مقدمة المصحح
بسم الله الرّحمن الرّحيم قال تعالى:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
[فاطر: ٣٢]
وقال رسول الله ﷺ :
«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»
وقال الإمام الشاطبى فى متنه:
جزى الله بالخيرات عنّا أئمّة ... لنا نقلوا القرآن عزبا وسلسلا
стр. 2
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، الذى أنزل عليه «وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم»، ورضى الله عن صحابته الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وجودك يا حنان يا منان، يا ذا الطول والإحسان.
«وبعد» فمن تشريف الله للمسلم أن يعيش فى معية كلامه، يستضيء بنوره، ويغذى عقله، وفكره بضيائه، ففي رياض القرآن الحدائق الغناء، والزهور الفيحاء، والخير والعطاء والنماء، هو أنيس المتقين، ودرة الناصحين، وعبرة المعتبرين. راحة الأرواح، وسبيل الفلاح. روض الرياحين، وملتقى المحبين، على هداه عكف الصالحون، وبأحكامه استنار العابدون، وفى دروبه مشى السائرون، ففاز كل هؤلاء بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
* والكتاب الذى بين يديك- أخى القارئ الكريم-: شرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع .. أوضح فيه مؤلفه العالم العامل، والجهبذ الكامل، المحقق، المدقق فضيلة الشيخ «عبد الفتاح بن عبد الغنى القاضى» قراءة الإمام نافع أيّما إيضاح، وكشف اللثام عن جانب عظيم من الأحرف السبعة التى نزل بها كلام الفتاح على قلب الحبيب الشفيع، الرؤف الرحيم ﷺ .
ولا غرو فإن المؤلّف من أعلام هذا الفن الجليل؛ قراءة، وإقراء وتأليفا وتحقيقا، وعلى يديه الكريمتين تتلمذ شيوخ مشايخنا، وتبحر على سواحل علمه أئمتنا، فجزاه عما قدم لكتابه خير الجزاء، وأحسن مثوبته فى الآخرة والأولى.
* ولما دفع إلىّ هذا الكتاب القيم للإفادة منه وجدته درة فى جبين أقرانه، وقبس مضاء من شمس سمائه فانشرح صدرى لمراجعته وضبطه.
* وكان النهج الذى سرت عليه، والطريق الذى هديت إليه هو ما يلى:
١ - قرأت الكتاب مرات، وقارنته بمراجع القراءات، وصححت فيه الأخطاء المطبعية التى لا تخلو من كتاب عدا كتاب الله رب العالمين.
стр. 3
٢ - ضبطت ما يحتاج إلى ضبط، لا سيما أبيات النظم الجامع للشيخ القاضى.
٣ - علقت على مواضع فيه اقتضت الضرورة بيانها، وجميع هذه التعليقات والإضافات بين معقوفين [ .... ] ليتميز الأصل من الفرع. أما تعليقات الهوامش فإنها تخلوا منهما لتجرد الهوامش منها.
٤ - وضعت الكلمات القرآنية بين علامتى تنصيص « .... » مضبوطة على حسب القراءة، أو الرواية.
٥ - إذا ورد مثال لقراءة نافع براوييه: قالون، وورش ضبطت المثال كقراءة نافع إذا لم يكن فى هذا المثال أكثر من رواية، وإلا فيكون الضبط «الشكل» على حسب رواية ورش لشهرتها فى مصر، والمغرب العربى وغيرهما، مثال ذلك قوله تعالى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [طه: ٧٥].
فلقالون فيها، تحقيق الهمز، وصلة الهاء صلة صغرى، وقصرها مكسورة بلا صلة، أى الاختلاس، وتوسط المتصل.
ولورش فيها، إبدال الهمز، وصلة الهاء صلة صغرى، ومد المتصل مدا مشبعا، وتقليل ياء «العلى».
وعلى هذه القاعدة تضبط الآية هكذا لورش: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [طه: ٧٥]، وستجدها مبثوثه بكثرة إلا نادرا لا سيما المواضع التى يعسر ضبطها فى المطابع كالروم، والإشمام، والاختلاس، والتسهيل، والإمالة، والتقليل، وما أشبهه، ولا يعد هذا الضبط من قبيل الخلط فى القراءة، وهو محرّم شرعا، وأداء؛ لأننا بصدد القراءات العلمية، أما القراءات التطبيقية العملية فلا يجوز فيها ذلك، ويرجع فى ذلك إلى الطرق المعروفة لجمع القراءات، وإذا انفرد كل من: قالون، وورش برواية فسأضبطها له كروايته عن شيخه نافع.
٦ - كلمات الإمالة، والتقليل أجرد الحرف قبل المقلل، والممال فيها من التشكيل إلا إذا كان مشددا فسأضع الشدة فقط.
стр. 4
* وأخيرا: هذا جهد المقل، ومحاولة العاجز فإن كان فيه من توفيق وسداد فمن الله وحده، فهو الموفق للصواب، وهو حسبى ونعم الوكيل، وإن كان من تقصير، أو عجز، أو خطأ، أو نسيان فلن أبرّئ نفسى منها، والعصمة للأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام. فليعذرنى- أخى قارئ القرآن الكريم- إذ العلم رحم بين أهله، والعذر عند خيار الناس مقبول.
وألتمس منك أن تدعو لى دعوة صالحة بظاهر الغيب إن وجدت فيه ما يسرّك، عسى أن أفوز بها «يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله»، ولن تحرم ثوابها فسيقول لك الملك: ولك مثل ذلك.
هذا، وصلى الله على النبى الشفيع، والرسول العظيم، نبى الهدى، ورسول السلام محمد بن عبد الله، وآله، وصحبه الأخيار الأطهار، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
كتبه بالقاهرة- المرج الغربية
السادات السيد منصور أحمد
التخصص للقراءات ومدرس القرآن الكريم، وعلومه بالأزهر الشريف فى يوم الأحد الثانى عشر من ربيع الأول ١٤٢٥ هـ
٢/ ٥/ ٢٠٠٤ م
стр. 5
نبذة مفيدة فى مؤلف الكتاب «رحمه الله تعالى»
هو «عبد الفتاح بن عبد الغنى بن محمد القاضى» المولود فى دمنهور البحيرة جمهورية مصر العربية فى ١٤/ ١٠/ ١٩٠٧ م. عالم مبرّز فى القراءات وعلومها وفى العلوم الشرعية والعربية من أفاضل علماء الأزهر، وخيرتهم آية الدهر، ووحيد العصر.
التحق بالمعهد الأزهرى بالإسكندرية بعد أن حفظ القرآن الكريم، وتدرّج فى التعليم حتى حصل على شهادة التخصص القديم «الدكتوراة حاليا» عام ٣٤/ ١٩٣٥ م. تتلمذ على كبار علماء عصره بالإسكندرية، والقاهرة منهم الشيخ محمد تاج الدين فى التفسير، والشيخ شحادة منيسى فى البلاغة، والشيخ حسن الشريف فى الحديث الشريف، والشيخ أمين محمود سرور فى التوحيد، وحضر المنطق، وأدب البحث على الشيوخ الأفاضل: محمود شلتوت شيخ الأزهر، عبد الله دراز، عبد الحليم قادوم .. والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر فى صحيح البخارى.
وظائفه بالأزهر الشريف: عيّن مدرسا ثانويا عقب التخرج، ورئيسا لقسم القراءات بكلية اللغة العربية بالأزهر، ومفتشا عاما بالمعاهد الأزهرية، وشيخا للمعهد الأزهرى بدسوق، ثم المعهد الأزهرى بمدينته دمنهور، ووكيلا عاما للمعاهد الأزهرية ومديرا عاما للمعاهد الأزهرية، ثم رئيسا لقسم القراءات بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
نشاط العلمى: عين رئيسا للجنة تصحيح المصاحف بالأزهر، وخطيبا بمسجد الشعرانى بالقاهرة، وعضوا فى لجنة اختبار القراء بإذاعة جمهورية مصر العربية.
من مؤلفاته: عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان: الوافى فى شرح الشاطبية فى القراءات السبع، والإيضاح شرح الدرة فى القراءات الثلاث، والبدور
стр. 6
الزاهرة فى القراءات العشر المتواترة من طريقى الشاطبية والدرة، والقراءات فى نظر المستشرقين والملاحدة، والفرائد الحسان فى عد آى القرآن «نظم» وغير ذلك من المؤلفات القيمة المفيدة.
مرضه ووفاته: مرض بالمدينة المنورة- على ساكنها الصلاة والسلام- وسافر للقاهرة للعلاج. وتوفّى بها وقت أذان الظهر يوم الاثنين ١/ ١١/ ١٩٨٢ م ودفن بالقاهرة. رحمه الله تعالى ورضى عنه. انتهى، ملخصا من كتاب: هداية القارى إلى تجويد كلام البارى للمرصفى.
***
стр. 7
[مقدمة المؤلف] [ ٥]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وصحبه، ومن والاه.
وبعد: فيقول العبد الفقير إلى لطف ربه الغنى «عبد الفتاح بن عبد الغنى القاضى» لقبا، الدمنهورى مولدا، الشافعى مذهبا، الأزهرى تربية، النقشبندى طريقة: هذا شرح وجيز لنظمى المسمّى «النظم الجامع، لقراءة الإمام نافع» عمدتّ فيه إلى سهولة العبارة، وسلامة التركيب، وتجنبت فيه الحشو، والفضول ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله أسأل، وبحبيبه أتوسّل (١)، أن يجنّبنى زلة الفكر، وعثرة القلم (٢)، ويمنحنى الإخلاص الدائم لخدمة كتابه المجيد، ويجعله شفيعا لى يوم الدين، فهو حسبى ونعم الوكيل.
وقد رمزت إلى النظم بهذا الحرف «ص» ورمزت إلى الشرح بهذا الحرف «ش».
ص- بحمد منشى العالمين أبتدى ... ثمّ الصّلاة والسّلام الأبدى
على رسول الله خير الخلق ... ومرشد الورى لنور الحقّ
وآله وصحبه الأعلام ... وقارئى القرآن بالإحكام
ش- الحمد: هو الثناء على الله تعالى بالجميل، على جهة التعظيم والتبجيل، و «منشئ» مأخوذ من الإنشاء، وهو الإبداع والاختراع على غير مثال سابق و «العالمين» جمع عالم- بفتح اللام- والعالم اسم لما سوى الله تعالى من إنس،
стр. 8
وجن وغير ذلك، وسمّى بذلك لأنه علامة، وأمارة على وجود الخالق ﷻ ، والصلاة من الله تعالى الرحمة المقرونة بالتعظيم، والسلام: التحية والأمان اللائقان بمقامه ﷺ ، والورى الخلق، وآل الرسول هم أقاربه المؤمنون به من بنى هاشم، وبنى المطلب، و «صحبه» اسم جمع لصاحب والمراد به هنا الصحابى، وهو من اجتمع بالنبى ﷺ مؤمنا به بعد نبوته ومات على الإيمان، و «الأعلام» جمع علم- بفتح العين واللام- وهو الجبل- والإحكام بكسر الهمزة الإتقان.
