← Адаб

Адаб · id 95581

مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس

الفتح بن خاقان

Полный текст (229 стр.). Показаны 211–229 · переход к 216.

стр. 211

عشيّةَ لا أرجو لقاَءك عِنْدَها ... ولا أنا إن يدنو مع اللّيل طامِعُ وله أيضاً: حَنَنْتُ إلى البَرْق اليماني وإنَّما ... نُعَالِجُ شَوْقَاً ما هُنَالكَ هانِيَا فيا راكبا يطوي البلاد تَحَمَّلنْ ... تحيَّتنَا إن كنت تلجأُ لاقِيَا ليالينا بالجِزْع جزع محجَّرٍ ... سَقَى الله يا فيحاء تِلْكَ اللّياليا وما ضرّ صَحْبي وقفة بِمُحجَّرٍ ... أحيّي بها تلك الرسوم البوالِيَا وله أيضاً: خَليليَّ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ بِنَجْدهم ... مَصِيفَاً لبيت العامريِّ ومَرْبَعَا ألا رَجِّعَا عَنْها الحديثَ فإنَّني ... لأغبط من ليلى الحديث المُرَجَّعا عزيزٌ علينا يا ابنةَ القَوْمِ أنَّنَا ... غريبانِ شَتَّى لا نُطِيقُ التَّجمُّعَا فريقٌ هوى مِنّا يمانٍ ومُشْئمٌ ... يُحَاول يَأسَاً أو يحاول مَطْمعَاً كأنّا خُلِقْنَا للنّوى وكأنَّما ... حرامٌ على الأيَّامِ أن تَتَجَمَّعَا

стр. 212

الأديب أبو جَعْفَر بن البِنِّيّ رافع راية القَريض، وصاحب آية التَّصريح فيه والتعريض، أثام شرائِعه وأظهر بدائِعه، إذا نظم أزرَى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رَقم البُرود، وكان أليف غِلمان، وحليف كُفرٍ لا إيمان، ما نطق مُتشرِّعاً ولا رمق مُتورَِعاً، ولا اعتقد حَشراً، ولا صدّق بعثاً ولا نشراً، تنسّك مجوناً وفتكاً، وتمسّك باسم التقى، وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرّع بها صَابا،

стр. 213

ودرّع منها أوصَابا، وقد أثبتُّ له ما يُرتشَف ريقاً، ويُشربُ تحقيقاً، فمن ذلك قوله يتغزّل: من لي بِغُرَّةِ فاتنٍ يَخْتَال في ... حُلَلِ الجَمالِ إذا بَدَا وحِلَّيهِ لو شمت في وَضَحِ النَّهارُ شَعاعَها ... ما عادَ جًنْحُ اللّيلِ بَعْدَ مضيّهِ شَرِقَتْ لآلي الحسن حتى خَلَّصَتْ ... ذَهَبيَّةُ في الخَدِّ مِنْ فِضيِّهِ في صَفْحَتَيْهِ من الجَمَالِ أزَاهِرٌ ... غذيتْ بوسميّ الحَيَا ووليّهِ سَلَّتْ مَحَاسِنُهُ لقتلِ مُحبِّهِ ... من سحرِ عَيْنَيْهِ حُسَامَ سميِّهِ وله فيه: كَيْفَ لا يَزْدادُ قَلْبي ... من جَوَى الشّوْق خَبَالا وإذا قُلْتُ عليٌّ ... بَهَرَ النَّاسَ جَمَالا

стр. 214

هو كالغُصْنِ وكالبَدْ ... رِ قَواماً واعْتِدَالا أشرقَ البَدْرُ كَمَالا ... وانْثَنَى الغُصْنُ اختيالا إنَّ من رامَ سُلُوّي ... عَنْهُ قَدْ رامَ مُحالا لستُ أسْلو عن هَوَاهُ ... كانَ رُشْداً أو ضَلالا قُلْ لمن قصَّر فيهِ ... عَذْلَ نَفْسي أو أطَالا دون أن تُدْركَ هذا ... تَسْلُبُ الأُفْقَ الهِلالا وكنت بمَيُورقة وقد حلّها مُتَّسماً بالعبادة، وهو أسرَى إلى الفجور من خيال أبي عُبَادة، وقد لبس أسمالا، وأنس النّاس منه أقوالا لا أفعالا سجوده هُجُود، وإقراره بالله جُحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مُرتَبِطاً، ولا بسكناها مُغتَبِطاً، سمّاها بالعقيق، وسمّى فتى كان يعشقه بالحمّى، وكان لا يتصرّف إلا في صفاته، ولا يقف إلاّ بعَرفاته، ولا يؤرّقه إلاّ جَواه، ولا يشوقه إلاّ هَواه (فدخلت عليه يوماً لأزوره وأرى زوره)، فإذا (أنا) بأحد دُعاة محبوبه ورواة

