ضوابط في زينة المرأة
د. محمد بن عبد الله القناص
الإسلام دين الفطرة واليسر، والإنسان مفطور على حب الزينة والجمال، وقد شرع الله لعباده التزين والعناية بالمظهر بل طلب منهم ذلك عند كل مسجد، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، وعُني الإسلام بزينة المرأة مراعاةً لأنوثتها، وتلبيةً لنداء الفطرة فيها، فرخص لها ما لم يرخص للرجل، فأبيح لها الحرير والتحلي بالذهب دون الرجال. والزينة من حيث استعمالها تنقسم إلى:
زينة مباحة: كل زينة أباحها الشرع، وأذن فيها للمرأة، مما فيه جمال للمرأة وعدم ضرر بالشروط المعتبرة، ويدخل في ذلك: لباس الزينة، والحرير، والحلي والطيب، ووسائل التجميل الحديثة.
زينة مستحبة: وهي كل زينة رغب فيها الشارع، وحث عليها ويدخل في هذا القسم سنن الفطرة: كالسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والاستحداد، ونحو ذلك.
زينة محرمة: وهي كل ما حرم الشرع وحذر منه مثل: النمص ووصل الشعر، أو كان فيه تشبه بالرجال، أو بالكفار.
ومن الضوابط الخاصة بزينة المرأة:
ستر الزينة والبعد عن التبرج وتجنب إظهارها للرجال الأجانب، ومراعاة القصد والاعتدال والبعد عن الإسراف، ومراعاة حدود الزينة أمام النساء.
- ضوابط زينة وتجميل الشعر:
١ - قص الشعر:
طول شعر المرأة ووفوره زينة وجمال وبهاء، وهذا أمر معروف منذ القدم، وإذا احتاجت المرأة إلى قصه مثل أن تعجز عن مؤنته، ويشق عليها كلفته فلها أن تقصه إذا كان هذا ليس فيه تشبه بالفاسقات والكافرات أو الرجال، ولا يكون في ذلك تلاعب واتباع للموضات، وقد ورد أن أمهات المؤمنين ﵅ قد قصصن شعورهن بعد وفاة النبي ﷺ فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَأَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْجَنَابَةِ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ فَاغْتَسَلَتْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ وَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ". [أخرجه البخاري ح (٢٥١)، ومسلم ح (٣٢٠)، واللفظ له]
٢ - حلق شعر الرأس:
الحلق أخذ الشعر كله وإزلته بالموسى، وحلق المرأة رأسها لا يجوز إلا عند الضرورة وتقدر الضرورة بقدرها، لأن حلقه من غير ضرورة يعتبر مثلة في حق المرأة، وفيه أيضاً تشبه بالرجال، إذ أن الحلق من خصائصهم، قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ" [أخرجه أبو داود ح (١٦٩٣)]، وعن عائشة ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. [أخرجه الترمذي ح (٩١٥)، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم]
٣ - نمص الشعر من الوجه والحاجبين:
النمص: النمص لغةً: رقة الشعر ودقته حتى تراه كالزغب، والنمص: نتف الشعر، والنامصة: هي التي تُزيِّن النساء بالنمص، والمتنمصة: المُزيَّنة بالنمص.
стр. 1017
ونتف شعر الوجه والحاجبين لا يجوز، فعن عَلْقَمَةَ قَالَ: "لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ قَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ": (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩)، ومسلم ح (٢١٢٥)]، والنمص والنتف سواء، ولا يختص النمص بالحاجبين بل يشمل أخذ الشعر من الوجه، قال ابن الأثير: "النامصة التي تنتف الشعر من وجهها"، لكن إذا نبت للمرأة شعر في شاربها أو لحيتها أو خدها فلا بأس بإزالته لأنه خلاف المعتاد وهو مشوه للمرأة. وكذلك إذا طال شعر الحاجب ونزل على العين فيزال ما يؤذي منه، ومن الأمور المحدثة في النمص أن تزيل المرأة كامل الحاجب وتضع خطاً مكانه، وكل هذا الأمور سواء الإزالة الكاملة أو التخفيف منهي عنها.
٣ - وصل الشعر:
وصل المرأة شعرها لا يجوز ففي الحديث: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ " [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٣)، ومسلم ح (٢١٢٧)]، ويدخل في ذلك لبس ما يسمى بالباروكة، إلا لمن بها عيب كأن تكون المرأة قرعاء ليس على رأسها شعر فلا حرج من استخدام الباروكة لستر العيب.
٤ - صبغ الشعر:
صبغ الشعر لتغيير الشيب مشروع بل مسنون، إذ ثبتت مشروعيته بالأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﷺ دون فرق في هذا بين الرجل والمرأة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ". [أخرجه مسلم ح (٢١٠٣)]، وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " [أخرجه البخاري ح (٣٤٦٢)، ومسلم ح (٢١٠٣)].
تعلية الشعر فوق الرأس: وهو من الأمور المستحدثة التي وردت علينا من نساء الغرب، وقد أخبرنا النبي ﷺ وهو من معجزات النبوة - عن صنفين لم يرهما من أهل النار، فقال فيما يرويه عنه أبو هريرة: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" [أخرجه مسلم ح (٢١٢٨)]
ضوابط في تجميل الوجه:
١ - العدسات الملونة:
عرفت العدسات في مجال علاج قصر النظر، واستخدمت على نطاق واسع في مجال التجميل والزينة، وخاصة الملون منها، ويجوز لبس العدسات عند الحاجة بقصد العلاج، وأما استخدامها بهدف الزينة فقط، فمن أهل العلم من منع ذلك لما فيه من تغير خلق الله، والتلبيس مع عدم وجود الحاجة إلى ذلك، ومن أهل العلم من أباح استخدامها لأن الأصل في الأشياء الإباحة والحل ولكن هذا مقيد بقيود وشروط الزينة عموماً بحيث لا يكون في لبسها مضرة ولا تشبه، ومن غير تبذير ولا إسراف.
٢ - الرموش الصناعية:
стр. 1018
الرموش الصناعية هي نوع من الزينة المستحدثة تضعها المرأة فوق جفن العين فوق رموشها الطبيعية، لتبدو رموشها غزيرة طويلة، وتستخدم مادة مخصوصة لتثبيتها. ولا يجوز استخدام هذه الرموش لدخولها في الوصل المنهي عنه، ولأنه قد ثبت من الناحية الطبية أن المادة التي تستخدم في صناعة الرموش الصناعية، وكذا المادة المثبتة لها تسبب حساسية مزمنة بالجلد والعين وتؤثر على الرموش الطبيعية ونموها الطبيعي.
٣ - في الأسنان وتجميلها:
وشر الأسنان وهو ترقيقها وتحديدها وتفليجها لا يجوز، وفي الحديث: لعن المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩)، ومسلم ح (٢١٢٥)]، وعن أبي ريحانة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الوشر والوشم. [أخرجه النسائي (٨/ ١٤٩)]
٤ - استخدام المساحيق والأصباغ:
يجوز استخدام المساحيق وأدوات التجميل إذا لم يكن فيها مضرة وحصل هذا بقصد واعتدال، والأطباء ينصحون بعدم استخدام أدوات التجميل عموماً والمكياجات إلا في حالات قليلة وعدم المواظبة على استخدامها لأن فيها مواد كيميائية تؤثر على نضارة البشرة وحيويتها في المستقبل، وغالباً ما تؤدي إلى ظهور التجاعيد مبكراً في البشرة.
٥ - الوشم:
الوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في الوجه أو الذراع، ثم يحشى الموضع بمادة كالكحل أو غيره ليخضر الموضع أو يزرق. وهو محرم، وفي الحديث لعن الواشمات والمستوشمات، ومما استحدث من أساليب الوشم: أن يحدد شكل العينين والشفتين ثم ينقش عليها بالإبر ويحشى الموضع باللون المطلوب، فتصبح العينان كحيلتين على الدوام، وتصبح الشفتان دائمتي الحمرة، وهذا الفعل ينطبق عليه حكم الوشم.
طلاء الأظافر:
طلاء الأظافر يسمى لدى العامة (موناكير)، وهو مادة سائلة ملونة لزجة تصبغ بها المرأة أظفارها، فتجف بعد فترة مكونة طبقة عازلة تمنع وصول الماء في الوضوء، وهذا الطلاء إن لم يكن فيه مضرة فيراعى إزالته عند كل وضوء وغسل ليصل الماء إلى البشرة. وتركه أولى، وقد أشار بعض الأطباء إلى أن الطلاء المستمر يضر بالأظافر، وقد يؤدي إلى تشققات بها.
التزين عن طريق عمليات التجميل:
التجميل المستعمل في الطب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الجراحة التي يحتاج إليها الإنسان لوجود عيوب خَلْقية ولد بها الإنسان كالتصاق أصابع اليدين أو الرجلين، أو عيوب ناشئة عن الآفات المرضية التي تصيب الجسم أو العيوب الطارئة على الجسم كالتشوهات الناشئة عن الحروق والحوادث، فهذه العيوب يجوز إجراء العمليات الجراحية لإزالتها.
القسم الثاني: الجراحة التجميلية التي يقصد بها تحسين المظهر وتحقيق صورة أجمل وأحسن، ومن ذلك ما يسمى بعمليات تجديد الشباب، وعمليات تجميل الأنف بتصغيره أو تغيير شكله عموماً، وتجميل الثديين بتصغيرهما إن كانا كبيرين أو تكبيرهما إن كانا صغيرين، وتصغير الشفة الغليظة وتكبير الشفة الرقيقة، ونحو ذلك، وشد تجاعيد الوجه ليظهر صاحبه وكأنه أصغر بكثير من سنه الحقيقي، وهذا النوع من الجراحة مشتمل على تغيير خلق الله، والعبث به حسب الهوى والرغبة، وهو داخل في عموم قوله حكاية عن إبليس: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)، وفي حديث ابن مسعود السابق: " والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. " [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩) ومسلم ح (٢١٢٥)]
التزين والتجمل بالمطعوم:
المواد المطعومة مثل: الحبة السوداء، وزيت الزيتون وعسل النحل، وغيرها هي غذاء للبدن وتستخدم للعلاج وقد تستخدم بغرض التجميل والتحسين المحض مثل وضع القناعات للوجه بغرض تغذية الوجه وتخفيف تجاعيده وخشونته، وإعادة رونقه ونضارته ونعومته، فإذا كانت هذه المواد داخلة في مواد أخرى مصنعة مثل المراهم والمحاليل فلا إشكال في ذلك، وأما إذا كانت خالصة فإن احتيج إليها مما لا يعد امتهاناً فلا بأس بذلك، والله أعلم.
стр. 1019
مسألة الأخذ من اللحية وتقصيرها
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
١٧ ربيع الأول ١٤٣٠
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
فقد وردت أحاديث كثيرة بتوفير اللحى وإعفائها وحاصل مجموع رواياتها خمس: أوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا، وأعفوا، ومعانيها كلها متقاربة، ولم يرد حديث بلفظ (اتركوا) ولا بلفظ (أكرموا)، والروايات هي:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً: ((أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى)) رواه مسلم.
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى)) رواه مسلم، وجاء بلفظ (أرجوا) بالجيم.
٣ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا: ((وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)) رواه البخاري
٤ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)) رواه البخاري، ومسلم بلفظ (أحفوا الشوارب)
وهذه الألفاظ كلها تدل على الترك والتوفير والتكثير، وإليك تفصيل ذلك:
(أوفوا) من الإيفاء وهو الإتمام وعدم النقصان، قال في تاج العروس: (أوفى الشيء أي تمَّ وكثُر)، وفي مقاييس اللغة: ((وفي) كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمام)
(أرخوا) من الإرخاء وهو بمعنى الإطالة والسدل أرخى العمامة أطالها، وأرخى الستر أسدله (انظر تاج العروس)
(أرجو) أصلها أرجئوا من الإرجاء وهو التأخير فلما قال: (أحفوا الشوارب) قال بعدها: (وأرجوا اللحى) أي أخروها ولا تحفوها.
(وفِّروا) من التوفير وهو الكثرة، قال ابن فارس في مقاييس اللغة: ((وفر) كلمةٌ تدلُّ على كثرةٍ وتَمام)، وفي القاموس المحيط: (وفره توفيراً: كثَّره)، وفي لسان العرب: (وفَّره: كثَّره)
(أعفوا) الإعفاء أصل معناه في اللغة الترك كما في تاج العروس وغيره، تقول: عفا الله عنك، أي ترك عقابك، وعفوتُ عن فلان أي تركته وحاله ولم أعاقبه، ويأتي بمعنى التوفير والكثرة، ففي لسان العرب: (عفا القوم كثروا، وفي التنزيل: ﴿حتى عفوا﴾ أي كثروا، وعفا النبت والشعر وغيره يعفو فهو عاف: كثُر وطال، وفي الحديث: أنه ﷺ أمر بإعفاء اللحى، هو أن يوفَّر شعرها ويُكَثَّر، ولا يقص كالشوارب، من عفا الشيء إذا كثر وزاد) ا. هـ، وقال القرطبي في (المفهم) (١/ ٥١٢) قال أبو عبيد: (يقال عفا الشيء إذا كثر وزاد)
فأنت ترى أن كل الألفاظ التي جاءت في الأحاديث تدل على الوفرة والكثرة، وبصيغة الأمر الدال على الوجوب، وقد تأكد ذلك بفعله ﷺ ، فإنه لم يصح عنه أنه أخذ شيئا من لحيته بل جاء في أحاديث كثيرة في صفته ﵌ أنه كان: (كث اللحية) رواه البخاري ومسلم، و (كثير شعر اللحية) رواه مسلم، كما ورد في صفة عدد من الصحابة ﵃ أنهم كانوا كثيري شعر اللحية، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه حلق لحيته ألبتة، ولذلك اتفق الفقهاء على حرمة حلقها ونقل غير واحد الإجماع على ذلك منهم ابن حزم بقوله: ((واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة لا تجوز)). ولم يعلق عليه ابن تيمية، انظر: (مراتب الإجماع) (ص١٢٠)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧٣): ((حكم اللحية في الجملة فيه خلاف بين أهل العلم هل يجب توفيرها أو يجوز قصها, أما الحلق فلا أعلم أحداً من أهل العلم قال بجوازه)).
أما الأخذ منها وتقصيرها وتهذيبها فإن كان بحيث لا تكون وافرة وكثيرة وكثة فلا يجوز، لظاهر النصوص السابقة والتي تدل كلها على وجوب الإعفاء والتوفير والإرخاء وهذا ما عليه جمهور العلماء، ولكن اختلفوا فيما لو أخذ منها شيئاً مع بقائها وافرة كثيرة على قولين:
стр. 1020
الأول: عدم جواز أخذ شيء منها ودليلهم الأمر بالإعفاء وأخذوا من معنى الإعفاء الترك وهو أحد معنيي الإعفاء، أما بقية ألفاظ الحديث فلا تدل على عدم جواز أخذ شيء منها.
الثاني: جواز الأخذ منها مع توفيرها وإرخائها، ودليلهم أن الإعفاء يأتي في اللغة بمعنى الكثرة كما تقدم، قالوا: فمن ترك لحيته وأعفاها حتى طالت وكثرت فقد حقق الإعفاء الواجب، كما استدلوا بفعل عدد من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة ﵃ بأخذ ما زاد على القبضة، ثم اختلفوا هل كان هذا في نسك أم لا؟ وهذا الاختلاف لا يغير في أصل الاستدلال لأنه كما قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (٤/ ٣١٧): ((لو كان غير جائز ما جاز في الحج)).
وسبب اختلافهم هو أن ابن عمر ﵁ راوي حديث: (أعفوا اللحى) هو نفسه كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة فمن قال بعدم الجواز استدل بقاعدة: (العبرة برواية الراوي لا برأيه) ومن قال بالجواز استدل بقاعدة: (الراوي أدرى بما روى) وقال لم يخالف ابن عمر ﵄ روايته بل هذا معنى الإعفاء.
وقد قال بجواز أخذ ما زاد على القبضة جمهور من أهل العلم منهم الإمام مالك والإمام أحمد وعطاء وابن عبد البر وابن تيمية وغيرهم وعندهم أن ما زاد على القبضة تحقق فيه الإعفاء والتوفير والإرخاء:
قال أبو الوليد الباجي في (المنتقى شرح الموطأ) (٤/ ٣٦٧): ((روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ، قيل لمالك: فإذا طالت جداً قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص، وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة))
وقال ابن هانئ في مسائله (٢/ ١٥١): ((سألت أبا عبد الله عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة، قلت: فحديث النبي ﷺ : (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه ومن تحت حلقه)) أ. هـ
وقال الخلال في كتاب (الوقوف والترجل) (ص١٢٩): ((أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال: إن ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه، قلت ما الإعفاء: قال: يروى عن النبي صبى الله عليه وسلم، قال: كأن هذا عنده الإعفاء)) أ. هـ
وقال المرداوي في (الإنصاف) (١/ ١٢١): ((ويعفي لحيته ... ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ونصه -يعني أحمد- لا بأس بأخذ ذلك وأخذ ما تحت الحلق ... )) أ. هـ
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٩/ ١٤٧): ((قال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت)).
وقال الحافظ ابن عبد البر في (الاستذكار) (٤/ ٣١٧): ((وفي أخذ ابن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج ... وابن عمر روى عن النبي ﷺ : (وأعفوا اللحى) وهو أعلم بمعنى ما روى، فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم)).
وقال شيخ الإسلام في (شرح العمدة) (١/ ٢٣٦): ((وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه كما تقدم عن ابن عمر، وكذلك أخذ ما تطاير منها)) أ. هـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (١٠/ ٣٦): ((قلت: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه)) ا. هـ
وفي حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٥٩): ((لا بأس بأخذ أطراف اللحية إذا طالت)) أ. هـ
стр. 1021
وقال الغزالي في (الإحياء) (١/ ١٤٣): ((وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها عافية أحب لقوله ﷺ : ((أعفوا اللحى)) والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب)) أ. هـ
وقال العراقي في (طرح التثريب) (٢/ ٤٩): (إعفاء اللحية، وهو توفير شعرها وتكثيره وأنه لا يأخذ منه كالشارب، من عفا الشيء إذا كثر وزاد ... واستدل به الجمهور على أن الأولى ترك اللحية على حالها وأن لا يقطع منها شيء))
وقال ابن الهمام في (فتح القدير) (٢/ ٢٧٠): ((يحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الأعاجم ... فيقع بذلك الجمع بين الروايات)) أ. هـ
وأقوال أهل العلم في جواز الأخذ مما زاد على القبضة كثيرة جداً، ولم يأت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين فيما أعلم تحريم ذلك.
واستحسن بعض العلماء قص ما زاد على القبضة وقالوا بالاستحباب والسنية وهذا بعيد، فقد جاء في (البحر الرائق) (٣/ ١٢): ((قال أصحابنا: الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر , والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته, فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب (الآثار) عن أبي حنيفة قال: وبه نأخذ)) أ. هـ
وقال القرطبي في (المفهم) (١/ ٥١٢): ((ولا يجوز حلق اللحية ولا نتفها ولا قص الكثير منها , فأما أخذ ما تطاير منها وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولا وعرضا فحسن عند مالك وغيره من السلف)) أ. هـ
وقال القاضي عياض في (إكمال المعلم) (٢/ ٣٦): ((وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن)) ا. هـ
ومن العلماء من ذهب إلى المنع من الأخذ مطلقا:
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (١٠/ ٣٥٠): ((قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها))
وقال النووي في (المجموع) (١/ ٢٩٠): ((والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً، بل يتركها على حالها كيف كانت، للحديث الصحيح (وأعفوا اللحى)) أ. هـ
وقال في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ١٥١): ((والمختار ترك اللحية على حالها , وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً))
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في (مجموع الفتاوى) (٤/ ٤٤٣): ((الواجب إعفاء اللحية وتوفيرها وإرخاؤها وعدم التعرض لها بشيء))
وقال الشيخ ابن عثيمين في (فتاوى على الدرب) (١٠/ ١٧٣) ((الواجب إبقاء اللحية كما هي ولا يتعرض لها بقص ولا بحلق))
وقال في (مجموع الفتاوى) (١١/ ٨٥): ((أما ما سمعتم من بعض الناس أنه يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم فيما زاد على القبضة، وقالوا: إنه يجوز أخذ ما زاد على القبضة استناداً إلى ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه. ولكن الأولى الأخذ بما دل عليه العموم في الأحاديث السابقة فإن النبي ﷺ لم يستثن حالاً من حال)) أ. هـ
وقال بعض العلماء بوجوب أخذ ما زاد على القبضة وليس معهم دليل.
وخلاصة ما سبق:
١. أن حلق اللحية حرام بالإجماع.
٢. أن الأخذ منها وقصها بما يخل بتوفيرها وكثرتها حرامٌ أيضاً لمخالفته الأمر بالإعفاء والإرخاء والتوفير الوارد في الأحاديث وضابط ذلك ما زاد على القبضة وهو في الغالب إلى منتصف الصدر.
٣. أن المعاصي تتفاوت، فالحلق أعظم من أخذ شيء منها.
٤. أن الأخذ من اللحية بما لا يخرجها عن كونها كثة وكثيفة وهو ما زاد على القبضة مما اختلف فيه العلماء قديماً وحديثاً.
٥. أن حاصل كلام القائلين بجواز الأخذ منها هو الأخذ مما زاد على القبضة ولا أعلم أحداً يقول بجواز الأخذ دون ذلك.
٦. أن سبب اختلافهم كما سبق بيانه هو معنى الإعفاء واختلافهم في تقديم إحدى القاعدتين على الأخرى، قاعدة: (العبرة برواية الراوي لا برأيه) وقاعدة: (الراوي أدرى بما روى).
٧. أن الأولى والأحوط خروجاً من الخلاف تركها دون أخذِ شيء منها اقتداء بالنبي ﵌.
أمَّا مسألة الإنكار، فمن حلقها أو أخذ منها وقصَّرها وخففها فيُنكر عليه لأنه فعل منكراً، لكنه منكرٌ دون منكر، والمعاصي تتفاوت كما تقدم، أما من وفَّرها وكثَّرها وأرخاها ولو أخذ مما زاد على القبضة فلا يُنكر عليه، ولم ينكر الصحابة ﵃ على من فعل ذلك كابن عمر وأبي هريرة ﵄.
والله أعلم
стр. 1022
القراءة الحَدَاثِيَّة للسنة النبوية "عرضٌ ونقد "
د. محمد بن عبد الفتاح الخطيب
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَمْنَحُ الْحَوْلَ كُلَّ يَدٍ تَمْتَدُ ضَارِعَةً فِي صِدْقٍ، تَرْجُو حَوْلَهُ. وَالصَّلَاةُ والسَّلاَمُ عَلى سيدِنَا مُحَّمدٍ خَاتِم النَّبَييَن مَنْ لَا نَبِي بَعْدَه، وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ الذَّيِنَ حَفِظوا للإِسْلاَمِ عِزَّهُ وَمَجْدَه، وعَلَى حَمَلةِ العِلْمِ الذَّينَ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْريفَ الغَالِينَ، وانْتحِالَ الُمْبطِلينَ، وَتَأْويلَ الجَاهِلِينَ، فَبَلغَ فِيه كُلٌ جَهْدَه. وَبَعْدُ،،،
فقد شغلت وظيفة"القراءة" و"الفهم والإفهام" الطاقات الفكرية للأمة الإسلامية، التي ظلت مشدودة بأحاسيسها، وخطراتها الفكرية إلى هذا "النص" قرآنًا وسنة، إلى حد لا نظير له، حيث تأسست أجواء الفهم والتحليل والتذوق؛ لقراءة هذا النص ومقاربته، بـ"استنطاقه" و"تحليل" إشاراته، و"حراسة" مدلولات ألفاظه، فهمًا وتأويلًا، و"ضبط" علاقة اللفظ بالمعنى، و"تقنين" دلالة المنطوق على المضمون؛ حتى تتفادى كل "تفسير مجانيٍّ" أو "تأويل إسقاطي" لهذا النص، ووقوفًا ضد "كل من يدعي"قراءة" النص المؤسس للشرعية في الإسلام، بعيدًا عن "قوانين التأويل" المتمثلة في طرق الاستنباط، بقواعدها اللغوية والشرعية، وبذلك أصبحت قراءة "النص" في الفكر الإسلامي، قراءة تخضع لمنهج مشدود بثوابت: "مرتبطة" باللسان ومقتضياته في فهم الخطاب من جهة، و"محتكمة" إلى الشرع وحدوده من جهة ثانية، مما يؤدي إلى ما سماه الإمام الشافعي، ﵀، بـ"عَقْل المعاني".
ثم كانت الخطورة حينما بدأ نفر من أبناء جلدتنا، من أبناء هذه الأمة، يتناولون القرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، بقراءة عرفت بـ "الحداثية" أو "القراءة الجديدة" للنص الديني، وهي قراءة "تأويلية" تستمد آلياتها من خارج نطاق "التداول الإسلامي" بل تأتي وفقًا للتجربة الغربية في فهم النصوص، واللاهوتية منها خصوصًا، فلا تريد أن تحصل اعتقادًا من النص، بقدر ما تريد أن تمارس نقدها عليه، واستخدامًا لنظريات لغوية حديثة (مثل: البنيوية، والتفكيكية، والسيمائية) وهي قراءات في حقيقتها اقتبست كل مكوناتها من الواقع الحداثي الغربي في صراعه مع الدين، هذا الصراع الذي آل، في الغرب، إلى الاشتغال بالإنسان بعيدًا عن الله (الأنسنة) والاهتمام بالعقل خارجًا عن الوحي (العقلنة) ومراعاة للدنيا، من غير نظر إلى الآخرة (الأرخنة)، ومن ثم ترتكز دعوتهم على ضرورة معالجة "النص الإسلامي" قرآنًا وسنة، داخل "التقليد الكتابي" الذي ينتمي إليه، أي: التقليد اليهودي- المسيحي، مما يعني، فعليًا، إخضاع هذا النص لمناهج النقد والتأويل التي خضعت لها "الدراسات التوراتية والإنجلية المستحدثة في إطار الفكر الغربي، الذي يصير له عند الحداثيين"مرجعية" غير قابلة للنقاش. وجوهر ما يؤسس هذه "المرجعية" بناؤها على: "التحرر" من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي ومحدداته، و"نزع القداسة" عنه، وعلى "القطيعة المعرفية" بينها وبين القراءات التراثية، و"الفوضى التأويلية" التي هي "تفكيك" للهوية، و"ضياع" للمعنى. وهي ملامح ومنطلقات لاتخفى مستلزماتها التطبيقية، ولا عواقبها العلمية التي تنسجم مع فلسفة الحداثة وما بعدها!! ومن ثم أفضت تلك القراءة الحداثية للسنة النبوية إلى:
стр. 1023
- التشكيك في السنة، فهي في الخطاب الحداثي، وقراءته التفكيكية لأصوله "مجموعات نصية مغلقة" ذات بنية "تيولوجية- أسطورية" حسب تعبير أركون قد خضعت"لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فرضت في ظل الأمويين، وأوائل العباسيين، أثناء تشكيل المجموعات النصية" كما أن هذه"المجموعات النصية" قد تعرضت لعملية النقل "الشفاهي" بكل مشاكلها، ولم تدون إلا متأخرًا، وهذا الوجه"الشفاهي" قام به جيل من الصحابة، لا يرتفعون عن مستوى الشبهات، بل تاريخهم تختلط فيه"الحكايات الصحيحة" بـ"الحكايات المزورة".
- التسوية في الاستشهاد بين السنة، وسائر الخطابات الأخرى، وإخضاعها لـ"سنن القراءة" و"مناهج" الألسنيات الحديثة، وتحليل الخطاب التاريخي ونقده؛ باعتبارها "نصًا تراثيًا" شأنها في ذلك شأن بقية النصوص، وهكذا يصبح النَّصّ النبوي نفسه موضع "المساءلة" ما إذا كان حجة أم لا، فضلاً عن تضمنه رسالة للبشرية، أو كونه هدى وبشرى للعالمين.
- (عقلنة) السنة، واعتبار العقل حاكمًا وقاضيًا عليها، وكذلك اعتبار "الواقع" حاكمًا على النص، ومتبوعًا، لا تابعًا، فسلطة العقل، في القراءة الحداثيَّة، هي السلطة الوحيدة التي يُتعامل على أساسها مع السنة النبوية، بل مع النصوص الدينية كافة.
ولعل أخطر ما في القراءة الحداثية، هو تلك: "الفوضى التأويلية وأشكلة العلاقة بين النص ولغته" إذ تعتبر القرآن والسنة خطابًا لغويًا، يخضع لآليات التفكيك والقراءة التي طبقت على مختلف النصوص بما يعرف في العلوم الإنسانية والألسنية بـ"الهرمنيوطيقا" أو"التأويلية الحديثة" أو"نظرية تفسير النصوص" ومن أهم مبادئ هذه "الألسنية الجديدة":التأويلات "اللامتناهية"، و"أشكلة" العلاقة بين النص المعطى ولغته، فليس لـ"قصد" المؤلف، أو النص، مكان في "النظرية التأويلية" الجديدة، باعتبار أن النصوص لا تحمل أي معنى إلا ذلك الذي يصنعه القارئ ويشكله، مما يؤدي إلى "فوضى التفسير" و"لا نهائية المعنى" و"نسف محتوى النص" و" "إبطال مقصوده"؛ في ظل الغيبات الثلاثة التي تقوم عليها"التأويلية الحديثة": (غيبة المؤلف، وغيبة المرجعية، وغيبة القصدية) وبذلك، وحده، سيأثر الحداثيون بتأويل النص الديني، قرآنًا وسنة، ويتلاعبون بفهمه وتفسيره ومدلوله، في "باطنية" مسرفة لا ترى في "ظواهر" النصوص أكثر من رموز ومؤشرات ومدلولات كوامن بواطن، هي مركز الثقل في النص، وبدل أن يكون الهوى تبعًا لمعطيات النص، يكون هو تبعًا لهوانا!!
تلك هي"الرؤية" التي تحكمت في الأصول الفكرية، والمنطلقات المنهجية في "القراءة الحداثيَّة" وإذا نحن دققنا النظر في تلك "القراءة الحداثيَّة" التفكيكية للنص الديني، وما طرحته من"إشكالات" حوله، وخاصة السنة النبوية، كما تقدم، نلاحظ: أن هذه القراءة - على الرغم من ادعاء أصحابها كونَها قراءة ليست "تقليدية امتثالية، كما هو سائد في كليات الشريعة، وفي كل الأوساط الإسلامية دون استثناء"- في الحقيقة، قراءةٌ لا تنفصل كثيرًا عن"الطروحات الاستشراقية المعهودة، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن تلك"القراءة الحداثيَّة" قد وقعت في جملة أخطاء (آفات) منهجية، تفقدها قيمتها، كما تفقد النتائج المتوصَّل إليها مصداقيتها؛ وذلك فيما أسميه بـ"الغيبات الأربع" والتي يمكن تمثلها على النحو التالي:
стр. 1024
١. غياب البُعد المصدري للنصوص (أزمة القراءة الحداثيَّة مع النص الديني) ولا شك أن غياب "البعد المصدري" للنص الديني، أو "تغييبه" في القراءة الحداثيَّة يعد خطأ منهجيًا، بل يمثل"أزمة" و"خَطبًا" أيَّ خطب؛ إذ النصوص الدينية لا تقبل الانفصال عن قائلها، وعن مراده، فالقرآن هو كلام الله ، والحديث هو من الوحي الذي تكلم به الرسول ﷺ ، وأي نظرة إلى كلام الله، ، أو كلام رسوله، ﷺ ، تستبعد "المتكلم" تقع في محاذير كثيرة، ليس أقلها عدم إدراك عظمة مصدر النص، الذي يُتعامل معه وُيبَّن مراده، فهمًا وتنزيلًا، واستنباطًا واستدلالًا، ومن ثم إعطاء المشروعية لكل عمليات النقد والتخطئة والمراجعة والتصحيح، والتنقيح، وما يستوجب الحكم بالنقص أو وجود الخلل والخطأ، وهدم مصداقيته.
٢. غياب القراءة الجامعة (القراءة الحداثيَّة المتهافتة للنص الديني) وهذا واضح في تناولهم لبعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية المشرفة، التي تتحدث عن: حجاب المرأة، وميراثها، ومنزلتها في الإسلام، وإقامة بعض الحدود .... وغير ذلك من أوهام وشبهات، مقتطعة من سياقها؛ فكانت قراءتهم لها قراءة "متهافتة" تعتمد آليات خاصة لا يستعان بها على فهم المعنى المراد للنص، ولا تؤيد الأفكار المبثوثة فيه، بقدر ما تجعله وثيقة تخدم مصالح فئة معينة، في ظروف تاريخية معينة، وهذا يخالف شرط القراءة الصحيحة، التي تعامل القرآن الكريم، والسنة الشريفة"كاللفظة الواحدة" وأن كل جزء من هذه اللفظة ينبغي النظر إليه في ضوء علاقته مع الأجزاء الأخرى.
٣. غياب الإبداع الموصول (القراءة الحداثيَّة وأزمة المنهج) وهذه هي مشكلة الحداثة الأولى في مقاربتها النص الديني، وهي الدعوة إلى "ضرورة" قراءة النص الديني، خارج"تداوله" أي: خارج نطاق أي قراءة أسبقية تراثية له، في فصل تام بين النص الديني الإسلامي، وكل القراءات الضابطة لفهمه وتفسيره في التراث العربي الإسلامي، وذلك لصالح المنهجية الغربية المسيحية في تحليل الخطاب، وقراءة النصوص؛ فراحوا يسقطون على"النص الديني" الإسلامي كل ما ظفروا به من "آليات القراءة" و"أدواتها" في نتاج الآخرين، وأطلقوا العنان لقراءة النص الديني وفهمه وتحليله، من خلالها.
٤. غياب المرجعية اللغوية (القراءة الحداثيَّة والانحراف عن معهود العرب في الخطاب) ولعل غياب"المرجعية اللغوية" هو الخطأ، بل"الخطيئة" الكبرى، ومن "الإصابات" الفكرية البالغة التي وقع فيها الحداثيون، في أثناء مقاربتهم النص الديني؛ فمن ضوابط القراءة الصحيحة: أن مقاربة أي نص لغوي تستدعي الوقوف على حدود لغته التي تحمل بلاغه، ومعرفة مقاصد أصحابها في كلامهم، وأن يؤول الكلام بما يوافق "معهود الخطاب المتبادَل بين المتكلمين" و"عرف المخاطِب" و"عاداته المطردة".
стр. 1025
حين يؤول أمر "النص الديني" قرآنًا وسنة، هذا المآل، في قراءات الحداثيين، فإن الاحتكام إلى "منهجية" توجه القراءة، وتضبط مسارها، فهمًا وتفسيرًا وتأويلًا، وتحمي "النص" من أن يكون مجالًا للتزيد والإقحام، أو العبث واللهو، وتمكِّن من "الفهم" الصحيح لمقاصده، يكون أمرًا ضروريًا، فمن لم يكن "مقياسه" مضبوطًا كل الضبط، فإن المعاني تختلط عليه وتمتزج، ووقع في"التيه" الذي أدخلتنا فيه الحداثة، وما بعدها!! وهذه "المنهجية" محكومة بأصل عام، يمثل"مرجعية" لها، وهو: أن تكون "قراءة" النص الديني الإسلامي، على"طريقة العرب في خطابها" و"مسالكها في تقرير معانيها" و"منازعها في أنواع مخاطباتها" و"عادات اللسان العربي في الاستعمال، وخصوصياته في توزيع المعاني على الألفاظ" وأن يُفهم وَفق مدلوله العربي، الذي يتبادر إلى الذهن، من دون ليٍّ ولا إغراب، ولا تعطيل لمغزي، أو إقحام لمعنى.
و"معهود العرب في كلامها" و"مَهْيَعُها" في "مقاربته" و"تلقيه" أراه يقوم على"الضوابط" الآتية:
أولًا: سلطة النص (ضبط العلاقة بين القارئ وفقه النص): والمراد بـ"سلطة النص" هي: قدرته على تحقيق "معنى" ما، يتمتع بقدر من الإلزام، ويقبل التثبيت؛ حتى ينضبط الفهم، ويصح الاستنباط، من خلال المعطيات التي يقدمها "النص" نفسه، ومن ثم، فحدود "سلطة" القارئ مع النص، وخاصة النص الديني، تكمن في:"الإصغاء إلى النص" و "اكتشاف دلالاته" و"التفهم لمعناه" ثم"التعبد بمقتضاه"، وقد قننت كتب الأصول، والتفسير، وشروح الحديث "آليات" القراءة التفسيرية والتأويلية، و"معاييرها" من خلال الضوابط الكفيلة بالارتباط بـ"النص" والفهم عنه، واستثمار معناه، و"الغوص" في أعماق الدلالة"دلالة النص، ودلالة معقول النص" حتى صار "النص" في الفكر الإسلامي، أحدَ"الأحباس" أي الأوقاف، التي لا يجوز التصرف فيها بحال.
ثانيًا: معنى النص (ضبط العلاقة بين نهج الاستباط ومسألة القصد): لا أبعد إذا قلت: إن "فقه البلاغ اللغوي" قائمٌ، في الفكر الإسلامي، على البحث عن المعنى الذي يحمله النص؛ فالمفسر "يطلب" المعنى، والنحوي "يوفر الأداة" من أجل الإبانة عنه، والفقيه أو عالم الأصول "يقنن" طريقة الاستنباط منه، ومنهج الفقه فيه، والجميع يبحث عن "الفهم الأوفى" انطلاقًا من الظاهرة اللسانية، أو البلاغ اللغوي!! يقول الشاطبي:" فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب؛ لأنه المقصود والمراد، وعليه ينبنى الخطاب ابتداء، وكثيرًا ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسنة؛ فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي"الموافقات، (٢/ ٨٨ - ٨٩). فينبغي العناية بمسألة"القصد" الذي "يُؤَمُّ"، و"مراد" المتكلم و"غايته" من الكلام.
ومن أهم الأمور التي توقف على "مقصد" الكلام: "القراءة الجامعة" التي تضع الجزئيات في إطار الكليات، وتردف الفروع بأصولها، و"القرائن" و"مقتضيات الأحوال" المحيطة بالنص، واستبصار ما سيق الكلام له، وما تعلق به من معان، وما هدت "القرائن" إليه، أو ما منعت منه وصدت عنه، والوقوف على:"عرف المتكلم" و"عادته في خطابه".
стр. 1026
ثالثًا: مسالك استثمار النص (جدلية العلاقة بين المنطوق والمفهوم): فالمقصود الشرعي يؤخذ من"منطوق" النص كما يؤخذ من "مفهومه" إذ قد يكون المعنى مستنبطًا بطريق الفحوى، ولزوميات الكلام، وتداعي المعاني، وهذا معناه، كما يقول الأصوليون: أنه يجب "استثمار" كافة طاقات النص، انطلاقًا من اللفظ، وطرق دلالته على المعنى، عبارة، وإشارة، ودلالة، واقتضاء، ومفهومًا موافقة ومخالفة؛ ومعنى ذلك: أن المعاني المستفادة من النص، نوعان: "معانٍ هُنَّ بنات ألفاظ" تؤخذ من الوضع الأصلي للألفاظ، و"معانٍ هُنَّ بنات معانٍ"!! تؤخذ من "فحوى الكلام" و"بساط التخاطب" ويجب عند قراءة النص مراعاة ذلك ..
رابعًا: التأويل (توجيه النص وإشكالية تعدد المعاني بين "حركة" اللفظ و"منطق" المعنى): قد يحتمل النص "تأويلات مختلفة" فتتعدد فيه "دروب" الفهم، وتتنوع فيه "المعاني" ولما كان "التأويل" المغرض "انحرافًا" بالمقروء، ووقوعًا في "التيه" و"الضلال" فقد تنبه المفسرون القدامى، وعلماء الأصول، وشراح الحديث إلى "التأويل" حين يجور على"المقاصد" فكان لهم "ضوابط"موصولة في جانب منها بـ"قواعد اللسان" وفي جانب آخر بـ"منطق المعنى"تقوم على: - أن"التأويل" ينبغي أن يكون"مُنقادًا" يعضده مرجحٌ قوي من "دليل" صحيح؛ فإذا لم يكن ثمة دليل فلا يجوز صرف الكلام عن ظاهره، كما بفعل الباطنية، قديمًا وحديثًا.
- عدم الخروج عن"سَنن" النص في لغته، وعُرف استعمله، وتحميله ما لا يحتمله، منطوقًا أو مفهومًا، فكل "تأويل" للنص مقبولٌ"ما لم يخرج من اللسان، فإن خرج، فلا فهم، ولا علم".
- أن يأتي"التأويل" ضمن العناية بـ"مراد" المتكلم، و"مقاصد" خطابه، والاحتكام فيه إلى"منطق المعنى" فالتأويل، في الفكر الإسلامي، ليس "فلسفة" للفهم المفتوح، و"التعري عن مأخذ الكلام"كما في القراءة الحداثيَّة للنصوص، بل هو جهد ذهني مقيد بـ"منطق" النص الشرعي ذاته، و"إرادته" من النص، ويكون جهد "المتأول" التردد بين المعاني المتعددة؛ لمعرفة الحكم استنباطًا، وهو ما نبه عليه الإمام ابن تيميًّة، ﵁، في رده على الباطنية في تأويلاتهم بعض أحاديث الرسول، ﷺ ،، فقال: "والتأويل المقبول هو مادل على مراد المتكلم. والتأويلات التي يذكرونها (أي: الباطنية) لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار- في عامة النصوص- أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات: القرامطة والباطنية، من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص، وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله، من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد" (درء تعارض العقل والنقل، ١/ ٢٠١).
وبعد، ففي ضوء خصائص النص الديني، قرآنًا وسنة، جاءت قراءة علمائنا، ﵏، له، من حيث هو دينُ الله، وشرعُه، وحلالُه وحرامُه، فكانت قراءة "مضبوطة" و "واعية" لا قراءة"مفجِّرة" للنص، "مهدرة" لسياقه ومقاصده، وقد نقل العلامة الونشريسي في ذلك، وصية جامعة لمن رام قراءة النص الديني وتأويله، تضبط النظر الفقهي الشرعي، فهمًا وتعقلًا، واستخراجًا واجتهادًا، وترجيحًا وتنقيحًا، وتنزيلًا وتفعيلًا، فقال:"ولا تفت بالنص، إلا أن تكون: عارفًا بوجوه التعليل، بصيرًا بمعرفة الأشباه والنظائر، حاذقًا في بعض أصول الفقه وفروعه. واحفظ: الحديث تقو حجتك، والآثار يصلح رأيك، والخلاف يتسع صدرك، واعرف العربية والأصول، وشفع المنقول بالمعقول، والمعقول بالمنقول" (المعيار المعرب، ٦/ ٣٧٧.).
وهذا من الفقه الثمين جدًا، الذي ينبغي أن تُربى عليه نفس المسلم، فيتهيب تأويل "النص الديني" دون أن يملك الأدوات التي تؤهله لذلك، وبدونه يصبح "النص الديني" سوقًا مفتوحًا يدخله من شاء، ليستنبط منه ما يشاء؛ كما في القراءة الحداثية، ومن ثم كانت "إعادة تقويم" الخطاب الحداثي، في تعامله مع النص الديني- وهو ما يقوم على بيانه هذا البحث- عملًا مشروعًا، من الناحية "الدينية"، ومن الناحية "المعرفية" أيضُا؛ لأنه قد طال زمن الغربة والضلال والتيه، وقديمًا قالت العرب في كلامها:"مَن رام التفلُّت، طال منه التلفُّت، ويوشك أن تُرهقه المتاهات، وتتلفه العوائق"!! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1027
وهم المثاقفة !!
عبد الله بن محمد المالكي
المثاقفة من المفردات التي تعبر عن أوجه التبادل الثقافي (الأخذ والعطاء) بين الحضارات البشرية المتعددة. وهو اتجاه يسعى أن يكون وسطا بين الانفتاح المطلق الذي يؤول إلى الانصهار في ثقافة الآخر وبين الانغلاق المطلق الذي يؤول إلى الانعزال تماماً عن الآخر والعالم بأسره. وبهذا المعنى تعد المثاقفة رافداً مهما تسعى كل أمةٍ من خلاله إلى معرفة الآخر واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكل خلاق وغير مضر بمقومات الهوية وثوابتها. كما أن مفهوم المثاقفة يصلح أن يكون بديلاً عن مفهوم الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محو الهوية وإلحاقه بالآخر وفرض التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية احتقارية متغطرسة. هكذا تقدم المثاقفة في الفكر العربي المعاصر؛ حالةٌ من الاعتدال بين الذوبان والتصلب في التعاطي مع ثقافة الآخر.
لكن إذا عدنا إلى مفهوم المثافقة في الفكر الغربي ( Acculturation) فإننا سنجده مختلفاً تماماً عما يطرح في محيطنا الثقافي، حيث تطرح المثاقفة على أنها "علاقة بين متفوقة وثقافة متخلفة" (١)، بمعنى آخر كما يقول حسن حنفي " أن المثاقفة التي يوهم الغرب بأنها تعني الحوار الثقافي والتبادل الثقافي؛ هي في الحقيقة تعني القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها، واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، ولا نمط سواه، وعلى كل الشعوب تقليده، والسير على منواله، واحتكار الغرب وحده حق إبداع التجارب بالجديدة والأنماط الأخرى للتقدم" (٢). هذا من جهة المفهوم وأما من جهة الواقع والممارسة، فأغلب النتاج الثقافي في محيطنا العربي بكل أشكاله وأنواعه؛ لا يخرج عن سياق المفهوم الغربي للمثاقفة. فكثير من مثقفينا (والمستغربين منهم على وجه الخصوص) قد وصل بهم المطاف من خلال هذه المثاقفة إلى حالةٍ لم يعد الواحد منهم قادراً على الإبداع قولاً أو فعلاً إلا إذا تمت إحالة إبداعه إلى مصادره الخارجية في الحضارة الغربية: ماركسية أو وجودية أو وضعية أو بنيوية أو تفكيكية أو أي شيء آخر، المهم أن يكون النموذج الغربي هو المنطلق. وبعبارة أخرى: أصبح الغرب من خلال هذه المثاقفة هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع ذاتي عربي. وكما يعترف حسن حنفي (وأنا استشهد به هنا لكونه يعد من أكبر من مارس المثاقفة مع الفكر الغربي) يقول: "منذ أكثر من قرنين من الزمان نترجم، ونعرض، ونشرح، ونفسر التراث الغربي دون أن نأخذ منه موقفاً صريحاً واضحاً. مازال موقفنا موقف الناقل، عصر الترجمة لدينا لم يتوقف بعد
стр. 1028
وما زال أكبر مشروع لدينا إلى وقت قريب هو النقل، والذي سميناه ترجمة الأعمال الكاملة لكبار المفكرين في الغرب، ويظل أكبر مشروع لنا في ثورتنا الحديثة هو ترجمة (الألف كتاب) نقلاً عن المؤلفات الغربية ... وكأننا محكوم علينا بالنقل، عاجزون عن الإبداع، دورنا في التاريخ هو دور التلميذ والمتعلم والصبي أمام الأستاذ والمعلم الكبير ... لقد أصبحنا وكلاء حضاريين للغرب، وأصبح حامل العلم والفكر لدينا هو الذي يبدأ حياته الفكرية بذكر أكبر عدد ممكن من الأسماء والأعلام والمذاهب الفكرية من الغرب منتسباً إلى أحدها، داخلاً في معاركها، داخلاً فيما لا شأن له به، حاشراً نفسه في معارك لم ينشئها ولم يكن طرفاً فيها ... وتنتشر المصطلحات بين الباحثين الشباب فيشعرون بضالتهم أمامها: الهرمنيوطيقا، الاستطيقا، الأسلوبية، البنيوية، التفكيكية، الفينومينولوجيا، الأنثروبولوجيا، الترانسندتالية، وتكثر عبارات التمفصلات، التمظهرات، الابتسميه، الدياكرونية، السنكرونية .. إلخ» وأصبح المثقف هو الذي يلوك بلسانه معظم هذه المصطلحات» (١).
هذا اعتراف أحد كبار الممارسين للمثاقفة مع الفكر الغربي، ومثل هذا نجده من قبل عند زكي نجيب محمود، ومحمد عابد الجابري، ومحمد جابر الأنصاري، وغيرهم مما لا يتسع المقام للوقوف على نصوصهم.
أريد هنا أن أشير إلي أن الفكرة الأساسية التي تقف وراء هذه الإشكالية المسماة بـ (المثقافة)، هي كالتالي: الاعتقاد المطلق بأن الثقافة الغربية، نتاج إنساني عالمي، يتجاوز الزمان والمكان، ويعبر حدود الجغرافيا والتاريخ. وبالتالي لا يختص بحضارة دون حضارة. وفي جملة واحدة (نزع الخصوصية عن الثقافة الغربية). هذا الاعتقاد هو أكبر وهم ما زال يعشش في أذهان كثير من مثقفينا العرب. فالفكر الغربي في حقيقته لا يعدو أن يكون بيئياً محضاً - كأي فكري بشري - نشأ في ظروف معينة هي تاريخ الغرب نفسه، وبالتالي فهو صدى لتلك الظروف. والمفكِّرون الغربيون - كما يقول حسن حنفي في اعترافه السابق-: «يعبّرون عن ذلك بأنفسهم بقولهم: فلسفتنا، حضارتنا، فكرنا، أدبنا، فننا، تاريخنا، موسيقانا، علومنا، بل حتى ديننا! وإلهنا! فعند الكتَّاب الأوربيين إحساس واضح بأنهم ينتمون إلى حضارة بعينها، وبأنهم ينتمون إلى حضارتهم الخاصة المتميزة عن الحضارات الأخرى. لذلك كان خطؤنا، نحن الكتَّاب العرب غير الأوربيين، الذين ترجموا مؤلفاتهم وشرحوها، وعرضوها، بل وانتسبوا إليها، واعتنقوها = اعتبار الحضارة الأوربية حضارة عامة للناس جميعاً، ولم نرَ نوعيتها، أو رأيناها وتغافلنا عنها رغبةً في الحصول على الجديد بأي ثمن، وفي فترة لم نكن فيها على وعي كاف بتراثنا القديم، أو كان هذا الوعي محصوراً في فئة معينة من المصلحين والإحيائيين».
باختصار شديد؛ حالة المثقافة لدى المثقفين العرب لا تعدو أن تكون صورة جديدة (ومهذبة!) من صور الاسترقاق والتبعية الثقافية للنموذج الغربي وهي امتداد لما ابتلينا به منذ فجر النهضة العربية على أيدي الليبراليين والحداثيين العرب، والتي تحولت معهم النهضة من حلٍّ للأزمة إلى أزمة في ذاتها. وإلى اليوم ونحن نعيش هذه الأزمة (أزمة التراث والمعاصرة).
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1029
مشروع التجديد الثقافي .. لماذا ؟
د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي
إن الناظر في أحوال الأمة الإسلامية اليوم لا يخالطه شك في أنها تحتاج إلى عملية واسعة من الإصلاح في كافة المجالات، فالتخلف والتراجع السياسي والاقتصادي والتقني والفكري والثقافي يُعد معلمًا بارزاً ومظهراً شاخصًا على استحقاق الإصلاح وتنمية عوامل البناء وإعادة الدور الريادي الذي فقدته في العصور المتأخرة.
والبوابة الكبرى لعملية الإصلاح تكون عن طريق التجديد وإعادة الروح الواثقة والمفاهيم الناصعة قبل تسرب الشوائب والأخلاط إليها، والتجديد الثقافي والفكري هو أول ما يجب أن يبدأ به المصلحون في عملية التجديد، فقد بدأ التخلف والانهيار منه، ولن يعود البناء إلا بإصلاحه وإعادة ترميمه.
إن "التجديد" هو أحد العوامل التي يحفظ الله تعالى بها هذا الدين، فقد حفظ الله تعالى الدين بحفظ مصدره الأصلي فقال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ﴿سورة الحجر٩﴾ والمراد بالحفظ حفظ لفظه من التبديل , ومعناه من التحريف.
وكذلك حفظ الله تعالى دينه بوجود طائفة منصورة على الحق فقد قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) (١)
وحفظه - أيضًا - بالتجديد فقال ﵊: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (٢)
والتجديد المشروع هو إحياء معالم الدين، وإزالة الركام الفكري والثقافي عن مفاهيمه وقيمه وأخلاقه، وتنزيل أحكام الإسلام لأهل السنة على النوازل والأمور المستجدة وفق أصول الاستدلال , والربط بين الحكم الشرعي ومناطه الواقعي، فالتجديد جعل الشيء جديداً بإزالة الأوساخ أو بإعادة البناء، والبهاء لما درس وتقادم وبلي في واقع المسلمين وحياتهم.
فهو لا يعني إضافة أمور جديدة إلى الدين , فهذه الإضافة ليست تجديداً بل هي البدع والمحدثات المنهي عنها، وهي التي تستدعي عملية التجديد، فدين الله كامل ليس بحاجة إلى زيادة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ﴿سورة المائدة٣﴾
وعملية التجديد ليست وليدة جديدة في هذا الزمان، فهي تعود إلى القرون الأولى، وقد ظهر مجددون في تاريخ الأمة مثل عمر بن عبد العزيز الذي أعاد الخلافة الراشدة بعد الملك الوراثي، والإمام الشافعي الذي ضبط الاستدلال بالنص الشرعي في كتابه "الرسالة" والإمام أحمد في الموقف من المناهج والتيارات الفكرية الوافدة، وكذلك التجديد الجهادي مع نور الدين محمود , وصلاح الدين الأيوبي , مروراً بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في تحقيق التوحيد ونبذ الشرك، إلى غير ذلك من الحركات التجديدية في تاريخ المسلمين.
وإن من أهم دواعي التجديد في واقعنا المعاصر:
• غياب المنهج الفكري والثقافي الإسلامي عن المشهد العالمي، وصعود خطابات ثقافية جاهلية مادية مما ترتب عليها شقاء الإنسان واضطرابه وتناقضه وحيرته، ودخوله في نفق من الظلام لا يعرف له نهاية، ولا يرى أملاً في النور، وبالمقابل خسر الهداية والفلاح والنور الرباني.
• الركام الهائل من الأفكار والمفاهيم البعيدة عن المنهج الرباني مما كان له أبرز الأثر في الجمود والتقليد والتخلف والانحطاط على كافة الأصعدة.
• التحولات الفكرية السريعة والخطيرة في المجتمعات الإسلامية، وتأثر فئات من الشباب والفتيات بقيم العولمة وأخلاقياتها وأفكارها.
стр. 1030
• عدم وجود الدعم السياسي والاقتصادي والإعلامي للخطاب الإسلامي، بل محاربته وإقصائه ومطاردته في كل مكان.
• محاولة اختطاف هذا المفهوم الإسلامي «التجديد» بظهور اتجاهات فكرية إلحادية أو بدعيّة تدعي شرف التجديد، وتمار س التبديل والتحريف للمفاهيم الشرعية الأصيلة وتبرز نفسها كبديل إسلامي يتوافق مع العصر الحديث والحضارة الغربية الغازية، وتتلقى الدعم المباشر وغير المباشر من القوى الاستعمارية العالمية.
كلّ ذلك وغيره يؤكد الحاجة إلى «التجديد الثقافي» في الأمة، فأزمة الأمة أزمة عقدية وفكرية وثقافية استتبعها أزمات سياسية واقتصادية وحضارية.
إن هذه الأمة العظيمة تمتلك كنوزاً وثروة لا تمتلكها أيّ أمة من الأمم، ومتى ما عادتْ إلى دينها وأزالت عنه الركام، وأحسنت تطبيقه فإنها سترقى إلى معالي السؤدد، وستقدم للأمم نموذجاً فريداً من التصورات اليقينية، والقيم الفاضلة، والأخلاق الرفيعة.
ولم تبتللَ الأمة إلاّ بسبب العقائد الزائفة، والقيم والأخلاق المادية، وسوء التطبيق للإسلام، وهذا هو سرّ تخلفها الحضاري المشاهد.
وبهذا يظهر لنا أن التجديد يستدعي إزالة الركام الثقافي المنحرف، وإعادة صياغة العقائد والقيم على منهج النبوة، ليس على المستوى النظري فحسب ولكن بطريقة عملية تطبيقيّة، وهذا ما يلزم منه إعادة النظر في العوائد، والتقاليد، والقيم، والأفكار، والمناهج السائدة، ووزنها بميزان معصوم وهو الوحي الرباني، والعمل على الإجابة عن الأسئلة الحضارية الجديدة، وكيفيّة العيش في حياة مليئة بالتحديات والعقبات والأخلاط وفق منهج الله تعالى ومرضاته.
إن المشروع التجديدي لا ينبغي له أن يكون ردة فعلٍ لواقع مأزوم، فيقوم بتبريره ومسايرته، لكنه يتطلب صحة في الاعتقاد التصوري، وقوة في الإرادة، ومشاركة الأمة بكافة قواها فيه، والعمل الجماعي الصادق المخلص الدؤوب.
لقد تم عرض الثقافة في العقود الماضية بصورة هزيلة مترهلة حيث أصبحت الثقافة مجموعة فلكلورية شكلية مثل الرسوم التشكيلية، والأمتعة القديمة، والمنازل العتيقة، والمسرح والموسيقى، والشعر والغناء والتصوير وغير ذلك، وأغفلت المفاهيم الحضارية الكبرى كالإيمان بالله تعالى، والقيم الأخلاقية، والعلم، والتصور الإسلامي الحق للكون والإنسان والحياة والغيب والإله الحق وغير ذلك، وهذا المفهوم الخاطئ للثقافة هو جزء من الركام المنحرف الذي أصاب الأمة في ثقافتها ومفاهيمها.
لقد حاول المفكر الجزائري مالك بن نبي أن يشخص الداء العضال الذي أصاب الأمة فرده إلى مشكلة حضارية هي (القابلية للاستعمار)، وقد صدق في ذلك لكنها في الحقيقة عرض لمرض، فما هو سرّ هذه القابلية؟ ولماذا لم تكن قابلة للاستعمار ثم أصبحت قابلة له؟ إن ردّ السبب إلى الذات - كما فعل مالك بن نبي - هو بداية صحيحة لاكتشاف الخلل، وهو منهج قرآني فريد، فالله تعالى يقول: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم ﴿آل عمران ١٦٥﴾.
لكن أزمة الأمة الحقيقية تعود في جذورها الأولى إلى «أزمة عقدية فكرية ثقافية» تلاها بعد ذلك الأزمة الحضارية الراهنة.
والشعور بوجود أزمة حضارية في الأمة أصبح محلّ إجماعٍ بين كافة التيارات والمناهج، لكن الاختلاف وقع في وصف الداء وتوصيف الدواء.
وقد ظهرت حركات تجديدية طالبت بأن تسير الأمة مسيرة الحضارة الغربية حلوها ومرّها، حسنها وقبيحها كما قرر ذلك طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، وسار على طريقته في التبعيّة اتجاه لا يزال -مع كل الإخفاقات والشواهد الدالة على فشل هذا المشروع - ينادي بما نادى به ويراه المخلص للأمة والمنقذ لها.
стр. 1031
وظهر من ظنّ أن الإصلاح والتجديد هو في المقاربة والتوفيق بين الإسلام والمناهج الفكرية المادية، واتخذ التجديد سلماً للتبديل الديني فقرن الإسلام بالديمقراطية والليبرالية ونحوها.
كما ظهرت مشاريع ثقافية (١) تعتمد على الاتجاه الأول تزعم أن المخرج في إعادة قراءة النص الشرعي وتفريغه من محتواه القديم، وإضافة فهم جديد يوافق الحداثة الغربية، وتتذرع لذلك بمنظومة من المناهج النقدية الجديدة. إن هذا الخليط الغريب من الأفكار المتناقضة تدل على أهمية العناية بمشروع التجديد، وعدم السماح باختطافه، وإخراجه عن مساره، وتبين أهمية إعادة توجيهه الوجهة الصحيحة.
ومن هنا فالتجديد الثقافي مشروع حضاري رائد يحتاج في صياغته إلى علم شرعي رصين، ووعي واقعي بالسنن الربانية، ومعرفة بحاجة المجتمعات، وعوامل التأثير فيها، ويحتاج كذلك إلى حسن تدبير، وروح قوية واثقة بدينها وقيمته الحقيقية وبراهينه الاقناعيّة، وآفته الكبرى قيادة جاهلة أو مهزومة أمام الآخر أو منحرفة في مفاهيمها وتصوراتها وقيمها.
إن من أهم قضايا التجديد الثقافي: معرفة المحكمات والثوابت وإحيائها في الأمة، وضبط آليات الاستدلال بالنصوص الشرعية، وإحياء القيم الأخلاقية الإسلامية، والعمل على الإصلاح الشامل: السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، ومواجهة التيارات الفكرية المنحرفة، وبلورة مشروع إسلامي حضاري متكامل ليكون قادراً على الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية، ويستفيد من تفنيات العولمة لهداية الناس جميعاً للحق، وغير ذلك من القضايا الهامة التي لا يمكن حصرها هنا.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1032
الصناعة المالية الإسلامية والربح الأخلاقي
خالد المزيني
هناك تحديات كبيرة تقف أمام الفقه الإسلامي المعاصر، والمؤسسات المنتسبة إلى هذه المرجعية، كالمؤسسات المالية الإسلامية، وغيرها من المؤسسات الربحية المستندة إلى مرجعية إسلامية، ويتمثل هذا التحدي في مدى قدرة هذه المؤسسات على الصمود في السوق، مع الاحتفاظ بالقواعد الأخلاقية التي ترفع شعارها، وذلك بعد أن تحوّلت الصناعة المالية الإسلامية إلى صناعة صاعدة مدفوعة بالانكماش الكبير الذي لا يزال يخنق الاقتصاد الليبرالي.
وهذا يتطلب من مؤسسات المال الإسلامية: تقديم خدمات نوعية قابلة للحياة، تجمع بين: الاحترافية المهنية، والمعيارية الشرعية، وتتسم بقدر من المخاطرة العاقلة، فلا هي مضمونة الفائدة: كأدوات الربا، ولا هي عالية المخاطرة: كأدوات المقامرة.
وهذا ممكن لو توفّر لهذه المؤسسات الإدارة الجادة في تبني الحلول الإسلامية، والهيئة الشرعية الواعية بفقه الشريعة، والرقابة الشرعية الحثيثة، التي تتابع تنفيذ ما تقره تلك الهيئات.
ولا يقلل من شأن هذه التحديات أن العالم اليوم يرمق تلك المؤسسات، وهو مثخن بجراح الانكماش الائتماني، ويتوقع أن تقوم صناعة المال الإسلامية بدور ما لإصلاح الأعطاب التي أحدثتها المؤسسات الليبرالية، على صعيد الاقتصاد.
ومن المدهش أن تنبعث أصوات شتى تستنجد بالاقتصاد الإسلامي، وقد قرأنا الكثير منها، وكان من أعجبها المقال الذي نُشر في السابع من مارس ٢٠٠٩م، في صحيفة الفاتيكان الرسمية، داعياً البنوك في مختلف أنحاء العالم إلى أن تتبنى مبادئ المصرفية الإسلامية، لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي.
ومما نشرته (لوريتا نابوليوني)، وهي اقتصادية إيطالية، و (كلوديا سيجري)، وهي محللة إستراتيجية لاستثمارات الدخل الثابت في البنك الاستثماري الإيطالي (أباكس بانك)، أن "المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها المصرفية الإسلامية ربما تعمق العلاقة بين البنوك وعملائها، وتجعلها أقرب إلى الروح الحقيقية التي ينبغي أن تكون شعار كل خدمة مالية". اهـ[نقلاً عن جريدة الاقتصادية (العدد ٥٦٩٩ (].
ومما يزيد المتابع عجباً أن هذه الفتاوي الكاثوليكية جاءت في الوقت المناسب لترد بطريق غير مباشر على مطالبات بعض المحافظين واليمينيين في الولايات المتحدة الأمريكية بالحد من انتشار الصناعة المالية الإسلامية.
إن الفقه الإسلامي أكثر رحابة ومتسعاً مما يظنه بعض أبنائه المعجبين بتجارب أعدائه، لكن إحدى المشكلات تكمن في توجه مؤسسات الصناعة المالية الإسلامية إلى الأدوات المشبوهة، ويبدو أن من أسباب المشكلة العقلية النفعية التي يفكر بها بعض القائمين على تلك المؤسسات، فليس كل من يرفع شعار الإسلام يكون مقتنعاً به، مؤمناً بمبادئه دائماً، هناك رواد مؤمنون بالنموذج الإسلامي، ويتبنون النهج الإسلامي بوصفه ديناً، قبل أن يكون طريقة لجمع المال.
وثمة شريحة أخرى تؤمن إيماناً براجماتياً، فالفكرة التي تدرّ ربحاً أكثر هي الفكرة الأصح الأجدر بالتعاطي دائماً، بغض النظر عن مدى أخلاقيتها وانسجامها مع قواعد الشريعة. فإذا كان الاستثمار في الأدوات الإسلامية مجدياً فهم على هذا ملتزمون بالمعايير الإسلامية، وإذا تغير المؤشر تغيروا، وسرعان ما يتحولون من مجال استثماري إلى آخر لمجرد كونه أجدى نفعاً، وأوفر ربحاً.
стр. 1033
وهذا لا يعني أن المعايير الشرعية والأخلاقية أقل جدوى؛ فالعالم اليوم اكتشف أن هذه المعايير أكثر واقعية في نظرتها إلى الاقتصاد الكلي والجزئي، وأعلى ضماناً من أدوات الاقتصاد الليبرالي ذاته؛ فالأدوات الاستثمارية الإسلامية تتعامل مع الموجودات الحقيقية، لا الأصول الوهمية كالديون وخدمات الديون والنقود المتولدة عنها، كما أن الأزمة قد كشفت لهم أن النموذج الإسلامي يكافح الأورام الربوية المسببة للعديد من المشكلات، ومنها التضخم، وأن النداءات المتكررة من قبل فقهاء الشريعة بأن يكون سعر الفائدة: صفراً، كما نادى به عدد من علماء الاقتصاد من الليبراليين أيضاً، هو أحد مفاتيح الحل لهذه الاضطرابات التي تضرب في كل مكان.
إن مما يحزن المسلم أن تظل مجالس الإدارة في (بعض) المؤسسات المالية الإسلامية تسلك مسلك التلفيق غير المقبول، وتطرح منتجات مشوّهة، فلا هي تقليدية (ربوية) محضة، ولا هي شرعية محضة.
ولما كانت تلك المنتجات التقليدية لا تتوافق مع النموذج الشرعي، صاروا يطالبون بفتاوي البدائل القريبة من النموذج التقليدي، وبما أن المستشار الشرعي يفتقر أحياناً إلى المؤهلات المطلوبة: كالملكة الفقهية في فن المعاملات، وإلى الحصانة التامة إزاء ضغوط الإدارة، أو أنه مشغول بأعمال أخرى عديدة، فقد ظهرت نماذج شائهة من الأوراق المالية الموصوفة بأنها إسلامية، ممهورة بتوقيعه، ولو أنه لم يحسن الظن كثيراً بمجلس الإدارة، وأصر على الالتزام بالمعايير الشرعية المعتمدة من الجهات الموثوقة، لكانت المؤسسات المالية أكثر موثوقية لدى الأقرباء والبعداء.
لقد ظلت المنتجات الإسلامية زماناً طويلاً، تسلك الطريق الأسهل، وهو محاكاة المنتجات التقليدية، وقد تواطأت معها بعض الفتاوي، تأليفاً للقلوب ومراعاة للظروف الصعبة التي نشأت فيها الصناعة، وهذا الطريق مع سهولته إلاّ أنه لا يمنح الصناعة المالية الإسلامية تميزاً حقيقياً، ولا يقنع الآخرين بتفرد التجربة الإسلامية، بل إنه يؤدي في مآلاته ومستقبلاته إلى ذات النتيجة التي تفضي إليها الصناعة المالية التقليدية ما بين تضخم وانكماش.
فالمنتجات التقليدية تضمن للتاجر رأس المال مضافاً إليه الفائدة، وتلغي المخاطرة كما في السندات والتوريق التقليدي، وهذا مخالف للنموذج الشرعي الذي يشترط تحمل التاجر جزءاً من المخاطرة، فالربح غير مضمون شرعاً، بيد أن بعض الفتاوي اتجهت إلى ما يشبه إلغاء المخاطرة، لكن بأسماء أخرى، كالتعويض عن نقص الربح الفعلي، باسم الهبة أو التبرع أو القرض أو غيره، وهو ما لا يجوز فقهاً، سواء نص عليه صراحة في العقد، أو كان معروفاً عرفاً، وقد أكد على ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الأخيرة (جمادى الأولى ١٤٣٠هـ).
وقد أحسن المجمع المذكور إذ دعا السلطات التشريعية في الدول الإسلامية إلى إيجاد الإطار القانوني المناسب، والبيئة القانونية الملائمة والحاكمة لعملية التصكيك، من خلال إصدار تشريعات قانونية ترعى عمليات التصكيك بمختلف جوانبها، وتحقق الكفاءة الاقتصادية والمصداقية الشرعية بشكل عملي، ذلك أن الدعم السياسي والتأطير القانوني لعملية التصكيك من أهم المقومات التي تؤدي دوراً حيوياً في نجاح هذه الصناعة.
إن الفقه الإسلامي ليس "جعجعة في الهواء"، بل هو معايير أخلاقية وجدوى مادية، تدر ربحاً، لكنه ربح عادل نزيه، يفي بمتطلبات أصحاب رؤوس الأموال، ولا يجحف بأموال العملاء، وإن اعتراف الفاتيكان ليؤكد ما يوقن به كل مؤمن من أن هذا الدين قد جاء رحمة للعالمين، ولكن هل يعترف بذلك النفعيون من أثريائنا؟! هذا ما ننتظره.
المصدر: شبكة القلم الفكرية.
стр. 1034
ظاهرة الأغنية الدينية
أحمد عبد العزيز القايدي
أعلن أمس -الثلاثاء ٢٤/ ٥/١٤٣٠هـ - عن وفاة محمد علاء محمد حسني مبارك حفيد الرئيس المصري وخلال دقائق فقط من هذا الإعلان تحولت أكثر القنوات فسقاً ومجوناً وتعريا في عالمنا العربي -القنوات الغنائية ومنها المملوك لنصارى -إلى قنوات إسلامية وراحت تنوع بثها بين القرآن وكليبات الغناء الديني، وهذا النوع من الغناء أصبح أكثر من ظاهرة بل غدا سبيلاَ ناجعا لمن يريد تسوق الفسق والعهر أو أسبابه ووسائله على أقل تقدير تحت شعار الإسلام وهو شعار يمكن من خلاله تمرير كثير من الأفكار والقيم في مجتمعات متدينة، انتشرت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة وفي الأيام السابقة أطلق داعية سعودية قناة تعنى بهذا الشأن عرف هذا النوع من الغناء باسم (الغناء الديني) ولعلنا في هذه المقالة نبرز شيئاً من سماته وآثاره.
ما الأغنية الدينية؟
يمكن وصفها بأنها كلمات ذات طابع ديني أخلاقي اجتماعي لا يوجد فيها ابتذال أو فحش يقوم بأدائها مغنٍّ أو مغنية (امرأة) يستخدم فيها آلات العزف، فالمؤدي إذاً هو مغنٍّ من عامة المغنين له أغاني عشق وغرام وغزل، ولكنه غنَّى كلمات تحث على التوبة أو بر الوالدين، فأصبح غناؤه (دينياً)، ومن المعاني التي تدور حولها الكلمات: بر الوالدين، التوبة، المولد النبوي، مدح النبي ﷺ -والذب عنه، سرد الأسماء الحسنى، الحج، القضية الفلسطينية، رفقة الصالحين، التسامح مع الكفار، التكافل الاجتماعي، رمضان، أدعية، وغير ذلك.
تاريخ الأغنية الدينية:
كانت أم كلثوم من أوائل من ابتدع الغناء الديني، فكانت أغنية «نوّرت يا رمضان»، ثم تبعها على هذا النسق كثير من المغنيين في عصرها، واشتهرت هذه الظاهرة في ذلك الوقت، ومع مرور الزمن خبا بريق هذه الظاهرة. ويُعدّ سامي يوسف (١) من أوائل المعاصرين الذين أعادوا بريق مثل هذا النمط من الغناء بأغنيته الشهيرة (المعلم) التي بيع منها أكثر من مليون نسخة، ثم تبعه بعد ذلك مجموعة من المغنيين الرومانسيين الذين يخالفهم سامي يوسف في طريقته. وكثرت الألبومات المطروحة في الأسواق وبعضها لمغنيات مشهورات بالجرأة على التعري، ويوجد أيضاً فرقة (راب) (٢) أمريكية راقصة متخصصة في الغناء الديني وتقيم الحفلات الغنائية في كثير من بلدان العالم، وتطلق على نفسها (جنود الله) ويبدو أن الاسم لم يثرْ اهتمام الأجهزة الأمنية الأمريكية؛ فلم تمنع الفرقة من العمل داخل الولايات المتحدة.
المخالفات الشرعية:
يحوي ذاك الغناء مخالفات شنيعة، منها:
- الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر:
فهذه كلمات إحدى هذه الأغاني تقول: مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد يا رسول الله والحلف بغير الله موجود أيضاً؛ كالحلف بالنبي ﷺ -والحلف بسور القرآن: أقسمت بالإسراء وبراءة العذراء الدم كل سواء حرام بأمر الله
- الدعوة إلى البدع:
كالاحتفال بالمولد، وفي إحدى هذه الأغاني دعا المغني الجمهور إلى الذهاب إلى المولد، ويبدو أنه نسي نفسه فأتى بواقع المراقص معه وحث على الرقص، وربما لم يجد فرقاً بين الواقعين! وفي كليب آخر تُعرض رقصات الطريقة المولوية الصوفية الشهيرة.
- تمييع عقيدة البراء من الكفار:
стр. 1035
فهذه الأغاني يكثر فيها الحديث عن التعايش مع الكفار والأخوة الإنسانية والسلام والمحبة. وفي هذا السياق يقول أحدهم: (لا ينبغي أن تُحصر الأغنية الدينية في دين معين، أو أن تنحاز، أو يكون القصد منها محاربة دين آخر. على العكس؛ من خلالها نسبِّح الله الواحد الذي يوحدنا جميعاً باختلاف طوائفنا ومذاهبنا. هذه غايتي منها، وأعتقد أننا متفقون جميعاً على حبّ الله) (١) وفي إحدى الكلمات: أنشودة المسيح رسالة حرة على الأرض السلام، وبالناس المسرّة وترى في بعض الكليبات شيخاً محتضناً قسيساً يهنئه بمناسبة العيد والصليب يتدلى على صدره، والزنار مشدود على وسطه، ضارباً بعقيدة الولاء والبراء عرضَ الحائط، لذا تجد جزءاً من هذه الأغاني يكتب كلماتها أو ينتجها نصارى.
- الاختلاط:
فلا يكاد يخلو كليب من هذه الأغاني من اختلاط بين الرجال والنساء، إما في الأفراح، أو في حفلات التخرج الجامعي، أو في المناسبات العائلية أو الدينية. وفي أحد الكليبّات تظهر عروس وهي في كامل زينتها مع عريسها ليلة الزفاف سائرين بين الحضور، وفي آخر تمادى المنتج فأخرج لقطة لشاب وهو يغازل فتاة في السوق.
- التبرج والسفور:
ومع أن هذه الأغاني تحمل صفة دينية إلا أن مخرجيها لا يبالون أن يخرجوا النساء بلا حجاب مطلقاً، أو واضعات قطعة قماش على الرأس وهن في كامل زينتهن.
- الموسيقى:
يستخدم المغنون في هذه الأغاني جميع الأدوات الموسيقية بكل أشكالها وأنواعها؛ من الطبلة إلى القيثارة مروراً بالبيانو.
الآثار المترتبة:
- التلوَّن وذوبان الحقائق:
هو ناتج طبيعي لمثل هذه الأغاني، فإذا كان المغني على قناة يتحدث عن التوبة، وبمجرد ضغطة زر واحدة تجده على قناة أخرى في أحضان امرأة شبه عارية، فأيُّ معنى يبقى للتوبة التي يغني عنها؟ ومِنْ ماذا يتوب إذا كان وهو في كليبّ التوبة يعزف على (الناي)؟! فتُفرَّغ القيم الإسلامية بمثل هذه الممارسات من حقيقتها ويجتمع الإيمان والفسق. فهذا المغني الذي فُتِنت به نساء المسلمين، ولديه جلسات احتضان خاصة بالنساء، وأفلامه محل انتقاد عند السينمائيين أنفسهم؛ يأتي لِيوجّهنا إلى جعل «الجنة في بيوتنا»! وبهذا الشكل لا يبقى للمفاهيم الإسلامية خصوصية تبقيها متميزة عمّا سواها، زيادة على امتهانها والعبث بها بهذه الازدواجية.
- إضفاء الشرعية على مثل هذه الأغاني:
حتى تصبح واقعاً لا يصح إنكاره، بل ربما يُنكَر على من أنكره فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً. وهذا ينعكس على المغني نفسه؛ فلا يرى خطأ في شيء من ممارساته، بل يصده ذاك الاعتقاد عن التوبة إلى الله. وهذا ما حصل مع مغنٍّ شهير مات منتج كليباته بجواره، فعزم على التوبة، ولكنه اختار الغناء الديني، ثم بعد مدة عاد كما كان.
- تلبيس الحق بالباطل:
فالباطل هو الغناء والتشبه بالكفار في الزي والحركات، هذا كله يُلبَّس بالمعاني الإسلامية -المحرَّفة أصلاً -؛ فيروَّج للغناء بحجة أنه يحمل معاني إسلامية، وفيه خدمة للإسلام ووسيلة لنشر الدعوة؛ فيبقى هذا الباطل ويرسخ في النفوس على أنه مشروع، وتنتشر الأغاني في المجتمعات الإسلامية ويصبح سماعها سائغاً وتألفه النفوس.
- نشرٌ لعقيدة الإرجاء:
فهذا المغني الفاسق المتغزل بالنساء الشارب للخمر، إذا دخل المسجد ومدح النبي ﷺ ، وحثَّ على بر الوالدين؛ أصبح نموذج المسلم الصادق. وتلك المغنية المشهورة بالتعري إذا لبست الحجاب وسألت الله؛ أصبحت الطاهرة العفيفة، فالفسق عند ذلك لا يضر إيمانهم؛ فالرقص يجتمع مع الصلاة، والغناء مع القرآن، والتعري مع الحجاب، ولا ينقض أحدهما الآخر في هذه الأغاني، فيبقى الإسلام مجرد ممارسات وطقوس ولا علاقة له بضبط رغبات الناس وشهواتهم ولا سلطة له عليها.
- نشر البدع بين الناس:
هو جزء مما تمكِّنه هذه الأغاني؛ فدعاء غير الله، والذهاب إلى الموالد، والحلف بغير الله؛ يُظهر على أنه في حقيقة الإسلام وصورته التي يتسم بها المسلم إن ظاهرة الأغاني الدينية هي سمة بارزة للتدين الجديد المتفلِّت الذي يسعى كثير من الليبراليين وغيرهم إلى الترويج لهؤلاء باسم (الإسلام المعتدل.) قال ﷺ : «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» (٢). ولهذا وغيره؛ فإنه من الواجب الاحتساب على هذا الشطح بجميع الوسائل المتاحة , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1036
أوهام القاعدين عن دعوة المسلمين
أ. د. ناصر العمر
من الأمور التي تستحق التأمل في واقع الأمة، ما نراه من إحجام كثير من الناس عن القيام بأنواع بعينها من أعمال الخير؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الانخراط في مشاريع دعوية، أو القيام بأنشطة تربوية وما أشبه ذلك، ولا يرجع هذا الإحجام لانعدام الخير أو قلته، فالقلوب والحمد لله مليئة بالخير عامرة بالإيمان، لا أدل على ذلك من إقدام الناس على حفظ القرآن والإنفاق على الفقراء أو كفالة الأيتام أو عمارة المساجد وما أشبه ذلك، لكن السر يكمن في أوهام منتشرة بين الناس تحول بينهم وبين هذه الأبواب من الخير.
بعض الناس يحجم عن القيام بهذه الأعمال خشية وقوع أشياء يكرهونها؛ من سجن، أو فصل من وظيفة، أو إخراج من الأوطان، وهي خشية لا تكون في كثير من الأحيان في محلها، حيث نجد العاملين يعملون وتمر الأيام والسنوات دون أن يتعرضوا لشيء من ذلك، بل يحصل العكس، فيكرمهم الله بعلو القدر والمكانة، ورفعة المنزلة والكرامة.
وهذا لا يعني أن أحداً ممن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من المشاريع النافعة لا يتعرض للأذى، بل قد يقع شيء من المحذور لبعض الناس، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مانعاً لغيرهم من سلوك طريقهم، فضلاً عن أن يكون قاطعاً لهم عن مواصلة طريقهم.
إن ما يحول بين بعض الأخيار، ومنهم طلاب علم بل علماء، وبين بعض الأعمال النافعة هو ظنهم أن السجن أو الفصل من الوظيفة أو الإخراج من الأوطان يمثل نهاية الدنيا، بحيث لا يمكن للمرء أن يعيش بعده أبداً، وهذا وهم كبير، فكم رأينا وسمعنا عن أناس ابتلوا وامتحنوا لكنهم صبروا واحتسبوا ومر الزمان واستدار فرفع الله عنهم البلاء ورفع قدرهم ومنزلتهم وعوضهم في الدنيا خيراً.
وفي قصة أهل الكهف ما يبدد هذا الوهم الذي عشش في بعض القلوب، فإنهم لما خرجوا من ديارهم، وفارقوا أهلهم وأحبتهم ومساكنهم التي ألفوها إلى كهف منعزل لا يوجد فيه شيء من أسباب الرفاهية، بل لا يوجد فيه ما يكفل لهم البقاء على قيد الحياة، فلا طعام فيه ولا شراب، لم يقولوا: فأووا إلى الكهف واستعدوا للضيق والتحمل والصبر في ذات الله، بل قالوا: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]، وما ذاك إلا ليقينهم أن من سار في طريق الله يبتغي مرضاة الله آخذاً بالأسباب متوكلاً على رب الأسباب سيجعل له الله من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، وهذا نظر دقيق وفهم عميق رزقه الله هؤلاء الفتية صغار السن وحرمه كثيراً من طلاب العلم. وقد كان من أمر الفتية ما قالوه وزيادة؛ فنشر لهم ربهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً، ثم جعلهم للناس آية ورفع ذكرهم في العالمين.
إن مما ينبغي أن يكون معلوماً للجميع أن هذه الدار دار ابتلاء وتعب ونصب، وأن الابتلاء سنة الله الماضية في خلقه. وقد ابتلي الأنبياء، وابتلي الصالحون، وابتلي الدعاة إلى الله منذ القدم، فما صدهم ما لاقوه من أذى عن دعوتهم، ولو أن كل من خشي على نفسه الأذى قعد عن الدعوة إلى الله، بل لو أن كل من أوذي في ذات الله قعد عن الدعوة إليه لما وصلنا من دين الله شيء البتة.
стр. 1037
فمن كان يظن أن طريق الجنة مفروش بالورود فهو واهم، ومن كان يظن أن الابتلاء بالسجن أو الطرد من الوظيفة أو الإخراج من الديار بل حتى القتل شر محض أو مفسدة راجحة فهو واهم، وها هو شيخ الإسلام ﵀ ينافح عن الحق فيؤذى ويحارب ويبتلى ويسجن مرات بل يموت في السجن، وبرغم ذلك فقد أعلى الله ذكره وأخمل ذكر أعدائه، وقد كان ﵀ يقول: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني؛ إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) (١)! لكن هذا ليس لكل أحد، بل هو خالص لمن أخلص النية لله ، ثم أخذ بالأسباب، ورجع إلى أهل العلم فيما يأتي ويذر واستشار واستخار، ولم يتمن البلاء ولا حرص عليه لكن أتاه:
وإذا لم يكن إلاّ الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها!
والمهم أن يصدر المرء في دعوته عن علم، وأن يصدر عن أقوال العلماء ولاسيما في المسائل ذات الخطر، وأن يخلص لله في عمله ويتحرى الصواب، فمن فعل ذلك وعرف طريقه وحدد منهجه فلا يلتفت بعد ذلك لشيء، بل ليمض في طريقه وإن أصابه ما أصابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥]
إن هذه الكلمات ليست دعوة كي يلقي الإنسان نفسه أمام المحنة، ويعرضها للابتلاء، فإن العافية لا يعدلها شيء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية" (٢)، والفرار من مواطن الفتن مطلب شرعي، وكم رأينا من رجل كان يقول إنه لو ابتلي فسيصبر ويفعل ويفعل، فلما وقع البلاء لم يصبر، بل انتكس ورجع عما كان عليه من حمل هم هذا الدين والعياذ بالله.
إن المقصود هو أن يقوم المرء بما يجب عليه قياماً منضبطاً بالمنهج الشرعي، بلا إفراط ولا تفريط، فلا تهور يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، ولا قعود وانكفاء عن القيام بما يجب القيام به لأوهام لا حقيقة لها، أو حقيقتها لا تعدل مفسدة ما قعد عنه، وكم ممن يمنعه توهم ضرر محتمل أداء ما وجب عليه بيقين.
وإذا أخذ المرء بالأسباب ثم وقع الابتلاء فعليه بالصبر على قدر الله، فإنه إن صبر على أذى ساعة يوشك أن يبدل الله عسره يسراً، ويوشك أن يجد عاقبة ذلك خيراً في الدنيا والآخرة.
إن كثيراً من معاناة الأمة اليوم ترجع إلى أفعال بعض أبنائها ممن غاب عنهم المنهج الشرعي، فاندفعوا بوازع من الحماسة غير المنضبطة إلى أعمال خاطئة جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم الويلات، وعلى الطرف الآخر تعاني الأمة من إحجام كثير من أهل الخير عن ما ينبغي لهم فعله، وكلاً من الفريقين فقد النظرة المعتدلة للأمور، وأجاب داعي الحماسة أو الخوف دون الرجوع إلى أهل العلم الربانيين المعتبرين ليصدر عن رأيهم.
أما الحق فهو وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وصراط الله صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وطريق الدعوة إلى الله طريق واضحة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، فمن صدق الله وسلك هذه السبيل فليبشر بخيري الدنيا والآخرة، والله الموفق.
الم صدر: موقع المسلم
стр. 1038
مناقشات حول عمل المرأة والتوسّع فيه
محمد بن عواد الأحمدي
قضية عمل المرأة وتوسيع فرصه ومجالاته باتت مؤخراً مسألة تثير الكثير من النقاش والجدل في الساحة الفكرية في المجتمع السعودي، وذلك يعود بالدرجة الأولى لرمزية القضية، وما تحملها بين جنباتها من دلالات فكرية في حالة غلبة رأي على غيره في المشهد الفكري، وما يترتب على ذلك من آثار مستقبلية في واقع الأمر على مستوى صراع الأفكار.
ويتجاذب طرفي النقاش في قضية التوسّع في عمل المرأة صوتان: أحدهما صوتٌ محافظٌ واسع الانتشار، يقدم الحرص على ثوابت المجتمع الشرعية والاجتماعية، ويطالب باحترام نظامه العام، ويتخوف من بعض الخطوات التي تخاطر بقيم المجتمع ومبادئه، ويطالب بالتنمية والتطوير في المجتمع، مع ضرورة الاحتفاظ بالأصالة والهوية.
وصوت آخر متحرر، ينحو في أطروحاته المتعلقة بعمل المرأة اتجاه الطرح الليبرالي الوافد على المجتمع، ويُغلّب النظر إلى المصالح المادية ولو جاءت على حساب هوية البلد، متغافلاً عن مراعاة الاشتراطات الشرعية والنظامية وضرورة تطبيقها في الواقع، وتتقاطع بعض مطالبات هذا الصوت مع ما تنادي به وتتطلع إلى تحقيقه في المنطقة المنظمات والهيئات الغربية، ويسعى أولئك من خلال مطالباته إلى تحقيق مكاسب دعائية تساهم في تغيير صورة المجتمع السعودي لدى الآخر الغربي، وهذا الصوت لا يتمتع في الحقيقة بالقبول الاجتماعي الشعبي الذي يتمتع به الصوت المحافظ (١).
وما ألحظه من خلال متابعتي الإعلامية لتصريحات المسؤولين بوزارة العمل أن الوزارة تُولي ما تسميه بـ "بطالة الإناث" أهمية خاصة، تُشعر المتابع أن المجتمع السعودي لا يعاني من بطالة واسعة في صفوف الذكور، وأنهم قد نالوا حقهم في العمل الكريم وتوفرت لهم فرص كسب الرزق، وبقي أن تهتم الوزارة بتوظيف الإناث وتوفير فرص ومجالات عمل جديدة لهن، ولسان حال الوزارة أن توظيف المرأة السعودية، واستحداث فرص متنوعة لعملها في المجالات المختلفة أكثر أهمية وأشد إلحاحاً في المجتمع من توظيف شقيقها الرجل، أو على الأقل أنهما يتساويان في احتياجهما للعمل، وكل ذلك يتعارض مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع التي تتشكل وفق ثقافته وقيمه الاجتماعية.
стр. 1039
ولو استمعنا إلى صوت العقل والمنطق السليم فسنجد أن التوسع في عمل المرأة في ظل وجود بطالة حقيقية واسعة الانتشار وخطيرة الآثار في أوساط الشباب- أمرٌ مستهجنٌ وغير مقبولٍ، بل إن المنطق السليم يرفض حتى أن نساوي في الاهتمام بين الشباب والفتيات في توفير فرص التوظيف.
وليس معنى ذلك رفض مبدأ توظيف النساء طالما أنه يحقق احتياجاً فعلياً في المجتمع لا يُسدّ إلاّ من خلال النساء، أو كان نتيجة لاحتياجات شخصية مادية أو معنوية، أو كان على سبيل التكميل والتحسين الذي لا يُوجد ما يمنع منه ما دام أنه منضبطٌ بالضوابط الشرعية والنظامية، فلا يعرِّض المرأة للاختلاط بالرجال أو التكشف المحرم، ويتوافق مع طبيعتها، ولا يوقعها في الضرر.
إنما الذي لا أرى له ما يسوّغه موضوعياً، بل أرى أنه يختلف مع الفطرة البشرية والمنطق السليم هو المساواة في الفرص الوظيفية بين الشباب والفتيات في ظل شيوع البطالة بشكل واسع في صفوف الشباب، وأولى من ذلك بالرفض الاهتمام بتوظيف النساء على حساب الشباب.
والتوسّع غير المنضبط في فرص ومجالات عمل النساء على حساب المستحقين من الشباب، كما أنه يتعارض مع القواعد الشرعية والنظامية، فإنه كذلك لا ينسجم مع المنظومة القيمية السائدة في المجتمع السعودي، وله تبعات سلبية على التركيبة الاجتماعية، ومن أبسط تلك التبعات أن التوسع في توظيف الفتيات على حساب الشباب مع وجود معاناة واسعة في صفوف الشباب بسبب عدم توفر فرص وظيفية لهم، يزيد من المشكلات والأزمات الأخلاقية، ويفاقم من ظاهرة العنوسة التي بدأت تدق ناقوس الخطر في مجتمعنا، وأخذت تنتشر وتتوسع، مع إلحاح متزايد لضغوط المغريات والمثيرات، وتوظيف الفتاة - كما يشهد بذلك الواقع - يشغلها في كثيرٍ من الحالات عن الزواج وتكوين الأسرة، بل قد يكون سبباً في فوات قطار الزواج عليها، كما أن توظيف المرأة لا يمكِّنها من أن تفتح بيتاً زوجياً طالما أن زوجها عاطل عن العمل، ولكن على العكس من ذلك فتوظيف الشاب العاطل يسهل عليه الزواج، حتى وإن لم تُتح فرصة وظيفية لزوجته.
ومن ناحية اقتصادية فإن القول بأن عمل المرأة يساهم على الإطلاق في إنعاش الاقتصاد وزيادة الناتج القومي قول غير دقيق، إلاّ في حالة وجود عجز في الأيدي العاملة الوطنية من الرجال، واقتضت المصلحة العامة سد الاحتياج التنموي بأعداد من النساء وفق الضوابط الشرعية والنظامية في البلد، أما في واقعنا المحلي المعاصر فإطلاق هذا القول مجانبةٌ للصواب؛ لأنه لا تزال نسبة البطالة من الرجال نسبة كبيرة، ولا يسوغ عندئذٍ أن يكون اهتمامنا بتوظيف الفتيات أكثر أو يساوي اهتمامنا بالشباب، وهنا نقول إن خروج المرأة للعمل من دون اضطرارٍ ولا حاجةٍ وفي ظل وجود بطالة شبابية واسعة يحمل المجتمع أعباءً مالية واجتماعية وتربوية كبيرة لا تساوي قدر المكاسب الحاصلة من عمل المرأة.
وعلى مستوى العائد المالي الشخصي للمرأة الموظفة فإن الواقع يشهد بأن كثيراً منه يصرف في أغراض استهلاكية تُوجبها ظروف الوظيفة لا ظروف الاحتياج الشخصي للمرأة؛ فراتب الموظفة يذهب جزءٌ كبيرٌ منه في رواتب الخادمة والمربية والسائق، وفي تكاليف اللباس، وأدوات التجميل، والتي تحتاجها المرأة نظراً لخروجها اليومي، وهذه الاحتياجات لم تجب على المرأة إلاّ بسبب ظروف عملها، وما يعود على المرأة الموظفة حقيقةً قد لا يتجاوز في كثيرٍ من الحالات نصف الراتب أو أقل من ذلك، وقد لا يساوى ذلك المقابل الجهد المبذول والتضحيات التي قدمتها المرأة مقابل الوظيفة إلاّ إن كان دفعها لذلك الاضطرار الشخصي أو المجتمعي.
стр. 1040
إن المنطق الشرعي والعقلي يوجب أن يكون الاهتمام في التوظيف موجهاً بالدرجة الأولى إلى الشباب ثم إلى النساء بعد ذلك، كما أن منطق الحقوق يوجب أن تكون الحقوق الممنوحة متناسبة مع حجم المسؤوليات والالتزامات الواجبة على الفرد، ولا يسوّغ أن نطالب بالمساواة في الحقوق بين أفراد تختلف المسؤوليات الواجبة عليهم في بعض جوانبها اختلافاً جوهرياً، كما هو الحال في الواجبات الاجتماعية الواجبة على الرجل والمرأة؛ فالرجل في الشريعة الإسلامية، وفي العرف السائد في المجتمع السعودي هو المكلف في الأصل بالنفقة على من تحت يده من النساء وغيرهم، والمرأة لا يجب عليها شيء من ذلك حتى ولو كانت غنية، فكيف يسوغ والحالة هذه أن ينصرف اهتمام بعض مؤسسات المجتمع إلى توظيف المرأة على حساب الرجل أو يساوي بينهما؟!
فعمل المرأة كأجيرة في الأوضاع الطبيعية لا يُعدّ في الغالب من الاحتياجات الرئيسة للمرأة أو للمجتمع باستثناء حالات محدودة، كالحاجة إلى المرأة في القطاع الصحي والتعليمي، وفي القطاعات والمجالات الأخرى التي تحتاج المرأة أن تتعامل معها بنفسها، وفي حالات الاحتياج الشخصي، وإنما يأتي عملها في الغالب كاحتياج ثانوي، وهذا الأمر يجب أن يكون له أثره على أولويات الاهتمام والتوظيف من مؤسسات المجتمع الحكومية والأهلية.
وبناءً على ما سبق فلا يسوغ أن ننظر إلى بطالة الذكور والإناث، ونحدد حجمها من خلال نفس المعايير، دون مراعاة الاختلاف الجوهري في الواجبات والمسؤوليات المناطة بكلٍ منهما، محتجين بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، بل الواجب هنا هو مبدأ العدل لا المساواة، والذي يقتضي أن تتناسب الحقوق مع الواجبات، وما ألحظه أن وزارة العمل تنظر لبطالة الذكور والإناث، وتتعامل معها من خلال معايير موحدة، وهذه منهجية تفتقد للدقة والواقعية.
وإذا انتقلنا إلى زاوية أخرى للقضية، ونظرنا إلى نوعية الوظائف والأعمال التي تُطرح ضمن تطبيقات توسيع فرص ومجالات عمل المرأة لاسيما في القطاع الخاص، وتحظى بتسويق إعلامي واسع على الصعيد المحلي لرأينا أن هناك سعياً غريباً لتطبيع نوعيات معينة من الأعمال والوظائف التي تتعارض مع ثقافة المجتمع ومنظومته القيمية، أو على أقل الأحوال لا تحظى بقبول اجتماعي، كالعمل في البيئات المختلطة من دون ضرورة فعلية لذلك.
стр. 1041
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يحاول البعض أن يفرض على المجتمع بعض الأعمال التي لا يُرحب بها غالبية الشعب (١)، وتختلف مع نظام المجتمع العام، أَوَليس احترام النظام العام في المجتمع -بصفته مجموعة القيم والمبادئ والعادات التي يؤمن بها ذلك المجتمع، ويستهجن الخروج عليها- أمراً توجبه النظم والأعراف القانونية على الجميع!! لماذا يركز الخطاب الإعلامي على عمل المرأة المختلط بالرجال، وكأنه ليس هناك غيره من الأعمال التي يمكن للمرأة العمل فيها؟ وهل يعود ذلك إلى أن هناك من يهدف إلى كسر الحاجز النفسي وتخفيف الرفض الاجتماعي تجاه العمل المختلط؟! أين تفعيل وزارة العمل للأعمال المتوافقة مع الأحكام الشرعية والنظام العام للمجتمع، والتي تحظى بقبول اجتماعي؛ كصور العمل المختلفة في الأوساط النسائية؟ لماذا لم تُفعل وزارة العمل بشكل جدي إلى الآن التوصية الواردة في القرار الملكي القاضي بتوسيع عمل المرأة وفق الأحكام الشرعية والتي تنص على تفعيل تطبيقات العمل عن بعد عبر الوسائط الإلكترونية، والذي يضمن للمرأة أن تقوم بواجباتها الأسرية بشكل أفضل في جو من الراحة والخصوصية والأمان؟!
إن الملاحظ أن هناك ممارسات حثيثة تدفع بالمرأة دفعاً لكي تخرج من المنزل، وتبحث عن الوظيفة، وتثبت قدراتها على منافسة الرجل في كثيرٍ من المجالات، وتحقيق ذاتها، وكأن هناك صراعاً وخصومة بين الرجل والمرأة، وعلى المرأة أن تسعى لكسب الصراع لصالحها، وتحقيق الانتصار على الطرف الآخر، وفي خضم ذلك يلمّع الخطاب الإعلامي المرأة الموظفة، ويبرزها للرأي العام في المجتمع على أنها هي المرأة المنتجة التي تخدم الوطن، وتشارك بفعالية في عملية تنميته، ولو كان عملها على حساب واجباتها الأسرية، بينما المرأة غير الموظفة فإنها تصور على أنها امرأة ناقصة وعاطلة عن العمل، حتى ولو كانت تقوم بدورها الرائد في تربية أبنائها والاهتمام بشؤون أسرتها، في سعيٍ إلى التهوين والتقليل من الواجب الشرعي والوطني المناط بها تجاه أبنائها، وكأنه دورٌ هامشيٌ قليل الجدوى، ولا يقوم به إلاّ الأمهات محدودات الثقافة، وذلك خلطٌ وتلاعبٌ عجيبٌ بالمفاهيم والمصطلحات يجب التنبه إليه.
стр. 1042
الأزمة الإقتصادية العالمية ... أسباب وحلول
عاهد ناصر الدين
يشهد العالم أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، تحاول الدول الرأسمالية حلها وإيجاد السبل للخروج من هذه الأزمة التي سببت كارثة اقتصادية تهدد العالم بأسره.
وقد انعقدت قمة العشرين بلندن يوم الخميس الثاني من نيسان عام ٢٠٠٩م في محاولة للخروج من هذه الأزمة الخانقة.
وقد ازدادت الأزمة الاقتصادية العالمية سوءا منذ قمة واشنطن في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي عقدها زعماء الدول العشرين والتي تستحوذ على ٩٠% من الناتج الاقتصادي العالمي و ٨٠% من التجارة العالمية وهي تضم ثلثي سكان الأرض.
إن هذه الأزمة التي تعصف الآن بالعالم ليست الأولى من نوعها, فلقد كانت هناك أزمة كبرى في عام ١٩٢٩ وسميت بأزمة الكساد الكبير, ومن أشهر أزمات النظام الرأسمالي ما حصل في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الأول عام ١٩٩٧ حيث حصل هبوط حاد في أسعار الأسهم في الأسواق المالية الكبرى، بدأ في هونغ كونغ، وانتقل إلى اليابان، ثم لأوروبا، وتتالى الهبوط من بلد لآخر مع تتالي طلوع الشمس في كل منها، وقد سبق هذه الأزمة التي حصلت في أوروبا وأمريكا ما كان يجري في جنوبي شرق آسيا من تدهور في أسعار صرف عملات دولها وهبوط أسعار أسهم شركاتها فأشرفت عدد من المصارف والشركات على الهلاك من تايلاند إلى الفلبين وماليزيا وإندونيسيا ثم امتدت الأزمة كالعدوى إلى كوريا الجنوبية وتايوان في شمال آسيا ٠
وفي هذه الأيام تفاعلت أزمة الرهن العقاري، وتوسعت في القروض، وعجز المقترضون عن السداد، فأفلست كبرى البنوك والمؤسسات المالية في أمريكا أو كادت، وبسبب كثافة الدعاية لسوق الرهن العقاري في أمريكا، وللأرباح الوفيرة المتوقعة وفق أرباب صناعة الإعلان... فقد تسارعت البنوك الدولية والأسواق المالية للاستثمار في هذا السوق، وهكذا انعكس إفلاس البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية على العالم، وأصابت "عطسة" أمريكا العالم بالزكام.
لقد قدَّرت بعض المصادر المالية خسائر الرهن العقاري بنحو "٣٠٠" مليار دولار في أمريكا وحدها، و"٥٥٠" مليار دولار في دول العالم الأخرى! فبدأت الدول، وبخاصة الغنية، تضخ الأموال بالمليارات إلى الأسواق المالية لإسناد السوق وتوفير السيولة لتحريك عملية الاقتصاد، بل إن بعضها تدخلت مباشرة لدرجة وصلت التأميم لبعض المصارف كما حدث في بريطانيا!
وإن ما حصل مؤخرا في أزمة الرهن العقاري الحادة والمستمرة دليل على فساد النظام الاقتصادي الرأسمالي, فقد وجدت آلاف الأسر نفسها في الشارع بعد أن خسرت بيوتها التي ذهبت إلى المؤسسات الربوية.
إن هذا الاقتصاد الرأسمالي الذي سبب كل هذه الكوارث المعيشية والاجتماعية يقوم على ركائز ثلاثة هي أس الداء ومكمن البلاء وهي التالية:
١ - الشركات المساهمة:
أي تلك الشركات التي يتم تداول أسهمها في البورصة فتصبح قيمة هذه الشركة أضعاف قيمتها الحقيقة نتيجة للمضاربة على أسهمها, فالشركة التي أصولها على الحقيقة تساوي مليون دولار مثلا, قد تصبح قيمتها في البورصات نتيجة المضاربة مليار دولار, وهذا معناه بيع أوهام لا أكثر فربما دفع مضارب مليون دولار في شركة لعله يحصل على ١٠% منها, ولكنه يكتشف أن الشركة لا تساوي كلها بجميع ما فيها نصف المليون.
٢ - الربا. وهذا غني عن الشرح.
٣ - النقد الإلزامي:
стр. 1043
أي أن الدول لا تغطي عملتها المطبوعة بالذهب أو الفضة, وإنما العملات مثل الشيكات تصدرها الدولة وتلتزم بتصريفها دون أن يكون لها رصيد حقيقي, ولعل في عملة العراق مثال يوضح المسألة فقد تهاوى سعر صرف الدينار العراقي إلى قيمة تقارب الصفر بعد الحصار, ولو كان هذا الدينار مغطى بالذهب أو نائب عن الذهب والفضة لما خسر الناس أموالهم لمجرد أزمة سياسية ألمت بالبلد.
وقد تآزرت هذه الأنظمة الثلاثة لتفصم الإقتصاد الرأسمالي إلى نوعين من الاقتصاد أو الأسواق:
الأول: هو الاقتصاد الفعلي: وفيه يكون إنتاج وتسويق السلع والخدمات الفعلية.
والثاني: هو الاقتصاد المالي: وهو ما يسميه بعضهم بالاقتصاد الطفيلي القائم على الشركات المساهمة والبورصات والأسواق المالية التي يتم فيها بيع وشراء الأسهم والسندات، والبضائع دونما شرط التقابض للسلع بل تشترى وتباع مرات عدة، دون انتقالها من بائعها الأصلي، وهو نظام باطل يُعقِّد المشكلة ولا يحلها، حيث يزيد التداول وينخفض دون تقابض بل دون وجود سلع ... ، كل ذلك يشجع المضاربات والهزات في الأسواق، وهكذا تحدث الخسائر والأرباح بطرق شتى من النصب والاحتيال وقد تستمر وتستمر قبل أن تنكشف وتصبح كارثة اقتصادية.
إن هذه الأسواق المالية مصدر كبير للفقر المدقع لكثير من الفقراء, وهي أسواق تقتات على حساب المستثمرين الصغار, والجائعين والمحرومين. ومع أن حجم الأموال المتداولة فيها تقدر بـ ٩٨% مقارنة بالمال المستخدم في الاقتصادي الحقيقي والفعلي المتعلق بالإنتاج, إلا أن هذه الأموال لا ينتفع بها إلا فئة قليلة من الناس، ولا شك أن المضاربات من أهم الأسباب في الأزمات الاقتصادية الأخيرة, حتى أن سياسيي العالم انتقدوها مؤخراً وطالبوا بفرض قيود صارمة على المضاربين ومراقبة البورصات.
من ذلك ما قاله الرئيس الفرنسي ساركوزي: لقد حان الوقت لجعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة، وهي خدمة قوى التنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج، والابتعاد تماما عن القوى المضاربة.
لقد جمعت المضاربات في الأسواق المالية كل مساوئ النظام الاقتصادي الرأسمالي: الفوائد الربوية, العملات الإلزامية الغير مغطاة, البيع والشراء بغير تقابض, اعتماد أساليب الغش والكذب والاحتيال والتمويه والتآمر في رفع الأسعار وتخفيضها, والمجازفة بالاعتماد على العامل الغيبي في البيع والشراء. وأما بالنسبة لنظام الربا المصرفي فإن القروض الربوية تشكل مشكلة اقتصادية كبرى، حتى إن مقدار الدين الأصلي سيتضاءل مع الزمن بالنسبة للربا المحسوب عليه، فيصبح عجز الأفراد والدول أمراً وارداً في كثير من الحالات، ما يسبب أزمة تسديد الدين، وتباطؤ عجلة الاقتصاد لعدم قدرة كثير من الطبقات الوسطى بل والكبرى عن تسديد الدين ومواكبة الإنتاج.
وأما بالنسبة لنظام النقد الإلزامي فإن النقود تُعرّف بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة الجهود والخدمات ٠
وقد كان النظام المعدني هو النظام السائد من قديم الزمان قبل الإسلام ولما جاء الإسلام أقر الرسول ﷺ التعامل بالدنانير والدراهم، أي بالنظام المعدني، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي تُقاس به أثمان السلع وأجرة الجهود والخدمات ٠
стр. 1044
وقد تم إقصاء الذهب عن كونه الغطاء النقدي، وإدخال الدولار شريكا له في اتفاقية بريتون وودز مع نهاية الحرب الثانية، ثم بديلا له في أوائل السبعينات، قد جعل الدولار متحكما في الاقتصاد العالمي، بحيث تكون أية هزة اقتصادية في أمريكا مشكِّلةً ضربة قاسية لاقتصاد الدول الأخرى، وذلك لأن مخزونها النقدي، معظمه إن لم يكن كله، مغطى بالدولار الورقي الذي لا يساوي في ذاته أكثر من الورقة والكتابة عليها، وحتى بعد أن دخل اليورو "حلبة الملاكمة"، وأصبحت الدول تحتفظ في مخزونها النقدي نقودا غير الدولار، إلا أن الدولار بقي يشكل النسبة الأكبر في مخزون الدول بشكل عام.
نضيف إلى ذلك كله أمرا مهما، وهو عدم الوعي على واقع الملكيات، فهي قد كانت عند مفكري الشرق والغرب إما مِلكية عامة تتولاها الدولة وفق النظرية الاشتراكية الشيوعية، وإما مِلكية خاصة يتولاها القطاع الخاص ولا تتدخل الدولة بها وفق النظرية الرأسمالية الليبرالية المعتمدة على حرية السوق، والخصخصة، ثم أضيف لها العولمة.
إن عدم الوعي هذا على واقع المِلكيات أوجد ويوجد الهزات الاقتصادية والمشاكل الاقتصادية، وذلك لأن المِلكيات ليست إما أن تتولاها الدولة، أو يتولاها القطاع الخاص، بل هي ثلاثة أنواع:
مِلكية عامة تشمل المناجم الصلبة والسائلة والغازية، كالبترول، والحديد والنحاس والذهب والغاز وكل ما في باطن الأرض، والطاقة بكل صورها، والمصانع الكبرى التي تكون فيها الطاقة عنصرا أساسا... فيجب أن تتولى الدولة استخراجها وتوزيعها على الناس عينا وخدمات.
ومِلكية دولة وهي ما تأخذه الدولة من ضرائب بأنواعها، وما تنشئه من تجارة وصناعة وزراعة في غير الملكية العامة، وهذه تنفقها الدولة على مرافق الدولة.
ثم المِلكية الخاصة وهي الأمور الأخرى، وهذه يتصرف بها الأفراد وفق الأحكام الشرعية ٠
ولقد أيقن الساسة والاقتصاديون والمفكرون في العالم أن سبب ما يمرون به من كارثة اقتصادية طامّة؛ إنما هو المبدأ الرأسمالي، الذي يحرص على مصالح الرأسماليين فيه، فيملأ جيوبهم على حساب باقي الناس، وقسم العالم إلى فئتين: فئة لا تصل إلى ٥% من الناس تملك أكثر من ٨٠% من مقدرات العالم وثرواته، والأخرى ٩٥% من الناس، ولا تكاد تملك ٢٠% من الثروة، بل إنه يحرم الملايين من لقمة العيش ليحقق الرفاهية للرأسماليين.
كما أيقن الساسة والاقتصاديون عجزهم عن إيجاد حل لهذه الأزمة الكارثة، وأعلنوا عجز المبدأ الرأسمالي عن تجاوز الأزمة وحلها، وقد صدر هذا اليقين وهذا الإعلان على لسان كبار ساستهم من أمثال ساركوزي وبراون وغيرهم، ومع أنهم قاموا ببعض الأعمال لمعالجة الأزمة إلا أنهم اعترفوا بفشل تلك الأعمال، كفكرة ضخ السيولة في الأسواق والبنوك والشركات المتعثرة، مع أنهم كانوا يدفعونها من أموال دافعي الضرائب عندهم، أي يأخذون من الفقير ليقيلوا عثرة الغني ... فما زالوا على ضلالهم القديم، في حرصهم على إنهاض الغني الرأسمالي المتعثر، ولو على حساب الفقير
لقد فشلت معالجات الدول الرأسمالية للأزمة الاقتصادية الكارثة، لأنها من جنس المبدأ الذي أنتج هذه الأزمة، فالمبدأ الفاسد في أساسه سينتج عنه الفساد حتماً، وسيولد الشقاء لمن يطبق هذا المبدأ، وكذلك فإن المعالجات المنبثقة عنه ستكون معالجات فاسدة، وهذا هو الذي أثبته واقع المبدأ الرأسمالي عبر العقود الطويلة التي طبق فيها .. وعليه فليس أمام الساسة والمفكرين والاقتصاديين إلا أن ينبذوا هذا المبدأ نبذ النواة، ولن يحتاجوا للبحث عن البديل.
стр. 1045
فالحل الجذري موجود ومطروح منذ عقود وهو النظام الاقتصادي الإسلامي وهو وحده العلاج الناجع والواقي والحامي من حدوث الأزمات الاقتصادية، فهو قد منع كل مسببات الأزمات الاقتصادية:
منع التعامل بسندات الدين بيعا وشراءاً فهي باطلة شرعا ويتم فيها استثمار المال بالربا الذي نهى عنه الشرع نهيا جازما قاطعا باتا مهما كانت نسبته قليلة أو كثيرة، وسواء أكان ربا نسيئة أو فضل، وجعل الإقراض لمساعدة المحتاجين دون زيادة على رأس المال، وفي بيت مال المسلمين باب لإقراض المحتاجين والمزارعين مساعدة لهم دون ربا.
ومال الربا مال حرام قطعا، ولا حق لأحد في ملكيته، ويرد لأهله إن كانوا معروفين ولفظاعته وصف الله آكليه بالذين يتخبطهم الشيطان من المس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة٢٧٥
ولشدة حرمة الربا أعلن الله الحرب على آكليه في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩
نص على أن يكون الذهب والفضة هو النقد لا غير، وأن إصدار الأوراق النائبة يجب أن تكون مغطاة بالذهب والفضة بكامل القيمة وتستبدل حال الطلب. وبذلك فلا يتحكم نقد ورقي لأية دولة بالدول الأخرى، بل يكون للنقد قيمة ذاتية ثابتة لا تتغير.
ومنع بيع السلع قبل أن يحوزها المشتري، فحرم بيع ما لا يملك الإنسان، وحرم تداول الأوراق المالية والسندات والأسهم الناتجة عن العقود الباطلة، وحرم وسائل النصب والاحتيال التي تبيحها الرأسمالية بدعوى حرية الملكية.
ومنع الأفراد والمؤسسات والشركات من امتلاك ما هو داخل في الملكية العامة، كالبترول والمعادن والطاقة والكهرباء المستعملة في الوقود... وجعل الدولة تتولاها وفق الأحكام الشرعية.
وهكذا فقد عالج النظام الاقتصادي الإسلامي كل اضطراب وأزمة في الاقتصاد تسبب شقاء الإنسان، فهو نظام فرضه رب العالمين الذي يعلم ما يصلح مخلوقاته ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1046
استخدام التاريخ الميلادي
عبد اللطيف القرني [قاضي في ديوان المظالم]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن لكل أمة تأريخ معين تُنسب إليها أحداثها وتعلق عليه أحكامها وإليه يلجأ أفرادها في أمور دينهم ودنياهم. وحيث إن الرعيل الأول اتفقت كلمتهم على اعتبار شأن الهجرة وأنها بداية مناسبة لتأريخ أمة الإسلام بحيث تنسب إليه الحوادث ويكون مرتبطاً بالحول القمري الذي أمرنا بالاعتداد به، حيث جعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام إذا عرف هذا.
ولما كان التأريخ الميلادي من أشهر التواريخ المستعملة هذه الأيام وللأسف الشديد حتى في معظم البلاد الإسلامية أشير علي بحث هذه المسألة مع الأخذ بالاعتبار مدى جواز الاستفادة من الحسابات الفلكية المرتبطة بالتواريخ الأخرى كالحساب الشمسي المتمثل بالتاريخ الميلادي وما واجب الأفراد تجاه أنظمة الدول التي تأخذ بالتأريخ الميلادي.
ومن خلال البحث في هذه المسألة لم أجد من تكلم في هذه المسألة بتوسع وأغلب ما عثرت عليه بعض الفتاوى العامة في هذا الباب دون تفصيل في الأحوال، والله نسأل أن يسدد رشدنا وأن يلهمنا الصواب.
المبحث الأول: وفيه مسائل:
المسألة الأولى: معنى التأريخ:
قال ابن منظور: أرّخَ: التأريخ: تعريف الوقت. والتوريخ مثله. أرخ الكتاب ليوم كذا: وَقَّتَه ... وتأريخ المسلمين: أرخ من زمن هجرة سيدنا رسول الله ﷺ . كتب في خلافة عمر ﵁ فصار تأريخاً إلى اليوم (١).
وتعريف كلمة التأريخ في الاصطلاح: ما ورد في المعجم الوسيط التاريخ جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، ويصدق على الفرد والمجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية ... والتأريخ تسجيل هذه الأحوال (٢).
ويظهر من التعريف التفريق بين التأريخ (مهموزاً) والتاريخ (بدون همز)، فالتاريخ بدون همزة علم يشمل أبرز الأحداث، والتأريخ هو يوم معين تنسب إليه سائر الأحداث وهو المراد هنا.
فنخلص من ذلك أن التأريخ: تسجيل الأحوال والأحداث للأفراد والأمم مستنداً في كل حدث أو حالة إلى الحدث المؤرخ به والمؤرخ به عند الأمة الإسلامية كما سيأتي ذكره هي الهجرة النبوية.
المسألة الثانية: الفرق بين التاريخ والتقويم:
يطلق لفظ التأريخ ويراد به التقويم، وكذا العكس وعند التأمل نجد الاختلاف الدقيق بينهما فالتقويم لغة بمعنى تصحيح الخطأ أو الاعوجاج واصطلاحاً: تنظيم لقياس الزمن يعتمد على ظواهر طبيعية متكررة مثل دورتي الشمس أو الأرض والقمر (٣).
فهو مختص بحدث مرتبط بظاهرة متكررة كمواسم الزراعة السنوية أو الفصول الأربعة وهو في الشهور الشمسية ثابت لا يتغير مثل ربط بدء الدراسة سنوياً بأول يوم من برج الميزان أو أول يوم من الربيع فهذا يسمى تقويماً وهو خاص بتلك السنة ومثله تقويم أم القرى أو التقويم القطري ونحوه، فهو تقويم سنوي ينظم تفاصيل سنة من السنين وفي تفاصيله تجد التأريخ الهجري القمري والتأريخ الميلادي الشمسي والفصول السنوية المعروفة والأبراج (٤).
أما التأريخ فهو وعاء لأحداث الأمة يساير أيامها ويربط أجيالها بعضهم ببعض ويوثق حاضرها وماضيها وإن كان التقويم مضافاً للهجرة أو الميلاد يستخدم عند البعض بمعنى التأريخ الهجري أو التأريخ الميلادي، ولذا تجد من يعبر عن التاريخ بالتقويم فيقول التقويم الهجري والمقصود هو التاريخ الهجري (٥).
стр. 1047
المسألة الثالثة: أنواع التقويم:
التقويم مقياس الزمن كالساعة فكما أن الساعة مقياس تعرف به ساعات الليل والنهار كذلك التقويم مقياس تعرف به الأيام والأسابيع والشهور، فإنه يذكرنا باليوم الذي نحن فيه وموقعه وينبئنا عن أيام العبادات والأعياد والمناسبات والمواسم.
والأقسام الزمانية على نوعين طبيعية ووضعية: فالأقسام الطبيعية هي التي تسير وفق ما قدر لها في حركات الأفلاك كاليوم والشهر القمري والسنة الشمسية فاليوم ينشأ من دورة الأرض حول محورها والشهر القمري ينتج من دورة القمر حول الأرض والسنة الشمسية تنشأ من دورة الأرض حول الشمس وهذه الدورات الثلاث هي تدبير الهي لا دخل للبشر فيها أما الوضعية فالأسبوع والشهر الشمسي والسنة القمرية (١).
وبالإضافة إلى ذلك فقد اهتدت بعض الشعوب كالعرب والمصريين إلى مراقبة النجوم ولاحظوا أن البرج يطلع دائماً في المكان نفسه في الزمان نفسه مما فتح لهم مجالاً للتأريخ بتعاقب النجوم أيضاً بدلاً من التأريخ بدورة الشمس وحلول الفصول المرتبطة بموسم الحصاد وعموماً فمن مراقبة الإنسان لتلك الدورات الفلكية نشأت أنواع متعددة من التقاويم.
نذكر أبرزها إجمالاً:
١ - التقويم النجمي:
يرتبط التقويم النجمي بطلوع نجم معين في وقت معين من العام، ويبدأ من طلوع نجم الشعرى والفيضانات التي تتكرر كل عام ومدة هذه السنة ٣٦٦.٢٥ يوماً أي أطول من السنة الشمسية بيوم واحد مما سبب خللاً واضحاً في هذا التقويم (٢).
٢ - التقويم الشمسي:
يرتبط هذا التقويم بحالة الشمس وهو مأخوذ من دورة الأرض حول الشمس وهي السنة الشمسية وتنقسم السنة الشمسية إلى الفصول الأربعة المعروفة باعتبار بعد الشمس وقربها وهي الدورة السنوية ومدة هذه السنة ٣٦٥ يوماً تقريباً، وقد عرف هذا التقويم الرومانيون في القديم وعليه قام التقويم اليولياني والتقويم السرياني والتقويم الفارسي والتقويم الصيني والتقويم الفرنسي وممن استخدم التقويم الشمسي منفرداً الروم والقبط وغيرهم (٣).
٣ - التقويم القمري:
يرتبط هذا التقويم بدورة القمر حول الأرض ووفق حركة القمر تحصل الشهور وكل دورة للقمر حول الأرض تمثل شهراً قمرياً تبلغ مدته ٢٩.٢٥ يوماً تقريباً، وعلى هذا الأساس فإن السنة القمرية تكون ٣٥٤.٣٦ يوماً، أي أنه أقل من عدد أيام السنة الشمسية بـ (١٠.٨٨) أيام، ويلاحظ أنه لا يوجد أي ارتباط بين التقويم القمري والتقويم الشمسي لأن كل منهما مرتبط بحركة ودورة تختلف عن الآخر.
والتقويم القمري هو الأصل لأن الشهر في اللغة معناه القمر كما ذكر ذلك ابن سيده في المخصص (٤). والعرب كانوا يفتتحون الشهر إذا رأوا الهلال ثم لا ينقضي الشهر حتى يروا الهلال مرة أخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن يكون الشهر طبيعياً والسنة عددية فهو سنة المسلمين ومن وافقهم" (٥)
وهناك تقاويم أخرى لكن أشهرها ما ذكرناه وأكثرها استعمالاً هو التقويم الشمسي والتقويم القمري وعند التأمل نجد أن التقويم الشمسي وثيق الصلة بأمور المعاش كالزراعة ومواسمها وأحوال الطقس وذلك لأن التقويم الشمسي يحتضن الفصول الأربعة (الشتاء، والصيف، والخريف، والربيع) وتأتي هذه الفصول فيه في مواعيد ثابتة سنوياً فهذا التقويم أساسه الفصول وليس الشهور فهو في الأصل سنة طبيعية مقسمة إلى فصول أربعة.
стр. 1048
وأما التقويم القمري فهو يقوم على الأشهر لا على الفصول الأربعة والشهر فيه عبارة عن دورة القمر الفلكية الثابتة وتكرر هذه الدورة اثنتي عشرة مرة وبذلك تتكون السنة القمرية عند ذلك يتضح أن السنة الشمسية سنة طبيعية وجاء من قسمتها أشهراً قياساً على الأشهر القمرية، فالأشهر في السنة الشمسية وضعية وعلى العكس التقويم القمري فالأشهر فيه طبيعية وفق دورة القمر لكن السنة فيه وضعية وليست طبيعية.
وخلاصة القول إن المقاييس الثلاثة المتدرجة وهي اليوم والشهر القمري والسنة الشمسية منشؤها الظواهر الكونية وعلاقة الأرض بالشمس من جهة، وعلاقة الأرض بالقمر من جهة أخرى، ومع امتداد الزمن ظهرت العديد من التواريخ التي يؤرخ بها الناس إلا أن أبرزها وأكثرها استعمالاً هو التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي فالتاريخ الهجري يقوم على دورة القمر أي يستخدم الأشهر القمرية الطبيعية والسنة الوضعية والتي تتكون من اثنتي عشر شهراً قمرياً. والتأريخ الميلادي يقوم حركة الشمس السنوية الطبيعية وهي التي تتكون من دورة واحدة للشمس حول الأرض من شتاء إلى شتاء أومن ربيع إلى ربيع ونحوه، ويستخدم هذا التاريخ الأشهر الوضعية وهي تختلف على حسب زيادة أو نقص في الشهر فبعضها ثلاثون يوماً وبعضها أقل وبعضها أكثر بلا مستند في ذلك. (١)
المسألة الرابعة: نشأة التأريخ الميلادي:
كان التأريخ معروفاً عند الرومان منذ (٧٥٠) قبل ميلاد المسيح ﵇ (٢)، وكان هذا التقويم قمرياً تتألف السنة فيه من عشرة شهور فقط حتى جاء ملك روما (توما الثاني ٧١٦ - ٦٧٣ق. م) الذي أضاف شهري يناير وفبراير وأصبحت السنة تتألف من ٣٥٥ يوماً. ومع مرور الأيام تغيرت الفصول المناخية عن مكانها تغيراً كبيراً، وفي سنة (٤٦) قبل الميلاد استدعى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الفلكي المنجم المصري سوريجين من الإسكندرية طالباً منه وضع تأريخ حسابي، يعتمد عليه، ويؤرخ به، فاستجاب الفلكي المصري ووضع تأريخاً مستنداً إلى السنة الشمسية.
وبالتالي تحول الرومانيون من العمل بالتقويم القمري إلى التقويم الشمسي وسمي هذا التأريخ بالتأريخ اليولياني نسبة إلى الإمبراطور يوليوس قيصر، وبقي هذا التأريخ معمولاً به في أوروبا وبعض الأمم الأخرى قبل وبعد ميلاد المسيح عيسى ﵇.
واستمر النصارى على العمل بالتقويم الشمسي دون ربطه بالتأريخ الميلادي حتى القرن السادس أو القرن الثامن من ميلاد المسيح ﵇ حيث تم الحساب ورجع بالتقويم الشمسي لتكون بدايته التأريخ النصراني من أول السنة الميلادية، نسبة إلى ميلاد المسيح عيسى ﵇ وأن تكون بداية هذا التأريخ ١ - يناير-١ ميلادي وهو يوم ختان المسيح ﵇ كما يقولون؛ حيث إن ميلاده ﵇ كما يقال كان في ٢٥ ديسمبر (كانون الأول) وعندها عرف هذا التأريخ بالتأريخ الميلادي.
ونخلص من هذا بأن الميلاد الحقيقي للمسيح ﵇ سابق لبدء التأريخ الميلادي بقرون عديدة؛ لذا ينبغي التمييز بين التأريخ الميلادي، وميلاد المسيح ﵇ لأن اصطلاح قبل الميلاد أو بعده تأريخياً لا يشير بدقة إلى ميلاد المسيح ﵇ فعلياً (٣).
стр. 1049
وقد استمر العمل بهذا التأريخ إلى عهد بابا النصارى (جوريجوري الثالث عشر) الذي قام بإجراء تعديلات على التأريخ اليولياني لتلافي الخطأ الواقع فيه وهو عدم مطابقة السنة الحسابية على السنة الفعلية للشمس مما أدى إلى وجود فرق سنوي قدره إحدى عشرة دقيقة بين الحساب والواقع الفعلي فقام البابا بإصلاح هذا الفرق وسمي هذا التعديل بالتأريخ الجوريجوري وانتشر العمل به في غالب الدول النصرانية (١).
ومن الملاحظ أن الكنيسة كانت تتحكم بالتأريخ الميلادي في أرجاء الإمبراطورية الرومانية مما يعني انطباعاً بالاهتمام الديني النصراني بموضوع التأريخ. والتأريخ الميلادي حالياً هو التأريخ الجوريجوري غير أن بعض الفلكيين يرون أنه سيحتاج قطعاً يوماً من الأيام إلى تعديل، إذا كان الهدف هو المحافظة على انطباق السنة الشمسية على الفصول الأربعة (٢).
وبناءً على ما تقدم فإن التاريخ الميلادي في الأصل كان رومانياً، عدله بعض الملوك والرهبان النصارى ونسبوه لميلاد المسيح ﵇ نسبة جزافية بعد ميلاده ﵇ بستة أو ثمانية قرون تقريباً، وقد أقر بعض الباحثين النصارى بخطأ هذه النسبة (٣).
وبالنسبة للأشهر الميلادية التي تتكون منها هذه السنة فإنها في الأصل تعود لتمجيد التأريخ الشمسي الميلادي لاثني عشر إلهاً مزعوماً من آلهة الرومان الأسطورية، كما تعود أيضاً إلى تمجيد قائدين من قواد الرومان وهما يوليوس قيصر الذي أطلق اسمه على الشهر السابع باسم "يوليو" وأغسطس الذي أطلق اسمه على الشهر الثامن (أغسطس)، ولقد قام مجلس الشيوخ في عهده بتعديل أيام الشهر إلى واحد وثلاثين يوماً بدلاً من ثلاثين يوماً؛ لأنه أحرز في هذا الشهر أعظم انتصاراته وكذا يوليو.
بعد هذا يتضح لنا أن التأريخ الميلادي نتاج عمل بشري خالص مولود في بيئة رومانية، وحضانة نصرانية، ونشأ برعاية القياصرة وتعديلات البابوات والرهبان ولم يعرف إلا بعد ميلاد المسيح ﵇ بقرون متعددة ولم يُبْن على مولده بيقين.
المبحث الثاني
نشأة التأريخ الهجري:
كان العرب قبل الإسلام يستخدمون التقويم القمري ويتعاملون مع الأشهر القمرية ويؤرخون بأبرز الأحداث. ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم كيانهم المستقل أصبحوا يطلقون على كل سنة من السنوات اسماً خاصاً بها فكانت السنة الأولى تسمى بسنة الإذن والسنة الثانية كانت تسمى سنة الأمر والسنة الثالثة سنة التمحيص، والسنة الرابعة تسمى سنة الترفئة والسنة الخامسة تسمى سنة الزلزال والسنة السادسة تسمى سنة الاستئناس والسنة السابعة تسمى سنة الاستغلاب، والسنة الثامنة تسمى سنة الاستواء والسنة التاسعة تسمى سنة البراءة والسنة العاشرة تسمى سنة الوداع (٤).
وأخرج ابن عساكر بسنده عن أبي سلمة عن الزهري أن رسول الله ﷺ أرخ التاريخ حين قدم المدينة في شهر ربيع الأول قال ابن عساكر: كذا في هذه الرواية وهي مرسلة وأخرج أيضاً: (عن أبي سلمة عن ابن شهاب أن النبي ﷺ أمر بالتاريخ يوم قدم المدينة في شهر ربيع (٥).
قال ابن حجر: وهذا معضل والمشهور خلافه وأن ذلك في خلافة عمر ﵁ (٦)
стр. 1050
ولا أعلم إسناداً صحيحاً في هذا الباب واستنبط بعض العلماء من قول الله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة: من الآية١٠٨)، وأنه ليس أول الأيام كلها ولا إضافة إلى شيء في اللفظ الظاهر فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر. وفيه من فقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر حين شاورهم في التأريخ فاتفق رأيهم أن يكون التأريخ من عام الهجرة .. فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) أن ذلك اليوم هو أول أيام التأريخ الذي يؤرخ به الآن.
أما كيف توصلوا إلى هذا التاريخ فقد وردت روايات عديدة تدل على أن التأريخ الهجري بدئ العمل به في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ بمشورة، ثم اتفاق من الصحابة ﵃.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة وقيل سبع عشرة أو ثماني عشرة في الدول العمرية على جعل ابتداء التأريخ الإسلامي من سنة الهجرة وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رفع إليه صك، أي حجة، لرجل آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان. فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة، فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك، فقال قائل: أرِّخُوا كتأريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحداً بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتأريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فيلبس المقدوني، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله ﷺ . وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته ﵊ فمال عمر رضي الله تعالى عنه إلى التأريخ بالهجرة، لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك ... إلى أن قال: وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال: استشار عمر في التأريخ فأجمعوا على الهجرة. وقال أبو داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال: قام رجل إلى عمر ﵁ فقال: أرخوا. فقال: وما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن فأرخوا، فقالوا: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه. وقالوا: من وفاته. ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: وأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان. ثم قالوا: المحرم؛ فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم ... ثم قال بعد ذلك ابن كثير - رحمه الله تعالى -: والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور العلماء (١).
ونخلص من ذلك أن اختيار التاريخ الهجري تم بإجماع منهم رضوان الله تعالى عنهم، والإجماع حجة قاطعة وأيضاً هذا يدل على أنهم كانوا يستخدمون التقويم القمري بدليل أنهم يتحدثون عن شهر شعبان وأيضاً هذا التاريخ لم يكن لعباداتهم فقط بل لجميع أمور دنياهم ويجعلونه رمزاً إسلامياً ولا يمكن الفصل بين التقويم القمري والتاريخ الهجري المرتبط به، والفصل بينهما مخالف لما أجمع عليه الصحابة كما أنه يوقع في المحاذير المخلة بالعبادات والمعاملات وبناء على ما تقدم نعرف نشأة التأريخ الهجري وكيف تم الاتفاق عليه وكونه شعاراً للأمة الإسلامية في مقابل شعارات الأمم المخالفة وأن الإعراض عنه إعراض عما أجمع عليه الصحابة.
المبحث الثالث:
حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي:
стр. 1051
أولا: الحديث عن التأريخ الهجري يقتضي تأصيل الحكم الشرعي للتقويم القمري فنقول: دلت النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري ومن ذلك قوله تعالى:
١ - "يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة: من الآية١٨٩).
وجه الدلالة:
أن الله جعل الهلال علامة على بداية الشهر ونهايته، فبطلوع الهلال يبدأ شهر وينتهي آخر فتكون الأهلة بمعنى المواقيت وهذا يدل على أن الشهر قمري لارتباطه بالأهلة وهي منازل القمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع، ابتداء أو سبباً من العبادة وللأحكام التي ثبتت بشروط العبد، فما ثبت من الموقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه، الصيام، والحج، ومدة الإيلاء والعدة
٢ - قوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (التوبة: من الآية٣٦).
وجه الدلالة:
أن الله وصف التوقيت بالهلال وأن الشهور القمرية إذا بلغت هذا الرقم سميت سنة وهذا معنى عدة الشهور.
وقال الفخر الرازي:
قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية (١).
وذكر ﵀ أن الشهور المعتبرة في الشريعة مبناها على رؤية الهلال، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية (٢).
٣ - قال ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له" (٣).
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل انتهاء شهر شعبان ودخول رمضان برؤية الهلال ويقاس عليها بقية الأشهر.
ومؤدى هذه النصوص الشرعية صريح أن المعول عليه والمعتبر هو التقويم القمري مما يؤكد وجوب التمسك به دون غيره من التقاويم وهو يتفق مع أحوال الناس لكونه صالحاً للجميع ليسره وسهولة مخاطبته لجميع الأطراف، ولقد اتفق عليه السلف الأول من الصحابة والتابعين كما مر معنا وأصبح العمل عليه.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
التأريخ اليومي يبدأ بغروب الشمس، والشهر يبدأ من الهلال، والسنوي يبدأ من الهجرة، هذا ما جرى عليه المسلمون وعلموا به واعتبره الفقهاء في كتبهم (٤).
وتأسيساً على ما تقدم فإن استخدام التأريخ الهجري والميلادي يكون على حالات:
الحالة الأولى: استخدام التأريخ الهجري دون الميلادي، وحكم هذه الحالة أن التوجيه الشرعي جاء للعمل بالتقويم القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وأن احتساب المواقيت والأحوال يكون عليه دون غيره وهو شعار ورمز الأمة الإسلامية التي يؤرخ لها وله دلالاته وأبعاده.
الحالة الثانية: حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي جميعاً:
ذكرنا في الحالة الأولى أن الأصل هو العمل بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري وهذا الحكم يشمل جميع الأفراد والدول الإسلامية ولكن لا مانع من الاستفادة بالتقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي بصفته تقويماً مساعداً للتقويم القمري تابعاً له متى وجد مقتضى لذلك تتحقق فيه مصلحة راجحة ولا عيب أن نأخذ - لا أن نستبدل - من مواقيت الأمم ما يفيدنا في بعض الحالات فيما لا يتعارض مع أمر من أمور الدنيا (٥).
стр. 1052
وأما ما يتعلق بالفصول الأربعة واستخدامها لتنظيم الاكتساب والمهنة والدراسة والعمل دون ربط ذلك بالسنين فليس من التأريخ مثل أن يقال يبدأ العام الدراسي كل عام ببرج الميزان أو يبدأ موعد الحصاد في برج الحمل كل عام فهذا من الاستفادة العامة للمواسم ولا صلة له ببحث التأريخ الهجري أو الميلادي (١).
الحالة الثالثة: حكم استخدام التأريخ الميلادي فقط:
بناء على ما تقدم يتضح لنا أن التأريخ الميلادي مرتبط بالدين النصراني وحضاراته وهذا واضح في أسماء الأشهر في التأريخ الميلادي فغالبها إما وثنية مرتبطة ببعض آلهة النصارى المزعومة أو بأسماء القياصرة وكبار الرهبان (٢).
ولذا فإن وضع التقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي شعار للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال هو تشبه صريح بالنصارى وجاءت النصوص الشرعية التي تحرم ذلك، ويدل على هذا قوله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٣).
ويتضمن الحديث التشبه بسمات الكفار وعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم وكل ما هو من خصائصهم ولا شك أن اعتبار الأصل هو استخدام التأريخ الميلادي يدخل في سمات الكفار (٤).
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان عن:
هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يُعتبَرُ من موالاة النصارى؟
فأجاب لا يُعتبَرُ موالاة، لكن يعتبر تشبُّهًا بهم.
والصَّحابة ﵃ كان التاريخ الميلادي موجودًا، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجريِّ، وضعوا التاريخ الهجريَّ، ولم يستعملوا التاريخ الميلادي، مع أنه كان موجودًا في عهدهم، هذا دليل على أنَّ المسلمين يجب أن يستقلُّوا عن عادات الكفَّار وتقاليد الكفَّار، لا سيَّما وأنَّ التَّاريخ الميلاديَّ رمز على دينهم؛ لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السَّنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى؛ فنحن لا نشاركهم ولا نشجِّعهم على هذا الشيء، وإذا أرَّخنا بتاريخهم؛ فمعناه أنَّنا نتشبَّه بهم، وعندنا ولله الحمد التاريخ الهجريُّ، الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الرَّاشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا (٥).
стр. 1053
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: لقد اقتصر المسلمون على تأريخهم الذي اتفقوا عليه من عهد عمر بن الخطاب الذي وضع لهم هذا التاريخ الهجري، حيث اختار مبدأه من هجرة النبي ﷺ وعمل عليه المسلمون في كتبهم وسيرهم مع معرفتهم بتأريخ من قبلهم، ولم يزالوا كذلك حتى استولى النصارى على كثير من بلاد الإسلام، واستعمروهم واضطروهم إلى تعلم التاريخ الميلادي، وأنسوهم التاريخ الهجري إلا ما شاء الله، فنقول: إن في العمل بالتأريخ الهجري تذكراً لوقائع الإسلام وأحوال المسلمين في سابق الدهر، ثم هو أوضح وأبين حيث يعتمد على الأهلة التي ترى عياناً ويحصل بمشاهدتها معرفة دخول السنة وخروجها، دون إعواز إلى حساب وكتابة، فتنصح المسلمين أن يقتصروا على تأريخهم الذي كان عليه سلفهم، وأن يعرضوا عن تأريخ النصارى الذي لا يتحقق صحته، إنما هو مبني على نقل أهل الكتاب وهم غير متيقنين، حيث لم يثبتوا ذلك بالنقل الصحيح. ومتى احتيج إلى معرفة السنة الشمسية، فإن هناك التاريخ الشمسي الهجري وهو يعتمد الحساب، ويسير على سير البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى مجملاً كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً" (الحجر: من الآية١٦)، وعرفها الحُسّاب وعلماء الفلك بالمشاهدة، ففي معرفتها ما يكفي عن الاحتياج إلى تاريخ النصارى، والله أعلم (١).
وأما بالنسبة لمن كان يعيش في دولة نظامها يأخذ بالتأريخ الميلادي فإن كان النظام يسمح بوضع التأريخ الهجري مع التأريخ الميلادي فيجب على الأفراد الإشارة إلى التأريخ الهجري في المكاتبات والإجراءات متى ما استطاعوا لذلك لأن هذا يحافظ على بقاء التأريخ الهجري شعاراً للأمة الإسلامية ويخفف من المفسدة الواقعة بالأخذ بالتأريخ الميلادي والقاعدة الشرعية تنص على أنه إذا لم يمكن قطع المفسدة جملة بأسبابها ودواعيها فإن التقليل من آثارها والحد من استشرائها وانتشارها مطلوب وهو من مقاصد الشرع المطهر (٢).
وأما إذا كان النظام الرسمي للدولة يمنع الإشارة للتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري أبداً ويحارب ذلك فيجب على الأفراد في هذه الحالة بذل ما يستطيعون من الإنكار والنصح ومراعاة الأمور والموازنة بين المفاسد المتوقعة وقطع أسبابها والمفاسد الواقعة والسعي إلى تقليل آثارها إذا لم يمكن تلافيها ويبقى الجزاء مرتبطاً بالاستطاعة والقدرة على التغيير ويدخل في هذا التعامل مع الدولة أو الشركات العالمية التي تعتمد التأريخ الميلادي فيجوز مع الحاجة استخدام التأريخ الميلادي مع بعض الاعتبارات المرتبطة في ذلك مثل حساب الزكاة بالتأريخ الميلادي مع معادلته بالتقويم القمري، لإخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من التقويم الشمسي علما بأن المعتبر في إخراج الزكاة هو التأريخ الهجري لا الميلادي.
وفي نهاية البحث أوصي أمتي وأصحاب الشأن في بلاد المسلمين أينما كانوا بأن يتمسكوا بتأريخهم الإسلامي القمري الهجري امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله ﷺ وتمسكاً بالسنة الراشدة والإجماع الصحابي واعتزازاً بما شرع الله.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1054
الأسماء المركبة: أنواعها وإعرابها .. دراسة نحوية
د. عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فهذا بحث يتناول الأسماءَ المركَّبة في النَّحو العربي: أنواعَها وإعرابَها، وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع تفرُّقُ مباحثه بين أبواب النَّحو؛ فهي لا يضُمُّها بابٌ واحد، وإنَّما توزعت بين عدَّة أبواب، فبعضها في باب المُعرَب والمبني، وقسم منها في باب العَلَم، وقسم في باب الممنوع من الصَّرف، وآخر في باب العدد ... لذا رأيتُ جمعَ ما تفرَّق منها، ولَمَّ شتاته في هذا البحث.
وأُشير هنا إلى ما يُكرِّره النُّحاة ويُؤكِّدونه بشأن التَّركيب، وهو أنَّه خلاف الأصل؛ إذِ الأصلُ في الكلمات الإفراد؛ لذا لا يُحكم على كلمة بالتَّركيب ما لم يُوجدْ دليل قاطع على ذلك (١).
والتركيب يكون في الأسماء والحروف، دون الأفعال؛ قال ابن عصفور: "لم يوجدْ في الأفعال ما هو مركَّب" (٢).
وقال ابن أبي الرَّبيع: "لا يكون التَّركيب فيما أُخذت منه الأفعال؛ وهي المصادر، ولا في الصِّفات الجارية على الأفعال، وإنَّما يكون التَّركيب في الأسماء، نحو: بعلبك، ومعد يكرب، وما أشبه ذلك، وفي الحروف، نحو: هلاَّ، ولولا" (٣).
وهذا البحث يتناول التركيبَ في الأسماء فقط؛ فإن أصبتُ فيما كتبتُه فمِنَ الله، وأحْمَدُه عليه، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومِنَ الشيطان، وأستغفر الله منه.
تعريف المركَّب:
التركيب في اللُّغة: وضْع شيء على شيءٍ، جاء في "اللسان" و"القاموس": "ركَّب الشيءَ: وَضَع بعضَه على بعض، فتركَّب وتراكب" (٤)، ويقال: "تراكب السَّحاب وتراكم: صار بعضُه فوق بعض" (٥)، والمركَّبُ - كمعظَّم -: الأَصْلُ والمَنْبِتُ (٦).
والمركب عندَ الفلاسفة وأهل المنطق: "ما يدلُّ جزء لفظه على جزء معناه" (٧).
وعند النَّحْويين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر" (٨)، وذكر الشيخ العطَّار في "حاشيته على شرح الأزهريَّة": أنَّ أكثرَ النُّحاة على أنَّ المفرد ما تُلُفِّظ به مرَّةً واحدة، والمركَّب ما تُلُفِّظ به مرَّتين (٩)، والواقع أنَّ المركب لا يُتلفَّظ به مرَّتين، وإنَّما مرَّةً واحدة كالمفرد، ولكن لأنَّه يُتَلفَّظ بكلِّ جزء من أجزائه - وأقلُّ ما يتألَّف المركب من جزأين - جُعل التلفُّظُ بجزئه تلفُّظًا بكُلِّه، فعندما يُتَلفَّظ بِجُزْأَيْهِ فكأنَّما تُلفِّظَ به مرَّتين، وهذا التَّعريف مبنيٌّ على تعريف أهل المنطق السابق: "ما يدلُّّ جزء لفظه على جزء معناه"، فإذا كان جزء المركب يدُلُّ على جزء معناه، فكأنَّ التَّلفُّظ بالجزأين تَلفُّظٌ به مرَّتين.
стр. 1055
ولكلِّ جزء قبل التركيب معنى، فإذا رُكِّب الجزآن أفادَ مجموعهما معنًى جديدًا، لم يكن لأيِّ واحد منهما قَبلَ التركيب (١).
أنواع المركَّبات:
قبل بسطِ القول في أنواع الأسماء المركبة لا بدَّ من تقسيمها قسمين: أسماء أعلام، وأسماء غير أعلام.
أوَّلاً: الأعلام المركَّبة، وهي ثلاثة أنواع:
١ - مركَّب إضافيٌّ: وهو ما رُكِّب من مُضافٍ ومضاف إليه، مثل: عبد الله، عبد القادر، عبد السميع، "أبو بكر"، "امرؤ القيس".
٢ - مركَّب مزجيٌّ: وهو ما رُكِّب من كلمتين امتزجَتَا - لا على جهة الإضافة - حتَّى صارَتَا كالكلمة الواحدة، فنُزِّلت ثانيتُهما منزلةَ تاء التأنيث ممَّا قبلها، من جِهة أنَّ الإعراب والبناء يكون على آخِرها، أمَّا آخِرُ الأولى فيلزم حالةً واحدة، كما سيأتي بيانُه في "إعراب العَلَم المركَّب".
قال ابن يعيش عن هذا المركَّب: "مُزِج الاسمان وصارَا اسمًا واحدًا بإزاء حقيقة، ولم ينفردِ الاسم الثاني بشيءٍ من معناه، فكان كالمفرد غير المركَّب" (٢)، ومن أمثلته: بَعْلَبَكُّ، وحَضْرَمَوْتُ، ومَعْدِ يكَرِبُ، وسيبوَيْهِ
٣ - مركَّب إسناديٌّ: وهو ما رُكِّب من مُسنَد ومُسنَد إليه، سواء كان المسنَد اسمًا أمْ فعلاً، فهو عَلَم منقول من جملةٍ اسميَّة أو فعلية؛ ولذلك سمَّاه بعضُهم: "المركَّبَ الجُمْلِيَّ" (٣)، والمنقول عن العرب التَّسمية بالجمل الفعليَّة كـ"شابَ قَرْناها" (٤)، و"تأبَّط شرًّا" (٥)، و"بَرقَ نَحْرُه"، ويُقاس عليه التَّسمية بالجمل الاسميَّة (٦) كـ"محمَّد قائمٌ"، و" أحمد كريم"، و"عليٌّ سعيدٌ".
ثانيًا: الأسماء المركبة التي ليست بأعلام، وتشمل:
١ - المركَّب العددي: وهو كلُّ عددين رُكِّبا من العشرة والنَّيِّف، وبينهما حرفُ عطفٍ مقدَّر، ويشمل الأعدادَ من "أحد عشر" إلى "تسعة عشر"، وما صيغ منها على وزن فاعل من "الحادي عشر" إلى "التاسع عشر".
٢ - الظُّروف المركَّبة: وهي ظروف استعملتْها العرب مركَّبةً، كـ "بينَ بينَ"، و"صباحَ مساءَ"، و"يومَ يومَ"، و"حينَ حينَ"، تقولُ: سقط بينَ بينَ؛ أي: بينَ الحي والميت، أو بين هذا وذاك.
قال عبيد بن الأبرص:
نَحْمِي حَقِيقَتَنَا وَبَعْ ضُ الْقَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا (٧) وآتيك صباحَ مساءَ، ويومَ يومَ، وحينَ حينَ؛ أي: كلَّ صباح ومساء، وكلَّ يوم، وَكلَّ حين (٨).
٣ - الأحوال المركَّبة، وهي ضربان (٩):