ابتدأت نظمى بالثناء على بارئ العالمين ومبدعهم على غير مثال سابق تأسيا بالكتاب العزيز، وعملا بقوله ﷺ «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» والمراد بالأمر ما يعم القول كالقراءة، والفعل كالتأليف، ومعنى ذى بال صاحب شأن عظيم يهتم به شرعا، ومعنى كونه «أقطع» أنه عديم النفع، لا بركة فيه، فهو- وإن تمّ حسّا- لا يتم معنى.
ثم ثنيت بالصلاة والسلام الدائمين الأبديّين على رسول الله سيدنا ومولانا محمّد ﷺ صفوة خلقه، ومرشدهم لنور الحق، والهدى بما جاءهم به عن ربه من العقائد والأحكام التى تكفل لمن أخذ بها سعادة الآخرة والأولى.
ثم ثلثت بالصلاة والسلام على آله ﷺ ، وأصحابه الذين هم كالجبال فى رسوخ قدمهم فى الدين، وعلوّ شأنهم ورفعة منزلتهم، حتى كانوا جديرين بقوله ﷺ فى حقهم «أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»، وعلى قارئى القرآن الذين أتقنوا حروفه، وجوّدوا كلماته، ومهروا فيه حفظا وأداء، فاستحقوا بذلك ثناء رسول الله عليهم، وإشادته بذكرهم، ووعده إياهم بجزيل الأجر، وحسن المثوبة. قال ﷺ : إن لله أهلين من الناس، قيل ومن هم يا رسول الله قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (١) وقال «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» (٢).
ص- وهذه أرجوزة ضمّنتها ... حروف نافع وقد هذّبتها
قالون عنه وهو عيسى قد نقل ... والثّان ورش وهو عثمان الأجلّ
ش- أى هذه المنظومة أرجوزة أفعولة من الرّجز، وهو نوع من أنواع الشعر.
وأحد البحور الخمسة عشر المشهورة وأجزاء كل بيت «مستفعلن» ست مرات،
стр. 9
ومعنى «ضمنتها» جعلتها متضمنة ومشتملة على حروف نافع والحروف جمع حرف. ومعناه فى اللغة الطرف من كل شىء، وواحد حروف التهجى.
والمراد به هنا الكلمة القرآنية التى يقرؤها نافع بوجه معين، فحروف نافع عبارة عن الكلمات القرآنية التى يقرؤها نافع بهيئة خاصة، وفى إطلاق الحرف على الكلمة مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ونافع هو أحد الأئمة القراء الذين اشتهر ذكرهم فى جميع الآفاق، ووقع على فضلهم وجلالتهم الاتفاق، وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم، وكنيته أبو رويم، وهو مدنىّ نسبة إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وأصله من أصبهان، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، وكان أسود شديد السواد، وكان رضى الله عنه عالما خاشعا مجابا فى دعائه، إماما فى علم القرآن، وعلم العربية. أمّ الناس فى الصلاة بمسجد رسول الله ﷺ ستين سنة، قرأ على سبعين من التابعين، وقرأ على مالك رضى الله عنه الموطأ، وقرأ عليه مالك القرآن، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة وأجمع عليه الناس بعد شيخه أبى جعفر، وقرأ عليه مائتان وخمسون رجلا، وكان إذا تكلم تشم من فيه [فمه] رائحة المسك فقيل له يا أبا عبد الرحمن: أتطيب كلما قعدتّ تقرئ الناس القرآن؟ فقال: ما أمس طيبا، ولكنى رأيت فيما يرى النائم النبى ﷺ وهو يقرأ فى فىّ، وفى رواية يتفل فى فىّ فمن ذلك الوقت تشمّ من فىّ هذه الرائحة.
ولد رضى الله عنه سنة سبعين، وتوفّى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة، وروى أنه لما حضرته الوفاة قال له أبناؤه أوصنا فقال لهم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.
وقد نقل عن نافع راويان: قالون، وورش. فأما قالون فهو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد الله المدنى، وكنيته أبو موسى. قرأ على نافع سنة خمسين ومائة، ولازمه كثيرا، ويقال إنه كان ربيبه، ولقبه قالون، قيل إن شيخه نافعا هو الذى لقّبه به لجودة قراءته؛ فإن معنى قالون بلغة الروم جيد، وكانت مدة قراءته على نافع خمسين سنة، وكان رضى الله عنه قارئ المدينة ونحويّها، قيل كان أصمّ لا يسمع البوق (١)، فإذا قرئ عليه القرآن سمعه، وقيل
стр. 10
أصابه الصمم فى آخر حياته بعد أن أخذت القراءة عنه، وكان مولده سنة عشرين ومائة فى زمن هشام بن عبد الملك، وتوفّى سنة عشرين ومائتين فى زمن المأمون.
وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد بن عدى بن غزوان بن داود بن سابق المصرى، وكنيته أبو سعيد، ولقبه ورش لقّب به لشدة بياضه لأن الورش شىء يصنع من اللبن يقال له الأقط فشبّه به، وقد رحل إلى المدينة ليقرأ على نافع. فقرأ عليه عدة ختمات سنة خمس وخمسين ومائة، ثم رجع إلى مصر فانتهت إليه رئاسة الإقراء بها، فلم ينازعه فيها منازع. مع براعته فى العربية، وكان جيد القراءة حسن الصوت. قيل كان إذا قرأ على نافع غشى على كثير من الجلساء.
وكان مولده سنة عشر ومائة وتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومائة فى أيام المأمون.
... [منهج المؤلف رحمه الله تعالى] [ ٤]
ص- سأذكر الحكم الذى يختلف ... مع حفصهم وأترك الّذى يأتلف
ش- قد يخالف نافع، أو أحد راوييه حفصا فى حكم من الأحكام، وقد يوافقه هو أو أحد راوييه فى حكم، فإذا خالف نافع، أو أحد راوييه حفصا فى حكم ما ذكرت هذا الحكم، وأسندته لصاحبه.
فمثال ما خالف فيه نافع بكماله حفصا حكم القاف فى «ويتّقه» فى سورة النور فإن نافعا من روايتى قالون، وورش عنه يقرأ بكسرها، وحفصا يقرأ بإسكانها، وقد ذكرت هذا الحكم فى قولى: وقاف يتّقه لنافع كسر: ومثال ذلك أيضا حكم الهاء فى كلمة «يهدّى» فى سورة يونس فإن ورشا يقرأ بفتحها، ولقالون فيها وجهان، إسكانها، واختلاس فتحتها، بخلاف حفص فإنه يقرؤها بالكسر. وقد ذكرت حكمها فى قولى:
ولا يهدّى افتح لورش هاءها ... سكّن أو اختلس لعيسى فتحها
ويؤخذ مما ذكر أن نافعا قد يخالف حفصا مع اتفاق راوييه فى الحكم. كما فى المثال الأول، وقد يخالفه مع اختلافهما فى ذلك، كما فى المثال الثانى، ومثال ما خالف فيه أحد راويي نافع حفصا حكم الهاء فى لفظ «هو» الواقع بعد الواو، أو
стр. 11
اللام، أو الفاء فإن قالون. يسكن الهاء فى هذا اللفظ بخلاف ورش فإنه يرويه بالتحريك فيكون موافقا لحفص فى حكمه.
وقد ذكرت حكمها فى قولى:
سكّن لعيسى هاء هو هى بعد فا ... أو واو أو لام ..
الخ.
ومثال ذلك أيضا حكم الراء فى كلمة «قربة» فى سورة التوبة فإن ورشا يضمها بخلاف قالون فإنه يسكنها فيكون موافقا لحفص فى حكمها، وقد ذكرت حكمها فى قولى «وورشهم فى قربة قد ضمّ را».
أما إذا وافق نافع حفصا فى حكم فلا أتعرض لذكر ذلك الحكم. ومثال ذلك حكم كلمة «تعملون» فى قوله تعالى فى سورة البقرة وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ الذى يليه قوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ فإن نافعا يتفق، وحفصا فى قراءتها بالخطاب فلم أذكرها وأمثلة ذلك تفوق الحصر.
وإذا وافق أحد الراويين حفصا فى حكم تركت بيان ذلك الحكم، واقتصرت على بيان الحكم المختلف، وأسندته لصاحبه. كما سبق فى حكم هاء «هو» وراء «قربة» فحينئذ يكون ترك بيان الحكم دليلا على أنّ هذا الحكم المتروك موافق لحكم حفص، وأنّ الراوى الذى لم يذكر فى النظم مذهبه مذهب حفص فى هذا الحكم.
والخلاصة: أنى لا ذكر فى هذا النظم إلا الحكم الذى يخالف حفصا. سواء اتفق عليه الراويان، أم اختلفا فيه، بأن كان لكل منهما حكم خاص، وكلا الحكمين يخالف حكم حفص، أو كان لأحدهما حكم يخالف حكم حفص وللآخر حكم يوافقه، وقد تقدمت الأمثلة:
ص- وكلّما ذكرت حكما مطلقا ... ففيه عثمان وعيسى اتّفقا
ش- إذا أطلقت حكما ولم أقيده بالإسناد لنافع، أو لأحد راوييه، أولهما معا علم أن ذلك الحكم اتفق عليه قالون وورش، كقولى:
تصدّقوا اشدد صاده ثمّ ارفعا: حاضرة كذا تجارة معا.
ص- وإنّنى قد اكتفى باللفظ عن ... تقييده إذا المراد منه عن
стр. 12
ش- قد اكتفى بالتلفظ بالقراءة، ولا أقيدها بقيودها إذا ظهر المراد من اللفظ، بأن كان مجرد التلفظ بالقراءة يكشف قيودها، ويدل عليها، كقولى فى سورة النمل .. يخفون يعلنون أنّا قد كسر ... البيت.
فاكتفيت باللفظ بالقراءة عن التقييد بالغيب- لأن التلفظ بها أغنى عن تقييدها، وقولى «عن» فى آخر البيت بمعنى ظهر.
ص- وأسأل الله تعالى عصمتى ... فى القول والفعل وتلك غايتى
ش- العصمة: الحفظ والصيانة، أى أسأل الله تعالى حفظى وصيانتى فى القول، والفعل من الخطأ والزلل، بأن يجعل التوفيق للصواب حليفى ورائدى فى كل منهما- وتلك غايتى التى أسعى إليها، وهدفى الذى أرمى إليه.
... باب البسملة [ ١]
ص- زد سكتة وصلة بين السّور ... لورشهم وكلّ ذا عنه اشتهر
ش- السكتة، والسكت بمعنى [واحد] وهو هنا عبارة عن قطع الصوت على آخر كلمة فى السورة زمنا دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، وبلا بسملة.
والوصل والصلة بمعنى [واحد] يقال فى اللغة: وصل الشيء بالشىء وصلا، وصلة إذا ربطه به، والمراد به هنا وصل آخر السورة بأول الثانية من غير فصل بينهما بالبسملة أيضا، وقد أمرت القارئ أن يزيد لورش سكتا، ووصلا بين آخر كل سورة، وأول ما بعدها، وهذا التعبير وهو الأمر بالزيادة يدل على أن ورشا يشارك حفصا فى الحكم بين السورتين، ويزاد له هذان الوجهان وهما: السكت، والوصل، ومعلوم أن حفصا يفصل بين كل سورتين بالبسملة. فحينئذ يكون لورش بين كل سورتين: البسملة بأوجهها الثلاثة قطع الجميع، ووصل الجميع، والوقف على آخر السورة، ووصل البسملة بأول الثانية، وهذه الأوجه يشترك مع حفص فيها ويزاد له عليها السكت، والوصل بلا بسملة فيكون لورش بين كل سورتين خمسة أوجه، وهذا الحكم عام بين كل سورتين ما عدا الأنفال وبراءة، والناس،
стр. 13
والفاتحة، أما الأنفال وبراءة فله- وكذا لغيره من القراء العشرة- بينهما الوقف، والسكت، والوصل وكلها من غير بسملة. وأما الناس، والفاتحة فليس له ولا لغيره بينهما إلا البسملة، وكذا لو وصل آخر السورة بأولها كمن يكرر سورة فإن البسملة حينئذ تكون متعينة، وأيضا لو وصل السورة بما فوقها فتجب البسملة حينئذ.
ويعلم من تركى بيان مذهب قالون أنه يوافق حفصا فى الفصل بين كل سورتين بالبسملة.
ولم أتعرض فى النظم لبيان مذهب نافع فى الحكم بين الأنفال وبراءة، وبين الناس والفاتحة، ولا فى حكم وصل السورة بأولها، أو وصلها بما فوقها لأن مذهبه يوافق مذهب حفص بل ومذهب القراء جميعا فى كل ما ذكر، وقد سبق بيانه.
... باب هاء الكناية [ ٥]
ص- واقصر لعيسى ها يؤدّه نؤته ... نصله نولّه أرجه فألقه
ويتّقه وصل له أو اقصرا ... ها يأته وهو بطه ذكرا
وصل لورش كلّ هاء ثبتت ... فى هذه الألفاظ حيث وقعت
ش- هاء الكناية فى اصطلاح القراء هى الهاء الزائدة الدالة على الواحد المذكر، وتسمى هاء الضمير أيضا، فخرج بالزائدة الهاء الأصلية كالهاء فى «نفقه»، «لئن لم ينته» وبالدالة على الواحد المذكر كالهاء فى نحو «عليها، وعليهما، وعليهم، وعليهنّ» وتتصل هاء الكناية بالفعل نحو يؤده»، وبالاسم، نحو «أهله»، وبالحرف نحو «عليه الله».
وقد أمرت القارئ أن يقصر لقالون الهاء فى الكلمات السبع التى ذكرتها فى جميع مواضعها: الأولى «يؤده» وقد وقعت فى موضعين فى آل عمران فى قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ الآية. الثانية «نؤته» ووقعت فى ثلاثة مواضع موضعين فى آل عمران فى قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ
стр. 14
الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها الآية، وموضع فى الشورى فى قوله تعالى: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها. الثالثة «نوله». الرابعة «نصله» وقد وقعتا فى قوله تعالى فى سورة النساء: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، وقدمت وَنُصْلِهِ على نُوَلِّهِ، لضرورة النظم. الخامسة أَرْجِهْ، وقد وقعت فى موضعين: موضع فى الأعراف فى قوله تعالى: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ، وموضع فى الشعراء فى قوله تعالى: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ السادسة فَأَلْقِهْ ووقعت فى موضع واحد فى سورة النمل فى قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ. السابعة «ويتّقه» ووقعت فى موضع واحد فى سورة النور فى قوله تعالى: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ.
ثم خيرت القارئ بين وصل الهاء، وقصرها فى كلمة «يأته» فى سورة طه فى قوله تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً. [وهذا التخيير لقالون أيضا].
وأخيرا أمرت القارئ أن يصل لورش جميع الهاءات الثابتة فى الكلمات السبع السابقة فى جميع مواضعها.
والمراد بقصر الهاء فى هذه الكلمات النطق بها مكسورة كسرا خالصا من غير إشباع، وقد يعبر عن هذا القصر بالاختلاس.
والمراد بصلتها النطق بها مكسورة كسرا خالصا مع إشباعها أى مدها مدا طبيعيا (١) بمقدار حركتين. وهذا إذا لم يقع بعدها همز، فإذا وقع بعدها همز كان مدها من قبيل المد المنفصل (٢) فيمده ورش حسب مذهبه الآتى بيانه فى باب المد والقصر قريبا إن شاء الله تعالى.
وربّ قائل يقول: كان مقتضى الاصطلاح السابق فى الخطبة أن تقتصر على بيان مذهب ورش فى هذه الكلمات الثلاث فحسب، وهى: «أرجه، ويتقه، فألقه» لمخالفة ورش حفصا فى قراءتها لأنه يقرؤها بصلة الهاء، وأما حفص فيقرأ «أرجه، فألقه» بإسكان الهاء، ويقرأ «ويتّقه» بكسر الهاء مع قصرها.
стр. 15
أما الكلمات الأربع وهى: «يؤده، نؤته، نوله، نصله»؛ فلا داعى لذكرها لموافقة ورش حفصا فى قراءتها بالصلة.
وأقول: إننى خالفت الاصطلاح السابق لحكمة وهى أننى لو اقتصرت على بيان مذهب ورش فى الكلمات الثلاث السابقة فحسب لتوهم القارئ أن ورشا لا يصل الهاء إلا فى
هذه الكلمات الثلاث، لأن الاقتصار فى مقام البيان يفيد الحصر، فدفعا لهذا الوهم الخاطئ بينت مذهب ورش فى الكلمات السبع كلها.
ص- وقاف يتّقه لنافع كسر ... والهاء فى فيه مهانا قد قصر
ش- أخبر أن قاف «يتّقه» فى قوله تعالى فى سورة النور: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ كسر لنافع، وأن هاء «فيه» من قوله تعالى فى سورة الفرقان: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً قصر لنافع أيضا.
ص- هاء عليه الله عنه فاكسرا ... كهاء أنسانيه فاحفظ واذكرا
ش- أمر بكسر هاء «عليه» فى سورة الفتح فى قوله تعالى: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ الآية عن نافع، ولا بدّ من ترقيق لام لفظ الجلالة حينئذ ككسر هاء أَنْسانِيهُ فى سورة الكهف فى قوله تعالى: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ الآية عن نافع أيضا، وقوله: «فاحفظ واذكرا» تكملة للبيت أى احفظ ما آمرك به من هذه الأحكام، واذكره لغيرك ممن يريد تعلمه ومعرفته، والله تعالى أعلم.
... باب المد والقصر [ ٧]
المد لغة الزيادة، واصطلاحا إطالة الصوت بحرف من حروف المد، واللين الثلاثة التى هى الألف، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، أو بحرف من حرفى اللين فقط، وهما الواو الساكنة المفتوح ما قبلها، والياء الساكنة المفتوح ما قبلها، ولا يتحقق هذا المد إلا إذا وجد سببه، وسببه إما همز أو سكون، والهمز قد يوجد بعد حرف من
стр. 16
حروف المد واللين المتقدمة، وقد يوجد قبله، فإن وجد بعده، واجتمع معه فى كلمة واحدة سمّى المد حينئذ مدّا متصلا نحو: «جاء، يضيء، قروء»، وإن وجد بعده وكان حرف المد فى آخر كلمة، والهمز فى أول الكلمة التالية سمى المد حينئذ مدا منفصلا، نحو «يأيّها، قوا أنفسكم، وفى أنفسكم»، فإن وجد الهمز قبل حرف من حروف المد واللين فى كلمة واحدة سمى المد حينئذ مد بدل نحو ءامنوا، أوتوا، إيمانا، وإذا تحقق الهمز بعد حرف من حرفى اللين فى كلمة واحدة سمى المد حينئذ مد لين، نحو: سوأة، شيئا، والقصر لغة الحبس، واصطلاحا إثبات حرف المد واللين أو حرف اللين فقط من غير زيادة عليهما.
وللمد إطلاق آخر وهو إثبات حرف مد فى الكلمة كقولى فى سورة الزخرف:
«أسورة فافتح ومدّ» أى افتح السين وأوجد حرف مد بعدها، وللقصر إطلاق آخر أيضا وهو حذف حرف مد من الكلمة كقولى فى سورة الشعراء: «وحاذرون فارهين فاقصرا» أى احذف حرف المد الواقع بعد الحاء فى «حاذرون»، وبعد الفاء فى «فارهين».
ص- واقصر لقالون ووسّط ما انفصل ... بأربع ووسّط ما اتّصل
أشبعهما ستا لورش والبدل ... مدّ له واقصر ووسّط حيث حل
ش- خيرت القارئ أن يقصر، أو يوسط المد المنفصل لقالون، وبينت مقدار التوسط بقولى «بأربع» أى بأربع حركات بحركة الأصبع قبضا أو بسطا، ثم أمرته أن يوسط المد المتصل بالمقدار السابق أيضا، ولم أبين مقدار القصر وهو حركتان لوضوحه، واقتصرت فى مقدار التوسط على الأربع تبعا لكثير من المحققين الذين ذهبوا إلى أن للمد مرتبتين فحسب، طولى: لورش وحمزة، ووسطى لغيرهما، وثبت أن إمامنا الشاطبى رضى الله عنه كان يقرئ بالمرتبتين فقط.
ثم أمرت القارئ أن يشبع المدين المنفصل والمتصل لورش وبينت مقدار الإشباع بقولى «ستّا» أى ست حركات بحركة الأصبع قبضا أو بسطا، كما تقدم.
والخلاصة أن لقالون وجهين فى المد المنفصل وهما القصر والتوسط، ووجها
стр. 17
واحدا فى المتصل وهو التوسط، وأن لورش وجها واحدا فى المدين المنفصل والمتصل وهو الإشباع ست حركات.
ولما ذكرت حكم المدين المنفصل والمتصل ذكرت حكم مد البدل- وقد عرفته فيما سبق- فخيرت القارئ أن يمده لورش، أو يقصره، أو يوسطه حيث وقع سواء كان محققا نحو «آمنوا» أم مغيرا بالتسهيل بين بين، نحو: «ء آلهتنا» فى الزخرف، أم بالإبدال نحو: «لو كان هؤلاء آلهة» أم بالنقل نحو: «الآخرة».
ص- سوى كقرآن ونحو ماء ... أو بعد همز الوصل حيث جاء
كذا يؤاخذ وإسرائيلا ... والخلف فى آلآن عادا الأولى
ش- استثنى العلماء الذين أجازوا توسط البدل، ومده لورش ثلاثة أصول مطردة، وكلمتين فأوجبوا فيها القصر:
الأصل الأول: أن يقع الهمز بعد ساكن صحيح متصل مثل «القرآن، ومسئولا»، فيتعين قصره لحذف صورة الهمزة رسما، واحترزنا بقولنا «بعد ساكن» عن وقوع الهمز بعد متحرك نحو «مآب»، وبقولنا «صحيح» عن وقوعه بعد ساكن معتل.
مثل «فاءوا»، وبقولنا «متصل» عن وقوعه بعد ساكن منفصل مثل «من آمن»؛ فإذا وقع الهمز بعد متحرك، أو بعد ساكن معتل، أو بعد ساكن صحيح منفصل جاز فيه الأوجه الثلاثة المتقدمة القصر، والتوسط، والمد، وقد أشرت إلى هذا الأصل بقولى «كقرآن».
الأصل الثانى: أن تكون الألف التى بعد الهمزة مبدلة من التنوين وقفا نحو «دعاء، هزؤا»، فيتعين قصره أيضا لأن الألف عارضة غير لازمة، إذ لا توجد إلا فى الوقف، بخلاف الألف فى نحو رءا من «رءا القمر»، وتراءا من «وتراءا الجمعان» فتجرى فيها الأوجه الثلاثة لورش عند الوقف عليها لأنها أصلية وذهابها فى الوصل عارض، وقد أشرت إلى هذا الأصل بقولى: «ونحو ماء».
الأصل الثالث: كل حرف مد وقع بعد همز الوصل فى الابتداء نحو «ايت، ائذن لي»، فيتعين قصره لأن حرف المد في ذلك عارض، لأنه بدل من الهمزة، ولهذا إذا وصلت الكلمة بما قبلها ذهبت همزة الوصل، ونطقت بهمزة فى موضع
стр. 18
حرف المد، وهمزة الوصل عارضة أيضا لذهابها عند وصل الكلمة بما قبلها، فامتنعت زيادة المد فى هذا نظرا لعروض همزة الوصل، وحرف المد، وقد ذكرت هذا الأصل بقولى: «أو بعد همز الوصل حيث جاء».
وأما الكلمتان فإحداهما «يؤاخذ» حيث وقعت فى القرآن الكريم نحو: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وثانيتهما كلمة «إسرائيل» حيث وقعت أيضا، وقد ذكرتهما بقولى: كذا يؤاخذ وإسرائيلا.
واختلف أهل الأداء عن ورش فى كلمتين وهما (آلئن) فى الموضعين فى سورة يونس، وعاداً الْأُولى فى سورة النجم، فمنهم من أجرى فى كل منهما الأوجه الثلاثة المتقدمة، ومنهم من أوجب فيهما القصر.
والألف التى وقع فيها الخلاف فى (آلئن) هى الألف الأخيرة التى بعد اللام، وأما الأولى فليست من هذا الباب لأن مدها لأجل السكون اللازم المقدر، ولكون هذا السكون مقدرا يجوز فى هذه الألف الأولى لورش وقالون وجهان:
الأول المد اعتدادا بالأصل، والثانى: القصر اعتدادا بحركة اللام العارضة، ووجه من أجرى الأوجه الثلاثة فى «آلئن» عدم الإعتداد بحركة النقل العارضة، ووجه من أوجب فيها القصر الاعتداد بهذه الحركة. ووجه من أجرى الأوجه الثلاثة فى عاداً الْأُولى عدم الإعتداد بالحركة المنقولة، ووجه من أوجب فيها القصر أن ورشا يقرؤها بإدغام تنوين عاداً فى اللام من الْأُولى بعد نقل حركة الهمزة إلى اللام فلم يمد الواو من الْأُولى اعتدادا بحركة اللام المنقولة من الهمزة فى الْأُولى إليها لأنها صارت كاللازمة من أجل إدغام التنوين فيها فكأنه لا همز فى الكلمة لا ظاهرا ولا مقدرا.
وأتيت فى النظم بلفظ ءآلئن ممدودا على الاستفهام احترازا عن نحو: «الآن جئت بالحقّ» فلا خلاف عن ورش فى إجراء الأوجه الثلاثة فيه وفى أمثاله.
وهاهنا فوائد: الأولى: أصل كلمة (ءآلئن)، «آن» بهمزة مفتوحة ممدودة، وبعدها نون مفتوحة وهى اسم مبنى علم على الزمان الحاضر. ثم دخلت عليه «ال» التى للتعريف. ثم دخلت عليه همزة الاستفهام فاجتمع فيها همزتان مفتوحتان متصلتان، الأولى: همزة
стр. 19
الاستفهام، والثانية همزة الوصل، وقد أجمع أهل الأداء على استبقاء الهمزتين والنطق بهما معا وعدم حذف إحداهما، ولكن لما كان النطق بهمزتين متلاصقتين فيه شىء من العسر والمشقة أجمعوا على تغيير الهمزة الثانية واختلفوا فى كيفية هذا التغيير. فمنهم من غيّرها بإبدالها ألفا مع المد المشبع نظرا لالتقاء الساكنين، ومنهم من سهلها بين الهمزة والألف، وهذان الوجهان جائزان لكل من القراء العشرة، وعلى وجه التسهيل لا يجوز إدخال ألف الفصل بينها وبين همزة الاستفهام لأحد من القراء.
وهاك بيان قراءة كلّ من قالون، وورش فيها.
قرأ قالون بنقل حركة الهمزة التى بعد اللام إلى اللام مع حذف الهمزة، وحينئذ يكون له ثلاثة أوجه:
الأول: إبدال الهمزة الثانية التى هى همزة الوصل ألفا مع المد المشبع نظرا للأصل وهو سكون اللام، ولعدم الاعتداد بالعارض وهو تحرك اللام بسبب نقل حركة الهمزة إليها.
الوجه الثانى: إبدال همزة الوصل ألفا. مع القصر طرحا للأصل، واعتدادا بالعارض وهو تحرك اللام بسبب نقل حركة الهمزة إليها.
الثالث: تسهيل همزة الوصل بينها وبين الألف.
وهذه الأوجه الثلاثة جائزة له وصلا، ووقفا، ويزاد له حال الوقف قصر اللام وتوسطها ومدها نظرا للسكون العارض للوقف. فيكون له حال الوصل الثلاثة الأوجه السابقة، وفى حال الوقف تسعة أوجه حاصلة من ضرب الثلاثة المتقدمة فى ثلاثة اللام.
وأما ورش فقد قرأ كقالون بنقل حركة الهمزة إلى اللام مع حذف الهمزة مع الأوجه الثلاثة المتقدمة لقالون فى همزة الوصل وهى إبدالها ألفا مع المد، والقصر، وتسهيلها بين بين، ولا يخفى أن له فى مد البدل المغير بالنقل الواقع بعد اللام ثلاثة أوجه، القصر، والتوسط، والمد، ولكن هذه الأوجه الثلاثة فى البدل لا تتحقق على جميع أوجه همزة الوصل بل تتحقق على بعضها دون البعض الآخر.
стр. 20
وخلاصة ما ذكره العلماء لورش فى هذه الكلمة أن له فيها خمس حالات: الأولى: انفرادها عن بدل سابق عليها أو واقع بعدها مع وصلها.
الثانية: انفرادها عن بدل سابق عليها أو واقع بعدها مع الوقف عليها.
الثالثة: اجتماعها مع بدل قبلها مع وصلها.
الرابعة: اجتماعها مع بدل قبلها مع الوقف عليها.
الخامسة: اجتماعها مع بدل واقع بعدها.
أما الحالة الأولى:
فله فيها سبعة أوجه، إبدال همزة الوصل ألفا مع المد المشبّع، وعليه فى اللام ثلاثة أوجه: القصر والتوسط، والمد، ثم تسهيل همزة الوصل بين بين مع الأوجه الثلاثة السابقة فى اللام، ثم إبدال همزة الوصل ألفا مع القصر، وعليه فى اللام القصر فقط فتصير الأوجه سبعة.
الحالة الثانية:
له فيها تسعة أوجه إبدال همزة الوصل ألفا مع المد المشبع، والقصر، ثم تسهيلها بين بين، وعلى كلّ من هذه الأوجه الثلاثة تثليث اللام فتصير الأوجه تسعة.
الحالة الثالثة:
وهى اجتماعها مع بدل سابق عليها، ووصلها بما بعدها كاجتماعها مع «ءامنتم به» فله فيها ثلاثة عشر وجها- قصر البدل قبلها فى «ءامنتم»، وعليه إبدال همزة الوصل مع المد والقصر، ثم تسهيلها- وعلى كلّ من هذه الأوجه الثلاثة: قصر اللام، ثم توسيط البدل فى «ءامنتم»، وعليه إبدال همزة الوصل مع المد، وتسهيلها، وعلى كلّ منها توسيط اللام، وقصرها، ثم إبدال الهمزة مع القصر، وعليه قصر اللام فقط، ثم مد «ءامنتم»، وعليه إبدال همزة الوصل مع المد، وتسهيلها. وعلى كلّ منهما مد اللام، وقصرها، ثم إبدال الهمزة مع القصر وعليه قصر اللام فقط فيكون على قصر «ءامنتم» ثلاثة أوجه، وعلى توسطها خمسة أوجه ومثلها على المد.
стр. 21
الحالة الرابعة:
وهى اجتماعها مع بدل سابق عليها والوقف عليها كالآية السابقة، له فيها سبعة وعشرون وجها، قصر البدل فى «ءامنتم»، وعليه. إبدال الهمزة مع المد والقصر، ثم تسهيلها، وعلى كل من هذه الأوجه الثلاثة تثليت اللام، فتصير الأوجه تسعة، على قصر «ءامنتم»، ثم توسط «ءامنتم»، وعليه إبدال الهمزة مع المد، والقصر، ثم تسهيلها وعلى كلّ من الثلاثة تثليث اللام فتصير الأوجه تسعة على توسط «ءامنتم»، ثم مد «ءامنتم»، وعليه إبدال الهمزة ألفا مع المد، والقصر، ثم تسهيلها، وعلى كلّ من الثلاثة تثليث اللام أيضا فتصير الأوجه تسعة كذلك على مد «ءامنتم» فيكون مجموع الأوجه على كلّ من قصر البدل السابق، وتوسطه، ومده سبعة وعشرين وجها لما ذكرنا.
الحالة الخامسة:
وهى اجتماعها مع بدل واقع بعدها كقوله تعالى: «آلئن وقد عصيت» إلى قوله «لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» له فيها ثلاثة عشر وجها. إبدال همزة الوصل ألفا مع المد. ومع قصر اللام. وعلى هذا الوجه القصر، والتوسط، والمد فى «ءاية»، ثم توسط اللام وتوسط «ءاية»، ثم مد اللام، ومد «ءاية» ثم تسهيل همزة الوصل مع قصر اللام، وعلى هذا الوجه تثليث «ءاية»، ثم توسط اللام و «ءاية» ثم مدهما معا، ثم إبدال همزة الوصل مع القصر، ومع قصر اللام، وعلى هذا الوجه تثليث «ءاية» فيكون على إبدال همزة الوصل مع المد خمسة أوجه، وعلى تسهيلها خمسة أوجه، وعلى إبدالها مع القصر ثلاثة أوجه فتصير الأوجه ثلاثة عشر وجها.
