← Адаб

Адаб · id 95581

مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس

الفتح بن خاقان

Полный текст (229 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

جيش تقدّمه الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الأخضر وكأنَّمَا سَلَبََ القَشَاعِمَ ريشَها ... ممَا يشقّ من العَجَاجِ الأكّدَرِ لحق القبول مع الدبورِ وسارَ في ... جمع الهِرَقْلِ وَعزْمة الإسْكَنْدَرِ في فتية صَدَأُ الحديدِ لباسُهُم ... في عبقريّ البيد جِنَّةَ عَبْقَرِ وكفاه من حُبِّ السَّمَاحَة أنَّهُ ... منه بموضع مُقلَةٍ من مَحْجِرِ نَعْمَاؤه من رَحْمةٍ ولِبَاسُه ... من جنّة وعطاؤه من كَوْثَرِ وله أيضاً من قصيدة في جعفر بن عليّ:

стр. 177

ألاَ أيّها الوادي المقدّس بالنّدى ... وأهلِ النَّدَى قلبي إليك مشوقُ ويا أيّها القصرُ المنيفُ قِبَابُه ... على الزّابِ لا يُسْدَدْ إليك طريقُ ويا مِلكَ الزابِ الرفيعَ عِمَادُهُ ... بقيتَ لجمع المَجْدِ وهو فريقٌ فما أنْسَ لا أنْسَ الأميرَ إذا غَدَا ... يروع بحوراً ملكه ويروقُ ولا الجودَ يجري من صفيحة وَجْهه ... إذا كان من ذاكَ الجبينِ شروقُ وهزّته للمجْدِ حتّى كأنَّما ... جرت في سجاياهُ العذابِ رحيقُ أما وأبي تلك الشّمائل إنّها ... دليلٌ على أنَّ النِّجَارَ عتيقُ فكيف بصَبْرِ النّفس عنه ودونه ... من الأرض مغبَرّ الفجاج عميقُ فكن كيف شاَء الناسُ أو شئتَ دائِماً ... فليس لهذا المُلْك غيرك فُوقُ ولا تشكرِ الدُّنْيَا على نيل رُتْبَةٍ ... فما نلتها إلاّ وأنتَ حَقِيقَ وله من قصيدة: خليليّ أين الزّابُ مِنّي وجعفرُ ... وجنّةُ عَدْن بِنْتُ عَنهَا وكوثرُ فقبلي نأى عن جنّة الخُلْد آدمٌ ... فما رَاقَهُ من جانبِ الأرض مَنْظَرُ

стр. 178

لقد سَرَّني أنَّي أمرُّ بباله ... فيخبرني عنه بذلك مُخْبِرُ وقد ساَءني أنّي أراه بِبَلدَةٍ ... بها مَنسك منه عظيمٌ ومشْعَرُ وقد كان لي منه شفيع مُشفَّعٌ ... به يمحص الله الذنوبَ ويغْفِرُ أتى الناسُ أفواجاً إليكَ كأنَّما ... من الزّاب بيت أو من الزّاب مَحْشَرُ فأنت لمن قد مزّق الله شَمْلَه ... ومعْشَره والأهلَ أهلٌ ومَعْشَرُ وله أيضاً: إلا طرقتنا والنجومُ ركود ... وفي الحيّ أيْقاظ وهُنَّ هُجُودُ وقد أعجل الفجر الملمّع خطْوَها ... وفي أُخرياتِ اللّيل منه عمودُ سَرَتْ عاطلاً غَضْبَى على الدرّ وحْدَه ... ولم يدرِ نَحْرٌ ما داهاهُ وجيدُ فما بَرحَتْ إلاّ ومن سِلْك أدْمُعي ... قلائد في لبّاتها وعقودُ ويا حُسْنَها في يوم نضّت سوالِفاً ... تريع إلى أترابها وتحيدُ ألم يأتِهَا أنّا كبرنا عن الصّبا ... وأنا بَلينا والزمانُ جديدُ ولا كالليالي ما لهُنَّ مواثقٌ ... ولا كالغواني ما لهنّ عهودُ ومنها: ولا كالمعزّ ابن النبي خليفة ... له الله بالفخرِ المبينِ شهيدُ

стр. 179

وله أيضاً: قد مررنا على مغانيك تِلْكِ ... فرأينا بها مَشَابِهَ مِنْكِ عارَضتْها المَهَا الخواذل سِرْبَاً ... عِنْدَ أجْرَاعِهَا فلم تَسَلْ عَنْكِ لا يرع لِلْمَها بذلك سِرْبٌ ... أشبهتك في الوصف إن لم تَكُنْكِ كن عذيري فقد رأيت مَعَاجي ... يوم تبكي بالجزع ولهى وأبْكي بحنين مرجّع وتشكٍّ ... وأنين موجّع كتشكي وله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي بن رمان: قفا فلأمر سَرَيْنَا ولا نَسْري ... وإلاّ نرى مشي القَطَا الوارد الكُدْرِ قفا نتبَّينْ أيْنَ ذا البرق منهم ... ومن أيْن تأتي الريح طيّبة النَّشْرِ لعلّ ثَرَى الوادي الذي كنت مرّة ... أزورهم فيه تضوّع للسَّفْرٍ وإلا فما وادٍ يسيلُ بِعَنْبَرٍ ... وإلاّ فما تَدْري الركاب ولا ندري