стр. 215

تشيبيه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر له خبراً ورّى به عنّي وعمّاه، فقال: تَنَفَّسَ بالحِمَى مطلولُ أرْضٍ ... فأوْدَع نَشْره نَشْرا شمَالا فصبَّحَت العُيُونُ إليَّ كَسْلى ... تجرّر فيه أردانا خِضَالا أقولُ وقد شممْتُ التُّرْبَ مِسْكا ... بنفحتها يَميناً أو شمالا نسيمٌ جاَء يَبْعَثُ مِنْكَ طيباً ... ويشكو من محبَّتِكَ اعتلالا ولما تقرّر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرّر، وتردّد على سمعه انتهاكه وتكرّر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلمّا صار من ميورقة على ثلاث مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مُهجته، فلمّا لحق بميورقة أراد ناصر الدولة استباحته، وإبراء الدين منه وإراحته

стр. 216

ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الحَنَق ولَفحه، وأقام أياماً ينتظر ريحاً علّها تُزجيه، ويستهديها لتخلّصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر على إتيانه أحد من إخوته، فقال يخاطبهم: أحِبَّتَنا الألَى عَتَبوا عَلَيْنَا ... فأقْصَرنا وقد أزِفَ الوَدَاعُ لقد كُنْتُم لنا جَذَلاً وأُنْسَاً ... فهل في العيش بعدكمُ انتفاعُ؟ أقول وقد صدرنا بعد يوم ... أشوقٌ بالسفينة أم نِزَاعُ إذا طارَتْ بِنَا حامَتْ عليكم ... كأنَّ قلوبَنا فيها شِرَاعُ وله يتغزّل: بني العَرَبِ الصَّميمِ ألا رَعَيْتُمْ ... مآثِرَكُمْ بآثارِ السَّمَاحِ رفعتم ناركم فعشا إليها ... بِوَهْنٍ فارسُ الحيِّ الوقاحِ

стр. 217

فهل في العقب فضل تنضحوه ... به من محض ألبانِ اللّقَاحِ لعلّ الرِّسل شَابَتْهُ الثَّنَايا ... بشهد من نَدَى نور الأقَاحِ وله أيضاً: وكأنما رَشَأُ الحِمَى لمّا بدا ... لك في مضلَّعةِ الحديد المعْلَمِ غَصَب الغمام قِسِيَّةُ فأراكَهَا ... من حُسْنِ مِعْطَفه قويمَ الأسْهُمِ وله أيضاً: نظرتُ إليه فاتَّقاني بمُقْلَةٍ ... تردّ إلى نَحْري صدورَ رماحِ حَمَيْتَ الجفونَ النوم يا رَشَأ الحِمَى ... وأظلمت أيامي وأنت صَبَاحي وله أيضاً: قالوا تُصيبُ طيورَ الجوِّ أسْهُمُهُ ... إذا رماها فَقُلْنا عندنا الخبرُ تعلَّمتْ قوسُها من قوسِ حاجِبِه ... وأيّد السّهمَ من ألْحَاظِهِ الحَوَرُ يروح في بردة كالنَّقْسِ حالكةٍ ... كما أضاء بجُنْحِ الليلة القمرُ وربما راقَ في خضراَء مُورِقَةٍ ... كما تَفَتَّحَ في أوْرَاقِهِ الزَّهَرُ

стр. 218

الأديب أبو الحَسَن بن لسَان شاعر سمح، مُتقلِّد بالإحسان مُتَّشح، أمّ الملوك والرؤساء، ويمّم تلك العزَّة القَعساء، فانتجع مواقع خَيرهم، واقتطع ما شاء من مَيرهم، وتمادت أيَّامه إلى هذا الأوان، فجالت به في ميدان الهَوان، فكسد نَفاقه وارتدّت آفاقه، وتوالى عليه حرمانه وإخفاقه، وأدرَكته وقد حَنتهُ سُنُونه، وانتظرته مُنونه، ومحاسنه كعهدها في الاتّقاد، وبُعدها من الانتقاد، وقد أثبتّ له ما يعذبُ جَنىً وقِطَافاً، ويستعذب استِنزالا واستِلطَافاً، فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجلّ أبا إسحاق ابن أمير المسلمين: قُل للأمير ابن الأمير بل الذي ... أبداً به في المَكْرُمَاتِ وفي النَّدَى والمُجْتَنَى بالزّرق وهي بَنَفْسَج ... ورد الجراح مُضَعَّفا ومنضَّدَا

стр. 219

جاءتك آمال العفاة ظَوَامِئَاً ... فاجْعَلْ لها من ماءِ جودِكَ مَوْرِدَا وانثر على المِدَّاحِ سبيك إنَّهم ... نثروا المَدَائِحَ لُؤْلُؤَاً وَزَبَرْجَدَا فالناس إن ظَلَموا فأنت هو الحِمَى ... والنَّاس إن ضلّوا فأنتَ هو الهدى أخبرني وزير السلطان أنّ هذه القطعة لما ارتفعت، اعتنت بجملة الشعراء وشَفَعتْ، فأنجز لهم المَوعُود، وأورق لهم ذلك العُود، وكثر اللّغط في تَعظيمها، واستجادة نظيمها، وحصل له بها ذكر، وانصقل له بسببها فكر. وله من قطعة يصف بها سَيفاً: كلّ نَهْرٍ تَوقَّدَتْ شَفْرَتَاه ... كاتَّقَادِ الشِّهَاب في الظَّلْمَاءِ فهو ماءٌ قد رُكِّبَتْ فَوْقَ نَارٍ ... أو كَنَارٍ قد رُكِّبت فوقَ ماءِ وكتب إليّ مُعزّياً عن والدتي، وإلى الله تعالى عليها الرحمة: على مثله من مصاب وجَبْ ... على من أُضيب به المنتجَب

стр. 220

وَقَلْبٍ فَرُوقٍ وخِلْبٍ خَفُوقٍ ... ونفسٍ تشبّ وهمٍّ نَصَبْ فقد خَشَعَتْ للتُّقَى هَضْبَةٌ ... ذوائبها في صَمِيمِ العَرَبْ من الجَاعِلاَتِ محارِيَبها ... هَوادِجَهَا أبداً والقَتَبْ من القائماتِ بظلِّ الدُّجَى ... ولا مَنْ تُسَامِرُ إلاّ الشُّهُبْ فكم ركعةٍ أثرها في الدّجى ... تناجي بها ربَّها من كَثَبْ وكم سَكَبتْ في آوان السّجُودِ ... مَدَامِعَ كالغَيْثِ لمّا انْسَكَبْ وقد خَلَّفّتْ وَلَداً باسِلاً ... فَصِيحاً إذا ما قرا أو كَتَبْ تِفَلُّ السيوفُ بِأقْلاَمِهِ ... ويُكْسَرُ صُمُّ القَنَا بالقَصَبْ وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم - أعزّه الله - أجلَّ من جال في خَلَد، واستطال على جَلَد، رشأ يُحيي الصبَّ باحتشامِه، ويستردٌّ البَدر بلثامه، ويزري بالغُصن تثنّيه، ويثمر الحسن لو دّنّت قطُوفُه لِمُجتنيه مع لوذَعيَّةٍ تخالها جِريَالا، وسَجيَّة يختال فيها الفَضلُ اختيالا، وكان قد بَعُدَ عن أُنسِنَا بحمص،

стр. 221

وانتضى من تلك القُمص، وكان بثَغر الأُشبُونة أدام الله حِراسَتها فسدَّهُ ولم ينفرج لنا من الأنس بَعدَه ما يسدُّ مَسدَّهُ، إلى أن صَدَر، فأسرع إلينا وابتدَر، فالتقينا وبتناها ليلة نام عنها الدهر وغَفَل، وقام لنا بما شِئنَا فيها وتكفَّل، فبينا نحن نفضُّ خِتامَها ونَنفُض عنّا غِبَار الوَحشة وقَتَامها، إذ أنا بابن لسان هذا وقد دخل أذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناه بترحيب، وأنزلناه بمكان من المسرّة رحيب، وسقيناه صغاراً وكباراً، وأريناه إعظاماً وإكباراً، فلمّا شَرب طرب، وكلّما كَرَعها، التحف السَّلوَة وتدرَّعها، وما زال يشرب أقدَاحاً وينشد فينا أمدَاحاً، ويفدي بنفسه، ويَستهدي الاستزداة من أُنسه فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع، واجتَلينَا محاسنه كالصَّريع وانفصَلت لَيلتُه عن أتمّ مسرَّة، وأعمّ مبرّة، وارتحل عثمان أعزه الله تعالى إلى ثغره، وأقام برهة من دهره، فمشيت بها إليه مجدّداً عَهداً، ومتضلِّعاً من مؤانسته شهدا، فكتب ابن لسان هذه القطعة من قصيدة، يذهب إلى

стр. 222

شكره، ويجتهد في تجديد ذكره: ما شام إنسانُ إنسانٍ كَعُثْمَانِ ... ولا كبغيته منْ حُسْنِ إحْسَانِ بَدْرُ السيادةِ يبدو في مَطَالعِهِ ... من المَحَاسنِ مَحُفُوفَاً بِشُهبَانِ له التَّمامُ وما بالأُفْقِ من قَمَرٍ ... متمّمٍ دونَ أنْ يُرْمى بنُقْصَانِ به الشَّبِيبَةُ تَزْهَى من نَضَارِتِهَا ... كما تساقطَ طَلٌّ فَوْقَ بُستَانِ مصفر الحسن للأبْصَارِ نَاصِعُهُ ... كأنَّه فضَّةٌ شِيبَتْ بِعِقْيَانِ نُبِّئْتُ عَنْهُ بأنباءٍ إذا نَفَحَتْ ... تعطّلت نَحَاتُ المِسْك والبَانِ قامت عليه براهينٌ تُصدِّقُهَا ... كالشَّكْلِ قامَ عليه كُلُّ بُرْهَانِ قد زادها لأبن عُبَيْد الله من وَضَحٍ ... ما زادت الشَّمسُ نورَ الفجرِ للراني بالله بلّغه تَسْليمي إذا بَلَغَتْ ... تلك الركاب وعجّل غير ليَّانِ وليتَ أنّي لو شاهدتُ أُنْسكما ... على كؤوس وطاساتٍ وكيزانِ فألْفِظُ الكَلِمَ المَنْثُورَ بَيْنكما ... كأنَّما هو من دُرٍّ ومَرْجَانِ لله درّك يا ذا الخُطَّتين لَقَد ... خططتَ بالمدحِ فيه كلَّ ديوانِ كلاكما البحرُ في جود وفي كرم ... أو الغمامةُ تقشيعٌ لظْمَآنِ

стр. 223

إن كانَ فارسَ هيجاءٍ ومُعْتَركٍ ... فأنتَ فارسُ إفْصَاحٍ وتِبْيَانِ فاذكر أبا نَصْرٍ المعمورَ مَنْزِلُهُ ... بالرّفْدِ ما شِئْتَ من مَثْنَى ووُحْدَانِ قصائدا لأخي وُدٍّ وإن نَزَحَتْ ... بك الرّكابُ إلى أقصى خُرَاسَانِ الأديب أبو بكر عبد المعطي بن محمد بن المعين بيتُ شِعر ونَباهة، وأبو بكر ممّن تنبّه خاطره للبدائع أيَّ انتِبَاهة وله أدبٌ باهِر ونَظم كما سَفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالاً (يبلغ آمالاً، فمن ذلك قوله وقد اجتمعنا في ليلة لم يُضرَب لها وعد، ولم يَغرُب عَنها سَعد، وهو قَعديّ، قد شبّ عن طوق الأنس في النَّدي، وما قال خالي عمرو ولا عديّ والكهولةُ قد قَبضتهُ، وأقعَدتهُ عن ذلك وما أنهَضتهُ: إمامُ النَّثْرِ والمَنْظُومِ فَتْحُ ... جَميعُ النَّاسِ لَيْلٌ وهو صُبْحُ له قَلَم جَلِيلٌ لا يُجَارَى ... يقر بِفَضْله سَيفٌ وَرُمْحُ