وقد نظمت هذه الحالات الخمس على الترتيب بقولى:
الحالة الأولى:
فهمزها امدد مبدلا وسهّلا ... واللّام ثلّث معهما واقصر كلا
الحالة الثانية:
ومدّ همزا واقصرا وسهّلا ... واللّام ثلّث عند كلّ تفضلا
стр. 22
الحالة الثالثة:
واقصر لآمنتم وفى الهمز خذا ... تثليثه واللّام فاقصر تحتذا
وإن توسّط بدلا فسهّلا ... أو امددا فى الهمز ثمّ مع كلا
فى اللّام توسيط وقصر واقصرا ... فى الهمز واللّام كما تحرّرا
وبدلا مدّ وفى الهمز انقلا ... مدا وتسهيلا تكن مّبجّلا
ومعهما فى اللّام فامدد واقصر ... واقصر لهمز مع لام تنصر
الحالة الرابعة:
وإن تقف فالتّسعة الأولى انقل ... على الثّلاثة الّتى فى البدل
الحالة الخامسة
ومدّ همزا ثمّ سهّل واقصرا ... لاما وثلّث بدلا تأخّرا
وفيهما وسّط أو امدد واجعل ... قصرا لهمز ثمّ لام تفضل
وبدلا ثلّث وذى حالاتها ... خمسا روى عن الثّقات عدّها
الفائدة الثانية:
إذا أتى مع «عادا الأولى» بدل آخر كما إذا وصلت بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ففيها على هذا الخلاف السابق خمسة: أوجه القصر فى «عادا الاولى» مع الثلاثة فى
«آلاء»، ثم توسيطهما، ثم مدهما.
الفائدة الثالثة:
أقوى المدود المد اللازم، ثم المتصل، ثم العارض للسكون، ثم المنفصل ثم البدل.
[كما قال بعض العلماء:
أقوى المدود لازم فمتّصل ... فعارض فذو انفصال فبدل]
وإذا اجتمع فى موضع سببان للمد أحدهما قوى والآخر ضعيف عمل بمقتضى السبب القوى، وأهمل الضعيف. فقوله تعالى مثلا آمِّينَ الْبَيْتَ اجتمع فيه سببان:
стр. 23
الأول: السكون اللازم وصلا ووقفا بعد حرف المد، وهذا السبب يقتضى أن يكون هذا المد من قبيل المد اللازم فيمد مدا مشبعا.
الثانى: وجود حرف المد بعد الهمز وهذا السبب يقتضى أن يكون المد من قبيل مد البدل فيجوز لورش فيه القصر، والتوسط، والمد، فحينئذ يعمل بالسبب القوى ويطرح السبب الضعيف فيكون المد من قبيل المد اللازم ومثل ذلك (وجاءو أباهم) فيه سببان.
الأول: وجود الهمز فى كلمة بعد وجود حرف المد فى الكلمة السابقة وهذا يقتضى أن يكون المد منفصلا فيمد لورش مدا طويلا.
الثانى: وجود حرف المد بعد الهمز وهذا يقتضى أن يكون المد من قبيل مد البدل فيجوز لورش فيه الأوجه الثلاثة فحينئذ يعمل بالسبب القوى ويهمل الضعيف فيكون المد من قبيل المد المنفصل، وهذا إذا وصل ورش «جاءوا» ب «أباهم»، فإذا وقف على «جاءوا» كان المدّمن نوع مد البدل فيجوز له فيه الأوجه الثلاثة فتأمل.
الفائدة الرابعة:
إذا اجتمع فى آية بدل موصول، وآخر موقوف عليه مثل قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله مُسْتَهْزِؤُنَ جاز فى الآية لورش ستة أوجه: قصر البدل الموصول وهو «آمنوا» و «آمنّا»، وعليه فى البدل الموقوف عليه ثلاثة أوجه:
القصر، والتوسط، والمد، ثم توسط البدل الموصول، وعليه فى الموقوف عليه توسط، ومد، ثم مد البدل الأول، وعليه فى البدل الثانى المد فقط.
ص- واللّين وسّط وامددا بكلمة ... لورشهم إن كان قبل همزة
لا موئلا موءودة وواو سو ... ءات اقصرا ووسّطا كما رووا
ش- لما ذكرت الأحكام المتعلقة بأحرف المد، واللين فيما سبق ذكرت هنا الأحكام المتعلقة بحرفى اللين فقط، وقد عرفت مما تقدم أنهما: الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما فخيرت القارئ أن يوسطهما، أو يمدهما لورش إذا وقع بعد كل منهما همزة فى كلمة واحدة، سواء كانت الهمزة فى وسط الكلمة نحو «هيئة، وسوأة»، أم فى آخرها نحو «شىء، وسوء»، وهذان الوجهان- وهما
стр. 24
التوسط والمد- جائزان لورش وصلا ووقفا، فإذا لم يقع بعد كل منهما همزة نحو «خوف، وبيت»، فلا شىء فيهما لورش بل هو، وغيره من سائر القراء سواء فى قراءتهما وصلا ووقفا، وإذا وقع بعد كل منهما همزة ولكن كانت الهمزة فى كلمة أخرى نحو «خلوا إلى، ابني آدم»، فلا توسط له، ولا مد أيضا.
وقد أجمع أهل الأداء عن ورش على استثناء كلمتين فلم يجيزوا فيهما توسطا ولا مدا، وهما «موئلا» بسورة الكهف و «الموءودة» بسورة التكوير.
والمراد الواو الأولى فى لفظ «الموءودة». واختلف أهل الأداء عن ورش فى واو «سوءات» حيث وقعت [وهما فى الأعراف، وطه] فمنهم من استثناها من اللين فلم يجز فيها توسطا ولا مدا بل ألحقها بحرف اللين الذى لا همز بعده، ومنهم من لم يستثنها بل ألحقها بمثيلاتها فأجرى فيها التوسط والإشباع، وعلى هذا يكون لورش فى الكلمة تسعة أوجه: حاصلة من ضرب الثلاثة التى فى الواو فى الثلاثة التى فى البدل بعدها، ولكن الذى حققه إمام الفن الشمس ابن الجزرى واستصوبه أن الخلاف فى الواو دائر بين القصر والتوسط فقط ولا إشباع فيها وذلك لأن من مذهبه إشباع اللين. يستثنى واو «سواءات» فيقصرها، فليس لورش فيها إلا أربعة أوجه فقط وهى: قصر الواو وعليه ثلاثة البدل، ثم توسط الواو، والبدل معا، ويمتنع توسط الواو مع مد البدل لأن من مذهبه توسط الواو لا يرى فى البدل إلا التوسط وقد نظم ابن الجزرى هذه الأوجه الأربعة فى بيت واحد فقال:
وسوءات قصر الواو والهمز ثلّثا ... ووسطهما فالكلّ أربعة فادر
وينبغى أن تعلم أنه ليس المراد من قصر الواو أن تمدها بمقدار حركتين، بل المراد من القصر إذهاب المد بالكلية والنطق بواو ساكنة مجردة عن المد.
فائدة: من ذهب إلى الإشباع فى حرف اللين لورش لا يرى فى البدل إلا الإشباع أيضا، وعلى هذا إذا اجتمع فى آية مد بدل، ولين جاز لورش فيها أربعة أوجه سواء تقدم البدل أم تأخر، فمثال تقدم البدل على اللين قوله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ فإذا قصرت البدل تعين عليه توسط اللين، وإذا
стр. 25
وسطت البدل تعين عليه توسط اللين أيضا، وإذا مددت البدل جاز لك فى اللين وجهان: التوسط، والإشباع، ومثال تقدم اللين على البدل قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ فإذا وسطت اللين جاز لك فى البدل القصر، والتوسط، والمد، وإذا مددت اللين تعين عليك مد البدل، والله أعلم.
ص- والمدّ أولى قبل همز غيّرا ... فى حالة الإسقاط فاقصرا أحرى
ش- ذكرت فى هذا البيت قاعدة مهمة، وهى أنه إذا وقع حرف المد قبل همز مغير جاز فى حرف المد وجهان وهما: المد، والقصر، والمد أولى وأرجح من القصر، وذلك مثل قوله تعالى: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ و «أولياء أولئك» بتسهيل الهمزة الأولى فى رواية قالون كما سيأتى فى الهمزتين من كلمتين، فيكون لقالون فى هذا المد الواقع قبل الهمزة الأولى المسهلة وجهان: المد- والمراد به هنا التوسط- والقصر، والمد مفضّل على القصر، هذا معنى الشطر الأول من البيت.
ومعنى الشطر الثانى أن حرف المد إذا وقع قبل همز مغير بالإسقاط يجوز فيه الوجهان المذكوران، ولكن القصر أولى وأرجح من المد، وذلك مثل قوله تعالى:
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ بإسقاط الهمزة الأولى عند قالون كما سيأتى فيكون لقالون فى المد الواقع قبل همز مغير بالحذف وجهان المد- والمراد به التوسط- والقصر، ولكن القصر أفضل وأرجح من المد.
وعلى هذا يكون المراد من التغيير المدلول عليه بقولى «غيّرا» التسهيل بين بين، والذى يدلنا على هذا الشطر الثانى من البيت، وقولى «أحرى» أى أجدر وأولى.
... باب الهمزتين من كلمة [ ٦]
ص- ونافع أخراهما قد سهّلا ... وذات فتح سهّلا أو ابدلا
لورشهم سوى كآمنتم فلا ... تبدل وقالون بمدّ فصلا
стр. 26
بينهما إلا كآمنتم كذا ... أئمّة ونحو آلآن خذا
ش- ذكرت فى هذا الباب حكم همزتى القطع المتلاصقتين الواقعتين فى كلمة، والهمزة الأولى منهما لا بدّ أن تكون مفتوحة، وأما الثانية فتكون مفتوحة، نحو: أَأَنْذَرْتَهُمْ، أَأَلِدُ، وتكون مكسورة نحو: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، إِنَّكَ، وتكون مضمومة نحو: أَأُنَبِّئُكُمْ، أانزل، فلها أنواع ثلاثة، وقد أخبرت فى الشطر الأول من البيت بأن نافعا من روايتى قالون، وورش سهل أخرى الهمزتين أى الهمزة المتأخرة منهما وهى الثانية، وهذا القول بعمومه يشمل أنواعها الثلاثة السابقة، وللتسهيل معنيان:
الأول: مطلق التغيير فيشمل التسهيل بين بين، والإبدال، والحذف.
الثانى: هو التسهيل بين بين بخصوصه، وهذا هو المراد هنا.
ومعنى التسهيل بين بين أن تجعل الهمزة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، فتجعل المفتوحة بين الهمزة والألف، والمكسورة بين الهمزة والياء، والمضمومة بين الهمزة والواو. ثم خيرت القارئ أن يسهل الهمزة ذات الفتح أى المفتوحة، أو يبدلها ألفا لورش، فحينئذ يكون لقالون تسهيل الهمزة الثانية مطلقا سواء كانت مفتوحة، أم مكسورة، أم مضمومة، ويكون لورش تسهيلها إذا كانت مكسورة، أو مضمومة، وتسهيلها أو إبدالها ألفا إذا كانت مفتوحة، فله فى المكسورة، والمضمومة وجه واحد وهو التسهيل، وله فى المفتوحة وجهان: التسهيل، والإبدال ألفا.
وإذا أبدل ورش الهمزة الثانية ألفا فالحرف الذى بعدها إما أن يكون ساكنا أو متحركا، فإن كان ساكنا نحو: أَأَنْذَرْتَهُمْ، فلا بد من مد الألف المبدلة من الهمزة مدا مشبعا [أَأَنْذَرْتَهُمْ]، لأن الألف ساكنة والسكون بعدها لازم، فحينئذ يكون مدها من قبيل المد اللازم، وإن كان متحركا، وذلك فى موضعين آلد فى هود وآمَنْتُمْ فى الملك مدّت الألف المبدلة من الهمزة مدا أصليا أى بمقدار حركتين فقط، ولا يصح أن يجعل مدها من قبيل مد البدل نظرا لعروض حرف المد بالإبدال، وضعف السبب بتقدمه على الشرط.
стр. 27
هذا، وقد منع العلماء وجه الإبدال لورش فى حال الوقف على أأنت وأ رأيت وأوجبوا له وجه التسهيل فى هذه الحال، وعلّلوا منع الإبدال بما يترتب عليه من اجتماع ثلاث سواكن متوالية ليس فيها مدغم ك صَوافَّ وقالُوا إِنَّ مثل ذلك غير موجود فى كلام العرب.
ولكن نقل بعضهم عن الإمام الدانى (١) أنه ذكر فى كتابه جامع البيان جواز الوقف بالإبدال على أرأيت فحسب.
قال بعض العلماء: وإذا وقفت على أرأيت بهذا الوجه أى الإبدال تبعا للإمام الدانى وجب عليك أن توسط الياء، وعلل ذلك بأن اللين يضعف فيه الطول.
ولما ذكرت أن لورش فى الهمزة الثانية المفتوحة وجهين: التسهيل، والإبدال، وكانت هذه القاعدة تنطبق على كلمة آمَنْتُمْ- لأن نافعا يقرؤها بهمزتين كما ستقف على ذلك قريبا- وتنطبق على مثلها أيضا مما اجتمع فيه ثلاث همزات وهو لفظ آلِهَتُنا فى سورة الزخرف- استثنيت كلمة آمَنْتُمْ ونحوها من هذه القاعدة، فنهيت القارئ عن الإبدال فيهما بقولى: «فلا تبدل» فحينئذ لا يكون لورش فى هاتين الكلمتين آمَنْتُمْ- آلِهَتُنا إلا التسهيل، وقد وقعت كلمة آمَنْتُمْ فى سورة الأعراف، وطه، والشعراء.
ثم بينت أن قالون فصل بالمد بين الهمزتين المحققة، والمسهلة، بمعنى أنه أدخل ألفا بين الهمزتين تفصل إحداهما عن الأخرى، وتسمى ألف الفصل، ومقدارها حركتان، فالمراد بالمد فى قولى «بمد» هذه الألف فكأننى قلت: وقالون فصل بألف بين الهمزتين، وقولى: وقالون بمد فصلا بينهما- بعمومه يتناول الأنواع الثلاثة للهمزة، ثم استثنيت من هذه القاعدة وهى إدخال ألف الفصل بين الهمزتين كلمة
стр. 28
آمَنْتُمْ ونحوها وهو آلِهَتِنا وكلمة أَئِمَّةً حيث وقعت فى القرآن الكريم، وكلمة ءآلئن فى موضعيها بيونس، ونحو ءآلئن، وهو ءآلذّكرين فى موضعين فى سورة الأنعام، وءآلله فى موضعين: الأول فى يونس، والثانى فى النمل، فإن قالون لا يدخل ألفا بين الهمزتين فى شىء من ذلك.
وقد وقعت كلمة «أئمة» فى خمسة مواضع من القرآن الكريم، موضع فى سورة التوبة فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وموضع فى سورة الأنبياء وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا، وموضعين فى القصص وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وموضع فى السجدة. وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا.
ص- وفى أشهدوا الخلاف قرّرا ... ونافع بهمزتين قد قرا
مستفهما آمنتم فى الظّلّة ... وحرف الأعراف وطه أثبت
ش- اشتمل الشطر الأول من البيت الأول على أن فى أأشهدوا فى سورة الزخرف الخلاف فى إدخال ألف الفصل بين همزتيه لقالون، فله بينهما الإدخال، وتركه، واشتمل الشطر الثانى منه مع البيت الثانى على أن نافعا بكماله من روايتى قالون وورش قرأ لفظ آمَنْتُمْ فى سورة الظلة- وهى الشعراء، وسورة الأعراف، وسورة طه. بهمزتين الأولى منهما للاستفهام. وهذا معنى قولى «مستفهما» وقولى «أثبت» تكملة للبيت.
ص- وكلّ ما استفهامه تكرّرا ... فنافع فى الثّان منه أخبرا
والعنكبوت النّمل فيهما تلا ... فى الثّان والأوّل بالعكس انقلا
ش- تكرر الاستفهام فى القرآن الكريم فى أحد عشر موضعا فى تسع سور.
الموضع الأول فى سورة الرعد وهو أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا.
الثانى، والثالث فى الإسراء، وهما أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا معا.
الرابع فى «المؤمنون» وهو أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا.
الخامس فى النمل. وهو أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا.
стр. 29
السادس فى العنكبوت وهو إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ .... أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ.
السابع فى السجدة وهو أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا.
الثامن، والتاسع فى سورة الصافات، وهما أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا معا.
العاشر فى الواقعة وهو أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا.
الحادى عشر فى النازعات وهو أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً.
وقد أخبرت فى البيت الأول بأن نافعا قرأ [إنّا، إذا] بالإخبار فى اللفظ الثانى فى كل موضع من المواضع المذكورة أى بهمزة واحدة ما عدا موضعى النمل، والعنكبوت كما سيأتى. ولم أتعرض لبيان قراءة نافع فى اللفظ الأول من كل موضع من هذه المواضع لأن قراءته توافق قراءة حفص فى هذا اللفظ بالاستفهام، أى بهمزتين.
وأخبرت فى البيت الثانى بأن نافعا تلا بعكس ذلك الحكم فى اللفظ الأول والثانى فى سورتى النمل، والعنكبوت فقرأ اللفظ الأول فى السورتين [إذا، إنّكم] بالإخبار، والثانى فيهما [أئنّا، أئنّكم] بالاستفهام.
فإن قيل: إن نافعا يوافق حفصا على قراءته فى موضع العنكبوت فيقرأ اللفظ الأول فيه بالإخبار، والثانى بالاستفهام كما يقرأ حفص فيهما، فكان ينبغى أن يقتصر فى الاستثناء على موضع النمل فقط لاختلاف قراءتهما فيه.
قلت: هذا صحيح ولكن لو اقتصرت فى الاستثناء على موضع النمل لظل موضع العنكبوت داخلا فى عموم قولى: وكل ما استفهامه تكررا .. إلخ.
فكان يقرأ لنافع بالاستفهام فى اللفظ الأول والإخبار فى الثانى. وهذا خطا، فلهذا اضطررت إلى ضمه مع النمل فى الاستثناء.
وخلاصة هذا الباب أن قالون يقرأ بتسهيل الهمزة الثانية من الهمزتين الواقعتين فى كلمة مع إدخال ألف الفصل بينهما سواء كانت الثانية مفتوحة، أم مكسورة، أم مضمومة، ويقرأ بالتسهيل من غير إدخال فى لفظ «ءامنتم» فى سوره الثلاث:
стр. 30
الأعراف، وطه، والشعراء، ولفظ «ءالهتنا» فى سورة الزخرف، وكلمة «أئمة» فى مواضعها الخمسة، وكلمة «ءآلئن» فى موضعيها بيونس، وكلمة «ءالذّكرين» فى موضعيها بالأنعام، وكلمة «ءالله» فى موضعيها بيونس، والنمل. وله وجه آخر فى «ءآلئن» معا و «ءالذكرين» معا و «ءالله» معا، وهو إبدال الهمزة الثانية ألفا مع المد المشبع للساكنين، ويقرأ بالتسهيل مع الإدخال، وعدمه فى «ءأشهدوا» فى سورة الزخرف.
وأما ورش فقرأ بتسهيل الهمزة الثانية من الهمزتين فى كلمة من غير إدخال إذا كانت مكسورة أو مضمومة.
أما إذا كانت مفتوحة فله فيها وجهان: التسهيل من غير إدخال، والإبدال ألفا، ويقرأ كقالون سواء بسواء فى هذه الكلمات فى جميع مواضعها «ء آمنتم، ءالهتنا، أئمة، ءآلئن، ءالذّكرين، ءالله».
وقرأ قالون وورش كلمة «ء آمنتم» فى مواضعها الثلاثة (بالاعراف، وطه، والشعراء) بهمزتين على سبيل الاستفهام.
وقرآ أيضا بالاستفهام فى اللفظ الأول فى كل موضع من المواضع التى تكرر فيها الاستفهام (١)، والإخبار فى اللفظ الثانى فى كل موضع من هذه المواضع، إلا موضعى النمل، والعنكبوت فقرءا بالإخبار فى اللفظ الأول فى الموضعين، وبالاستفهام فى اللفظ الثانى فيهما، والله تعالى أعلم.
... باب الهمزتين من كلمتين [ ٧]
ص- حال اتّفاق مع فتح أسقط ال ... أولى وفى كسر وضمّ قد نقل
تسهيلها وأدغمنّ مبدلا ... بالسّوء إلّا واصلا أو سهّلا
стр. 31
ش- ذكرت فى هذا الباب حكم الهمزتين من كلمتين، والمراد بهما همزتا القطع المتلاصقتان وصلا الواقعتان فى كلمتين، فخرج بقيد القطع الهمزتان فى نحو «ما شاء الله» لكون الثانية منهما همزة وصل، وخرج بقيد التلاصق الهمزتان فى نحو «السّوأى أن» لعدم تلاصقهما، وخرج بقيد الوصل ما إذا وقف على الهمزة الأولى فلا يكون فيها، ولا فى الثانية إلا التحقيق.
والهمزتان فى هذا الفصل قسمان (١): متفقتان فى الحركة، ومختلفتان فيها، فالمتفقتان فى الحركة ثلاثة أنواع؛ لأنهما إما مفتوحتان نحو «جاء أمرنا» وإما مكسورتان نحو «هؤلاء إن» وإما مضمومتان وقد جاءتا فى قوله تعالى فى سورة الأحقاف «أولياء أولئك»، وليس له نظير فى القرآن الكريم. وسيأتى الكلام على المختلفتين.
