← Фикх шафии

Фикх шафии · id 955

كتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي

المزني

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ملحق بالمقدمات: كتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي ﵀ من مسائل المُزَني ﵁ برواية أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق عنه

стр. 2

رأيت أن أُلحِق بهذه الدراسات كتيِّبًا صغيرًا في حجمه كبيرًا في مضمونه، هو «كتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي ﵀ من مسائل المُزَني ﵁ برواية أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق عنه»، وذلك من باب تمام البرِّ وجمعًا لِمَا وصلنا من نصوص المُزَني. نسخة الكتاب وطبعاته: وهذا الكتاب وصلنا منه نسخة فريدة من المكتبة الظاهرية برقم: (٢٨٩٥) في اثنتي عشرة صورة، نسخة قديمة يشبه خطها خطوط القرن الثالث، وعليها طبع الكتاب عدة طبعات، أجودها حسب اطلاعي طبعة دار الصديق بتحقيق أنور هشام درويش، لكن قيامي بتحقيق «المختصَر» جعلني أرغب في إلحاق هذا الكتاب بمشروعي فيه، فأعدت قراءة المخطوط وتصحيح الكتاب عليه، ونتج منه بعض اختيارات يسيرة في القراءة خالفت بها طبعة دار الصديق، كما أن المطبوع حذف فيه جزء الأشعار من الكتاب مما ألحقه أبو إسحاق الراوي به، وأنا أوردت ما استطعت قراءته منه، كما زدت على الكتاب فصلًا ألحقت به فيه نصَّين مطوَّلين عن المُزَني في مشروعية النظر وحظر التقليد. ويجب ملاحظة أن النسخة ليس لها نظام موحد تتبعه في الإملاء، وكثير منه مخالف للمعهود، ومخالف أحيانا للفصيح من الإعراب، وبما أنه لم يكن لدي نسخة أخرى غير هذه أعتمد عليها في التصحيح .. رأيت الحفاظ على ما في المخطوط من طرق الإملاء والإعراب، ولن يعسر على اللبيب معرفة ذلك والرجوع به إلى وجهه بأدنى تأمل إن شاء الله.

стр. 3

راوي الكتاب: وقد ذكر في طرة الكتاب أنه «من مسائل المُزَني ﵁ برواية أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق»، لم يميز الراوي بأكثر من ذلك، ويمكن أن يكون أبو إسحاق الحربي، ولد سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، ومات سنة خمس وثمانين ومائتين، وقد ورد في آخر الكتاب روايته بعض الشعر عن أبي إسحاق الوراق، وهو إسماعيل بن أبان (ت ٢١٦ هـ). نسبة الكتاب: تبقى قضية نسبة الكتاب، ويظهر في طرة الكتاب ورود أسماء ثلاثة: الشافعي ﵀، والمُزَني ﵁، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق، والسؤال: مَنْ صاحب الكتاب ومؤلِّفه؟ فأقول: نُسِب الكتاب في جميع نشراته إلى المُزَني، بيَّن فيه مذهب الشافعي في معنى الأمر والنهي، لكن بعضهم اعترض على ذلك واعتبره من كتب الشافعي الأصولية صحيح النسبة له يرويه عنه تلميذه المُزَني، قال: «ولكن للأسف الشديد طُبع هذا الكتاب من زمن بعيد، طبعه مستشرق ونَسَبَه للمُزَني، وتابعه مَنْ طبع الكتاب من العرب، ودليلهم ما جاء في المخطوط من نسبته للمُزَني»، قال: «لكن شيخ المذهب وحافظ كتب الإمام الشافعي: الإمام البَيْهَقي في كتابه (مناقب الشافعي) نَسَبَ الكتاب للشافعي نسبةً محقَّقة، وكرَّر هذه النسبة مرات، بل إنه لَمَّا عقد فصلًا في كتب الشافعي الأصولية عدَّده مع كتبه التي لا يختلف عليها أنها للشافعي»، ثم ذكر بعض نصوص البَيْهَقي في نسبة «كتاب صفة الأمر والنهي» للشافعي، وقال: «وهذا التصريح من الإمام البَيْهَقي يقطع كل خلاف ويصحِّح نسبة الكتاب للإمام الشافعي»، قال: «وهو ما لم يقف عليه الطابعون للكتاب».

стр. 4

هذه خلاصة دعواه، وردَّ عليه الباحث الفاضل مشاري الشثري فقال: قد جانبَ الشيخُ الصوابَ فيما ذكره، وكلام البَيْهَقي لا يعني أن ذلك الكتاب المعيَّن هو الكتاب المقصود، فكيف إذا ثبت أنه كتابٌ آخر، فالكتاب الذي يَعنيه البَيْهَقي ليس هو هذا الكتابَ المنسوبَ للمُزَني. قال: فإن كتاب «صفة الأمر والنهي» للشافعي موجودٌ محفوظٌ في كتاب «الأم» (١)، وهذا الكتاب يَبتدِئ بقول الشافعي: «أخبرنا ابن عيينة»، وفي ضمن هذا الكتاب عنوانٌ متفرِّع عنه باسم: «صفة نهي رسول الله ﷺ »، والذي صرف الأنظار عن هذا الكتاب بهذا الاسم الظنُّ بأن هذا الكتاب من جملة كتاب «جماع العلم»، فقد جعله الشيخ رفعت - محقِّق طبعة الوفاء - من جملة كتاب «جماع العلم»، وقبله الشيخ شاكر الذي أفرد «جماع العلم» بالنشر ألحقَ هذا الكتاب به، ثم إنه ذكر (ص: ٨) احتمالًا بأن هذا العنوان: «صفة نهي رسول الله ﷺ » كتابٌ مستقل، وأنه مُراد مَنْ ترجم للشافعي وذكر في ضمن كتبه كتاب «صفة الأمر والنهي»، والاحتمال الذي ذكره الشيخ شاكر صحيح، غير أنه غفل عن أن الكتاب المراد لا يبتدئ بهذا العنوان، بل يبتدئ قبل ذلك، وهذا العنوان إنما هو عنوان لبابٍ منه، والصواب أن كتاب «صفة الأمر والنهي» يشمل ما في (٩: ٤٦ - ٥٥) من ط الوفاء، ويبتدئ بقول الشافعي: «أخبرنا ابن عيينة» وينتهي بقوله: «وإنما قلت يكون فيها عاصيًا إذا قامت الحجة على الرجل بأنه كان علم أن النبي ﷺ ». قال: ثم إني أزيدُ على ذلك أمرًا، وأقول بأن كتاب «جماع العلم» لا ينتهي عند كتاب «صفة الأمر والنهي»، بل ينتهي قبل ذلك، تحديدًا عند _________ (١) وهو يقع في (٩: ٤٦ - ٥٥) من ط الوفاء.

стр. 5

قوله: «إذا كان موجودًا في أفعالهم الاختلاف» (٩: ٤٢)، والعنوان الذي بعده «بيان فرض الله ﵎» كتابٌ مستقلٌّ وليس بابًا منه، وقد ذكره من ترجم للشافعي كالبَيْهَقي في «المناقب» (١: ٢٤٦)، ثم يأتي بعده كتاب «صفة الأمر والنهي» بالوصف الذي قدمته، فتحصَّل بذلك أن المطبوع باسم «جماع العلم» هو في حقيقة الأمر ثلاثة كتب: الأول: «جماع العلم» (١). الثاني: «بيان فرائض الله ﵎» (٢). الثالث: «صفة الأمر والنهي» (٣). وبرهان ذلك أن كلًّا من هذه الكتاب الثلاثة يعالج موضوعًا مستقلًّا، وأقوى منه أن ذلك جاء في مخطوطة حسنة من «الأم»، وهي المحفوظة في مكتبة مراد ملا، فقد جاء كلُّ واحدٍ من هذه الكتب بعنوان مستقل مصدَّرًا بفاتحة مستقلة، ففي (٦: ١٢٧ ب): «جماع العلم. بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي». وفي (٦: ١٣٧ ب): « … إذا كان موجودًا في أفعالهم الاختلاف. تم الكتاب. يليه في الجزء الثامن بيان فرض الله ﵎»، ثم في (٦: ١٣٩ أ): «بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي. بيان فرض الله ﵎»، وفي (٦: ١٤٠ أ): «بسم الله الرحمن الرحيم. وهو حسبي. صفة الأمر والنهي»، وقد كتب الناسخ هذا العنوان مرةً أخرى في هامش المخطوط للدلالة على أنه بداية كتاب مستقل، وكلٌّ من هذه العناوين مميَّزٌ باللون الأحمر. _________ (١) وهو يقع في (٩: ٥ - ٤٢) ط الوفاء. (٢) وهو يقع في (٩: ٤٢ - ٤٦) منتهيًا بقول الشافعي: «ثم أدَّى الفرض». (٣) وهو يقع في (٩: ٤٦ - ٥٥).