стр. 224

يُبَاري المُزْنَ ما سحَّتْ سَماحاً ... وإن شحَّت فليسَ لديهِ شُحُّ وكان مرتسماً في عسكر قُرطبة، وكان ابن سراج يأتي بكلّ ما يبغي خيفَةً من لِسانه، ومُحافَظة على إحسانه، فلمَّا خرج إلى أُقلِيش خرج معه، وجعل يُساير من شيَّعه، فلما حصلوا بَفحصِ سُرَادِق، وهو موضع توديع المُفارق للمفارق، قرب منه أبو الحسين بن سِرَاج لوداعه، وأنشده في تفرّق الشّمل وانصِدَاعه: هُمُ رَحَلوا عنَّا لأِمْرٍ لهم عَنَّا ... فما أحَدٌ منهم على أحَدٍ حَنَّا وما رحلوا حتى استقادوا نُفُوسَنَا ... كأنَّهُم كانوا أحقَّ بِهَا مِنَّا فيا ساكني نَجْدٍ لتبعد داركمْ ... ظنَّنا بكم ظَنَّاً فأخلفتم الظَّنَّا غدرتُم ولم أغْدُرْ وخُنْتُم ولم أخنْ ... وقلتم ولم أعْتِب وجُرْتُم وما جُرْنا وأقسمتم أن لا تخونونَ في الهَوَى ... فَقَدْ، وذِمام الحُبِّ خُنْتم وما خُنَّا تُرَى تَجْمعُ الأيّامُ بيني وبَيْنَكُم ... ويجمُعَنا دَهْرٌ نَعُودُ كما كُنَّا فلمّا استتمّ إنشاده لحق بالسُّلطان واعتذر إليه بمريض خلّفه وهو يخاف تَلفه، فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحُسين بن سِرَاج:

стр. 225

أما والهَدايا ما رَحَلْنَا ولا حُلْنا ... وإن عنَّ من دون التَّرحُّلِ ما عَنَّا تَرَكْنَا ثوابَ الغزو والقَصْدِ للعِدَا ... على مَضَضٍ منّا وعدنا كما كُنَّا وليس لنا عنكم على البَيْنِ سَلْوَةٌ ... وإن كان أنْتمْ عندكمْ سَلْوةٌ عَنَّا وجَمعتَنا عَشيَّة بَربَض الزّجالي بقُرطبة، ومعنا لُمَّه من الأخوان، وهو في جُملتهم، مناهض لأعيانهم وجُلَّتِهم، بفضل أدبه، وكثرة نَسبه، فجعل يرتجل ويروي وينثر محاسن الآداب ويَطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار ويطلعنا على إقبال الأيّام وعلى الإدبار، ثم قال: أيا ابن عبيد اللهِ يا ابن الأكارمِ ... لقد بخّلَتْ يُمْنَاك صوبَ الغمائِم لك القَلَمُ الأعْلى الذي عَطَّل القَنَا ... وفلّ ظُبَاتِ المُرْهَفَاتِ الصَّوارِمِ وأخْلاقُكَ الزُّهْرُ الأزاهرُ بالرُّبَى ... ترفُّ بشؤبوبِ الغُيُوثِ السَّواجِمِ بَقِيتَ لتشييد المكَارمِ والعُلَى ... تُظَاهِرُهَا بالسَّالِفِ المُتَقَادِمِ واجتمع عند أبيه لُمَّة من أهل الأدب، وذوي المَنازلِ والرُّتب، في عَشيَّة غَيم أعقَب مطراً، وخَطَّ فيه البَرق أسطُراً، والبَردُ يتساقط

стр. 226

كدُرٍّ من نِظَام ويتراءى كثنايا غادةٍ ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا بُردَ شَبابه، ولا انتضى مُرهف آدابه، فقال معرّضاً بهم، ومتعرّضاً لتحقق أدبهم: كأنَّ الهواَء غديرٌ جَمَد ... بحيث البروق تُذيبُ البَرَدْ خُيوطٌ وقَدْ عُقِدَتْ في الهواء ... وراحةُ ريحٍ تحُلُّ العُقَدْ وشرب في دار ابن الأعلم في يومٍ لم يرَ الدَّهرُ فيه إساءه، وليل نسخ نور أُنسه مساءَه، ومعهم جُملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء منهم أبناء القَبطُرنَة، فوقع بينهم عتاب وتَعذال، وامتهان في ميدان المُشاجرة، وابتذال آل به إلى تجريد السّيف، وتكدير ما صَفا بذلك الخَيف فسكنوه بالاستنزَال، وثنوه عن ذلك ووالوا الكؤوس في ودَادِه وكفوا بذلك بعض احتداده، حتى مالت به نشوته، وحالت بينه وبين حَتفه سَلوتُه، فقال: قُلْ للوزيرينِ أنّي مُخْلِصٌ لَهُمَا ... في السِّرِّ والجَهْرِ من عُودَيْهِمَا عُودي وشاهدُ الصِّدقِ لي ما في ضَمِيرِهِمَا ... فليس يُخْلص ودّ غيرُ مَوْدُودِ وحَضر مَعهم في مَجلسٍ سِواه، انتشر به من المحاسن ما كان طواه، فبنيا هم يأخذون بأطراف الأحاديث، ويغدون في تلك الدَّمَاثيث، إذ قعد إليهم رجل طويلُ اللّحية، قصير الإدراك، قليل

стр. 227

التخلّي والأتراك، فكلٌّ عاينَ سُخفَه، فحاول وَصفه، فما وافق أحدهم المَعنى، وما كان فيه ممطر ولا مَغنى فقال: ولحيةٍ في طولها ميلُ ... قصّر عن إدّرَاكِهَا الطَّوْلُ وقال تهنِئَةً بنَيرُوز: هو النَّيرُوز أمَّك للتَّهَاني ... وللْبُشْرَى بمُقْتَبل الزَّمانِ فهنَّاكَ المهيمنُ ما حبَاهُ ... ويحبوه على ناءٍ ودانِ فإنْ تكُ سابقاً في كُلِّ فَضْلٍ ... كما سَبَق المبرِّزُ في الرِّهَانِ سبقت فما تُضَاهى في سَنَاءٍ ... أشفّ به الشُّجَاعُ على الجبانِ حَلَلْتَ من العُلَى أعلى مَحَلٍّ ... تَقَاصَرَ عن عُلاّهُ الفَرْقَدَانِ فَظَاهر بالمكارمِ والمَعَالي ... مظاهرةَ المُهنَّدِ للسِّنَانِ لهمتَ بكُلِّ مَكْرُمَةٍ وبرّ ... إذا ما هام غيرُك بالغَوَاني وسُدْتَ العالمين نهىً وعُلْيَا ... مُذاعاً في الأقاصي والأدَاني وحِلْماً راجحاً بهضابِ رَضْوَى ... وَعَزْماً مثلَ بارقةِ اليمانِ وجوداً فائِضاً في كُلِّ حينٍ ... إذا ضَنَّ الحيا والمِرْزَمَانِ

стр. 228

ونثراً مُعْجِزاً في كُلِّ فَنٍّ ... وَنَظْماً غَضَّ من نَظْم الجُمَانِ فَمَنْ عَبْدُ الحميد ومن عليٌّ ... ومن سَالِمْ أو الحسنُ بنُ هاني ومن أوسُ بنُ حارثةٍ وقُسٌّ ... وقيسٌ وأبنه والأحْمَرَانِ فدُمْتَ مُهنَّاً في كُلِّ حينٍ ... عزيزَ الجارِ مألوفَ المَغَاني

стр. 229

تمّ القسم الثالث من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في مفاخر أهل الأندلس وبتمامه كمل الكتاب، بعون الله الملك الوهاب في ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين، على يد كاتبه علي بن أحمد الدناصيّ، اللهمّ اغفر له ولمن علّمه، ولوالديهما ولكل المسلمين.