وقد بينت هنا حكم المتفقتين فى الحركة فأمرت بإسقاط الأولى، وحذفها بالكلية إذا كانتا مفتوحتين، وسكتّ عن بيان حكم الثانية فعلم أنها محققة على الأصل، وما ذكرته من أن الهمزة المسقطة المحذوفة هى الأولى هو قول جمهور العلماء.
وقال بعضهم: المحذوفة هى الثانية: وثمرة هذا الخلاف تظهر فى المد؛ فعلى القول الأول يجوز فى حرف المد الواقع قبلها وجهان: القصر، والمد. ويكون القصر أرجح لوقوع حرف المد قبل همز مغير بالإسقاط، ويدخل فى قولى فى باب المد «والمدّ أولى» إلخ البيت، ويكون المد حينئذ من قبيل المد المنفصل.
وعلى القول الثانى يكون المد من قبيل المتصل، وحينئذ يتعين مده، وإذا اجتمع فى آية مد منفصل، وهمزتان مفتوحتان نحو (حتّى إذا جاء أمرنا) جاز فى هذه الآية ثلاثة أوجه: قصر المنفصل، وعليه توسط فى حرف المد، هذا حكم المفتوحتين.
وأما المكسورتان والمضمومتان فقد بينت حكمهما بقولى: «وفى كسر وضم قد
стр. 32
نقل تسهيلها» أعنى قد نقل تسهيل الهمزة الأولى من المتفقتين إذا كانتا مكسورتين، أو مضمومتين، وسكتّ عن بيان حكم الثانية فعلم أنها محققة على الأصل.
وإطلاق التسهيل هنا يقتضى أن يكون بين بين، لأنه إذا أطلق عند القراء اختص بالتسهيل بين بين، فتسهل المكسورة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها وهو الياء، وتسهل المضمومة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها وهو الواو.
ويجوز فى حرف المد الواقع قبل الهمزة المسهلة سواء كانت مكسورة أم مضمومة المد والقصر، والمد أفضل من القصر لأنه ينطبق عليه أنه حرف مد واقع قبل همز مغير بالتسهيل بين بين وهو داخل فى قولى السابق: «والمد أولى قبل همز غيرا».
وإذا اجتمع فى آية مد منفصل وهمزتان مكسورتان نحو «هؤلاء إن» أو مضمومتان وهو «وليس له من دونه أولياء أولئك» جاز فى الآية ثلاثة أوجه: قصر المنفصل، وعليه قصر، وتوسط فى حرف المد الواقع قبل الهمزة المسهلة، ثم توسط المنفصل، وعليه توسط فى حرف المد، وأجاز بعضهم على توسط المنفصل القصر، والتوسط فى حرف المد فتكون الأوجه أربعة.
ثم ذكرت أن فى قوله تعالى فى سورة يوسف «بالسّوء إلّا» وجهين: الأول:
إبدال الهمزة الأولى واوا مع إدغام الواو التى قبلها فيها وهذا قول الجمهور.
والثانى التسهيل بين بين.
وهذا الوجهان فى حال الوصل فقط، وأما عند الوقف فيتعين تحقيق الهمزة.
وهذه الأحكام التى ذكرتها خاصة بقالون كما قلت:
ص- وذا لقالون وورش سهّلا ... أخراهما كيف أتت أو ابدلا
مدّا وإن تلاه ساكن فمد ... فإن تحرّك امددا واقصر تسد
وهؤلا إن والبغا إن أبدلا ... ياء بكسر بعضهم عنه انجلا
ش- أشرت بقولى «وذا» إلى كل ما ذكرته من أحكام الهمزتين فى كلمتين وحكمت عليه بأنه لقالون.
стр. 33
[مذهب ورش فى الهمزتين المتفقتين من كلمتين]
ولما فرغت من بيان مذهب قالون فى الهمزتين من كلمتين بينت مذهب ورش فيهما فأخبرت بأنه سهل أخراهما أى الثانية منهما على أى حال وقعت أى سواء كانت مفتوحة، أم مكسورة، أم مضمومة، والتسهيل إذا أطلق انصرف إلى التسهيل بين بين كما تقدم، وقد علمت أن الهمزة تسهل بينها، وبين الحرف المجانس لحركتها، وسكوتى عن بيان حكم الهمزة الأولى لورش يعلم منه أنها محققة له على الأصل. وقولى: «أو أبدلا- مدا» بيان لوجه آخر فى الهمزة الثانية لورش وهو إبدالها حرف مد مجانسا لحركة الهمزة الأولى فإن كانت الأولى مفتوحة أبدلت الثانية ألفا، وإن كانت مكسورة أبدلت الثانية ياء ساكنة، وإن كانت مضمومة أبدلت الثانية واوا ساكنة وقولى فى النظم «مدا» على حذف مضاف أى حرف مدّ. وإذا أبدلت الثانية حرف مد فالحرف الذى بعدها إما أن يكون متحركا أو ساكنا: فإن كان متحركا نحو «جاءَ أَجَلُهُمْ»، «فِي السَّماءِ إِلهٌ»، «أَوْلِياءُ أُولئِكَ» فاقتصر على حرف المد ولا تزد عليه شيئا. ولا تعتبره من باب مد البدل نظرا لعروض حرف المد بسبب إبداله من الهمزة.
وإن كان الحرف الذى بعدها ساكنا نحو «شاءَ أَنْشَرَهُ». «مِنَ السَّماءِ إِنْ» فمد حرف المد مدا مشبعا ست حركات لأجل الساكنين. وهذا معنى قولى: «وإن تلاه ساكن فمد» فإن تحرك هذا الحرف الساكن لعارض ما فلك فى حرف المد وجهان:
الأول المد المشبع نظرا للأصل، والثانى القصر نظرا للحركة العارضة، وقد وقع ذلك فى ثلاثة مواضع الأول فى قوله تعالى فى سورة النور: عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ الثانى فى قوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ الثالث فى قوله تعالى: «إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ» كلاهما فى سورة الأحزاب.، فالنون فى هذه المواضع كانت ساكنة، ثم تحركت بسبب نقل حركة الهمزة إليها فى «على البغاء إن اردن، وللنّبيء إن اراد»، فى قراءة ورش، ولأجل التخلص من التقاء الساكنين فى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ وهذا معنى قولى: «فإن تحرك امدد أو اقصر تسد»، وإذا وقع بعد الهمزة الثانية ألف- وذلك فى قوله تعالى فى سورة الحجر فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ، وقوله تعالى فى سورة القمر وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ- فعلى وجه إبدالها
стр. 34
يوجد ألفان: الألف المبدلة منها، والألف التى بعدها وهما ساكنان فحينئذ يجوز لنا وجهان: الأول حذف إحدى الألفين تخلصا من اجتماع ساكنين، الثانى إثبات الألفين وزيادة ألف ثالثة للفصل بين الساكنين، وعلى الوجه الأول يتعين القصر، وعلى الثانى يتعين الإشباع، فيكون لورش فى «جاءَ آلَ لُوطٍ، وجاءَ آلَ فِرْعَوْنَ» خمسة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية مع القصر، والتوسط، والمد فى الألف التى بعدها لأنها من باب مد البدل المغير بالتسهيل، ثم إبدال الهمزة الثانية ألفا مع القصر، والمد المشبع.
فإن ركبت مع بدل قبلها كأن جمعت مع قوله تعالى (إِلَّا آلَ لُوطٍ) كان فيها تسعة أوجه، وبيانها كالآتى:
قصر البدل فى (إِلَّا آلَ لُوطٍ)، وعليه فى «جاءَ آلَ لُوطٍ»، تسهيل الهمزة الثانية مع القصر ثم إبدالها مع المد، والقصر.
ثم توسط البدل الأول، وعليه في «جاءَ آلَ لُوطٍ» تسهيل الهمزة الثانية مع التوسط، ثم إبدالها مع المد، والقصر.
ثم مد البدل الأول، وعليه فى «جاءَ آلَ لُوطٍ» تسهيل الهمزة الثانية مع المد، ثم إبدالها مع المد والقصر.
وكذلك إن ركبت مع بدل بعدها، كما إذا قرأت قوله تعالى «وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ. كَذَّبُوا بِآياتِنا» كان فيها تسعة أوجه أيضا: قصر الأول والثانى وتوسيطهما ومدهما والأول مسهل على هذه الثلاثة، ثم تأتى بثلاثة الثانى على وجهى الإبدال فى الأول، ثم ذكرت فى البيت الثالث أن بعض أهل الأداء أبدل الهمزة ياء مكسورة عن ورش فى قوله تعالى «هؤلاءين كنتم صادقين» فى البقرة، وقوله تعالى «على البغاء ين اردن» فى النور، فيكون لورش فى «هؤلاء إن كنتم» ثلاثة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية بين بين، وإبدالها حرف مد مشبعا [«هؤلاءين كنتم»]، وإبدالها ياء مكسورة، ويكون له فى «البغاء إن» أربعة أوجه: تسهيل الثانية بين بين، وإبدالها حرف مد مع المد، والقصر [«البغاء ين اردن»]، وإبدالها ياء مكسورة.
стр. 35
مذهب نافع فى الهمزتين المختلفتين من كلمتين
ص- وحال خلف سهّل الأخرى وفى ... كالسّوء إن تسهيل أو واو قفى
وبعد ضمّة وكسر وقعت ... مفتوحة واوا وياء أبدلت
ش- لما فرغت من بيان حكم الهمزتين المتفقتين فى الحركة الواقعتين فى كلمتين بينت حكمهما فى حال اختلافهما فى الحركة وأنواع المختلفتين خمسة:
الأول: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو «وجاء إخوة».
الثانى: أن تكون الأولى مفتوحة، والثانية مضمومة ولم يقع فى القرآن إلا فى موضع واحد وهو «كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً» بالمؤمنين.
الثالث: أن تكون الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة نحو: «الْمَلَأُ أَفْتُونِي».
الرابع: أن تكون الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة نحو «مِنَ السَّماءِ آيَةً».
الخامس: أن تكون الأولى مضمومة، والثانية مكسورة نحو «وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ».
وحكم النوع الأول: أن تسهل الهمزة الثانية فيه بين الهمزة والياء.
وحكم النوع الثانى: أن تسهل الثانية فيه بينها وبين الواو.
وهذان الحكمان يؤخذان من قولى: سهّل الأخرى
وحكم النوع الخامس أن تبدل الثانية فيه واوا خالصة، وهذا مذهب جمهور أهل الأداء، ويجوز تسهيلها بين الهمزة والياء وهذا مذهب البعض. ويؤخذ هذا الحكم من قولى: وفى كالسوء إن تسهيل أو واو قفى.
وحكم النوع الثالث: أن تبدل الثانية فيه واوا خالصة.
وحكم النوع الرابع: أن تبدل الثانية فيه ياء خالصة.
ويؤخذ هذان الحكمان من قولى: وبعد ضمة وكسر وقعت- الخ البيت- أعنى إذا وقعت الهمزة مفتوحة بعد ضمة أبدلت واوا، وإذا وقعت مفتوحة بعد كسرة أبدلت ياء.
