فإذا تأسس هذا، جاز لنا أن نسأل فنقول إن شهد شهود عدول برؤية هلال شوال، فهل يملك القاضي لأي سبب آخر أن يرد شهادتهما، أو أن يعمل بموجبها؟ لا أظن أحدًا، ولم أطلع على من قال يردها، وأنى له ذلك؟ وما حجته أمام الله يوم أن يقول له، قال لك نبيي بأنه إن شهد شاهدان فصوموا، فلم لم تصم؟ فلا يملك إلا أن يقول يا رب كان عندي قرينة تكذبهم؟ وعندئذ يكون السؤال ما هي القرينة التي يمكن أن يعذر بها القاضي في تكذيب شهادة الشهود أو ردها!؟، فهل يجيب بأنه علم قاطع، قضى بأن الهلال لا يرى في تلك الليلة!.
إن شهادة الشهود حكم شرعي، لا يرده إلا حكم شرعي، والحكم الشرعي الذي يمكن أن يرد شهادة الشهود، هو شهود غيرهم يعارضون ما قاله الأولون، أو مخالفة هذه الشهادة للشرع، أو الحس، أو العقل، وهذا متفق تماما مع قول الشيخ ابن منيع " وسماحة شيخنا يعرف ويعلم أن الشهادة يحتاج قبولها أمرين: أحدهما أن تكون الشهادة منفكة عما يكذبها حساً وعقلاً. والثاني ثبوت عدالة الشاهد. ونحن لا نشك أن القضاء قد استكمل تعديل الشهود ولكن عدم انفكاك الشهادة عما يكذبها لا يزال ثغرة نقص في صحة الشهادة والله المستعان"
فإشكال الشيخ وكثيرين في هذه الأيام وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي، في الأخذ بشهادة الشهود مع معارضتها للحساب، إذ إنها عندئذ لا تنفك عما يكذبها، وربما استشهد البعض بكلام لابن تيمية، وابن عثيمين وغيرهم في أنه لو شهد شاهد برؤية الهلال قبل غروب الشمس ردت شهادته.
وهذه من المواطن التي التبست على الشيخ وعلى من قال بقوله، فإنهم لم يميزوا بين "ما يقطع به العلم"، وما يعتبره الشرع قطعيًا، فما يقطع به العلم ينظر العلم فيه إلى حقيقة الأمر، وما يقطع به الشرع ينظر فيه الشرع إلى اعتبارات كثيرة منها، قد يكون العلم أحدها وقد لا يكون، فليس مما يفيد القطع شرعًا بمجرده، ليس تقليلا من شأنه ولكن لكل مقام مقال، فلو اتفق أهل الأرض كلهم على قطعية ودقة العلم الفلكي، فنظرة الشارع وتشوفه غير نظرة الفلك وتشوفه، وللشارع "اعتباراته الخاصة".
فالحس هو السمع، والبصر، والشم، واللمس، والذوق وهو ما يقوى على معارضة البينات، فشهادة الشهود التي يمكن أن ترد هي الشهادة التي تخالف الحس هذا، أما العلم المستند إلى غير الحس، بل يحصل بالنظر والآلات، فإن الشارع لم يحل عليه ولم يلتفت إليه مطلقاً، فالحكم بمقتضاه ورد الشهادة المعتبرة في الشرع أمر محدث لم يعهد عند علماء الأمة وتبديل لأحكام الشريعة واستدراك على الشارع.
فالحس هو ما يقوى على معارضة البينات، فشهادة الشهود التي يمكن أن ترد هي الشهادة التي تخالف الحس هذا، أما العلم المستند إلى غيب عن الإنسان، فإن الشارع يرده، وله إرادته وقصده في هذا، ليس لنا إلا أن نسلم ونذعن له.
وهكذا يقال في العقل، فالعقل الذي يعتبره الشارع، هو العلم الضروري، أو المنطق الذي لا يحتاج إلى نظر أو تفكير، كقولنا إن الواحد أصغر من الاثنين، والكل أكبر من الجزء، ونحو ذلك، فليس هذا بالعلم، ولا هذا بالحساب، بل هو العقل وهذا معلوم مستقر، وإني أرغب إلى الإخوة القائلين بهذا القول أن يأتوا لنا بأمثلة من الشريعة تدل على اعتبار ذلك النوع من العلم معارضًا للشهادة أو نحوها، وعندئذ تستقيم لهم دعواهم، أما نحن فقد قدمنا أمثلة من الشريعة تدل على نفي اعتبار الشريعة لمقتضى هذا العلم، وأظهر مثال تقدم معنا هو مقتضى حديث رسول الله ﷺ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) في إثبات نسب الولد لمن ولد على فراشه دون اعتبار العلم الذي يمكن أن يكون قطعيًا.
стр. 1122
وقد أخطأ الشيخ ابن منيع في مقارنة الحساب الفلكي بمثال الجمع الذي ذكره، فقد قال (فالنتائج العلمية لكل علم من العلوم لاسيما إذا كانت هذه النتائج قطعية لتحديد ولادة الهلال هذه النتائج العلمية لا يتقدم بها عالم أو اثنان أو أكثر حتى نشترط لقبولها العدالة والتقوى والصلاح. وإنما هي نتائج علمية قطعية يعترف بها البر والفاجر والصالح والفاسق والمسلم وغير المسلم فليست نتائج شخصية حتى نطلب من مقدمها ما يدل على ثقته وأمانته. فمثلاً النظريات الرياضية من معدلات وغيرها مما هي محل اعتبار واعتراف وتسليم هل نطلب ممن يقدمها بأي وسيلة من وسائل النشر والبيان العدالة والثقة والصلاح؟ وحينما يقول لفضيلته مثلاً أحد الناس: ١٥+ ١٠= ٢٥أو ٧*٩= ٦٣هل يتردد فضيلته في قبول هذه النتائج حتى تثبت عدالة من يتقدم إليه بها. لعل الأمور قد اختلطت على شيخنا - حفظه الله)، فالحساب يا شيخنا الكريم مرده إلى الحس المشاهد، وهو مما تعتبره الشريعة، فأنت إذا جئت بخمسة عشر درهما، وأضفت إليها عشرة، ثم عددتها مرة أخرى أصبح المجموع خمس وعشرين، وإذا كررت مجموعة أفرادها سبعة، تسع مرات، ثم عددتها واحدًا واحدًا، وجدت حسًا أن مجموعها ثلاثة وستين وهكذا، فهذا حساب حسي لأمر قد حدث أو يحدث الآن وهو لا شك قطعي، والحساب الفلكي حساب لأمر مستقبل من ناحية وغيبي غير مشاهد من ناحية أخرى، فليس منتهاه الحس، وأرجو أن يلاحظ فضيلتكم أننا لا نتحدث عن دقة الحساب الفلكي وعدم دقته، ولكننا نتحدث عن ما هو معتبر في الشريعة وما ليس معتبر، فلو قدر للخلق بعد أمد أن يكشف الله لهم بأبصارهم فيشاهدون القمر وهو يأتي من المشرق، فيسير نحو المغرب، ثم يبصرونه يسير بعيدًا، فيأتي آخر وقال انظروا ها قد أتى، والشهود ما زالوا يشهدونه يتوارى في جهته الأخرى، لعملنا بهذا، وهذا رعاكم الله حسًا، وليس حسابًا، فعلم بهذا خطأ من أطلق فقال بأن الحساب قطعي، والرؤية ظنية، مثل تقي الدين السبكي إن صح حمله كلامه على ذلك.
هذا يا كرام معنى حديث النبي ﷺ (إنا أمة أمية لا نحسب، ولا نكتب، الشهر هكذا، وهكذا): أي إننا أمة نعتمد على العلم الضروري الحاصل بالحس الذي يعتمد عليه الأمي، ونعتمد كذلك على العقل الذي هو صفة فطرية ليس له علاقة بعامي ولا جاهل، فلا نفتخر نحن بالأمية، ولا نفتخر بإلقاء العلم وراء أظهرنا، ولكن هذا وصف لطبيعة أحكام الشارع، ولكل نظام طبيعة في أحكامه، فلا يحكم أحد على أحد.
стр. 1123
ذلك من جهة، ومن جهة أخرى فقد خلط الشيخ ابن منيع بين الحقيقة العلمية، وبين بعض الحسابات المتعلقة بالحقيقة العلمية والمبنية عليها، فقد قال (ولاشك بوجود الفرق بين من يتقدم بشهادة رؤية الهلال وبين من يذكر بحقيقة علمية معروفة لدى علماء ذلك العلم. فالأول يأتي بخبر يختص هو بمصدره - وهي الرؤية - والثاني يأتي بخبر علمي يشترك في معرفته جميع علماء ذلك العلم، فالأول في حاجة إلى تعديل وإنصاف بالثقة والأمانة والتقوى والصلاح لكون مصدر علمه بذلك الخبر - وهو الشهادة بالرؤية - ذاتياً في نفسه والثاني لا يلزم اشتراط تقواه وصلاحه لكون خبره معلوماً لجميع علماء ذلك الخبر) فالحقيقة العلمية الواقعة - أعني أنها حاصلة في الحاضر، نعم قد لا يحس بها كل أحد، لكنها هناك - هي التي تبني الشريعة عليها الأحكام في الغالب، أما الحسابات التي تتوقع المستقبل، فلم نر في الشريعة اعتبار لها، فثمة فرق عقلي هام بين الحقائق الفلكية وبين الحسابات الفلكية في أمر ولادة الهلال، وإمكانية رؤيته، فالحقيقة العلمية التي يمكن أن تعتبر، لا يختلف فيها الناس لأنها واقع حاضر محسوس، أما الحسابات الفلكية فهي إخبار أو تنبؤ عن مستقبل لما سيكون الأمر عليه بناء على تلك الحقائق الحاضرة، لكنه يعتمد على مؤثرات عديدة، فمنها في ما نحن فيه سرعة القمر، والشمس، والأرض، ومدار كل واحد منهما، وغير ذلك.
وأرجو أن يتأمل الجميع هذه الأحوال:
١ - أن نقول السيارة موجودة، وتتحرك بالوقود، وتصل سرعتها إلى مائة كيلو متر في الساعة.
٢ - أن نقول أيضا إذا سارت السيارة بسرعة مائة كيلو متر في الساعة فإنها ستقطع مسافة ٢٠٠ كيلو متر في ساعتين، فإذا سارت من نقطة أإلى نقطة ب التي تبعد عنها ٢٠٠ كيلو متر، في الساعة العاشرة، وكانت سرعتها عندئذ ١٠٠ كيلو متر في الساعة، فإنها ستصل إلى نقطة ب في الساعة الثانية عشرة
٣ - تبعد مدينة الرياض عن مدينة الدمام ٤٠٠ كيلو متر، وسيسافر صالح من الدمام إلى الرياض يوم السبت القادم الساعة الثامنة صباحًا، وسيسير بسرعة ١٠٠ كيلو في الساعة، وسيتوقف لمدة نصف ساعة، وسيكون انطلاقه في البداية متسارعًا حتى يصل إلى سرعة ١٠٠ خلال ١٠ دقائق، وعليه فإنه وبالحسابات العلمية، سيصل إلى مدخل الرياض في تمام الساعة الواحدة إلا ربع مثلا.
الأولى: حقائق علمية لا شك في ذلك، ولا ينكرها إلا مكابر، والثانية: حساب حسي - كما مر معنا في مثال الشيخ ابن منيع السابق - أما الثالثة: فهي إخبار عما يمكن أن يحدث وتوقيته، أعني أنها إخبار عن مستقبل، وكل أحد يوافقني أن ذلك التوقيت والتوقع نظريٌ قد يكون صحيحا، لكنه قد يتخلف لأسباب كثيرة جدًا، فليتنبه إلى هذا الفرق، أعني الإخبار عن ماض، والإخبار- أو التوقع الدقيق - عما يمكن أن يكون في المستقبل بناء على الحقائق العلمية الثابتة في الزمن الماضي.
ثم إن قال لنا الحاسب يوم السبت الساعة الواحدة إلا ربع، الآن قد وصل صالح إلى الرياض فإننا لا نجزم بذلك لتطرق الشك إلى كلامه، لأننا نعلم يقينا أن ثمة عوامل مؤثرة قد تعرقل سيره فيتأخر أو يتقدم، لكن دعونا من هذه العوامل وتأثيرها، بل هبوا جدلا أن هذه العوامل منعدمة، فإننا نقول إن مجرد الإخبار عن وصوله بناء على هذا الحساب تعتريه مشكلتان:
الأولى: أنه لا يقول أحد بأنه قطعي لا يقبل الشك، وحتى وإن قلنا ذلك، تبقى لنا المشكلة الأهم، وهي ما تكرر معنا عدة مرات، وهي:
الثانية: أن الشريعة لا تبن على مثل هذا الحساب حكمًا، وأظن أن كثيرًا من النظم الوضعية تراعي مثل هذا، وهذا الذي يسمى في القانون بمبدأ شرعية الأدلة.
стр. 1124
ولمزيد من بيان الفرق، هبوا أن المخبر بأن صالحا قد وصل اتصل بصديق له في مدينة الرياض قد شاهد لحظة وصول صالح، فأخبره بها، فعندئذ يكون خبر هذا المخبر شهادة، لا حسابا، فيقبل.
نعم، سينبري هنا أصحاب الفلك قائلين بأن الجهل كل الجهل أن نقارن سيارة تسير في طرق كلاهما من صنع البشر، وشمس وقمر يسيران بحسبان كما قال الله جل وعلا، ونحن نقول نعم هناك فروقات كثيرة، لكننا ما قصدنا أبدًا تشبيه السيارة بالقمر، ولا سيرها بسيره، وإنما قصدنا تقريب الفرق بين الحقيقة الثابتة، وبين الحساب المبني عليه للإخبار عن شيء لم يحصل بعد، أو هو في عداد الغيب، فأرجو التنبه.
فإن قال قائل إننا لو حكمنا حسابًا باستحالة وصول صالح إلى الرياض قبل الساعة الواحدة إلا ربع، أو لنقل قبل الساعة الثانية عشر ظهرا، بناءً على أكبر تقدير لسرعته، وأفضل تقدير لمقدار سيره وتوقفه وعوامل الطريق الأخرى، ثم بعد ذلك شهد عدل بأنه وصل الساعة الثانية عشرة إلا ربع مثلا، لقال قائل يمكن أن يصح هذا لأن الفرق يسير، لكن لو قال قائل أنه وصل الساعة العاشرة مثلا لبلوغ الاستحالة حد اليقين، والجميع يقر بهذا عقلا، فمادام أنكم أقررتم بذلك، فلم لا تقرون به يوم أن نحكم باستحالة رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين في أحد الأشهر مثلا؟
قلنا جوابًا على ذلك، الفرق بين ليلة التاسع والعشرين فرق يسير إذا ما قورن بعمر القمر كله، ولا يكاد يخالف في ذلك إلا مكابر، ثم إننا أبدًا ما قلنا بقبول من يزعم رؤية الهلال في ليلة السابع والعشرين مثلا، فضلا عن ليلة العشرين، بل إن الشارع قد لاحظ هذا الفرق، فحكم كما في حديث ابن عمر في الصحيحين أن الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين، فلا يكون أقل ولا أكثر.
ثم إن الدارس في علم الفلك يعلم يقينا أن العوامل المؤثرة في ولادة القمر، ثم إمكان رؤيته، كثيرة جدًا، والله جل وعلا قادر على أن يحدث تغيرا طفيفا في أحدها، يجعل الرؤية ممكنة في وقت غير ما حسبه الحاسبون.
ولو قال قائل أيضا بأن سير القمر والشمس، والعوامل المؤثرة فيه، قد عرفها الحاسبون منذ القديم، وأخذوا بها، عبر مئات من السنين، وحركة الشمس والقمر مضبوطتان بسنة كونية (بحسبان)، قد عرفت جميع جوانبها، وتطورت آلات الحساب، ومناظير المراقبة لدرجة عالية جدًا، فلو قال أجمع أهل الفلك المختصون بأن الحساب يحيل ظهوره في وقت كذا، لكان يقينا بأنه يستحيل ظهوره، فسلموا لنا - في أقل الأحوال - بأنه يستحيل ظهوره، حتى لو لم ترتبوا عليه أي حكم شرعي.
قلنا جوابا على ذلك، إن هذا غير مقبول أيضا، وذلك لسبب يسير جدًا، وهو أن هذا كله ما زال توقعًا عن أشياء غيبية مستقبلية كثيرة جدًا، لم يأت ما يؤيدها - ولن يأت - من الحس، ولو في حالة واحدة، ولذا فلا اعتبار لها في الشريعة البتة، وبيان أنه لم يأت ولن يأت ما يؤيدها أن النفي لا يقوى على مقاومة الإثبات إلا بالحس، فلو وضع الفلكيون تواريخ ولادة أهلة السنين كلها، ثم بنو على ذلك أنه تستحيل رؤية هذه الأهلة قبل تلك التواريخ، فما هو الحس الذي يمكن أن يؤيد هذه التوقعات؟ إن رؤيته في التاريخ الذي وضعه الفلكيون لا يعني أبدا أنه لا يمكن أن يرى قبله، ولا يمكن للحس أن يشهد بالنفي المطلق والمجرد عن إثبات ما عداه، فليتأمل.
وعلى هذا التقرير العقلي، فإنه لا يمكن للفلكيين بأن يجزموا بصحة حساباتهم عن المستقبل وما لم يشاهد جزمًا يصل إلى مرتبة ما يشاهد، ولذا ولغيره لم تعتبره الشريعة.
стр. 1125
وخلاصة ذلك أن لدينا ماض، وحاضر، ومستقبل، فالماضي مرده إلى من حضره وشاهده، وإثباته بسماع أو ما في حكمه، والحاضر مرده إلى الحس أعني أنه يشاهد، أو يسمع، أو يذاق، أو يشم، أو يلمس، وإثباته بالشهادة، أما المستقبل فلم يحس، وهو توقع لما يمكن أن يحدث، فهذا لا يقارن أبدا بما قد حدث، ولا اعتبار له في حكم له في الشريعة فيما نحن فيه.
تأملات حول إثبات الرؤية في زمن التشريع:
يتأيد ما تقدم لنا حينما نتأمل الأحاديث الواردة في ترائي الهلال على زمن رسول الله ﷺ ، والظاهر أن لدينا ثلاثة أحاديث:
الأول: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ نَعَمْ فَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ صُومُوا) رواه أبو داود والترمذي وغيرهم.
الثاني: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) رواه أبو داود وغيره.
الثالث: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي ﷺ قال: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النبي ﷺ بِاللَّهِ لَأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا زَادَ خَلَفٌ فِي حَدِيثِهِ وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. رواه أبو داود والإمام أحمد.