стр. 6

انتهى المقصود من كلام الباحث مشاري الشثري، وهو شافٍ كافٍ في نفي نسبة الكتاب إلى الشافعي، ومن قرأ الكتاب كاملًا لا يستطيع أن يتوهَّم أصلًا أنه للشافعي، كيف وفيه أسولة سُئِل عنها المُزَني فأجاب فيها، فكيف يقال بأنه للشافعي. لكن يبقى إثبات نسبة الكتاب إلى المُزَني، وقد ذكرت توارد ناشري الكتاب على هذه النسبة، لكن يرد عليه إشكالات: أحدها - تكرر قوله: «سئل المُزَني عن … » في غالب مسائل الباب، وهذا دليل على أن الكتاب من تعليق الراوي له عن المُزَني، ويدل ذلك على أن الكتاب ليس من الكتب التي كتبها المُزَني بنفسه. وثانيها - ورود زيادات في آخر الكتاب من الشعر والحكمة، وهي من راوي الكتاب أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق يرويها عن أبي إسحاق إسماعيل بن أبان الوراق (ت ٢١٦ هـ)، لكن يقال: بأنه ألحق هذه الزيادات بعد تمام الكتاب. وثالثها - عبارة: «من مسائل المُزَني ﵁» الواردة في طرة الكتاب، وهي العمدة في نسبة الكتاب إلى المُزَني، لكنها مع دلالتها على أصل النسبة تدل كذلك على أن الكتاب جزء من كتاب آخر للمُزَني، ويؤيِّده عدم ورود ذكر لكتاب باسم «الأمر والنهي على معنى الشافعي» ضمن ثبت مؤلفات المُزَني. وخلاصة القول: الكتاب من تقييد راويه أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق عن بعض كتب المُزَني، ويحتمل أن يكون من كتاب «المسائل المعتبرة» أو «المنثور»، ولا ينكر نسبة المادة المعروضة في الكتاب إلى المُزَني، فهي إن شاء الله له، ونفس المُزَني ظاهر فيه، فقد اختصر مباحث كثيرة من كتاب «الرسالة» للشافعي، وفيه أساليب عُرف بها المُزَني واستفادها

стр. 7

من الشافعي، منها - نبذ التقليد، فقد ذكر معاني العموم والخصوص والأمر والنهي ثم قال: «وهذا نحوُ مذهب الشافعي، فتفهَّمه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه»، ومنها - التردُّد في المسألة وعدم الجزم حيث لا جزم في الدلالة، حيث ذكر بعض مسائل النفقات ثم قال: «فهذا الذي حضرني، وما أقنعني ذلك كما أشتهي»، ومنها - الاستخارة من الله حيث الشك في المسألة، حيث ذكر بعض مسائل الطلاق فقال: «وأنا أستخير الله في ذلك، والقياس عندي على ما وصفت».

стр. 8

كتاب الأمر والنهي على معنى الشافعي ﵀ من مسائل المزني ﵁ برواية أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق عنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) سئل المزني ﵀ عن مخرج جملة الأمر والنهي على مذهب الشافعي، فقال: مذهب الشافعي عندي وبالله التوفيق: أن الأمرَ والنهيَ من الله ومن رسوله صلى الله عليه على العمومِ والظاهرِ والحتمِ، إلا أن يأتيَ في سياق الخبر أو في غيره ما يدل على أنه أريد به الخصوصُ أو باطنٌ أو إرشادٌ أو إباحةٌ أو دلالةٌ، فيَلزَم قَبولُ الدليلُ، فإذا أمر الله أو رسوله صلى الله عليه بأمر وسَمّاه .. فما لزمه اسمُه لزمه حكمُه على العمومِ والحتْمِ؛ لأن الله ﵎ أو رسوله صلى الله عليه لو لم يُرِد العمومَ وأراد غيرَه لأبانه، فلما لم يُبِنْه علِمْنا أنه لم يُرِد ما لم يُبَيِّن؛ كما لم يَأمُر إلا بما بَيَّن؛ لأنه لا يُكَلِّف عِلمَ الغيوب، قال الله : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم: ٤]، وقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥]، وقال: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: ٣٦]، فمَن ادَّعَى فيما أطلَقه القرآنُ أو السنةُ - بَيِّنٌ معناه في اللغةِ - أنَّه أرِيد معنًى دون معنًى .. قيل له: قولك

стр. 9

«إنه أريد به» غيْبٌ، والغيبُ لا يوصَل إليه إلّا بخبرٍ، والمدعي لذلك بغير حق منفرد، ولا يقبل مِنْ مدعٍى إلا ببينة، ولا تُزال حجة بغير حجة. (٢) هذا جواب مسألة يَستدِل بها من نظر، ويحتاج إلى شرحها من لم ينظر، وقد وصفت لك من كل وجه يسيرًا يدلُّ على كثير إن شاء الله. (٣) فمِن عموم الأمر من القرآن: قول الله ﵎: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]، قال: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) [النساء: ٤]، وقال: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم) الآية [النساء: ٦]. (٤) ومِن عموم النهي من القرآن: قال الله : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: ٣٣]، وقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (١) [الإسراء: ٣٢]، وقال: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) (٢) [آل عمران: ١٣٠]. (٥) ومِن عموم الأمر من السنة: قال رسول الله صلى الله عليه: «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليصليها [كذا] إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]»، وأمَر صلى الله عليه المستحاضة بالغسل لانقضاء الحيض، وبالصلاة في أيام الاستحاضة، وأمَر النبيُّ الذي خُيِّل إليه الشيْءُ في الصلاةِ ألا ينصَرِف حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا.

стр. 10

(٦) ومِن عموم النهي من السنة: نَهْيُ النبيّ ﵇ عن الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مِثلًا بمثل، سواءً بسواء، عينًا بعينٍ، ونَهَى ﵇ عن بيع الطعام حتى يُستوفَى، ونَهَى عن الدَّيْن بالدَّيْن. (٧) ومِن العموم الذي دل القرآن على أنه أريد به الخصوص: قال الله في المشركين: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: ٣٩]، فلو لم يقل غير هذا كان على العموم، فلما أمر بقتال المشركين من أهل الكتاب حتى يُعطُوا الجزية .. دل ذلك على الخصوص، وعلى أن أهلَ الشرك صنفان: أهل كتاب، وأهل أوثان، فجمَعهما الكفرُ والأمْرُ بقتالهم بمعنًى واحدٍ، وفُرِّق بينهما في إعطاء الجزية، فقُبِلَت مِنْ الكتابيِّ وحَرُم قتالُه، ولم تُقبَل من الوثني فحرم تركُه. (٨) وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]، ولو لم يقل غير هذا جُلِد مائةً كلُّ حُرٍّ وعبدٍ، فلما قال في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] دلّ ذلك على الخصوص، فجَمَع العبدَ والحرَّ الزنا بمعنًى واحدٍ، وفُرِّق بينهما في أن جُعِل المائةُ على الحرِّ البكر، والنصفُ على العبدِ. (٩) وقال : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣]، فلو لم يقل غير هذا حلَّتْ كلُّ مؤمِنةٍ ومشرِكةٍ، فلما قال: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) [البقرة: ٢٢١] دلّ ذلك على الخصوص، ثُمّ لو لم يقل غير هذا ما حلَّتْ مشرِكةٌ كتابيَّةٌ ولا وثنِيَّةٌ، فلما قال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥] دلّ على أن التحريم على غير أهل الكتاب.