стр. 36
وجميع هذه الأحكام التى ذكرتها فى الأنواع الخمسة قد اتفق عليها قالون، وورش عن نافع كما يقتضيه اصطلاحى فى إطلاق الحكم. وفهم من سكوتى عن الهمزة الأولى أنها محققة لنافع على الأصل.
وخلاصة هذا الباب أن الهمزتين من كلمتين إما أن يتفقا فى الحركة، وإما أن يختلفا فيها، فإن اتفقا فى الحركة فإن كانتا مفتوحتين أسقط قالون الأولى فيهما.
وإن كانتا مكسورتين أو مضمومتين سهل الأولى فيهما بين الهمزة، والياء فى المكسورتين، وبين الهمزة والواو فى المضمومتين. وله فى قوله تعالى: «بِالسُّوءِ إِلَّا» وجهان:
الأول: إبدال الأولى واوا مع إدغام الواو قبلها فيها.
الثانى: تسهيلها بين الهمزة والياء.
وأما ورش فقرأ بتسهيل الثانية بين بين مطلقا مفتوحة، أم مكسورة، أم مضمومة. ويجوز له وجه ثان وهو إبدالها حرف مد خالصا ألفا إن كانت الأولى مفتوحة، وياء ساكنة إن كانت الأولى مكسورة، وواوا ساكنة إن كانت الأولى مضمومة.
وله فى «هؤلاء إن بالبقرة، والبغاء إن» بالنور وجه ثالث، وهو إبدال الثانية ياء مكسورة.
وإن اختلفتا كان لهما خمسة أنواع:
الأول: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة. [مثل «وَجاءَ إِخْوَةُ»].
الثانية: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. [مثل «كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً»].
الثالث: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مفتوحة. [مثل «الْمَلَأُ أَفْتُونِي»].
الرابع: أن تكون الأولى مكسورة والثانية مفتوحة. [مثل «مِنَ السَّماءِ آيَةً»].
الخامس: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مكسورة. [مثل «الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ»].
وقد ذكرنا الأمثلة آنفا. فقرأ نافع من روايتى قالون وورش فى النوع الأول
стр. 37
بتسهيل الثانية بين الهمزة والياء، وفى النوع الثانى بتسهيلها بين الهمزة والواو. وفى الثالث بإبدال الثانية واوا خالصة، وفى الرابع بإبدالها ياء محضة، وفى الخامس بوجهين:
الأول: إبدال الثانية واوا خالصة.
الثانى: تسهيلها بين الهمزة والياء. والله أعلم.
... باب الهمز المفرد [ ٦]
ص- إن همزة موضع فاء سكنت ... أبدلها عثمان كيف وقعت
وحقّق الإيواء ثمّ أبدلا ... واوا بنحو قوله مؤجّلا
ش- ذكرت فى هذا الباب حكم الهمزة المفردة التى لم تجتمع مع مثلها، وهذه الهمزة قد تقع فى موضع الفاء من الكلمة. نحو «يؤمن» فإن هذه الكلمة على وزن «يفعل» فالهمزة فيها فى مكان الفاء في وزنها، وقد تكون هذه الهمزة فى مكان العين من الكلمة نحو: «بئر» فإن هذه الكلمة على وزن «فعل» فهمزتها فى موضع العين فى وزنها، وقد تكون فى موضع اللام من الكلمة نحو «شئت» فإن هذه الكلمة على زنة «فلت» حذفت منها عين الكلمة. فهمزتها فى مكان اللام فى وزنها.
وقد أخبرت فى البيت الأول بأن الهمزة إذا سكنت وكانت فى مكان الفاء من الكلمة فإن عثمان، وهو ورش أبدلها حرف مد على أى حال وقعت سواء وقعت فى اسم نحو: المؤمنين، والمؤتفكات، أم فعل نحو: يؤمنون، ويا صالح ائتنا، وسواء وقعت بعد ضم كهذه الأمثلة أم بعد فتح نحو: «وأمر، فأتوا، الهدى ائتنا». أم بعد كسر نحو: «الذى اؤتمن، السموات ائتونى، أن ائت القوم الظالمين».
والضابط الموجز الذى تعرف به الهمزة الساكنة التى تكون فاء للكلمة هو كل همزة ساكنة وقعت بعد همزة الوصل نحو: ثم ائتوا صفا، أو الميم نحو:
стр. 38
والمؤمنون. أو الفاء، نحو: فأتوا. أو الواو نحو: وأمر. أو ياء المضارعة نحو:
يألمون. أو نونها نحو. نأكل. أو تائها نحو. أتأتون.
فيبدل ورش الهمزة فى جميع ذلك وما أشبهه حرف مد مجانسا لحركة ما قبله وصلا ووقفا، فيبدلها ألفا بعد الكسر، والأمثلة ظاهرة.
[الهمزات المستثناة من الإبدال]
ثم ذكرت فى البيت الثانى ما خرج فيه ورش عن قاعدته المتقدمة وهو باب «الإيواء»، فأخبرت بأنه حققه مع أن الهمزة فيه وقعت ساكنة وفاء للكلمة. ولم يقع لفظ «الإيواء» فى القرآن الكريم، وإنما وقع فيه ما تصرف منه، وهو سبعة ألفاظ: المأوى، ومأواه، ومأواهم، ومأواكم، فأووا، وتؤويه، وتؤوى، فقولى: وحقق الإيواء جار مجرى الاستثناء من قاعدة ورش السابقة، وهو على حذف مضاف أى حقق باب الإيواء وما تصرف منه، ولما ذكرت حكم الهمزة الواقعة فاء للكلمة إذا كانت ساكنة واستثنيت من ذلك ما اشتق من لفظ الإيواء. ذكرت حكمها إذا كانت متحركة بالفتح، ووقعت بعد ضم فأخبرت بأن ورشا أبدل الهمزة الواقعة فاء للكلمة إذا انفتحت وانضم ما قبلها نحو: مؤجلا، والمؤلفة، ومؤذن، سواء وقعت فى اسم كالأمثلة السابقة أم فى فعل نحو: يؤيد، يؤاخذ، يؤخر، وقد استغنيت بذكر المثال عن ذكر القاعدة.
فإذا وقعت الهمزة مفتوحة بعد ضم ولكن لم تكن فاء للكلمة فإن ورشا لا يبدلها. نحو: فؤادك، وسؤال.
[حكم الهمزة الواقعة عينا للكلمة]
ص- وإن تكن عينا فقد أبدل فى ... بئس مع الذّئب وبئر فاكتف
ش- لما أنهيت الكلام على حكم الهمزة الواقعة فاء للكلمة ساكنة، ومتحركة ذكرت فى هذا البيت «حكم الهمزة الواقعة عينا للكلمة» فأخبرت بأن ورشا قد أبدل الهمزة الواقعة عينا للكلمة فى هذه الألفاظ الثلاثة فحسب حيث وقعت فى القرآن الكريم.
стр. 39
١ - أما «بئس» فوقعت فى القرآن الكريم فى مواضع كثيرة مقرونة بما فى آخرها، نحو: (بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي)، ومجردة عنها نحو: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ)، وقد تقرن بالفاء، أو الواو، أو اللام فى أولها نحو: (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)، (وَبِئْسَ الْقَرارُ)، (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ).
٢ - وأما «الذئب» فوقعت فى سورة يوسف فى ثلاثة مواضع، الأول: (وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)، الثانى: (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ)، الثالث: (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ).
٣ - وأما بئر فوقعت فى القرآن الكريم فى موضع واحد فى سورة الحج فى قوله تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ).
ومعنى قولى «فاكتف» اكتف بإبدال الهمزة الواقعة عينا للكلمة فى هذه الكلمات فحسب، ولا تبدلها فى غيرها مما وقعت فيه الهمزة عينا للكلمة أيضا، نحو: الرأس، البأس، الرؤيا.
وأما إذا كانت الهمزة لاما للكلمة فلا يبدلها ورش إلا فى كلمة واحدة وهى «النسيء» فى سورة التوبة فى قوله تعالى: (إنما النّسيّ زيادة فى الكفر)، وسيأتى الكلام عليها قريبا إن شاء الله تعالى.
[همزات مبدلة لم تدرج فى قاعدة]
ص- همز لئلّا لأهب قد أبدلا ... له النّسى أبدلا مثقّلا
ومثله رئيا لقالونهم ... ولأهب باليا بخلفه نمى
ش- أبدل ورش همز «لئلا» ياء خالصة، وقد وقعت هذه الكلمة فى القرآن الكريم فى ثلاثة مواضع: الأول فى سورة البقرة فى قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ). الثانى فى سورة النساء فى قوله تعالى (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ). الثالث فى سورة الحديد فى قوله تعالى (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ).
وأبدل همز «لأهب» ياء خالصة مفتوحة فى قوله تعالى فى سورة مريم:
لِأَهَبَ لَكِ، كذلك أبدل همز كلمة «النسيء» ياء خالصة مع إدغام الياء التى قبلها فيها، فينطق بياء مشددة مرفوعة [إنّما النّسيّ زيادة].
стр. 40
ثم بينت أن كلمة «رئيا» مثل كلمة «النسيء» فى سورة التوبة فى قوله تعالى:
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ فى الحكم لقالون وحده فيبدل همزتها ياء ساكنة ويدغمها فى الياء التى بعدها فينطق بياء واحدة مشددة منصوبة [هكذا «ريا»].
وأخيرا أخبرت أن لفظ «لأهب» فى سورة مريم قرئ بالياء المفتوحة لقالون بخلف عنه.
ومعنى «نمى» نسب الخلاف لقالون فى إدغام هذه الكلمة، فله فيها وجهان:
الهمز، والياء.
وفهم من نسبة إبدال همز «لئلا، والنسيء» لورش أن قالون يحقق همزهما؛ كما فهم من نسبة إبدال همز «رئيا» لقالون أن ورشا يحقق همزها.
[همزات يبدلها نافع قولا واحدا]
ص- ونافع يأجوج مأجوج أبدلا ... منسأته مؤصدة مع سألا
ش- لما فرغت من الكلام على ما يختص ورش بإبداله من الهمز وعلى ما يختص قالون بإبداله منه، وعلى ما يشتركان فى إبداله بخلاف عن قالون، ذكرت فى هذا البيت ما اتّفقا على إبداله بلا خلاف عنهما، وهو منحصر فى هذه الكلمات المذكورة فى البيت، فنافع من روايتيه يبدل همزها حيث وقعت فى القرآن الكريم.
وقد وقعت كلمتا «يأجوج ومأجوج» فى سورة الكهف فى قوله تعالى: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وفى سورة الأنبياء فى قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.
ووقعت كلمة «منسأته» فى سورة سبأ فى قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال أهل العلم: إن الهمز المتحرك لا يبدل حرف مد إلا سماعا، وعلى هذا يكون إبدال الهمز المتحرك فى هذه الكلمة سماعيا فقط، فلا يقاس عليه غيره.
ووقعت كلمة «مؤصدة» فى موضعين، الأول فى سورة البلد فى قوله تعالى: