Полный текст (229 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بمقدمها سناك وسَروَك، فلم ألفظها عن شِبَع، ولا جهلت ارتفاعها عمّا يجتلي من نوعها ويُستَمَع، ولكن لَمَ أنِسته من أُنسِكَ بانتجاعِها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت في صدر الوَلوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدبُ غضٌ، وماءُ البلاغةِ، مرفضّ، فأسعد أعزّك الله بكرَّتِها وسَلها عن أفانين مَعَرَّتِهَا بما تَقطِفه من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك وأنها لِشنشِنَة أعرفها فيكم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السَّبقَ فيها منذ كم، إن شاء الله تعالى.
الوزير أبو القاسم بن عبد الغفور
فتى زكا فِرعاً وأصلاً، وأحكم البلاغة معنى وفَضلاً، وجرَّد من ذِهِنهِ على الأعراضِ نَصلاً، قدّها به وفراها، وقدح زَندَ المعال
стр. 72
ي حتى أوراها، مع صونٍ يرتديه ولا يكاد يُبديه، وشبيبة ألحَقته بالكهول، وأقفَرت منه رَبعها المأهول وشَرفَ ارتداه وسَلَف اقتفى أثره الكريم واقتداه، وله شعر بديعُ السَّرد مفوَّفُ البُرد، وقد أثبت له منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه اكتفيت، فمن ذلك قوله:
تركتُ التَّصابي للصَّوابِ وأهلِهِ ... وبيضَ الطُّلَى للبيض والسُّمْر للسُّمْر
مُدَامي مِدَادي والكؤوسُ محابري ... ونَدْماي أقلامي ومنقلتي سِفْري
وله أيضاً:
لا تنكروا أَنّنا في رِحلَةٍ أبداً ... نحثُّ في نَفنَفٍ طوراً وفي هَدَفِ
فَدَهْرُنا سُدْفَةٌ ونحنُ أنْجُمُها ... وليس يُنكر النَّجْمِ في السُّدَف
لو أسْفَر الدَّهرُ لي اقصرتُ عن سفرِ ... وملت عن كَلَفي بِهَذِهِ الكُلَف
وله من قصيدة:
رويدك يا بَدْرَ التَّمامِ فإنّني ... أرى العيس حَسرَى والكواكبَ ظُلَّعا
стр. 73
كأن أديَم الصُّبحِ قد قدَّ أنْجُمَا ... وغودر دِرْعُ اللّيل فيها مُرقَّعا
فإنّي وإنْ كان الشَّبابُ محبَّباً ... إليّ وفي قَلْبي أجلُّ وأوقعا
لآنفُ من حُسْنٍ بِشِعْري مُفْتَرى ... وآنفُ من حُسْنِ بشَعْري قُنِّعَا
الوزير أبو مروان عبد الملك بن مثنى
كثر القَعَاقِع، قليل البَراقِع، يَذهَب إلى التّقعير، ويرغب في التُّوعير كتب إلى ابن عُكاشة، وقد مرّ على قلعة رَبَاح، يعلمه بعدم الرّاح:
стр. 74
يا فريدا دون ثان ... وهِلالا في العيانِ
عُدِمَ الرّاحُ فصارت ... مثلَ دُهْنَ البَلَسَانِ
فبعث إليه منها وكتب إليه:
يا فريدا لا يُجَارَى ... بين أبنَاءِ الزّمانِ
جاء من شِعْرِكَ روضٌ ... جادّهُ صَوبُ البيانِ
فبعثناها سُلاَفاً ... كسَجَاياك الحِسَانِ
الوزير أبو يحيى رفيع الدولة بن صُمَادح
من ثِنيَة إمارة، والى عليها السَّعدُ حِجُّةُ واعتماره، انتجعوا انتجاع الأنواءِ، واستطعموا في المَحل والّلأواء، وأبو يحيى،
стр. 75
هذا فجر ذلك الصباح، وضوء ذلك المصباح، التحف بالصَّون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى فنا تَلقاه إلاّ سالِكَاً جَددَا، ولا تراه إلاّ لابساً سُؤدَدا، وله أدب كالروض إذا أزهر، والصُّبحِ إذا أسفر، وقفه على النَّسيب، وصَرفه إلى المحبوبةِ والحبيب، فمن ذلك قوله:
يا عَابَد الرَّحمَنِ كَمْ ليلةٍ ... أرَّقّتني وَجدَاً ولم تَشعُرِ
إذ كنتَ كالغُصنِ ثنته الصَّبَا ... وصَحْنُ ذاكَ الخدِّ لَمْ يَشْعُرِ
وقوله أيضاً:
ما لي ولِلبَدرِ لَمْ يَسْمَح بزَوْرَتِهِ ... لَعلَّه ترك الإجمال أو هَجَرا
إن كان ذاكَ لذَنْبٍ ما شَعَرْتُ بِهِ ... فأكْرَمُ النَّاسِ من يعفو إذا قَدَرا
وقوله أيضاً:
وأهيفَ لا يَلْوي على عَتبِ عاتِبٍ ... ويقضي علينا بالظّنون الكواذبِ
يحكّمُ فينا أمْره فنُطيعه ... ونّحسَب منهُ الحُكْمَ ضَرْبةَ لازبِ
стр. 76
وقوله أيضاً:
وَعلِقتُهُ حُلْوَ الشَّمائلِ ماجِناً ... خَنِثَ الكلامِ مرنّح الأعطافِ
