أولا: الحديث عن التأريخ الهجري يقتضي تأصيل الحكم الشرعي للتقويم القمري فنقول: دلت النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري ومن ذلك قوله تعالى:
١ - "يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة: من الآية١٨٩).
وجه الدلالة:
أن الله جعل الهلال علامة على بداية الشهر ونهايته، فبطلوع الهلال يبدأ شهر وينتهي آخر فتكون الأهلة بمعنى المواقيت وهذا يدل على أن الشهر قمري لارتباطه بالأهلة وهي منازل القمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع، ابتداء أو سبباً من العبادة وللأحكام التي ثبتت بشروط العبد، فما ثبت من الموقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه، الصيام، والحج، ومدة الإيلاء والعدة
٢ - قوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (التوبة: من الآية٣٦).
وجه الدلالة:
أن الله وصف التوقيت بالهلال وأن الشهور القمرية إذا بلغت هذا الرقم سميت سنة وهذا معنى عدة الشهور.
وقال الفخر الرازي:
قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية (١).
وذكر ﵀ أن الشهور المعتبرة في الشريعة مبناها على رؤية الهلال، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية (٢).
٣ - قال ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له" (٣).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل انتهاء شهر شعبان ودخول رمضان برؤية الهلال ويقاس عليها بقية الأشهر.
ومؤدى هذه النصوص الشرعية صريح أن المعول عليه والمعتبر هو التقويم القمري مما يؤكد وجوب التمسك به دون غيره من التقاويم وهو يتفق مع أحوال الناس لكونه صالحاً للجميع ليسره وسهولة مخاطبته لجميع الأطراف، ولقد اتفق عليه السلف الأول من الصحابة والتابعين كما مر معنا وأصبح العمل عليه.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
التأريخ اليومي يبدأ بغروب الشمس، والشهر يبدأ من الهلال، والسنوي يبدأ من الهجرة، هذا ما جرى عليه المسلمون وعلموا به واعتبره الفقهاء في كتبهم (٤).
وتأسيساً على ما تقدم فإن استخدام التأريخ الهجري والميلادي يكون على حالات:
الحالة الأولى: استخدام التأريخ الهجري دون الميلادي، وحكم هذه الحالة أن التوجيه الشرعي جاء للعمل بالتقويم القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وأن احتساب المواقيت والأحوال يكون عليه دون غيره وهو شعار ورمز الأمة الإسلامية التي يؤرخ لها وله دلالاته وأبعاده.
الحالة الثانية: حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي جميعاً:
ذكرنا في الحالة الأولى أن الأصل هو العمل بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري وهذا الحكم يشمل جميع الأفراد والدول الإسلامية ولكن لا مانع من الاستفادة بالتقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي بصفته تقويماً مساعداً للتقويم القمري تابعاً له متى وجد مقتضى لذلك تتحقق فيه مصلحة راجحة ولا عيب أن نأخذ - لا أن نستبدل - من مواقيت الأمم ما يفيدنا في بعض الحالات فيما لا يتعارض مع أمر من أمور الدنيا (٥).
стр. 1052
وأما ما يتعلق بالفصول الأربعة واستخدامها لتنظيم الاكتساب والمهنة والدراسة والعمل دون ربط ذلك بالسنين فليس من التأريخ مثل أن يقال يبدأ العام الدراسي كل عام ببرج الميزان أو يبدأ موعد الحصاد في برج الحمل كل عام فهذا من الاستفادة العامة للمواسم ولا صلة له ببحث التأريخ الهجري أو الميلادي (١).
الحالة الثالثة: حكم استخدام التأريخ الميلادي فقط:
بناء على ما تقدم يتضح لنا أن التأريخ الميلادي مرتبط بالدين النصراني وحضاراته وهذا واضح في أسماء الأشهر في التأريخ الميلادي فغالبها إما وثنية مرتبطة ببعض آلهة النصارى المزعومة أو بأسماء القياصرة وكبار الرهبان (٢).
ولذا فإن وضع التقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي شعار للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال هو تشبه صريح بالنصارى وجاءت النصوص الشرعية التي تحرم ذلك، ويدل على هذا قوله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٣).
ويتضمن الحديث التشبه بسمات الكفار وعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم وكل ما هو من خصائصهم ولا شك أن اعتبار الأصل هو استخدام التأريخ الميلادي يدخل في سمات الكفار (٤).
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان عن:
هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يُعتبَرُ من موالاة النصارى؟
فأجاب لا يُعتبَرُ موالاة، لكن يعتبر تشبُّهًا بهم.
والصَّحابة ﵃ كان التاريخ الميلادي موجودًا، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجريِّ، وضعوا التاريخ الهجريَّ، ولم يستعملوا التاريخ الميلادي، مع أنه كان موجودًا في عهدهم، هذا دليل على أنَّ المسلمين يجب أن يستقلُّوا عن عادات الكفَّار وتقاليد الكفَّار، لا سيَّما وأنَّ التَّاريخ الميلاديَّ رمز على دينهم؛ لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السَّنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى؛ فنحن لا نشاركهم ولا نشجِّعهم على هذا الشيء، وإذا أرَّخنا بتاريخهم؛ فمعناه أنَّنا نتشبَّه بهم، وعندنا ولله الحمد التاريخ الهجريُّ، الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الرَّاشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا (٥).
стр. 1053
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: لقد اقتصر المسلمون على تأريخهم الذي اتفقوا عليه من عهد عمر بن الخطاب الذي وضع لهم هذا التاريخ الهجري، حيث اختار مبدأه من هجرة النبي ﷺ وعمل عليه المسلمون في كتبهم وسيرهم مع معرفتهم بتأريخ من قبلهم، ولم يزالوا كذلك حتى استولى النصارى على كثير من بلاد الإسلام، واستعمروهم واضطروهم إلى تعلم التاريخ الميلادي، وأنسوهم التاريخ الهجري إلا ما شاء الله، فنقول: إن في العمل بالتأريخ الهجري تذكراً لوقائع الإسلام وأحوال المسلمين في سابق الدهر، ثم هو أوضح وأبين حيث يعتمد على الأهلة التي ترى عياناً ويحصل بمشاهدتها معرفة دخول السنة وخروجها، دون إعواز إلى حساب وكتابة، فتنصح المسلمين أن يقتصروا على تأريخهم الذي كان عليه سلفهم، وأن يعرضوا عن تأريخ النصارى الذي لا يتحقق صحته، إنما هو مبني على نقل أهل الكتاب وهم غير متيقنين، حيث لم يثبتوا ذلك بالنقل الصحيح. ومتى احتيج إلى معرفة السنة الشمسية، فإن هناك التاريخ الشمسي الهجري وهو يعتمد الحساب، ويسير على سير البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى مجملاً كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً" (الحجر: من الآية١٦)، وعرفها الحُسّاب وعلماء الفلك بالمشاهدة، ففي معرفتها ما يكفي عن الاحتياج إلى تاريخ النصارى، والله أعلم (١).
وأما بالنسبة لمن كان يعيش في دولة نظامها يأخذ بالتأريخ الميلادي فإن كان النظام يسمح بوضع التأريخ الهجري مع التأريخ الميلادي فيجب على الأفراد الإشارة إلى التأريخ الهجري في المكاتبات والإجراءات متى ما استطاعوا لذلك لأن هذا يحافظ على بقاء التأريخ الهجري شعاراً للأمة الإسلامية ويخفف من المفسدة الواقعة بالأخذ بالتأريخ الميلادي والقاعدة الشرعية تنص على أنه إذا لم يمكن قطع المفسدة جملة بأسبابها ودواعيها فإن التقليل من آثارها والحد من استشرائها وانتشارها مطلوب وهو من مقاصد الشرع المطهر (٢).
وأما إذا كان النظام الرسمي للدولة يمنع الإشارة للتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري أبداً ويحارب ذلك فيجب على الأفراد في هذه الحالة بذل ما يستطيعون من الإنكار والنصح ومراعاة الأمور والموازنة بين المفاسد المتوقعة وقطع أسبابها والمفاسد الواقعة والسعي إلى تقليل آثارها إذا لم يمكن تلافيها ويبقى الجزاء مرتبطاً بالاستطاعة والقدرة على التغيير ويدخل في هذا التعامل مع الدولة أو الشركات العالمية التي تعتمد التأريخ الميلادي فيجوز مع الحاجة استخدام التأريخ الميلادي مع بعض الاعتبارات المرتبطة في ذلك مثل حساب الزكاة بالتأريخ الميلادي مع معادلته بالتقويم القمري، لإخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من التقويم الشمسي علما بأن المعتبر في إخراج الزكاة هو التأريخ الهجري لا الميلادي.
وفي نهاية البحث أوصي أمتي وأصحاب الشأن في بلاد المسلمين أينما كانوا بأن يتمسكوا بتأريخهم الإسلامي القمري الهجري امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله ﷺ وتمسكاً بالسنة الراشدة والإجماع الصحابي واعتزازاً بما شرع الله.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1054
الأسماء المركبة: أنواعها وإعرابها .. دراسة نحوية
د. عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فهذا بحث يتناول الأسماءَ المركَّبة في النَّحو العربي: أنواعَها وإعرابَها، وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع تفرُّقُ مباحثه بين أبواب النَّحو؛ فهي لا يضُمُّها بابٌ واحد، وإنَّما توزعت بين عدَّة أبواب، فبعضها في باب المُعرَب والمبني، وقسم منها في باب العَلَم، وقسم في باب الممنوع من الصَّرف، وآخر في باب العدد ... لذا رأيتُ جمعَ ما تفرَّق منها، ولَمَّ شتاته في هذا البحث.
وأُشير هنا إلى ما يُكرِّره النُّحاة ويُؤكِّدونه بشأن التَّركيب، وهو أنَّه خلاف الأصل؛ إذِ الأصلُ في الكلمات الإفراد؛ لذا لا يُحكم على كلمة بالتَّركيب ما لم يُوجدْ دليل قاطع على ذلك (١).
والتركيب يكون في الأسماء والحروف، دون الأفعال؛ قال ابن عصفور: "لم يوجدْ في الأفعال ما هو مركَّب" (٢).
وقال ابن أبي الرَّبيع: "لا يكون التَّركيب فيما أُخذت منه الأفعال؛ وهي المصادر، ولا في الصِّفات الجارية على الأفعال، وإنَّما يكون التَّركيب في الأسماء، نحو: بعلبك، ومعد يكرب، وما أشبه ذلك، وفي الحروف، نحو: هلاَّ، ولولا" (٣).
وهذا البحث يتناول التركيبَ في الأسماء فقط؛ فإن أصبتُ فيما كتبتُه فمِنَ الله، وأحْمَدُه عليه، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومِنَ الشيطان، وأستغفر الله منه.
تعريف المركَّب:
التركيب في اللُّغة: وضْع شيء على شيءٍ، جاء في "اللسان" و"القاموس": "ركَّب الشيءَ: وَضَع بعضَه على بعض، فتركَّب وتراكب" (٤)، ويقال: "تراكب السَّحاب وتراكم: صار بعضُه فوق بعض" (٥)، والمركَّبُ - كمعظَّم -: الأَصْلُ والمَنْبِتُ (٦).
والمركب عندَ الفلاسفة وأهل المنطق: "ما يدلُّ جزء لفظه على جزء معناه" (٧).
وعند النَّحْويين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر" (٨)، وذكر الشيخ العطَّار في "حاشيته على شرح الأزهريَّة": أنَّ أكثرَ النُّحاة على أنَّ المفرد ما تُلُفِّظ به مرَّةً واحدة، والمركَّب ما تُلُفِّظ به مرَّتين (٩)، والواقع أنَّ المركب لا يُتلفَّظ به مرَّتين، وإنَّما مرَّةً واحدة كالمفرد، ولكن لأنَّه يُتَلفَّظ بكلِّ جزء من أجزائه - وأقلُّ ما يتألَّف المركب من جزأين - جُعل التلفُّظُ بجزئه تلفُّظًا بكُلِّه، فعندما يُتَلفَّظ بِجُزْأَيْهِ فكأنَّما تُلفِّظَ به مرَّتين، وهذا التَّعريف مبنيٌّ على تعريف أهل المنطق السابق: "ما يدلُّّ جزء لفظه على جزء معناه"، فإذا كان جزء المركب يدُلُّ على جزء معناه، فكأنَّ التَّلفُّظ بالجزأين تَلفُّظٌ به مرَّتين.
стр. 1055
ولكلِّ جزء قبل التركيب معنى، فإذا رُكِّب الجزآن أفادَ مجموعهما معنًى جديدًا، لم يكن لأيِّ واحد منهما قَبلَ التركيب (١).
أنواع المركَّبات:
قبل بسطِ القول في أنواع الأسماء المركبة لا بدَّ من تقسيمها قسمين: أسماء أعلام، وأسماء غير أعلام.
أوَّلاً: الأعلام المركَّبة، وهي ثلاثة أنواع:
١ - مركَّب إضافيٌّ: وهو ما رُكِّب من مُضافٍ ومضاف إليه، مثل: عبد الله، عبد القادر، عبد السميع، "أبو بكر"، "امرؤ القيس".
٢ - مركَّب مزجيٌّ: وهو ما رُكِّب من كلمتين امتزجَتَا - لا على جهة الإضافة - حتَّى صارَتَا كالكلمة الواحدة، فنُزِّلت ثانيتُهما منزلةَ تاء التأنيث ممَّا قبلها، من جِهة أنَّ الإعراب والبناء يكون على آخِرها، أمَّا آخِرُ الأولى فيلزم حالةً واحدة، كما سيأتي بيانُه في "إعراب العَلَم المركَّب".
قال ابن يعيش عن هذا المركَّب: "مُزِج الاسمان وصارَا اسمًا واحدًا بإزاء حقيقة، ولم ينفردِ الاسم الثاني بشيءٍ من معناه، فكان كالمفرد غير المركَّب" (٢)، ومن أمثلته: بَعْلَبَكُّ، وحَضْرَمَوْتُ، ومَعْدِ يكَرِبُ، وسيبوَيْهِ
٣ - مركَّب إسناديٌّ: وهو ما رُكِّب من مُسنَد ومُسنَد إليه، سواء كان المسنَد اسمًا أمْ فعلاً، فهو عَلَم منقول من جملةٍ اسميَّة أو فعلية؛ ولذلك سمَّاه بعضُهم: "المركَّبَ الجُمْلِيَّ" (٣)، والمنقول عن العرب التَّسمية بالجمل الفعليَّة كـ"شابَ قَرْناها" (٤)، و"تأبَّط شرًّا" (٥)، و"بَرقَ نَحْرُه"، ويُقاس عليه التَّسمية بالجمل الاسميَّة (٦) كـ"محمَّد قائمٌ"، و" أحمد كريم"، و"عليٌّ سعيدٌ".
ثانيًا: الأسماء المركبة التي ليست بأعلام، وتشمل:
١ - المركَّب العددي: وهو كلُّ عددين رُكِّبا من العشرة والنَّيِّف، وبينهما حرفُ عطفٍ مقدَّر، ويشمل الأعدادَ من "أحد عشر" إلى "تسعة عشر"، وما صيغ منها على وزن فاعل من "الحادي عشر" إلى "التاسع عشر".
٢ - الظُّروف المركَّبة: وهي ظروف استعملتْها العرب مركَّبةً، كـ "بينَ بينَ"، و"صباحَ مساءَ"، و"يومَ يومَ"، و"حينَ حينَ"، تقولُ: سقط بينَ بينَ؛ أي: بينَ الحي والميت، أو بين هذا وذاك.
قال عبيد بن الأبرص:
نَحْمِي حَقِيقَتَنَا وَبَعْ ضُ الْقَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا (٧) وآتيك صباحَ مساءَ، ويومَ يومَ، وحينَ حينَ؛ أي: كلَّ صباح ومساء، وكلَّ يوم، وَكلَّ حين (٨).
٣ - الأحوال المركَّبة، وهي ضربان (٩):
стр. 1056
أ - ما أصله العطف، كـ"شَذَرَ مَذَرَ"، و"شغرَ بغرَ"، و"خِذَعَ مِذَعَ"، و"حَيْثَ بَيْثَ"، و"بَيْتَ بَيْتَ"، و"كَفَّةَ كَفَّةَ"، و"صَحْرَةَ بَحْرَةَ"، تقول: تفرَّقوا شغرَ بغرَ، وشذرَ مذرَ، وخِذَعَ مِذَعَ؛ أي: منتشرين متفرِّقين، وتركتُهم حيثَ بيثَ؛ أي: متفرِّقين ضائعين، وفيها لغات (١)، وتقول: هو جاري بيتَ بيتَ؛ أي: ملاصقًا، ولقيته كَفَّةَ كَفَّةَ؛ أي: مواجهةً، وأخبرتُه صَحْرَةَ بَحْرَةَ؛ أي: كاشفًا للخبر (٢).
ب - ما أصله الإضافة، كـ"بادي بدا"، وفيها لغاتٌ (٣)، و"أيدي سبأ"، و"أيادي سبأ"، تقول: فعلته بادي بدا، وبادِي بَدِي؛ أي: مبدوءًا به، قال أبو نُخَيْلَةَ السَّعْدِيُّ:
وَقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بَادِي بَدِي وَرَثْيَةٌ تَنْهَضُ فِي تَشَدُّدِي (٤) وذهبوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ؛ أي: متفرِّقين (٥)، قال ذو الرُّمة:
أَمِنْ أَجْلِ دَارٍ طَيَّرَ الْبَيْنُ أَهْلَهَا أَيَادِي سَبَا بَعْدِي وَطَالَ احْتِيَالُهَا (٦) قال ابن هشام: "ومجيء هذا التَّركيب في الأحوال قليلٌ بالنسبة إلى مجيئه في الظروف" (٧).
٤ - أسماء الأفعال المركَّبة: قال أبو حيَّان: وهي قسمان: مركَّب من جار ومجرور، ومركَّب من غيرهما (٨).
القسم الأول: مركَّب إمَّا من حرف جر ومجروره، وإمَّا من ظرف مضاف ومضاف إليه.
стр. 1057
من النَّوع الأوَّل المركَّب من حرف جر ومجروره: "عليك" بمعنى الْزم، قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، و"عليَّ" بمعنى: أوْلِني، تقول: عليَّ زيدًا؛ أي: أولني زيدًا، و"عليه" بمعنى: ليلزمْ، ومنه الحديث: ((يا معشرَ الشَّباب، مَنِ استطاعَ منكم الباءَةَ، فليتزوجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومَن لم يَستطع، فعليه بالصَّوم؛ فإنَّه له وِجاءٌ)) (١)؛ قالوا: واستعماله مع ضمير الغائب كما في الحديث، وفي رواية سيبويه عن بعض العرب: "عَلَيْهِ رجلاً لَيْسَنِي" قليلٌ وشاذٌّ (٢)، ومن هذا النَّوع أيضًا: "كذاك" بمعنى: دَعْ؛ قال جرير:
يَقُلْنَ وَقَدْ تَلاَحَقَتِ الْمَطَايَا كَذَاكَ الْقَوْلَ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا (٣) ومن المركَّب من مضافٍ هو ظرف، ومضافٍ إليه: "مكانَك" بمعنى: اثبتْ، و"عندك" و"لديك" و"دونك" ومعناها: خُذْ، و"وراءك" بمعنى: تأخَّر، و"أمامك" بمعنى: تقدَّم.
القسم الثَّاني: وهو المركَّب من غير جار ومجرور "هلُمَّ" بلغة أهل الحجاز، فهي عندهم تلزم طريقةً واحدة، ولا تلحقها الضَّمائر، وبلغتهم جاء التنزيل؛ قال - تعالى -: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ [الأنعام: ١٥٠]، ولغة تميم إلحاق الضَّمائر بها فهي عندهم فِعل (٤).
وهي اسمُ فعل أمر بمعنى: احْضر، فتتعدَّى بنفسها كما في الآية: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾، وبمعنى: أَقْبِلْ، فتتعدَّى بالحرف "إلى" كما في قوله - تعالى -: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨].
واختُلِف في تركيبها؛ فقال البصريُّون: هي مركَّبة مِن "ها" التنبيه و"لُمَّ"، التي هي فعل أمر مِن "لَمَّ" بمعنى: جَمَعَ، وحذفت ألف "ها"؛ لكثرة الاستعمال (٥).
وقال الفرَّاء والكوفيون: هي مركَّبة من "هل" التي هي للزجر والحث، و"أُمَّ" بمعنى: اقصدْ، حذفت همزتها (٦)، وقيل: هي مفردة وليست مركَّبة، قاله أبو حيَّان؛ "وهو قول لا بأس به؛ إذْ الأصل البساطة، حتى يقوم دليل واضح على التركيب" (٧).
واسم الفعل الآخر المركَّب من غير جار ومجرور "حيَّهلْ"؛ قال لبيد:
стр. 1058
يَتَمَارَى فِي الَّذِي قُلْتُ لَهُ وَلَقَدْ يَسْمَعُ قَوْلِي حَيَّهَلْ (١) وفيها لغات (٢)، وتتعدَّى هذه الكلمة بنفسها، فيقال: حيَّهل الثريدَ؛ بمعنى: ائته، ومن ذلك رواية سيبويه عن شيخه أبي الخطَّاب الأخفش أنَّه سمع بعض العرب يقول: حيَّهل الصلاةَ؛ أي: ائتِ الصلاة (٣)، وتتعدَّى بحرف الجر "على"، فيقال: حيَّهل على الخير؛ بمعنى: أقبلْ عليه، وبـ (الباء) فيقال: حيَّهل بالكتاب؛ أي: أسرع به، ومنه قول عبد الله بن مسعود في عمر بن الخطَّاب ﵄: "إذا ذُكِر الصَّالحون، فحيَّهلاَّ بعمرَ" (٤)؛ أي: أسرعوا بذكره، كما تتعدَّى بـ"إلى"، فيقال: حيَّهل إلى الثريد، بمعنى: أسرع إليه، وهي مركبة من "حيَّ" بمعنى: أقبل، و"هل" أو "هلاَّ"، وهي حثٌّ واستعجال (٥).
٥ - ومن الأسماء المركَّبة: مركَّبات لا تشملها الأنواع السابقة، وهي ضربان:
أ - ضرب منها مركَّب تركيبَ الأحوال والظروف، وهو مركَّبان هما: "حَيْصَ بَيْصَ"؛ يقال: وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ؛ أي: في فتنة واختلاط من أمرهم، أو في أمر لا مخلص لهم منه.
قال أمية بن أبي عائذ الهذلي:
قَدْ كُنْتُ خَرَّاجًا وَلُوجًا صَيْرَفًا لَمْ تَلْتَحِصْنِي حَيْصَ بَيْصَ لَحَاصِ (٦) وقال الرَّاجز:
صَارَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ حِيصٍ بِيصِ (٧) وفيها لغات (٨).
والمركَّب الآخر "خازِ بازِ"، وفيه سبع لغات (٩)، وله خمسة معانٍ (١٠)، فهو ضرب من العشب، وذباب أزرق يكون فيه؛ قال عمرو بن أحمر:
стр. 1059
تَفَقَّأُ فَوْقَهُ الْقَلَعُ السَّوَارِي وَجُنَّ الْخَازِ بَازِ بِهِ جُنُونَا (١) وصوتُ الذُّباب، وداءٌ يكون في اللَّهزمتين، وهما عظمان ناتئان تحت الأذن، والسِّنَّوْر؛ قال ابن يعيش: "وهو أغربها" (٢).
ب - والضَّرْب الآخَر كنايات مركَّبة، وهي: "كم"، و"كَأيِّنْ"، و"كذا".
أمَّا "كم" فتأتي استفهامية يُسأل بها عن عددٍ مجهولِ المقدار، كما في قوله - تعالى -: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِن آيةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقوله - تعالى -: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وتأتي خبريةً يُكنى بها عن عددٍ كثير، كما في قوله - تعالى -: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]، وقوله - تعالى -: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧].
وهي مركَّبة عند الكوفيين من "كاف" التشبيه و"ما" الاستفهاميَّة المحذوفة ألفها؛ لدخول حرف الجر عليها، وسُكِّنت الميمُ؛ لكثرة الاستعمال (٣)؛ قال ابن عُصفور: "وهو باطل؛ لأنَّها يدخل عليها حرفُ الجرِّ، وحرف الجر لا يَدخل على مثله (٤)، وهي عند البصريين بسيطة؛ لأنَّ الأصل الإفراد (٥).
وأما "كأيِّنْ" (٦) فكنايةٌ عن عدد كثير، فهي مثل: "كم" الخبرية في ذلك؛ قال - تعالى -: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وقال - تعالى -: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ [يوسف: ١٠٥]، وقال - تعالى -: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥]، وهي مركَّبة من "كاف" التشبيه و"أيٍّ" المنوَّنة (٧)، وقيل: يحتمل أن تكون بسيطة (٨)، وفيها لغات (٩).
стр. 1060
وأمَّا "كذا" فيُكنى بها عن عددٍ مُبهم، تقول: له عندي كذا دينارًا، وله عندي كذا وكذا درهمًا، ويُكنى بها عن غيرِ عدد، تقول: مررتُ بدار كذا، وقال عبد الله: كذا وكذا، ومنه قول أبي هريرة ﵁: "يقول النَّاس: أكْثَرَ أبو هريرة، فلقيت رجلاً، فقلت: بأيِّ سورة قرأ رسول الله ﷺ البارحة في العَتَمَة؟ فقال: لا أدري، فقلت: ألا تشهدها؟ قال: بلى، قلت: ولكنِّي أدري، قرأ سورة كذا وكذا" (١).
وهي بنوعيها مركَّبة من "الكاف" واسم الإشارة، "ذا" (٢).
إعراب المركَّبات:
أولاً: الأعلام المركَّبة:
١ - المركَّب الإضافي يُعامل الجزء الأول منه "المضاف" بحسب ما يقتضيه العامل، فيُرفع أو يُنصب أو يُجر، ويلزم الجزء الثاني من "المضاف إليه" الجرَّ بالإضافة، مصروفًا - إن خَلاَ من الأسباب المانعة من الصَّرف - فتقول جاء عبدُاللهِ، ورأيت عبدَاللهِ، ومررت بعبدِالله، ويمنع من الصَّرف إن وُجد فيه سببه كعبدِ يغوثَ.
٢ - المركَّب المزجي، وهو إمَّا أن يكون مختومًا بكلمة "ويه" (٣)، كـ"سيبوَيْهِ" و"نفطوَيْهِ" و"خالوَيْهِ"، وإمَّا بغيرها كـ"بَعْلَبَكَّ" و"حَضْرَمَوْتَ" و"مَعْدِ يكَرِبَ".
فإن كان مختومًا بكلمة "وَيْه"، فيُبنى على الكسر، وينوَّن إذا نُكِّر (٤)، ونُقل عن الجرمي (ت: ٢٢٥هـ) أنَّه يُجيز إعرابَه إعرابَ ما لا ينصرف للعلميَّة والتركيب (٥)، وذكر ابن مالك: أنها لغة بعض العرب (٦).
وإن كان مختومًا بغيرها كبَعْلَبَكَّ ومَعْدِ يكَرِبَ، فالمشهور فيه إعرابُه إعرابَ الممنوع من الصرف على آخره للعلمية والتركيب، ويلزم أوله البناء على الفتح ما لم يكن منتهيًا بياء، فيسكَّن تقول: هذه بَعْلََبَكُّ، ودخلتُ على بَعْلَبَكَّ، وخرجتُ من بَعْلَبَكَّ، وهذا مَعْدِ يكَرِبُ، ورأيتُ مَعْدِ يكَرِبَ، ومررتُ بِمَعْدِ يكَرِبَ.
وفيه لغتان أخريان للعرب:
إحداهما: معاملته معاملة المركَّب الإضافي، فتظهر علاماتُ الإعراب على آخِرِ الصَّدر، ما لم يكن ياء فتسكَّن، وتُقدَّر جميع الحركات عليها، ويلزم آخِره الجر بالإضافة مع الصَّرف - إن لم يكن فيه ما يمنع ذلك - كأيِّ مضاف إليه، وعلى هذه اللُّغة لا توصل الكلمة الأولى بالكلمة الثانية حين الكتابة كأيِّ مركب إضافي، فنقول: هذه بَعْلُ بَكٍّ، ودخلت بَعْلَ بَكٍّ، وخرجت من بَعْلِ بَكٍّ، وهذا مَعْدِي كَرِبٍ، ومررت بِمَعْدِي كَرِبٍَ، بصرف (كَرِب) ومنعه (٧).
стр. 1061
اللُّغة الثانية: معاملته معاملة المركَّب العددي، فيُبنى الجزأان على الفتح في كل حال، ما لم يكن صدره مختومًا بياء كـ "مَعْدِ يكَرِبَ"، و"قَالِي قَلاَ" (١)، فلتزم السُّكون (٢).
٣ - المركَّب الإسنادي يلزم الحكاية؛ أي: حكاية حاله السَّابقة قَبلَ التَّسمية به، فلا يدخله أيُّ تغيير، وتُقدَّر على آخره جميعُ حركات الإعراب، مثل: جاء جادَ الحقُّ، ورأيت جادَ الحقُّ، ومررت بجادَ الحقُّ، وقيل: هو مبني لا معرب (٣).
وذكر ابن مالك: أنَّ من العرب مَن يضيف صدرَ المركَّب الإسنادي إلى عَجُزه، إذا كان ظاهرًا، فيقول: جاء برقُ نحرِه (٤)، وتعقبه أبو حيَّان، فقال: ولا يقاس على هذا إنْ صحَّ النقل؛ لأنَّ النُّحاة نصُّوا "على أنَّ كلَّ ما سُمِّي به ممَّا يتضمن إسنادًا، فليس فيه إلاَّ الحكاية" (٥)، ولا عبرة بما نقله الدماميني عن بعضهم أنَّه أجاز إعرابَ المركَّبِ الإسناديِّ إذا كان عَجُزه مضمرًا، مثل: "قمت" مسمًّى به، فيقول: هذا قمتٌ، ورأيتُ قُمتًا، ومررت بقُمتٍ، بالتنوين والحركات الثلاث على التاء (٦).
ثانيًا: إعراب ما رُكِّب من غير الأعلام:
١ - المركَّب العددي يُبنى جزأاه - العقد والنَّيِّف - على الفتح ما عدا "اثني عشر"، فصَدْرُه معربٌ إعرابَ المثنى، ويلزم عَجُزه البناء على الفتح، كحالِه مع الأعداد المركَّبة الأخرى؛ قال - تعالى -: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤]، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٣٦]، ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، ونُقِل عن ابن كيسان (٢٣٠ - ٢٩٩هـ)، وابن درستويه (٢٥٨ - ٣٤٧هـ): أنَّ صدرَ "اثني عشر"، و"اثنتي عشرة" مبنيٌّ كسائر الأعداد المركَّبة، غاية ما في الأمر أنَّه وضع للرَّفع "اثنا عشر" و"اثنتا عشرة"، وللنَّصب والجر "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" (٧).
وفي ياء "ثماني عشرة" أربعة أوجه: فتح الياء (ثمانيَ عشرة)، وهو الوَجهُ، كما يُفتح صدر غيره من الأعداد المركَّبة، يليه تسكينها (ثمانيْ عشرة)، ثم حذفها مع كسرة النون (ثمانِ عشرة)، ومع فتحها (ثمانَ عشرة) (٨).
وحكى سيبويه عن بعض العرب إعرابَ عَجُز العدد المركَّب إذا أُضيف، مع بناء الصَّدر على الفتح، فقال: "ومِن العرب مَن يقول: خمسةَ عشرُك، وهي لغةٌ رديئة" (٩).
стр. 1062
وأجاز الكوفيون إضافةَ صدر العدد المركَّب مُعربًا إلى عَجُزه، واستحسنوا ذلك إذا أُضيف، فقالوا: هذه خمسةُ عشرٍ، وخمسةُ عشرِك (١)، وعزا ابن مالك هذا إلى الفرَّاء، فقال: "وأجاز الفرَّاء إضافةَ صدر العدد المركَّب إلى عَجُزه مزالاً بناؤهما، وأنشد:
كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (٢) ولم يَرَ ذلك مخصوصًا بالشَّعر، بل أجازه في النَّثر والنَّظم (٣).
والذي وقفتُ عليه في "معاني القرآن" للفراء أنَّه أجاز إضافةَ النَّيِّف إلى العقد إذا أُضيف العقد، أمَّا إذا لم يُضف فإضافة النَّيِّف إليه إنَّما تكون في الشِّعر، وهذه عبارته: "وإذا أضفتَ الخمسة العشر إلى نفسك رفعتَ الخمسة، فتقول: ما فعلتْ خمسةُ عَشْري؟ ورأيتُ خمسةَ عَشْري، ومررتُ بخمسةِ عشري ... ولو نويتَ بخمسة عشر أن تُضيف الخمسة إلى عشر في شعر لجاز، فقلت ما رأيت خمسة عشرٍ قطُّ خيرًا منها"، وأنشد الرجز:
كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقْوَتِهْ ...... (٤).
٢ - الظُّروف والأحوال المركَّبة فيها وجهان (٥):
أ - البناء على فتح الجزأين كالعدد المركَّب؛ لتضمُّنها معنى الحرف، ما لم يكن آخرها ألفًا كـ"بادي بدا" و"أيدي سبا"، فالبناء على السُّكون، وكذلك ياءُ صَدْرِها ساكنةٌ.
وفي "بادي بدا" لغات سبق ذكرها (٦)؛ وهي مبنية في لُغتَيْن، منها: هما "بادي بدا" و"بادي بَدِي"، ومعربةٌ إعرابَ المتضايفين في الباقي (٧).
ب - الإضافة، فيُجَرُّ آخرها بالإضافة، ويخضع الصَّدر لعوامل الإعراب، ما لم يكن آخِرُه ياءً فيسكن (٨)، تقول - على لغة البناء -: أتيته صباحَ مساءَ، وهو جاري بيتَ بيتَ، وتفرَّقوا أيادِي سبا، وعلى اللُّغة الثانية: أتيتُه صباحَ مساءٍ، وهو جاري بيتَ بيتٍ.
وذكر سيبويه ﵀ أنَّه لم يُسمعْ من العرب في "بادي بدا" سوى البناء، ولكنَّه أجاز فيه الإضافةَ قياسًا على غيره من مثيلاته (٩).
وأوجب الرضي (١٠) البناء في "شَغَرَ بَغَرَ"، و"شَذَرَ مَذَرَ"، و"خِذَعَ مِذَعَ"، و"أَخْوَلَ أَخْوَلَ"؛ قال: "وكلُّها بمعنى: منتشرين"، و"حَيْثَ بَيْثَ"، و"بَيْنَ بَيْنَ"؛ لأنَّ الإضافة فيها لم تُسمع كما سُمعت في غيرها.
ويقدح فيه أنَّ سيبويه لم يذكر مِمَّا لم يُسمع فيه الإضافة من هذه المركَّبات سوى "بادي بدا" - كما مرَّ آنفًا - ومع هذا أجاز فيه الإضافة قياسًا.
وإذا عُوملت هذه المركَّباتُ معاملةَ المتضايفين، فأضيف الصَّدر إلى العَجُز، فإنَّها لا تُلازم الظَّرفيَّة والحاليَّة، بل قد تقع ظرفًا أو حالاً، وقد تقع غير ذلك كما في قول الفرزدق:
стр. 1063
وَلَوْلاَ يَوْمُ يَوْمٍ مَا أَرَدْنَا جَزَاءَكَ وَالْقُرُوضُ لَهَا جَزَاءُ (١) لَمَّا لم يُرِدْ بالمركَّب الظرفيةَ، أعربَه ورفعه بالابتداء، بخلاف ما إذا كانت مركَّبةً مبنية، فإنَّها لا تخرج عن الظرفية أو الحالية.
٢ - أسماء الأفعال المركَّبة مبنيةٌ جميعُها، سواء أكانت مركَّبةً مِن جار ومجرور، أمْ من غيرهما، وهذا - أعني: البناء - حُكمُ جميع أسماء الأفعال؛ بسيطِها ومركَّبِها.
واختلف في "الكاف" اللاَّحقة لأسماء الأفعال المركَّبة من جار ومجرور، مثل: "عليك"، و"إليك"، و"مكانك"، و"دونك"، وهي تتصرَّف بحسب المخاطب إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، وتذكيرًا وتأنيثًا، فقيل: هي اسم، في موضع جرٍّ عندَ البصريِّين، ونصبٍ عندَ الكِسائي (ت: ١٨٩هـ)، ورفعٍ عند الفرَّاء (ت: ٢٠٧هـ)، وذهب ابن باشاذ (ت: ٤٦٩هـ) إلى أنَّها حرف خطاب وليست ضميرًا، فلا موضعَ لها من الإعراب (٢)، وهذا - في رأيي - أقرب الأقوال فيها إلى القَبول والأخذ به؛ لأنَّها صارت بالتَّركيب كالجزء من الكلمة، وجزء الكلمة لا موضعَ له من الإعراب، فهي كالكاف اللاَّحقة لأسماء الإشارة، ومثلُ الكاف في "عليك" و"إليك" ... والياءُ في "عليَّ" بمعنى: أَوْلِنِي، و"إليَّ" بمعنى: أتنحَّى، والهاءُ في "عليه" بمعنى: ليلزم.
٤ - "حَيْصَ بَيْصَ" مبنيٌّ على فتح الجزأين عند مَن قال: "حَيْصَ بَيْصَ" و"حَوْصَ بَوْصَ"، وعلى كسرهما عندَ مَن قال: "حَيْصِ بَيْصِ"، ومعربان عند مَن نوَّنهما (٣)، كقول أعرابيٍّ لآخَرَ: "إنَّك لتحسب عليَّ الأرض حَيْصًا بَيْصًا" (٤).
٥ - "خازِ بازِ" تلاعبتِ العرب في هذه الكلمة - سبق أنَّ فيها سبعَ لُغات (٥) -: فمن قال: "خازَ بازَ" بفتح الجزأين، فقد ركَّب الاسمين وجعلهما اسمًا واحدًا، وبناهما على فتح الجزأين تشبيهًا بالمركَّب العدديِّ كخمسةَ عشرَ، ومَن قال: "خازِ بازِ"، فقد بناهما على الكسر، قال ابن يعيش: "جعلهما اسمين غير مركَّبين، وأجراهما مجرى الأصوات، نحو: غاقِ غاقِ" (٦)، ويُشعر كلامُ الرضي بأنَّهما مركَّبان والحال هذه (٧).
ومَن قال: "خازِ بازُ" بكسر الزَّاي الأولى، فقد عامله معاملةَ المركَّب المزجي، فأعربه إعرابَ الممنوع من الصَّرف على آخره؛ قال الرضي: "للعلميَّة الجنسية والتركيب" (٨)، وكُسِر أوَّله؛ للتَّخلص من الْتقاء الساكنين، وهما الألف والزاي التي كانت ساكنةً على أصل البناء (٩)، أمَّا "خازَ بازُ" بفتح الزاي الأولى، فمعربٌ إعرابَ الممنوع من الصَّرف كسابقه، وفُتِحَ أوَّله كما فتح أول "بَعْلَبَكَّ" و"حَضْرَمَوْتَ"، وغيرهما من المركَّبات المزجيَّة، التي أولها ليس مختومًا بياء؛ لأنَّ الثاني نُزِّل منزلةَ تاء التأنيث مما قبلها، فلزم آخِر الأوَّل الفتح، كما لزمه ما قبل تاء التأنيث.
стр. 1064
ومن قال: "خازُ بازٍ" فقد أعربَ الجزأين، وأضاف الأوَّلَ إلى الثاني، عامله معاملةَ المركَّب المزجي، على لُغة مَن يُضيف صدره إلى عَجُزه (١).
والكلمة مفردة معربةٌ عند مَن قال "خِزْ بَازٌ" و"خازِ بَاءُ"، وزنها في الأولى "فِعْلاَلٌ"، كَقِرْطَاس، وفي الثانية "فَاعِلاَءُ" كقَاصِعَاء، وهي ممنوعةٌ من الصَّرف في الأخيرة؛ لأن همزتها بدل من ألف التأنيث.
٦ - الكنايات المركَّبة: "كمْ"، و"كأيِّنْ"، و"كذا" - مبنيَّة على السُّكون، وهو ظاهر في "كم" و"كذا"، أمَّا "كأين" فمبنيةٌ على سكون "النون" في آخرها (٢)، التي هي في الأصل "نون" تنوين؛ لأنها مركَّبة - كما سبق - من "كاف" التشبيه و"أيٍّ" المعربة المنوَّنة، وبعد التركيب زال المعنى الإفرادي للجزأين - كما قال الرضي - "وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبريَّة، فصار كأنَّه اسم مبني على السُّكون، آخره نون ساكنة كما في "مَنْ" لا تنوين تمكُّن؛ فلذا يكتب بعد الياء نون مع أنَّ التنوين لا صورةَ له خطًّا" (٣).
وذهب ابن مالكٍ إلى أنها "مستحِقَّة للحكاية؛ لأنَّها مركَّبة من "كاف" التشبيه و"أيٍّ"، فكانت بمنزلة "بزيدٍ" مسمًّى به، فإنه يَلْزم أن يُجرى مَجْرى الجملة المسمَّى بها في لزوم الحكاية، والمحافظة على كلِّ جزء من أجزائها" (٤)، وعلى هذا "كأيِّن" معربة تقديرًا، بناءً على المشهور من أنَّ المحكيَّ معربٌ لا مبني (٥).
الخاتمة:
وبعد هذا العرض للأسماء المركَّبة، لعلَّ من المفيد تلخيصَ ما ورد فيه، فبعد تعريف المركَّب، وهو عند النَّحْويِّين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر" - تناولَ البحث أنواع الأسماء المركَّبة، فقسمتها أوَّلاً قسمين: أسماء أعلام، وأسماء غير أعلام، والأعلام المركَّبة ثلاثة أنواع: مركَّب إضافي، ومركَّب مزجي، ومركَّب إسنادي.
أمَّا غير الأعلام من الأسماء المركَّبة فهي المركَّب العددي، والظروف والأحوال المركَّبة، وما أُلْحِق بها، وأسماء الأفعال المركَّبة، والكنايات المركَّبة.
كما تناول البحث إعراب المركَّبات بأقسامها المختلفة، فمنها المعرب، وهو المركب الإضافي، والمركَّب المزجي ما لم يكن مختومًا بكلمة (ويه)، والظروف والأحوال المركَّبة في أحد استعمالَيْها، ومنها المبني وهو أكثرها، ويشمل المركب العددي، وأسماء الأفعال، وأسماء الكنايات المركَّبة، والمركب المزجي المنتهي بكلمة (ويه)، والظروف والأحوال المركَّبة في الاستعمال الآخَر.
ومن المركَّبات ما هو معربٌ إعرابًا تقديريًّا، وهو المركَّب الإسنادي، فهو يلزم الحكاية، وتُقدَّر عليه جميعُ حركات الإعراب.
هذا مجمل ما تضمَّنته هذه الدِّراسة النَّحْوية للمركَّبات، أمَّا دراستها صرفيًّا فسأتناولُها في بحثٍ آخَرَ - إن شاء الله - والحمد لله أوَّلاً وآخرًا.
المصادر والمراجع:
١ - كتاب الإتْباع، تأليف: الإمام العلاَّمة حُجَّة العرب أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي، الحلبي، المتوفى سنة ٣٥١ هـ، حقَّقه وشرحه وقدَّم له: عز الدين التنوخي، دمشق، مجمع اللغة العربية، ١٣٨٠هـ - ١٩٦١م.
٢ - ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب، لأبي حيان محمَّد بن يوسف الأندلسي (٦٥٤ - ٧٤٥هـ)، تحقيق: د/ محمَّد بن أحمد النماس، ط١، مطبعة المدني.
стр. 1065
٣ - الأشباه والنظائر في النحو، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السَّيوطي (٨٤٩ - ٩١١هـ)، تحقيق د/ عبد العال سالم مكرم، ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦هـ/١٩٨٥م.
٤ - إصلاح الخلل الواقع في الجمل للزجَّاجي، تأليف: عبد الله بن السيد البطليوسي (٤٤٤ - ٥٣١هـ)، تحقيق: د/ حمزة عبد الله النشرتي، ط١، الرياض، دار المريخ، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.
٥ - إصلاح المنطق، لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت (١٨٦ - ٢٤٤هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد شاكر، وعبد السلام هارون، ط٣، مصر، دار المعارف، ١٩٧٠م.
٦ - الأصول في النحو، لأبي بكر محمَّد بن السري بن السراج (٣١٦هـ)، تحقيق: د/ عبد الحسين الفتلي - مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.
٧ - الأغاني، لأبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني (٢٨٤ - ٣٥٦هـ)، ط٢، بيروت، دار الثقافة، ١٣٧٦هـ/١٩٥٧م.
٨ - كتاب ألقاب الشعراء ومَن يُعرف منهم بأُمِّه، لأبي جعفر محمَّد بن حبيب البغدادي (٢٤٥هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط٢، ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م، ضمن "نوادر المخطوطات".
٩ - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النَّحويين البصريين والكوفيين، تأليف: أبي البركات عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي سعيد الأنباري (٥١٣ - ٥٧٧هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط٤، ١٣٨٠هـ/١٩٦١م.
١٠ - أوضح المسالك إلى ألْفية ابن مالك، تأليف: الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد - بيروت، المكتبة العصرية.
١١ - البحر المحيط، لأبي حيَّان محمَّد بن يوسف بن علي الأندلسي (٦٥٤ - ٧٤٥هـ)، طبعته مطابع النصر بالرياض عن طبعة القاهرة، سنة ١٣٢٩هـ، مطبعة السعادة.
١٢ - البديع في علم العربية، لمبارك بن محمَّد بن محمَّد بن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦هـ) الجزء الثاني، دراسة وتحقيق: صالح بن حسين العايد، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية اللغة العربية، بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية.
١٣ - تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، لابن مالك محمَّد بن محمَّد بن عبد الله الطائي (٦٠٠ - ٦٧٢هـ)، حقَّقه محمَّد كامل بركات، القاهرة، دار الكتاب العربي، ١٣٨٨هـ/١٩٦٨م.
١٤ - التعريفات، لأبي الحسن علي بن محمَّد بن علي الجرجاني (٧٤٠ - ٨١٦هـ)، بيروت، مكتبة لبنان، ١٩٧٨م، مصورة عن طبعة "فلوغل"، في (ليبسك)، عام ١٨٤٥م.
١٥ - تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد، تأليف: الشيخ محمَّد بدر الدين بن أبي بكر بن عمر الدماميني (٧٦٣ - ٨٢٧هـ)، تحقيق: د/ محمَّد بن عبد الرحمن المفدى، ط١، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
١٦ - تهذيب اللغة، لأبي منصور محمَّد بن أحمد الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون وآخرين، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر.
١٧ - التوقيف على مهمَّات التعاريف، تأليف: محمَّد عبد الرؤوف المنياوي (٩٥٢ - ١٠٣١هـ)، تحقيق: د/ محمَّد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط١، دمشق، دار الفكر، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م.
١٨ - جمهرة اللُّغة، لأبي بكر محمَّد بن الحسن بن دريد (٢٢٣ - ٣٢١هـ)، حقَّقه: د/ رمزي منير بَعْلَبَكِّي، ط١، بيروت، لبنان، دار العلم للملايين، ١٩٨٧م.
١٩ - الجنى الداني في حروف المعاني، تأليف: ابن أم قاسم حسن بن قاسم المرادي (ت: ٧٤٩هـ)، تحقيق: طه محسن، بغداد، ١٣٩٦هـ/١٩٧٦م.
٢٠ - حاشية الشيخ حسن بن محمَّد العطار (١١٩٠ - ١٢٥٠هـ) على شرح الأزهرية في علم النحو، للشيخ خالد الأزهري، مع بعض تقريرات للشيخ محمَّد الأنبابي، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
٢١ - حاشية الصبان (١٢٠٦هـ) على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي.
стр. 1066
٢٢ - حاشية محمَّد بن مصطفى الخضري (١٢١٣ - ١٢٧٨هـ) على شرح ابن عقيل (٦٩٨ - ٧٦٩هـ) على ألفية ابن مالك (٦٠٠ - ٦٧٢هـ)، بيروت، دار الفكر، ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
٢٣ - الحيوان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١٥٠ - ٢٥٥هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط٢، عيسى البابي الحلبي.
٢٤ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تأليف عبد القادر بن عمر البغدادي (١٠٣٠ - ١٠٩٣هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، دار الكتاب العربي.
٢٥ - الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جني (٣٩٢هـ)، تحقيق: محمَّد علي النجار، بيروت، لبنان، دار الهدى، مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية.
٢٦ - ديوان جرير، شرحه مهدي محمَّد ناصر الدين، ط١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٦هـ/١٩٨٦م.
٢٧ - ديوان ذي الرمة، شرح الإمام أبي نصر الباهلي، رواية الإمام أبي العباس ثعلب، حقَّقه: د/ عبد القدوس أبو صالح، ط٢، بيروت، مؤسسة الإيمان، ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م.
٢٨ - ديوان الهذليين، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، ١٣٨٤هـ/١٩٦٤م.
٢٩ - رصف المباني في شرح حروف المعاني، للإمام أحمد بن عبد النور المالقي (٦٣٠ - ٧٠٢هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد الخراط، دمشق، مطبعة زيد بن ثابت، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م.
٣٠ - سِرُّ صناعة الإعراب، لأبي الفتح عثمان بن جني (٣٩٢هـ)، دراسة وتحقيق: د/ حسن هنداوي، ط١، دمشق، دار القلم، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.
* سيبويه = الكتاب.
٣١ - شرح إيضاح أبي علي الفارسي (٢٨٨ - ٣٧٧هـ)، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٥٣٨ - ٦١٦هـ)، دراسة وتحقيق: عبد الرحمن الحميدي، رسالة دكتوراه مقدَّمة إلى كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٩هـ.
٣٢ - شرح ألفية ابن مالك (٦٠٠ - ٦٧٢هـ)، لأبي الحسن علي بن محمَّد الأشموني (٨٣٨ - نحو ٩٠٠هـ)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
٣٣ - شرح التسهيل، لابن مالك، جمال الدين محمَّد بن عبد الله الطائي (٦٠٠ - ٦٧٢هـ)، تحقيق: د/ عبد الرحمن السيد، ود/ محمَّد بدوي المختون، ط١، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م.
٣٤ - شرح جمل الزَّجاجي، لابن عُصفور علي بن مؤمن الإشبيلي (٥٩٧ - ٦٩٩هـ)، تحقيق د/ صاحب أبو جناح، من مطبوعات وزارة الأوقاف العراقية ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م.
٣٥ - شرح حسن الكفراوي الشافعي الأزهري (ت: ١٢٠٢هـ) على متن الآجُرُّومِيَّة، مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
٣٦ - شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري، حقَّقه: د/ إحسان عباس، الكويت، ١٩٨٤م، (طبعة ثانية مصورة).
٣٧ - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، تأليف: الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط٩، مصر، مطبعة السعادة، ١٣٨٢هـ/١٩٦٣م.
٣٨ - شرح قطر النَّدى وبَلّ الصَّدى، تصنيف: أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١هـ)، علَّق عليه: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط١٢، مصر، مطبعة السعادة، ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م.
٣٩ - شرح كافية ابن الحاجب (٥٧٠ - ٦٤٦هـ)، تأليف: رضي الدين محمَّد بن الحسن الأَسْتَرَابَاذِيِّ (٦٨٦هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة مصورة عن طبعة الشركة الصحافية العثمانية، سنة١٣١٠هـ.
٤٠ - شرح الكافية الشافية، لابن مالك، محمَّد بن عبد الله الطائي (٦٠٠ - ٦٧٢هـ)، حققه: د/ عبد المنعم هريدي، ط١، مكة المكرمة، دار المأمون للتراث، مطبوعات مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى، ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م.
٤١ - شرح المفصل، لابن يعيش، يعيش بن علي بن يعيش (٥٦٦ - ٦٤٣هـ)، الناشر: عالم الكتب ببيروت، ومكتبة المثنَّى بالقاهرة، طبعة مصورة عن طبعة محمَّد منير، سنة ١٩٢٨م.
стр. 1067
٤٢ - الشعر والشعراء، لأبي محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢١٣ - ٢٧٦هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد شاكر، ط٢، مصر، مطابع دار المعارف، ١٣٨٧هـ/١٩٦٧م.
٤٣ - الصحاح تاج اللُّغة وصحاح العربية، تأليف: إسماعيل بن حمَّاد الجوهري، (بعد ٣٩٦هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط٢، بيروت، دار العلم للملايين، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.
٤٤ - صحيح البخاري، محمَّد بن إسماعيل (١٩٤ - ٢٥٦هـ)، تعليق: د/ مصطفى ديب البغا، بيروت، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م.
٤٥ - صحيح مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٦ - ٢٦١هـ)، تحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، ط١، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٣٧٥هـ/١٩٥٥م.
٤٦ - فضائل الصحابة، للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ)، حقَّقه: وصي الله بن محمَّد عباس، ط١، مؤسسة الرسالة، من مطبوعات مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
٤٧ - فوح الشَّذا بمسألة كذا، لابن هشام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١هـ)، تحقيق: أحمد مطلوب، بغداد، ١٣٨٢هـ/١٩٦٣م.
٤٨ - القاموس المحيط، تأليف: مجد الدين محمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاهرة، مؤسسة الحلبي، (٧٢٩ - ٨١٧هـ).
٤٩ - الكافي في الإفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح، لابن أبي الربيع السبتي الأندلسي (٥٩٩ - ٦٨٨هـ)، تحقيق ودارسة: د/ فيصل الحفيان، ط١، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤٢٢هـ/٢٠٠١م.
٥٠ - الكامل، لأبي العباس محمَّد بن يزيد المبرد (٢١٠ - ٢٨٥هـ)، حقَّقه: محمَّد أحمد الدَّالي، ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦هـ /١٩٨٦م.
٥١ - الكتاب، لسيبويه، أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (١٨٠هـ)، ط١، بولاق، المطبعة الكبرى الأميرية، ١٣١٦ - ١٣١٧هـ.
٥٢ - اللُّباب في علل البناء والإعراب، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٥٣٨ - ٦١٦هـ)، حقَّق الجزءَ الأول: غازي مختار طليمات، والجزء الثاني: د/ عبدُالإله نبهان، ط١، دبي، مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، ١٤١٦هـ/١٩٩٥م.
٥٣ - لسان العرب، لابن منظور جمال الدين محمَّد بن مكرم الأنصاري (٦٣٠ - ٧١١هـ)، طبعة مصورة عن طبعة بولاق.
٥٤ - ما ينصرف وما لا ينصرف، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (٢٣٠ - ٣١١هـ)، تحقيق: هدى محمود قراعة، القاهرة، ١٣٩١هـ/١٩٧١م.
٥٥ - مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمَّد بن أحمد الميداني (٥١٨هـ)، تحقيق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، عيسى البابي الحلبي.
٥٦ - المركَّب الاسمي الإسنادي وأنماطه من خلال القرآن الكريم، د/ أبو السعود حسنين الشاذلي، ط١، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م.
٥٧ - المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات، لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (٢٨٨ - ٣٧٧هـ)، تحقيق: صلاح الدين السنكاوي، بغداد، مطبعة العاني، من مطبوعات وزارة الأوقاف العراقية.
٥٨ - المساعد على تسهيل الفوائد، للإمام بهاء الدين بن عقيل (٦٩٨ - ٧٦٩هـ)، تحقيق: د/ محمَّد كامل بركات، من مطبوعات مركز البحث العلمي، بجامعة أم القرى في مكة المكرمة.
٥٩ - المستدرك على الصحيحين "مستدرك الحاكم"، لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (٣٢١ - ٤٠٥هـ)، راجعه: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ/١٩٩٠م.
٦٠ - المستقصى في أمثال العرب، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨هـ)، ط٢، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، ١٣٩٧هـ/١٩٧٧م، طبعة مصورة عن طبعة حيدر آباد، سنة ١٩٦٢م.
٦١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشَّيباني (١٦٤ - ٢٤١هـ)، مصر، مطبعة الميمنية، ١٣١٣هـ.
стр. 1068
٦٢ - الْمَشُوف الْمُعْلَم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم، تصنيف: أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٥٣٨ - ٦١٦هـ)، تحقيق: ياسين محمَّد السواس، مكَّة المكرَّمة، مطبوعات مركز البحث العلمي بجامعة أُمّ القرى، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
٦٣ - معاني القرآن، للفراء، لأبي بكر يحيى زياد (١٤٤ - ٢٠٧هـ)، الجزء الأول طبع بمطبعة دار الكتب المصرية، سنة ١٣٧٤هـ/١٩٥٥م، وطبع الجزء الثاني بمطابع سجل العرب بتحقيق: محمَّد علي النجار، وطبع الجزء الثالث بتحقيق: د/ عبد الفتاح شلبي سنة ١٩٧٢م.
٦٤ - معجم البُلدان، لياقوت الحموي (٥٧٤ - ٦٢٦هـ)، لبنان، دار صادر، بيروت.
٦٥ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين بن هشام الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١هـ)، حقَّقه: د/مازن المارك، ومحمَّد علي حمد الله، ط١، دمشق، دار الفكر، ١٣٨٤هـ/١٩٦٤م.
٦٦ - المفصل في علم العربية، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨هـ)، ط٢، بيروت، لبنان، دار الجيل، طبعة مصورة عن طبعة سنة ١٣٢٣هـ.
٦٧ - المقتضب، صنعة أبي العباس محمَّد بن يزيد المبرد (٢١٠ - ٢٨٥هـ)، تحقيق: محمَّد عبد الخالق عضيمة، القاهرة، من منشورات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م.
٦٨ - النحو الوافي، تأليف: عباس حسن، ط٥، مصر، دار المعارف.
٦٩ - النُّكت في تفسير كتاب سيبويه، لأبي الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأعلم الشنتمري (٤١٥ - ٤٧٦هـ)، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، ط١، من منشورات معهد المخطوطات العربية، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م.
المصدر: موقع الألوكة
стр. 1069
هل تعود السينما من جديد ؟!
إبراهيم بن محمد الحقيل
٢٣/ ٤/١٤٣٠هـ
تشهد المملكة في السنوات الأخيرة نشاطا ليبراليا محموما .. يرى أصحابه أن هذه المرحلة هي مرحلتهم؛ وذلك لتوافر الظروف الدولية والإقليمية والمحلية الملائمة لفرض فكرهم، ويبدو أن أصحاب هذا التوجه المنحرف لن يفوتوا هذه الفرصة الذهبية التي يرون أنها ربما لا تسنح لهم مرة أخرى كما هي عليه الآن .. تمثل ذلك في سياسة فرض الأمر الواقع بتمرير عدد من القرارات التغريبية للمجتمع، مع حملة شعواء تستخدم فيها كافة الأساليب غير الأخلاقية بالطريقة المكيافيلية على كل من يقاوم مشروعاتهم الإجرامية في إفساد الناس أو ينتقدها، وقد تآزر معهم في حملتهم الهوجاء أصحاب الطوائف البدعية الأخرى -لتقاطع مصالحهم معهم- من رافضة اثني عشرية وزيدية وإسماعيلية وصوفية، وأعانهم أصحاب الاتجاهات العصرانية لضرب هذه البلاد المباركة في عمقها الاستراتيجي، وتقويض الدعائم التي قامت عليها؛ بقصد إضعافها وتركيعها داخلياً، وفرض الإملاءات الخارجية عليها، تلك التي تصب في مصلحة هذه الأقليات الناقمة على منهج هذه البلاد، الحاقدة على من يمثلون هذا المنهج أو يدافعون عنه، وقد بان أنهم في سبيل تحقيق خططهم يعملون في خطين متوازيين:
الأول: فرض الفساد العقدي والفكري والأخلاقي بكافة الوسائل تحت شعارات الحرية والإنسانية وقبول الآخر وتحرير المرأة والانفتاح والتعايش والتيسير وغير ذلك، بدعم أجنبي مما يسمى بالمنظمات الحقوقية، ومن الدول المتسلطة.
الثاني: الطعن في المؤسسات الشرعية ومن يمثلها ومن يحميها كالقضاء والهيئات والمساجد والدعوة والإغاثة وتحفيظ القرآن، وكافة المشاريع الدعوية، وتشويه سمعتها، وتأليب الدولة والعامة عليها.
وكان الإعلام الداخلي والخارجي بفضائياته وصحفه أمضى سلاح استخدموه ومرروا به كثيرا من مشروعاتهم .. خدعوا به العامة بما يدعونه إصلاحاً، وألبوهم على أهل العلم والدعوة، الناصحين لأمتهم، الصادقين في انتمائهم، منتهكين في إعلامهم الأنظمة الصادرة في السياسة الإعلامية للمملكة التي تُعَد دستورها في هذا المجال.
وإحياء السينما من جديد هو مشروع واحد من عشرات المشروعات التي يريدون تنفيذها والوصول إليها لإغراق هذه البلاد المباركة في مستنقعات الرذيلة والانحلال، وهذا المشروع لو تحقق لهم فإنه سيلد مشروعات كثيرة خطيرة تفقد هذه البلاد خصوصيتها، وتسلبها ما امتازت به عن غيرها من البلاد الإسلامية التي انتشرت فيها مظاهر الانحلال الأخلاقي، ومجاهرة الفساق فيها بفسقهم.
شيء من تاريخ السينما:
من يراجع الكتب التي أرخت لصناعة السينما سواء الأجنبية منها أو العربية يجد اضطرابا كبيرا في أوليتها، ورصد تدرجها، وسبب ذلك أن تحريك الصور الثابتة مرَّ بأطوار وتجارب كثيرة سجل بعضها وأهمل بعضها الآخر، وهذا سرد تاريخي بأهم التطورات في عالم السينما:
أولاً: السينما العالمية: (١) - أشهر المحاولات المُبَكِّرة في هذا الصدد محاولة المصور الإنجليزي الأصل إدوارد ماي بردج في عامي ١٨٧٧م و١٨٧٨م، بتقديم مجموعة من الصور لحصان يجري.
- قدَّم المخترع الأمريكي المشهور أديسون جهازا عرضت فيه الصور المتحركة عام ١٨٩٣م.
стр. 1070
- في عام ١٩٠٣ م قدَّم إدوين بورتر فيلما روائيا (سرقة القطار الكبرى) مدتُهُ (١١ دقيقة) أخرجه دي دبليو جريفيث، ويعد أول عمل روائي في تاريخ السينما (١).
- قبل نشوب الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م، كانت بعض الشركات المنتجة قد أقامت لنفسها عددًا من أماكن التصوير (الاستديوهات) حول منطقة هوليوود في لوس أنجلوس التي صارت بعد ذلك أكبر مصنع للسينما في العالم.
- في عام ١٩٢٧م عرض أول فيلم ناطق وهو (مغني الجاز) الذي تم فيه تحقيق التزامن بين الشريط السينمائي وأسطوانة الصوت المسجلة.
- في عام ١٩٢٩م، أصبحت عملية تسجيل الصوت على شريط الصورة عملية شائعة، وبه انتهت السينما الصامتة. (٢) - في الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي تراجعت صناعة السينما بسبب انتشار أجهزة التلفزة في أمريكا فانخفض إنتاج هوليوود من) ٥٥٠ (فيلمًا في العام قبل الحرب العالمية إلى) ٢٥٠ (فيلمًا في الخمسينيات من القرن العشرين، لكن بقيت السينما ولم تنته بالتلفزيون.
- في أوائل السبعينيات ابتدأت دور العرض السينمائية الغربية بعرض الأفلام الإباحية ابتداء من السويد ففرنسا فإيطاليا فأمريكا (٣) ثانياً: السينما المصرية: (٤) - أول بلد مسلم عرف السينما هي مصر، وكان عرض السينما فيها بعد أشهر فقط من عرضها في فرنسا، وأول عرض للصور المتحركة للجمهور في القاهرة كان يوم السبت ٢٨ نوفمبر سنة ١٨٩٦ م، والأجانب من الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين وغيرهم هم من جلب السينما لمصر، وهم أول من عرض أفلامها.
- من عام ١٩٠٨ إلى عام ١٩١٧ م زادت عدد دور العرض السينمائية في مصر من عشر إلى ثمانين.
- في عام ١٩١٨ م أسس مجموعة من الإيطاليين (الشركة السينمائية المصرية) فأنتجت فيلم (الزهور القاتلة) وكان يتضمن آيات قرآنية علقت على الحائط بشكل مقلوب. (٥) - في عام ١٩١٩ م اكتشف الأجانب عزوف المصريين عن أفلامهم المستوردة أو المنتجة محليا بخبرات أجنبية فلجئوا إلى إشراك المصريين في أفلامهم لترغيب الناس فيها فنجحوا.
- في عام ١٩٢٣م صدرت مجلة الصور المتحركة في مصر وهي أول مجلة متخصصة في السينما المصرية والأجنبية، وفي عام ١٩٢٧م أسست غرفة لصناعة السينما في مصر.
стр. 1071
- في عام ١٩٢٥ أنشأ بنك مصر شركة مصر للتمثيل والسينما، وازدهرت صناعة السينما بعدها، وفي عام ١٩٣٣ م أرسلت شركة مصر للتمثيل والسينما أولى بعثاتها للخارج للدراسة في باريس وبرلين، وأنشأت هذه الشركة ستوديو مصر الذي افتتح عام ١٩٣٥ م، وعدوا ذلك أكبر منجز للسينما في مصر. (١) - عقب الحرب العالمية الثانية كان في مصر مئة شركة إنتاج سينمائي، ثم ازدهرت صناعة السينما في العقود اللاحقة وأنتجت مصر مئات الأفلام، وفي السنوات الأخيرة يزداد الإنتاج المصري للأفلام ففي عام ٢٠٠٦م أنتجت مصر أربعين فيلما، وأربعين أيضاً في عام ٢٠٠٧م، وزاد العدد في ٢٠٠٨م إلى ثلاثة وخمسين فيلما.
- يقول الناقد السينمائي الفرنسي كلود ميشيل: «إن علاقة مصر بالسينما تذكر كثيرا بعلاقتها بالتأثير الذي مارسته عليها التكنولوجيا المعاصرة، والإيديولوجيا والثقافة الأوربية» (٢) ثالثاً: السينما في السعودية:
ألف خالد ربيع السيد كتابا عن السينما في السعودية بعنوان «الفانوس السحري: قراءات في السينما» (٣) ذكر فيه أن السفارات الأجنبية في المملكة كانت أول من فتح أبوابها للسعوديين لمشاهدة السينما في السبعينيات الميلادية، وأنه كان من مرتادي السفارة النيجيرية والسفارة الإيطالية لمشاهدة الأفلام السينمائية التي تعرض فيها. وأنشئت دور عرض سينمائية في جدة باسم «باب شريف» وسينما «أبو صفية» في حي الهنداوية، وفي الطائف سينما نادي «عكاظ» الرياضي وسينما «الششة»، ويذكر في كتابه أن السينما السعودية خطت أولى خطواتها في عام ١٩٧٧ ميلادية؛ إذ تم إنتاج أول فيلم سعودي بعنوان «اغتيال مدينة» وعُرض في مهرجان القاهرة السينمائي وحاز على جائزة «نيفرتيتي الذهبية» لأحسن فيلم قصير.
ثم ذكر أنه في فترة الثمانينات اغتيلت أحلام السينما السعودية بفعل التغيرات الدينية والاجتماعية للسعودية التي شهدت موجة عارمة من التدين، وتم إقفال دور العرض السينمائية في كل مدن المملكة وأقفلت السفارات التي كانت تعرض السينما أبوابها.
قلت: وذكر لي بعضهم أنه في هذه الحقبة كانت بعض الأندية الرياضية تعرض في مقراتها أفلاماً سينمائية عند الفوز، تستميل بها الجمهور الرياضي ليشجع أنديتهم.
- في هذا العام ١٤٣٠عادت الدعوة للسينما جذعة، واستمات الليبراليون في فرضها واقعاً على الناس، وأنتجت شبكة روتانا فيلماً سعودياً بعنوان (مناحي) عرض في جدة، ومن المحتمل أن يعرض في الرياض خلال الأيام القادمة.
والقارئ لتاريخ السينما العالمية والعربية في مصادرها المختلفة لا بد أن يلحظ ثلاث ملاحظات مهمة:
الملاحظة الأولى: أن السينما نشأت أجنبية الفكر والمشرب والتنفيذ، وأنها لم تكن في يوم من الأيام محايدة، أو أداة للتسلية، أو للربح فقط، وإنما هي تبث رسائل فكرية محددة تستلب عقول مشاهديها بالإثارة والتشويق.
стр. 1072
وسيطرة اليهود في هوليوود -أكبر منتج للسينما في العالم- ليست تخفى على أحد، وصالات العرض السينمائية في شتى أنحاء الأرض تستورد أفلامها من هوليوود. وقد صدرت عشرات الدراسات عن هوليوود ونجومها ومخرجي أفلامها، وتمويل اليهود لها، وسيطرتهم عليها، يقول بن جوريون وهو يفتخر: «إنني أدعم العمل السينمائي» (١) وكان بيجن يستقبل بعض صناع السينما وبعض النجوم العالميين (٢). وهذا يدل على عناية قادة اليهود بهؤلاء النجوم؛ لأنهم يخدمون توجهاتهم سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا.
يقول الروسي كاراغانوف: «إن الهوليوود يقدم للجمهور ما يريد تقديمه، ويرفض وصاية الجمهور عليه، ليس الهوليوود بحاجة إلى جمهور لأنه يصنع جمهوره بنفسه» (٣).
ويقول السينمائي السوري صلاح دهني: «إن الأفلام التي نراها تمثل دون أدنى شك هيمنة غربية على الصالات السينمائية. .. » وذكر أنه كان يعرض في سوريا عام ١٩٦٦ م ٣٠٠ فيلم ٩٥% منها أمريكية (٤).
الملاحظة الثانية: أن السينما المصرية -التي هي أول سينما عربية- نشأت أجنبية، وأكثر من أسسوها ونفذوها هم من اليهود والنصارى، وكانوا يغيرون أسماءهم عند الحاجة إلى ذلك، وكان رأس المال اليهودي حاضرا فيها بشكل كبير، وتوجد دراسات تتبعت نفاذ اليهود للسينما المصرية من أول نشأتها (٥)، وكان من أشهر المؤثرين في السينما المصرية إبان نشأتها وتطورها عدد كبير من اليهود منهم: توجو مزراحي وإلياس مؤدب وبدر لاما وبهيجة المهدي وراقية إبراهيم وزكي الفيومي وسامية رشدي وسلامة إلياس وكاميليا وشالوم وعباس رحمي وصالحة قاضين وفيفي يوسف ونجمة إبراهيم ونجوي سالم ويوسف ساسون ووداد عرفي، وغيرهم. وقد سيطرت عائلات يهودية على صناعة السينما وأدواتها مثل عائلات: منشة وموصيري ويوسف قطاوي وسوارس ومزراحي وأسمالون وشيكوريل وعدس وساسون.
حتى إن مجلة صباح المصرية تذمرت من السيطرة الأجنبية على السينما المصرية، وغرسها لأفكار وأخلاق معينة فكتبت في افتتاحيتها تحت عنوان «الأجانب والسينما في مصر»: «لقد كنا إلى آخر لحظة نحسن الظن أو نحاول أن نحسن الظن بجماعة الأجانب الذين يحترفون السينما في مصر .... وطالما أغمضنا أعيننا عن كثير من الجرائم التي يرتكبونها ويعتدون فيها على كرامة المصري .... أهملوا اللغة العربية وهي لغة السواد الأعظم من أبناء البلاد .. .» (٦) وفي عام ١٩٤٠ شن الرسام الناقد كامل التلمساني حملة قوية على وضع السينما ومضامينها، وكتب المقالات المنتقدة لها في مجلة (التطور) وهاجم نظرية (الفن للفن) وهو أول من استخدم تعبير (سينما المخدرات) لما فيها من مضامين الفساد. (٧).
стр. 1073
وتذكر الفنانة الجزائرية التي تابت خديجة المداح، وعُرفت عند أهل الهوى والضلال بـ (هدى الجزائرية) أنها عملت مع امرأة يهودية، تقول: «فما كان منها إلا أن أوفدتني للعمل في باريس مُهرِّجة مع يهودي وآخر فرنسي، كان دوري يتلخص في ارتداء الزي الجزائري والسخرية منه ليضحك الجمهور الفرنسي .. وفي باريس تعرفتُ على ليلى الجزائرية التي كانت تعمل مع فريد الأطرش، فرشحتني للعمل راقصة، وكنت في كل يوم أقترب كثيراً من حياة الضلال» (١) وخصص الناقد السينمائي الفرنسي غي هاينبيل فصلا من كتابه (خمسة عشر عاما من السينما العالمية) درس فيه السينما العربية وحلل واقعها بين عامي ١٩٦٠ - ١٩٧٥ ذكر فيه الدور الإمبريالي في السينما العربية وسيطرة شركات الإنتاج والتوزيع الهوليوودية الأمريكية في العالم بما فيها السينما العربية. (٢) وتحدث أحمد هيكل عن فترة الأربعينيات فقال: «وقد شهدت تلك الفترة تحولا خطيرا في الحياة الفكرية، وقد تمثل هذا التحول في تغلب التيار الفكري المتجه إلى الغرب والمستدبر للشرق .... واتخاذ الغرب مثلا أعلى .... وكان من أهم تفوق هذا الاتجاه ازدياد الاتصال بالغرب في المجال الفكري بسبب عودة طائفة من الدارسين في أوربا إلى مصر .... » ثم يذكر أنه في تلك الفترة قويت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة وتبناها العديد من المفكرين والمثقفين ..
ويقول الناقد السينمائي الأردني حسان أبو غنيمة: «كانت الأفلام الواردة من خارج الوطن العربي والعالم الإسلامي والأفلام المصنوعة داخل الوطن العربي والعالم الإسلامي تتقاسم قتل المشاهد فكريا وأخلاقيا بصورة تبعث على الدهشة، وكأنما كان هناك نوع من التلذذ بعملية هذا القتل البطيء والمستمر دونما هوادة ... ». ثم يذكر أن أي دراسة سيسيولوجية لتأثير ما أنتجته السينما تظهر بجلاء أنها لعبت دورا كبيرا في تخريب الكثير من القيم الإنسانية، وفي تشويه العقل العربي الخام، ودفعه في اتجاه البحث عن قيم غربية بعيدة عن تقاليده وقيمه (٣).
стр. 1074
الملاحظة الثالثة: اقتحام العناصر النسائية أو إقحامها في السينما أول نشأتها في مصر إنتاجاً وتمثيلا؛ فأسست عزيزة أمير أول شركة مصرية لها باسم إيزيس فيلم، وخرج فيلمها الأول باسم ليلى في موسم (١٩٢٧ - ١٩٢٨م) وفيلمها هذا يعده المؤرخون للسينما أول فيلم مصري حقيقي. في أعقاب هذا الفيلم خرج فيلم زينب الذي اشتركت فيه بهيجة حافظ التي أسست فيما بعد شركة سينمائية باسم فنار فيلم. ثم قامت آسيا داغر وأنشأت شركة سينمائية باسم لوتس فيلم وقدمت فيلم غادة الصحراء. ثم جاء دور فاطمة رشدي فأسست شركة سينمائية (١).
يقول محمد السيد شوشة: «لقد اقترن الإنتاج السينمائي في البداية بأسماء ست سيدات مصريات كن الرائدات ... عزيزة أمير صاحبة فيلم (ليلى) وفردوس حسن فيلم (سعاد الغجرية) وآسيا فيلم (غادة الصحراء) وبهيجة حافظ بفيلم (الضحايا) وفاطمة رشدي بفيلم (الزواج) وأمينة محمد بفيلم (تيتاوونج) (٢) وإقحام المرأة في عالم السينما منذ بدايتها إخراجاً وتمثيلا، وخلطها بالرجال؛ أثمر ثقافة العري والتخلع والغرام المحرم والإسفاف المخجل في الأفلام المصرية التي غزت العالم العربي فنشرت هذه الثقافة الفاسدة فيه.
زرع القيم والأفكار بالسينما:
كانت السينما من أقوى الأسلحة الفكرية التي نفذت إلى عقل مشاهديها بسهولة لتؤثر فيهم، وتصوغ أفكارهم؛ ولذا اعتنى بها اليهود، وكان الشيوعيون يعلمون خطرها وتأثيرها على الأفكار حتى قال الزعيم الشيوعي لينين عام ١٩٠٧: «تعتبر السينما من بين جميع الفنون أهمها بالنسبة لنا» (٣).
وقد خاف لينين من تأثير السينما الأمريكية والأوربية على الشعوب الشيوعية، وخشي من إقناعها لهم بالأفكار الليبرالية الرأسمالية فتتحول عن الاشتراكية، وفي هذا يقول لينين: «تسيطر على الفن السينمائي حتى هذه الساعة أيدٍ تجارية قذرة، وتقدم للمشاهدين أفلاما سيئة أكثر مما هي مفيدة، ففي الكثير من الأحيان يفسد الفن السينمائي المشاهدين بأفلام سيئة المضمون». (٤) وهذا ما دعا الكاتب الروسي كاراغانوف أن يؤلف كتابه: الفن السينمائي وصراع الأفكار.
وتأثير السينما على المعتقدات والأفكار، وصياغتها للعقول لا ينفيه صانعوها والمروجون لها والمالكون لأكبر إنتاجها، بل يثبتون ذلك، وكذب من زعم من بني قومنا أنها لمجرد الترفيه والتسلية، وأن من يحاربونها يتهمون غيرهم على غير هدى، فهذا المخترع المشهور توماس إديسون وهو ممن طور آليات السينما يقول: «من يسيطر على السينما يسيطر على أقوى وسيلة للتأثير في الشعب .. » (٥) ويقول مؤرخ الفنون الأمريكي أورين بانوفسكي: «إن السينما سواء أحببنا أم لم نحب هي القوة التي تصوغ أكثر من أي قوة أخرى الآراء والأذواق واللغة والزي والسلوك بل حتى المظهر البدني لجمهور يضم أكثر من ستين بالمئة من سكان الأرض». (٦) حتى قيل: السينما أفيون الشعوب (٧).
стр. 1075
ويقول وليسون: «ليست وظيفة السينما أن تزودنا بمعرفة للعالم فحسب وإنما تخلق أيضا القيم التي نعيش بها» (١).
ويقول محمد كريم في مذكراته عن فتنة الناس بالسينما في مصر: «وإذا كان الصباح ملك المدرسة ودروسها فإن بعد الظهر كان ملك الأصحاب ..... كانت تسليتهم الكبرى الذهاب إلى السينما توغراف .. » (٢).
الإفساد والاستلاب:
لقد كان كبار السينمائيين في البلاد العربية -وخاصة في مصر محضن السينما العربية- من غير المسلمين، وينفذون إلى عقول المسلمين عبر السينما، ومنهم من غيروا أسماءهم وديانتهم لما اقتضى الأمر ذلك، وكانوا وكلاء للأجانب في العبث بعقول الناس، وصرفهم عن دينهم، وإفساد أخلاقهم، والكلام عنهم يطول .. لكن سأذكر مثالاً واحداً أسلط الضوء عليه، وهو من خلع عليه الإعلام المضلل جملة من الألقاب، وحظي بجوائز عربية وعالمية كثيرة على إفساده، وهو أشهر مخرج سينمائي عُمِّر في مصر طويلا؛ إذ مات عن ثنتين وثمانين سنة، قضى منها ستين سنة في السينما وإفساد الناس بها، وهو النصراني يوسف شاهين الذي يعدونه خاتمة المخرجين الكبار، وفي الاحتفال بمئوية السينما العالمية عام ١٩٩٦ م اختار سينمائيون مصريون يوسف شاهين أفضل مخرج مصري في القرن كله.
كانت الأفلام التي يخرجها تمنع في البلاد العربية في أول الأمر لما كانت ذائقة العرب صحيحة، وأخلاقهم مستقيمة، فتعرضها فرنسا في قنواتها وهي التي كانت تمولها (٣) فما مصلحة فرنسا من تمويل أفلام عربية ثم عرضها في شاشاتها؟!
أخرج يوسف شاهين فيلم (القاهرة منورة بأهلها) بأموال فرنسية، وعرضه في مهرجان (كان) وأعَجَبَ الفرنسيين لطعنه في المصريين وتصويرهم فيه بأنهم شعب شهواني رخيص متوحش يأكل بعضه بعضاً، وأظهر فيه الشباب المصري شواذَّ يبيعون أنفسهم للأجانب، ونقل فيه الصورة من صلاة الجمعة، وأكوام الأحذية عند باب الجامع إلى جسم راقصة في مرقص، وأظهر في فيلمه الأقباط متحضرين وغير راضين عن هذه الأوضاع في مصر، حتى قال أحد النقاد السينمائيين: «لقد جمع يوسف شاهين كل البيض الفاسد في سلة واحدة» وذكر أنه صور المصريين كما أرادهم الفرنسيون (٤).
стр. 1076
وعلى هذا الفيلم القبيح كافأه وزير الثقافة الفرنسي اليهودي (جاك لانج) فكلفه بإخراج مسرحية (كاليجولا) لأعرق مسرح في فرنسا -على رغم أنوف كل المسرحيين الفرنسيين- وهو لم يقف من قبل على خشبة المسرح لا مخرجاً ولا ممثلاً، ثم أعطاه اعتماداً مفتوحاً لإنتاج فيلم (شامبليون) (١) وصنع فيلم (المهاجر) عن قصة يوسف ﵇ فشوهها أعظم تشويه، حتى قال عنه بعض النقاد السينمائيين: «فيلم المهاجر سابقة غير أخلاقية في التجرؤ على سير الأنبياء والرسل» وعدوها دعوة صهيونية في فيلم سينمائي، ونعتته الناقدة المسرحية سناء فتح الله فقالت: «الخواجا يوسف شاهين». (٢) وهو من دعاة الفرعونية، ويرى أن مصر ليست إسلامية، وهو وإن كان نصرانياً علمانياً أو متديناً كما يقول البعض؛ فإنه خدم اليهود في هوليوود وشارك المخرجين اليهود في تلميع صورتهم والدفاع عنهم، وساعد في إخراج أفلام تتبنى فكرة المحرقة اليهودية (الهولوكست) ومنها مشاركته المخرج العالمي اليهودي رومان بولانسكي ومساعدته في إخراج فيلم « The Pianist» عن قصة عازف بيانو يهودي يهرب من المحرقة، وأخرج فيلم (اسكندرية ليه) الذي هو حلقة من سيرته الذاتية، ولا يعدو أن يكون الفيلم دعوة للتطبيع مع اليهود، حتى اتهمه بعض النقاد بأنه يهودي أو مستأجر من اليهود، وقد صرح بكراهيته للحجاب والأذان، وكان يقاوم الأذان بتشغيل الموسيقى الصاخبة.
هذا شيء من فساد وإفساد النصراني جوزيف شاهين الذي هلك في رجب من العام الماضي، وناح عليه الإعلام العربي الفاسد بصحفه وفضائياته، وجعله من كبار المصلحين، وصدق الله العظيم حين قال في المنافقين [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ] ﴿البقرة:١١ - ١٢﴾.
ولا يختلف كثير من السينمائيين عنه فهم ينفذون ما يريده أعداء الأمة منهم شعروا بذلك أم لم يشعروا، فالمخرج اللبناني مارون بغدادي مولته فرنسا في فيلمه (خارج الحياة) الذي صور فيه اللبنانيين وحوشاً كاسرة همجية، بينما الآدمي الوحيد هو الرهينة الفرنسي الذي اختطف وعذب بوحشية. (٣) وفي تونس كان المخرجان: نوري بو زيد، وفريد بو غدير يخرجان الأفلام التي تقدح في مجتمعاتهم وتطعن في قيمهم بتمويل فرنسي يهودي (٤).
ولما سُئل المخرج التونسي أحمد الجميعي -وهو مقيم في فرنسا- عن رأيه في تلك الأفلام الممولة فرنسياً، المشوهة لبلاد المسلمين، المملوءة بإيحاءات الجنس والشذوذ قال: «إن الفرنسيين يفرضون نوعيات معينة من الموضوعات ويمولونها ويهللون لمخرجيها» (٥) تهوين غير مقبول:
حول محاولة إعادة السينما من جديد للمملكة وقد عوفيت منها، ومقاومتها من جلّ المشايخ والدعاة وطلبة العلم، والاحتساب على أهلها والداعين إليها، قال فضيلة الشيخ الداعية سلمان العودة سدده الله تعالى: «إن شاشة السينما أصبحت قائمة الآن في كل بيت، وإن شئت قل في كل غرفة توجد شاشة عرض سينمائية، لا تعرض فيلمًا واحدًا أو مادة جديدة فقط، وإنما تعرض العديد من الأفلام أو البرامج ... وأشار إلى أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية بحاجة إلى الانتقال من سياسة المنع إلى ثقافة المناعة ... ثم تساءل: ما الفرق إذن بين السينما، وبين الشاشة، أو بين التلفاز ذاته؟!! ... موضحاً أن المسألة من وجهة نظره تتعلق بأمرين: وذكر المحتوى المعروض وهو يتمنى أن يكون تربوياً ونظيفاً، ثم أشار إلى ضرورة الضوابط.
стр. 1077
ثم قال: ولذا فإن علينا أن ندرك أننا عندما نأخذ بمبدأ المنع والرفض المطلق، فإن هذا الجدار المانع الرافض قد ينهدم بلحظة أو بأخرى، وفي الوقت ذاته يبقى الناس -لأنهم منطلقون من دائرة الرفض والمنع والتخوف- بعيدين عنه، وبالتالي لا تكون هناك مشاركة إيجابية» اهـ كلامه سدده الله تعالى ووفقه.
وهذا الكلام من فضيلة الشيخ فيه من التهوين والتسويغ للسينما ما لا يخفى، كما أنه يفت في عضد المنكرين لها، المحتسبين على أهلها، ويقوي أهل الباطل عليهم، وأظن أن هذا التبسيط المخل للموضوع نابع من عدم إدراكٍ حقيقي للفرق بين عرض الأفلام في صالة السينما وبين عرضه في شبكات التلفزة؛ إذ سوّى الشيخ بينهما، على أن انتشار التلفزة والفضائيات في أكثر البيوت لا يدل على رضا الممانعين بها، وإذا كانت الفضائيات قد تجاوزت في اختراقها للبيوت ممانعتهم سابقاً فعلى الأقل هم سجلوا مواقفهم الرافضة لهذا المنكر؛ براءة للذمة، وإعذارا للأمة، وفتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى المشهورة شاهدة على ذلك.
وفي ظني أن الشيخ سلمان حفظه الله تعالى قد أخطأ حين حجر الدعاة أمام المنكرات ليضعهم بين طريقين لا ثالث لهما: إما المشاركة في المنكر وعدم رفضه ومحاولة تعديله، وإما القدرة على منعه كما هو مؤدى كلامه .. ولا سيما أنه يعلم أن السينما منذ صنعت إلى يومنا هذا وهي مرتع الرذائل، ومستنقع الفواحش، وأن من حاولوا تحويلها عن مرادها لتحمل أفكاراً تنفع الناس من الوطنيين والقوميين والإسلاميين قد فشلوا فشلا ذريعاً؛ لأن القائمين عليها والممولين لها في العالم لا يريدون ذلك؛ ولأنها لا تنجح إلا بالإثارة والإغراء، والذي لا تقيده قيود الشريعة سيكون أكثر إثارة وسيطرة على الجمهور من المقيد بقيود الشريعة، وسأذكر لاحقاً بعض النقول عن جملة من أهل الوسط الفني تدل على ذلك.
إن محاولات التهوين من مشروعات المفسدين، ومنها الدعوة لإحياء السينما في بلاد عوفيت منها، وادعاء أن السينما ولجت كل منزل وغرفة عبر الشاشة يدل على عدم إدراك تأثير السينما وما تختلف فيه عن شبكات التلفزة ولو كانت الثانية تعرض الأفلام بعد عرضها في الأولى، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن في إنشاء صالات للسينما وعرض الأفلام المحرمة فيها، واجتماع الناس عليها، مع ما يصاحبها من الدعاية في الشوارع مجاهرة بالمنكر، ودعوة إليه، وتهوين وقعه على القلوب، بخلاف من استتر في بيته فلا يعلم الناس ما يشاهد. بل إن فيها تجرئة العامة على المنكرات واستساغتها؛ لأن الناس يعلمون أن رواد السينما يشاهدون الأفلام المعروضة فيها، ومحتواها معلوم من الدعاية لها، وكان أكثر الناس -ولا يزالون- يزعمون أن الفضائيات التي في بيوتهم هي لأجل الأخبار أو الرياضة، ويتبرؤون من مشاهدة ما فيها من رقص خليع وأفلام ماجنة ولو كانوا يشاهدونها، ومعلوم أن المجاهرة بالمنكر شر من الاستتار به. وبقاء الناس مقارفين لبعض آثام النظر وهم يستخفون بها، ويخجلون من غيرهم أن يعلموا عنهم خير من كسر هذا الحاجز، وتجرئتهم على المنكرات، ومن شاهد أحوال البلاد التي انتشرت فيها السينما يعلم معنى هذا الكلام.
الوجه الثاني: أن الفرق هائل بين مشاهدة الفيلم في صالة العرض السينمائي، وبين مشاهدته في التلفزة، ودليل ذلك: أنه مع انتشار قنوات الأفلام العربية والأجنبية ووصولها إلى البيوت مجاناً فإن جمهور الصالات السينمائية لم يعزفوا عنها، وهي وجمهورها في ازدياد مطرد سواء في مصر والشام أو في بلاد الخليج المجاورة.
стр. 1078
والذي يحضر السينما يستسلم بالكامل لأحداث الفيلم، ولا يشغله عنه شيء؛ لأنه إنما جاء لأجله بخلاف الذي يشاهده خلف الشاشة، ويشغله عنها ما يشغله (١).
وسأضرب مثلين برجلين من عقلاء الناس، وهما من مشاهير العرب قد فتنوا بالسينما فتنة شديدة، فكيف بمن دونهم من السوقة والرعاع:
المثال الأول: الشاعر المشهور أحمد شوقي فقد كان ممن عاصر بدايات السينما وفتن بها فتنة عظيمة، حتى كتب عن ولعه بها بعض السينمائيين، فكتب أحمد بدرخان مقالاً على إثر وفاة شوقي عام ١٩٣٢م قال فيه: «كان شغوفاً بالسينما يقضي في صالاتها أغلب أيام الأسبوع ... وكان أمير الشعراء يجلس في الصف الأول بقرب الشاشة لقصر بصره ... وكان يحضر الفيلم الواحد أكثر من مرة إن كان متقناً ... ثم ذكر أنه كان ينظم شعره في صالة السينما. ولما كان ابن شوقي الأكبر علي يدرس القانون بكلية الحقوق بجرينوبل كان والده يكتب له يسأله عن صالات السينما عندهم ليضمن أن يشاهد فيلما جديدا كل ليلة» (٢).
وقد يقال: إن شوقي ما أدرك عرض الأفلام في التلفزيون، ولو أدركها لما ولع بها كل هذا الولع، وهذا منقوض بما بعده.
المثال الثاني: المؤرخ والسياسي الفلسطيني أنيس صايغ قال في سيرته الذاتية: «ذهبنا مرة طلاب المدرسة الداخليين إلى دار للسينما وكنت أول مرة أشاهد فيها فيلما سينمائيا وكان الفيلم من إخراج نجيب شماس وبطلته زوجته صباح، وكان من أوائل أفلامها واسمه (أول نظرة) ومع أنه كان فيلماً عادياً جداً، وربما دون العادي فقد فتح شهيتي على مشاهدة الأفلام إلى حدّ أني أدمنت على ذلك خلال إقامتي في بيروت وكمبردج حوالي ثلاثين سنة حضرت خلالها ما يزيد على عشرة آلاف فيلم كلها في دور العرض وليس عبر شاشات التلفزيون» (٣) فهو معاصر ومع ذلك كانت فتنته بالسينما عظيمة مع وجود الأفلام على مختلف القنوات الفضائية العربية والأجنبية وأشرطة الفيديو قبل الفضائيات، ومع ذلك يذهب للسينما ويشاهد عشرة آلاف فيلم وهو الجاد في عمله، وإنتاجه غزير سواء في العمل الصحفي أو في تدوين التاريخ الفلسطيني، وهذا يدل على أنه لا مساواة بين أفلام التلفزة وأفلام السينما.
الوجه الثالث: أن دعاة إنشاء صالات للسينما في المملكة لن يتوقفوا عند مجرد عرض الأفلام فيها، بل هي خطوة أولى لمشروعات من الإفساد متعددة لا يعلم مداها إلا الله تعالى، ومن هذه المشاريع:
١ - أن جلب الأفلام السينمائية العالمية أو العربية يسبقه ويصاحبه حملة من الدعايات تمتلئ بها الشوارع ولوحات الإعلانات الكبيرة تحوي صور الممثلين والممثلات، ومن رأى الدعايات في مصر ولبنان وبعض دول الخليج لبعض الأفلام عرف ذلك، حتى إن الدعاية أحيانا تكون بحجم بناية كاملة، وفيها من صور العري والتهتك ما يُخجل الأسوياء، وهذا من أعظم المجاهرة بالمنكرات.
стр. 1079
٢ - أن السينما بوابة عريضة للاختلاط كما هو واقع في الدول الأخرى، وإن بُدئت بمنع الاختلاط فإنها ستنتهي بتكريسه؛ إذ الدوافع للاختلاط فيها أكثر من غيرها، سواء في دراستها أو صناعتها أو حضور عرضها.
٣ - أن إيجاد صالات لعرض السينما في المملكة يقود إلى الدعوة لصناعتها السينما محليا، وهو ما يسمى بتوطين السينما -ولا سيما في زمن رفع الشعارات الوطنية- وهو ما حصل في مصر التي سبقتنا في السينما وصناعتها، فإنها ابتدأت أجنبية إلى أن جروا الناس إليها جراً وأفسدوهم بها، وجعلوها وطنية بمضامين الأجانب وأفكارهم وأخلاقهم.
٤ - أن صناعة السينما تتطلب معاهد وجامعات وأكاديميات متخصصة في ذلك، وبعثات طلابية من البنين والبنات لدراسة ما تحتاجه السينما من تمثيل وتصوير وإخراج وغيره، كما حصل في مصر.
٥ - في وقت البطالة وشح الوظائف سيقتنص شياطين السينما كثيراً من الشباب والفتيات لتشغيلهم في صناعة السينما، ويغرونهم بالمال والشهرة؛ ليكونوا طليعة جيش من المفسدين يُقدمون قدوات لأبناء المسلمين وبناتهم كما كان الحال في مصر والشام.
٦ - ستكون الحاجة ملحة حين نخرج جيشاً من صُناع السينما -ممثلين ومصورين ومخرجين- لأنْ تتبنى الدولة إنشاء مدن متكاملة لصناعة السينما على غرار المدن الرياضية لما انتشرت الرياضة، ومصر التي يكدح أهلها نهارهم للكفاف بُني فيها مدن سينمائية واستديوهات ضخمة بدل المشاريع التنموية التي تنفع الناس.
إلى غير ذلك من المفاسد الكبيرة التي يجرها إقرار السينما؛ ولذا فإنه يتوجب على عقلاء الناس رد السفهاء عن هذا الباب من الفساد والدمار الفكري والأخلاقي الذي يطل برأسه عليهم.
الممانعة أصل شرعي ثابت:
إن انتقاد الممانعين للمنكر ومراغمة أهله بحجة أن هذا المنكر أمر واقع لا محالة، منهج يعارض منهج الرسل ﵈؛ إذ إن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، ولم يوافق هؤلاء الأنبياء ﵈ أقوامهم في منكراتهم من الشرك فما دونه بحجة عدم استجابة أقوامهم لهم، فمتى كانت عدم المشاركة في إثم الآثمين، وضلال الضالين سلبية يُنهى عنها بحجة أن المناعة أولى من الممانعة.
لقد كانت البنوك الربوية واقعا مفروضا، والبنوك الإسلامية خيالا مرفوضا، وقام العلماء ببيان الواجب تجاه الربا وبنوكه؛ براءة للذمة، وتحذيرا للأمة، رغم أنه في فترات الممانعة يبدو لمن رأى واقع الربا وانتشاره أن هؤلاء المشايخ ينفخون في الهواء، لكن هذه الممانعة وبيان الحكم الشرعي في الربا على مدى سنوات طويلة آتى ثماره، واضطرت كثير من البنوك لما عزف الناس عنها خوفا من الربا إلى إسباغ الصبغة الشرعية على معاملاتها، وتشكيل اللجان الفقهية في معاملات التورق والمرابحة والاستثمار والأسهم وغيرها، وما ذاك إلا لتأثير ثقافة الممانعة التي ينتقدها الشيخ وفقه الله تعالى.
ثم إنه لا أحد من القائلين بالممانعة يمنع إيجاد ثقافة المناعة إن قدر القائلون بها على إيجادها، والرفض والممانعة لا تعارض إيجاد المناعة، بل كل يعمل في مجاله، وعند النظر والتحقيق فإن مدافعة المنكر ومقاومة أهله هي من المناعة مع إبراء الذمة، وإنذار الخلق، والإعذار لله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] ﴿الأعراف:١٦٤﴾.
стр. 1080
عجبت كثيرا من دندنة فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى حول المناعة مع أن الشريعة منعت ما يحرك الغرائز، ويؤدي للفواحش، ولم تبح هذه الوسائل اتكاء على المناعة التي ينبغي أن يتحلى بها أفراد المجتمع، فمنعت من النظر إلى النساء، والاختلاط بهن، والخلوة، وسفر المرأة بلا محرم؛ لأن هذه الأفعال مظنة الوقوع في الفواحش، مع أنه قد يحصل اختلاط ونظر وخلوة وسفر بلا محرم ولا تقع فواحش، بسبب وجود مناعة أو مانع عند الرجل أو المرأة؛ لكن حكم الشريعة أغلبي، فالأصل أن الشريعة فيها منع مع غرس المناعة في نفوس الناس، وهذا المنع يتناول كل ما يثير الغرائز لدى الجنسين، ومعلوم أن عماد السينما منذ نشأت وصارت صناعة وتجارة إلى يومنا هذا إنما هو على إثارة الغرائز، ونشر الفواحش ومقدماتها، فهل من المناعة أن نسمح بالسينما ونسوغها ونحن نعلم ما سيعرض فيها مسبقاً وما تجر إليه من منكرات عدة؟ وهل في باب المناعة المقترح أن نقول للناس لا تحضروا إلا ما كان عرياً عن المحرم؟ أو احضروا وأغمضوا أعينكم إن كان ثَمَّ مشاهد محرمة أم ماذا؟ فالكلام عن المناعة هو كلام مهلهل لا زمام له ولا خطام، وهو إلى التنظير أقرب منه إلى التطبيق.
وأما يتخيله البعض في أذهانهم وما يحلمون به من تحسين وجود سينما نظيفة، فهو في الأذهان والأحلام لا في الواقع المشاهد، فلماذا يحاكمون الواقع بما يحلمون به، ويرسمونه في أذهانهم من خيالات لا وجود لها في الواقع؛ ذلك أن مبنى السينما على الإثارة التي يحبها الجمهور، والإثارة غالباً ما تكون فيما يتعارض مع الدين والأخلاق كالعنف والجنس، فالمعادلة: أنه لا سينما مؤثرة بلا إثارة، ولا إثارة إلا في المحرمات، يقول المخرج الألماني الغربي فولكر شليندروف: «يحرك الجمهور دافعان: الجنس والعنف، أصبحنا جميعا بهذا المعنى كمتعاطي المخدرات نتحرك عندما يحركوننا، عندما يجذبوننا أو يبعدوننا، ولا يوجد لدينا انسجام مع ذواتنا» (١) أما العنف: فالسينمائيون يرون أن برامج العنف أكثر رخصاً وسهولة في إشعال اهتمام المشاهد، فتزيد عدد المشاهدين، وترفع تقييم البرامج، وقبل ذلك تزيد في إيرادات الإعلانات الدعائية، ويبرر أحد كبار رجال صناعة التلفزيون في أمريكا في شهادة أدلى بها أمام لجنة تحقيق خاصة بمجلس الشيوخ الأمريكي قبل سنوات قليلة، أن زيادة برامج العنف والجريمة هي من الضرورات الفنية (التكنولوجية) التي تتطلبها طبيعة المنافسة المشروعة. . ويقول الناقد السينمائي المصري محمود قاسم: «إن السينما صورة من الواقع وربما تسبقه أحياناً، فلو نظرنا إلى الجرائم البشعة التي تحدث اليوم، وقرأنا صفحات الحوادث سنجدها مليئة بالعنف والدموية، والسينما من جانبها تجسّد تلك الحوادث أو الجرائم بتفاصيلها وأبعادها كافة، والخطورة تكمن في تجسيد السينما للعنف بصورة نافرة أكثر من الواقع ... انعكست السينما الأميركية في أعمالنا، وأثّرت في مخرجين مصريين كثيرين، فانتشرت لغة العنف منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، تحديداً مع أفلام الحركة والمطاردات» (٢) ويلفت الناقد السينمائي المصري كمال رمزي إلى أن ظاهرة العنف في السينما لها أوجه وأبعاد مختلفة، موضحاً أن بعض علماء النفس والاجتماع قال: «إن تجسيد لذة العنف والقتل على الشاشة يعزز الرغبة في تنفيذ مشاهد العنف لدى بعض المهيئين لذلك السلوك» (٣).
стр. 1081
وأما الجنس: فلا يكاد يخلو فيلم أجنبي أو عربي من الإثارة به، حتى جعلوا من الضرورات السينمائية لنجاح الفيلم إلزام الممثلات ببعض حركات الإغراء الجسدي لجذب المشاهدين، وكلام الفنانات في ذلك كثير، تقول الفنانة التائبة هالة الصافي: «أقر وأعترف بأن الحياة التي يسمونها حياة الفن خالية من الفن، وأعترف أنني عشت هذه الحياة .. » (١) وتقول الفنانة التائبة هناء ثروت: «وجدت أن الأدوار التي تصل بي إلى النجومية بعيدة كل البعد عن الأخلاقيات التي تربيت ونشأت عليها وأومن بها، فكان علي إما أن أقدم أدوار الإغراء أو أرفض هذه البذاءات تماماً حتى لو كان فيها الأمجاد التي يصورها البعض ... إنني لم أجد الفن الذي كنت أحلم به ولكنني وجدت أشياء أخرى نستطيع أن نطلق عليها أي شيء ما عدا أن نسميه فناً ... والأفلام التي تعرض الآن والتي تحقق النجومية تقدم أعمالاً مبتذلة فأنا أصاب بالغثيان والقرف والاشمئزاز عندما أشاهد مشهداً من هذه الأفلام .. » (٢) وتاب زوجها محمد العربي أيضا من الفن وقال: «لن نعود إلى عالم الفن مرة أخرى إلا إذا أصبح هناك فن بالمعنى الحقيقي، وأعتقد أن هذا لن يكون» (٣) وقالت إحدى الممثلات التائبات: «كل فنانة تدعي أن الفن رسالة سامية فأنا أقول أين السمو؟ هل يكون بين الإثارة والعراء؟» (٤) وتقول الفنانة التائبة شهيرة: «اعتزلت التمثيل لرغبتي في البعد عن الأضواء والشهرة، وأن التقي بالله بدون دنيا زائفة .. كما أن الرائج الآن في سوق الفن هو اللعب على غرائز المتفرج .. العنف .. الأعمال البلهاء الكوميديا الرخيصة .. وللأسف هذا هو الذي يحظى بالرواج». (٥) وتقول الفنانة الإماراتية التائبة نورية سليمان: «وأما ما يخص الوسط الفني فهو لما رأيته من ضياع القيم الأخلاقية مما كان له أثر سلبي عنيف على مفاهيمي وقناعاتي، هذا ما دفعني لرفض الاستمرار في هذا الوسط» (٦) بل إن إحدى عجائز الوسط الفني وهي ممن ينتقد اعتزال الممثلات سئلت عن مشاهد الإغراء فقالت: «ما أقصده بالفن ليس هو ما يحدث الآن داخل الاستديوهات، ويطلقون عليه فناً، إنك تستطيع أن تصفه بأي شيء عدا أن تسميه فناً أو تسمي من يقوم به فناناً» (٧) فهاهم أولاء أصحاب السينما وصانعوها وأساطينها يعترفون بما في الوسط السينمائي من القذارة، ويثبتون أن الإثارة هي العماد الذي تقوم عليه السينما، وينفون وجود فن نظيف، وبعضهم يجزم بأنه لا يمكن أن يتحقق؛ ولذلك تركوا الفن ..
стр. 1082
إن هؤلاء لم يعارضوا الفن لأجل التصوير ولا التمثيل ولا شيء آخر سوى المضمون القذر الذي لا بد منه حتى تنجح الأفلام والسينما، بل إن العجوز التي انتقدت توبة الفنانات اعترفت بأن ما هو موجود داخل الاستديوهات لا يسمى فناً لقذارته. حتى إن كاتباً في مجلة روز اليوسف عرض في دراسة له كثيراً من المشاهد الجنسية في السينما المصرية وهو مؤيد لها ثم ختم دراسته بقوله: «الجنس فى الدراما السينمائية هو ترمومتر لقياس التطرف في المجتمع المصري، ومدى تسامحه وليبراليته، وليس ذلك دعوة لتقديم الجنس لمجرد الجنس، ولكن تعبيد كل المطبات الاجتماعية والمحاذير الرقابية المكبلة للإبداع» (١) وأما الضوابط والشروط التي تسوغ بها المحرمات فهي أضحوكة هذا الزمن، وأعجوبة يلهي بها المفسدون أهل الغفلة من الناس، وقد رأينا كيف أن الدساتير التي قامت عليها الدول تخرق، فضلا عن مجرد ضوابط وشروط تشترط فيما هو مستنقع للرذائل، ومجمع للمحرمات، فمن يشترطها؟ ومن يراقب تنفيذها؟ وما يعرض في الصحافة عندنا وفي التلفزة الرسمية ينتهك الدستور الإعلامي الذي أقرته الدولة إبان ظهور وسائل الإعلام، بل صارت أجهزت الإعلام تطعن في المنهج الذي قامت عليه الدولة، واجتمعت بسببه!! فكيف بمجرد ضوابط لن تكون حرمتها ومهابتها حرمة الدستور ومهابته.
وفي عام ١٩٤٧ م صدر قانون للسينما في مصر ينص على: «مراعاة احترام الأديان وعدم التعرض للعقائد .. .ولا يسمح بمناظر الحركات المخلة بالآداب بما فيها الرقص الخليع المغري (٢).
ثم ماذا كان في السينما المصرية بعد صدور هذا القانون خلال ستين سنة غير ما نص على منعه من الإزراء بالإسلام وأهله، والسخرية بأحكام الدين ولغته وعلمائه ودعاته، وأما الحركات المخلة بالآداب بما فيها الرقص الخليع والإغراء الفاتن فلا يكاد يخلو منها فيلم، فالقوانين لا تطبق، والدساتير يخرقها أهل الفساد والانحلال، فكيف بمجرد ضوابط وشروط هي لذر الرماد في العيون؟!
ونحن نرى ماذا يعرض ملاك القنوات الفضائية من أبناء بلادنا في فضائياتهم من التهتك والعري، واستعراض أجساد النساء، مما يعيرنا به كثير من العرب والمسلمين من خارج بلادنا، بل يتندر به بعض الأجانب الغربيين علينا؛ لإثبات تناقضنا وازدواجيتنا، فكيف إذا سنحت الفرصة لهؤلاء المفسدين، وسمح لهم بصب ما فضائياتهم من الفساد على أرضنا في قاعات السينما، ثم في استديوهات صناعتها، ومعاهد تدريسها؟!
стр. 1083
ودعاة السينما في مصر يعترفون بعد مضي قرن على بدايتها أن قضايا مصر الحيوية لم تأخذ حظها من السينما، وأنها كانت سينما عابثة، وأعظم ما أزعجهم توبة عشرات الممثلات من عفن السينما والتمثيل، والتزامهن بالحجاب (١).
وهذه نصيحة تقدمها من سلكت هذا الطريق المظلم سنوات طويلة حتى صارت نجمة سينمائية مشهورة ثم تابت منه، وهي الممثلة المصرية نورا فتقول: «فن هذه الأيام فن مبتذل فيه إسفاف ولن يكون رسالة سامية مطلقاً فهو بعيد كل البعد عن الإسلام ... إني أنصح كل فتاة تتخذ من هؤلاء الفنانيين قدوة لها، أو تفكر في الزج بنفسها في وسط تلك الأجواء العفنة أن تقف طويلا وتمعن النظر في أحوالهم، وأقوال التائبين منهم، وأن لا تغتر بما هم فيه من المظاهر الجوفاء، وبريق الشهرة الخادع، فما هو إلا كظل زائل أو سراب كاذب سرعان ما يزول فتكشف الحقيقة» (٢).
فهل نبدأ من حيث بدأ الآخرون، وقد سلكوا طريقا مظلما خلال قرن لم ينبت لهم إلا علقماً وحنظلا، فهجره كثير من بناتهم لما ذقن حلاوة التوبة، وعلمن أنهن كن لعباً في أيدي اليهود والنصارى ووكلائهم، ولماذا يُسمح في بلادنا المباركة لأقلية مفسدة أن تفرض فكرها المنحرف على جمهور الناس؟ فأين عقلاء قومي أين؟!
[رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ] ﴿الأعراف:١٥٥﴾
стр. 1084
مفهوم الشرعية الدولية وموقف الإسلام منه
عبد العزيز الجليل
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإن من أخطر ما يعانيه المسلمون اليوم ما يقوم به أعداؤهم من الكافرين والمنافقين من التلبيس والتضليل حتى أصبح ذلك سمة من السمات البارزة في واقعنا المعاصر.
وقد بلغت خطورة هذا الأمر أن انخدع به بعض المنتسبين للعلم فضلاً عن العامة والدهماء، وذلك بما يقوم به الملبسون الماكرون من تلاعب بالمصطلحات وقلب للحقائق وعرضها في قوالب مزخرفة وطرحها في وسائل الإعلام المختلفة بكثافة وتكرار حتى ألفتها الأسماع وصار يرددها كثير من أبناء المسلمين عن خبث من بعضهم أحياناً وعن جهل وتغفيل من البعض الآخر.
ومما زاد الأمر خطورة غفلة كثير من أهل العلم عن التصدي لهذه التلبيسات التي يمس كثير منها صلب العقيدة وأركان التوحيد وهوية الأمة وأخلاقها وإن لم يقم أهل العلم بواجبهم في رفع هذا التلبيس وبيان سبيل المجرمين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
ومن المصطلحات الكفرية الخطيرة والتي تعمل أجهزة الإعلام الدولية ويتبعها على ذلك كثير من إعلام البلدان الإسلامية ممن لا خلاق لهم والتي يجب على أهل العلم فضحها وتعريتها وتبيين خطرها على العقيدة مصطلح (الشرعية الدولية) حيث يطرح اليوم بكثافة وينادى بترسيخ هذا المصطلح الوثني في أذهان الناس وذلك بمناداتهم، تارة (باحترام الشرعية الدولية) وتارة (بتحريم الخروج على الشرعية الدولية) ومرة ثالثة (بالالتزام بقرارات الشرعية الدولية).
فماذا يعني هذا المصطلح الطاغوتي؟:
إن (الشرعية الدولية) ترمي إلى الاحتكام والالتزام بشرع وضعي وضعته الدول الكبرى الكافرة يحكم علاقات الدول في هذا العالم وفقاً لتشريعاتهم ومعاييرهم وأعرافهم ومصالحهم، وهذا الشرع الوضعي هو تلك القوانين التي وضعتها الدول الكافرة التي أسست منظمة الأمم المتحدة بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية - أمريكا وبريطانيا وروسيا - وانضم إليهم بعد ذلك فرنسا والصين وصاغت قوانينها لمصالحها ومصالح حلفائها في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ فوضعت ما سمته بميثاق الأمم المتحدة لتكون له المرجعية الأولى في كل قضية من قضايا العالم حيث تستمد (الشرعية الدولية) منه الأحكام والقرارات وتستند إليه في الخلافات والنزاعات والإجراءات. وأصبح العدو يستخدم هذا المصطلح في تمرير أي شيء يريده على دول العالم ولاسيما دول المنطقة الإسلامية، فتحتل بلدان المسلمين وتغزوها باسم (الشرعية الدولية)،وتؤيد هذا التيار أو ذاك باسم (الشرعية الدولية) وتحارب الدعاة والمجاهدين باسم (الشرعية الدولية) ومن خرج عن ذلك فهو خارج عن الشرعية الدولية!!
ومن أكبر الأمثلة على ذلك تكريس الاحتلال اليهودي في فلسطين باسم الشرعية الدولية، ومحاصرة العراق وغزة حتى مات ما يقارب المليون طفل باسم الشرعية الدولية، ومن آخرها مذكرة المحكمة الدولية باعتقال الرئيس السوداني ومحاكمته بوصفه مجرم حرب، أما الذين أحرقوا غزة والعراق فدعاة سلام وديمقراطية.
الحكم على هذا المصطلح الطاغوتي في ضوء العقيدة الإسلامية:
إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ولذا قبل أن نبين حكم الله في هذا المصطلح يجب أن نتعرف على أهم ما يقوم عليه وهو ما أشير إليه سابقاً في أنه يستند إلى ميثاق هيئة الأمم المتحدة وقوانينها التي أذعنت لها كل دول العالم بما في ذلك دول المنطقة الإسلامية.
فما هي أهم بنود هذا الميثاق الذي يتحاكم إليه دول العالم ويسمى بالشرعية الدولية؟:
стр. 1085
إن ميثاق الأمم المتحدة طاغوت وقانون ليس كأي قانون وضعي عادي وليس هو مجرد وثيقة تأسيسية لمنظمة الأمم المتحدة، فقد جعله واضعوه أكبر من ذلك بكثير، إن خبراء القانون الدولي وفقهاؤه يعلنون بوضوح وصراحة، أن الميثاق هو أعلى مراتب المعاهدات الدولية، وأعظم قواعد القانون الدولي مكانة! ولذلك نصت المادة (١٠٣) من هذا الميثاق نفسه على أنه: (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق).
ومعنى ذلك، أنه لا يجوز لأي دولة ملتزمة بهذا الميثاق أن تبرم أي اتفاق دولي أو تختار وتلتزم بشرع بينها وبين دولة أخرى تتعارض أحكامه مع القواعد والأحكام الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، ولو كان شرع الله العزيز الجبار! ومعلوم أنه لا يمكن لأي دولة الانتساب لعضوية الأمم المتحدة حتى تعلن التزامها واحترامها لهذا الميثاق وتسلم له تسليماً
إذ إن إجراءات الانضمام للأمم المتحدة تتلخص في أن تقدم الدولة التي ترغب في الانضمام للأمم المتحدة طلباً بذلك إلى الأمين العام للمنظمة الدولية ويكون ذلك الطلب مصحوباً بإعلان قبول الالتزام بميثاق الأمم المتحدة. وكذلك الأمر بالنسبة للفصل من الأمم المتحدة، فإن "المادة السادسة" من الميثاق تنص على أنه يجوز للجمعية العامة أن تفصل عضواً من الأعضاء إذا أمعن في انتهاك مبادئ الميثاق. هذا البند قد يطبق على أي أحد إلا الدول الكبرى التي وضعت الأمم المتحدة لرعاية مصالحها أصلاً، ولذلك تتمتع بحق الفيتو الذي يضمن لها ذلك، وعلى رأسها أمريكا التي ترعى مصالح دولة اليهود من خلاله، بل إن الميثاق وأممه المتحدة قد أمست شرطياً يحرس مصالح هاتين الدولتين على كل صعيد، ولا يجادل في هذا حتى العميان.
وعلى كل حال، فهيئة الأمم المتحدة منظمة خاضعة للنفوذ اليهودي الصليبي منذ تأسيسها، ومن يراجع أقسامها وإداراتها وأسماء القائمين عليها يعرف هذا معرفة اليقين (١). وهي التي أشرفت على تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧ وطعن هذه المنظمة وطعن إداراتها ومنظماتها المختلفة في دين الإسلام وشرائع القرآن بيِّن واضح مكشوف، واسمها (الأمم المتحدة) من أعظم الأدلة على اتحاد وتناصر وتعاضد وتعاون الدول المشتركة فيها.
والذين ينادون بالشرعية الدولية والالتزام بها واحترامها وتنفيذ قراراتها يتعامون عن هذه الحقائق الدامغة. ويبين الدكتور العلياني في كتابه (أهمية الجهاد) هذا الأمر بياناً واضحاً حيث يذكر بعض بنود ميثاق هيئة الأمم الذي تستند إليه الشرعية الدولية نختار هنا بعضها .. يقول حفظه الله تعالى: (جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: (أن غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ........... ). إن هذه العبارة اعتراف وإقرار بحرية الإلحاد وعدم مجاهدة المرتدين وعدم إفزاع الكفار ونعوذ بالله من حقوق هذه نتائجها.
• وجاء في المادة الثانية (إن لكل إنسان التمتع بكافة الحقوق والحريات دون تمييز كالتمييز بسبب الدين .... )
قلت: إن الله لم يجعل المؤمن كالكافر في كل شيء بل للمؤمن معاملة وللكافر معاملة ومن راجع أحكام أهل الذمة في الإسلام عرف الفرق بين حقوق المسلم وحقوق الكافر ولكن أين المتدبرون لكلام الله وكلام رسوله.
• وجاء في المادة الثامنة (لكل شخص أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية ... إلخ)
стр. 1086
قلت: لا يجوز للمسلم اللجوء إلى المحاكم التي لا تحكم بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: ٥٩].
• وجاء في المادة الثامنة عشرة (أن لكل فرد أن يغير عقيدته).
• وجاء في المادة الحادية والعشرين (إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة).
قلت إن اختيار أهل الحل والعقد - من العلماء والأمراء ورؤوس الأجناد المتمسكين بالكتاب والسنة - هو الذي يبنى عليه تعيين الخليفة لا قول دهماء الناس وعجائزهم والحكومة مقيدة بشرع الله ولا يجوز لها الحكم بالهوى أو بالجهل. فلا يتلقى المسلم التشريع إلا من الله.
• جاء في المادة السابعة والعشرين (لا يصح بحال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة).
قلت: بل يجب مخالفة أكثر أغراض الأمم المتحدة لأن مخالفة أصحاب الجحيم هو اقتضاء الصراط المستقيم وبهذا يظهر أن الخضوع لأنظمة هيئة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثل الخضوع للقانون الروماني أو الخضوع للياسق الذي يتحاكم إليه التتار فهي طاغوت يشرع للبشر من عند نفسه نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم الحق ويهدي الأمم المتحدة إلى الإسلام.
• وجاء في مقاصد هيئة الأمم المتحدة ومبادئها مايلي:
١ - حفظ السلم والأمن الدولي وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم لإزالتها ولقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم وتتذرع بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها.
٢ - إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام.
٣ - تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.
٤ - جعل هذه الهيئة مرجعاً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة.
أما المؤامرة الرهيبة التي تمارس في هيئة الأمم ضد حكم الجهاد فيدل على ذلك ما شرعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إذ جاء في تشريعاتها الطاغوتية ما يلي:
• في المادة الأولى أوجبوا على كل دولة مراعاة أحكام القانون الدولي. وهذا غير جائز فإن الواجب على الدولة المسلمة أن تراعي أحكام القرآن لا أحكام القوانين الموضوعة من البشر.
• وفي المادة الثانية: أوجبوا على الدول تسوية النزاع سلمياً مع مراعاة أحكام القانون وهذا إيجاب ما لم يوجب الله بل الدولة المسلمة تخير الدولة الكافرة بين خصال ثلاث أما الإسلام أو الجزية مع الصغار أو القتال إلا في حال ضعفها فلها أن تهادنها هدنة مؤقتة كما في صلح الحديبية.
• وفي المادة الخامسة أوجبوا على الدول عدم الاعتراف بأي زيادة إقليمية تؤخذ عن طرق الحرب وهذا غير جائز في الإسلام بل ما فتحه المسلمون عن طريق الجهاد فهو ملك من أملاكهم.
• وفي المادة الثامنة أوجبوا على الدول معاملة الأشخاص الخاضعين لحكمهم على مقتضى حقوق الإنسان التي أعلنتها الأمم المتحدة ومنها حرية الإلحاد ومساواة المسلم بالكافر وهذا لا يجوز في الإسلام.
стр. 1087
• وفي المادة التاسعة أوجبوا على الدول الخضوع لكل المعاهدات الدولية وكل ما كان من القانون الدولي العام ولا يحل للمسلم الخضوع إلا لأحكام القرآن والمعاهدات لها أحكام في الشرع الإسلامي تخالف ما يوجد في القانون الدولي فلا يحل للمسلمين أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
• وفي المادة العاشرة أوجبوا على الدول عدم اللجوء للحرب مطلقاً إلا في حال الدفاع إذا اعتدت قوة مسلحة على أراضيها. وهذا إسقاط لأحد أنواع الجهاد وهو جهاد الابتداء والطلب.
وبهذا يظهر أن ما شرعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة مناقض لحكم الجهاد في الإسلام. سلك الله بنا سبيل الهدى والرشاد. ورد الأمة الإسلامية إلى مصدر عزها ورفعتها كتاب رب العالمين وسنة الهادي الأمين ﷺ وعلى أصحابه أجمعين.) (١).
الحكم الشرعي في هذه المواثيق والقوانين الدولية:
وبعد الوقوف على أهم بنود الشرعية الدولية المنبثقة من قوانين هيئة الأمم المتحدة نصل إلى معرفة حكم الله فيها: يقول الله : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة ٢٥٦: [ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) [النحل:٣٦] , في هاتين الآيتين يبين الله أن التوحيد والعبودية الحقة لله لا تصح إلا بالكفر بالطاغوت واجتنابه وعبادة الله وحده.
بل قد قدم الكفر بالطاغوت على الأمر بالإيمان بالله لأن الإيمان بالله لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. يقول الشيخ الدوسري رحمه الله تعالى عند آية الكرسي: (فالطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، يقال (طغى الماء) إذا ارتفع مده عن قامة الإنسان بحيث يغرقه، فكل من تجاوز حده الذي حده الله له من وجوب عبادته سبحانه والوقوف عند حدوده بالتزام شريعته، فتجاوز ذلك وسعى في أن يكون معبودا لا عابدا بأي نوع من أنواع المكر والاحتيال أو القهر والإرهاب أو التشريع في التحليل والتحريم والتقنين، فهو طاغوت يجب الكفر به ببغضه وعداوته والابتعاد عنه وبغض أحبابه وأعوانه، ولا يصح الإيمان بالله قطعا إلا بالكفر بالطاغوت
وكل من يدعوا إلى مبدأ قومي يلتقي المسلم فيه مع الطوائف الضالة أو إلى مذهب مادي من المذاهب اليهودية فهو من الطواغيت الذين يجب الكفر بهم وبغضهم وعداوتهم والابتعاد عن همزاتهم، فمن حقق الكفر بالطاغوت بجميع أنواعه، وحقق الإيمان بالله بحصر المحبة له ومن أجله وفي سبيله، وبغض كل ما يبغضه الله من أي شخص أو عمل (فقد استمسك بالعروة الوثقى) (٢) أ. هـ
стр. 1088
وهل اتباع طاغوت الشرعية الدولية وطاعة قوانينه إلا إيماناً به وقد أمرنا أن نكفر به، قال الله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) [النساء:٦٠]. يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (هذه الآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواها من الباطل وهو المراد بالطاغوت هاهنا) اهـ. ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ ، فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه) اهـ. ويقول الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان:) وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ من تفسير سورة الشورى.
إن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هما ركنا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهو دين نبينا محمد ﷺ وملة أبينا إبراهيم على الصلاة والسلام الذي أمرنا الله باتباعها وذلك في قوله سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤].
وبعد: فإنه والله لزمن غربة هذا الزمان الذي تغيب فيه هذه الأصول على وضوحها. لقد آن الأوان أن يترك العلماء عزلتهم التي يعيشون فيها عن واقع الأمة وما يحاك لها من التلبيس حيث أراد أعداؤها من الكفار والمنافقين أن يغيبوا أهل العلم ويقصوهم عن بيان هذه المحكمات وغيرها من القضايا والنوازل التي تنتظر الأمة قول أهل العلم فيها. فهل يعي أهل العلم دورهم والأمانة الثقيلة الملقاة على كواهلهم؟ (وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: ١٧٨].
نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يبصرنا سبيل المؤمنين ويرزقنا اتباعه وسبيل المجرمين ويلهمنا اجتنباه والحمد لله رب العالمين.
стр. 1089
القراءة التي تصنع التخلف
يوسف بن سعيد آل عمر
هل تصنعُ القراءة التخلُّف؟ وهل حرفة العلماء تورث الجهل؟ وهل غُنْيَةُ النُّبلاء تجلب الوهم؟ كيف وقد كانت القراءة أوَّل خطابٍ تكليفيٍّ شرعيٍّ في دين الإسلام، مُذ رُتِّلتِ الآيات على رأس جبل في الحجاز يُطلُّ على البشريَّة كلها من تحته؟ أيُمكن تصوُّر البرودة من النَّار، أو التماس الحموضة في الأَقَاحِ؟ .... كلُّ ذلك غير مُمكن في عقل العقلاء وعُرْف العارفين.
غير أنَّه في واقع اليوم مُشاهَدٌ محسوسٌ عند بعض المتثقِّفة من الشباب، وهذا والله، إنَّه لداء ما له دواء، إلاَّ الضَّرب بمُجَلَّدَين من "سير أعلام النُّبلاء" مرتين يوميًّا، وعند اللُّزوم.
في حانةٍ كـ "نساء على خط الاستواء"، وجنونٍ كما في "العصفورية" - تنبعث أَنْتَانُ الكَتَبَة إلى العقل والذَّوق، فيُورث بَرَصًا وجُذَامًا - أجارنا الله وإياك - وقد قال الهادي: ((فِرَّ من المجذوم فِرَارَك من الأسد))؛ ﷺ .
والتخلُّف حين يستشري في عقليَّة المرء، فإنَّه لا يدعه إلاَّ مُثلة يتندَّر بها الظُّرفاء، وأضحوكة تلوكُها الألسنة، خُصُوصًا إذا كان سَنَدُك عن عبدالله ثابتًا، في جامعه الضَّعيف: "الإرهابي عشرين"، أو كان في مجالس إملائك عن "أبي عبدالله تركي الدَّخيل"، وحين أقول ما أقول، فإني ألفِتُ نظرك إلى قحَة وَوَقَاحَة أَزْكَمَ بها هؤلاء أنوفَنا؛ إذ يُحدثنا بعضُ مَن لا يُسمَّى عن قِصَّة أخته لما حاضت، وعمَّن يُحذرنا من خطر "الصَّحوة" المتمثل في إلجائنا إلى تعاطي المُخدرات وتناول الحشيشة.
من الناس مَن إذا قرأ للسَّلف، قرأ "للحلاَّج"، ونظر في آثار أرسطو، وإن كان ذا اطلاع، فلا يَعْدو أن تراه ممسكًا بيده بكتاب: "ألف ليلة وليلة".
فإذا قرأ للخَلَفِ، رأيته متقلبًا بين صفحات "الكراديب"، ومُتَرنِّحًا في "الشميسي"، فاسقًا في "فسوق"، لا يعرفُ من الدُّور إلاَّ "المتردية"، و"النَّطيحة"، و"ما أكل السبُع"، وكم رأيتُ في معرض الكتاب من مُتعجرف جَهُول! فتسمع سائلاً يسألُ عن "العدامة"، وترى جاهلاً يسألُ عن "ريح الجنة"، حتَّى كأنِّي بأحد مَن هو موجود يسمع طَلَبَه عند البائع، فيقول: "ريح الجنة ليس في دار الساقي، ولكنَّها في الميادين يا صاح ... ".
وهكذا، ترى السطحيَّة والتخلُّف بادِيَيْن على أولئك المخدوعين، مِمَّن صرف وقته فيما لا ينتفع به الذَّكي، وينبهر بانبهاره - كالفراشة - الغبي.
ومن نَظَر في هذه النِّتاج الضحل من الورق والأحبار، يعلم أنَّ لهذه التفاهات سوقًا رائجة، وتِجارة رابحة، وهذا ما يُنادي علينا بالجهل من مكان بعيد؛ لأنَّ هذا المعروض في الرُّفوف لا بُدَّ أنَّ له مشتريًا، وهذا ما ينذرنا بطامة كُبرى تعيش في عقول مَن نعرفهم من حولنا.
ودائمًا ما يدعو الدُّعاة والمفكرون إلى القراءة والاطِّلاع على الكُتُب؛ كي يُرفع الجهل وتزكو النَّفس، ونعود لأمجادنا التي ننشدها، فإذا نَحن بطامة هذا النَّوع من الكُتاب، كأنَّ في ذلك قطعًا لطريق عودتنا لما نصبو إليه بتوفير الغَثِّ والمهين، وحجب الرَّائق الثَّمين، تمامًا كما حدث في معرض الكتاب الذي مضى.
والعجبُ كل العجب من إدارة ذلك المعرض، كيف أنَّها تَدَّعي الحرية في عرض كل ما يناهض ثقافتنا، وتَدَّعي الانفتاح والثِّقة في النَّفس، غير أنَّها تحجب وتمنع كتبًا مما لا يروق لها.
وإنَّ القارئ الذي يقرأ مثل هذه النِّتاجات الفاسدة، لا بُدَّ له من حذر على ذوقه، وصونٍ لفكره، فلا يسهب في قراءة مثل هذه الكتب، إن لم يكن بحاجة لها مِمَّن يهتمون بهذا المجال والرَّدِّ عليه وكشفه، أو الاطلاع عما يدور حوله مما لا بُدَّ له من معرفة نُبذة عنه، فإنَّ ذوق الإنسان وفكره أكرمُ عليه من مراهقات أولئك النَّفر، فأحدهم نَسِيَ كتابة مراهقته ونزواته على الجدران، فعَمِدَ إلى بيروت ولندن، فكتبها في كُتُب ذات ورق جذَّاب، وحُلَّة قشيبة، وقال: "هاؤم اقرؤوا كتابيه".
ولكن:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلاَّ سَيَفْنَى وَيَبْقَى الدَّهْرَ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
المصدر: موقع الألوكة
стр. 1090
الو حدة الإسلامية ضرورة دينية ودنيوية
د. أحمد بن سعد ين غرم الغامدي
إن طموحات الوحدة الإسلامية طموحات واقعية وهي حقوق مشروعة لها لا يجوز لأحد مصادرتها أو الوقوف في سبيل تحقيقها كائناً من كان، كما قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً). (آل عمران / ١٠٣)، وهي واجبة عليها لا يجوز لها التخلي أو التقاعس عنها مهما كانت المعوقات كما هو معلوم أن الأمر للوجوب والعبرة بعموم اللفظ هنا لا بخصوص السبب، لا سيما وهذه الوحدة الإسلامية كانت واقعاً تنعم به الشعوب الإسلامية أزمنة مديدة على تعاقب الدول التي حكمتها مع تفاوت في تطبيقاتها إلى أن جاءت معاهدة لوزان واتفاقية سايكس بيكو المشؤمتان اللتان حرمت الأمة من الدولة الواحدة والهوية الواحدة والوطن الواحد منذ ما يقارب المائة سنة.
والسؤال هنا هل الشعوب الإسلامية الآن تطمح إلى الوحدة الإسلامية أم لا؟ الواقع أنه برغم ما بذلته الدول المحتلة من قتل وتشريد ونهب، وبرغم ما بذلته المنظمات المصاحبة لها من تغريب وتفريق، وبرغم ما تبذله الحكومات العميلة للاحتلال بعد خروجه من تغييب لثقافة الوحدة الإسلامية بما تملكه من آلة هدم فكري وإعلامي عبر إحياء النعرات العرقية والطائفية والقطرية وغيرها من الوثنيات، إلا أن الشعوب الإسلامية لا تزال تعبر عن إصرارها على الوحدة الإسلامية في صور كثيرة من أخرها ما تمثل في رفض للغزو الصليبي على العراق، والصهيوني الصليبي على غزة حيث تنادت جموع الشعوب الإسلامية بالنصرة والمطالبة بالوحدة من المحيط إلى المحيط.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا من الذي حال بين الشعوب الإسلامية وتحقيق الوحدة بينها في كل النواحي؟ والجواب الصريح أن أعظم حائل بينها وبين ما تريدهما العدوان اللدودان:
الأول: أنظمة الحكم التي لا تمثلها ولا تمثل طموحاتها.
والثاني: الدول المحتلة والمهيمنة على البلاد الإسلامية. والتي تمثلت محاربتهما للوحدة الإسلامية في الآتي:
١.ما تمليه تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من تخويف للشعوب الإسلامية من بعضها لبعض باسم الطائفية والهيمنة الأحادية والاستئثار بالمصالح وغيرها.
٢.وما تبثه تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من تشويه وتحقير للشعوب الإسلامية الأخرى.
٣.ما تقوم به تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من ضرب للحركات والأحزاب الإسلامية التي تتبنى مشروع الوحدة الإسلامية كمبدأ وهدف استراتيجي.
٤.وما تخدر به تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة مشاعر الشعوب الإسلامية بالعمل على إنشاء مؤسسات خداج لا روح فيها مثل: - منظمة المؤتمر الإسلامي. - ورابطة العالم الإسلامي. - وجامعة الدول العربية. - والمجالس والاتحادات المتهالكة التي أصبحت مثاراً للسخرية والضحك والعار.
إن هذه الأنظمة عامل فرقة وهدم للوحدة الإسلامية قد بان بجلاء ووضوح في هدم كل عمل جاد يوحد الأمة ويلم شملها، تجاوباً مع مصلحها في البقاء جاثمة على صدور تلك الشعوب، وتناغماً مفضوحاً مع رغبات القوى الغربية والشرقية المحتلة والمهيمنة على بلاد المسلمين الناهبة لخيراته ومقدراته، بل قد ذهب بعض تلك الأنظمة الفاسدة إلى التماهي والتمالي مع العدو الصهيوني المجمع على عداوته ضد المستضعفين في غزة، وأما الدول المهيمنة على بلاد المسلمين فلا غرابة في صنيعها جرياً على مبدأ فرق تسد.
لكن السؤال العملي المهم هو كيف المخرج من هذه الأزمة التي تقف حجر عثرة في طريق طموحات الأمة في تحقيق وحدتها؟.