стр. 11

(١٠) ومن العموم من السنة التي دلت على أنه أريد به خاص: قال رسول الله صلى الله عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالغرب نصف العشر»، فلو لم يقل غير هذا كانت الزكاة في المد وأقل، فلما قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» دل على أنه أراد به الخاص، وهو ما بلغ خمسةَ أوسق فصاعدًا. (١١) وقال ﵇: «الجار أحق بسَقَبِ جاره»، فلو لم يقل إلا هذا كان لكل جار شفعة، فلما قال: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» دلّ على أنه أراد الخاص، وهو الجار المُخالِط المُشايِع، دون المُقاسِم. (١٢) ونَهَى عن بيع التمر بالرطب، ولو لم يقل غير هذا لم يجز بيع تمر برطب أبدًا، فلما أرخص في بيع العرايا - وهو تمر برطب - دلّ على أنه أراد بالتحريم: ما سوى العرايا. (١٣) ومن العموم من القرآن التي دلت السنة على أنه أريد به الخاص: قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦]، فلو لم يقل غيرَ هذا، كان على العباد كلما قام رجل إلى الصلاة أن يتوضأ، على وضوءٍ كان أو على غير وضوء، فلما صلى رسول الله صلواتٍ بوضوء واحدٍ، دلّ ذلك على أنه أراد مِنْ القائمين إلى الصلاة مَنْ ليس على وضوء، ولمَّا مَسح على الخُفَّين دلّ على أنه أراد مِنْ القائمين إلى الصلاةِ مَنْ لا خفَّين عليه. (١٤) وقال : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) [المائدة: ٣٨]، فلو لم يقل غير هذا قُطِع مَنْ لزمه اسم سرقةٍ، فلمّا قال النبي ﵇: «القطع في ربع دينار فصاعدًا» دلّ على أن الله أراد بعض السُّرّاق دون بعض.

стр. 12

(١٥) وقال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]، فلو لم يقل غير هذا ثُمّ نَكَحت غيره ثُمّ طلقها قبل أن يصيبها حلَّتْ للأوّل، فلمّا قال رسول الله صلى الله عليه لامرأة رفاعة وطلقها ثلاثًا وتزوجت: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلتَه ويذوق عُسَيْلتَكِ» دلّ على أنه أراد: الزوجَ المصِيبَ، دون الزوجِ الذي لم يُصِب. (١٦) ومن الأمر الذي أطلقه القرآن يدل تبيينه أنه مباح: ولمّا كان الانتشار والابتغاء من فضل الله مباحَينِ يمنع منهما بقوله: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة: ٩]، وقال: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]، فأعلَمَ منعَهم مِنْ المباح ما ألزمهم مِنْ إتيان الجمعة، ولأن لا يتركوا رسول الله قائمًا فيما عليهم مِنْ فرض الصلاةِ، ولما قال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: ١٠] كان معناه إباحتهما كما كانا، لا أن فرضًا عليهم ذلك. (١٧) ومن ذلك أن الصيد لمّا كان مباحًا بقول الله : (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]، وقال: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) [المائدة: ٩٤]، فلمّا قال : (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ٩٥]، ثُمّ قال: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢] كان معناه أن ردهم إلى المباح كما كان أولًا، لا أنّ ذلك فرضًا [كذا] عليهم. (١٨) ومن ذلك أن مباحًا للرجل أن يأكل من ماله ويترك، فلما أصدقه امرأتَه قال الله : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) (١) [البقرة: ٢٢٩]، وقال: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) [النساء: ٢١]،

стр. 13

فأعلَمَ أنْ [مَنَعَه (١) منه مِلْكُها عليه إلا أن تَطِيبَ به نفْسًا، فلمّا قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤] فإذا طابت به نفسًا ارتفع التحريم بارتفاع المنع وصار إلى المباح كما كان أولً، لا أن فرضًا ذلك عليهم؛ كما ارتفع تحريم الانتشار والابتغاء من فضل الله بانقضاء الصلاة، وكما ارتفع تحريم الصيد بارتفاع الإحرام، ورجع المعنى في ذلك كله إلى المباح كما كان أولً، لا أن فرضًا أن ينتشروا، ولا أن يبتغوا من فضل الله، ولا أن يصيدوا، ولا أن يأكلوا، ونظيره: (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]، و (كُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]، لا فرضٌ أن يأكله، فتفَهَّمْه ولا تقلِّد من وضعَه. النهي المحرِّمُ مِنْ السنن (١٩) سئل المزني عن بعض سنن رسول الله صلى الله عليه المحرِّمة، فقال: من ذلك نهيه عن بيع الغَرَر، وعن بيع السنين، وعن الدَّيْن بالدَّيْن، وعن المحاقَلة والمزابَنة والمنابَذة، وعن حَبَل الحَبَلة، وعن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع الثمار حتى يبدوَ صلاحها، وعن نكاح المتعة، وعن الشغار، وما كان في معنى هذا. النهي على معنى الاختيار (٢٠) سئل المزني عن ذلك، فقال: نهيه عن القران بين التمرتين، والتمرُ مِلْكٌ للآكل، فمخرج ذلك عندنا على أدب الأكل، ونهيه صلى الله عليه عن كشف التمرة عما في جوفها، فيشبه عندي أن يكون ذلك لئلا يجد في جوفها ما يستقذرها به، ويظن ذلك بغيرها ولا تطب [كذا] نفسه بأكلها،

стр. 14

أو لا يقنع بما أنعم الله عليه منها فيأكلها حين يبلغ ذلك منها، ونهيه عن التعريس على قارعة الطريق، فمعناه عندي على حسن النظر للبائت، وفي قوله: «فإنها مأوى الحيات» دليل على أن ذلك خوف عليهم مِنْ إذائهم [كذا]؛ لشفقته ورأفته عليهم ﵇، لا تحريمًا للتعريس على الطريق، ومن ذلك: نهيه عن أن يأكل من فوق رأس الثريد، وقوله: «فإن البركة تنزل من فوق» دليل على أنه أراد استدامة البركة للأكل، لا تحريمًا لأكله من فوق، وقوله صلى الله عليه: «سَمِّ الله وكلْ ممّا يليك» على حسن الأدب وجميل المؤاكلة. (٢١) ومن نهيه على [كذا] الأفعال في الملك على التحريم: من ذلك أنه صلى الله عليه قال: «الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم»، فقد تكون الفضة ملكً للشارب فيها، وقد فرض الله في الفضة الزكاة، ولبس النبي ﵇ خاتم فضة، وتحلَّى منها نساء المؤمنين، والفضة حِلٌّ، والفعل فيها كما نهى النبي ﵇ حرام، ونهى عن لبس الحرير، وهو ملك للمؤمنين وحلال لنسائهم، فتحريمه وتحريم الذهب على الرجال من جهة الزّين حرام؛ كما يحرم الشرب في آنية الفضة من جهة السَّرَف، والخيلاء حرام، ونهيه عن اشتمال الصَّمّاء، وأن يَحْتَبِيَ الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، والثوب قد يكون ملك المشتمِل والمحتبِي، فملكُه حلال، وفعلُه به حرامٌ لِعلّة كشف العورة، كالفعلِ الحرامِ في شراب آنية الفضة ولبس الحرير كما وصفت، وهذا نحوُ مذهب الشافعي، فتَفَهَّمْه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه، وبالله التوفيق.

стр. 15

[مسائل في الحديث (١)] (٢٢) وسئل المزني عن قول النبي صلى الله عليه: «من قطع سِدْرةً صوَّبَ الله رأسه في النار»، فقال: إن ثبت أن النبي قاله فيُشْبِه أن يكون سُئل مَنْ هجَم على قطع سدرةٍ للرجل أو ليتيم أو لمن حرّم الله عليه أن يقطعها عليه، فتحامل عليها وقطعها بعد نهي الله أو نهي رسوله صلى الله عليه أو بدلالة، فيستحق ما قال بهجومه على خلاف الله أو رسوله، فتكون المسألة سبقت السامع للجواب، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة، فأدى ما سمع دون ما لم يسمع، نظير ما روى أسامة أن رسول الله قال: «إنما الربا في النسيئة»، فيحتمل مخرج ذلك أن يكون رسول الله سئل: هل في الذهب بالذهب مِثلًا بمثل ربا؟ فقال: «إنما الربا في النسيئة»، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل، يدًا بيد». والدليل على قطع السِّدرة عندي وبالله التوفيق: أن المرء أحق بماله، وأنه جائز له أن يجعل جِنانَه دارً يسكنها، فيقطع ما فيها من الشجر، السدر وغيره، ولمّا لم أرى أحدًا يمتنع مِنْ ورق السدرة - والورق من الشجر بعضها كالغصن فيها - وقد سوى رسول الله فيما حرم قطعه بينه وبين عَضْده بقوله في شجر مكة: «لا يُعْضَد شجرُها» فكأن العَضْد في معناه القطع في النهي، وقد أجاز النبي أن يغسل بالسدر دليل على أنه لو كان قَطْعُه من شجره حرامً [كذا] ما أجاز الانتفاع بما يحرم قطعه، وفي ذلك دليل على إباحته، ولو جاز ألا أفارق لفظ الحديث بلا دلالة من حديث غيره ولا إجماع ولا ما نقلته خاصة العلماء، فالقبول ألزم من طرح الاستدلال.