ما زلت أُنْصفه وأوجبُ حَقَّهُ ... لكنّه يأبى عن الإنصافِ
وقوله أيضاً:
حبيبٌ مَتَى يَنأَى عن العين شَخْصه ... يكاد فُؤَادي أن يطيرَ من البَيْنِ
ويسكن ما بين الضّلوعِ إذا بدا ... كأنَّ علي قّلْبي تمائمُ من عَينِ
وقوله أيضاً:
أُفَدّي أبا عمروٍ وإن كان جانِياً ... عليّ ذنوباً لا تُعدَّدُ بالبُهْتِ
فما كان ذاكّ الودُّ إلاّ كبارِقٍ ... أضاء لعيني ثمّ أظلم في الوَقْتِ
وكتب إليَّ يهنئني بقدومٍ من سَفَر:
стр. 77
قَدِمتَ أبا نَصْرٍ على حالِ وحشةٍ ... فجاَءتْ بكَ الآمالُ واتّصل الأُنْسُ
وقرّت بك العينان واتّصل المُنَى ... وفازت على يَأسٍ ببُغيَتِهَا النَّفْسُ
فأهلاً وسهلاً بالوزارة كُلِّهَا ... ومَنْ رأيه في كلّ مًظلِمَة شّمْسُ
الوزير أبو الوليد بن حَزْم
واحد دونه الجَمع وهو للجلالة بَصرٌ وسَمع، روضةُ عُلاه رائقة السَّنا، ودوحةُ بَهاه طيبِّة الجَنى، لم يتّزر بغير الصًّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفسٍ بَرئت من الكِبَر، وخلصت خُلوص التّبر، مع عَفافٍ التحف به بُرُوداً، وما ارتَشف به
ثَغراً بَرُوداً، فَعَفت مواطِنُه، وما استرابت ظواهره ولا بواطِنُه، وأما شعره ففي قالب الإحسان أُفرغ، وعلى وجه الاستحسان يَلقى ويُبلِغ، وكتب إليه ابن زُهر:
أأبا الوليدِ وأَنْتَ سيِّدُ مَذحِج ... هلاّ فَكَكْتَ أسيرَ قبضة وَعْدِهِ
وحياة من أمد الحياةِ ... وذِهَابُها حَتْماً بأيسرِ صدّهِ
لأقاتلنَّك إن قطعت بمُرْهَفٍ ... من جَفْنِهِ وبصَعْدَةٍ من قَدّهِ
стр. 78
فراجعه أبو الوليد:
لبّيك يا أسدَ البريَّةِ كلّها ... من صادقِ عَبثَ المِطَالُ بوَعْدِهِ
يمضي بأمرك ساء أو سرَّ القضا ... ويفلُّ حَدَّ النّائِبَاتِ بِحدّهِ
إيهٍ ووافقت الصّبا في مَعْرضٍ ... ذهب المشيبُ بهَزْلِهِ وبجِدّهِ
فَطفَقْتُ أسأله عن الظَّبي الذي ... راقت لِحَاظُ الأُسْدِ زُرْقَة خَدّهِ
فاستعجمت شُحَّاً عليه ورحمةً ... لفؤادِ مولاه ومُهْجَةِ عَبْدِهِ
يا قاتلَ الأبطالِ دونكَ مُرهَفَاً ... من جَفنِهِ أو صَعْدَةً من قَدِّهِ
فلألقينَّكَ إنْ رَجَعْتَ بذِمّةٍ ... من عَهدِهِ وشَفَاعةٍ مِنْ عِنْدِهِ
حتى يردّ علاك طعمة وَصْلِهِ ... وحشاي إن سامَحْت نَهْزَة صَدِّهِ
وكتب إليه أيضاً، أبو الوليد:
أأبا العلاءِ وتلكَ دعوةُ عابِثٍ ... ولعلَّها سَبَبٌ إلى أنْ تَعْتَبَا
داويتُ قَلْبي من هواكَ لعلّة ... فأبى ولست أسومُ قَلْبي ما أبى
أتَصَامُمَاً عمّا أقول وَوثْبَةً ... عما أُريد فمرحباً بكَ مَرْحَبا
стр. 79
وله أيضاً:
أتجزع من دَمْعي وأنت أسَلْتَه ... ومن نارِ أحشائي وأنتَ لهيبُهَا
وتزعم أنّ النَّفْسَ غَيْركَ عُلِّقَتْ ... وأنت ولا منٌّ عليكَ حبيبُهَا
إذا طلعتْ شمسُ عليّ بِسَلوةٍ ... أثار الهوى بين الضلوع غُرُوبُها
وله أيضاً:
وعُلِّقتُهُ من حيثُ لم يدرِ ما الهَوى ... غريراً فلا وصلٌ لديه ولا هَجْرُ
يميل بِعطْفَيهِ النَّسيمُ صبابةً ... ويرنو إلى ما فوق لَبَّاتِهِ البَدْرُ
وفي لَحظِهِ سحرٌ ولم يرَ بابِلاً ... وفي فمه خمرٌ ولم يدرِ ما الخَمْرُ
يرجّم فيّ الظّنَّ من غَيرِ رِيبَةٍ ... ويُوهِمُهُ دَمعي، فيسألُ ما الأمرُ؟
ومن شِيَمِ العُشَّاق أو خِدَع الهَوى ... قُلُوبٌ بَراها الشَّوقُ أدْمُعُها حُمْر
فلمَّا صَفَا أو كادَ إلاّ تَعِلَّةً ... تصدّى لهَا الواشي وأحكمها الدَّهرُ
ونَادَتهُ أَفلاذي على عادةِ الهَوى ... فصُمَّ كأنَّ الصوتَ في أُذنِهِ وَقْرُ
فأعرضتُ صَفحَاً عَنهُ أو شَرقَاً به ... وداريتُ حتى شكّ في سرّيَ الجَهرُ
فقالوا سُلّوا عَنَّ أو مَللٌ عَرَا ... ويا بِئسَ ما ظنّوا ولو خَذَل الصَّبْرُ
وما عَرَفت إلاّ الوفاَء سجيَتي ... وإن أنكروا ظُلْماً ولو خَذَل الصَّبْرُ
وله أيضاً:
مُحَمّد كم أُغَالِطُ فيكَ نَفسي ... فلا أدري أأسْلو أمْ أهيمُ
стр. 80
فَاخفِضُ عَنكَ طَرفي خَوفَ واشٍ ... يعرِّض بي فيشمتُ أو يَلومُ
وكم من سَلْوةٍ هَجَمت وكادت ... ولكنَّ الهوى خُلُقٌ عَظيمُ
وكَيفَ بها وقد وَقفَ الهوى بي ... مواقفَ يستطيرُ بها الحَليمُ
وكم تأتي تُلاطِفُهُ الأماني ... فيأبى لا يسير ولا يقيمُ
وكنت هَمَمتُ لو لَمْ تَصطَفيني ... جفون لا يبلُّ بها سقيمُ
فمن شَغَفٍ تُراقبكَ الدّاراري ... ويأخذ من مَعَاطِفِكَ النَّسيمُ
وله أيضاً:
وكم ليلة ظَافرْتُ في ظلَها المُنَى ... وقد طرفت من أعين الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حُلْو الشمائلِ مُترَف ... يَدِينُ بيأسٍ تارةً ورجاءِ
أطارحه خَوفَ العتابِ ورُبَّما ... تغاضَبَ فاسترضيتُه ببُكَاءِ
وقد عابَثتهُ الرَاح حتَّى رمَتْ به ... لَقىً بين ثَنيَيْ بُرْدتي ورِدَائي
وفي لحظةٍ من سَورة الكأس فترة ... تمتُّ إلى الحاظهِ بولاءِ
على حاجةٍ في الحُبِّ لو شِئْتُ نلْتُها ... ولكنْ حَمَتني عِفّتي وسَنَائي
стр. 81
وله أيضاً:
إنَّا إذا رُفِعَتْ سماءُ عجاجةٍ ... والحرب تَقعُدُ بالرَّدى وتقومُ
وتمرّد الأبطالِ في جَنَباتِها ... والموتُ من فَوقِ النّفوسِ يحومُ
برقت لهم منّا الحتوفُ كأنَّما ... نحنُ الأهلّةُ والسِّهامُ نُجُومُ
وله أيضاً:
لله أيام على وادي القرى ... سَلَفتْ لنا والدّهرُ ذو ألوانِ
والرّاحُ تأخذ من مَعَاطِفِ أغيد ... أخْذَ الصَّبَا من عِطفِ غُصن البانِ
حتى إذا ضَربَ الظّلام رِواقَهُ ... وخشيتُ فيه طوارقَ الحَدثانِ
قمنا نُؤمِّل غيرَ ذلك مَنزلاً ... والرّاحُ تقْصُر خَطْوه فتدانِ
ويروم قول أبي الوليد وربّما ... أخفت مكانةَ لامه الواونِ
والبَدْرُ يرمقني بمُقْلَةِ حاسدٍ ... لو يستطيعُ لكان حيثُ يراني
стр. 82
وله أيضاً:
وهويته حُلْو الشمائل مُترَفاً ... نشوانَ يَعْثَرُ في فُضُولِ التّيهِ
أطوي الهوى شُحَّاً عليه ورحمةً ... والدمع ينشر كلّ ما أطويهِ
ولكم صدرتُ فعارضتني نشوةٌ ... من وَرْدِ وجنتهِ وخَمْرةِ فيهِ
وله أيضاً:
إليكَ أبا حَفْصٍ ومن عن مَلاَلةٍ ... ثنيتُ عِنَاني والحبيبُ حبيبُ
مقالاً يطير الجمر عن جنباتِهِ ... ومن تَحْتهِ قَلبٌ عليك يذوبُ
مضت لك في أفياءِ ظلِّي قولةٌ ... لها بين أحَنَاء الضُّلُوعِ دبيبُ
ولكن أبى إلاّ إليك التفاته ... فزادَ عليه من هواك رقيبُ
وكم بيننا لو كُنتَ تَحمدُ رَوضةٍ ... إذا العيشُ غضٌّ والزّمان قَشيبُ
وتحت جناحِ الغَيْم أحشاءُ رَوضَةٍ ... بها لخُفُوقِ العاصفاتِ وجيبُ
وللزّهر في ظلّ الرّياض تبسّم ... وللطّيْر منها في الغصون نحيبُ
تمّ القسم الأوّل
стр. 83
القسم الثاني وهو يشتمل على محاسن
أعلام العلماء وأعيان القُضاة والفهماء
﵏ وهو مِمّا لم يُذكر في قلائِد العِقْيان
стр. 84
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفقيه العالم أبو مَرْوان عبد الملك بن حبيب السُّلَميّ
أي شرف لأهل الأندلس ومَفخر، وأيّ مُرهف على مُلحد أزرى بالإسلام أو سَخِر، خلّدت منه الأندلس فقيهاً عالماً، أعاد مجاهل
стр. 85
جَهلِها معالماً، وأقام فيها للعلوم سوقاً نافقة، ونشر منها ألوية خافقة، وجلا عن الألباب صَدأ الكَسل وشَحذها شَحذ الصَّوارم والأسَل، وتصرّف في فنون العلوم وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقّه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظراتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال إنه لقي مالكاً آخر عمره، وروى عنه عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود ﵉ كان يركب الريح من اصطَخر إلى بت المقدس فيتغدّى بها ثم يعود فيتعشى باصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة ومن أحاديثه غرائب، قد تحلّت بها للزّمان نحور وترائب.
وقال محمد بن لُبَابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها
стр. 86
عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى.
وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللّغة والإعراب وتصرّف في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به سِحراً، ويرى ينبوعه بذلك منفجراً، وتوفي بالأندلس في رمضان سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، بعدما دوّخ الأرض، وقطع طولها والعَرض وجال في أكنافها، وانتهى إلى
أطرافها:
ومن شعره قوله:
صلاحُ أمري والذي أبتغي ... هين على الرَّحْمن في قُدْرَتِهِ
ألْفٌ من الحُمْر وأقلِلْ بها ... لعالم أرْبى على بُغيَتِهِ
стр. 87
وكتب إلى محمد بن سعيد الزّجالي رسالة ووصلها بهذه الأبيات:
كَيفَ يُطيقُ الشِّعرَ من أصبحتْ ... حالته اليومَ كحالِ الغَرِقْ
والشعر لا يسلس إلاّ على ... فراغِ قَلْبٍ واتّساع الخُلُقْ
فاقنع بهذا القول من شاعرٍ ... يرض من الحظّ بأدنى العَنَقْ
فضلُك قد بانَ عليها كَمَا ... بان لأهل الأرض ضوءُ الشَّفَقْ
أما ذمام الودِّ منّي لكُمْ ... فَهوَ من المَحتُومِ فيما سَبَقْ
ولم يكن له عِلم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلِّه، ولا يفرَّق بين مستقيمه ومختلّه، وكان غرضه الإجازة وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضّاح: قال إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم
стр. 88
الأندلسي - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك؟ قلت له: نعم ما قرأ عليّ منه حرفاً، ولا قرأته عليه، وحُكي أنه قال في دخوله المشرق، وحضر مجلس بعض الأكابر فازدراه من رآه:
لا تَنْظُرنَّ إلى جِسْمي وقِلَّتِهِ ... وانظر لصدري وما يحوي من السُّنَنِ
قربّ ذي مَنظَرٍ من غير مَعرِفَةٍ ... وربّ مَنْ تزدريه العين ذو فِطَنِ
وربّ لُؤلْؤَةٍ في عَيْن مَزْبَلَةٍ ... لم يُلقَ بالٌ لها إلاّ إلى زَمَنِ
الفقيه القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البَلُّوطيّ
رحمه الله تعالى
آية حركة في سكون، وبركة لم تكن مُعدَّةً ولا تكون، وآية
стр. 89
سفاهة في تَحلُّم، وَرع في طيِّ تبسُّم، إذ جدّ وَجد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع عن مَرقب، ولا اكتسب إثماً ولا احتقب، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن، ناهيك من عدل أظهر، ومن فضل أشهر، ومن جور قبض، ومن حقٍّ رفع ومن باطل خَفض، وكان مهيباً صليباً صارماً غير جبان ولا عاجزٍ، ولا مُراقب لأحدٍ من خلق الله في استخراج حقّ ورفع ظلم واستمر في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله، ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه، وفي خلافته توفّي، بعد أن استعفى مِراراً فما أُعفي، لم تُحفظ عليه مُدَّة ولا يته قضيةُ جورٍ، ولا عُدَّت عليه في حكومته زلّة، وكان غزير العِلم كثير الأدب، متكلماً بالحق، متبيّناً بالصدق، وله كتب مؤلفة في السُّنَّة والقرآن والورع، والرّد على أهل الأهواء والبِدَع، وكان خطيباً بليغاً، وشاعراً مُحسِنَاً، ولد سنة ثلاث وسبعين (ومائتين) عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي يوم
стр. 90
الخميس لليلتين بقيتا من ذي القِعدة سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة.
ومن شعره في الزّهد قوله:
كم تَصَابَى وقد علاك المشيبُ ... وتَعَامى عَمْداً وأنْتَ اللَّبيبُ
كَيفَ تَلْهو وقد أتاك نَذِيرٌ ... أنْ سيأتي الحِمَامُ مِنك قريبُ
يا سفيهاً قد حانَ مِنْه رحيلٌ ... بعد ذاك الرحيل يومٌ عصيبُ
إن للموتِ سكرةً فارْتَقِبهَا ... لا يداويك إن أتَتْك طبيبُ
كَمْ توانَي حتّى تصيرَ رهيناً ... ثمّ تأتيك دعوةٌ فَتُجِيبُ
بأمور المعادِ أنتَ عليمٌ ... فاعْمَلنْ جاهداً لها يا أريبُ
وتذكَر يوماً تُحَاسبُ فيه ... إنّ مَنْ يذكّر فسوف يُنِيبُ
ليس من ساعةٍ من الدَّهْر إلاّ ... للمنايا عليك فيها رَقيبُ
وذُكر أن أول سببه في التعلق بالناصر لدين الله، ومعرفته به وزُلْفاه، أن الناصر لما احتفل لدخول ملك الروم صاحب القُسطنطينية بقصر قُرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، وانبهر أمره،
стр. 91
أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه بذكر جلالة مَقعده، ووصف ما تهيأ له من توطّد الخلافة، ورمى الملوك بآمالها، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه، بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء، ويقدّمه أمام نشيد الشعراء، فتقدّم الحكم إلى أبي عليّ البغداديّ، ضيف الخلافة، وأمير الكلام، وبحر اللّغة أن يقام، فقام ﵀ وأثنى على الله وصلّى على النبي ﷺ ، ثم انقطع وبُهت، فما وصل إلاّ قطع، ووقف ساكتاً متفكّراً، وتشوّف لا ناسياً ولا متذكّراً، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي عليّ البغدادي بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل مجيب، وقال: أما بعد، فإن لكلّ حادثة مقاماً، ولكلّ
стр. 92
مقام مقال، وليس بعد الحق إلاّ الضّلال، وإنّي قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إليّ بأسماعكم، وألقنوا عليّ بأفئدتكم معاشر الملأ: إن من الحقّ أن يُقال للمُحقّ صدقتَ، وللمُبطل كذبتَ، وإن الجليل تعالى في سمائه وتقدّس بصفاته وأسمائه، أمر كليمه موسى صلى الله على نبيّنا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أن يذكّر قومه بنعم الله عندهم، وأنا أذكّركم نعم الله تعالى عليكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي أمَّنت سِربكم، ورَفعت خوفكم، وكنتم قليلاً فكثركم، ومُستَضعفين فقوّاكم، ومستذلّين فنصركم، ولاّه الله رعايتكم وأسنَد إليه إمامتكم، أيام ضربت الفِتنَة سُرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم تُشعل النّفاق حتى صِرتم في مثل حَدقَةٍ البعير، مع ضيق الحال ونَكدِ العيش والتّغيير فاستُبدِلتُم بخلافته من الشدَّة بالرّخاء، وانتقلتم بيُمن سياسته إلى كنف العافية بعد استيطان البلاء، ناشدتكم الله يا معشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكةً فأمنها، والأموال منتهبة فأحرزَها
وحصّنها؟ ألم تكن البلاد خراباً فعمَّرها، وثغور المسلمين مُهتضمةً فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله
стр. 93
عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهَب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يداُ على عدوّكم بطويةٍ خالصة وبصيرة ثابتة وافرة، فقد فتح الله عليكم أبواب البركات وتواترت عليكم أسباب الفتوحات، وصارت وفود الروم وافدة عليكم، وآمال الأقصين والأدنين إليكم، يأتون من كُل فجٍّ عميقٍ، وبلدٍ سحيق، لأخذ حبل بينه وبينكم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة تدلّ على أمور باطنة، دليلها قائم، وجَفنها غير نائم، (وَعَدَ الله الذينَ آمنوا مِنْكُمْ وعَمِلوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرضِ كما اسْتَخْلفَ الذينَ مِنْ قَبْلِهمْ، وَلَيُمكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الذي ارْتَضَى، ولَيُبِدّلَنَّهُمْ مِنْ بَعدِ خَوفِهِمْ
стр. 94
أَمْنَاً)، وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب، ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب، فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، وسَلُوه المزيد من نَعمائه، فقد أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعِصمَة والسَّداد، وألهمه بخالص التوفيق سبيل الرّشاد أحسن الناس حالاً، وأعمهم بالاً، وأعزّهم قراراً، وأمنعهم داراً، وأكثفهم جَمعاً، وأجملهم صُنعاً، لا تهاجون ولا تذارون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عمّ نبيكم ﷺ فإن من نزع يَده من الطاعة، وسعى في فرقة الجماعة، ومَرق من الدين فقد خَسِر الدُّنيا والآخرة إلاّ ذلك هو الخُسران المُبين، وقد عَلِمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف المُلحدين،
стр. 95
والسّاعين في شقّ عصاكم، وتفريق ملاكم وهتك حُرمتكم، وتوهين دعوة نبيكم ﷺ وعلى جميع النبيين والمُرسلين، أقول قولي هذا والحمد لله ربّ العالمين وأنشد يقول:
مَقَالٌ كحدِّ السَّيْفِ وَسطَ المَحَافِلِ ... فَرَقْتُ به ما بين حَقٍّ وباطلِ
بقلبٍ ذكيّ تَرْتَمي جَنَبَاتُهُ ... كبارق رَعْدٍ عِندَ رعشِ الأنَامِلِ
فما دحضت رِجْلي ولا زلَّ مِقولي ... ولا طاش عَقْلي يَوم تلك الزَّلازلِ
بِخَيرِ إمامٍ كان أو هو كائنٌ ... لمقتبلٍ أو في العصور الأوائلِ
وقد حَدَّقَتْ نَحوي عيون أخالها ... كَمِثْل سهام أُثبِتَتْ في المَقاتِلِ
تَرَى النَّاسِ أفواجاً يؤمّون دَارهُ ... وكُلُّهم ما بين راضٍ وآملِ
وُفُودُ مُلُوكِ الرّومِ وَسطَ فِنَائِهِ ... مَخَافة بأسٍ أو رجاءً لنائلِ
فَعِشْ سَالِماً أقصى حَيَاةَ مُعَمَّر ... فأنْتَ غِيَاثُ كُلِّ حافٍ ونَاعِلِ
стр. 96
فقال العِلج: هذا والله كبش الدّولة، وخرج الناس يتحدثون عن حُسن مَقامه، وثبات جِنانه، وبلاغة لِسانه، وكان الخليفة الناصر لدين الله أشد تعجّباً منه، وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يَثبت معرفته، فسأله عنه، فقال الحكم: هذا منذر بن سعيد البلُّوطيِّ، فقال: والله لقد أحسن ما أنشأ، ولئن أبقاني الله تعالى لأرفعن من ذكره، فضع يدك يا حكمُ عليه واستخلصه، وذكّرني بشأنه، فما للصّنِيعَة مَذهب عنه، فلما ابتنى الناصر الجامع بالزهراء ولاّه الصلاة فيه والخطبة ثم توفي محمد بن أبي عيسى القاضي فولاه الجماعة بقُرطبة، وأقرّه على الصلاة بالزهراء.
وكان الخليفة الناصر كَلِفَاً بِعمارة الأرض، وإقامة معالِمها، وانبساط مياهها واستجلابها من أبعد بِقَاعها وتخليد الآثار الدّالة على قوة مُلكه، وعزّة سلطانه وعلوّ همته، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة الزهراء (البناء) الشائع ذكره، الذائع خبره،
стр. 97
المنتشر في الأرض أثره، واستفرغ وُسعه في تنجيدها وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، فانهمك في ذلك حتى عطّل شهود الجُمعة بالمسجد الجامع الذي اتّخذه، فأراد القاضي مُنذر بن سعيد ﵀، وجه الله في أن يَعِظه ويقرّعه في التأنيب، ويغضّ منه بما يتناوله من الموعظة بفضل الخطابة،
والتذكير بالإنابة فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: (أَتَنبُونَ بِكُلِّ ريعٍ آيةً تَعْبَثُون، وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدون، وإذا بَطَشتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين، فاتّقوا الله وأطيعونَ، واتّقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْملَون، أَمَدَّكُمْ بأنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وعُيُونٍ، إنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عّذّابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ووصل ذلك بكلام جَزل، وقول فَصل، جاش به صدرُه وقذف به على لسانه بَحره، وأفضى في ذلك إلى ذمّ المشيَّد والاستغراق في زخرفته والإسراف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طَلِقاً، وتلا فيه قوله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تَقوَى من الله وَرِضوَانٍ خَيرٌ أمْ مَن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفا جُرُفٍ هَارٍ فَأنْهَارَ بِهِ في نَارِ جَهنَّمَ واللهُ لا يَهْدي القَومَ الظّالِمينَ، لا يَزالُ بُنيَانُهُمُ الذي بَنَوا رِيْبَةً في قُلُوبِهِمْ إلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبَهُم والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وأتى بما
стр. 98
شاكل المعنى من التّخويف بالموت والتحذير منه، والدّعاء إلى الله في الزّهد في هذه الدُّنيا الفانية والحضّ على اعتزالها والتبيين لظاهر معانيها، والترغيب في الآخرة ومغانيها والتقصير عن طلب اللّذات، ونهي النفس عن اتّباع الشّهوات، وتلا من القرآن العظيم ما يوافقه، وجّلب من الحديث والأثر ما يشاكله ويطابقه، حتى بكى الناس وخشعوا وضجوا وتضرَّعوا وأعلنوا الدّعاء إلى الله تعالى (في التوبة والابتهال في المغفرة)، فعلم الخليفة أنه هو المقصود به، والمُعتَد بسببِه، فاستجدى وبكى، وندم على ما سلف منه من فرطه، واستعان بالله من سَخطهِ، واستعصمه برحمته، إلاّ أنه وجد على منذر بن سعيد لِغِلَظ ما قرّعه به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه، وقال: والله لقد تعمَّدني منذر بخطبته،
стр. 99
وأسرف في ترويعي وأفرطَ في تقريعي، ولم يحسن السّياسة في وَعظي وصيانتي عن توبيخه واستشاط غيظاً عليه وأقسم أن لا يصلي خَلفه الجمعة أبداً، فقال له الحكم: وما الذي يمنعك من عزل منذر ابن سعيد والاستبدال منه بغيره فزجره وانتهره، وقال له أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه وحلمه لا أمّ لك. . . يُعزل في
إرضاء نفس ناكبة عن الرُشد، سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله تعالى أن أجعل بيني وبينه شفيعاً في صلاة الجمعة مذل منذر بن سعيد ولكنه وقد نفسي وكاد أن يُذهبها واللهِ لودِدتُ أنّي أجد سبيلاً إلى كفّارة يميني بملْكي، بل يصلّي بالناس حياته وحياتنا فما أظنّنا نتعاض منه أبداً. وعزله قوم من إخوانه لتكنيته لرجل كان يسّبه، فقال:
стр. 100
لا تعجبوا من أنّني كَنّيَتُه ... مِنْ بَعْد ما قَدْ سَبَّنا وآذانا
فالله قد كَنَّى أبا لَهب وما ... كنّاه إلاّ خزيةً وهوانَا
ومن قوله في الزّهد:
ثَلاَثٌ وسِتُّونَ قَدْ جُزْتَها ... فماذا تُؤَمِّل أو تَنْتَظِرْ
وحلَّ عليكَ نذيرُ المَشِيبِ ... فما ترعوي أو فما تَزْدَجِرْ
تمرّ لياليكَ مَرَّاً حَثِيثَاً ... وأَنْتَ على ما أرى مُسْتَمِرْ
فلو كُنْتَ تَعقِلُ ما يَنقَضي ... من العُمْر لاعتضْتَ خَيراً بَشَرْ
فما لك لا تستعدُّ إّذاً ... لدارِ المُقَام ودار المقرْ
أترغب عن فَجْأةٍ للِمَنُونِ ... وتَعْلمُ أنْ ليس منها مَفَرْ
فإمّا إلى جنّة أُزْلِفَتْ ... وإمّا إلى سَقَر تَسْتَعِرْ
وقحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر لدين الله أمير المؤمنين فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه ثلاثة أيام تنفّلاً ولإنابة واستجداءً ورهبة
стр. 101
واجتمع الناس له في مُصلّى الرّبض بقُرطُبة، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم، وصَعد الخليفة الناصر في أعلى مصانع القصر المشرفة ليشارك الناس في الدّعاء إلى الله تعالى والضّراعة فلما سرّح طرفه في ملأِ الناس وقد شخصوا إليه بأبصارهم، قال: يا أيها الناس وكررها مشيراً بيده في نواصيهم، ثم قال: (سَلامُ عَلَيْكُمْ كتب رَبُّكُمْ على نَفسِهِ
الرَّحْمَةَ أنه مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سوءاً بِجَهَالَةٍ، ثُمَّ تَابَ من بَعْده، واَصْلَحَ فإنّه غَفُورُ رحيم)، (أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إنْ يَشَأ يُذْهِبكُم ويأتِ بِخَلقٍ جَديد، وما ذلك على اللهِ بِعَزيز) فضج الناس بالدّعاء وارتفعت الأصوات بالاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى بالسؤال والرّغبة في إرسال الغيث ووصل الحال، ومضى على تمام خطبته، فأفزع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص
стр. 102
بتذكيره، فما أتمّ خطبته حتى بلّلهم الغيث.
وذكروا أن رسول الخليفة الناصر لدين الله جاءه غداة ذلك اليوم فحرّكه للخروج عزمه عليه، والسابقون متسابقون إلى المُصلَّى، فقال للرسول وكان من خواصّ حلفاء الصفاء إليه: فياليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيّدنا؟ فقال له: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا، إنه لمنتبذ حائر منفرد بنفسه لابس أخشن الثياب، مفترش التراب، قد رمى به على رأسه ولحيته وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب الرّعية وأنت أحكم الحاكمين، لن يفوتك شيء منيّ، قال: فتهلّل وجه القاضي منذر بن سعيد عندما سمع من قوله، وقال: يا غلام أحمل المِمطَر معك، فقد أذن الله تعالى بالسُّقيَا، إذا خشع جبّار الأرض، فقد رَحِمَ جَبَّار السَّماء، وكان كما قال فلم ينصرف الناس إلاّ عن السُّقْيا.
стр. 103
قال: وكان القاضي منذر بن سعيد من ذوي الصَّلابة في أحكامه والمهابة في أقضِيَتهِ وقوّة القلب في القيام بالحقّ في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه، ومن مَشهور ما جرى له في ذلك قِصّته المشهورة في أيتام أخي نَجدة حدّث بها جماعة من أهل العِلم والرّواية، وهي أن الخليفة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد احتاج إلى شراء دار بقُرطبة لحظيّة من نسائه تَكرُمُ عليه فوقع استِحسَانه على دارٍ كانت لأولاد زكريّا أخي نَجدة، وكانت بقرب النشّارين في الرَّبَض الشرقي منفصلة عن دوره، يتصل بها حمّام العامّة، له
غُلَّة واسعة وكان أولاد زكريا أخي نَجدة أيتاماً في حِجر القاضي، فأرسل الخليفة له من قوّمها بعدد ما طابت به نفسه، وأرسل أناساً أمرهم بمداخلة وصيّ الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي، إذ لم يَجُزْ بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال
стр. 104
لرسوله: البيع على الأيتام لا يصحّ إلا لوجوه، منها الحاجة، ومنها الوهي الشديد، ومن الغِبطَة، فأمّا الحاجة، فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما الوهي فليس فيها، وأما الغِبطَة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغِبطَة أمرت وصيّهم بالبيع وإلا فلا، فنُقِل جوابه هذا إلى الخليفة، فأظهر الزُّهد في شراء الدار طمعاً أن يتوخَّى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأولاد سَورتها، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدّار وبيع أنقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، وكانت لها قيمة أكثر ممّا قُوِّمت به للسّلطان، فاتصل الخبر به، فعزّ عليه خَرابُها، وأمر بتوقيف الوصيّ على ما أحدثه فيها فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر بن سعيد، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نَجدة؟ فقال له: نعم، قال له: وما دعاك إلى ذلك قال: أخذت فيها بقول الله ﵎: (أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانتْ لمسَاكينَ يَعمَلونَ في البَحرِ فَأرَدْتُ أَنْ أَعيبَهَا وكانَ وراءَهم ملك يَأخُذُ كُلَّ
стр. 105
سَفِينَةٍ غَصْبَاً) مقوّموك لم يُقدّروها إلا بكذا وبذلك تَعلّق وَهمك، فقد نضّ في أنقاضِها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فضلاً، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك، فقال: نحن أول من انقاد إلى الحقّ، فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيراً.
قال: وكان على متانته وجزالته حُسن الخُلق كثير الدّعابة، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيبَ من دينه شعرةً ثار له ثورة الأسد الضّاري، فمن
ذلك ما حدّث به سعيد ابنه، قال: قَعَدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظّم مع أبينا للإفطار بداره البرّانية، فإذا بسائل يقول: يا أهل هذه الدار الصالح أهلها أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثِمَار الجنة، هذه الليلة، ويكثر من ذلك، فقال القاضي: أن استُجِيب لهذا السائل فيكم فليس يُصبح منّا واحد.
стр. 106
وحكى عنه قاسم بن أحمد الجُهنيّ أنه ركب يوماً لحيازة أرض محبَّسة، في رَكبٍ من وجوه الفقهاء وأهل العدالة، فيهم أبو إبراهيم اللّؤلؤي، ونظراؤه قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه، وذووه عليهم السّكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تُراكب ولا تُمَاشى، فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مُستَوحمة وهي تَلعَق هَنَها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا أصحابنا ما أبرّ الكلاب بالهنّ الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك، ثم لوى عنان دابّته وقد أضحكنا، وبقينا متعجّبين من هَزله.
وحضر عند الحكم المستنصر بالله يوماً في خُلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة، وَسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثرَ مُنصَرفِهِ من صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وَهج الحرِّ الجَهد، وبثَّ منه ما تَجاوَزَ الحدّ فأمره بخلع ثِيَابه والتّخفيف عن جِسمِهِ، ففعل ولم يُطفِ ذلك ما به، فقال له:
стр. 107
الصّواب أن تَنغمِس في وَسط الصهريج انغماسةً يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة إلاّ الحاجب جعفر الخادم الصقلّبيّ أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنه استحيا من ذلك وانقبض عنه وقاراً، وأقصر عنه إقصاراً، فأمر الخليفة حاجبه جعفراً بسَبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل الأمر فيه على القاضي، فبادر جعفر لذلك وألقى بنفسه في الصهريج وكان يحسن السباحة، فجعل يجول يميناً وشمالاً، فلم يَسَع القاضي إلاّ إنفاذ أمر الخليفة فقام وألقى بنفسه خّلف جَعفر ولاذ بالقعود في درج الصهريج، وتدرّج فيه بعض تدريج ولم ينبسط في السّباحة،
وجعفر يمرّ مصعّداً ومصوّباً، فَدَسَّه الحكم على القاضي وحَمله على مساجلته في العَوم وهو يعجزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه بإلقاء الماء عليه والإشارة بالجَذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلّمه الحكم وقال له: ما لك لا تساعد الحاجب في فِعله، وتقعد معه وتتقبّل صُنعَه؟ فمن أجلك نزل، وبسببك تبذّل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب
стр. 108
سلّمه الله لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، يعلقني ويمنعني، من أن أجول معه مجاله فاستفرع الحكم ضحكاً من نادرته ولطف تعريضه بجعفر، وخجل جعفر من قوله وسبّه سبّ الأشراف وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخِلَع، ووصلهما بصلات سنيّة تشاكل كل واحد منهما.
وذُكر أن الخليفة الحكم قال له يوماً: لقد بلغني أنك لا تجتهد للأيتام وأنك تقدّم لهم أوصياء سوءٍ يأكلون أموالهم، قال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفّوا عنهن، قال: وكيف تقدّم مثل هؤلاء؟ قال: لست أجد غيرهم، ولكن أحِلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء فإن أبوا أجبرتهم بالسّوط والسّجن، ثم لا تسمع إلا خيراً.
ومن أخبار منذر بن سعيد المحفوظة له مع الخليفة عبد الرحمن في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن عبد الرحمن كان قد اتخذ لسطح القُبَيبَة الصُّغرى التي كانت مائلةً على الصَّرح الممرّد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد ذهب وفضة أنفق عليها مالاً جسيماً، وجعل سُقُفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، تَسلب
стр. 109
الأبصار بمطارح أنوارها المشعشعة، وجعل فيها إثر تمامها لأهل مملكته مشهداً فقال لقرابته ومن حضره من الوزراء وأهل الخدمة مفتخراً عليهم بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم قبلي أو سَمِعتم من فعل مثل فعلي هذا أو قَدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وأنّك لأوحد في شأنك
كله، ولا سبقك في مبتدعاتك هذه مَلِك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم، وبينما هو كذلك سارّاً ضاحكاً إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجماً ناكِسَ الرَّأس فلما أخذ مَجلِسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السّقف، واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التّمكين مع ما أتاك الله وفضّلك على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين، قال: فاقشعرّ عبد الرحمن من قوله، وقال: أنظر ما تقول، وكيف أنزّلني منازلهم؟ قال: نعم، أليس الله ﵎ يقول: (وَلوْلاَ أَنْ يكونَ
стр. 110
النَّاسُ أمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفر بالرَّحمن لبيوتهم سُقُفاً من فِضَّةٍ ومَعَارِج عليها يَظْهَرُون، وَلِبيُوتهم أبواباً وسُرُراً عَلَيها يتّكِئُون)، قال: فوجم الخليفة عبد الرحمن ونَكس رأسه مليّاً ودموعه تجري على لحيته خُشُوعاً لله ﵎ وندما ثم أقبل على مُنذر وقال له: جزاك الله تعالى يا قاضي خيراً عنّا وعن المسلمين والدين، وكثر في الناس أمثالك فالذي قُلت، واللهِ الحقُّ، وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سُقُف القُبَّة وأعاد قرمدها تراباً.
الفقيه الأجلّ القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عيسى
من بني يحيى بن يحيى اللّيثي، وهذه ثِنيّة علم وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم الأندلس، وعالمها النَّدُس، ولي القضاء
следующие страницы →