стр. 180

أكلّ كِناس بالصّريمِ تظنّه ... كِناس الظباءِ الدُّعْج والشُّدُنِ العُفْرِ وهل عجبوا أنّي أُسَائِلُ عَنْهُمُ ... وهم بين أحناءِ الجوانحِ والصَّدْرِ وهل علموا أنّي أُيَمِّمُ أرْضَهُمْ ... ومالي بها غير التَّعسُّفِ من خُبْرِ ولي سَكَنٌ تَأتي الحَوادِثُ دُونَهُ ... فَيبعُدُ عن عيني ويَقْربُ من فِكْري إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ جاشت بذِكْره ... كما عثر الساقي بِجَامٍ من الخَمْرِ فلا تَسْألاني عن زماني الذي خَلا ... فوا لعصر إنّي بَعْدَ يحيى لفي خُسْرِ وآليت لا أُعطي الزمانَ مقادتي ... إلى مثل يحيى ثم أُغْضي على الوتْرِ حنيني إليهِ ظَاعِنَاً وَمُخَّيمَاً ... وليس حنينُ الطّير إلاّ إلى الوَكْرِ وله من قصيدة: فَتَكَاتُ طرفكِ أم سيوفُ أبيكِ ... وكؤوسُ خمركِ أم مراشفُ فيكِ أجلادُ مُرْهَفَةٍ وفتكُ مَحَاجِرٍ ... لا أنْتِ راحِمَةٌ ولا أهْلُوكِ يا بنتَ ذي السَّيْفِ الطّويل نِجَادُهُ ... أكَذَا يجوزُ الحكمُ في ناديك عيناكِ أم مَغْنَاكِ مَوْعِدُنَا وفي ... وادي الكَرَى ألقاكِ أمْ واديكِ وقال أيضاً: أحبب بهاتيك القِبَابِ قِبَابَا ... لا بالحُداةِ ولا الرِّكابِ رِكَابَا

стр. 181

فيها قلوبُ العاشقين تَخَالُها ... عَنَماً بأيدي البيض أو عُنَّابا والله لولا أن يُعنِّفُني الهوى ... ويقول بَعْضُ العاذلين تَصَابى لَكَسرْتُ دُمْلُجَها بضيقِ عِنَاقِهَا ... ورشفتُ من فِيهَا البَرُود رُضَابا بِنْتُمْ فلولا أن أُغيِّرَ لِمَّتي ... عَبَثاً وألقاكم عليّ غِضَابَا لخصبتُ شَيْباً في مفارق لِمَّتي ... ومحوتُ محو النَّقْس عنه شَبَابا وخضبتُ مُبْيضّ الحداد عليكمُ ... لو أنّني أجدُ البياضَ خِضابا وإذا أردت على المشيبِ وِفَادَةً ... فاحثُتْ مطيَّك دونه الأحْقَابَا فلتأخذنّ من الزمانِ حمامةً ... ولتبعثَنَّ إلى الزمان غُرَابَا ومنها: قد طّيب الأقطار طيب ثنائه ... من أجل ذا تجد الثغورَ عِذَابَا لم تُدْنني أرضٌ إليكَ وإنَّما ... جئتُ السَّماَء ففتّحتْ أبْوابَا

стр. 182

ورأيتُ حولي وَفْدَ كلِّ قبيلةٍ ... حتّى توهّمتُ العِرَاق الزّابَا أرْضَاً وطئتُ الدُّرَّ من رَضْرَاضِهَا ... والمِسْكُ تُرْباً والرِّيَاضُ جَنَابَا ورأيتُ أجْبُلَ أرْضِهَا مُنقَادَةً ... فَحَسِبْتُهَا مَدَّتْ إليكَ رِقَابَا سدّ الإمامُ بها الثُّغُورَ وَقَبْلهَا ... هزم النَّبيُّ بقومِكَ الأحزَابَا الأديب أبو عمر أحمد بن فرج الجَيَّاني مُحرِز الخصل، مبرّز في كل معنى وفَصل، متميزّ بالإحسان متحيّز إلى فئة البيان، ذكيّ الخَلد مع قوّة العارضة والمنّة الناهضة حضر مجلس بعض القضاة، وكان مشتهر الضبط، منتهراً لمن انبسط فيه بعض البسط، حتى إن لأهله لا يتكلمون فيه إلاّ رَمزاً، ولا يخاطبون إلاّ إيماءً فلا تسمع لهم رِكزاً، فكلّم فيه خصماً له كلاماً

стр. 183

استطال به عليه لفضل بيانه وطلاقة لسانه، ففارق عادة المجلس في رفض الأنفة، وخفض الحجّة المؤتنفة، وهزّ عِطفَه، وحسر عن ساعده، وأشار بيده مادّاً بها لوجه خَصمه، خارجاً عن حدّ المجلس ورسمه، فهمّ الأعوان بتقويمه وتثقيفه ووَزعهم رهبة منه وخشية، حتى تناوله القاضي بنفسه، وقال له: مهلاً عافاك الله، اخفض صوتك، واقبض يدك، ولا تفارق مركزك، ولا تَعدُ حقَّك، وأقصر من أسبابك، وإدلالك بآدابك، فقال له: مهلاً يا قاضي، أمن المُخدَّرات أنا فاخفض صوتي واستُر يدي، وأغطّي معاصمي لديك؟ أم من الأنبياء أنت فلا يُجهرُ بالقول عندك؟ وذلك لم يجعله الله إلاّ لرسوله ﷺ لقوله تعالى: (يَا أيُّهَا الذِينَ آمنوا لا تَرْفَعوا أصْوَاتكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وتَجْهَرُوا له بالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعمالُكًمْ وأنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) ولست به ولا كرامة، وقد ذكر الله أن النفوس تُجادِل في القيامة في موقِف الهول الذي لا يَعدِ له مقام، ولا يشبه انتقامه انتقام،

стр. 184

فقال تعالى: (يَوْمَ تَأتي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا). . . إلى قوله تعالى: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)، لقد تعدّيت طورك، وعلوت في مَنزِلتِك، وإنما البيان بعبارة اللّسان، وبالنطق يستبين الحقّ من الباطل، ولابد في الخصام من إفصاح الكلام، وقام وانصرف، فبُهِت القاضي ولم يُحِر جواباً. وكان في الدولة صدراً من أعيانها، وناسق دُرَرِ تِبيانها، نفق في سوقها وصنّف، وقرّط محاسنها وشَنَّف، وله الكتاب الرائق المُسمّى بالحدائق، وأدركه في الدّولة سَعي، ورفض له فيها الرَّعي، واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له عَفو، ولم يَشُب كَدر حالهِ صَفو، حتى قضى مُعتقلاً، ونعى للنائبات نَعياً مُثكِلاً، وله في السجن أشعار كثيرة، وأقوال ومبدعات منيرة، فمن ذلك ما أنشده أبو محمد بن حزم يصف خيالاً طَرقه بعدما

стр. 185

أسهره الوجد وأرّقه: بأيِّهِمَا أنَا في الشُّكْرِ بادي ... بشكر الطّيف أم شكر الرُّقادِ سَرَى وازدادَ في أملي ولكن ... عففت فلم أجد منه مُرَادي وما في النّوم من حَرَجٍ ولَكِنْ ... جريتُ من العَفَافِ على اعْتِيَادي وله أيضاً: وطائعةِ الوصالِ عَفَفْتُ عَنْهَا ... وما الشيطانُ فيها بالمُطَاعِ بَدَتْ في الليل سافِرةً فباتَتْ ... دياجي الليل سافرة القِنَاعِ وما من لَحْظَةٍ إلاّ وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي فملّكت النّهى جَمَحات شوقي ... لأجري بالعَفَافِ على طِبَاعي وبتّ بها مبيت الطّفل يظما ... فيمنعه الفِطَامُ من الرِّضَاعِ

стр. 186

كذاك الروض ليس به لِمِثْلِي ... سوى نَظَرٍ وشمٍّ من مَتَاعِ ولستُ من السوائم مهملاتٍ ... فاتَّخِذُ الرّياضَ من المَراعي وله أيضاً: للروضِ حُسْنٌ فَقِفْ عليه ... واصْرِفْ عنان الهوى إليهِ أما ترى نَرْجِسَاً نَضِيرَاً ... يرنو إليه بِمُقْلَتَيْهِ نشر حبيبي على رُبَاهُ ... وصُفْرَتي فَوْقَ وَجْنَتَيْهِ وله أيضاً: بِمُهْلِكَةٍ يستهلك الحَمْد عَفْوَها ... ويتركُ شَمْلَ العَزْمِ وهو مُبَدَّدُ ترى عاصِفَ الأرْواحِ فيها كأنَّه ... من الأين يمشي ظالِعٌ أو مُقَيَّدُ الأديب أبو عبد الله محمد بن الحدّاد شاعرٌ مادح، وعلى أيك النَّدى صادح، لم يُنطِقهُ إلاّ مَعن

стр. 187

أو صُمَادح فلم يَرِم مثواهُما، ولم ينتجِع سِواهُما، واقتصر على المريَّة، واختصر قطع المهامه وخوض البريّة، فعَكف فيها ينثر دُررَه في ذلك المنتدى، ويرتشف أبداً ثُغُور ذلك النَّدى، مع تميزه بالعلم، وتحيّزه إلى فئة الوَقار والحِلم وانتمائه إلى أية سَلف، ومذهبه مذاهب أهل الشَّرف، وكان له لسن، ورُواء (حسن)، يشهدان له بالنباهة، ويقلدان كاهله ما شاء من الوجاهة، وقد أثبتُّ له بعض ما قذفه من دُررِه، وفاه به من محاسن غُررِه، فمن ذلك قوله: إلى الموتِ رَجْعي بعد حين فإنْ أمُت ... فقد خُلِّدَتْ خُلْدَ الزمانِ مناقبي وذكريَ في الآفاقِ طارَ كأنَّهُ ... بكلّ لسانٍ طيبُ عذراَء كَاعِبِ ففي أيّ عِلْمٍ لمْ تبرَز سَوَابقي ... وفي أيّ فَنٍّ لم تُبرِّز كتائبي وحضر مجلس المُعتصِم بحضور ابن اللَّبَّانة، فأنشد فيه

стр. 188

قصيداً أبرز به من عُرى الإحسان ما لم يَنفَصِم واستمرّ فيها، يستكمل بدائِعهَا وقوافيها، فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحدّاد الذي أوله: عُجْ بالحِمَى حيثُ الخِمَاصُ العينُ فقال ابن الحدّاد مُرتَجِلاً: حاشا لعدلك يا ابن مَعْنٍ أن يُرَى ... في سِلْكِ غيري دُرّيَ المَكْنُونِ وإليْكَهَا تشكو استلابَ مطيِّها ... عُجْ بالحِمَى حيثُ الخِمَاصُ العينُ فاحْكُمْ لها واقطعْ لِسَاناً لا يَدَاً ... فلسانُ من سَرَق القريضَ يَمِينُ وله أيضاً: يا غَائِباً خَطَراتُ القَلْبِ مَحْضَرُهُ ... الصَّبْرُ بَعْدَكَ شيءٌ لستُ أقْدرُهُ تركتَ قَلْبي وأشواقي تُفَطِّرُهُ ... ودَمْعُ عيني وأحداقي تُحَدِّرُهُ لو كُنْتَ تُبْصِر في تُدْمير حالَتَنا ... إذَنْ لأشْفَقْتَ مِمَّا كُنْتَ تُبْصِرُهُ فالعينُ دونكَ لا تَحْلى بلذَّتِهَا ... والدَّهْر بَعْدَك لا يَصْفو تَكَدُّرُهُ

стр. 189

أخْفي اشْتِيَاقي وما أطويهِ مِنْ أسَفٍ ... على المَرِيَّةِ والأنفَاسُ تُظْهِرُهُ وله أيضاً: إنّ المدامعَ والزفير ... قد أعْلَنَا ما في الضَّمِيرْ فعلامَ أُخْفي ظَاهِراً ... سَقَمي عليَّ به ظَهِيرْ هَبْ لي الرِّضَى من سَاخِطٍ ... قَلْبي بساحَتِهِ الأسِيرْ وله أيضاً: أيُّها الواصِلُ هَجْري ... أنا في هِجْرانِ صَبْري ليتَ شِعْري أيُّ نَفْعٍ لك في إدْمَانِ ضُرّي وله أيضاً: يا مُشْبِهَ الملك الجَعْدي تَسمِيَةً ... وَمُخْجِل القَمَرِ البَدْريِّ أنْوارا وله أيضاً: تُطَالُبِني نَفْسي بما فيه صَوْنُهَا ... فلأعْصي ويَسْطُو شَوْقُهَا فَأطِيعُهَا وواللهِ ما يَخفَى عليّ ضَلالُهَا ... ولكنَّها تَهْوَى فلا أسْتَطِعُهَا

стр. 190

وله أيضاً: اسْتَودعُ الرحمنَ مُسْتَودَعي ... شَوْقاً كَمِثلِ النَّار في أضْلُعِي أتركُ من أهوَى وأمضي كَذَا ... واللهِ ما أمضي وقَلْبي مَعِي ولا نَأى شَخْصُكَ عن ناظِري ... حِيْنَاً ولا نطُقكَ عن مَسْمَعي وقال أيضاً: لعلّكَ بالوادي المُقَدَّسِ شاطئُ ... فكالعَنْبرِ الهِنْديَّ مات أنَا واطِئُ وإنّي في ريَّاكَ واجِدُ رِيْحِهِمْ ... فروح الهَوَى بين الجَوانِحِ ناشِئُ ولي في السُّرَى من نَارِهم ومنارِهِمْ ... هداةٌ حداةٌ والنُّجُومُ طَوَافِئُ لذلك ما حنَّت رِكابي وَحَمْحَمَتْ ... عِرَابي وأوْحَى سيرُها المُتَبَاطِئُ ويا حبَّذَا من آل لُبْنَى مواطنٌ ... ويا حبَّذَا من أرضِ لُبْنَى مواطِئُ ولا تَحْسبوا غِيَداً حَوَتْهَا مَقَاصِرٌ ... فتلك قلوبٌ ضَمَّنَتْها جَآجِئُ وفي الكِلَل اللاّتي لِعزّة ظَبيْةٌ ... تَحِفُّ بها زُرْقُ العوالي الكوالِئُ أفاتكةُ الألحَاظِ نَاسِكَةُ الهَوَى ... وَرَعْتِ ولكن لحظُ عَينَيْك خَاطِئُ وآل الهوى جَرْحَي ولكن دماَءهُم ... دموعُ هَوَامٍ والجروحُ مآقِئُ

стр. 191

وكيف أُعَاني كَلْمَ طَرْفِكَ في الحَشَا ... وليس لتمزيقِ المُهَنَّدِ رافئُ ومن أين أرْجُو بُرَء نَفْسي من الهَوَى ... وما كُلُّ ذي سُقْمٍ من السُّقْمِ بارِئُ وله أيضاً: بَخَافِقَةِ القُرْطَينِ قَلْبُكَ خافِقُ ... وعن خَرَسِ القَلبينِ دَمْعُك نَاطِقُ وفي مَشْرق الصُّدْغّينِ للبَدْرِ مَغْربٌ ... وللفكر حالاتٌ وللعين شارِقُ وبين حَصَى الياقوتِ ماءُ وَسَامة ... مُحَلاَّةٌ عنه الظباء السوابقُ وَحَشْوُ قِبَابِ الرَّقْمِ أحْوَى مُقَرْطَقٌ ... كما آسُ رَوْضٍ عِطْفُهُ والقَراطِقُ غَزَالٌ رَبيبُ في المَقَاصِرِ كانِسٌ ... وَخُوطٌ لبيبٌ بالغرائر وارِقُ الأديب الأسْعَد بن بِلِّيطهْ سَرد البدائع أحسن السَّرد، وافترس المَعالي كالأسد الوَرد وأبرَز

стр. 192

دُرر المحاسن من صَدفها، وحاز من بحر الإجادة وشرفِها، ومدح ملوكاً طوَّقهم من مدائحه قلائِد، وزفّ إليهم منها خرائد، وجلاها عليهم كواعب، بالألباب لَواعِب فأسالت العَوارِف، وما تقلّص له من الحُظوة ظِلٌ وارِفٌ، وقد أثبت له ما يُعترف بحقه، ويُعرف مقدار سَبقه، فمن ذلك قوله: بِرَامةَ ريمٌ زَارني بَعدَ ما شَطَّا ... تَقَتَّنصْهُ بالحِلْم في الشَّطِّ فاشْتَطَّا رَعَى من أفانِين الهَوَى ثَمرَ الحَشَا ... جَنِيَّا ولم يرعَ العُهُودَ ولا الشرْطَا خيالٌ لِمَرْقُومٍ غريرٍ بِرَامَةٍ ... تأوّبني بالرَّقْمَتينِ لدى الأرْطَى فأكْسَبَني من خَدِّها روضةَ الجَنَى ... وألدّغني من صُدْغِهَا حيَّةً رَقْطَا وبَاتَتْ ذِرَاعَاها نِجَاداً لِعَاتِقي ... إذا ما التقاها الحيُّ غَنَّى لها لغْطا وسلّ اهْتِصَاري غُصْنِهَا من مُخَضَّرٍ ... طواه الضَّنَى طيّ الطوامير فامْتَطَّا وقد غاب كحل الليل في دمع فجرة ... إلى أن تَبدَّى الصبحُ في اللّمّة الشمطا

стр. 193

ومنها في وصف الديك: وقامَ لها يَنْعِي الدُّجَى ذو شقيقة ... يُديرُ لنا من بين أجفانه سِقْطَا إذا صاح أصْغَى سَمْعُهُ لأذَانِهِ ... وباد ضَرْباً من قوادِمِهِ الإبطا كأنّ أنوشروان أعلاه تاجُه ... وناطَتْ عليه كفّ مارِيَة القُرْطَا سَبَى حُلَّة الطاووس حُسْنَ لِبَاسِهَا ... ولم يَكْفِهِ سبى المشية البطّا ومن غّزّلها: غُلامِيَةٌ جاَءتْ وقد جَعَل الدُّجَى ... لخاتم فيها فَصَّ غاليةٍ خَطَّا فقلت أُحَاجِيَها بما في جُفُونِهَا ... وما في الشفا اللعس من حسنها المعطى مُحَيَّرَة العينينِ من غَيْرِ سَكْرَةٍ ... متى شَرِبَتْ ألْحَاظُ عينيك اسفِنْطَا أرى نكهة المِسَواك في حُمْرةِ اللَّمّى ... وشاربك المخضرّ بالمِسْكِ قد خُطَّا عَسَى قَزَحٌ قَبَّلْتِهِ فإخَاله ... على الشّفَة اللمياء قد جاَء مُخْتَطَّا وله أيضاً: لو كنت شَاهِدَنَا عشيَّةَ أمْسِنَا ... والمُزْنُ يبكينا بعيني مُذْنِبِ

стр. 194

والشَّمْسُ قد مدّت أديمَ شُعَاعِهَا ... في الأرض تجنحُ غير أن لم تَغْرِبِ وله أيضاً: وتلذّ تعذيبي كأنّك خِلْتَني ... عُوداً فليس يطيب ما لم يُحْرَقِ وهو مأخوذ من قول ابن زيدون: تَظنُّوني كالعُودِ حقّاً وإنَّما ... تطيب لكم أنفاسه حين يُحْرَقُ الأديب أبو بكر عُبَادة بن ماءِ السماء من فحول الشعراء، وأئمتهم الكبراء، كان مُنتجِعاً بِشعره، متوجِّعاً من صروف دَهره، وكانت له همّة، أطالت همّه، وأكثرت كمده وغمّه.

стр. 195

وله من قصيدة في يحيى بن علي بن حمّود أمير المؤمنين: يؤرّقني الليلُ الذي أنْتَ نَائِمُه ... فتجهل ما ألْقَى وطَرفُكَ عالِمُهْ وَفي الهَوْدَجِ المَرْقَومِ وَجْهٌ طَوَى الحَشَا ... عن الحُسْنِ فيه الحُسْنُ قد حَارَ رَاقِمُهْ إذا شاَء وَقْفَاً أرْسَلَ الحُسْنُ فرعَهُ ... يضلّهم عن مَنْهجِ القَصْد فَاحِمُهْ أظُلْماً رأوا تقليده الدُّرَّ أم زروا ... بتلك اللآلئ أنهنّ تمائمهْ الأديب أبو عبد الله مُحمَّد بن عائِشَة اشتهر صَوناً وعَفافاً، ولم يخطب بعقيلة حظوة زفافاً فآثر انقباضاً

стр. 196

وسكوناً واعتمد إليها رُكُوناً، إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه، فهبَّ من مرقد خموله، وشبّ لبلُوغ مأموله، فبدا منه في الحال انزواء في تسنّم تلك الرسوم والتواء، وقعود عن مراتب الأعلام، وجمود لا يُحمد فيه ولا يُلام، إلاّ أن أمير المسلمين - أيده الله تعالى - ألقى عليه منه مَحبَّة، جلبت إليه مسرى الظهور ومَهبَّه، وكان له أدب واسع المدى، يانع كالزّهر بلله النَّدى، ونظم مُشرق الصفحة عَبِق النَّفحَة، إلاّ أنه قليلاً ما كان يحلّ رَبعه ويذيل له طبعَه، وقد أثبتّ له منه ما يدع الألباب حائرة والقلوب إليه طائرة، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى كان يهواه، ونفحت له هبَّةُ وَصلٍ بَرَّدت جَواه: للهِ لَيْلٌ باتَ عندي بِه ... طَوْعَ يدي من مُهْجَتي في يَدَيْهْ وبتُّ أسْقيهِ كؤوسَ الطَّلاَ ... ولم أزَلْ أسْهُرُ شَوْقَاً إليهْ عاطَيْتُه حمراَء مَمْزُوجَةً ... كأنَّها تٌعْصَرُ من وَجْنَتِيْهْ

стр. 197

وله غيه وقد طرزت غلالة خدّه، وركب من عارضه سنان على صَعدَة قدّه: إذا كنتَ تَهْوَى خَدَّه وهو رَوضَةٌ ... به الورد غَضٌّ والأقاح مُفَلَّجُ فَزِدْ كَلفَاً فيه وفَرْطَ صَبَابَةٍ ... فقد زِيدَ فيه من عِذَارٍ بَنَفْسَجُ وخرج من بَلنسِية إلى منية الوزير الأجلّ أبي بكر بن عبد العزيز، وهي من أبدع منازل الدنيا وقد مدّت عليها أدواحها الأفيا، وأهدت إليها أزهارها العَرف والرّيا، والنهر قد غَصَّ بمائه، والروض قد خصَّ بِمثل أنجُم سَمائِه وكانت لبني عبد العزيز فيها أطراب، تهيّأ لهم فيها من الأيام آراب، فلبسوا فيها الأُنس حتى أبلوه، ونشروا فيها السّرور وطووه، أيام كانوا بذلك الأفق طلوعاً، لم تضمَّ عليهم النوائب ضلوعاً، فقعد أبو عبد الله مع لُمَّة من الأدباء، تحت دوحة من أدواحها، فهّبت ريح أنس من أرواحها، سطت بأعصارها، وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها، فقال: ودوحةٍ قَدْ عَلَتْ سماءً ... تَطْلَعُ أزهَارُهَا نُجُومَا هَفَا نسيمُ الصَّبا عليها ... فأرسلت فوقنا رُجُومَا كَأنَّما الجَوُّ غَارَ لمَّا ... بَدَتْ فَأغْرَى بها النَّسِيمَا

стр. 198

وكان في زمن عُطلته، ووقت اصفراره وعلّته، ومقاساته من العيش أنكده، من التخوّف أجهده، كثيراً ما ينشرح بجزيرة شُقْر ويستريح، ويستطيب تلك الرّيح، ويجول في أجَارِع وادِيها وينتقل من نواديها إلى بوادِيها، فإنّها صحيحة الهواء، قليلة الأدواء خضلة العشب والأزاهر، قد أحاط بها نَهرُها كما تحيط بالمعاصم الأساور، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحه، والروض قد عطّر جوانبه بريحه، وأبو إسحاق بن خفاجة هو كان منزع نفسه، ومصرع أُنسه، به نفح له بالمُنَى عَبق وشذا، ومَسح عن عيون مسرّاته القّذى، وغدا على ما كان وراح، وجرى مُتهافِتاً في ميدان ذلك المِراح، قريب عَهدٍ بالفِطام، ودهره ينقاد في خِطام، فلما اشتعل رأسه شيباً وزرّت عليه الكهولة جَيباً، أقصَر عن تلك الهِنات، واستيقظ من تلك

стр. 199

السِّنات، وشبّ عن ذلك الطّوق، واقتصر على الحنين والشوق وقنع بأدنى تحيّة، وما يستشعره بوصف تلك العِهَاد من أريحيَّة، فقال: ألا خَلّياني والأسَى والقَوافِيَا ... اردّدها شجوي وأُجْهِشُ باكِيَا أآمن شَخْصاً للمسرّةِ باديا ... وأنْدبُ رَسْماً للشبيبةِ بالِيَا تولّى الصّبا إلاّ توالي فكرةٍ ... قدحتُ بها زَنْدَاً وما زلتُ وارِيَا وقد بانَ حُلوُ العيش إلاّ تَعِلَّةً ... تُحَدّثُني عنها الأمانيُّ خالِيَا ويا بَرْدَ هذا الماءِ هلَّ منك قَطْرَةٌ ... تهلُّ فَيُسْتَسْقَى غمامُكَ صادِيَا وهيهاتَ حالت دون حُزْوَى وأهْلِها ... لياليٍ وأيّامٌ تُخَالُ لَيالِيَا فَقُلْ في كبيرٍ عادَهُ صائد الظّبا ... إليهُنَّ مُهْتَاجَاً وقد كان سَالِيَا فيا راكباً يستعملُ الخطو قاصِدَاً ... إلا عُجْ بِشُقْرِ رائحاً أو مُغَادِيَا وَقِفْ حيثُ سال النَّهْرُ يَنْسَابُ أرْقُمَا ... وهبّ نسيمُ الأيكِ يَنْفُثُ رَاقِيَا

стр. 200

وقل لأُثِيْلاتٍ هُنَاك وأجْرَعٍ ... سُقِيتِ أُثَيْلاتٍ وحُيِّيتَ وَادِيَا الأديب أبو عامر بن عِقَال كان له ببني قاسم تَعلُّق، وفي سَماء دولتِهم تألّق، فلما خوت نُجُومهم، وعَفت رسومهم، انحطّ عن ذلك الخُصوص، وسَقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرّف بين وجود وعدم، وتحرَّف قاعِداً حيناً وحيناً على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم يدع حَظَّه من الحبيب ولا ثني لحظة عن الغزال الرّبيب، ولم يزل يطير ويقع، والدهر يخفض حاله ويرفع، إلى إن رقّاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن

стр. 201

تاشفين أسمى ربوة وأقعده أبهَى حُظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشاء، وترك الدّهر قَلق الحَشا، وتسنّم منزلة لا يتسنّمها إلاّ من تطهّر من دَرنِه، وجمح إحسانه في ميدان حَرنِه والحظوظ أقسام (لا تُسَام)، والدنيا إنارة وإعتام، وصفاء يتلوه قَتام، وقد أثبتُّ له بعض ما انتقيته والذي أخذته مُباين لما أبقيته، فمن ذلك قوله: يا ويحَ أجسَام الأنَا ... مِ لما تطيقُ من الأذى خلقت لتقوى بالغذا ... ء وسَقْمُهَا ذاك الغذا وتنال أيّام السَّلا ... مةِ بالحياة تَلَذُّذَا فإذا انقضى زَمَنُ الصِّبا ... ورمى المشيبِ فأنفذا وجد السّقامُ إلى المفا ... صِلِ والجَوانحِ مَنْفِذا

стр. 202

حذا في هذه القصيدة حذو الصابي حيث يقول: وجعُ المفاصلِ وهو أيسرُ ما لقيت من الأذَى رَدَّ الذي استحسنتُهُ ... والنَّاسُ من حظّي كذا وله يعتذر من تأخير زيارة اعتَمدَها، ومواصلة اعتقدها، فعاقته عنها حوادث لَوَتهُ، وعدته عن ذلك وَثنتهُ، وهو قوله: بينما كُنْتُ راجِيَاً لِلقَائِهِ ... والتَّشفّي بالبِشْرِ من تِلْقَائِهِ وترقّبتُ في سماءِ نِزَاعي ... قَمر الأُنْس طالعاً من سَمَائِهِ فتدلّهْتُ وانزويتُ حياءً ... منه والعُذْرُ لِسَنَائِهِ وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة: وفي الثانية من يوم الجمعة، كان جوازه أيّده الله تعالى، من مَرْسى جزيرة

стр. 203

طريف على بَحْر ساكنٍ، قد ذلَّ بعد استصعابه وسَهُل بعد أن رأى الشامخَ من هِضَابِه وصار حيّه ميتاً، وهذره صَمتاً، وجباله لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمتا، وضعف تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه فعبر آمنا من سَطَواته مُتملّكاً لِصَهواته، على جواد يَقْطع الجُرُوف سَبحاً ويكاد يسبق الريح لَمحَا، لم يَحْمل لِجَاماً ولا سَرجَاً، ولا عَهِد غير اللَّجة الخضراء مرجاً، عِنَانه في رجله، وهُدْبُ العين يحكي بعضَ شَكلْه، فلله درّه من جواد، له جسم وليس له فُؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض الماء ولا يشربه. الأديب أبو القاسم المَنِيشيّ أحد أبناء الحَضرة المتصرّفين في أشبه الأعمال، المتعرّفين ما

стр. 204

يأتيه العمال، لم يَفرع ربوة ظهور، ولم يَقرع باب ملك مشهور، ونكب عن المقطع الجزل إلى الغرض الفَسل، وليس من شرط كتابي هذا، إثبات بذاءه ولا أن يَقِف حِذاءَه، وقد أثبتّ له ما هو عندي نافق، ولغرضي موافق، فمن ذلك قوله: يا رَوْضَةً باتَتْ الأنْدَاءُ تَخْدمُهَا ... أتى النَّسِيمُ وهذا أوَّلُ السَّحرِ إن كان قَدُّكَ غُصْنَاً فالثَّراءُ بِهِ ... مثل الكمائم قد زَرَّتْ على الزَّهَرِ إرْبَأ ببُرْدَيك عن ورد وعن زَهرٍ ... واغْنَ بقُرطَيْك عن شَمْسٍ وعن قَمَرٍ يا قَاتلَ اللهُ لَحْظي كم شَقِيتُ بِهِ ... من حيثُ كانَ نعيمُ النّاسِ بالنَّظَرِ وله يصف زرزوراً: أمِنْبَرٌ ذاكَ أمْ قَضِيبُ ... يَفْرَعُهُ مِصْقَعٌ خطيبُ

стр. 205

يختالُ في بُرْدَتي شَبَابٍ ... لم يَتَوضَّحْ بها مَشيبُ كأنَّما ضَمَّخَتْ عليهِ ... أبرادَهُ مسكةٌ وطيبُ أخرسٌ لكنَّهُ فَصيحٌ ... أبْلَهٌ لكنَّهُ لبيبُ جَهْمٌ على أنَّه وسيمٌ ... صَعْبٌ على أنَّهُ أرِيبُ وله من رثاء في والدتي رحمة الله عليها: يا ناصحي غير مفتاتٍ وبي شَجَنٌ ... على النّصائِحِ والنُّصَّاحِ مفتاتُ لا أستجيبُ ولو ناديتَ من كَثَبٍ ... قد وَقَرتْني تَعلاَّتٌ وعِلاَّتٌ إن كان رأيك في بِرّي وتكرمتي ... بحيثُ قد ظَهَرتْ فيه علاماتُ لا تَرْضَ لي غَيْرَ شَجْوٍ لا أفارِقُهُ ... فذاكَ أخْتَارُهُ والنَّاسُ أشْتَاتُ يا ذَا الوزارةِ من مَثْنى وواحدةٍ ... لله ما اصْطَنَعتْ مِنْكَ الوزاراتُ لله منك أبا نصر أخو جلد ... إذا ألمّت ملمّات مهمّاتُ ومنها: أستودع الله نوراً ضَمَّهُ كَفَنٌ ... كما تواري بدورَ التَّمِ هَالاتُ

стр. 206

قَضَتْ وليتَ شبابي كان موضِعَها ... هيهاتَ لو قُضِيَتْ تلكَ اللُّبَانَاتُ مَضَتْ وليس لكم من دونها أحَدٌ ... هلاَّ وقد أعْذَرَتْ فيها المُروءاتُ الأديب أبو الحسن البَرْقيّ بَلنسيّ الدّار، نفيس المقدار، لم أعلم له بشَرف، ولم أسمع له عن سَلف، ورد إشبيلية سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة، فاتّصل بابن زهر، فناهيك من حظ مِسك أذفر، ومن وَجه صُبح أسْفر، أدرك به الرَّغائب، وتملَّك بِسببَهِ الحاضر والغائِب، وكان مجلوّ المؤانسة حلو المجالسة، وقد أثبتُّ له بعض ما وجدته له في الغِلمان

стр. 207

وأنشدته في ذلك الزّمان: إنْ ذَكَرْتَ العَقِيقَ هاجكَ شوقٌ ... رُبّ شَوْقٍ يُهيجُهُ الإذكارُ يا خليليّ حدُّثاني عن الرَّكْ ... ب سُحَيْراَ أأنْجَدوا أم أغَاروا شغلونا عن الوَداعِ وولَّوا ... ما عليهم لو ودّعوا ثُمَّ ساروا أنا أهْواهُمْ على كُلَّ حَالٍ ... عدلوا في هواهمُ أم جاروا وعلق بإشبيلية فتى يُعرف بابن المكر، صار به طريحاً بين أيدي الفِكر، ومازال يُقاسي هواه، ويُكابد جَواه، حتى اكتسى خدّه بالعِذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فقال: الآنَ لمَا صَوَّحَتْ وَجَنَاتُهُ ... شَوْكاً وأوضْحَتْ سَلْوَة العُشَّاقِ واستوْحَشتْ تِلْكَ المحاسنُ واكتستْ ... أنوارُ وَجْهِكَ واهِنَ الأخْلاقِ أمسيتَ تَبْذلُ ليّ الوصَال تَصَنُّعَاً ... خُلُقُ اللّئيمِ وشيمةُ المَذَّاقِ

стр. 208

هلاّ وَصَلْتَ إذْ الشّمائلُ قَهْوةٌ ... وإذ المُحيَّا روضةُ الأحْداقِ فلكم أطلتَ غَرامَ قَلْبٍ مُوجَعٍ ... كَمْ قد ألبَّ إليكَ بالأشْوَاقِ ما كُنْتَ إلاّ البَدْرَ ليلةَ تَمِّهِ ... حتّى قَضَتْ لك ليلةٌ بمَحَاقِ لاح العِذَارُ فقلتُ وَجْدٌ نَازِحٌ ... إنّ ابن دَأيَة مؤذنٌ بفِرَاقِ وله فيه مناقضاً لهذا الغرض، معارضاً للوعة سُلّوه الذي عرض: أجيلُ الطَّرْفَ في خَدٍّ نَضِيرٍ ... يردّد ناظري نَظَري إليهِ إذا رَمِدَتْ بِحُمْرَتِه جُفُوني ... شَفَاها منه أخْضَرُ عارِضَيْهِ الأديب أبو الحَسَن عليّ بن جودي برّز في الفهم، وأحرز منه أوفر سَهم، وله أدب واسع مَداه، يانع كالروض بلَّلهُ نَداه، إلاّ أنه سَها فأسرَف، وزها بما لا

стр. 209

يعرف، وتصدى إلى الدين بالافتراء، ولم يراقب الله في ذلك الاجتراء، واشتهرت عنه أقوال سدَّدَ إلى المِلَّة نِصالها، وأيّد بها ضُلاَّلَها، فَعظُمت به المِحنة وتكيّفت له في كلّ نفس إحنة، وما زال يتدرّج فيها وينتقل، حتى عثر وما كاد يستقل فمرّ لا يلوي على تلك النَّواحي، وفرّ لا ينثني إلى اللّوائم واللَّواحي، وما زال يركب الأهواء ويخوضها، ويذلّل النّفوس بها ويروضها، حتى أسمحت بعض الإسماح، وكفَّت عن ذلك الجِماح، فاستقرّ عند ابن مالك فآواه، ومهّد له مثواه، وجعله في جملة من اختصّ من المبطلين، واستخلص من المعطلين، فكثيراً ما يصطفيهم ولا يدري أيَّدخِرهم أم يَقتنيهم، وقد أثبتّ لأبي الحسن هذا: سَلِ الرّكْبَ عَنْ نَجْدٍ فإنَّ تَحيَّةً ... لساكن نجد قد تَحمَّهَا الرّكْبُ