стр. 16

(٢٣) وقد قال رسول الله: «أنت ومالُكَ لأبيك»، فلو لم يستدل بتأويل كان له بيع ابنه كما يبيع عبده ومال عبده، ولا يحل لابنه وطء جوار (١) نفسه لأن الفرج لغيره، ومتى مات ورث الجد بقدر مورثه من مال الابن الحي، ولبطل بيع الابن وشراه إلا بإذن أبيه، وإذا مات الابن لم يرثه ابنه ولا زوجته ولا ولده؛ لأنه لا مال له وإنما هو لأبيه، ونحو هذا كثير، فتأويل «أنت ومالك لأبيك» عندي وبالله التوفيق: أن ألزَمَه ﵇ من بِرِّه بأبيه أن لا يمتنع مما أراد أبوه من نفسه وماله، إلا أن يسأل شططًا أو مُحَرَّمًا، فلا يكون ذلك من البِرِّ الذي يلزمه، لا (٢) أنَّ مخرَجَه أنه وماله ملك لأبيه. (٢٤) ونظير ذلك أيضًا: ما نهى عنه صلى الله عليه عن بيع الماء؛ لأنه لا خلاف عندنا أن بيع ما حوته آنية الرجل حلالًا [كذا]، فكان مخرجه عندنا نهيً خاصًّ، وهو غير بيع الماء في مكانه الذي خُلِق فيه؛ كقوله: «لا يمنع أحدكم فضل الماء ليَمنع به»، فأباح ذلك لمن يَرْعى في الكلأ، ونهى أن يمنع فضل الماء؛ لأن في منْعِه منعَ إقامة الماشية على الكلأ؛ لأنه لا قوام لها إلا بالماء، فأما مَنْ اسْتَقَى بدلوه، أو أخذها بقُلَّتِه، فقد صار هذا بعينه مِلْكًا له، يبيعه ويورَثُ عنه. (٢٥) ومنها: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه نهى في الصلاة عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوطِّنَ الرجلُ المقام كإيطانِ البعير. قال المزني: مخرج هذا النهي عندي وبالله التوفيق على وجهين: أحدهما - أن لا يحتظر الموضع بالإيطان، فيمتنع غيره منه، فيصير كالمالك، وأما المسجد وكل موضع منه لمن سبق إليه، فلا يختص به في

стр. 17

منع غيره، والوجه الآخر - أن يرى إيطانه أعظمَ لأجره، فنال الثواب بالإيطان. والحجة في ذلك: أن كل موضع في المسجد نظير مِثْلِه، وأن الناس فيه شَرَعٌ، ولولا ذلك كما وصفت إن شاء الله لما جاز للرجل أن يصلي مرارًا متوالية في مكان واحد في المسجد ليس فيه غيره، ولا من يؤذيه بالصلاة فيه، ولَمَا جاز أن يجعل الرجل في منزله قبلة يوطن الصلاة فيها، وفي ذلك دليل على ما قلنا، وبالله التوفيق. (٢٦) ومنها: أن مَخْلَد بن خُفَاف قال: إن عبدًا كان بين شركاء فباعوه ورجلٌ من الشركاء غائبٌ، فلما قدم أبَى أن يجيز، فاختصموا في ذلك إلى هشام بن إسماعيل، فقضى أن يرد العبد ويتبعه القوم فيؤخذ منه الخراج، فوجد الخراج فيما مضى من السنين ألف درهم، قال: فبيع غلامان لي، قال: فجئت عروة بن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله قال: «الخراج بالضمان»، قال: فدخل عروة على هشام فحدثه ذلك، فرَدّ بيع الغلامين ورَدّ الخراج. قال المزني: وروى الشافعي أن مخلد بن خفاف ذكر لعروة في عبد ابتاعه فأصاب به عيبًا فقُضِي عليه برَدِّه ورَدِّ غلته، فقال عروة: قضى رسول الله في مثل هذا أن الخراج بالضمان، وهو الذي روى الحديث عن عائشة، وفيه زيادة قوله: «في مثل هذا»، وهو البيع الحلال الذي مَلَكَه المشترِي فحدثت الغَلَّة في مِلْك المشتري عما اشترى، لم يكن ذلك في ملك البائع قط، فلما أصاب به عيبًا رده لأنه المشتَرَى، ولم يرد غلتَه لأنها لم تُشْتَرَا [كذا]، وملكه كان حِلًّا، فما اكتسب ملكُه الحلَّ كان مثله حلًّا، ومن ذلك يشتري غصبًا أو غصب رجل عبدًا أو اشترى شراءً فاسدً، فلم يَمْلِك شيئًا من ذلك، فيَمْلِكَ غلته، فعليه رَدُّه ورَدُّ غلَّتِه؛ لأنه في ملك غيره.

стр. 18

وكذلك ما اكتسب فرع لملك غيره، فنظير ما ملكْتُ مِنْ حلٍّ أو اكتسَبْتُه أحِلَّ، ولا يطيب ما كان مِلْكُه لغيري حِلٌّ وعليَّ حرامٌ [كذا]، ومن زاد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه معناه فهو مثْبِتٌ، ومَن لم يأتِ به فليس بحجة على مَنْ أتى به؛ كما روى بلال عن رسول الله في البيت وكان معه أسامة وعثمان بن طلحة، وقال غيره: «لم يفعل»، وكما روى ابن عمر وغيره أن النبي كان يرفع إذا كبر للافتتاح وإذا رفع رأسه من الركوع، وروى ابن مسعود أنه كان يرفع في أول مرة ثم لا يعود، فكان مَنْ يُثْبِت شاهدً، ومَن لم يُثْبِت غيرَ شاهدٍ، كان مغفَّلً، ألا ترى لو أن رجلين شهدا على رجل أنه قال: «امرأتي طالق ثلاثًا»، وشهد آخران معهما بما شهدا به عليه، وزادا في شهادتهما بأنه وصل: «إن دخلت الدار» .. أنه لا طلاق عليه؛ لزيادة الشاهدين ما زاد من الخبر في شهادتهما، ولا معنى للذَيْن قطعا بالطلاق، ولسقوط علم ما أثبته غيرهما، فكذلك قلنا في الخبر: من زاد معنى عن رسول الله صلى الله عليه كان شاهدً، ومن لم يُثْبِتْه لم يكن له في ذلك معنى. (٢٧) ومنها: ما روي عن عامر الشعبي، قال: عن جابر بن عبدالله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، قال: فلحقني رسول الله فضربه، وقال: «سِرْ»، فسار سيرًا لم يكن يسير مثله، ثم قال: «بعنيه بأوقية»، فبعته منه بأوقية واستثنيت حُملانه إلى أهلي، فلما بلغت أهلي أتيته بالجمل، فنَقَد ثمنه، فرجعت، فأرسلَ على إثْرِي، فقال: «أترى إنما ماكَسْتُك لآخذَ جملك، خذ جملك ودراهمك فهما لك»، والمُطَّلِب بن حَنْطَبٍ عن جابر بن عبدالله، قال: اشترى رسول الله مني بعيرًا وأَفْقَرني ظهره إلى المدينة.

стр. 19

قال المزني: يحتمل هذا وجوهًا: منها - أن يكون هذا كان جائزًا قبل أن يقول ﵇ في اشتراط سادة بريرة على عائشة بأن الولاء لهم: «ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل»، ومعنى من أعتق .. أن له الولاءَ، ومعنى من ملك بعيرًا .. أن له الظهرَ، فيكون ما قال جابر منسوخًا، ويكون ما أبان رسول الله من فساد الشرط ناسخًا، ومنها - أن يكون وعد جابرً على غير عقدٍ، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، ومنها - أن لا يكون وعد، وكان الشِّرى مطلقًا، ولا وعد قبل ذلك، فلما اشترى رسول الله تفضل بظهره على جابر، ولا أعلم خلافًا بين المسلمين أن مَنْ ملَكَ بعيرًا أن له ركوبَه وبيعَه وإكراءَه، وأنه لا يجوز أن يشترط مَنْعَه مما له في عُقْدة الشِّرى، وفي ذلك دليل على أحد الوجوه التي وصفنا، وبالله التوفيق. (٢٨) ومنها: ما روي عن جابر، قال: كان لنا فضول أرض، فقال لنا رسول الله: «من كان له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، أو ليدع». قال المزني: يحتمل ما احتمل حديث أسامة عن النبي صلى الله عليه: «إنما الربا في النسيئة»، سُبق بالمسألة وسَمِع الجواب، فقد يحتمل أن يكون النبي سُئل عن المخابرة التي كانوا يفعلونها، فقال النبي: «من كان له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، أو ليدع»، يقول النبي: تَرْكُها خير من أن يخابرها؛ لأن المخابرة إكْرَى الأرض عندنا ببعض ما يخرج منها، فيكون كراءً فاسدً وغررًا مجهولًا، فنهى النبي عن ذلك، والدليل على ذلك: أن رافعًا روى أن النبي صلى الله عليه نهى عن إكراء الأرض، قيل له: أبالذهب والورق؟ فقال: لا، وهذا جواب عن رسول الله صلى الله عليه، وقد أجاز العلماء كِرَى الدور، والأرضين [كذا] مثلها في القياس.

стр. 20

(٢٩) ومنها: ما روي عن عبدالله بن الديلمي، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه برأس الأسود العَنْسي الكذاب، فقلنا: يرسول الله، قد علمت مَنْ نحن؟ ومِن أين نحن؟ فإلى مَنْ نحن؟ قال: «إلى الله وإلى رسوله»، فقلنا: يرسول الله، إن لنا أعنابًا فما نصنع بها؟ قال: «زبِّبُوها»، قلنا: فما نصنع بالزبيب؟ قال: «انبذوه على غدائكم، واشربوا على عشائكم، وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم، وانبذوا في الشِّنان، ولا تنبذوا في القِلال؛ فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًّا». قال المزني: ليس في قوله: «انبذوا على غدائكم واشربوه على عشائكم، وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم» إيجاب تحريم شربه بعد ذلك وهو حلو لأنه يسكر، ولو كان إنما هو على صفة ما وصف في اللفظة، ويحرم ما خرج من اللفظة، لحرم أن نشربه على غداء ولا عشاء، ولا يحل أبدًا إلا على غداء أو عشاء، فلما كان حلًّا على غير غداء وعشاء دلّ على أنه لم يحرم ما خرج من الصفة، ولمّا كان تحريم النبي صلى الله عليه النبيذ إذا أسكر كثيره كانت علة تحريمه إسكار. وقد يجوز أن يكون قرب ما وصف من نبيذ شربه على الغداء والعشاء يجوز من أن يمهل ذلك إلى الشدة، فيدخل في حد التحريم، فاحتاط بما لا إشكال فيه أنه لا يتغير عن حله لقرب الوقت من صنعه، وبالله التوفيق. (٣٠) ومنها: ما روي عن رافع بن خَديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «أفطر الحاجم والمحتجم»، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث». قال المزني: يحتمل وجوهًا: منها - أن يكون الحاجم والمحجوم منافقين فأفطرا، فأعلَمَ رسولُ الله أصحابَه بهما بوحي الله جل وعز بإعلامه

стр. 21

ذلك منهما، ويحتمل أن يكونا مؤمنين أكلا بعد الفجر ولم يعلما، فقال رسول الله: «أفطر الحاجم والمحجوم» ليخبر أنهما يقضيا [كذا]، ويحتمل أن يكونا وقعا بالغِيبة في أخيهما، فقال ﵇: «أفطر الحاجم والمحتجم»؛ أي: أكلا لحم أخيهما فنقضا بذلك صومهما، قال الله في كتابه: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) [الحجرات: ١٢]، لا أن الحجامة من الحاجم والمحجوم إفطارًا، وذلك أن الله جل ثناؤه جعل الصيام كفًّا عن المأكل والمشرب والجماع، فقال ﵎: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، وقال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧]، فهذا معنى الصوم، وليس فيما خرج من دبر ولا قبل ولا بدن من خلاء ومذي وودي واحتلام على غير عمد وعرق ودم وغير ذلك من البدن إفطار، ولولا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه: «من ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» لكان سواء، فكان الاستقاء مخصوصًا، ألا ترى أنه إذا دخل حلقَه طعامًا أو شرابًا [كذا] مكرهًا، أو جومعت امرأة مكرهة أن ذلك إفطارا [كذا]؟ فلو كان ما خرج من الحلق مثلَه، لكان إذا ذرعه القيء مكرهًا إفطارًا، فلما لم يكن ذرع القيء إفطارًا كان عمده والإكراه فيه سواء، لولا أن النبي صلى الله عليه جعله في الاستقاء مفطرًا، فصار مخصوصًا، ولا قياس على مخصوص. (٣١) ومنها: ما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 22

قال المزني: مخرجه عندنا وبالله التوفيق أنه لما قال: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أوجب أن لا يقبل عنه إلا الثقة عن الثقة؛ لأن ما قبل عنه فدين يدان به الله جل ثناؤه، وما حدث عن بني إسرائيل فليس عليه في قبول ذلك دين يدين به الله، فليس عليه أن يطلب الثقة في ذلك كما يطلبه في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه، لا أن في ذلك تجويزَ أن يقبل من محدِّثٍ عن بني إسرائيل من يرى حديثه كذبًا؛ لأنه روي أنه من روى حديثًا عن من يراه كاذبًا فهو أحد الكاذِبَيْنِ؛ لأنه لا يجيز الكذب صلى الله عليه عن بني إسرائيل ولا غيرهم، وحذر أن يحدث إلا بالصدق، وأن لا يقبل إلا من الصادقين المعروفين، ولم يجعل هذا الاستقصاء في الحديث عن بني إسرائيل، لا أنه أجاز قَبول حديث الكاذِبِين، ولا أن حَرَّج في ذلك. (٣٢) ومنها: ما روي عن عبدالله بن مسعود، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه سرية، فاعتصم رجل من المشركين بشجرة، فأمر بالشجرة فأحرقت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه، فقال: «إني لم أُبْعَث أن أعَذِّب بعذاب الله، إنما أُمِرت بضرب الأعناق، وشَدِّ الوَثاق». قال المزني: مخرج ما نهى عنه صلى الله عليه وبالله التوفيق: أنه نهى أن يُعَذَّب مَنْ قُدِر عليه بعذاب الله، وليس في ذلك نهي عن المقاتَلَة بالنار، وإنما يُعَذِّب المعذِّب مَنْ قَدَر عليه، فكان في معنى من هو في يديه، وقوله: «إنما بُعِثت بضرب الأعناق، وشد الوَثاق»، ولا يكون ذلك إلا في المقدور عليه، وفي ذلك دليل أنه إنما نَهَى عن حرقه لأنه صار في معنى المقدور عليه، والشجر لا يقع عليها تعذيب، وقد حَرَّق النبي صلى الله عليه أموال بني النضير، وقال لأسامة: «ائتِ يُبْنا ذا صباح ثم حرق»، ولا تألَّمُ إلا ذو روح، ألا ترى أن النبي قال: «من قتل عصفورًا بغير حقها، حوسب بها يوم القيامة»؟ قيل:

стр. 23

يرسول الله، وما حقها؟ قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي به»، فنهى عن تعذيبها، ولا عذاب في غير الحيوان، فبان بذلك أن الذي نهى عن الإحراق في الشجرة إنما هو المحْرَق فيها عن قدرة عليه، وبالله التوفيق. (٣٣) ومنها: ما روي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «البَيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرقا»، وعن عبدالله بن مسعود أنه باع من الأشعث بن قيس جاريةً، فاختلفا في الثمن، فقال عبدالله: اجعل بيني وبينك مَنْ شئت، فقال: أنت بيني وبين نفسك، فقال: فإني أقضي بيني وبينك ما قضى به رسول الله ﷺ : القول قول رب السلعة إذا كانت قائمة بعينها، أو يَتَرادّانِ. قال المزني: كل حديث منها قائم بنفسه وفي غير معنًى. ما جاء حديث ابن عمر عن النبي: المتبايعان متفقان على البيع والثمن، فأثبت النبي الخيار، فأيُّهما شاء منهما نَقَضَ البيعَ ما لم يتفرقا، فإن تفرقا فلا خيار لأحد منهما في نَقْضِ العقدة إلا بعلة سوى العقدة من عيب أو غيره. وحديث ابن مسعود في المتبايعان إذا اختلفا وإن تفرقا، فجعل سلعة البائع لا تخرج من يديه إلا بقوله، ونَهَى المشتري لا يخرج الثمن من ملكه إلا بقوله، فادعى البائع كثيرًا من الثمن ملكه بسلعته، وادعى المشتري ملكها بقليل الثمن، وكل واحد منهما مدعٍى ومدعًى عليه، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه ويبرأ من دعوى صاحبه، ومما يؤكد ذلك قول النبي: «على المدعي البينة، وعلى المدعى عليه اليمين».

стр. 24

(٣٤) ومنها: ما روي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهوِّدانه أو ينَصِّرانه أو يمجِّسانه؛ كما تولد البهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟»، قال معمر: قلت للزهري: لم تحدث بهذا وأنت على غيره؟ قال: نحدث بما سمعنا. قال المزني: مخرج هذا عندي وبالله التوفيق: أن الله لما ادّان العباد بأعمالهم، ووضع التكليف عن صغارهم، أبان أن لا طاعة لهم ولا معصية في أفعالهم، فلما قال النبي: «كل مولود يولد على الفطرة» فلا تخلو الفطرة من إحدى منزلتَيْن: إما أن تكون على الإسلام، فلو كان كذلك لجاز أن يُنصَّر المسلمون ويُهَوَّدوا ويمَجَّسوا، فلما لم يجز أن يُنَصَّر المسلمون ولا تجري هذه اللفظة عليهم، بطل ذلك. والمنزلة الأخرى - أن تكون الفطرة الخِلقة، قال الله : (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام: ١٤]، وقال: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]، ويقول الرجل في البئر: «أنا فطرتها»؛ أي: أحدثتها، وهذا أولى الأمرين بالمولود أنه على الخلقة، لم يبلغ ما يكون بفعله مسلمًا ولا غير مسلم، فجعل رسول الله حكمه حكم أبويه، فصار معنى: «يهوِّدانه» بمعنى: أن حكمه كحكمه؛ كما أن حكم مولود المؤمن كحكمه، فمتى بلغ مولود اليهودي وأقام على اليهودية كفر بفعله، وإن أسلم خرج من دين أبويه بفعله، والدليل على ذلك: أن الصعب بن جَثّامة قال: قلت: يرسول الله، أهل الديار من المشركين يُبَيَّتون فنُصِيب مِنْ ذراريهم؟ فقال: «هم منهم»، يقول: إنهم في معنى آبائهم، أن ليس عليهم فيهم كفارة ولا غرامة؛ كما ليس ذلك في آبائهم، وليس في هذا إباحة قتل الوِلْدان؛

стр. 25

لأن رسول الله نهى عن قتلهم على القدرة، ولم يَنهَ عن قتلهم في البَياتِ بالجهالة، والذي وصفنا من أمر المولود على الفطرة دليل على ما قلنا، وبالله التوفيق، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه قال: «كما تتناتج الإبل على الخلقة ليس فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها»؟ فكذلك المولود على الخلقة لم يَعقِل الكفرَ بعدُ حتى يبلغ فيُحدِثَ الكفرَ، وإنما يسمى يهوديًّا بحكم أبيه؛ كما يسمى مولود المؤمن مؤمنًا بحكم أبيه، وبالله التوفيق. تم الكتاب بعون الله وإحسانه

стр. 26

[مسائل في الفقه (١)] (٣٥) قال المزني: اختلف الناس في ولد الحِمارة الأهلية من الحمار الوحشي، قال المزني: لما أصبته من حلال وحرام منعت من أكله لعلةِ مشارَكة الحرام له، وكذلك ولد الظبية من التيس يقتلها المحرِمُ، وولد الإوز من الرَّخَم، وما أشبه ذلك، فتفَهَّموه. (٣٦) مسألة: رجل اشترى من رجل جارية، فمنع الجاريةَ حتى يُقْبِضَه الثمنَ، فعدا عليها المشتري وهي في يدي البائع فوَطِئها، فحملت ثم ماتت في يدي البائع، قال المزني: يسقط الثمن عن المشتري، ولا يرجع عليه البائع في الوطء بشيء إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا فما نقص من ثمنها سقط عن البائع، ويرد باقي الثمن. (٣٧) مسألة: قال المزني: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا أو جارية، فحدث به عيب عنده، وأصاب به عيبً آخر قديمًا .. فإن المشتريَ بالخيار، إن شاء أن يردها وما نقصها، وإن شاء حبسها وأخذ منه العيب، وقال الكوفي: لا سبيل له إلى الرد، وله قيمة العيب، وقاله الشافعي، قال المزني: القياس عندي ألا يردها، من قِبل إجماعهم أن البائع إذا علم بالعيب عنده لم يكن له أن يدفعها وما نقصها، كذلك أيضًا ليس للمشتري أن يردها وما نقصها. (٣٨) قال: وسألت المزني عن رجل وكَّل رجلًا ببيع جارية له، فلقيه الوكيل، فقال: قد بعت الجارية، ولم يكن باعها، ثم إنه باعها بعد ذلك؟ فقال: البيع جائز؛ لأن الوكالة بعدُ قائمة لم تفسخ، قيل: أليس حين قال:

стр. 27

«بعت الجارية» فقد أخبره بانقضاء الوكالة في البيع، وإنما هو الآن وكيل في قبض الثمن في خبره؟ قال: بلى، قيل: فلم لا كان البيع باطلًا بإقراره بذلك؟ قال: من قِبَل أن إقراره باطل، وهو على ما عقد له من الوكالة حتى يُحدِثَ الموكِّل فسخًا؛ كما لو ضمنا الوكالة فأقر كل واحد منهما أنه ليس وكيلً لصاحبه على النسيان، ثم ذكر الوكيل الوكالة، أن بيعه جائز، قال المزني: أشبه الأمرين أن قوله كذب، والبيع جائز. (٣٩) قال: قيل للمزني: ما تقول في السَّلَم في الرؤوس والبَيْض؟ فقال: جائز إذا قال: رؤوس كباش أو غنم، وبيض دجاج أو إوز، فقيل: وإن كان ذلك مختلِفَ القدر؟ قال: وإن كان ذلك مختلفَ القدر، قياسًا على ما أجمعوا عليه من اختلاف جودة القمح، وأني إذا أسلمت في قمح جيد أن ذلك جائز، وليس على المسلَم إلا ما يقع عليه اسم «جيد» وإن اختلف ذلك، فكذلك ما يقع عليه اسم «بيض» و «رؤوس». (٤٠) مسألة ملك الأخ أخاه: قال المزني: سألني سائل عما احتج به الشافعي في ملك الأخ أخاه، فأقرب ما حضرني في وقت كتابي هذا: أنه لا خلاف أن الله ﵎ فرض للولد على المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وكذلك لا خلاف (١) أن على الابن الموسر فرضَ النفقة على أبيه الزمن والفقير، ولم يُجمِعوا على أن الله ﵎ فرض للأخ الفقير على أخيه الموسر فرض النفقة، فلو كان في معنى الأب من الابن ومعنى الابن من الأب كمعنى الأخ، لوجب له الفرض من الأخ كما وجب له الفرض من الأب ومن الابن، فلما ارتفع إجماعهم عن الفرض للأخ، ولم يرتفع إجماعهم عن الأب للابن ولا على الابن للأب، ولم يكن ذلك بين

стр. 28

الأخ والأخ .. كان كذلك لا يملك الابنُ الأبَ، ولا الأبُ الابنَ؛ لعظيم ما وصفنا الواجب به نفقة كل واحد منهما على صاحبه، وكان ملك الأخ أخاه لخروجهما عن عظيم حرمة ما بين الأب والابن، وما بين الابن والأب، ولما كان الولد وولدُ الولدِ وإن سفلوا في التحريم كالولد، والأمُّ وأمُّ الأمِّ وإن عَلَيْنَ في التحريم كالأم، لا يتناكحوا [كذا] أهل هذا العمود بحال أبدًا، وكان الأخوان إذا وُلِد لأحدهما ابنٌ وللآخر ابنةٌ جاز أن يتناكحا؛ لأن أولادَيْهِما صاروا بني عم، وكذلك ولد العمات والخالات، وليس كذلك ولد البنات ولا أمهات الأمهات، فلما افترق النوعان من حيث وصفنا بقول أصحابنا، فكذلك يفترقان في الملك، وفروع الشيء مثله، فلما كان فروع الأخوين يجوز بينهما النكاح، ولا يجوز في فروع البنات ولا في الأمهات .. افترقا، فكذلك الملك في الإخوة فيها نظيره يجوز، ولا يجوز في الولد والوالد، فهذا الذي حضرني، وما أقنعني ذلك كما أشتهي، وبالله التوفيق. (٤١) مسألة في الطلاق: قال المزني في رجل قيل له: «امرأتك طالق؟»، فقال: «نعم»: المدني يلزمه الطلاق، قال المزني: الذي أحفظ عن الكوفي كذلك، قال المزني: القياس عندي أن ذلك لازم في الحكم؛ لأن قول الأول لم يكن تحته معنًى في حين قوله وتمامه وانقطاعه، فقول القائل: «نعم»، و «نعم» ليست بلفظة طلاق ولا يشبه طلاقًا، وإنما هي خبر، فإذا لم يتقدم منه طلاق فقوله: «نعم» في القياس ليس يبني فيما بينه وبين الله، فأما الحكم فيلزمه، وأنا أستخير الله في ذلك، والقياس عندي على ما وصفت.

стр. 29

(٤٢) مسألة في الظهار: سئل المزني عن من [كذا] قال لامرأته: «أنتِ عليَّ كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، أو لأتزوجن عليك (١)» يجب أن يوقف عن الوطء؟ أو متى يلحقه الظهار؟ قال المزني: الجواب عندي وبالله التوفيق: أنه لا يجب عليه الظهار إلا في حال عدم القدرة عن التزويج، وقد يكون في حال سياقه، فكأنه قال: إذا كانت تلك الحالُ فأنتِ علي كظهر أمي، فلا تلزمه كفارة؛ لأنها لا تجب إلا بالظهار والعودة، وهي عند الشافعي إن نفذ عن طلاقها عاقلًا وذلك يمكنه، وهذا لا إمكان له على ما وصفت، وإن كان موته بموضع بعيد عما حَدّ فيه من تزويجه فلا يمكنه حتى يموت، فالقياس على قول الشافعي من حيث يُحنِّثه بالخطأ دون قوله في قوله من يرفع الحِنْث بالخطأ، فالقياس على ذلك أن عليه رقبةً، وقد أمكنه ألا يعود بطلاقها فعاد بتركها محلَّلَة عنه. (٤٣) مسألة في الماء المستعمل: قال المزني: اختلف الناس في الرجل يتوضأ بالماء في الإناء النظيف: هل له أن يتوضأ به ثانية أم لا؟ فقال المدني: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، وأبى ذلك الشافعي والكوفي والبصري، قال المزني: والقياس عندي ألا يتوضأ به ولا يشرب من قِبَل إجماعهم على أنه إذا كان واجدًا لغيره لم يَجزِه، فلو كان يُجزئ بحاله المتقدمة لما ضره وجود غيره. ودليل آخر: لما أجمعوا أني إذا كان معي من الماء قدرُ ما أتوضأ به، وخِفتُ العطشَ، أني أتيمم ولا أتوضا به، وأستبقيه لِشَفَتي، كان هذا دليلًا

стр. 30

على أنه لو كان يجوز شربه بعد أداء فرض لأمروني أن أتوضأ به في إناء نظيف، فأؤدي فرضي للوضوء ويكون قد بقي لِشَفَتي ما يجزيني، فلما لم يجز هذا دل على أنه منتقل عن حاله الأول فيما أقول، وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم

стр. 31

[زيادات أبي إسحاق من الشعر والحكمة (١)] (٤٤) أنشدني أبو إسحاق الوراق، قال: أنشدني أبو الحسين الكاتب: خَفِ اللهَ وارجوه لكل كريهة … ولا تطع النفس اللَّجوج فتندمَا وكن بين هاتين من الخوف والرجا … وأبشر بعفو الله إن كنت مسلمَا فلما قسا قلبي وطالت بليتي … جعلتُ الرجا مني لعفوك سلمَا ولولاك لم يَقْوا (٢) بإبليس عابد … فكيف وقد أغوى صفيَّكَ آدمَا؟! فإن تَعْفُ عني تَعْفُ عن متمردٍ (٣) … ظَلوم غَشوم ما يفارق مأثمَا وإني لآتي الذنب أعرِفُ قدرَه … وأعلم أن الله أعلى وأعظمَا تعاظمني ذنبي فلما قَرَنْتُه … بعفوك ربي كان عفوُكَ أَعظَمَا (٤٥) وقال: وأنشدني أبو الحسن أيضًا: المال يرفع بيتًا لا عماد له … والفقر هادمُ بَيتِ العز فَضَّاح والحمد أفضل ثوب أنت لابسه … فالبس لنفسك ثوب الحمد يا صاح (٤)

стр. 32

[زيادة نصين عن الخطيب البغدادي للمزني (١)] (٤٦) أخرج الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٢٩ - ٣٥) قال: لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني كلام مستقصًى فيمن أنكر السؤال عما لم يكن، أنا أسوقه لما يتضمن من الفوائد الكثيرة، والمنافع الغزيرة: أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر الصابوني، أنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحراني، أنا أبو علي أحمد بن علي بن الحسن بن شعيب المدائني، قال: قال المزني: يقال لمن أنكر السؤال في البحث عما لم يكن: لم أنكرتم ذلك؟ فإن قالوا: لأن رسول الله ﷺ كره المسألة .. قيل: وكذلك كرهها بعد أن كانت تُرفَع إليه لِمَا كره من افتراض الله الفرائض بمساءلته وثقلها على أمته لرأفته بها وشفقته عليها، فقد ارتفع ذلك برفع رسول الله ﷺ ، فلا فرض بعده يحدث أبدًا. وإن قالوا: لأن عمر أنكر السؤال عما لم يكن .. قيل: فقد يحتمل إنكاره ذلك على وجه التعنت والمغالطة، لا على التفقه والفائدة، وقد روي أنه قال لابن عباس: «سل عما بدا لك، فإن كان عندنا، وإلا سألنا عنه غيرنا من أصحاب رسول الله ﷺ ». وكما روي عن علي من إنكاره على ابن الكَوّاء أن يسأل تعنتًا، وأمره أن يسأل تفقهًا، وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود وزيدٍ في الرجل يخيِّر امرأته، فقال عمر وابن مسعود: «إن اختارت زوجها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة يملك الرجعة»، وقال

стр. 33

علي: «إن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة، وإن اختارت نفسها فواحدة بائن»، وقال زيد بن ثابت: «إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائن»، وأجابوا جميعًا في أمرين أحدهما لم يكن، ولو كان الجواب فيما لم يكن مكروهًا لَما أجابوا إلا فيما كان، ولسكتوا عما لم يكن، وعن زيد أنه قال لعلي في المكاتب: أكنتَ راجمَه لو زنا؟ قال: لا، قال: أفكنت تقبل شهادته لو شهد؟ قال: لا، فقد سأله زيد وأجابه علي فيما لم يكن على التفقه والتفطن. وعن ابن مسعود في مساءلته عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ: «أرأيت؟ أرأيت؟»، وقد ذكرنا فيما مضى ما روي من قول عمر لابن عباس: «سَلْني»، وقول علي: «سَلُوني»، وقول أبي الدرداء: «ذاكروا هذه المسائل»، ولو كان هذا السؤال لا يجوز إلا عما كان، لَمَا تعرض أصحاب النبي ﷺ جوابًا لا يجوز أبدًا إن شاء الله. ويقال له: أليس على كل مسلم أن يطلب الفرائض في الطهارة والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك من الكتاب والسنة قبل أن ينزل ذلك، وهو دين؟ فإذا قال: نعم .. قيل: فكيف يجوز طلب ذلك في بعض الدِّين والجوابِ فيه، ولا يجوز في بعضٍ وكل ذلك دين؟! ويقال له: هل تخلو المسألة التي أنكرتم جوابها قبل أن تكون من أن يكون لها حكم خفيٌّ حتى لا يوصل إليه إلا بالنظر والاستنباط، أو لا يكون لها حكم؟ فإن لم يكن لها حكم فلا وجه لذلك، ما وجه المسألة فيها كانت أو لم تكن؟ وإن كان لها حكم لا يوصل إليه إلا بالمناظرة والاستنباط فالتقدم بكشف الخفي ومعرفته وإعداده للمسألة قبل نزولها أولى، فإذا نزلت كان حكمها معروفًا، فوَصَلَ بذلك الحقُّ إلى أهله، ومُنِع به الظالم من

стр. 34

ظلمه، وكان خيرًا أو أفضل من أن يتوقفوا إلى أن يصح النظر في المسألة عند المناظرة، وقد يبطئ ذلك ويكون في التوقف ضرر يمنع الخصم من حقه، والفَرْجَ من حِلِّه، وترك الظالم على ظلمه. وشبهوا أو بعضهم النازلة - فيما بلغني - إذا كانت بالضرورة، والجواب فيها بأكل الميتة، فأحلوا الجواب في النازلة كما أحلوا الميتة بالضرورة، فيقال لهم: أفتزعمون أن الذي ذكرنا روايتكم عنهم من أصحاب رسول الله ﷺ فيما أجابوا فيه مما لم يكن، وتعرضهم جوابَ ما لم يُسأَلوا عنه قد صاروا بذلك في معنى مَنْ أكل الميتة على غير ضرورة؟ ويقال لهم: ما يشبه خوف المرء على نفسه الموتَ فأُمِرَ بإحيائها من أكل الميتة من المجيب إلا مما حل لصاحب المسألة، ولو كان هذا التشبيه لكان إذا حل برجل ضرورة حل لغيره أكل الميتة؛ كما إذا حلت برجل مسألة حل لغيره جواب المسألة، وكان أولى التشبيهين إن جاز أن يقاس على الميتة أن يكون الجاهل المنزول به المسألة، أحق بالجواب الذي يَدفَع به عن نفسه مكروه المسألة؛ كما كان بضرورة المضرور تحل له الميتة يدفع بها عن نفسه مكروه الضرورة. قال المزني: وإن قالوا أو بعضهم: إنما زعمنا أن المسألة إذا نزلت فسُئل عنها العالم كان كالمضطر، فعليه أن يجيب كما كان على المضطر أن يأكل الميتة .. قيل لهم: فروايتكم عن عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ إذا سُئلوا - رَدّ المسألة هذا إلى هذا حتى تدور المسألة فترجع إلى الأول، توجب في قولكم أنهم تركوا ما فرض الله عليهم؛ لأن على المضطر فرضًا أن يحييَ نفسه بالميتة، ولا يقتلَها بترك أكل الميتة، قد ترك أصحاب رسول الله ﷺ ما فُرِض عليهم في معنى قولكم!

стр. 35

ويقال لهم: أليس إنما يجب عليهم جوابُ المنزول به؛ ليدفع به جهله، وليعلم بالجواب ما حرم عليه وحل له؟ فإذا قال: نعم .. قيل له: فقد رجعت المسألة إلى أن الضرورة بغيره أوجبت الجواب عليه، فكذلك لضرورة المضطر بغيره يجب أكل الميتة عليه، وإلا فهما مفترقان لا يشبه الجواب في المسألة الميتة. ويقال له: أليس إذا نزلت المسألة فسئل عنها العالم حل له الجواب بالسؤال؛ كما إذا نزلت به ضرورة حل له أكل الميتة بالاضطرار؟ فإذا قال: بلى .. قيل: وكذلك إذا ارتفع السؤال رجع الجواب حرامًا؛ كما إذا ارتفع الاضطرار رجعت الميتة حرامًا؟ فإذا قالوا: نعم .. قيل لهم: فلم سألتم عن جواب الماضين وملأتم منها الكتب وهي حرام عليكم، وإنما حلت للعالِم بالسؤال، ثم حرمت بارتفاع السؤال؛ كما حلت للمضطرين الميتةُ بالاضطرار، ثم حَرُمت بارتفاع الاضطرار؟ فإن قالوا: لأن ذلك السؤال والجواب قد كان .. قيل: وكذلك الاضطرار وأكل الميتة بالاضطرار قد كان، فما الفرق بين ذلك إن كان الجواب عندكم نظيرًا للميتة؟ فإن قالوا: إنما ذلك حكاية وليست سؤالًا ولا جوابًا .. قيل لهم: فلا معنى فيما رويتم يُستدَل به على الفقه والعلم فيما لم ينزل؟ فإن قالوا: نعم .. أقاموا الحكاية مُقامَ الجواب، ولزمهم تحريم السؤال والجواب عما لم يكن، وهو نقض قولهم، وإن قالوا: لا معنى أكثر من الحكاية .. قيل: فلا فرق بين حكاية ما لا يضر وما لا ينفع، وبين ما حكيتم من جوابات أصحاب رسول الله ﷺ ، فما معنى ما روى الفقهاء والعلماء عن السابقين، ثم عن التابعين واقتدائهم بجوابات أصحاب رسول الله ﷺ ؟

стр. 36

ويقال لهم: أرأيتم مجوسيًّا أتاكم من بلده، راغبًا في الإسلام، محِبًّا لمحمد ﷺ ، فقال: علموني الدخول في الإسلام، فعلمتموه إياه، فدخل فيه، ثم قال: إني راجع إلى بلدي، فما علينا من الطهارة لأكون منها على علم قبل دخول وقت الصلاة؟ وما الذي يوجب الغسل وينقض الطهور؟ وما الصلاة؟ وما الذي يفسدها؟ وما حكم الزيادة فيها والنقصان منها والسهو فيها؟ وما في عشرة دنانير ومائة درهم من الزكاة؟ وما الصوم؟ وما حكم الأكل فيه عامدًا أو ساهيًا؟ وما على من كان منا مريضًا أو كبيرًا أو ضعيفًا؟ وهل بأس بدرهم بدرهمين؟ وما فيه القصاص من الدماء والجراح وحكم الخطأ؟ وهل في ذلك الرجالُ والنساءُ سواءٌ؟ فإني راجع إلى بلدي، وأهلي وعشيرتي ينتظرون بإسلامهم رجوعي، فأكون ويكونون من ديننا على علم، فنعمل بذلك ونتقرب إلى الله، تؤجرون عليه، وذلك كله عندكم واضح لا تشكون فيه، أيجوز أن يُعْلِموه ذلك؟ أم تقولون: لا نخبرك حتى تنزل بك نازلة، فتَكسِرون بذلك نشاطه، وتُخْبِثون نفسه على حديث عهده بكفره، وتَدَعونه على جهله؟ أم تغتنمون رغبتَه في الإسلام، وإسلام مَنْ ينتظره، وتعليمَ الجُهّال ما يحسنونه من العلم، وقد روي عن النبي ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه، جيء به يوم القيامة ملجَمًا بلجام من النار)؟ فإن قالوا: نُعلِّمه ذلك قبل نزوله .. تركوا قوله؛ لأن بعض ذلك أصل وبعضَه قياس، وإن قالوا: نعلمه بعضًا وإن لم ينزل، ونترك بعضًا حتى ينزل .. قيل: فما الفرق بين ذلك، وكلُّ ذلك دين؟ فانظروا رحمكم الله على ما في أحاديثكم التي جمعتموها، واطلبوا العلم عند أهل الفقه، تكونوا فقهاء إن شاء الله.

стр. 37

(٤٧) وأخرج الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، فقال: أنا محمد بن أحمد بن عمر الصابوني، أنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحراني، أنا أحمد بن علي بن الحسن بن شعيب المدائني، قال: قال المزني: ويقال لمن حكم بالتقليد: هل لك فيما حكمتَ من حجة؟ فإن قال: نعم .. أبطَلَ التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده، لا التقليد، وإن قال: بغير حجة .. قيل له: فلِمَ أَرَقتَ الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله كل ذلك فأبحته بغير حجة؟ فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأن معلمي من كبار العلماء، ورأيته في العلم مقدَّمًا، فلم يقل ذلك إلا بحجة خَفِيتْ عني .. قيل: فتقليد معلِّمِ معلِّمِك أولى من تقليد معلِّمِك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خَفِيتْ عن معلِّمِك كما لم يقل معلِّمُك إلا بحجة خَفِيتْ عنك؟ فإن قال: نعم .. ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلِّمِ معلِّمِه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي إلى العالِمِ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن أبى ذلك .. نقض قوله، وقيل له: وكيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا، ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا متناقض؟! فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع عِلمَ مَنْ فوقَه إلى علمه، فهو أبصَرُ بما أخَذَ، وأعلَمُ بما ترَكَ .. قيل: وكذلك مَنْ تعلَّمَ من معلِّمِك، فقد جمع علم معلمك وعلمَ من فوقه إلى علمه، فلزمك تقليده وتركُ تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علمه وعلم من فوقه إلى علمك.

стр. 38

فإنْ قادَ قَوْلَه .. جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك على الصحابي تقليد من دونه، وكذلك تقليد الأعلى الأدنى أبدًا في قياس قوله، مع ما يلزمه من تصويب مَنْ قلَّدَ غير معلمه في تخطئة معلمه، فيكون بذلك مخطئًا لمعلمه ولتقليده إياه.

стр. 39

نماذج من صور المخطوطات

стр. 40

صفحة العنوان من نسخة الظاهرية المرموز لها بالحرف (ظ)
следующие страницы →