز عَن نُوَّاره الخَضل النَّدِي
стр. 60
مداهِنَ تِبر في أنامِلِ فِضَّةٍ ... على أذرُعٍ مخروطةٍ مِن زَبرجَدِ
وله يصف معشوقاً، أهيف القدّ ممشوقاً، أبدى صفحة ورد، وبدا في ثوب لازَورَد:
لمّا بدا في لازور ... ديّ الحرير وقد بَهَر
كبّرتُ من فَرط الجَمالِ ... ل وقلتُ: ما هذا بَشَرْ
فأجابني لا تنكرنْ ... ثوبَ السماء على القمرْ
وله أيضاً عفا الله عنه:
قلبي وقلبك لا محالة واحِدُ ... شَهِدَتْ بذلك بَيننَا الألحَاظُ
فتعال فَلنَغِظِ الحسودَ بوصلنا ... إن الحسودَ بمثل ذاك يُغَاظ
وله أيضاً إلى من ودّعه، وأودع فؤاده من الهوى ما أودعه:
يا من حُرِمْتُ لَذّاذتي بمسيرهِ ... هذي النَّوَى قد صعَّرتْ لي خدَّها
стр. 61
زَوِّدْ جُفُوني من جمالِكَ نظرةً ... واللهُ يَعلَمُ إن رأيتُكَ بَعدَها
الوزير الكاتب أبو جعفر اللّمّائي
إمام من أئمة الكتابة ومفجّر ينُبوعها، والظاهر على مصنوعها، بمطبوعها، إذا كتب نثر الدًّررَ في المهارق، ونَمَتْ فيها أنفاسه كالمسك في المهارق، وانطوى ذكره على انتشار إحسانه، وقصُر أمره مع امتداد لسانه، فلم تَطُلْ لدوحته فروع، ولا اتصل لها في نهر الإحسان كُرُوع، فاندفنت محاسنه من الإهمال في قبر، وانكسرت الآمال بعدم بدائعه كسراً بعد جبر، وكان كاتبَ عليّ بن حمّود العلويّ وذكر أنه كان يرتجل بين يديه ولا يروّي، فيأتي على البديه، مِمَّا يتقبله المروّي ويُبديه، فمن ذلك ما كتب به مُعتنِياً من بعض رسائله:
стр. 62
روض العلم في فنائك، مونق، وغصن الأدب بمائك مورق، وقد قذف بحر الهند درره، وبعث روض نجد زهره، فأهدى ذلك على يدي فلان الجاري في حَمده على مباني قَصده.
ومن شعره قوله:
ألِمَّا فَدَيتكما نَستَلِم ... منازِلَ سَلمَى على ذي سَلَمْ
منازل كُنتُ بها نازِلاً ... زمانَ الصِّبا بين جيد وَفَمْ
أمَا يَجِدَنَّ الثَّرَى عاطِراً ... إذا ما الرّياحُ تَنَفَسْنَ ثَمْ
وكتب أيضاً: غصن أياديك عندي ناضر، وروض شُكرك لديّ زاهر، (وريح إخلاصي لك صَبَا) وزمن أملي فيك صِبَا، فأنا
стр. 63
شارب ماء إخائك، متفيء ظِل
وفائك، جانٍ ثَمر فرع طاب أكله، وأجنَاني البرُّ قديماً أصلُه، فسقاني إكراماً بَرقُه، وروّاني أفضالاً وَدقُه، وأنت الطالع في فِجَاجه، السالك لِمنهَاجه، سَهم في كَنانة المَجد صائب، ونجم في سماءِ العزِّ ثاقب، إن ابتغَت العِدَا نورَه أحرَق، وإن رميتهم به أصبتَ الحَدق، وفلان اختلّ ما عهدتهُ من أمره، وطما عليه ما علمته من بحره، فإن سبح فيه غرق، وإن شَرِبَ منه شَرِق، فإن مدَدتَ يدَ اعتناءٍ نجّيتُه، وإن لحظته بعين احتفاء أحَييته.
الوزير أبو عَبْدة حسّان بن مالك بن أبي عبدة
من بيت جَلالة، وعِترَة أصالة، كانوا مع عبد الرحمن الداخل، وتوغّلوا معه في متشعّبات تلك المداخل، وسعوا في الخلافة حتى حضر مُبَايعُها، وكَثُر مُشايعُها، وجدّوا في الهُدنة وانعقادها، وأخمدوا نار
стр. 64
الفتنة عند اتّقادها فأبرمت عُراها، وارتبطت أولاها وأُخراها، فظهرت البيعة واتّضحت، وأُعلِنَت الطّاعة وأُفصِحَت، وصاروا تاج مَفرِقِها، ومِنهاج طُرُقِهَا، وأبو عَبدة هذا ممّن بلغ الوزارة وأدركها، وحلّ مطلعها وفلكها، مع اشتهار في اللُّغة والآداب، وانخراط في سِلك الشعراء والكُتَّاب، وإبداع لما ألّف، وإنتهاض بما تكلّف ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف، وعليه مُعتكف، فخرج من عنده وعمل على مثاله كتاباً سمّاه بكتاب: ربيعة وعقيل، جرّد له من ذهنه أيّ سَيف صقيل، وأتى به مُنتسخاً مصوَّراً في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأبرزه والحسن يبتسّم عنه ويتعرَّى، فَسُرَّ به المنصور وأُعجِبَ، ولم يَغِب عن بصره ساعةً ولم يَحتجب، وكان لأبي عبدة بعد هذه المدّة حين أدجّت الفتنةُ لَيلها، وأزجَت ابلَهَا وخَيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مُضاض، واضطراب بين القوافي والمواضي كالحيّة النَّضناض، ثم اشتهر بَعدُ، وافترّ له
стр. 65
السَّعدُ، وفي تلك المدة يقول، يتشوّق إلى أهله:
سقى بلد أهلي به وأقاربي ... غواد بأَثقَال الحَيَا وروائحُ
وهَبَّتْ عليهم بالعشيِّ وبالضُّحَى ... نواسِمُ برد والظلال فوائحُ
تذكَّرْتُهُم والنأيُ قد حال دُونَهم ... ولم أنسَ لكنْ أوقدَ القَلبَ لافحُ
ومّما شجاني هاتفٌ فَوقَ أيكةٍ ... ينوح ولم يَعلَم بما هو نائِحُ
فقلت اتّئِدْ يكفيك إني نازح ... وأنَّ الذي أهواهُ عنَّي نازِحُ
ولي صِبيَةٌ مِثْلَ الفراخِ بقفر ... مضى حاضناها فاطّحتها الطوائِحُ
إذا عَصَفتْ ريحٌ أقامت رؤوسها ... فلم يَلقَها إلاّ طيورٌ بوارِحُ
فَمنْ لِصِغَارٍ فَقدِ أبيهم ... سوى سانحٍ في الدّهرِ لوعنَّ سانِحُ
واستوزره المُستظهر عبد الرحمن بن هِشَام (المُسمَّى) بالخلافة أيام الفتنة، فلم يرضَ بالحال، ولم يَمضِ في ذلك الانتحال، وتثاقل عن الحضور في كل وقت، وتغافل في ترك الغرور
стр. 66
بذلك المَقت، وكان المستظهر يستبدّ بأكثر الأمور دونه، وينفرد مغيّباً عنه شؤونه فكتب إليه:
إذا غِبْتُ لم أُحضَر وإن جِئْتُ لم أُسَلْ ... فسيّان منّي مْشهد ومَغِيبُ
فأصبحتُ تيميّاً وما كُنت قبلها ... لِتَيْمٍ ولكنّ الشبيهُ نسيبُ
ومن شعره في المِهرجَان:
أرى المِهْرجَان قد اسْتَبشَرا ... غداةَ بكى المُزْنُ واسْتَعبَرا
وسُربِلَتْ الأرض أفواهَهَا ... وجُلّلت السُّندُسَ الأَخضَرَا
وهزّ الرِّياح صنابيرَها ... فضوَّعتِ المسك والعَنبَرا
تهادى به النَاس ألطَافهُ ... وسام المقلّ به المُكْثِرَا
وله أيضاً:
رَأتْ طالِعاً للشَّيبِ بَينَ ذَوَائبي ... فَعَادتْ بأَسْرابِ الدّموع السَّواكبِ
وقالت: أَشيبٌ؟ قُلت صُبْحُ تجاربي ... أنَارَ على أعقَابِ ليلِ نوائبي
стр. 67
ولما مات قال الوزير أبو عامر بن شهيد يرثيه رحمهما الله تعالى:
أفي كلِّ عامٍ مصرعٌ لعظيمِ ... أصاب المَنَايا حادِثِي وقدِيمي
وكيفَ اهتدائي في الخطوب إذا دَجَتْ ... وقد فَقَدتْ عينايَ ضوَء نُجُومِ
مضى السَّلفُ الوضّاح إلاّ بقيةً ... كغْرَّةِ مسوَدِّ القميصِ بهيمِ
فإن ركبت مَنّي الليالي هَضِيمَةً ... فَقَبليَ ما كان اهِتضَامُ تميمِ
أبا عَبدَةَ إنّا غَدَرنَاك عِندَما ... رَجَعنَا وغادرْنَاك غَيرَ ذميمِ
أنَخْذلُ مَنْ كُنَّا نرودُ بأَرضِهِ ... وَنكْرَعُ منه في إناءِ علومِ
وَيجْلو العَمَى عنّا بأنوارِ رأيهِ ... إذا أظلَمت ظلماءُ ذاتُ غمومِ
كأنّك لم تُلْقِحْ بريح من الحِجَى ... عقائمَ أفكار بغيرِ عقيمِ
ولم نَعتَمِدْ مغناك غَدْواً ولم نَزرْ ... رَوَاحاً لفصلِ الحُكمِ دارَ حكيمِ
الوزير الفقيه أبو أيّوب بن أبي أُميَّة
واحد الأندلس الذي طوّقها فخاراً، وطبّقها بأوانهِ افتخاراً، ما شئت من وقار لا تحيل الحركة سكونه، ومقدارٍ يتمنَّى مُخبِّرٌ أن يكونه،
стр. 68
إذا لاح رأيت المجد مُجتَمِعاً، وإن فاه أضحى كل شيءٍ مستمعاً، تكتحل منه مُقلُ المَجد، وتنتحل المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووَجد، لو تفرّقت في الخلق سَجَاياه لحُمِدَت الشِّيَم، واستُسقِيَت بمُحيّاه لما استمسكت الدّيَم، ودُعي للقضاء فما رضي وأُعفي عنه فكأنه استُقضي، لديه تثبتُ الحقائق، وتَنبتُ العلائق، وبين يديه يُسلكُ عين الجَدَد ويدع اللَّدِدُ اللَّدَدِ، وله أدب إذا حاضر به فلا البحر إذا عصف، ولا أبو عثمان ابنه إذا صنَّف، مع حلاوة مؤانسةٍ تستهوي الجليس وتَهوي حيث شاءت بالنّفوس، وأما تحبيره وإنشاؤه، ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه، وقد أثبت له بِدَعاً يثنى إليها الإحسان جِيدَاً وأخدَعَا، فمن ذلك قوله في منزل حلّه متنزَهاً:
يا مَنزِلَ الأُنسِ أهواهُ وآلفه ... حقَّاً لقد جُمِعتْ في صحنك البِدَعُ
لله ما اصطَنعَتْ نُعمَاك عِندي في ... يوم نعمت به والشمل مُجتَمعُ
стр. 69
وحلّ مِنية صِهره الوزير أبي مروان بن الدّبّ بعُدوة إشبيلية المُطلَّة على النهر، المشتملة على بدائع الزّهر، وهو مُعرِس ببنته، فأقام فيها أياماً متأنِّساً، ولِجَذوة السرور مُقتبسَاً، فأولاه من التحف، وأهدى إليه من الطُّرف، ما غمر كَثرة، وبهر نَفَاسة وأثرة، فلما ارتحل، وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل، كتب إليه:
قُلْ للوزير وأينَ الشُّكرِ من مِنَنٍ ... جاءت على سَنَنٍ تَترَى وتتَّصِلُ
غِشيت مَغْناك والرّوضُ الأنيق بهِ ... يَندَى وصوب الحَيا يَهْمي وَيَنْهَمِلُ
وجال طَرفي في أرجَائِهِ مَرَحَاً ... وفْقَ اختِيَاري يَستعْلي ويَستَفِلُ
يدعو بِلَفتتِهِ حيثُ ارتَمى زَهَرٌ ... عليه من مُنثَني أفَنَانِهِ كِلَلُ
محلُّ أنسٍ نَعِمنَا فيه آوِنَةً ... من الزَّمانِ وواتانا به الأمَلُ
وحلّ بعد ذلك متنزّهاً بها على عادته، فاحتفل في موالاة ذلك البرّ وإعادته، فلما رحل كتب إليه:
стр. 70
يا دارُ أمّنكِ الزّما ... نُ صروفه ونوائبَهْ
وجرت سعودك بالذي ... يَهْوي نزيلُكِ دائبَهْ
فلنعم مثوى الضّيْفِ أَنْ ... ت إذا تحاموا جانِبَهْ
خَطَرٌ سَأرْتِ به الدّيَا ... رَ وأَذْعَنتْ لكِ ناصِبَهْ
وله فيه أيضاً:
أمِسكُ دَارِينَ حيَاكَ النّسيم به ... أَمْ عَنبَرُ الشَّحْرِ أم هّذي البساتينُ
بشاطئ النَّهْر حيث النَّورُ مُؤتَلق ... والرّاح تَعْبَق أم تلك الرياحينُ
وصنع ولد ابن عبد الغفور رسالةً، سمّاها بـ الساجعة حذا بها حذو أبي العلاء المعرّي في الصاهل والشاحج وبعث بها إليه، فعرضها عليه فأقامت عِنْدَه أياماً ثم
استدعاها منه فصرفها إليه وكتب معها يول - من النثر -: بِكْر زَففتُها - أعزك الله - نَحوك، وهززتَ
стр. 71
بمقدمها سناك وسَروَك، فلم ألفظها عن شِبَع، ولا جهلت ارتفاعها عمّا يجتلي من نوعها ويُستَمَع، ولكن لَمَ أنِسته من أُنسِكَ بانتجاعِها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت في صدر الوَلوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدبُ غضٌ، وماءُ البلاغةِ، مرفضّ، فأسعد أعزّك الله بكرَّتِها وسَلها عن أفانين مَعَرَّتِهَا بما تَقطِفه من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك وأنها لِشنشِنَة أعرفها فيكم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السَّبقَ فيها منذ كم، إن شاء الله تعالى.
الوزير أبو القاسم بن عبد الغفور
فتى زكا فِرعاً وأصلاً، وأحكم البلاغة معنى وفَضلاً، وجرَّد من ذِهِنهِ على الأعراضِ نَصلاً، قدّها به وفراها، وقدح زَندَ المعال
стр. 72
ي حتى أوراها، مع صونٍ يرتديه ولا يكاد يُبديه، وشبيبة ألحَقته بالكهول، وأقفَرت منه رَبعها المأهول وشَرفَ ارتداه وسَلَف اقتفى أثره الكريم واقتداه، وله شعر بديعُ السَّرد مفوَّفُ البُرد، وقد أثبت له منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه اكتفيت، فمن ذلك قوله:
تركتُ التَّصابي للصَّوابِ وأهلِهِ ... وبيضَ الطُّلَى للبيض والسُّمْر للسُّمْر
مُدَامي مِدَادي والكؤوسُ محابري ... ونَدْماي أقلامي ومنقلتي سِفْري
وله أيضاً:
لا تنكروا أَنّنا في رِحلَةٍ أبداً ... نحثُّ في نَفنَفٍ طوراً وفي هَدَفِ
فَدَهْرُنا سُدْفَةٌ ونحنُ أنْجُمُها ... وليس يُنكر النَّجْمِ في السُّدَف
لو أسْفَر الدَّهرُ لي اقصرتُ عن سفرِ ... وملت عن كَلَفي بِهَذِهِ الكُلَف
وله من قصيدة:
رويدك يا بَدْرَ التَّمامِ فإنّني ... أرى العيس حَسرَى والكواكبَ ظُلَّعا
стр. 73
كأن أديَم الصُّبحِ قد قدَّ أنْجُمَا ... وغودر دِرْعُ اللّيل فيها مُرقَّعا
فإنّي وإنْ كان الشَّبابُ محبَّباً ... إليّ وفي قَلْبي أجلُّ وأوقعا
لآنفُ من حُسْنٍ بِشِعْري مُفْتَرى ... وآنفُ من حُسْنِ بشَعْري قُنِّعَا
الوزير أبو مروان عبد الملك بن مثنى
كثر القَعَاقِع، قليل البَراقِع، يَذهَب إلى التّقعير، ويرغب في التُّوعير كتب إلى ابن عُكاشة، وقد مرّ على قلعة رَبَاح، يعلمه بعدم الرّاح:
стр. 74
يا فريدا دون ثان ... وهِلالا في العيانِ
عُدِمَ الرّاحُ فصارت ... مثلَ دُهْنَ البَلَسَانِ
فبعث إليه منها وكتب إليه:
يا فريدا لا يُجَارَى ... بين أبنَاءِ الزّمانِ
جاء من شِعْرِكَ روضٌ ... جادّهُ صَوبُ البيانِ
فبعثناها سُلاَفاً ... كسَجَاياك الحِسَانِ
الوزير أبو يحيى رفيع الدولة بن صُمَادح
من ثِنيَة إمارة، والى عليها السَّعدُ حِجُّةُ واعتماره، انتجعوا انتجاع الأنواءِ، واستطعموا في المَحل والّلأواء، وأبو يحيى،
стр. 75
هذا فجر ذلك الصباح، وضوء ذلك المصباح، التحف بالصَّون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى فنا تَلقاه إلاّ سالِكَاً جَددَا، ولا تراه إلاّ لابساً سُؤدَدا، وله أدب كالروض إذا أزهر، والصُّبحِ إذا أسفر، وقفه على النَّسيب، وصَرفه إلى المحبوبةِ والحبيب، فمن ذلك قوله:
يا عَابَد الرَّحمَنِ كَمْ ليلةٍ ... أرَّقّتني وَجدَاً ولم تَشعُرِ
إذ كنتَ كالغُصنِ ثنته الصَّبَا ... وصَحْنُ ذاكَ الخدِّ لَمْ يَشْعُرِ
وقوله أيضاً:
ما لي ولِلبَدرِ لَمْ يَسْمَح بزَوْرَتِهِ ... لَعلَّه ترك الإجمال أو هَجَرا
إن كان ذاكَ لذَنْبٍ ما شَعَرْتُ بِهِ ... فأكْرَمُ النَّاسِ من يعفو إذا قَدَرا
وقوله أيضاً:
وأهيفَ لا يَلْوي على عَتبِ عاتِبٍ ... ويقضي علينا بالظّنون الكواذبِ
يحكّمُ فينا أمْره فنُطيعه ... ونّحسَب منهُ الحُكْمَ ضَرْبةَ لازبِ
следующие страницы →