стр. 210

وإلاّ فما بالُ المطيِّ على الوَجَى ... خِفَافاً وما للريحِ مرجعُها رَطْبُ وله أيضاً: أحنُّ إلى ريحِ الشّمالِ فإنَّها ... تُذَكِّرُنا نَجْداً وما ذِكْرُنَا نجدا تَمرُّ على رَبْعٍ أقَامَ بهِ الهَوَى ... وبَدَّلَ من أهْلِيهِ جَاثِمَةً رُبْدا وله أيضاً: إذا ارْتَحَلَت غربيّة فاعرضا لها ... فبالغرب من نَهْوى له البلدا الغربا لقد ساءني أنّي بعيدٌ وأنّنا ... بأرضين شَتّى لا مَزاراً ولا قُرْبَا يُفَجِّعنا إمّا بِعَادٌ مُبَرِّحٌ ... وإمّا أمورٌ باعثاتٌ لنا كَرْبَا وله أيضاً: لقد هيّج النّيران يا أُمَّ مالكٍ ... بتُدْمير ذكرى ساعَدَتْها المَدَامِعُ

стр. 211

عشيّةَ لا أرجو لقاَءك عِنْدَها ... ولا أنا إن يدنو مع اللّيل طامِعُ وله أيضاً: حَنَنْتُ إلى البَرْق اليماني وإنَّما ... نُعَالِجُ شَوْقَاً ما هُنَالكَ هانِيَا فيا راكبا يطوي البلاد تَحَمَّلنْ ... تحيَّتنَا إن كنت تلجأُ لاقِيَا ليالينا بالجِزْع جزع محجَّرٍ ... سَقَى الله يا فيحاء تِلْكَ اللّياليا وما ضرّ صَحْبي وقفة بِمُحجَّرٍ ... أحيّي بها تلك الرسوم البوالِيَا وله أيضاً: خَليليَّ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ بِنَجْدهم ... مَصِيفَاً لبيت العامريِّ ومَرْبَعَا ألا رَجِّعَا عَنْها الحديثَ فإنَّني ... لأغبط من ليلى الحديث المُرَجَّعا عزيزٌ علينا يا ابنةَ القَوْمِ أنَّنَا ... غريبانِ شَتَّى لا نُطِيقُ التَّجمُّعَا فريقٌ هوى مِنّا يمانٍ ومُشْئمٌ ... يُحَاول يَأسَاً أو يحاول مَطْمعَاً كأنّا خُلِقْنَا للنّوى وكأنَّما ... حرامٌ على الأيَّامِ أن تَتَجَمَّعَا

стр. 212

الأديب أبو جَعْفَر بن البِنِّيّ رافع راية القَريض، وصاحب آية التَّصريح فيه والتعريض، أثام شرائِعه وأظهر بدائِعه، إذا نظم أزرَى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رَقم البُرود، وكان أليف غِلمان، وحليف كُفرٍ لا إيمان، ما نطق مُتشرِّعاً ولا رمق مُتورَِعاً، ولا اعتقد حَشراً، ولا صدّق بعثاً ولا نشراً، تنسّك مجوناً وفتكاً، وتمسّك باسم التقى، وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرّع بها صَابا،

стр. 213

ودرّع منها أوصَابا، وقد أثبتُّ له ما يُرتشَف ريقاً، ويُشربُ تحقيقاً، فمن ذلك قوله يتغزّل: من لي بِغُرَّةِ فاتنٍ يَخْتَال في ... حُلَلِ الجَمالِ إذا بَدَا وحِلَّيهِ لو شمت في وَضَحِ النَّهارُ شَعاعَها ... ما عادَ جًنْحُ اللّيلِ بَعْدَ مضيّهِ شَرِقَتْ لآلي الحسن حتى خَلَّصَتْ ... ذَهَبيَّةُ في الخَدِّ مِنْ فِضيِّهِ في صَفْحَتَيْهِ من الجَمَالِ أزَاهِرٌ ... غذيتْ بوسميّ الحَيَا ووليّهِ سَلَّتْ مَحَاسِنُهُ لقتلِ مُحبِّهِ ... من سحرِ عَيْنَيْهِ حُسَامَ سميِّهِ وله فيه: كَيْفَ لا يَزْدادُ قَلْبي ... من جَوَى الشّوْق خَبَالا وإذا قُلْتُ عليٌّ ... بَهَرَ النَّاسَ جَمَالا

стр. 214

هو كالغُصْنِ وكالبَدْ ... رِ قَواماً واعْتِدَالا أشرقَ البَدْرُ كَمَالا ... وانْثَنَى الغُصْنُ اختيالا إنَّ من رامَ سُلُوّي ... عَنْهُ قَدْ رامَ مُحالا لستُ أسْلو عن هَوَاهُ ... كانَ رُشْداً أو ضَلالا قُلْ لمن قصَّر فيهِ ... عَذْلَ نَفْسي أو أطَالا دون أن تُدْركَ هذا ... تَسْلُبُ الأُفْقَ الهِلالا وكنت بمَيُورقة وقد حلّها مُتَّسماً بالعبادة، وهو أسرَى إلى الفجور من خيال أبي عُبَادة، وقد لبس أسمالا، وأنس النّاس منه أقوالا لا أفعالا سجوده هُجُود، وإقراره بالله جُحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مُرتَبِطاً، ولا بسكناها مُغتَبِطاً، سمّاها بالعقيق، وسمّى فتى كان يعشقه بالحمّى، وكان لا يتصرّف إلا في صفاته، ولا يقف إلاّ بعَرفاته، ولا يؤرّقه إلاّ جَواه، ولا يشوقه إلاّ هَواه (فدخلت عليه يوماً لأزوره وأرى زوره)، فإذا (أنا) بأحد دُعاة محبوبه ورواة

стр. 215

تشيبيه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر له خبراً ورّى به عنّي وعمّاه، فقال: تَنَفَّسَ بالحِمَى مطلولُ أرْضٍ ... فأوْدَع نَشْره نَشْرا شمَالا فصبَّحَت العُيُونُ إليَّ كَسْلى ... تجرّر فيه أردانا خِضَالا أقولُ وقد شممْتُ التُّرْبَ مِسْكا ... بنفحتها يَميناً أو شمالا نسيمٌ جاَء يَبْعَثُ مِنْكَ طيباً ... ويشكو من محبَّتِكَ اعتلالا ولما تقرّر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرّر، وتردّد على سمعه انتهاكه وتكرّر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلمّا صار من ميورقة على ثلاث مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مُهجته، فلمّا لحق بميورقة أراد ناصر الدولة استباحته، وإبراء الدين منه وإراحته
следующие страницы →