فتأملوا أيها الكرام حديث الأعرابي، ثم بعده حديث الأعرابيين، هل استفصل منه النبي ﷺ غير سؤاله عن إسلامه؟ هل سأله أكانت جهة الهلال للمشرق أم للمغرب؟ هل تثبت النبي ﷺ من رؤيته، بأن قال احسبوا هل يظهر أم لا يظهر؟ هل عمل به إثباتًا ونفيًا، أم إثباتًا فقط؟ هل سأله النبي ﷺ عن معرفته بمنازل القمر؟ هل شك النبي ﷺ في أنه رأى الزهرة أو كوكبا آخر؟ أو شعراً من رمشه سقط على عينه؟! هل اختبر النبي ﷺ حدة بصره؟ لا، ولا، ولا،،،
وبعد، فهل أعلم الله النبي ﷺ أن فعله ذلك سيكون تشريعًا لأمته أن يفعلوا ما فعل؟ فإذا ما جاءهم أعرابي، وسألوه هل هو مسلم، فأجاب بالإثبات، قبلوا شهادته، ودخل الشهر بناء على ذلك، هل علم النبي أو لم يعلم بأنه سيأتي أناس يدلون بشهادات حول رؤية الهلال، وبعضهم كاذب، وبعضهم مخطئ، وواهم، وبعضهم رأى كوكبا آخر، وهكذا ... ومع ذلك لم نر النبي ﷺ أرشد إيماء أو تنبيهًا، فضلا عن تصريحًا، إلى وجوب عرض شهادتهم على علم الحساب حتى نتثبت من صدقهم، وعدم خطئهم.
ثم إني تأملت في هذه الأحاديث وأنا أسمع بعض الاتهامات تجاه الشهود الذين رأوا الهلال حيث يقول أصحابها، لم لم ير الهلال إلا هؤلاء الأشخاص، قلة في العدد، مع أن كثيرًا من الناس يترآونه؟
في الحادثة الأولى أعرابي، وفي رواية لأبي داود ثانية أعرابي من الحرة، يعني أن أعراب المدينة وأهلها من غيرهم عجزوا عن رؤيته!، وفي حادثة شهر شوال أعرابيان، ثم إنهما شهدا كذلك بما لم يشهد به الباقون، بل وغاب عن أهل المدينة كلهم حتى إن الأمر التبس عليهم!
خاتمة:
стр. 1126
لقد كنت شرعت في كتابة هذا الرد قبل مدة من الزمن، ولم أشأ أن يطول هكذا، لكن انتشار الشبهة في هذه الأيام، وازدياد القائلين بموجبها، ألزم القلم بما خالف مراد النفس فجرى مسترسلا، فكانت هذه الورقات تعقيبًا على الشيخ ابن منيع ومن وافقه في تخطئته للرؤية السعودية في سنوات عديدة، وقوله باعتماد الحساب لأنه قطعي في نفي الرؤية لأنها ظنية، وتبين لنا
١ - أن مدار البحثين أعني الرؤية والحساب مداران منفصلان، فلا يصح أن يحكم هذا ذاك، ولا ذاك هذا.
٢ - وعلم مما تقدم كذلك أن الشارع لم يرد لنا أن نصوم الشهر التاسع الفلكي، الذي يبدأ بولادة الهلال التاسع في تلك السنة القمرية، وإنما أراد منا أن نصوم شهرًا، تسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا يبدأ بشهود المسلمين لتاسع أهلة تلك السنة، حتى لو صاموا ثمانية وعشرين يومًا ما بين الهلال وإكمال العدة، ويقضون اليوم التاسع والعشرين بعد، وبه يزول الإشكال
٣ - وأن التفريق بين المعنى الشرعي، وغيره، والحقيقة الشرعية وغيرها له نظائر إن لم يكن هو الغالب في الشريعة
٤ - وأن القائلين بالحساب الفلكي أخطؤوا يوم أن قالوا بقطعيته كقطعية نتيجة الجمع أو الضرب، إذ أن الجمع والضرب من جهة أمر حسي، ومن جهة أخرى أنه يتحدث عن أمر قد وقع وشوهد (ماض أو حاضر)، أما الحساب الفلكي فإنه يتحدث عن توقع لنتائج معينة (مستقبل)، لم يشهد لها الحس ولو مرة واحدة بالصحة، ويستحيل أن يشهد لها، لتغاير مدلول النفي والإثبات.
نسأل الله أن يهدينا إلى الصواب، وأن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
كتبه
هيثم بن جواد الحداد
ضحى الأربعاء ١٩ شوال ١٤٢٨هـ
وأعيد النظر فيه ليلة الثلاثاء ٢٤ شوال ١٤٢٨هـ.
لندن
стр. 1127
قاعدة في الأعياد
سليمان بن عبد الله الماجد
الحمد لله وحده أما بعد ..
فإن الزمان والمكان ظرفان جامدان لا تعظيم لهما إلا ما عظمته الشريعة، والتفات القلب إلى تعظيم شيء منها واعتباره والاحتفاء به إما أن يكون قربة لله وضرباً من العبودية له؛ لأن شريعته عظمته، أو أن يكون بعداً عنه وضرباً من عوائد الوثنية؛ حيث كانت تعظم الجمادات ثم اخترعت في تعظيمها ما لم يأذن به الله.
والقاعدة في هذا أن كل قول أو فعل يقصد فيه الزمن، ويتكرران بعودة ذلك الزمن فهو عيد محدث في الشريعة؛ وإن غيَّر الناس تسميته، ويزداد الوصف تأكيدا إذا ظهرت فيه أعمال أخرى؛ كالاجتماع لأجله، والتهاني، أو الألعاب، أو المآكل والمشارب.
وبرهان ذلك أن البدعة تدخل في الدين المنزل المحدد بسمات تعبدية محضة؛ كالصلاة والحج والصيام، ويكون دخول البدعة فيها بأحد أمرين:
الأول: التغيير في بنيتها أو زمانها أو مكانها؛ فمن زاد ركعة في الصلاة، أو جعلها في غير وقتها، أو في غير مكانها على الدوام فقد ابتدع.
والأمر الثاني: فعل عبادة أخرى مضاهية لها ولو لم يُغير في الواردة بشيء؛ كمن أحدث صلاة سادسة تؤدى ضحىً، ويجتمع الناس لها في المساجد.
وإذا أردنا أن نتصور مسألة المضاهاة هذه فلنضرب لها مثالاً: فلو أن أحداً أراد أن يُعظِّم أباه فكان عند استيقاظه يقف صامتاً متوجهاً إلى منزل والده، وهو مع ذلك يتمتم ببيت معين من الشعر، ويحرك يديه بطريقة معينة يداوم عليها؛ فإذا سئل عن ذلك قال: هذه مجرد عادة لا مدخل فيها لبدعة، ولي أن أعظم والدي بأي طريقة أراها!
فلا ريب أن كل منصف سيقول: إن هذا الفعل يشبه العبادة المشروعة، وسيقرر أن هذا من أعظم المحدثات والبدع .. وذلك كله رغم أنه لم يركع ولم يسجد ولم يتل آية واحدة، كل هذا يدل على أن مضاهاة العبادة المحضة بدعة محرمة.
والأعياد الشرعية؛ كالفطر والأضحى جاءت بسمات التعبد المحض وذلك في اختيار الشريعة لزمانها على وجه لا يعقل له معنى على التفصيل؛ فوجب أن يُسلك بها سبيل العبادات المحضة؛ فنقول فيها ما قلناه في الشرائع المحددة بأنه لا يجوز أن نغير في زمانها؛ فنجعل عيد الفطر ـ مثلا ـ في ذي القعدة، ولا أن نجعل صلاة العيد بعد المغرب ولا أن نحوله حزنا؛ فهذا إحداث في بنية العيد وزمانه، وهو الأمر الأول الممنوع في العبادات المحضة ويُوصف بالبدعة.
أما في الأمر الثاني وهو المضاهاة فلا يجوز أن نحدث عيدا ثالثا؛ ولو لم نغير في الأعياد الواردة؛ كالذي قلناه في الصلاة السادسة.
وهذه هي النتيجة المطلوبة في هذه المسألة.
ومما يؤيد هذا أن النبي ﷺ سمى أيام التشريق ـ كما سيأتي في الحديث ـ سماها بالعيد؛ وذلك لأجل قصد الفعل أو القول أو المكان في الزمن المعين المختار من الشريعة على وجه التعبد.
وقد ذهب إلى اعتبار عدم معقولية المعنى لجريان حكم البدعة الإمام الشاطبي ﵀؛ فقال في "الموافقات" (٢/ ٢٢٢): ( .. التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى، وبحيث لا يصح إجراء القياس، وإذا لم يعقل معناه دل على أن قصد الشارع فِي الوقوف عند ما حدّه لا يُتعدى .. ).
وقال ﵀: ( .. لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه؛ فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي).
وقال في "الاعتصام" (١/ ٣٤٧): (فإن كان مقيداً بالتعبد الذي لا يعقل معناه فلا يصح أن يُعمل به إلا على ذلك الوجه).
وفي "الشرح الكبير" (١/ ٦٧٢) قال الدردير ﵀: ( .. إن الشارع إذا حدد شيئاً كان ما زاد عليه بدعة) أهـ.
стр. 1128
وإنما دخل الإشكال على البعض في هذا الباب حين ظنوا أن البدعة لا تدخل إلا عملا يراد به القربة؛ كالصلاة والصيام والحج، وقد بينت في بحث نُشر على الشبكة بعنوان: (ضابط البدعة وما تدخله) ما يدل على بطلان ذلك؛ فآمل مراجعته؛ لأن تصور مسألة هذا السؤال لا يتم إلا بتصور هذه المقدمة العظيمة.
وقد دلت الشريعة في باب الأعياد على صحة هذا الاتجاه؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ﷺ : ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما فِي الجاهلية؛ فقال رسول الله ﷺ : " إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". رواه أبو داود في "سننه" (١/ ٢٩٥).
وقال ﷺ : " يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر ﵁.
فقوله: "أبدلكم" دليل على إبطال كل عيد وإلا لزادهم من أعياد الإسلام دون إبطال الأعياد الحالية. وقوله: "عيدنا أهل الإسلام" دليل على أن ما سواها أعيادُ غير أهل الإسلام.
ثم تأيدت هذه الأدلة بالهدي الظاهر للسلف؛ فلم يظهر في ديار الإسلام بعد إيقاف الرسول ﷺ الأعياد السابقة، وإبدالها بأعياد الإسلام أي عيد طيلة القرون الثلاثة المفضلة تعبدية كانت أو عادية، حتى أحدث العبيديون عيد المولد؛ وذلك رغم أن للأمم المجاورة أو المخالطة للمسلمين أعياداً تعبدية وعادية؛ يقصد منها الاحتفاء بزمان أو شخص؛ كعيد الشعانين ومولد عيسى ﵇ للنصارى، والنيروز للفرس وغيرها من الأعياد؛ لاسيما والأمة فِي هذه القرون كانت تأخذ الكثير من المفيد النافع من الأمم الأخرى؛ فتركها لهذه الأعياد رغم وجودها دليل على إعراضها عنها ديانة.
ولو قال قائل: إن هذا إجماع لكان له وجه، وحتى لو لم يصح إجماعا فإنه ظاهر جلي في فهم السلف لهذه النصوص، وأنها تدل على عدم مشروعية الأعياد المحدثة.
هذا وليس من الأصول المعتبرة ولا المشارع الصحيحة عند أهل العلم إجراء القياس فيما سبيله التعبد المحض؛ لوجوه:
الوجه الأول: أن إجراء القياس مسألة عقلية، والعبادات مبناها على التعبد المحض المنافي للمناسبات العقلية التفصيلية؛ فلا قياس.
وبيانه أن القياس يقوم على إعمال العقل لاستنباط العلة من الأصل المقيس عليه، وإعمال العقل مرة أخرى لتحقق وجود هذه العلة فِي الفرع المقيس له.
فحيث لم يُعقل المعنى امتنع القياس فِي جعلها أصلاً أو فرعاً.
قال النووي فِي "المجموع" (٣/ ٣٤٢): ( .. الصلاة مبناها على التعبد والاتباع والنهي عن الاختراع , وطريق القياس منسدة .. ).
وقال الشاطبي فِي "الاعتصام" (٢/ ٦٢) عن العبادة: ( .. ولذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها .. ).
وقال البهوتي فِي "كشاف القناع" (٢/ ٤٧٨) ( .. ولا يصح القياس إلا فيما عُقل معناه، وهذا تعبدي محض).
وانظر "البحر المحيط" (٧/ ١٣٣) "، و"شرح الكوكب المنير" (٥٣٧).
الوجه الثاني: أن الصحابة والتابعين والعلماء في القرون المفضلة لم يستعملوا القياس ليصححوا عبادة جديدة أو يزيدوا فيها بذلك.
الوجه الثالث: أن من شرط صحة القياس أن لا يعارض نصاً من الكتاب أو السنة، وكل قياس لإنشاء عبادة أو الزيادة فيها فهو معارِض للنص القطعي العام المانع من الإحداث.
فالعبادة المحضة التي تركها الرسول ﷺ والسلف مع قيام المقتضي لفعلها وانتفاء المانع منه هو كالنص منهم على النهي عن ذات الفعل فيُعتبر القياس معارضاً لهديهم؛ فهو باطل.
стр. 1129
الوجه الرابع: أن القياس لا يُعمل إلا عند الضرورة؛ ولا ضرورة لإحداث عبادة لم تأت بِها الشريعة؛ بل الضرورة تقتضي ترك الإحداث.
جاء فِي "المدخل" (١/ ١١٩) لابن بدران: ( .. عن أحمد قال: سألت الشافعي عن القياس؟ فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة).
وكلام الإمام الشافعي ﵀ يدل على أن القياس إنما يباح للضرورة حتى فِي المعاملات؛ فما بالك فِي منعه له فِي العبادات.
لذلك ترى أكثر العلماء الراسخين لا يُحسِّنون شيئاً من هذه المحدثات، أو يعلنون محبتها، أو يعملونَها، أو يتولون الحديث عنها تنظيراً وقياساً وتأليفاً ودرساً.
وقد رأى بعض العلماء المعاصرين أن مناط الحكم بالمنع من الاحتفال بهذه المناسبات أو بعضها هو التشبه بالكفار في هذه الأعياد، وفيه نظر كبير؛ فلو كان هذا هو سبب منعها الوحيد لم تكن هذه الأعياد ممنوعة محرمة؛ لأن القاعدة في التشبه: أن ما لم يكن من خصائص مَنْ نُهينا عن التشبه بهم فلا يُعتبر تشبهاً مذموماً، وهذه الأعياد لم تعد من خصائص الكفار؛ بل صار يشترك فيها المسلم والكافر؛ كبعض الملابس التي كانت خاصة بهم ثم صارت مشاعة بين الأمم؛ فلم يعد لبسها تشبهاً.
وإنما سبب المنع ما ذُكر من المقدمتين:
الأولى: أن الأعياد الشرعية من جملة التعبدات المحضة، وهي من الدين المنزل المحدود.
الثانية: أن مضاهاة هذا النوع من الدين بإحداث أعياد زائدة: بدعة في الشريعة.
فإذا تبينا كون هذه الأقوال والأفعال حدثا في الدين فلنحذر من فعل البدعة وقولها، قال الله تعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، وقال: ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
* * * *
وهذا عرض لبعض ما وقع فيه النزاع من الأعياد مع بناء الكلام فيها على هذه القاعدة:
عيد مولد الرسول ﵌:
إن سمة التعبد المحض في عيد المولد ظاهرة في اختيار الزمان دون معنى معقول، وفي هذا مضاهاة للمشروع. يوضح هذا أنه لا معنى عقلياً لاختيار الزمان ليكون وقتاً لتعظيم الرسول ﷺ ، فما المعنى العقلي المفهوم من قصر الاحتفاء بما ذُكر في زمان دون آخر؟ بل إن المناسبة العقلية الصحيحة هي في اختيار غير الزمان الذي وقع فيه الحدث الذي يراد الاحتفاء به؛ لأنه وقت نسيانه، ولأن زمان حدوثه هو: وقت تذكره؛ فالصمود إلى الزمان المعين نوع تحكم وتصميم لم يُعهد إلا من الشريعة في اختيار الأزمنة والأمكنة؛ فههنا كانت المضاهاة التي تحيل العمل العادي إلى عبادة مبتدعة.
ومما استدل به بعضهم لتصحيح عيد المولد ما أخرجه أحمد بسند صحيح إلى ابن سيرين ﵀ قال: (نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول ﷺ المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا .. وفيه أنهم اختاروا الجمعة؛ فاجتمعوا فِي بيت أبي أمامه أسعد بن زرارة؛ فذُبحت لهم شاة فكفتهم.
وقالوا بأن هذا في حقيقته احتفال بالنبي ﷺ في يوم معين.
فالجواب يكون بعدم التسليم أن ذلك احتفال بالنبي ﷺ ، ولو سُلم لكان قبل شرع صلاة الجمعة وخطبتيها؛ حيث جاء فِي رواية عبد الرزاق بسند صححه ابن حجر أن ابن سيرين قال: (وقبل أن تنْزل الجمعة)، وفيها: فأنزل الله فِي ذلك بعدُ: "يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" الآية.
فتركهم لهذا الاجتماع على يوم محدد ـ بعد نزول الجمعة ـ دليل على عدم مشروعية أي اجتماع آخر له سمة العيد، وفيه دليل أيضاً على أنهم يعرفون مثل تلك الأعمال؛ فتركوها اكتفاء بما شرعه الله يوم الجمعة من الصلاة والتذكير والوعظ في خطبتيها.
стр. 1130
ثم إن هذا الاجتماع في دار أسعد بن زرارة إنما هو درس، ولم يكن الزمان مقصودا فيه؛ فلا يُسلم أنه عيد.
كما أورد بعضهم على ذلك قوله ﷺ عن صيام يوم الاثنين: "ذلك يوم ولدت فيه" بأنه ﷺ احتفل بيوم مولده بالصيام؛ فالجواب أنه تقرر أن الأعياد الشرعية من الدين المنزل المحدد؛ ولا مجال للقياس في العبادات المحضة؛ فاحتفالنا المشروع بمولده ﷺ إنما يكون على الصفة الواردة، وهي صيام الاثنين فقط.
ولو صح هذا المنهج للزم أن نزيد ركعات في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "الصلاة خير موضوع فمن شاء فليستقل ومن شاء فليستكثر".
والذين يقيمون الموالد وإن كان الدافع لهم على ذلك محبة النبي ﷺ وتعظيمه، ويُشكرون على هذه المحبة فإنه ينبغي أن نعلم أن أعظم محبته هو ترسم منهجه والسير على طريقه.
الأعياد القومية:
وذلك كعيد النيروز أو عيد الجلوس أو عيد الثورة أو عيد الاستقلال وغيرها من الأعياد التاريخية والقومية والعرقية.
فسمة العيد شرعا وعرفا ظاهرة في هذه المناسبات فهي ممنوعة، وتعد محدثة مبتدعة.
وتقدم الكلام أن تخلف نية التعبد عن مثل هذه الأعياد لا تغير شيئا في وصفها بالبدعة الشرعية.
إن حب الوطن والعناية به ـ في حدود ما أقرته الشريعة ـ وكذلك تفضيله على غيره دون معارض شرعي لا تثريب فيه، ولكن الإحداث يحصل بتخصيص يوم معين للاحتفاء به دون سائر الأيام.
الوعظ عن مناسبة في يوم حدوثها:
كالحديث عن غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، أو عن الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب، أو عن الهجرة في أول السنة الهجرية؛ فهذا من جنس المحدثات.
وكان سبب قيام وصف البدعة هنا هو الصمود إلى زمان معين دون مناسبة معتبرة شرعا ولا عقلا، وقد تقدم أن المناسبة العقلية تقتضي ذكر الشيء في يوم نسيانه لا في يوم تذكره.
وإذا كانت بعض الأحكام ظاهرة في وصفها بالشيء نفيا أو إثباتا فإن هذه المسألة لا تعد كالمسائل التي اجتمعت فيها سمات العيد كالمذكورة آنفا، ولكنها في نظري أقرب إلى أن تُلحق بما وُصف بالبدعة؛ لما تقدم تعليله، ولأنه قول ربط بزمن دون مناسبة عقلية معتبرة. وحري بمن أراد أن يستبريء لدينه أن يدع قصد الزمان في هذه المواعظ، ويمكنه أن يؤجلها أو يقدمها عن التاريخ بالقدر الذي يقطع الارتباط الذهني بعلاقة الموعظة أو خطبة الجمعة بذلك التاريخ.
ولنحذر في هذا المقام من استمزاج الشيء والارتياح له بما يؤدي إلى استحسانه ومحبته، وربما تشديد النكير على من أنكره؛ لأن هذا الارتياح هو الذي حمل أهل الموالد والأعياد المحدثة إلى استحسان بدعهم، والمسلم الموفق هو الذي يحمل نفسه على الأصول الشرعية دون اعتبار لذوقه وارتياحه.
تخصيص أيام الأعياد والجُمع لزيارة المقابر:
وذلك بدعوى عموم أدلة مشروعية الزيارة مطلقة أو عامة؛ وهذا مسلك غير صحيح؛ فيجب أن تبقى على عمومها أو إطلاقها ولا تقيد أو تخص بالرأي؛ فعليه حينئذ أن يعود نفسه على زيارة المقابر حسب الاتفاق من الفراغ والنشاط.
أما إذا كان وقت الزيارة هو وقت الفراغ أو النشاط؛ دون أن يكون الزمان مقصوداً للزائر فلا شيء فِي ذلك؛ كمن لا يجد فراغاً إلا يوم الخميس أو الجمعة مثلاً؛ فله أن يجعل الزيارة فِي هذا الوقت؛ لأنها صارت معقولة المعنى فلم ينطبق عليها حد البدعة.
عيد الزواج:
فما يكون في الأسرة أو خارجها في هذا اليوم من الاجتماع، أو تبادل التهاني، أو الهدايا، أو إحداث أي تغيير في الحياة اليومية التفاتا إلى كون اليوم هو تاريخ الزواج هو في الحقيقة عيد زماني محدث ضاهى فيه المحتفل العيد الشرعي فكان ممنوعا.
حفلات تكريم الطلبة:
تقام حفلات تكريم الجامعيين وطلبة حلق تحفيظ القرآن العظيم؛ فهل تُعتبر بدعة لكونها تشبه العيد؟
ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، والأظهر أن ذلك مرجوح؛ لكون هذه الحفلات معقولة المعنى على التفصيل، والزمن غير معين، ولا يُقصد لذاته؛ كما هي الحال في الأعياد الشرعية وغير الشرعية، وإنما المقصود خاتمة الفترة الدراسية؛ فلو تأخرت أو تقدمت تبعتها في ذلك، وهذا معقول المعنى معروف العلة فلم يكن بدعة.
عيد القرقيعان:
وهو من الأعياد المحدثة؛ بل اجتمعت فيه أكثر سمات العيد من اختيار الزمان وهو اليوم الرابع عشر من رمضان، وإلباس الأطفال الملابس الجديدة، وتهادي المكسرات والتسالي، والاجتماع لأجله.
عيد الأم:
وفيه يقع اختيار يوم معين، ويحصل التهادي والتهاني، وربما الاجتماع؛ فلا يكون مشروعاً.
* * * *
وأمثال هذه الأعياد كثير؛ كعيد الحب والشعبنة، ويوم المعلم وغيرها، وإذا عرفنا القاعدة سهل رد الفروع المتجددة إليها. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1131
ما كان لله بقى .. الإخلاص في التأليف
عبد المجيد المنصور
نقل ابن عبد البر في التمهيد قصة تأليف مالك لموطأه فقال: (قال المفضل بن حرب: أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون: عمله كلاماً بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى. قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار) (١) ا. هـ
وقال ابن عبد البر أيضاً: (وبلغني عن مطرف بن عبد الله النيسابوري الأصم صاحب مالك أنه قال: قال لي مالك: ما يقول الناس في موطئي فقلت له: الناس رجلان محب مطرٍ وحاسدٍ مفتر، فقال لي مالك: إن مد بك العمر فسترى ما يراد الله به) (٢) ا. هـ.
وروي أنه لما ألف مالك موطئه قيل له: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: (ما كان لله بقي)، ذكر ذلك السيوطي في تدريب الراوي.
وحال مالك: كما قال ابن المبارك:
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى فلا والله ما أتزنا
قلت: سبحان الله اندثرت تلك الموطآت ولم يبق إلا موطأ مالك، ومع أنه بقي طول هذه المدة إلا أن العلماء وقَّعوا على الكتاب وشهدوا على جلالته، واعتنوا به اعتناء منقطع النظير، فيقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي: (ما نعرف كتاباً في الإسلام بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك) (٣)، والشافعي يقول: (ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من موطأ مالك ﵀ (٤).
قال ابن خلدون في مقدمته: (وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها ومن لدن صنف (٥) إلى هلم (٦)، وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه ولم يختلف في ذلك اثنان ... ) (٧).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وإن للموطأ لوقعا في النفوس، ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء ... ) (٨)، وقال في موضع آخر: (وما زال العلماء قديما وحديثا لهم أتم اعتناء برواية "الموطأ " ومعرفته، وتحصيله) (٩).
قلت: وقد صنفت موطئات كثيرة في زمن مالك، ولم تكن في الحجم والكبر دون موطأ مالك، ولكن لم يكتب الله لها الدوام والاستمرار كما كتب لموطأ مالك، ومنها موطأ ابن أبي ذئب، قال الدارقطني: (كان ابن أبي ذئب صنف موطأ فلم يخرج) (١٠)، ومنها موطأ ابن وهب تلميذ مالك: قال الذهبي: (قلت: موطأ ابن وهب كبير لم أره) (١١).
قلت: وإن الله تعالى كتب لعبارة مالك تلك: (ماكان لله بقي) البقاء كما كتب لكتابه الموطأ، فصارت مثلاً، كما كان موطئه جبلا.
стр. 1132
ولقد كانت تلك العبارة تشدني كثيراً، وتلوح لي عند كتابة أي حرف على قرطاس، وكم استوقَفَتْ نفسي لتتصارع معها فيما يخطه المداد، هل سيذهب أدراج الرياح، أم سينفع الله به، وهي هموم تجول في خواطر أولي النهى على ما اعتادته النفوس البشرية وهو أمر طبعي، لكن النفوس المريضة التي تبحث عن الشهرة- لا جعلنا الله منهم- تجول في خواطرها كم عدد القراء؟، وماذا يكون رد فعل الجمهور؟، وتتطلع إلى ثناء الناس ومديحهم، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: (ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك نيته؛ لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له، ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك ... فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعاً؛ لأنه غير مقبول عند الخالق ولا عند الخلق؛ لأن قلوبهم قد ألفتت عنه، فقد ضاع العمل، وذهب العمر) (١).
وأما أولي الخفاء والإخلاص فإنهم يقذفون بالحق بإخلاص غير مبالين بما يقوله الأنام، فينفع الله فيه، ويدمغ به الباطل بقدر إخلاصهم ويقينهم حين تصنيف الكتاب.
ولقد أوضح الإمام مالك ﵀ لكل مؤلف ومصنف بعده منهجاً كان مرسوماً ممن قبله، يقوم على أن أي كتاب يراد له البقاء على مر العصور فلا بد أن يكون القصد فيه لله دون قصد الثناء أو الاعتلاء على أكتاف الآخرين، والله عليم بذات الصدور، ولما صدق مالك مع الله في كتابه هذا أبقاه الله، وبقدر إيمان العبد وإخلاصه في التأليف يقع به النفع، ويكون البقاء، فإن عظم إخلاصه كثر ذكر كتابه وتردده على الألسن، وكلما ضعف الإخلاص ضعف تأثير الكتاب في الناس، وقل ذكر الألسن له.
والإخلاص كما يقول أهل السلوك درجات بعضه فوق بعض، وليس على مرتبة واحدة، وما كان للشيطان فليس له دوام، ولكنه زبد يذهب جفاء: (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... )، قال الجاحظ واصفاً بعض الكتاب: فتأمَّل الكتَّاب ... إن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنبْتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون) (٢).
كما أوضح لنا الإمام مالك في مقولته تلك أن من أخلص عمله لله وقصد بكتابه وجه الله لم يلتفت إلى كلام المثبطين، ولم يخش لوم اللائمين، ولا نقد الفارغين؛ لأن من خاف ملامة الناس ترك كثيراً مما كان لله فيه رضا، وكان خوفهم فوق خوف ملامة الله، وهذا ما عمله الإمام مالك حيث لم يلتفت إلى كثرة الموطآت في المدينة، ولم يعر للنقد بالاً، ولم يقعده التثبيط عن تصنيف موطئه.
ولا يعني بحال أننا نجزم أن كل كتاب نفع الله به ظاهراً أن صاحبه كان به مخلصاً، ولا أي كتاب اندثر ولم يبق، أن في إخلاص مصنفه شيئاً؛ لأن أعمال القلوب علمها عند علام الغيوب، فقد يكتب الله البقاء الدائم لكتاب أراد مؤلفه منه الشر أو الحياة الدنيا أو ضعف إخلاصه فيه، ويُقيّض الله له من يعتني به ابتلاء وامتحاناً لمؤلفه أو لآخرين، وقد يكتب الله لكتاب آخر الفناء والانقطاع السرمدي ابتلاء وامتحاناً، أو رحمة لمؤلفه، وليس لضعف في إخلاصهم، وهذا الظن في السلف وكتبهم التي لم يكتب لها البقاء مثل موطأ ابن أبي ذئب وابن وهب وغيرهم.
стр. 1133
وقد يكون هناك من الأسباب النظرية التي تجعل الكتاب ينتشر ويشتهر دون غيره إضافة إلى أمر الإخلاص، وهو عناية التلاميذ، وكثرة الأصحاب والأتباع، وفي عصرنا الحاضر الدعاية الإعلامية، وحسن الطباعة والإخراج وغير ذلك من الأمور الظاهرية التي في الحقيقة وحدها ليست بشيء إذا انعدم معها الإخلاص، بل لا أبالغ إذا قلت إن وجود الإخلاص وحده كاف في إشهار الكتاب وبقاءه على مدار التاريخ، ولو بدون دعاية أو حسن طباعة، بل ربما تصير أقوال العالم كتباً على مدار التاريخ لم يسطرها بيده، ولكن سطرها الإخلاص لله، والصدق معه، والجهاد باللسان، فيقيض الله لكلامهم من يدونه فيكون كتاباً ينفع الله به المسلمين أجمع، وقد حفظ لنا التاريخ شيئاً كثيراً من ذلك، وتراثاً ضخماً من أقوالهم.
ولما كان النبي ﷺ أشد الناس إخلاصاً في دعوته، وأعظمهم إيماناً، وأخشاهم لله؛ حفظ الله للأمة أقواله بل وأفعاله وتقريراته، وسيرته وغزواته، وكل صغيرة وجليلة من حياته، ﷺ ، مع أنه لم يدون كلامه ﷺ في كتاب، ولا أمر به، بل نهى عنه حتى لا يختلط بالقرآن، فقيض الله لإمام المخلصين ﷺ من يحفظ له أقواله وسنته، وقيض له من يحميها من التحريف والكذب من أئمة الجرح والتعديل، ومن يدونها في الكتب في عهد القرون الأولى، حتى بقيت إلى يومنا هذا، بقاء القرآن الكريم.
ولما سار الصحابة على نهج النبي ﷺ في الإخلاص والدعوة والخشية لله أبقى الله لنا كثيراً من أقوالهم وأفعالهم بقدر إخلاصهم، فحفظت لنا كتب الآثار والمصنفات الكثير من أقوال أبي بكر وأفعاله؛ لأنه يأتي بعد النبي ﷺ في الإخلاص واليقين، وهكذا عمر ثم عثمان ثم علي، وهكذا بقية الصحابة تزخر كتب المصنفات والآثار بتاريخهم وسيرهم وأحوالهم، يزيد بعضهم على بعض في الإخلاص وينقص، حتى صارت أقوالهم موضع قدوة واحتجاج واقتداء، وكذلك تلقى التابعون وأصحاب القرون المفضلة الثلاثة من الصحابة الإخلاص لله تعالى، فدون التاريخ مآثر وأقوال ثلة كبيرة من الصالحين والمخلصين منهم، فأضحت أقوالهم منارات تنير الطريق، وحكماً تزيد في الإيمان لم يجعلوها في كتب ولا مصنفات، ولا في دواوين ولا مؤلفات، حفظها عنهم التلاميذ والأصحاب فخلدها التاريخ لصدقهم وإخلاصهم، أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والسفيانين وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، والنماذج من أقوالهم ومآثرهم التي خُلِّدت كثيرة جداً لا تكاد تحصى، ولكن أشير إلى بعض المواقف التي تدلنا على مدى إخلاصهم في أقوالهم وكتاباتهم، فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس يتكلم في تفسير القرآن وبيان معانيه أمام حشد من المتلقين، ولم يدونه في كتاب له، بل لم يكن التأليف عندهم معهوداً، فيقضي الله تعالى أن تدون أقوال هذا الحبر في كتب التفسير ثم تفرد في كتاب مستقل بعد قرون يحمل اسم (تفسير ابن عباس ﵁.
وموقف آخر يرويه ابن عساكر عن أبي سعيد ﵁، فقد روى عن عكرمة قال قال لي ابن عباس ولعلي ابنه انطلقا إلى أبي سعيد الخدري فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو في حائط له، فلما رآنا قام إلينا، فقال مرحبا بوصية رسول الله ﷺ ، ثم أنشأ يحدثنا، فلما رآنا نكتب قال لا تكتبوا واحفظوه كما كنا نحفظ ... ) (١)، ومع هذا النهي منه ﵁ فقد حفظت لنا السنة أحاديثه التي رواها، وتولى الله إبقاءها.
стр. 1134
وموقف ثالث من تلميذ نبيه لابن عباس وهو مجاهد كان يقول لأصحابه: ((لا تكتبوا عني كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث، ولعل كل شيء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً)) (١)، ويريد الله تعالى أن يبقي لهذا العالم أقواله وآراءه، مع نهيه عن الكتابة عنه، ولم يؤثر هذا النهي في نقل علمه.
وموقف رابع من أحد أتباع التابعين وهو الإمام مالك فقد أبقى الله لنا موطئه كما علمنا، كما أبقى لنا فقهه وعلمه وأقواله وأجوبته ظاهرة جلية في (المدونة) التي دونها تلاميذه وأشهرهم سحنون، ولم يكتبها في مصنف، وفي آخر جزء من المدونة لسحنون التعليق التالي: (كتبه ناسخ هذا الجزء: سمعت الكتاب, وكتبته بيدي, وسوف تبلى يدي ويبقى الكتاب) أهـ، وسبحان الله بليت اليد، وبقي الكتاب.
هذا الكتاب الذي يبقى لصاحبه ... ذكر يسار به في البدو والحضر
تَعَلَّمَنْ أنَّ الدواةَ والقلَمْ ... تَبقى ويُفْنِي حادثُ الدَّهر الغَنَمْ
وموقف خامس من الإمام الشافعي تلميذ مالك رواه ابن عساكر في تاريخه عن البويطي قال: قلت للشافعي: إنك تتعبنا في تأليف الكتب وتصنيفها والناس لا يلتفتون إليك ولا إلى تصنيفك! فقال لي: (إن هذا هو الحق والحق لا يضيع) (٢).
وقال الشافعي: (ألفت هذه الكتب ولم آل فيها ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب أو السنة فقد رجعت عنه) (٣).
وقال الربيع: دخلت عليه وهو مريض فذكر ما وضع من كتبه، فقال: لوددت أن الخلق تعلموا هذه الكتب ولم ينسب إلي منها شيء أبداً) (٤)، وقال مرة: (وددت أن كل علم تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني)، وهذه العبارات التي سطرها التاريخ تدلنا على المرتبة التي وصل إليها أولئك الأخفياء من الإخلاص حيث بلغوا منه المراتب العليا، حين تجردوا من حظوظ النفس ومبتغاها، فاستحقوا بعدها من عند الله ثمرة الذكر الحسن، والبقاء لكتبهم وأقوالهم بل ومذاهبهم وسيرهم، وهذه كتب الإمام الشافعي التي دونها بنفسه، أو دونها عنه تلاميذه باقية على مر العصور، وما كتابا الأم والرسالة عنا ببعيدين.
стр. 1135
وموقف سادس من الإمام أحمد ﵀ تلميذ الشافعي فقد كان يرفض مبدأ التصنيف والتأليف في الفقه تقديراً للكتاب والسنة، وكان يعتبر ذلك بدعة، وواضعها مبتدع (١)، ونهى أصحابه عن كتابة فتاويه، ويقول لهم: "خذوا من حيث أخذت"، ولم يؤثر عنه تأليف خاص من قوله إلا رسالة (الصلاة) ألفها لإمام مسجد رأى منه تقصيراً في الصلاة (٢)، قال ابن القيم: (ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتاباً في الفقه وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك)، ولم يكن لنهيه ﵀ تأثير على حفظ مذهبه وأقواله وأجوبته، فشرع أصحابه بتدوين المسائل التي أفتى بها، فهناك مسائل الإمام أحمد لأبي داود، وأخرى لابن أبي هانئ، وأخرى لابنه صالح، وأخرى لابنه عبد الله ... وأخرى، حتى نهيه عن الكتابة عنه حفظوه وبقي، فنفع الله بعلمه -الذي دونه أصحابه- الإسلام والمسلمين، وصارت أقواله مذهباً يذهب إليه طائفة كبيرة من العلماء، أبقاها الله تعالى لنا لإخلاص هذا الرجل وجهاده في ذات الله، وحاله في عجز البيت التالي:
إن تكتبوا نكتب وإن لا تكتبوا ... تأتيكم بمكانكم كتبي
بل لم يكتف التاريخ بتسطير أقواله، ولكن تُوج التاريخ بسيرته العطرة المليئة بالكفاح والجهاد بالحجة والبيان، والمليئة بالابتلاء والامتحان، بل وسطر التاريخ مشهد جنازته العظيمة التي صَدَقَ فيها مقولته الشهيرة، والتي أبقاها الله تعالى لنا على مدار التاريخ كما بقي علمه ومذهبه، وصارت مثلاً للعلماء لا ولن ينسى وهي: (بيننا وبينكم يوم الجنائز) (٣)؛ لعلمه أنه على الحق، ولصدقه مع ربه، وثقته به، وإخلاصه له، فحقق الله له مناه، وخلد ذكره، ونصر به السنة، واستحق لقباً لم يسبقه عليه أحد: (إمام أهل السنة)
قال ابن كثير معلقاً على مقولته تلك (وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يتلفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان ... ) (٤).
يا قائلاً قصُرَت في العلم نُهْيَتُهُ ... أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسِبُ
إنَّ الأوائل قد بانوا بعلمهم ... خلافَ قولِك قد بانوا وقدْ ذهبوا
ما ماتَ منا امرؤ أبقَى لنا أدباً ... نكون منه إذا ما مات نَكتِسبُ
стр. 1136
وهكذا بقية القرون التالية لم تخل من أولئك العلماء الأخفياء يدل على درجة إخلاصهم، شهرة كتبهم، وكثرة طباعتها، وقبول العالمين لها، أينما تتجه إلى بلد أو مكان تجد الكتاب، فهذا البخاري يصنف صحيحه الذي زاحم موطأ مالك ليبقى ذكره ليس بين العلماء فحسب بل بين العوام والصغار، ولا يزال العلماء من بعده يلهجون باسمه أو صحيحه في كتبهم، ودروسهم، ومحاضراتهم، وخطبهم، واجتماعاتهم، لا يكاد يخلو شيء منها من لفظة: (رواه البخاري في صحيحه، أو أخرجه البخاري، أو صححه البخاري، أو ضعفه البخاري ... )، ولذا لما علم ﵀ أثر الإخلاص وصلاح النية في بقاء الكتاب وقبوله لدى الناس صدر كتابه بحديث (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) فكان هذا الحديث أول حديث في كتابه مع غرابة إسناده كما هو مقرر في علم المصطلح، قال ابن بطال: "قال لي أبو القاسم المهلب بن أبي صفرة: وإنما قدم البخاري، ﵀، حديث"الأعمال بالنيات" في أول كتابه، ليعلم أنه قصد في تأليفه وجه الله، ، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيهًا لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخاري في تأليفه" (١).
قلت: ولعل هذا الملحظ انتبه له العالم المحقق أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) فصدر كتابه بهذا الحديث كصنيع البخاري، فانطبع إخلاصه في التأليف على الكتاب حتى رأينا من شأنه عجباً يندر له النظير، ليبقى هذا الكتاب شامخاً بين العلماء والعوام على حد سواء، بل لو قيل إن أشهر كتاب بين العوام اليوم هو رياض الصالحين لم يكن ذلك بعيداً، ولا يكاد يخلو مسجد من المساجد إلا وفيه "رياض الصالحين" تجده شامخاً في أحد الرفوف بجانب القرآن الكريم، وما من إمام مسجد إلا وقرأ على جماعته هذا الكتاب كله أو بعضه، وقد طبع آلاف الطبعات، حتى قيل: (ما من دار نشر إسلامية إلا وطبعت هذا الكتاب).
وتستمر سلسلة عجائب الإخلاص في التأليف والكتابة بعد أولئك الأخفياء ليرينا التاريخ أعاجيب أخرى فجر فيها الإخلاص كل القيود ووسائل الحصار والتضييق على التأليف، فهذا أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ يسجن ويمنع من نشر علمه الغزير بين العالمين، ويمنع عنه في سجنه المداد والكاغد.
ويشاء الله أن يخرج علم ذلك الجبل من خلف كل تلك السدود، ليحفل الإسلام والمسلمين ببحور من العلم في فتاويه التي كتبها في سجنه، لتجمع بعده في قرون ويطلق عليها: (مجموع فتاوى ابن تيمية) ما من عالم أو طالب علم إلا وفي مكتبته نسخة منه، وصار مجموعه مورداً عذباً للفقهاء والأصوليين والمحدثين وعلماء العقيدة ... وكل الباحثين، والدعاة والمربين، قد ضرب في كل فن وعلم وباب بسهام كثيرة ..
стр. 1137
وأصبحت آراؤه وتقريراته وتحقيقتها هي المعتمدة عند كثير من العلماء من بعده حتى إنه ما من عالم أو طالب أو باحث إلا ويحرص أن يضمن رأيه أو مقاله أو بحثه أو فتواه بشيء مما سطره ابن تيمية في فتاويه المجموعة، ومن حقنا أن نضمن هذا المقال بشيء مما قاله في هذا المجال، حيث كان من مقوله المتكرر في خمسة مواضع من مجموع الفتاوى وبعض كتبه: (ما لا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم) (١)، وقال في درء تعارض العقل والنقل نحوه: (وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه، فما لا يكون به لا يكون فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما لا يكون له لايصلح ولا ينفع ولا يدوم) (٢)، وهي قريبة من عبارة مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، وقد شاء الله تعالى لفتاويه وأقواله- وهي من أعماله- أن ينتفع بها العباد في سائر العلوم، وتصلح وتدوم، كما بقيت ودامت كتب وأقوال من سبقه بإذن الحي القيوم.
وعلى هذا النهج سار تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية فصار لا يُذكر ابن تيمية إلا ويذكر بعده، فابن القيم معطوف، وشيخه معطوف عليه، وبينهما حرف عطف، نفع الله بعلومهما وكتبهما، واشتركا في كثير من العلوم والمعاني كما اشتركا في العطف والخفض والنصب والرفع والجزم، ومن بعد فلا عجب أن تجدهما يتفقان في بعض المعاني بل والعبارات والألفاظ، ومنها العبارة السابقة الذكر حيث يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولا صلاح له - أي العمل- إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه: هو الله وحده، كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه وخالقه، فوجوده بالله وحده وكماله أن يكون لله وحده، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع ولايدوم). كما قال شيخه ﵀، ولا أدري هل نقل العبارة منه، أو هو من توارد الأفكار وهو غير بعيد، ووارد عند كثير من العلماء.
وتسير قافلة الكتب المخلصة تمخر عباب بحر الشبهات والشهوات لتقف في كل قرن وتحمل معها نتاج علم العلماء شاءوا أم أبوا ممن أراد الله بقاء علمهم وكتبهم، وفي القرن الثاني عشر تقف القافلة لتحمل معها كتيباً صغير الحجم، عظيم القدر، كتب الله فيه النفع العظيم، وشاء له البقاء، وشاء لغيره مما خالفه الزوال والفناء، كيف لايبقى وقد اجتمعت فيه عوامل البقاء ظاهرة من إخلاص لله تعالى في الهدف والمنهج والتأليف والدعوة، والحرص على نفع العباد وتصحيح عقيدة التوحيد، وتصفيتها عما يشوبها من الشرك والتنديد، كيف لايبقى ولا ينتفع به والحاجة الماسة لمثله في وقته قائمة على أشدها، كيف لا يبقى وقد بناه على الكتاب والسنة، والحرص على نصح الأمة، ولم يبنه على قواعد المنطق ومصطلحات المتكلمين التي خطؤها أكثر من صوابها، إنه (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ألَّفه في بيان توحيد الألوهية الذي هو إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، والبراءة من ذلك، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر، أو ينقص كماله الواجب أو المستحب من الشرك الأصغر، وقسم الكتيب إلى أبواب، وأورد في كل باب ما يشهد له من الآيات والأحاديث، فهو مبني على الكتاب والسنة: قال الله، قال رسوله، كما قال الشاعر:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه
стр. 1138
ولم يورد الشيخ ﵀ في هذا الكتاب إلاَّ ما صح من الأحاديث، أو كان حسن الإسناد، أو هو ضعيف الإسناد، وله شواهد تقوّيه أو هو داخل تحت أصل عام يشهد له الكتاب والسنة، مما ترجم له الشيخ في أبواب الكتاب (١).
ثم إن الشيخ ﵀ ذكر في آخر كل باب ما يستفاد من الآيات والأحاديث التي أوردها فيه من مسائل العقيدة؛ مما يعتبر فقهاً لنصوص الباب، بحيث يخرج القارئ بحصيلة علمية جيدة من كل باب، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد الذي هو شرح لكتاب التوحيد: (قد جاء- أي كتاب التوحيد- بديعاً في معناه من بيان التوحيد ببراهينه، وجمع جملا من أدلته لإيضاحه وتبيينه، فصار علماً للموحدين، وحجة على الملحدين، فانتفع به الخلق الكثير، والجم الغفير، فإن هذا الإمام ﵀ في مبدأ منشئه قد شرح الله صدره للحق المبين، الذي بعث الله به المرسلين: من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما كان عليه الكثير من شرك المشركين، فأعلى الله همته، وقوى عزيمته ... ) (٢) الخ، وقال الشيخ ابن قاسم في حاشيته على كتاب التوحيد (وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود، قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرا ... يكفي أخا اللب إيضاحاً وتبيانا
فيه البيان لتوحيد الإله بما ... قد يفعل العبد للطاعات إيمانا
حباً وخوفاً وتعظيماً له ورجا ... وخشيةً منه للرحمن إذعانا
وغير ذلك مما كان يفعله ... لله من طاعة سراً وإعلانا
وفيه توحيدنا رب العباد بما ... قد يفعل الله إحكاما وإتقانا
وفيه توحيدنا الرحمن أن له ... صفات مجد وأسماء لمولانا
وفيه تبيان إشراك يناقضه ... بل ما ينافيه من كفران من خانا
أو كان يقدح في التوحيد من بدع ... شنعاء أحدثها من كان فتانا
أو المعاصي التي تزري بفاعلها ... مما ينقص توحيداً وإيمانا
فساق أنواع توحيد الإله كما ... قد كان يعرفه من كان يقظانا
وساق فيه الذي قد كان ينقصه ... لتعرف الحق بالأضداد إمعانا
مضمناً كل باب من تراجمه ... من النصوص أحاديثاً وقرآنا
الشيخ ضمنه ما يطمئن له ... قلب الموحد إيضاحاً وتبيانا
فاشدد يديك بهذا الأصل معتصماً ... يورثك فيما سواه الله عرفانا
وانظر بقلبك في مبنى تراجمه ... تلقى هنالك للتحقيق عنوانا
وللمسائل فانظر تلقها حكماً ... يزداد منهن أهل العلم إتقانا
وقل جزى الله شيخ المسلمين كما ... قد شاد للملة السمحاء أركانا
وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى:
وألف في التوحيد أوجز نبذة ... بها قد هدى الرحمن للحق من هُدِي
نصوصاً من القرآن تشفي من العمى ... وكل حديث للأئمة مسندِ
ومن استقرأه علم ذلك) (٣) أ. هـ
وقد تصدى العلماء وطلاب العلم من بعده لشرحه، وصار طلاب العلم يحفظونه، بل وتقام المسابقات للصغار والكبار على حفظه، ورصدت لذلك الجوائز.
стр. 1139
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في كتابه إعانة المستفيد الذي هو أيضاً من شروح كتاب التوحيد: "وأما (كتاب التّوحيد) فهو من أعظم مؤلفات الإمام المجدد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ... ولقد نفع الله بهذا الكتاب، وصار الطلاب يحفظونه، والعلماء يشرحونه ويوضحونه ... نسأل الله أن يكتب الاستمرار لنفع هذا الكتاب في الأجيال اللاحقة، كما انتفعت به الأجيال السابقة" (١)، ولأجل ذلك تسابقت الكثير من دور النشر على طباعته، وتسابق أهل الخير والجود بتحمل نفقات طباعته ونشره، وتسابقت الجمعيات الخيرية على توزيعه على الناس في مواسم الحج، فطبعت منه آلاف بل ملايين النسخ، وماكان لله بقي ونفع الله به.
وسار أبناء الشيخ وأئمة الدعوة بعده على هذا النهج، ونفع الله بهم وبفتاويهم ورسائلهم التي دونت وجمعت بعدهم لم تكن لتبقى لولا إرادة الواحد الأحد.
ويلمع منهم ذلك الحفيد الشيخ محمد بن إبراهيم وسلك نهج أجداده في الدعوة إلى التوحيد، والنصح الأمة رغم تقلده وتحمله لعشرات الوظائف العظيمة الثقيلة في الدولة، من الإفتاء، والقضاء، والتعليم العالي (جامعة الإمام والجامعة الإسلامية)، وتعليم البنات، وغيرها من الوظائف التي قسمت الآن على أكثر من رجل بمرتبة وزير، فقيّض الله له من طلابه البررة من جمع له فتاويه ورسائله في مجموع بلغ ١٣ مجلدا، وسميت: (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم) وسارت به الركبان، وطارت شهرته بخوافي النسور وقوادم العقبان، وهي فتاوى ورسائل مباركة انتفع به العلماء والقضاة وطلاب العلم إلى هذا اليوم، وله شروح وحواشي على عدد من الكتب.
وتستمر القافلة في المسير لنشاهدها في زماننا هذا تُركب معها نتاج ثلة من علمائنا المخلصين أمثال الشيخ العلامة الزاهد عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي أنار درب السائلين، في برنامج: "نور على الدرب" لتجمع تلك الأنوار فتضيء لنا فتاويه وأقواله المجموعة الطريق، ولم يكن ليسطرها بيده مع كف بصره، ولكن بفضل الإخلاص لله تعالى، وبذل العلم والوقت للمسلمين، والحرص على هداية العالمين يقيض الله له من يدونها عنه ويراجعها ويحققها، ويخرج أحاديثها ويدققها.
وغير بعيد عنه صنوه وتلميذه الفقيه الذي أمتع الأمة والفقهاء بفقهه وعلمه، يلقي الدرس، وجل همه تعليم طلابه العلم وتفهيمهم بكل تجرد وإخلاص، فتكون دروسه المسجلة بعد سنين، كتباً ينهل منها كل طلاب العلم الراغبين، وما كتابه "الشرح الممتع على زاد المستقنع" الذي أثنى عليه كبار أهل العلم إلا أثراً من آثار الإخلاص لله تعالى، وأصبح علم هذين العلمين "ابن باز وابن عثيمين" وآرائهما موضع راحة واطمئنان للعامة والخاصة كما غدت أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمة الله على الجميع.
وإن نَسِيت القافلة أن تقل أحداً على مر التاريخ فلن ولم تنس الإمام المحدث خادم السنة وناصرها، محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه الذي قدم مشروعاً للأمة منقطع النظير، حين أقبل على كتب السنة يحققها، ويبين الصحيح من العليل، في "سلسلة"، فيروي بعدها الغليل، في "إرواء الغليل"، ويدون التحقيق والتصحيح والتضعيف في كتبه لتبقى بعده تنطق باسمه، ويلهج طلاب العلم برأيه"صححه الألباني، وحسنه الألباني، وضعفه الألباني ... ) كما نطقوا باسم البخاري وغيره من قبل، ولله في خلقه شؤون.
стр. 1140
تلك بعض نماذج من كتب أهل العلم وأقوالهم العلمية، والتي حملتها القافلة وأبقاها لنا التاريخ، ونفع الله بها الأمة، لم نرم من ورءاها الحصر، ولم نقصد القصر، وإلا فالتاريخ الماضي والحاضر مليء بالنماذج الجديرة بالذكر، ولكن شهرة تلك النماذج وقبولها لدى الناس تستوقف المتأمل، وتثير العجب، ومن رام لعلمه البقاء فليكن لله، وأجدها فرصة أن ألخص أبرز عوامل ذلك البقاء، نستوحيها من أقوال أولئك الأخفياء، ووجود كتبهم إلى يومنا هذا، ومنها:
أولاً: الإخلاص لله في التأليف والفتوى، فإنما الأعمال بالنيات، وفيما سبق من التقرير، كفاية عن التكرار، ومن روائع تعليقات وتوقيعات ابن القيم في إعلام الموقعين ما سطره بعد نقله لكلام الإمام أحمد ﵀ حين قال: (قال -أي الإمام أحمد- لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس، الخامسة: معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه) ثم بين بعد ذلك منزلة النية من الفتوى فقال: (فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم بين مريد الفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفاً أو طمعاً، فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب، هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فالله المستعان، وقد جرت عادة الله التي لا تُبدل، وسنته التي لا تحول أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبِغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء ... ) (١) إلخ.
ثانياً: أن يكون التأليف فيما الناس بحاجة ماسة إليه، تُحل فيه بعض الإشكالات، أو تبين من خلاله الأخطاء والضلالات، أو تقرر فيه ما يخشى اندراسه من أولى المهمات، كتقرير التوحيد وتصحيح العقيدة، وهذا من أهم عوامل قبول الناس لـ (كتاب التوحيد)، علاوة على الإخلاص.
ثالثاً: بناء المؤُلَّف على الكتاب والسنة، بمفهوم سلف الأمة، وعلى حسب ما يقرره أهل التحقيق من أهل العلم، وكل كتاب أو فتوى لا تُضَمّن فيهما الكتاب والسنة، ولا يبنى على القواعد الشرعية، والأصول المرعية فهو خل وبقل (٢).
قال ابن تيمية ﵀: (فدين المسلمين مبني على إتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي عليها ويعادي غير النبي ﷺ وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون) (٣) أ. هـ، ونقل ابن تيمية عن الجنيد: (علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن).
هذا هو الإخلاص وأثره على بقاء الذكر، وظهور ثمرة علم العالم، وهو مطلوب شرعاً في كل عمل وليس في التأليف والفتوى وطلب العلم فحسب، وإنما خصصت الحديث عن الإخلاص في التأليف والفتوى والدعوة وطلب العلم حثاً لطلاب العلم والعلماء عليه، ولتذكير كل مؤلِّف به إن رام لمؤلفه وعلمه النفع والبقاء، وهو عنوان هذا المقال؛ إذ هم من أحوج الناس إليه، ولم نقصد بالمقال تتبع أثر الإخلاص في كل عمل صالح سوى التأليف، فإن هذا مما يعجز الحال والوقت من استيعابه، والنماذج فيه قد لا تنحصر، وله وقفة خاصة مستقلة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1141
وجهة نظر مختلفة حول موقف (أردوغان)
بندر بن عبدالله الشويقي
أما أنه موقف مشرف، فنعم، وألف نعم. فالصهاينة ومن وراءهم لم يعتادوا أن يقابلهم أحدٌ في محفلٍ رسمي بمثل تلك اللغة المشبعة بمعاني العزة والأنفة. فهم لا يعرفون من جهتنا سوى خطابات الاستجداء الذليلة الخانعة التي فضحتها غضبة (أردوغان) المضَرية. غير أن هذه الغضبة ما لم يقارنها فعلٌ يناسبها فسوف تبقى مجردَ ذكرى جميلةٍ تشبه ذكرى حذاء منتظر الزيدي.
هل هذا الكلام تقليلٌ من موقف الزعيم التركي؟ بالتأكيد لا ..
فموقف (أردوغان) سوف يبقى علامةً فارقةً في لغة الخطاب مع الصهاينة. غير أني مع فرحي بمنظر (بيريز) الذليل أمام هبة (أردوغان)، إلا أني أعجز عن تجاهل الموقف التركي المعلَن من دولة اليهود، فأرجع لأقول: إن نشوتنا بموقف (أردوغان) إن طغت على عقولنا، وتجاوزنا بها حجمها الحقيقي، فسوف تنسينا حقيقةَ أن تركيا لاعبٌ رئيسٌ في مسيرة التطبيع مع اليهود التي انخرطت فيها جميع دول المنطقة بلا استثناء.
الدولة التركية لديها علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية معلنة مع اليهود، وقد سبق للأمريكيين ترشيح حكومة (أردوغان) للاضطلاع بمهمة إقامة شرق أوسط جديد وأنموذج إسلامي معتدل كما صرح بذلك مهبط الأحذية (جورج بوش)، وكما نشرته صحيفة (يني شفق) التركية القريبة من حزب العدالة. والمبادرة العربية الرجيمة تحظى بتأييد ومباركة كاملين من حكومة (أردوغان).
و (عبدالله غل) وزير الخارجية التركي الأسبق -والرئيس الحالي- سبق أن صرحَ لقناة الجزيرة، بأن حكومته تقوم بجهود وساطةٍ من أجل تطبيع العلاقات بين باكستان وإسرائيل، وفي مناسبة أخرى ذكر للقناة نفسها أن حكومته تقوم -أيضاً- بدور الوساطة للتطبيع بين إسرائيل وسوريا.
وهذه المواقف تتسق تماماً مع الموقف والنهج الذي يتعامل به حزب العدالة مع الوضع الداخلي التركي، والمبني على الخضوع الكامل للشرط العلماني الذي يحرسه الجيش، وتجاوز جميع الخطوط الحمراء، مقابل السماح للحزب بالبقاء في سدة السلطة. وهو المسلك الذي يوصف بأنه نهجٌ واقعي ذكي.
لست هنا بصدد تقييم الموقف الداخلي للحزب، فتلك تجربة ربما لم يحن الوقت بعد لتقييمها تقييماً موضوعياً. لكن الحديث هنا إنما هو عن سياسة الحزب الخارجية. فتركيا اليومَ ضيفٌ جديدٌ على القضية الفلسطينية، وهي في تعاملها مع القضية، لا تجر وراءها ذاك التاريخ الطويل للصراع الدامي في المنطقة الذي لم تكن طرفاً مباشراً فيه، وساستها لا يعانون ما تعانيه الحكومات العربية فيما يتعلق بالرفض الشعبي الواسع لمبدأ التطبيع مع اليهود. ذلك الموقف الذي يجبر الساسة العرب على سلوك طرق التمويه والتغطية قبل الإعلان الصريح عن تطبيع العلاقات رسمياً.
كل هذا مما لا وجودَ له في الحسابات التركية. وإذا أضيفَ لذلك كون تركيا عضواً في حلف الشمال الأطلسي، واستماتتها في سبيل الانضمام للاتحاد الأوربي، وحرصها على غض الطرف الأمريكي عن تدخلها المستمر في شمالي العراق، والسماح لها بالدخول لمطاردة الأكراد متى أرادت. فهذه العوامل مجتمعة مما يرشح الحكومة التركية للقيام بدور مأذون عقد النكاح الذي يرادُ إكماله بين اليهود والعرب.
ما أقصده من هذا الكلام أن الذي يؤمن باستمرار خيار المقاومة، ويرفض مبدأ التطبيع مع اليهود عليه ألا يصفق لموقف (أردوغان) أكثر مما يجب، وألا يستغرق في موقفٍ عابرٍ يلهيه عن الصورة الأكبر. وقد صفق العرب طويلاً لحرب (١٩٧٣م)، فلم ينقطع تصفيقهم إلا على خبر زيارة السادات لدولة اليهود، ثم توقيعه لمعاهدة الذل والخيانة.
стр. 1142
ونحن اليومَ مهما طربنا وصفقنا لموقعة (دافوس) الكلامية، يجب ألا ننسى أن موقف الحكومة التركية على المدى البعيد من القضية الفلسطينية ومن الصراع مع اليهود، لا يختلف عن موقف الآخرين، وهو موقفٌ لا يسير أبداً في صالح خيار المقاومة. فالسياسة التركية تدفع باتجاه التطبيع، وهي الغاية التي يستميت اليهود في الحصول عليها، كما أنها الورقة الوحيدة المتبقية بأيدي بني يعرب، بعد تسليمهم بالعجز عن الحسم العسكري.
ومن نافلة القول أن الثمرة المباشرة للتطبيع بين اليهود ودول المنطقة ستكون خنق المقاومة في الداخل الفلسطيني. وحين تسعى تركيا للوساطة في عمليات التطبيع، فهي في الواقع تحقق المزيد من التضييق على المقاومة الفلسطينية. وموقف الحكومة المصرية في الأزمة الأخيرة، لم يكن سوى نتيجة متوقعة لتطبيعها العلاقات مع الصهاينة. فالتطبيع ودعم المقاومة نقيضان لا يجتمعان.
وعليه فإن موقف تركيا ومنهج حماس إن التقيا اليومَ، فمن المفترض أنهما في النهاية سوف يصطدمان، ما لم يتزعزع أحدهما عن مبدئه. فحال تركيا مع حماس، سيكون في المآل كحالِ حماسٍ مع سائر دول المنطقة التي اختارت الدخول في الاتفاقيات ومفاوضات السلام الماراثونية التي لا يكسب فيها سوى المتسابق الصهيوني.
والذي يراقب ما يجري الآن، يرى جهوداً حثيثة تبذل لاستثمار دمار غزة في سبيل الدفع بحماس نحو خيار السلام، والتساؤل الذي أتوقع أن يبرز قريباً: ماذا لو خضعت حماس وسائر الفلسطينيين لشروط اللعبة، وتخلوا عن خيار المقاومة الذي يضغط الجميع باتجاهه؟
قد يبرز هذا السؤال قريباً لدى المعتنين بالشأن الفلسطيني. وأياً كان الجواب عنه، فيجب ألا نحمل الفلسطينيين أكثر مما يطيقون. فإن اختاروا الثباتَ على الجهاد والاستمرار في خيار المقاومة فدعمهم والوقوف معهم متعين. ومن عجز عن دعمهم، فلا عذر له في التآمر عليهم أو المشاركة في حربهم. بل ليس له الحق في لومهم لو مدوا أيديهم لقبول المال الإيراني .. لكن إن رأت فصائل المقاومة أن المصلحة الآن في الكف وإلقاء السلاح، فيجب ألا نكلفهم فوق ما يطيقون، فقد أدوا الكثير مما عجز عنه غيرهم. لكن إلقاء السلاح شيء، ومد الأيدي للصهاينة شيء آخر.
المصدر: موقع شبكة نور الإسلام
стр. 1143
الانتصار لمنهج أهل السنة والجماعة
بقلم منصور بن حمد العيدي
قرأه وراجعه
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
فإن من المعلوم من الدين بالضرورة أن الله وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن هم قاموا بشرعه ونصروا دينه قال تعالى: ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)).
وإن القيام بشرع الله ليعظم أمره، ويجل فضله في أوقات غربة الدين وتسلط أعدائه عليه.
ولا يخفى على أحد ما يتعرض له دين الله تعالى في هذه السنوات الأخيرة من هجمة شرسة من أطراف متعددة داخلية وخارجية، الأمر الذي يستوجب من حملة المنهج الحق المبادرة الجادة، والعمل الدؤوب لصد هذه الهجمة على أعقابها؛ إعلاء لكلمة الله واقتداء بهدي المرسلين وابراء للذمة.
ومن هذا المنطلق قمت بإعداد هذه الورقة المختصرة أذكر فيها جملة من القضايا والموضوعات التي ينبغي تسليط الضوء عليها على وفق منهج أهل السنة والجماعة عن طريق الدروس والمحاضرات والكتب والمؤلفات، والمساهمة في الصحف والمجلات والمنتديات، وكتابة الرسائل العلمية، وإنشاء مراكز علمية ومواقع على الإنترنت، مرورا بالمناصحة مع العلماء والمسئولين، وفضح العلمانيين والمنافقين، ورصد أقوال المنحرفين والمخالفين إلى غير ذلك من وسائل وأساليب الغرض منها تحقيق هذا المقصد العظيم.
ورغبة في مزيد من الإيضاح تم وضع إضاءات وإشارات مختصرة تحت كل عنوان ينبغي التركيز عليها في المقام الأول.
وقد قسمت هذه الورقة إلى أربعة أقسام:
الأول: العقيدة والمنهج.
الثاني: المصطلحات.
الثالث: المرأة.
الرابع: موضوعات متفرقة.
أولا: العقيدة والمنهج:
جُمِع تحت هذا العنوان الموضوعات التي تتعلق بشكل مباشر بعقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة.
١ - مفهوم الغلو:
يكثر في الآونة الأخيرة نسبة الغلو إلى منهج أهل السنة فيتعين على أتباع هذا المنهج أن يبرزوا الطبيعة المعتدلة لهذا الدين بين الأديان ولهذا المنهج بين المناهج المبتدعة، وفي المقابل عليهم أن يظهروا صور الغلو عند اليهود والنصارى وعند أهل البدع والمنحرفين.
٢ - التكفير والخوارج:
التكفير باب من أبواب العقيدة يراعى فيه الضوابط الشرعية، ولا يكون دين لا تكفير فيه، مع التحذير من التوسع في إطلاق التكفير والتحذير من بدعة الإرجاء التي تقصر التكفير على الاستحلال، وينبغي تحرير الفرق بين التكفير عند أهل السنة والجماعة والتكفير عند الخوارج.
٣ - نواقض الإسلام:
ينبغي أن يبين للناس أن للإسلام نواقض تخرج منه منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، مع التذكير بما استجد من الصور المعاصرة لها.
٤ - الولاء والبراء والجوانب العملية لهما:
ترسيخ هذا المفهوم العقدي في نفوس الناس مع بيان من يكون له الولاء الكامل أو البراء الكامل ومن يجتمع في حقه ولاء وبراء, وبيان ما يترتب عليهما من أحكام شرعية، وتفنيد الشبه التي تثار حول هذه العقيدة.
٥ - العلاقة مع الكفار:
ينبغي توضيح وجوب عداوة الكفار وبغضهم، وأن العداوة غير الاعتداء، وأنه لا يتنافى مع العدل معهم، ولا الإحسان إلى غير الحربي منهم، مع الحرص على دعوتهم للإسلام.
٦ - العلاقة مع أهل البدع:
يجتمع في المبتدع ولاء وبراء فتبذل له حقوق الإسلام ويحرص على دعوته، ويحذر منه ومن بدعته، ولا يمكَّن له ولا يعلى من شأنه، وأما من أظهر بدعة كفرية فهذا له شأن آخر.
٧ - عداوة الكفار لأهل الإسلام:
стр. 1144
لا يزال الكفار في قتال وعداوة لأهل الإسلام وأتباع المنهج الحق وما الحملة الصليبية المعلنة إلا شاهد على ذلك، فيؤكد على أن عداوتهم دينية، وأنهم لن يرضوا عن المسلمين حتى يتبعوا ملتهم.
٨ - مظاهرة المشركين على المسلمين:
ينبغي توضيح خطورة مظاهرة المشركين على المسلمين وأنها من نواقض الإسلام كما نص على ذلك العلماء.
٩ - الثوابت والمتغيرات:
تسمع دعاوى كثيرة تلغي وصف الثبوت عن الشريعة، وأخرى تدعي احترام الثابت وهي في الحقيقة تنفي عن أكثر الثوابت هذا الوصف فيتعين إبراز الثوابت والذب عنها وإيضاح معنى الثابت والمتغير.
١ ٠ - مظاهر الشرك والبدعة:
للشرك والبدعة مظاهرهما التي لابد أن تبين ويحذر الناس منها ويرد على دعاتها.
١ ١ - مصدر التلقي ومنهج الاستدلال:
توضح هنا مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة مع التمييز بين المصادر الأصلية والفرعية ويوضح أيضا منهجهم في الاستدلال، وموقفهم من العقل، كما يبين أن أهل السنة يعطون النص حظه من الدلالة دون غلو ولا تقصير، ويُركز على مكانة فهم السلف لمعاني النصوص، مع كشف مصادر التلقي عند أهل الأهواء والبدع.
ثانيا: المصطلحات.
الحديث هنا عن مصطلحات متداولة ينبغي تحريرها وتبيين موقف الشرع منها، مع التنبه لطبيعتها المجملة غالباً، وعلى دعاة الحق التنبه لشََرَك مثل هذه المصطلحات.
١ - الاعتدال:
لابد من توضيح هذا المصطلح على قاعدة أن الاعتدال ما وافق الشرع، وأن مخالفة الشرع إما غلو وإما جفاء كلٌ بحسبه، ومن المهم التنبيه هنا على مصطلح الوسطية، وأن لها تعريفا شرعيا، مع بيان أحق الناس بوصف الاعتدال والوسطية، مع التحذير من الاستخدام السيء لهذا المصطلح.
٢ - الوحدة الإنسانية:
يبين هنا أن الوحدة المطلوبة شرعا هي الوحدة الإسلامية على أساس اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وأن أي دعوى توحيد أو تقريب تخالف هذا الطرح غير مقبولة؛ لأنها تتضمن هدما لأصول الإسلام سواء أكان تقريباً بين الأديان أو تقريباً بين الفرق.
٣ - السلم المدني:
هذا المصطلح المتضمن لدعاوى التعايش والتسامح يحمل في طياته معان صحيحة وأخرى فاسدة فلا يعطى حكماً واحداً بل لكل معنى حكمه الخاص به، وينبه في هذا السياق على ما يسمى بالسلام العالمي وأنه دعوى مستحيلة الحدوث تحت مظلة الحضارة الغربية التي قامت على الاعتداء ونهب خيرات الشعوب المستضعفة فهم أكثر من يطلقه وأكثر من يخالفه.
٤ - الحرية:
الحرية حق مكفول لكل أحد بضوابطه الشرعية، ويؤكد هنا على زيف دعاوى الحرية عند الغرب وأشباههم, وعلى أن الحرية المنفلتة جرَّت على البشرية ألواناً من العذاب والمعاناة.
٥ - اليسر والسهولة:
يكثر في الآونة الأخيرة التميع في الفتوى وتجميع الرخص بزعم التيسير ورفع الحرج فيبين هنا الفرق بين الأمرين، ويوضح هذا المصطلح الشرعي على وجه يمنع الاستخدام السيئ له المقتضي للتفلت من الشرع.
٦ - الأصولية والتطرف
ينبز دعاة الحق بمثل هذه المصطلحات, فلا بد من إبراز المعيار الذي يعرف به التطرف في الشرع, ولابد من ذكر صور التطرف عند المخالفين, والتنبيه على أن التطرف قد يكون جفاء الأمر الذي يقع فيه عامة من يتهم المتدينين به, ويؤكد هنا على الأصل الغربي لكلمة الأصولية وخطأ إسقاط هذا المصطلح على أهل التدين.
٧ - العلمانية والليبرالية
مصطلحان متقاربان يمثلان مفاهيم غربية يراد فرضها على المسلمين، وهي مخالفة للإسلام، مقتضية لردة صاحبها،
وحيث إن أصحابها يطرحون شبهات فلا بد من العناية بالرد عليها.
٨ - الديمقراطية:
стр. 1145
أسلوب غربي في الحكم يراد تعميمه على كل المجتمعات بزعم أنه الأصلح للبشرية، فلابد من بيان كونه جاهلية معاصرة، وعلى أن الجوانب الحسنة فيه موجودة في الشرع، مع التأكيد على أن السيادة هي للشريعة الإسلامية، وأن نقد الديمقراطية لا يعني الثناء على أساليب التعسف والظلم في الحكم.
ثالثا: المرأة:
من أبرز ميادين المعركة بين الحق والباطل المرأة فالكفرة يعتقدون أنها أقوى وأسرع طريق لإفساد المسلمين, وأهل الإسلام يعتقدون أن في صلاح المرأة صلاح المجتمع، وفي الميدان ليبراليون ماجنون يريدون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فكان لزاماً إبراز منهج السلف الصالح تجاه قضايا المرأة وعدم الاقتصار على الوقوف موقف المدافع.
١ - عمل المرأة:
يبين أن الأصل قرار المرأة في بيتها، وأن خروجها للعمل لابد أن يراعى فيه الضوابط الشرعية مع بيان ما تعانيه المرأة العاملة لاسيما في بلاد الغرب، مع إظهار مقصد أعداء الدين من خروج المرأة، والحرص على رد الشبهات حول عمل المرأة.
٢ - حقوق المرأة وتكريم الإسلام لها:
لابد من إبراز مظاهر تكريم الإسلام للمرأة والحقوق الشرعية لها، وبيان إهانة المجتمعات الغربية لها كما يوضح أن كثيرا مما يدَّعى أنه من حقوق المرأة ليس كذلك مما يفهم معه خطورة ما في هذه العبارة من إجمال.
٣ - ظلم المرأة:
جاء الإسلام ليرفع الظلم عن المرأة، فيحسن بأصحاب المنهج الحق أن لايقفوا موقف المدافع عنه لكثرة ما يتهم به من ظلم لها فعليهم بالمقابل ذكر صور ظلم المرأة عند دعاة التحرير وفي بلاد الغرب.
٤ - دور المرأة في المجتمع:
على دعاة الحق بيان دور المرأة الواسع في إطاره الشرعي في مجتمعها وأنها بتطبيقه ليست معطلة عن العمل، وعليهم بيان المقاصد السيئة لمن يزعم أن المرأة نصف المجتمع المعطل.
٥ - المرأة والولايات العامة:
يُوضح الحكم الشرعي لتولي المرأة الولاية العامة، كما يرد على الشبهات التي تثار حول هذه القضية مع التأكيد على خطورة التقليد الأعمى للغرب.
٦ - تحرير المرأة:
لابد من إيضاح المقاصد من هذه الدعوى وأن ما يسمى بتحرير المرأة لم يساهم أبدا في النهضة الحضارية، وأن التحرير دعوى مرفوضة لأنها لم تُستعبد أصلا حتى يُدعى لتحريرها ..
٧ - حجاب المرأة:
يؤكد على أهمية الحجاب والحياء للمرأة، والتحذير من دعاة السفور، والتأكيد على خطر الموضة على المرأة المسلمة، وعلى أهمية تميزها ظاهراً وباطناً، مع تفنيد الشبهات التي تثار حول الحجاب، وأنه لا يتنافى مع حريتها الشخصية.
٨ - قيادة المرأة للسيارة:
لابد لأصحاب المنهج الحق من بيان الآثار السلبية لمثل هذا الأمر، وإبراز فتاوى العلماء في هذا الباب، والرد على كافة الشبهات، ولفت النظر إلى أنه الحاجز الذي بكسره يتم تغريب المرأة.
رابعًا: موضوعات متفرقة:
١ - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
من مظاهر الطعن في منهج أهل السنة والجماعة الكلام على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب همزاً ولمزاً، وإثارة الشكوك والشبهات حولها، الأمر الذي يستوجب التصدي لمثل هذه الطعون وتفنيد الشبهات، وتقرير أصول هذه الدعوة وبيان وسطيتها ومراعاتها للمصالح والمفاسد، مع تحذير الأخيار أن يكونوا أداة للطعن فيها.
٢ - الحسبة:
ينبغي إحياء هذه الشعيرة في نفوس الناس، وإعانة أهل الحسبة مع بيان الآثار الإيجابية لهم في صيانة المجتمع، وأن خطأ المحتسب كخطأ غيره من أفراد المؤسسات الأخرى ولا يعود هذا الخطأ على أصل هذه الشعيرة بالنقض، وذلك على فرض صحة وقوع هذه الأخطاء وإلا فإن أكثرها أباطيل وأكاذيب.
٣ - الحوار:
стр. 1146
مع تزايد المطالبات بالحوار من مختلف التيارات، ينبغي التأكيد على أن يكون المقصود منه الوصول إلى الحق بالحجة والبرهان، مع إجراء قاعدة المصالح والمفاسد في هذا الباب، والتنبيه على أن الحوار وسيلة كغيره فلا يطغى على غيره من الوسائل فيلغيها.
٤ - سد الذرائع:
التأكيد على شرعية هذه القاعدة واتفاق الفقهاء عليها وعلى أثرها في تحجيم الفساد، وأنه لا سبيل إلى إلغائها أو التضييق عليها متى ما طبق بضوابطه الشرعية، وأن الطعن فيها ومحاولة تجاوزها مؤذن بفساد عريض، كما يجب الرد على كافة الشبهات المثارة في وجه هذه القاعدة أو على تطبيقاتها الصحيحة في الواقع.
٥ - الجهاد والإرهاب:
يؤكد على أن الجهاد من ثوابت الدين، وأنه جهادان دفع وطلب، مع بيان المشروع منه وما أدخل فيه خطأ أو ظلماً، ويحسن في هذا السياق الإشارة إلى ما تمارسه قوى الكفر في العالم ضد الإسلام وأهله وبيان من هو الجدير بوصف الإرهاب المذموم، ولابد من التفريق بين مفهوم الإرهاب في الشرع ومفهومه عند الغرب الذي هو ترجمة خاطئة للكلمة الإنجليزية ( Terrorism) وترجمتها الصحيحة التخويف بغير حق.
٦ - مناهج التعليم:
صد الهجمة الشرسة على مناهج التعليم الشرعية بحجة أنها تغذي الغلو والتكفير والإرهاب، ببيان أن ما اشتملت عليه من أصول وثوابت، ورد مختلف الشبهات عنها، وفضح المطالبين بالتغيير من أعداء الداخل، وأسباب هذه المطالبة، مع إبراز معالم العنف والتطرف والغلو في مناهج المخالفين من كفرة حاقدين ومبتدعة ضالين، كما ينبغي التأكيد على أن مناهج التعليم الشرعية متعلقة بصبغتنا الإسلامية وأن التنازل عنها تنازل عن هذه الصبغة (الهوية).
٧ - الفتيا والاجتهاد:
تقرير أن الفتيا ليست حقاً مشاعاً لكل أحد بل لها شروطها وأحكامها، وأن أهلها هم العلماء، مع التأكيد على مجالات الاجتهاد وأنه لا يدخل في أصول الدين وثوابته، وذكر الضوابط الشرعية لقاعدة لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وقاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
٨ - تجديد الخطاب الديني:
ينبغي توضيح حقيقة هذا الشعار وما يراد منه عند بعض حملته الذين يرفعونه تلبيساً وتدليساً لتمرير ما يريدون تمريره من مفاهيم باطلة ويعبثوا بما شاءوا من أصول شرعية ويتلاعبوا بمضمون الخطاب الشرعي، موهمين أن التجديد واقع على وسائل تبليغ هذا الخطاب لا مضمونه، فينبغي التبيين والتفصيل وبيان ما يصح دخوله شرعاً تحت هذا الشعار وما لا يصح.
٩ - الجمعيات الخيرية:
الجمعيات الخيرية اليوم تتعرض لتضييق شديد وحرب شعواء من العالم الغربي تحت شعار محاربة الإرهاب، فينبغي نصرة هذه الجمعيات بالقول والفعل، والتأكيد على أهميتها وآثارها وفضائلها، ورد التهم الباطلة عنها، والتأكيد على الازدواجية التي يتعامل بها العالم الغربي مع هذه الجمعيات، فبينا هو يحارب الإسلامية منها إذ هو يدعم التنصيرية.
(اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
стр. 1147
جريمة حصار غزة في الفقه الإسلامي
د. عطية فياض
لم يشهد التاريخ البعيد أو القريب مأساة كالتي يعيشها أهل غزة؛ إذ تداعى عليهم الجميع، القريب قبل البعيد، فما أن توقَّفت المحرقة التي سيقوا إليها بتواطؤ مفضوح وعلني مما يسمى بالمجتمع الدولي، وتحت غطاء ما يسمونه "الشرعية الدولية"، حتى تحرَّكت كثير من العواصم، وعقدت قمم لإحكام الحصار عليهم، تارة لمنع تهريب السلاح الذي لم يُتفق بعد على تعريفه، فقد يكون من جملة السلاح: الأدوية، والطعام، ومواد البناء، ومستلزمات المدارس، وتارة أخرى بمنع حماس من السيطرة على القطاع، وغير ذلك من الذرائع.
وهذه الحالة وإن كان أهلنا في غزة يعيشونها منذ أكثر من عامين، إلا أنَّ الجديد فيها هذه المرة هي مباركة ومشاركة كثير من الدول الأوروبية وغير الأوروبية فيها، وفق اتفاق دولي سعى إليه الكيان الصهيوني قبل وقف المحرقة بيوم واحد مع أمريكا، لتقوم الأخيرة بدور الشرطي في المنطقة؛ لحماية الكيان الصهيوني من الأدوية التي تدخل للمرضى، ومواد البناء التي تستخدم في إيواء المشرَّدين في الشوارع والمدارس، بعدما أقدم المحتل المتحضر والأكثر أخلاقية على دك البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد، وبالمحرَّم من الأسلحة، وقد تطوَّعت بعض الدول الأوروبية للمشاركة في هذه الحملة.
وقد يتخيَّل البعض من المسلمين أنه ما دام القصف قد توقَّف، وهدأت الأمور بعض الشيء، وبدأت مفاوضات تثبيت ما أسموه "وقف إطلاق النار" فإنَّ الأمر يسير، وينبغي أن تهدأ نفوسنا، ونصير إلى همومنا، فيمكن لأهل غزة أن يعيشوا تحت أي ظروف كما كانوا يعيشون من قبل، ويمكنهم التغلب على إجراءات الحصار بطريقتهم الخاصة، بحفر الأنفاق تارة، وبما يتكرم به الصهاينة من فتات الطعام والشراب والوقود والدواء تارة أخرى، متجاهلين أنَّ الحصار في حد ذاته يعد عدوانًا مباشرًا على هذا الشعب، وهذا ما يجب أن يعيه المسلمون أولا حتى لا تُصوَّر الأمور تصويرًا خاطئًا، ويفهم أنه إن توقف القصف واستمر الحصار فلا داعي للمقاومة.
وهنا يلزم بيان الموقف الشرعي الصحيح من استمرار حالة الحصار الشامل على غزة، ومشاركة كثير من الدول في إحكامه، وسكوت البعض الآخر عليه، بل وربما تسويغه بمسوغات سياسية وغيرها، وهو ما نبرزه فيما يلي:
стр. 1148
أولا: الحصار بالطريقة التي يطبقها الكيان الصهيوني؛ بمعنى حبس أهل غزة فيها، ومنعهم من الخروج منها، أو الدخول إليها، ومنع الحركة التجارية، بل ودخول المساعدات الإنسانية وغيرها، وما يترتَّب على ذلك من إلحاق الضرر الفادح بالناس أصحاء ومرضى بسبب نقص الطعام والشراب والدواء والوقود اللازم، وزيادة البطالة، كل ذلك عده الفقهاء من صور العدوان العمد، والذي يترتَّب عليه -إذا ترتب عليه- موت المحاصَر أن يقتص من المحاصِر. قال الدسوقي الفقيه المالكي: "يقتص ممن منع الطعام والشراب ولو قصد بذلك التعذيب ... وقال نقلاً عن ابن عرفة المالكي: من صور العمد ... أنّ من منع فضل مائه مسافرًا -عالما بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه- قُتِل به وإن لم يل قتله بيده اهـ فظاهره أنه يقتل به سواء قصد بمنعه قتله، أو تعذيبه "وفي الفروق" من حبس شخصًا، ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له". وقال زكريا الأنصاري الشافعي: "لو حبسه ومنعه الطعام أو الشراب والطلب له مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا أو عطشًا، ومات، لزمه القود؛ لكونه عمدًا، لظهور قصد الإهلاك به، وتختلف المدة باختلاف المحبوس قوَّة وضعفًا، والزمان حرًّا وبردًا، ففقد الماء في الحر ليس كهو في البرد، وكذا يلزمه القود إن سبق لهجوع أو عطش، وكانت المدتان تبلغان المدة القاتلة، وعلمه الحابس لما ذكر". وقال ابن قدامة الحنبلي في صور القتل العمد الموجب للقود (القصاص):"الضرب الرابع: أن يحبسه في مكان، ويمنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها حتى يموت، فعليه القود" فهذه نصوص الفقهاء تشهد بأن من منع الطعام والشراب عن شخص حتى مات، قاصدًا قتله أو تعذيبه، فهو قاتل مجرم، فكيف بمن منع الطعام والشراب والدواء عن مليون ونصف من المدنيين، وفرض حصارًا ظالمًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا حتى أودى بحياة الكثيرين؟! وهذه الجريمة التي ينفذها الصهاينة بحق شعب غزة تعد صورة من صور جرائم الإبادة الجماعية في نظر القانون الدولي المعاصر حسب ما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية، والتي اعتمدت، وعُرضت للتوقيع والتصديق، أو للانضمام بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٩ كانون الأول/ديسمبر ١٩٤٨، وكان بدء نفاذها في ١٢كانون الأول/يناير ١٩٥١حيث جاء في المادة الثانية من هذه الاتفاقية صور الإبادة الجماعية على الوجه التالي: "في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أيًّا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية، أوإثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه:
أ) قتل أعضاء من الجماعة.
ب (إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
ج) إخضاع الجماعة -عمدًا- لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا.
د) فرض تدابيرتستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
هـ) نقل أطفال من الجماعة -عنوة- إلى جماعة أخرى" فهذا النص بكامل صوره ينطبق على ما تقوم به إسرائيل في حق أهل غزة.
ثانيا: في الحصار بالطريقة التي يطبقها الكيان الصهيوني إذلال ومهانة للشعب الفلسطيني قد تكون أعظم مما يحدث في المواجهة العسكرية، فلنا أن نتصور أمَّة أو شعبًا يُمنع من الدخول إلى وطنه، أو الخروج منه إلى غيره، ويُمنع الطعام والشراب والدواء، بل ويُمنع الحديث معه، ويعيش كما يقول العدو "غزة لا حياة ولا موت"، فيسمح بين وقت وآخر بمرور بعض الضروريات كلما أشرفت غزة على الموت، وهذه هي المهانة والذل.
стр. 1149
إن الله كرَّم بني آدم جميعًا، وكان من مظاهر تكريمهم أن حملهم في البر والبحر يتحركون بحريَّة، ويتنقلون من أرض لأرض طلبًا للطيب من الرزق، ويوم أن يحرم الإنسان من مظاهر التكريم التي منحها الله إياه، فيجب عليه أن يجاهد تحصيلاً لها.
ثالثا: الحصار المفروض على غزة هو من قِبَل عدو محتل غاصب للأرض، وذريعته في الحصار داحضة وسخيفة، فهو لا يريد رفع الحصار إلا إذا سقطت حكومة حماس، أو اعترفت بحق الكيان الصهيوني في اغتصاب الأرض، والاعتداء على الفلسطينيين في أي وقت، وأخيرًا فتح المعابر مقابل إطلاق سراح الجندي الصهيوني " شاليط " في الوقت الذي تعج فيه معتقلات العدو بآلاف الأسرى من الفلسطينيين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم يدافعون عن حقهم في الحياة وطرد المغتصبين، فإن لم تذعن حماس لهذه الطلبات فهي ومن يوافقها من الحركات إرهابية، ولست أدري بأي منطق يرى البعض من الذين يسمون أنفسهم حكماء وعقلاء أن على حماس الإذعان لشروط الرباعية، وترك المغتصبين يتجولون بحرية في الأراضي التي اغتصبها العدو، بينما أصحابها يعيشون في ملاجئ في هذا البلد أو ذاك؟!
واجب الأمة في رفع الحصار:
نظرًا للآثار التي يخلفها الحصار على أي شعب محاصر، فقد اعتبر الفقهاء أن حصار أي بلد مسلم من الحالات التي يتعين فيها الجهاد؛ أي يصبح الجهاد فرض عين لا يحتاج إلى إذن أصحاب الإذن.
ومما ورد في ذلك ما قاله البهوتي الحنبلي في حالات فرضية الجهاد: "وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصْرِ عَدُوٍّ، أَو ْحَصَرَ بَلَدَهُ عَدُوٌّ، أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ بَعِيدٌ فِي الْجِهَاد، ِأَوْ تَقَابَلَ الزَّحْفَان الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، أَوْ اسْتَنْفَرَهُ مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ، وَلاعُذْرَ- تَعَيَّنَ عَلَيْهِ َأيْ: صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ" وفي نص آخر يظهر فيه سقوط إذن الوالد والدائن ونحوهما في حالة تعيُّن الجهاد" إلا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ، أَوْ اسْتِنْفَارِ الإِمَامِ لَهُ وَنَحْوِهِ فَيَسْقُطُ إذْنُهُمَا وَإِذْنُ غَرِيمٍ; لأَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ" فالواضح من النص المتقدم: أن حالة حصار العدو لبلد لا تختلف في الحكم عن حالة الاحتلال، أو القتل ونحوهما من حالات العدوان التي يجب فيها الدفع.
وهذا النص يؤكد أن جميع ماتقوم به الفصائل الجهادية -من دفع للعدوان بأي وسيلة تراها مناسبة، وحسب ما يتيسَّر لها- هو حق شرعي أصيل، وفي مقابل ذلك يتعيَّن على الأمة كلِّها أن تشارك مشاركة إيجابية في مساندة ودعم الفصائل الجهادية؛ رفعًا للحصار، وإزالة للاحتلال كلِّه، وهذه المشاركة الإيجابية لا تنطلق من بواعث إنسانية فقط، بل قيامًا بالواجب الشرعي، وألخص بعضًا من صور هذه المشاركة الواجبة فيما يلي:
стр. 1150
أولاً: وجوب تقديم الدعم المادي باختلاف صوره وأشكاله -بمافيها السلاح - للدفاع عن النفس، واسترداد الحقوق المسلوبة. وما يُقدَّم ليس من قبيل التعاطف الإنساني، بل من قبيل القيام بفرائض الدِّين، وهو فرض الجهاد بالمال الذيي أخذ نفس أحكام الجهاد بالنفس، كما قال الجصاص الفقيه الحنفي المعروف في قوله تعالى: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعًا، فمن كان له مال وهو مريض، أو مقعد، أو ضعيف لا يصلح للقتال، فعليه الجهاد بماله؛ بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما أنَّ من له قوَّة وجلد، وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه، وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه، ومن قوي على القتال، وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال، ومن كان عاجزًا بنفسه معدمًا فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله: ﴿ليس على الضعفاء ولاعلى المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ وقال الزيلعي في تبيين الحقائق "وأحوال الناس مختلفة، فمنهم من يقدر على الجهاد بالنفس والمال، ومنهم من يقدر بأحدهما، وكل ذلك واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾، وقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ واستنكر ابن القيم تناقض البعض في أحكامهم، فيقول في هذا المعنى: "من أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه، ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض"وفي الموسوعة الفقهية" يجب على المسلمين أن لا يعطِّلوا الجهاد في سبيل الله، وأن يجهزوا لذلك الغزاة بما يلزمهم من عدَّة وعتاد وزاد، لقول الله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وقوله : ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ وتجهيز الغزاة واجب المسلمين جميعًا، حكَّامًا ومحكومين، وهو من أعظم القرب لقول النبي ﷺ : ((من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا)) وإذا كان تقديم الدعم لأهل غزة المحاصرين ضربًا من ضروب الجهاد بالمال لدفع حالة الحصار، فإن ثمت واجبًا آخر يقع على عاتق الدول والشعوب المجاورة لغزة، وهو واجب القيام بحقوق الجوار، وكما أن للفرد جيرانًا، فللدول جيران، وللمدن جيران، وليس الجار هو الجار الأول، بل أوصله البعض إلى أربعين، وقد نفى النبي ﷺ الإيمان عن جيران يتمتعون ويأكلون ويشربون ولهم جيران معدومون وهم يعلمون ذلك، فأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه))
стр. 1151
ثانيا: تقديم الدعم المعنوي، والمتمثِّل في تكثيف الاتصالات الشخصية بأهل غزة، والرسائل البريدية، والتلفزيونية، وكتابة المقالات، والدعاء، والمسيرات، وغير ذلك من هذه المظاهر التي ترفع من روحهم المعنوية، ويجب ألا نقلل من أثرها. وفي المقابل يجب الإنكار بالطرق الشرعية على بعض الكتاب والإعلاميين ونحوهم ممن يتفقون مع العدو الصهيوني في رؤيته وقراراته تصفية لحسابات سياسية، أو طلبًا لمغنم، أو خوفًا من أن تصيبهم دائرة، فلا نترك مقالة ولا خبرًا إلا ونعلّق عليها ردًّا لها، ودحضًا لما فيها من افتراءات، وهذا باب سهل ميسور لكل منصف إذا أراد أن يكون له دور فاعل في هذه الأزمة. ولا نقلِّل من قيمة الكلمة، فشطر الكلمة التي تعين على قتل مسلم تحجب صاحبها من رحمة الله، ففي المقابل من أعان على إحياء نفس بشطر كلمة شملته رحمة الله .
ثالثا: عدم التردُّد في كسر الحصار بأي طريق يتيسر لتوصيل الاحتياجات اللازمة لأهل غزة ردًّا على إغلاق المعابر الرسمية، وإذا كان للتعليمات الرسمية للدول حرمة على مواطنيها فحرمة المسلم أعظم حرمة من هذه القرارات، فمع عظم حرمة الكعبة لكن النبي ﷺ اعتبر حرمة المؤمن أعظم، ففيما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: ((مَا أَعْظَمَ حُرْمَتَك، وَمَا أَعْظَمَ حَقَّك، وَالْمُسْلِمُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْك، حَرَّمَ اللَّهُ مَالَهُ، وَحَرَّمَ دَمَهُ وَحَرَّمَ عِرْضَهُ وَأَذَاهُ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ سُوءٍ)) ولذلك فإنَّ الواجب الشرعي على أهل الثغور المتاخمة لغزة أن يبذلوا ما في وسعهم لتوصيل الاحتياجات اللازمة للقطاع، وهم مأجورون إن شاء الله.
رابعًا: فضح الكيان الصهيوني إعلاميًّا بتسليط الضوء على جرائمه وتوثيقها، ونشرها بين الجميع مسلمين وغير مسلمين، وترديدها بين الأولاد والناشئة، وفي الخطب والدروس، وفي المراكز الثقافية المختلفة، وإقامة الندوات والمؤتمرات مع استخدام المصطلحات الصحيحة، كما يجب فضحه قضائيًّا برفع الدعاوى القضائية أمام جهات الاختصاص المحلية والإقليمية والدولية، بغض النظر عن جدواها العملية، فقد تكون من باب تعبئة الرأي العام، وقيامًا بواجب النصرة للمظلوم، وفضحاً للأخلاقيات الصهيونية، فلربما نجحت بعض تلك الدعاوى في حصار مجرمي الصهاينة، فلا يستطيعون مغادرة فلسطين لأي بلد آخر خوفًا من قرارات اعتقال. وهذا الواجب من صور النصرة للمسلم الذي انتقص عرضه، وانتهكت حرمته، وقد أخرج البيهقي والطبراني بإسناد حسن عن جابر وأبي أيوب الأنصاري قالا: قال رسول الله ﷺ : ((ما من امرئ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه منحرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وما من امرئ ينصر مسلماً في موطن ينتقصفيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)).
خامساً: عدم التعامل مع العدو الصهيوني بأي وجه من وجوه التعامل، ومقاطعة الدول التي تشاركه وتدعمه، فلا يعقل شرعاً ولا عقلاً أن يقوم العدو الصهيوني بذبح أطفالنا ونسائنا وشيوخنا، ويهدم بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا فوق رؤوسنا، ومع ذلك يصدر له الطعام والشراب، والوقود، وتمتلئ المحلات التجارية للدول الإسلامية ببضائعه من ملابس، وأجهزة كهربائية، وأغذية وغيرها، وهذا واجب يحتاج إلى تأصيل شرعي، وبراهين سنوضحها في مقالة أخرى إن شاء الله.
أسأل الله أن يكشف البلاء والكرب عن كل مكروب ومبتلى، إنَّه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصدر: موقع الإسلام اليوم
стр. 1152
التغيرات والتداخلات في الاتجاه السلفي
د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
(١/ ٢)
تلك المواقف الذي أسهم حادث ضرب مركز التجارة العالمي ١١ سبتمبر ٢٠٠١، في إعادة صياغتها وفق اجتهادات خاصة، قضت بوجوب التغيير والمراجعة، تركت أثرها البارز في حركة المجتمع: الدينية، والثقافية، والفكرية. سواء في الحدود الشخصية أو العامة.
في فترة مرت منذ عقدين وأكثر، كان هنالك شبه اتفاق على الموقف الشرعي من مسائل عديدة، تتعلق بالتوحيد، والسنة، والاقتصاد، والمرأة، كذلك في المسائل الشخصية، كإطلاق اللحية، وتقصير الثياب، يضاف إلى ذلك التصوير والموسيقى. وأشياء لا يعين المقام على سردها، وهي معروفة للمتابع، كان رأي الاتجاه السلفي فيها متقاربا، والخلاف قليل لا يكاد يظهر، ومن أكبر أسباب هذا الاتفاق؛ أن هذا الاتجاه كان يتبع جملة من المشايخ، اجتمعت عليهم الكلمة واتفقت وتآلفت، كانوا في هذه المسائل متقاربين، وما بينهم من خلاف يسير، لم يكن ليؤثر في المنهج ولا الاتباع.
لم يمر العام ١٤٢١هـ حتى رحل جميعهم، فلم يتبق منهم أحد .. لم يقم مقامهم أحد، له تأثير كتأثيرهم الواسع المتجاوز للحدود والأقاليم، وكأن رحيلهم كان إعلانا ببدء تغيرات مرتقبة.
حدثت حادثة القرن، واختلت صورة المنطقة العربية والإسلامية، فاحتلت دولتان هما العراق وأفغانستان، وصعد نجم الدولة الإيرانية، وغدت دول المنطقة مهددة عسكريا ومخترقة ثقافيا، واحتمل وحمّل الفكر والاتجاه السلفي كلاهما الوزر بكامله، ونسب إليه كل ما حاق بالمسلمين من مشكلات.
وتنصل الآخرون من المسؤولية .. بعضهم أسهم في الحملة، بقصد وبدون قصد. وبه بقي التيار السلفي أو الوهابي، كما يسميه خصومه، وحيدا غريبا يتناوله الجميع من كل جانب؛ جانب الفكر، والسلوك، والفقه، والسياسة، والعقيدة. أبيح حماه، وصار كبش فداء، ومُنح مبغضوه الفرصة للنيل والغمص.
لقد وجد نفسه مهددا حتى من بعض أبنائه؛ الذين تربوا في محاضنه، حيث لم يترددوا في الإسهام في الحملة - بقصد الإصلاح لا ريب!!! - مبررين فعلتهم بأنه من قبيل الإنصاف والاعتراف بالحق، وأن المنهج السلفي يقوم على: أن الرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.
فانتقل بذلك عدوى التفرق، الذي كان حصراً بين الجماعات إلى التيار السلفي نفسه، فحصل التفرق فيه فكرياً، وفقهياً، ليس حزبياً؛ لأن من طبيعة الاتجاه السلفي، في أصل تكوينه، لا يقوم على الحزبية، (= الهيكلية التنظيمية)، بل هو اتجاه فكري منهجي، يتبع مذهب الصدر الأول في الدين، ولا يلزم المنتسب إليه، الانضمام إلى مجموعة أو جماعة منظمة، إنما يكون منه إذا لزم مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهكذا فإن أتباع الاتجاه السلفي لا يشترط بينهم، الاتصال الشخصي والجماعي، ولا الاشتراك في نشاط مشترك، غاية ما هناك: أنهم جميعا يتبعون منهجاً واحداً، كسائر المسلمين؛ الجامع بينهم الدين الواحد، والنبي الواحد، والإله الواحد.
* * *
تفاوتت الاجتهادات، واختلفت الآراء حين خرج من العباءة من صار ينتقد المنهج نفسه، وهو موقف فاسخ للنسبة من أصلها، فالمنهج لا ينتقده إلا من يرفضه.
فما من مسألة إلا وحصل فيها إعادة نظر، تبعها تبني مواقف مضادة بالكلية، وفي بعضها جزئية، فالمسائل التي كان يظن فيها الثبوت الحكمي، عادت مسائل قابلة للنزاع والاختلاف، كان ذلك في جل أبواب الدين:
• في الاعتقاد:
- كاعتبار نصرة الكافرين على المسلمين من الكفر العملي.
- وتميز أهل السنة بكونهم على الحق المنزل وحدهم، أصابوا في جميع المسائل بمجموعهم، وغيرهم أصاب وأخطأ.
- وقد كثر الكلام في المولد النبوي، وطالب بعضهم إعادة النظر في الحكم عليه بالبدعة.
стр. 1153
• وفي قضايا المرأة:
- في كشف الوجه؛ أنها خلافية، وأن الراجح القول بالكشف، وأنه قول الجمهور.
- وتسويغ مشاركتها في النشاطات المختلطة.
- والدعوة إلى ممارسة الرياضة في المدارس.
- حتى قيادة السيارة، فالاتجاه الذي قام يوماً قومة رجل واحد في رفضه، صار اليوم بين مؤيد محبذ، وساكت، وهناك من لا يزال على الأول.
• وفي المعاملات المالية:
- اختلفت الفتوى في التأمين التجاري، وكان قد سبق الإجماع على تحريمه، بحسب المجامع الفقهية، كمجمع الفقه الإسلامي، وهيئة كبار العلماء.
- ومثله في تجويز المساهمة في الشركات المختلطة، والمجامع العلمية الكبرى على التحريم.
• وفي مسائل الحج:
- ظهر الخلاف في الرمي قبل الزوال، والمكث في عرفة حتى الغروب.
• وعلى الصعيد الخاص:
- ظهر من يجوز حلق اللحية وسماع الموسيقى، ويكتب فيه المؤلفات المتضمنة أنواعا من الاستدلال، الكاشفة عن مهارة وفن نادر في طريقة استخراج الحكم المقصود، فمع الإقرار بصحة الآثار الناهية، فقد حملت على أوجه أخرى لم تكن على بال، فألحقت بباب الأخلاق، وأن الأمر في هذا الباب دائر على الندب لا الوجوب، وقد كنا من قبل نفهم الأمر بصورة أيسر من هذا، كنا نفهم: أن ما أمر به النبي ﷺ فهو للوجوب، إلا أن يصرفه صارف، لكن لسوء حظنا لم نفطن إلى هذا الصارف البديع (= النصوص في باب الأخلاق للندب لا الوجوب). وقد وافق على هذا بعض الفضلاء، وكلهم فضلاء نبلاء، وإن لم يكتبوا في ذلك شيئا حتى اليوم، ربما يكتبوه في يوم ما.
أمور كثيرة برزت لم تكن معهودة، وفتاوى عديدة أظهرت قرنها، ربما كانت مستترة، وقناعات يبدو أنها كانت تبحث عن فرصة البُدُوّ، وإلا فهل يمكن أن يكون كل ما كان انقلاباً عارضاً، لأناس عرفوا بالفقه والعلم والتمكن، مع خبرة واسعة، وذكاء لا يخفى؟.
ليس بالضرورة أن يكون في هذا العرض، إشارة إلى اتخاذ موقف مضاد تماماً، في كل المسائل والمواقف، غاية ما هنالك أنه محاولة لوصف حال التيار السلفي، منذ بضع سنين، تحت المجهر.
وليس المهم معرفة وجهة نظر فلان على التعيين، إنما المهم هو معرفة: أن تبني فكرة التغيير، وجعلها منهجا متبعا، وهدفا مقصودا لذاته. يضر بالمنهج نفسه، لا بالمسائل وحدها، فالمسائل متفاوتة، وبعضها تقبل الجدل، إنما الذي لا يقبل: أن يكون المنهج هو التغيير؛ لدافع خفي هو: مسايرة، ومواكبة، ومجاراة الواقع. لأنه حينئذ يحمل على التبديل، حتى من غير مبرر صحيح، ولا بدليل.
لا أحد معصوم، فلا مشكلة في إعادة النظر في المسائل، ولا مانع من النظر في كتب المتقدمين من علماء السنة، والذين لهم قدم صدق، ولم يعرفوا بتبني بدعة، يتخذونها منهجا، والاستفادة من أقوالهم، وعرض أقوال المعاصرين من السلفيين عليها، لمعرفة مدى موافقة المتأخرين للمتقدمين ..
لا مانع من ذلك ألبتة .. المانع يكون حين يتخذ النظر والإعادة لأجل تغيير حكم قد جرى، وقول قد عمل به، حينئذ يكون القصد هو التغيير، وليس طلب الحقيقة، وهذا المنهج يحمل على التكلف في استنطاق الأدلة، واستخراج الأقوال والآراء غير المألوفة، وتفسير الكلمات بأدنى صلة من معنى.
فمن جعل هدفه ومنهجه التغيير، فإنه لن يتردد في تحميل الدليل ما لا يحتمل، ولن يتوانى في التشبث بأي قول سابق، ولو كان شاذاً، أو بارداً متكلفاً، أو استدلالاً غريباً، أو قولا عرفت به طائفة مبتدعة.
стр. 1154
وهكذا يلج صاحب هذا المنهج في باب اتباع المتشابهات وترك المحكمات، وقد علمنا ما جاء في هذا، وهو أمر لوحظ على أصحاب هذا المنهج، فكم من مسألة تكلموا فيها، فأفتوا بما يوجب تغيير الواقع الكائن، لا لأن الدليل هو الذي أوجب. ذهبوا به أوجه بعيدة جداً، لا يزال المرء في حيرة منها، فلم يكن يصلح دليلا لما ذهبوا إليه، لكنهم جروه معه جراً، وحمّلوه ما ينأى به عن حمله وينوء.
أصبح الاتجاه السلفي على فريقين: أحدهما ينتهج التغيير، والآخر لزم مكانه.
وفي طبيعة المنهج السلفي إنتاج أفراد متحررين من قيود الشيخ وسلطة الأستاذ؛ لأنه يربى أتباعه على اتباع الدليل، وترك الشيخ لو خالفه، وبهذا فإن كل من رأى نفسه قد تأهل، لم يجد حرجاً في أن يرد على هذا وهذا .. فإن أصاب فقد سلم، وإن أخطأ فقد تحمل.
لكن ليس هذا حديثنا، إنما في تزايد شقة الخلاف وكثرة الأقوال بين أبناء الاتجاه، يعود من ضمن ما يعود إليه من أسباب، إلى السبب الآنف الذكر. والسبب وإن كان محموداً، لكنه قد يستعمل بإساءة، كمن صلى يرائي.
* * *
إذا كنا لا نبطل عملية النظر في المسائل، وفي الوقت نفسه ننعى على من جعل منهجه التغيير، فقد وجب أن نحدد، متى يكون الأمر إعادة نظر محمودة، وفي أي حال يتطور ليكون منهجاً بدعياً؟.
هي مسألة كبرى، ونحن نشير إشارات، والكلمات لا تحصى، وإنما هي كلمة ..
إن إعادة النظر في المسائل لا يلزم منها نقد المنهج، بينما اتخاذ التغيير منهجاً، يعني إخضاع المنهج نفسه للتغيير، وهذا هو الخلل الكبير، فالمنهج هو الذي ميز الاتجاه السلفي، وجعل مكانه مكان المهيمن بالحق على جميع الاتجاهات، وأي تغيير فيه قضاء عليه.
والاتجاه السلفي يقوم على:
- إبراز أنواع التوحيد الثلاثة، خصوصاً الإلهي منها، وتطبيقها عملياً وعلمياً.
- وإبراز السنة الصحيحة، والعمل بها، واجتناب إبراز الضعيف منها والعمل بها.
- وتمييز الشرك والبدعة، من التوحيد والسنة.
- والاعتناء بمعرفة حدود الولاء والبراء، وتطبيقهما عملياً بعناية بالغة؛ إذ هما من معاقد التوحيد
- وتحديد مصدر التلقي في الكتاب والسنة بفهم الصحابة والصدر الأول من الأمة، وتقديمه.
- ويمنع من تقديم العقل على النقل، بل يرى أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، إنما يعارض لو نزلت مرتبة العقل عن وصف الصريح، أو مرتبة النقل عن وصف الصحيح.
- ويمنع من العمل بالكشف والذوق والمنامات، واتخاذها مصدرا لتلقي الأحكام الشرعية.
وأصول أخرى لا يتسنى المقام استيفاءها، إنما نذكر شيئاً وطرفاً مهماً منها، والقصد القول: أن هذا المنهج لا يمكن المساس به؛ كونه يمثل روح الدين وأساسه، الذي بني عليه، أما المسائل المندرجة تحته:
- فمنها ما يكون أصلا كفعل الصلاة، والحكم بما أنزل الله، ووجوب العمل للإيمان، فهذه الخطأ فيها خروج عن الحق، وإن كان لا يلزم منه الخروج على المنهج.
- ومنها ما يكون فرعاً، وهي أكثرها، كوجوب إعفاء اللحية مطلقاً، أو تحريم الإسبال مطلقاً، أو التوسل بجاه النبي ﷺ ونحو ذلك، فهذه لو أعيد النظر فيها للتحقق من سلامة الموقف والفتوى، فلا يظهر مانع من ذلك، ومثل ذلك الموقف من الواقعين في البدعة، وكيفية التعامل معهم، والتفريق بين مجرد الوقوع في البدعة، وتبني المناهج البدعية.
стр. 1155
إن دراسة هذه المسائل بقصد التحرير والتوصل إلى القول المحرر الصواب، لا شية فيها، خصوصاً إذا كان المعتمد في الفتاوى السابقة بعض الأقوال، التي كان لها حضور عارم، وهيبة يمنع من مراجعتها، إما احتراماً لأصحابها، أو خوفاً من مخالفتها، فربما لم تصب مذهب السلف بالدقة اللازمة، وهذا وارد؛ إذ يلاحظ في مسائل عدة: أن الاستدلال فيها بالمتأخرين المعاصرين، دون المتقدمين.
إن كل ما تقدم هو محاولة لمعرفة الطوارئ التي طرأت على السلفيين، وتقويمها، ومعرفة ما ينبغي أن يتخذ، وما ينبغي أن يجتنب، ولم يكن الغرض الإحاطة، فذلك لا تكفيه إلا رسالة وكتاب. ونحسب أنه قد أثار شيئاً من حقيقة ما وقع ويقع، وقارب في بيان الصورة.
فهذا ما يتعلق بالتغيرات، أما التداخلات فنرجئها إلى مقال لاحق
(٢/ ٢)
كان للاتجاه السلفي، بعمومه، موقفاً واضحاً من الاتجاهات المخالفة؛ الدينية، والطائفية، والفكرية. ونعني بالأولى: الديانات المخالفة للإسلام، الذين وصفهم القرآن بصريح الكفر، كاليهود والنصارى. وبالثانية: فرق الشيعة والمتصوفة دون غيرهما؛ للقرب والاختلاط والاحتكاك المستمر؛ إذ المجتمع، في العادة، يحوي جميع هذه الاتجاهات المتنافرة، بالحكم الجغرافي.
وبالثالثة الاتجاهات: العلمانية، والليبرالية، والعصرانية. وهي اتجاهات فكرية حوت مجموعات وأفراداً من شتى التوجهات والانتماءات.
هذا الموقف تجلى في المفاصلة التامة، أو بالتعبير الشرعي: البراء التام. من كل هذه الملل والفرق والمذاهب الفلسفية والفكرية.
تفاصيل هذه المفاصلة بدت في اتخاذ المواقف الحادة مع هؤلاء المخالفين، حتى إنه ليبدو أنه لا قدر مشترك، يمكن أن يعول عليه في التقارب، أو التفاهم، أو حتى في الحجاج والإلزام.
فالمخالفون في الملة والدين، وهم اليهود والنصارى خصوصاً- بحكم الارتباط التاريخي والديني - نالتهم المفاصلة التامة، وبالأخص النصارى منهما .. فعلى الرغم من عمق البغض تجاه اليهود، فإن كثرة اختلاط النصارى بالمسلمين، واحتكاكهم بالمصالح الإسلامية، ومواقفهم العدائية؛ من غزو واحتلال واستغلال، ابتداء بالحملات الصليبية، إلى استعمار البلدان الإسلامية، حتى اكتساحها بالغزو الفكري، كل هذه العوامل جعلت منهم محل تطبيق عملي لمبدأ البراء التام، فلم تظهر آثار هذا المبدأ بالصورة الجلية الواضحة، مثلما ظهرت مع هذا العالم النصراني؛ الأوربي والأمريكي بالأخص.
وقد وجد التيار السلفي في النصوص الآمرة بالشدة والغلظة مع الكافرين، وبغضهم وترك موالاتهم بمحبة أو نصرة، وعدم بدئهم بالسلام، واضطرارهم إلى أضيق الطريق حين الالتقاء، وتصغيرهم كما صغر الله بهم، ونحو من هذا: مستندا في التدليل على صحة موقفه منهم.
كما أن تاريخ وسجل اليهود والنصارى مع المسلمين قديماً وحاضراً، تقدم ذكرها إجمالا آنفاً، أضاف تأكيداً لما قررته النصوص - بكثرة - من عداوتهم تجاه المسلمين والدين الحنيف. وذلك بدوره عمق وأكد مبدأ البراء التام.
وبهذا لم يكن من بد، واجباً شرعياً، أمام هذا التيار من إقامة صروح البراء التام تجاه المخالفين في الدين، حسب تقديره ورؤيته، وفي تفاصيل هذه الرؤية، عدم التفريق بين المحارب وغير المحارب، فمجرد الكفر يكفي لتوجه كافة أنواع البراء، على أتم درجة، وأعلى حد.
стр. 1156
ولعل الذي عمق هذا التوجه: كون كثير من المنتمين لهذا التيار قليلي الاحتكاك والمعاملة لهؤلاء المخالفين في الملة، إما لندرة وجودهم في ديارهم، كلا الفريقين، أو لتعمدهم التباعد عنهم، امتثالا للوصايا النبوية الناهية عن الإقامة بين المشركين، ومجامعتهم في المساكن. وقد لوحظ في الذين تعرضوا لمثل هذا الاحتكاك، بسبب السفر والإقامة في الغرب، أو غير ذلك: أن كثيراً منهم كانوا أقل حدة.
في حال الفرق كالشيعة والصوفية، فإن المفاصلة والبراءة لم تكن بأقل درجة عما سبق تجاه المخالفين في الدين، خصوصا مع تلبس طوائف من هاتين الطائفتين بأعمال، هي من صريح الشرك بالاتفاق. كذلك فإن النصوص المحذرة من البدعة، القاضية بحرمان المبتدع من التوبة، ومن ورود الحوض النبوي، يضاف إلى ذلك: الأقوال والمواقف الحاسمة في الهجر، التي وردت عن الأئمة تجاه المبتدعة الأوائل، كالمرجئة والمتكلمة. كل ذلك أوجد مستنداً شرعياً في معاملة هذه الطوائف بتلك الطريقة؛ بالتباعد عنها وعن رموزها، والإحجام عن التعاون والمشاركة، بله الظهور معاً في محفل واحد، ففي تقديره: أن فعل أي شيء من هذا، يعد تنازلا وتزكية، ويعني بالضرورة التهاون في أمر البدعة.
في الحين ظهرت مذاهب أوربية مستوردة، انتشرت في البلاد الإسلامية، هي: العلمانية، والليبرالية، والعصرانية. اتخذ التيار السلفي منها موقفا لا يقل وضوحا وحسما عما سبق، وعاملها بالطريقة نفسها، وربما زيادة؛ كونه رأى فيها خطراً ماحقاً؛ إذ الذين يحملونها أبناء الجلدة، يروجون للأفكار الإلحادية، المعادية للدين في بلاد المسلمين، بقصد التغريب، ونقل أخلاقيات الغرب إليها، ولهم في ذلك ترتيبات وخطط، هم في واقع الأمر رسل الغرب، والغرب يساندهم ويعينهم.
والعصرانيون منهم خصوصاً، وإن خلصوا من تهمة الانتماء الغربي، غير أنهم ربما كانوا أشد خطراً؛ إذ منهم من هو منتسب للعلم الشرعي، وفي هيئة دينية، وهو يمارس تحريف الكلم عن مواضعه، تحت غطاء حاجة العصر، ويسر الشريعة.
* * *
تلك المواقف كانت معلنة غير خفية؛ إذ من استراتيجيات التيار: الوضوح والتجلية، حتى يتميز الحق من الباطل، فيستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين. وذلك الهدف الأكبر لا يتحقق إلا من طريق المصارحة والمطارحة، ولو بالتجريح، وغير هذا ليس بممكن؛ إذ يتسبب في تعمية الحق والصواب عن الجموع العامة من المسلمين، الذين لا يميزون بين الاتجاهات بأنفسها، إلا بإرشاد وتوجيه، وهذه إن لم تصارح، وتوضح لها الحقيقة، فإنها لن تهتدي، وسرعان ما تضل طريقها. والمؤمن الحق هو الذي لا يحابي في دين الله تعالى، ولا يداهن في بيان الحق، والنصوص في هذا المعنى كثيرة جداً، في خطابات الله تعالى لنبيه ﷺ أن يبلغ، ويعرض عن مداهنة الكافرين.
كان التيار متميزاً جداً، في كل شيء؛ في خطابه، ومصطلحاته، وأفكاره، وتوجهاته، وأهدافه، وإعلانه وإسراره، واضحاً على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، بأفكار ومبادئ يقاتل دونها قتال الأسد، ويصونها بكل ما يمكن، لا يتردد في التضحية بكل شيء من أجل ذلك الهدف.
стр. 1157
عاش لحظة استغراق تام، وفناء كلي في مبادئه وأفكاره، لم يكن يسمح لأحد بأن يرتع حولها بشك أو ريبة، وإلا فإن ما سيأتيه سيكون قاسياً له ولغيره من بعده، وقد تسلم زمام النصوص من الكتاب والسنة تفسيراً وشرحاً، وأعاد للصحيح هيبته، فتفرد بنشر هذا المبدأ وعمل به، فلا يحتج في شيء إلا بالصحيح دون الضعيف، وفرض فهم السلف الصالح على النصوص، وحاكم إليه من حيث المنهج والأصل، وبهذا تملك زمام الحقيقة الشرعية، فهابته التيارات الأخرى، وتحاشت سطوته، ومن رام الوقوف والمعارضه لم يحسد على ما ينزل به، فالأحظى بنصوص الشريعة، كان الأحظى بالحقيقة، الأحظى بالهيمنة على ساحة الفتوى والتعليم.
وهكذا انتشرت السلفية في أصقاع الأرض، فكثر أتباعها الذين يؤمنون بمبادئها في الاعتقاد والفقه، حتى وجدت لها أنصاراً في أقصى الأرض، يخلصون لها باعتبار أنها تمثل الإسلام الصحيح المنزل، بل لقد أوجدت أنصاراً لها ومتعاطفين داخل التيارات الإسلامية الأخرى، المناوئة بدرجة أو أكثر. وتوارى الآخرون، وهم يشعرون بالعجز عن مكافحة هذا التيار، وهو يستدل بالنصوص العارمة في بيان صحة مسلكه وفتاواه، وفساد مسالك وفتاوى الآخرين، في المسائل المختلف عليها.
* * *
ذلك الوضوح والحسم والصرامة والنجاحات، بدا وكأنه في حالة أفول منذ أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ربما ظهرت بوادر التغير قبل ذلك من قريب، لكنه لم يظهر جليا إلا منذ ذلك الحين.
لقد تبدلت مواقف جناح في هذا التيار، كان له التأثير الواسع، وتبدلت جذريا في بعض المواضع، بذريعة المراجعة والتصحيح، تحت مطارق الاتهامات الآتية من الاتجاهات والقوى، التي حملت التيار وزر ما حاق بالمسلمين من أذى، جراء ضرب برجي التجارة العالمي بنيويورك.
وأول وأكبر ما لوحظ في هذا، تغير الموقف من الآخر، المخالف في الملة أو الطائفة أو الفكر من المفاصلة التامة والبراء التام إلى غير ذلك، لا نقول إلى الولاء التام، لكن إلى التداخل والتقارب، والتفاهم، والمشاركة، والتعاون، ونحو ذلك مما يعني إلغاء الطريقة القديمة؛ الحدة والقطيعة.
لم يكن هذا التغير معزولا عن المستند الشرعي، كما في الأول، فإن البحث والتنقيب، كذلك: قبول السماع من المخالفين، وتفهم مواقفهم، والجلوس إليهم. كان له دور في هذا التغير. والحامل على كل ذلك هو محاولة التخلص من التهم الموجهة تجاه التيار، ومعالجة الأخطاء، وإعطاء صورة مخالفة عما بدا عليه العقود الماضية.
صعب على التيارات الأخرى تقبل هذا الوضع الجديد لهذا الجناح من التيار السلفي، ففي كثير من الحالات كان يرجح أنه موقف سياسي مصلحي، لا يكشف عن حقيقة النوايا. هذا الظن عمق لديهم النظرة السلبية تجاهه، "ففي الماضي كان يمارس دور الوصاية الدينية، والتبديع والتكفير، واليوم يمارس دور المتقرب المعتدل الوسطي، إنه تحايل سياسي في أحسن الأحوال" .. هكذا يتهامسون، وفي بعض الحالات يعلنون. ومع ذلك فلسان حالهم، وأحيانا مقالهم: دعوهم، فإن ما نجنيه نحن من هذا التوجه الجديد، أكبر مما يحصدونه لفكرهم ومذهبهم.
في الوضع الجديد لهذا الجناح، برز التفصيل في أنواع الكافرين، وما يستحقه كل نوع من البراء، فليس المحارب كغيره، وللذمي حقوقاً، وكذا المعاهد. وقد كان غائبا لا يكاد يعرفه إلا المختصون.
والتعامل مع المبتدع والموقف منه، أمر مصلحي، فحيثما كانت المصلحة فثم الحق، فليس الهجر في كل الأحوال بنافع أو حتى مشروعا، وينبغي التفريق بين صاحب البدعة، والعامي إذا قارف بدعة.
стр. 1158
وفي أبناء الجلدة، المعجبين بالغرب، يجب ألا يساء الظن بهم كلياً، وألا ينظر إلى ما يروجونه ويدعون إليه، على أنه تغريب وإفساد. فهم مسلمون، وكثير منهم يقصدون التطوير وارتقاء الأمة، فطائفة مما ينادون به، هو من المباحات الجائزات، كقيادة المرأة للسيارة، وعملها خارج البيت، وممارسة الرياضة.
والعصرانيون لم يكونوا مخطئين في كل حال، فكثير من فتاواهم قد ثبت صدقها، فهاهم الذين كانوا يرفضونها، ويجعلونها من التحريف في الدين، هم اليوم يأخذون بها، وينصرونها للتيسير الذي فيها.
وفي ظل هذا الانقلاب في الموقف، ظهرت حالة جديدة، منسجمة تماما مع هذا التوجه، فإذا كان الموقف الفارط، موقف المفاصلة التام، يستدعي التميز في كل شيء، حتى لا يختلط الحق بالباطل، فالآن لا معنى لهذا التميز، وقد اعتدلت النظرة وتحسنت تجاه المخالفين، بسبب ذاتي لا غير، وعليه فلا مانع من التوافق في الأطروحات، فتكون القضية واحدة، والهم مشتركا في مسائل عديدة، كالوحدة الإسلامية، ومواكبة العصر، واعتبار حاجة التطور، وهذا التوافق في المواقف يحمل رغما على التوافق حتى في نوع الخطاب، والمصطلحات، وأسلوب الدعوة، والفتاوى ونحوها.
هكذا بدأ التداخل بين هذا التيار والتيارات الأخرى، وإن شئنا الدقة، منذ هذه اللحظة بدأ في موافقة التيارات الأخرى في مصطلحاتها وأساليبها، وفتاواها، فلم يحصل تقارب بالمعنى الدقيق للتقارب؛ هذا يقترب من هذا، وهذا من هذا، يلتقيان جميعا في المنتصف .. كلا، بل ذلك الجناح من التيار السلفي هو الذي كان المتقرب، المتودد، الذي تخلى عن مصطلحاته، وركب مصطلحات الآخرين.
- فبعد أن كان يتحدث عن عداوة الكافرين للمؤمنين، صار كلامه عن التعايش، والسلام، والمشتركات، واحترام قرارات الأمم المتحدة.
- وبعد أن كان يتحدث عن بغض الكافرين، صار يتحدث عن لزوم محبتهم فطرياً وإنسانياً.
- بعد أن كان يحذر من بدع التشيع والتصوف، صار يقرر أن ثمة أموراً مشتركات بيننا.
- بعد أن كان يتحدث عن خطورة تغريب المرأة، وأدوات ذلك، غدا يكلمنا عن ظلم المرأة.
- بعد أن كان يقرر وجوب خلو المعاملات المالية من أي شائبة للربا والمحرمات، بدا يفصل ويقرر مقدار المحرم ونسبته في المعاملات، وعليه يبني الفتوى.
وأشياء أخرى لا يحصيها المقام، فهذه النظرة الجديدة ولد موقفاً جديداً، لقد دخلت تيارات كثيرة في نطاق الصداقة مع هذا الجناح من التيار السلفي، فنشأت بينهم مودة وإعجاب، كانت من جانب هذا الجناح أظهر وأكثر. وفي المقابل ساءت نظر بقية التيار لهذا الجناح، فأكثرت من العويل عليه، والتحذير من مسلكه، واعتباره منقلباً على المنهج نفسه، ذلك ولد موقفاً مضاداً حمله على الجفاء إلى حد الامتعاض، بل وفي بعض الحالات القطيعة والهجر.
فبعد أن كان الهجر بين التيار والتيارات الأخرى، إذا بهذا الجناح يجافي بني مذهبه، ليصل ويلتقي مع الذين كانوا محل هجره وقطيعته بالأمس.
ما كان يخافه التيار بالأمس قد وقع .. انتهى عهد التميز، خصوصاً مع سكوت بقية التيار الملتزمين السنة الأولى، عن الكلام في كثير من القضايا، إما حذرا وإما كسلا ويأسا. وهكذا صار كثير من الناس لا يفرقون بين سلفي المنبت والمدرسة، والصوفي، والليبرالي، والعصراني، فكلهم يتكلمون في القضية الواحدة، التي كانت محل نزاع وتنافر وهجر، كلمة رجل واحد، بلغة واحدة، وهدف واحد، وأسلوب ومصطلح واحد .. حصل التداخل.
ما فرح أحد بهذا مثلما فرح الآخرون؛ إذ رأوا في هذا المسلك قضاء على سطوة التيار في فهم الإسلام وتفسير النصوص، وخدمة لأهداف لطالما ضحوا من أجلها، في قضية بدت لهم وكأنها خاسرة، هي اليوم تخدم من قبل التيار المهيمن.
стр. 1159
لقد كان من الحجج: أن الوضع الراهن يحتاج إلى مزيد من اليسر، وإلا فإن الناس ينفرون من الدين، ويبقى بلا أنصار. ونكون بذلك جنينا على الدين.
لكن البقية رفضوا هذا التحليل، ورأوا أنها فرصة فوتت وضيعت، فحيث كافح هذا التيار ليقول كلمة الحق جلية، وجاهد من أجلها وضحى، فلما انجلت الأمور، وصارت الكلمة ميسرة، والحرية واسعة، والناس في عطش، واستعداد لصعود الجبال، لما يجدونه من ألم الروح وعذاب البعد عن الله تعالى، إذا بهؤلاء الميسرين المجددين يمتطون التعمية، والإغماض في المواقف، فصاروا كمن يشكوا ظلام الليل، ومشقة السير فيه، فلما تجلى له النهار عن شمس ليس دونها غيم: سكن، فلم يتحرك، وإذا ما تحرك، فللتخفي عن الأنظار.
كثير من المراقبين يرون أن السلفية بكافة تياراتها، الملتزمة بالطريقة الأولى، والسائرة في طريقها الجديدة، فوتت على نفسها فرصة استغلال حرية الكلمة، والفضاء المتاح، المتصل بأجزاء العالم كله، لِبَثِّ رؤيتها ومذهبها، مع شدة حاجة الناس إليها، في ظل التخبط الذي يعيش فيه العالم.
فأما الملتزمة فسكوتها غير المبرر، ولو كانت تبررها، أضاع عليها الفرصة، وأما المجددة فتركها لمصطلحها ونوعية خطابها إلى نوعية ومصطلحات الآخرين، خدم مصلحة وأهداف الآخرين لا مصلحتها، إلا إن كان منها من تنكر كليا للمذهب الأول، فذلك أمر آخر.
ولا يزال الناس، يعظمون الصراحة والوضوح، ويمقتون التعمية والغبش، ويعتقدون أن كل من كان واضحاً صريحاً، فهو الجدير بالاحترام، والاتباع كذلك.
وفي المذهب السلفي كل شيء يمكن إبرازه، وتوضيحه من غير خجل، ولا الخوف من النقد، فهذا المذهب هو الذي يرجع بالفقه إلى الصحابة والقرون المفضلة، وهؤلاء هم أولى الناس بمعرفة الإسلام وتفسيره كما أراد الله تعالى، وهكذا فإن حقيقة المذهب السلفي: أنه التفسير الصحيح للإسلام، بشرط أن يلتزم المنتسبون إليه فقه الصحابة، وإلا فالألقاب لا تقدم ولا تؤخر.
لم يكن الكلام السابق نقداً، بقدر ما كان عرضاً لواقعة وقعت، فالموقف السلفي الأول عليه، في بعض الأمور، ما على التالي الجديد، فقد أصاب وأخطأ، وإن كان صوابه أكثر، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث، وإن كان ذلك لا يمنع من الفحص والبحث، لكن النقد يتجه على الطريقة التي تحكم على نفسها بالغياب، عندما تترك لونها وتلون نفسها بألوان الآخرين، وتستبدل صورتها بصور الآخرين، فتضعها في إطار تصنعها، وما يصنع الناس بالإطار، وإنما العبرة في الصورة.
إن استعمال المفاصلة التامة الحادة في كل مقام، مع جميع المخالفين، باختلاف أنواعهم وأقسامهم خطأ جلي محض، وتعطيلها كلياً كذلك هو خطأ، والحكمة: معرفة متى ينبغي تعطيلها كلياً أو جزئياً، ومتى يمكن إعمالها كلياً أو جزئياً. وصفتها موجودة في القرآن والسنة والسيرة.
وتميز أهل الحق بكل ما يميز ويظهر الحق الذي عندهم أمر واجب، وإلا فإنه يضل ولا يهدي، فإذا ما انماع أحد في أحدهما (= المفاصلة التامة، أو تعطيل المفاصلة كلياً) فإنه يضر ضرراً بالغاً.
إن الكلام في هذا كثير وطويل، وحسبي أني ألقيت حملاً كان ينوء به قلبي وصدري، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ثمة قضية أود التحدث عنها منذ مدة .. عن هذه النقلة الفكرية، الثقافية، الدينية الظاهرة، الحادثة، الجارية في بنية المجتمع .. التي بدت أثرا عن التغيرات والتداخلات في المواقف الشرعية للاتجاه السلفي، وغلبة رؤى ومفاهيم اتجاهات أخرى مختلفة، أتيح لها استغلال الظرف أحسن الاستغلال.
стр. 1160
اتباع الهوى
د. إبراهيم بن عبد الله الزهراني
الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، هو أصل دين الإسلام، فمن أسلم وجهه لله، ووقف عند حدود الله، فقد اهتدى، ونال الدرجات العلى. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٤٠،٤١)، وأما من اتبع نفسه هواها، فإن عاقبته الهلاك، والخذلان.
وذلك أن المعاصي، والبدع، كلها منشأها من تقديم الهوى على الشرع. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٣٧ـ ٣٩).
إن فساد الدين يقع بالاعتقاد بالباطل، أو بالعمل بخلاف الحق "فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصى الرب، ودُخلت النار، وحلت العقوبات" ولذلك ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا على سبيل الذم، وأمر بمخالفته، وبين أن العبد إن لم يتبع الحق والهدى، اتبع هواه.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص:٥٠)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٦)، وقال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النساء:١٣٥).
مفاسد إتباع الهوى:
• إن اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع"،خلاف مقصود الشرع؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً".
• صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:٢٣) قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" وقال عبد الله بن عون البصري:"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه".
• صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.
قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم".