ولعل الذي عمق هذا التوجه: كون كثير من المنتمين لهذا التيار قليلي الاحتكاك والمعاملة لهؤلاء المخالفين في الملة، إما لندرة وجودهم في ديارهم، كلا الفريقين، أو لتعمدهم التباعد عنهم، امتثالا للوصايا النبوية الناهية عن الإقامة بين المشركين، ومجامعتهم في المساكن. وقد لوحظ في الذين تعرضوا لمثل هذا الاحتكاك، بسبب السفر والإقامة في الغرب، أو غير ذلك: أن كثيراً منهم كانوا أقل حدة.
في حال الفرق كالشيعة والصوفية، فإن المفاصلة والبراءة لم تكن بأقل درجة عما سبق تجاه المخالفين في الدين، خصوصا مع تلبس طوائف من هاتين الطائفتين بأعمال، هي من صريح الشرك بالاتفاق. كذلك فإن النصوص المحذرة من البدعة، القاضية بحرمان المبتدع من التوبة، ومن ورود الحوض النبوي، يضاف إلى ذلك: الأقوال والمواقف الحاسمة في الهجر، التي وردت عن الأئمة تجاه المبتدعة الأوائل، كالمرجئة والمتكلمة. كل ذلك أوجد مستنداً شرعياً في معاملة هذه الطوائف بتلك الطريقة؛ بالتباعد عنها وعن رموزها، والإحجام عن التعاون والمشاركة، بله الظهور معاً في محفل واحد، ففي تقديره: أن فعل أي شيء من هذا، يعد تنازلا وتزكية، ويعني بالضرورة التهاون في أمر البدعة.
في الحين ظهرت مذاهب أوربية مستوردة، انتشرت في البلاد الإسلامية، هي: العلمانية، والليبرالية، والعصرانية. اتخذ التيار السلفي منها موقفا لا يقل وضوحا وحسما عما سبق، وعاملها بالطريقة نفسها، وربما زيادة؛ كونه رأى فيها خطراً ماحقاً؛ إذ الذين يحملونها أبناء الجلدة، يروجون للأفكار الإلحادية، المعادية للدين في بلاد المسلمين، بقصد التغريب، ونقل أخلاقيات الغرب إليها، ولهم في ذلك ترتيبات وخطط، هم في واقع الأمر رسل الغرب، والغرب يساندهم ويعينهم.
والعصرانيون منهم خصوصاً، وإن خلصوا من تهمة الانتماء الغربي، غير أنهم ربما كانوا أشد خطراً؛ إذ منهم من هو منتسب للعلم الشرعي، وفي هيئة دينية، وهو يمارس تحريف الكلم عن مواضعه، تحت غطاء حاجة العصر، ويسر الشريعة.
* * *
تلك المواقف كانت معلنة غير خفية؛ إذ من استراتيجيات التيار: الوضوح والتجلية، حتى يتميز الحق من الباطل، فيستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين. وذلك الهدف الأكبر لا يتحقق إلا من طريق المصارحة والمطارحة، ولو بالتجريح، وغير هذا ليس بممكن؛ إذ يتسبب في تعمية الحق والصواب عن الجموع العامة من المسلمين، الذين لا يميزون بين الاتجاهات بأنفسها، إلا بإرشاد وتوجيه، وهذه إن لم تصارح، وتوضح لها الحقيقة، فإنها لن تهتدي، وسرعان ما تضل طريقها. والمؤمن الحق هو الذي لا يحابي في دين الله تعالى، ولا يداهن في بيان الحق، والنصوص في هذا المعنى كثيرة جداً، في خطابات الله تعالى لنبيه ﷺ أن يبلغ، ويعرض عن مداهنة الكافرين.
كان التيار متميزاً جداً، في كل شيء؛ في خطابه، ومصطلحاته، وأفكاره، وتوجهاته، وأهدافه، وإعلانه وإسراره، واضحاً على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، بأفكار ومبادئ يقاتل دونها قتال الأسد، ويصونها بكل ما يمكن، لا يتردد في التضحية بكل شيء من أجل ذلك الهدف.
стр. 1157
عاش لحظة استغراق تام، وفناء كلي في مبادئه وأفكاره، لم يكن يسمح لأحد بأن يرتع حولها بشك أو ريبة، وإلا فإن ما سيأتيه سيكون قاسياً له ولغيره من بعده، وقد تسلم زمام النصوص من الكتاب والسنة تفسيراً وشرحاً، وأعاد للصحيح هيبته، فتفرد بنشر هذا المبدأ وعمل به، فلا يحتج في شيء إلا بالصحيح دون الضعيف، وفرض فهم السلف الصالح على النصوص، وحاكم إليه من حيث المنهج والأصل، وبهذا تملك زمام الحقيقة الشرعية، فهابته التيارات الأخرى، وتحاشت سطوته، ومن رام الوقوف والمعارضه لم يحسد على ما ينزل به، فالأحظى بنصوص الشريعة، كان الأحظى بالحقيقة، الأحظى بالهيمنة على ساحة الفتوى والتعليم.
وهكذا انتشرت السلفية في أصقاع الأرض، فكثر أتباعها الذين يؤمنون بمبادئها في الاعتقاد والفقه، حتى وجدت لها أنصاراً في أقصى الأرض، يخلصون لها باعتبار أنها تمثل الإسلام الصحيح المنزل، بل لقد أوجدت أنصاراً لها ومتعاطفين داخل التيارات الإسلامية الأخرى، المناوئة بدرجة أو أكثر. وتوارى الآخرون، وهم يشعرون بالعجز عن مكافحة هذا التيار، وهو يستدل بالنصوص العارمة في بيان صحة مسلكه وفتاواه، وفساد مسالك وفتاوى الآخرين، في المسائل المختلف عليها.
* * *
ذلك الوضوح والحسم والصرامة والنجاحات، بدا وكأنه في حالة أفول منذ أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ربما ظهرت بوادر التغير قبل ذلك من قريب، لكنه لم يظهر جليا إلا منذ ذلك الحين.
لقد تبدلت مواقف جناح في هذا التيار، كان له التأثير الواسع، وتبدلت جذريا في بعض المواضع، بذريعة المراجعة والتصحيح، تحت مطارق الاتهامات الآتية من الاتجاهات والقوى، التي حملت التيار وزر ما حاق بالمسلمين من أذى، جراء ضرب برجي التجارة العالمي بنيويورك.
وأول وأكبر ما لوحظ في هذا، تغير الموقف من الآخر، المخالف في الملة أو الطائفة أو الفكر من المفاصلة التامة والبراء التام إلى غير ذلك، لا نقول إلى الولاء التام، لكن إلى التداخل والتقارب، والتفاهم، والمشاركة، والتعاون، ونحو ذلك مما يعني إلغاء الطريقة القديمة؛ الحدة والقطيعة.
لم يكن هذا التغير معزولا عن المستند الشرعي، كما في الأول، فإن البحث والتنقيب، كذلك: قبول السماع من المخالفين، وتفهم مواقفهم، والجلوس إليهم. كان له دور في هذا التغير. والحامل على كل ذلك هو محاولة التخلص من التهم الموجهة تجاه التيار، ومعالجة الأخطاء، وإعطاء صورة مخالفة عما بدا عليه العقود الماضية.
صعب على التيارات الأخرى تقبل هذا الوضع الجديد لهذا الجناح من التيار السلفي، ففي كثير من الحالات كان يرجح أنه موقف سياسي مصلحي، لا يكشف عن حقيقة النوايا. هذا الظن عمق لديهم النظرة السلبية تجاهه، "ففي الماضي كان يمارس دور الوصاية الدينية، والتبديع والتكفير، واليوم يمارس دور المتقرب المعتدل الوسطي، إنه تحايل سياسي في أحسن الأحوال" .. هكذا يتهامسون، وفي بعض الحالات يعلنون. ومع ذلك فلسان حالهم، وأحيانا مقالهم: دعوهم، فإن ما نجنيه نحن من هذا التوجه الجديد، أكبر مما يحصدونه لفكرهم ومذهبهم.
في الوضع الجديد لهذا الجناح، برز التفصيل في أنواع الكافرين، وما يستحقه كل نوع من البراء، فليس المحارب كغيره، وللذمي حقوقاً، وكذا المعاهد. وقد كان غائبا لا يكاد يعرفه إلا المختصون.
والتعامل مع المبتدع والموقف منه، أمر مصلحي، فحيثما كانت المصلحة فثم الحق، فليس الهجر في كل الأحوال بنافع أو حتى مشروعا، وينبغي التفريق بين صاحب البدعة، والعامي إذا قارف بدعة.
стр. 1158
وفي أبناء الجلدة، المعجبين بالغرب، يجب ألا يساء الظن بهم كلياً، وألا ينظر إلى ما يروجونه ويدعون إليه، على أنه تغريب وإفساد. فهم مسلمون، وكثير منهم يقصدون التطوير وارتقاء الأمة، فطائفة مما ينادون به، هو من المباحات الجائزات، كقيادة المرأة للسيارة، وعملها خارج البيت، وممارسة الرياضة.
والعصرانيون لم يكونوا مخطئين في كل حال، فكثير من فتاواهم قد ثبت صدقها، فهاهم الذين كانوا يرفضونها، ويجعلونها من التحريف في الدين، هم اليوم يأخذون بها، وينصرونها للتيسير الذي فيها.
وفي ظل هذا الانقلاب في الموقف، ظهرت حالة جديدة، منسجمة تماما مع هذا التوجه، فإذا كان الموقف الفارط، موقف المفاصلة التام، يستدعي التميز في كل شيء، حتى لا يختلط الحق بالباطل، فالآن لا معنى لهذا التميز، وقد اعتدلت النظرة وتحسنت تجاه المخالفين، بسبب ذاتي لا غير، وعليه فلا مانع من التوافق في الأطروحات، فتكون القضية واحدة، والهم مشتركا في مسائل عديدة، كالوحدة الإسلامية، ومواكبة العصر، واعتبار حاجة التطور، وهذا التوافق في المواقف يحمل رغما على التوافق حتى في نوع الخطاب، والمصطلحات، وأسلوب الدعوة، والفتاوى ونحوها.
هكذا بدأ التداخل بين هذا التيار والتيارات الأخرى، وإن شئنا الدقة، منذ هذه اللحظة بدأ في موافقة التيارات الأخرى في مصطلحاتها وأساليبها، وفتاواها، فلم يحصل تقارب بالمعنى الدقيق للتقارب؛ هذا يقترب من هذا، وهذا من هذا، يلتقيان جميعا في المنتصف .. كلا، بل ذلك الجناح من التيار السلفي هو الذي كان المتقرب، المتودد، الذي تخلى عن مصطلحاته، وركب مصطلحات الآخرين.
- فبعد أن كان يتحدث عن عداوة الكافرين للمؤمنين، صار كلامه عن التعايش، والسلام، والمشتركات، واحترام قرارات الأمم المتحدة.
- وبعد أن كان يتحدث عن بغض الكافرين، صار يتحدث عن لزوم محبتهم فطرياً وإنسانياً.
- بعد أن كان يحذر من بدع التشيع والتصوف، صار يقرر أن ثمة أموراً مشتركات بيننا.
- بعد أن كان يتحدث عن خطورة تغريب المرأة، وأدوات ذلك، غدا يكلمنا عن ظلم المرأة.
- بعد أن كان يقرر وجوب خلو المعاملات المالية من أي شائبة للربا والمحرمات، بدا يفصل ويقرر مقدار المحرم ونسبته في المعاملات، وعليه يبني الفتوى.
وأشياء أخرى لا يحصيها المقام، فهذه النظرة الجديدة ولد موقفاً جديداً، لقد دخلت تيارات كثيرة في نطاق الصداقة مع هذا الجناح من التيار السلفي، فنشأت بينهم مودة وإعجاب، كانت من جانب هذا الجناح أظهر وأكثر. وفي المقابل ساءت نظر بقية التيار لهذا الجناح، فأكثرت من العويل عليه، والتحذير من مسلكه، واعتباره منقلباً على المنهج نفسه، ذلك ولد موقفاً مضاداً حمله على الجفاء إلى حد الامتعاض، بل وفي بعض الحالات القطيعة والهجر.
فبعد أن كان الهجر بين التيار والتيارات الأخرى، إذا بهذا الجناح يجافي بني مذهبه، ليصل ويلتقي مع الذين كانوا محل هجره وقطيعته بالأمس.
ما كان يخافه التيار بالأمس قد وقع .. انتهى عهد التميز، خصوصاً مع سكوت بقية التيار الملتزمين السنة الأولى، عن الكلام في كثير من القضايا، إما حذرا وإما كسلا ويأسا. وهكذا صار كثير من الناس لا يفرقون بين سلفي المنبت والمدرسة، والصوفي، والليبرالي، والعصراني، فكلهم يتكلمون في القضية الواحدة، التي كانت محل نزاع وتنافر وهجر، كلمة رجل واحد، بلغة واحدة، وهدف واحد، وأسلوب ومصطلح واحد .. حصل التداخل.
ما فرح أحد بهذا مثلما فرح الآخرون؛ إذ رأوا في هذا المسلك قضاء على سطوة التيار في فهم الإسلام وتفسير النصوص، وخدمة لأهداف لطالما ضحوا من أجلها، في قضية بدت لهم وكأنها خاسرة، هي اليوم تخدم من قبل التيار المهيمن.
стр. 1159
لقد كان من الحجج: أن الوضع الراهن يحتاج إلى مزيد من اليسر، وإلا فإن الناس ينفرون من الدين، ويبقى بلا أنصار. ونكون بذلك جنينا على الدين.
لكن البقية رفضوا هذا التحليل، ورأوا أنها فرصة فوتت وضيعت، فحيث كافح هذا التيار ليقول كلمة الحق جلية، وجاهد من أجلها وضحى، فلما انجلت الأمور، وصارت الكلمة ميسرة، والحرية واسعة، والناس في عطش، واستعداد لصعود الجبال، لما يجدونه من ألم الروح وعذاب البعد عن الله تعالى، إذا بهؤلاء الميسرين المجددين يمتطون التعمية، والإغماض في المواقف، فصاروا كمن يشكوا ظلام الليل، ومشقة السير فيه، فلما تجلى له النهار عن شمس ليس دونها غيم: سكن، فلم يتحرك، وإذا ما تحرك، فللتخفي عن الأنظار.
كثير من المراقبين يرون أن السلفية بكافة تياراتها، الملتزمة بالطريقة الأولى، والسائرة في طريقها الجديدة، فوتت على نفسها فرصة استغلال حرية الكلمة، والفضاء المتاح، المتصل بأجزاء العالم كله، لِبَثِّ رؤيتها ومذهبها، مع شدة حاجة الناس إليها، في ظل التخبط الذي يعيش فيه العالم.
فأما الملتزمة فسكوتها غير المبرر، ولو كانت تبررها، أضاع عليها الفرصة، وأما المجددة فتركها لمصطلحها ونوعية خطابها إلى نوعية ومصطلحات الآخرين، خدم مصلحة وأهداف الآخرين لا مصلحتها، إلا إن كان منها من تنكر كليا للمذهب الأول، فذلك أمر آخر.
ولا يزال الناس، يعظمون الصراحة والوضوح، ويمقتون التعمية والغبش، ويعتقدون أن كل من كان واضحاً صريحاً، فهو الجدير بالاحترام، والاتباع كذلك.
وفي المذهب السلفي كل شيء يمكن إبرازه، وتوضيحه من غير خجل، ولا الخوف من النقد، فهذا المذهب هو الذي يرجع بالفقه إلى الصحابة والقرون المفضلة، وهؤلاء هم أولى الناس بمعرفة الإسلام وتفسيره كما أراد الله تعالى، وهكذا فإن حقيقة المذهب السلفي: أنه التفسير الصحيح للإسلام، بشرط أن يلتزم المنتسبون إليه فقه الصحابة، وإلا فالألقاب لا تقدم ولا تؤخر.
لم يكن الكلام السابق نقداً، بقدر ما كان عرضاً لواقعة وقعت، فالموقف السلفي الأول عليه، في بعض الأمور، ما على التالي الجديد، فقد أصاب وأخطأ، وإن كان صوابه أكثر، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث، وإن كان ذلك لا يمنع من الفحص والبحث، لكن النقد يتجه على الطريقة التي تحكم على نفسها بالغياب، عندما تترك لونها وتلون نفسها بألوان الآخرين، وتستبدل صورتها بصور الآخرين، فتضعها في إطار تصنعها، وما يصنع الناس بالإطار، وإنما العبرة في الصورة.
إن استعمال المفاصلة التامة الحادة في كل مقام، مع جميع المخالفين، باختلاف أنواعهم وأقسامهم خطأ جلي محض، وتعطيلها كلياً كذلك هو خطأ، والحكمة: معرفة متى ينبغي تعطيلها كلياً أو جزئياً، ومتى يمكن إعمالها كلياً أو جزئياً. وصفتها موجودة في القرآن والسنة والسيرة.
وتميز أهل الحق بكل ما يميز ويظهر الحق الذي عندهم أمر واجب، وإلا فإنه يضل ولا يهدي، فإذا ما انماع أحد في أحدهما (= المفاصلة التامة، أو تعطيل المفاصلة كلياً) فإنه يضر ضرراً بالغاً.
إن الكلام في هذا كثير وطويل، وحسبي أني ألقيت حملاً كان ينوء به قلبي وصدري، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ثمة قضية أود التحدث عنها منذ مدة .. عن هذه النقلة الفكرية، الثقافية، الدينية الظاهرة، الحادثة، الجارية في بنية المجتمع .. التي بدت أثرا عن التغيرات والتداخلات في المواقف الشرعية للاتجاه السلفي، وغلبة رؤى ومفاهيم اتجاهات أخرى مختلفة، أتيح لها استغلال الظرف أحسن الاستغلال.
стр. 1160
اتباع الهوى
د. إبراهيم بن عبد الله الزهراني
الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، هو أصل دين الإسلام، فمن أسلم وجهه لله، ووقف عند حدود الله، فقد اهتدى، ونال الدرجات العلى. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٤٠،٤١)، وأما من اتبع نفسه هواها، فإن عاقبته الهلاك، والخذلان.
وذلك أن المعاصي، والبدع، كلها منشأها من تقديم الهوى على الشرع. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٣٧ـ ٣٩).
إن فساد الدين يقع بالاعتقاد بالباطل، أو بالعمل بخلاف الحق "فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصى الرب، ودُخلت النار، وحلت العقوبات" ولذلك ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا على سبيل الذم، وأمر بمخالفته، وبين أن العبد إن لم يتبع الحق والهدى، اتبع هواه.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص:٥٠)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٦)، وقال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النساء:١٣٥).
مفاسد إتباع الهوى:
• إن اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع"،خلاف مقصود الشرع؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً".
• صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:٢٣) قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" وقال عبد الله بن عون البصري:"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه".
• صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.
قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم".
стр. 1161
• صاحب الهوى ـ إذا كان عنده شيء من العلم الشرعي ـ مفزع كل مفترٍ، ومأوى كل مبطلٍ، ومستشار كل طاغٍ، وفتنة كل جاهل، بما يسوغه لهم من الآراء الباطلة، ويسوقه لهم من الأدلة الزائفة، ويلبس عليهم به من الشبه الصارفة.
قال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل؛ ليعموا بها عباد الله".
• صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجراً في خاصرة الأمة، وسوطاً يلهبُ ظهرَها، وعيناً يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، داعيةً لتثبيط العزائم، إماماً لكل متهتك وخائن.
• صاحب الهوى مفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه.
تراه معتزلاً كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلا، مقرباً لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلا.
قال سعيد بن عنبسة: "ما ابتدع رجل بدعة إلا غلَّ صدرُه على المسلمين، واختلجتْ منه الأمانة" وذلك لأن "جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحابّ والتآلف إنما هو بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ (مريم:٩٦) أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة".
المصدر: شبكة القلم الفكرية.
стр. 1162
المفاهيم العقدية في أحداث غزة
بين الثبات والضياع
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف على موقع الدرر السنية
١٤/ ١/١٤٣٠هـ
الحمد لله الواحد القهار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار.
أما بعد:
فلقد أظهرت أحداث غزة المؤمنة، غزة الصابرة، كثيراً من المعاني والمفاهيم العقدية التي تكلم عنها العلماء قديماً وحديثاً، فكانت ابتلاءً وامتحاناً للمسلمين وتمحيصاً لهم: ?وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ? [العنكبوت:١١]، فأظهر الله حقائق الإيمان وأثرها على أرض الواقع وهذا مما يزيد المؤمن يقيناً ويزيد أهل هذه المعاني ثباتاً على دينهم وجهادهم.
فما حصل في غزة ليس شراً محضاً بل فيه خيرٌ كثير يعرفه من نوَّر الله بصيرته بالإيمان، قال الله تعالى: ?كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون? [البقرة:٢١٦]
ومن تابع الأحداثَ، ومجرياتِ الأمور، وشاهدَ ما حصل لأهل غزة، وما تبع ذلك من تصريحاتٍ، وبياناتٍ، وفتاوى، ومظاهراتٍ، ظهر له جلياً الفرقُ بين دراسة مسائل الإيمان والعقيدة نظرياً في المساجد والفصول الدراسية، وبين تطبيق مقتضياتها في ميادين الجهاد وعلى أرض الواقع، حيث تُمحَّص القَناعات، ويظهر أثرُ اليقين على النفوس، ويثبِّتُ الله من أراد به خيراً من أهل الصدق وحسن التوكل عليه، ويوفقه للعمل بمقتضيات الإيمان والتقوى، وأسُّ هذا الأمر: المعتقد الصحيح الذي من تمسَّك به علماً واستدلالاً كان أقرب للتحقق به عملاً، فجمع الله لأهل الثغر بين الفضيلتين، ومن هذه المعاني التي تجلت بوضوح سواءً لأهالي غزة أو لغيرهم من المؤمنين الصادقين والتي دلت على ثباتهم ورسوخ عقيدتهم: الإيمانُ بالقضاء والقدر، وصدقُ اللجوء إلى الله والتوكلُ عليه، ومعاني الأخوة الإيمانية، وحُسْنُ الظن بالله، واليقينُ بموعودِ الله ونصره، وفي المقابل: هناك قوم سقطوا في الفتنة وخدشوا توحيدهم أو نقضوا إيمانهم بمظاهرة الكافرين على المسلمين وإخلالهم بعقيدة الولاء والبراء وسوء ظنهم بالله تعالى.
ومن هنا كان لابد من إيضاح هذه المعاني لأن أحداث غزة باتت امتحاناً عملياً اجتازه من وفقه الله وسقط فيه من لم يرد الله به خيراً ?ألا في الفتنة سقطوا? [التوبة:٤٩]
стр. 1163
أمّا الإيمانُ بقضاءِ الله وقدرِه: فهو ركنٌ من أركان الإيمان، كما في الحديث الصحيح: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فلا يستقيم إيمانُ العبد إلا به، وقد تجلَّى هذا واضحاً في أحداث غزة، حيث شاهد كثيرٌ من الناس على الشاشات الإعلامية مرات عديدة من فقدوا جميع أهليهم وذويهم أو أكثرهم والطائرات فوق رؤوسهم وهم يرددون: الحمد لله، الحمد لله على قدر الله. ومنهم من يقول: نحسبهم شهداء عند الله، وغيرها من العبارات الإيمانية، فلله درُّهم!. أمَّا المجاهدون فقد ضربوا أروع المثل بإيمانهم بقضاء الله وقدره، صبرٌ بلا جزع، ورضىً بلا هلع، ونحن بدورنا علينا أن نؤمن بأن ما يصيب أهل غزة اليوم من قتلٍ وتدميرٍ وجرحٍ وألمٍ وجوعٍ هو قضاء الله في عباده المؤمنين، ?قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ? (التوبة:٥١)، وأن تكالب الأعداء من اليهود والنصارى والمنافقين على إخواننا المسلمين في غزة وحصارهم وقتلهم إنما هو من قدر الله، وقدر الله نافذ وهو موافق لحكمته ولا يكون قدر الله إلا خيراً. ?وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ? [محمد:٤]
стр. 1164
وأمَّا صدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه: فمن فوائد هذه الأحداث انقطاع حبل التوكّل بين المجاهدين في غزة وبين الخلق أجمعين، فالله لا يرضى أن يصرف عبدُه قلبَه إلى غيره، وقد رأينا هذا وسمعناه مراراً في تصريحاتِ عددٍ من مسؤوليهم وقادتهم، ونحسبهم -والله حسيبهم- من الصادقين والمتوكلين على ربهم وقد أخذوا بكافة الأسباب الممكنة عسكرياً وسياسياً، ثم فوضوا أمرهم إلى الله ولم يركنوا لسواه مع علمهم بأن كبرى دول العالم ضدَّهم، يخوفونهم ويهددونهم، والله تعالى يقول في كتابه ? أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ? (الزمر:٣٦)، وبهذا يكونون قد ضربوا للعالم أروع معاني التوكل على الله، وقد فطن لهذا المعنى كثيرٌ من علماء المسلمين ودعاتهم الذين سعوا لتثبيت إخوانهم في بياناتهم وخطاباتهم عندما أكَّدوا على هذا المعنى ونصحوا إخوانهم في غزة بأن لا يلجأوا إلا إلى الله، ولا يؤمِّلوا خيراً في مجلس الأمن، ولا الأمم المتحدة، ولا منظمات حقوق الإنسان ولا يستجدوا فلاناً أوفلاناً، فكلُّ هؤلاء لا يُغنون عنهم من الله شيئاً، فالتوكُّلُ يكون عليه وحده دون سواه، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى في سورة (التوبة): ? لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ?: (يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بِعَددهم ولا بِعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولّوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ ، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ... ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قلّ الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) أ. هـ، وفي انقطاع ما بينهم وبين الخلق كما هو حالهم الآن ما يفضي إلى مزيدِ تعلُّقٍ بالله ، مع يأسهم مما في أيدي الناس وهو مُؤْذِنٌ إن شاء الله بعاجل نصر الله.
وفي المقابل: كان هذا الأمر امتحاناً وفتنة سقط فيها كثيرٌ من الزعماء والعلمانيين والإعلاميين، كما أوجدت خَدْشاً في بعض البيانات والخطابات والتحركات التي كان من ضمنها مناشدة هذه المنظمات بوضع حدٍّ للحرب وكأنه خافٍ عليهم قول الله تعالى: ?وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ? [البقرة:١٢٠]
стр. 1165
أمَّا الأخوة الإيمانية والولاء للمؤمنين: فقد ظهرت أسمى معانيها في أحداث غزة ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ? [التوبة:٧١]، فما أن اندلعت الحرب حتى هُرِعَ المسلمون من جميع أقطار المعمورة - عرباً وعجماً- يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء في صلاتهم إحياءً لسنة قنوت النازلة، ثم تتابعت البيانات والفتاوى التي تدعو لنصرة إخواننا في غزة، وخرج كثيرٌ من الناس بشتى أجناسهم وأعمارهم وطبقاتهم إلى الشوارع يطالبون بإيقاف الحرب، بل طالب كثيرٌ منهم بفتح باب الجهاد ليجاهدوا في سبيل الله معهم، لكن حيل بينهم وبين ذلك! فلله الأمر من قبلُ ومن بعد، كما أنه ما أن أعلنت بعضُ الجهات المختصة بجمع التبرعات لمنكوبي غزة حتى قام كثيرٌ من الناس رجالاً ونساءً بالإنفاق في سبيل الله، وكلُّ ذلك دليلٌ على الأخوةِ الإيمانية وولائهم للمؤمنين.
وفي المقابل: سقط آخرون وأصبحوا يتحدثون عن أخطاء حماس وأنها سبب كل ما يحدث، بل إن أحدهم كتب في إحدى الصحف العربية: اضربيهم إسرائيل ولا تبقي منهم أحداً!! فأين هذا من الأخوة الإيمانية؟!
ومما يؤسف له أن بعض أهل العلم والفضل لا تجد لهم أثراً رغم كل هذه الأحداث العصيبة، وكأن الأمر لا يعنيهم! وهم من أفقه الناس -نظرياً- بحديث علي بن أبي طالب ﵁ في (صحيح البخاري) مرفوعاً: (وذِمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم)
وأمَّا عقيدة البراء من الكافرين وعدم مظاهرتهم على المسلمين: فهذه أصبحت من النظريات، ولا علاقة لها بالواقع مع أن الله يقول: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [المائدة:٥١] وقد عدَّ علماءُ الإسلام مظاهرة المشركين على المسلمين من نواقض الإسلام.
ألا فليحذر كلُّ من أعان اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على قتال المسلمين من مقت الجبَّار وغضبه وعقابه.
وأما حسن الظن بالله: فينبغي للمسلم أن لا يسيء الظن بالله تعالى فمن ظنَّ أنَّ الله ينصر اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على المسلمين نصراً دائماً، أو أن الحق سيظل مغلوباً من قبل الباطل، أو أن ما يجري لا حكمة فيه، أو أنه يحصل عبثاً، فقد أساء الظنَّ بالله، والله تعالى يقول محذراً من سوء الظن به ?يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ? [آل عمران:١٥٤] فهذه الأمور المؤلمة التي نراها إنما تحدث لحكمة يعلمها الله، فَالله تعالى مَا قدَّرها سُدًى، ولا أنشأها عبثاً، ولا خلقها باطلاً، فهذا من حسن الظن بالله تعالى.
أما اليقين بموعود الله ونصره: فهذا من مقتضيات الإيمان بالله والتصديق برسوله ﷺ فقد جاء عن أبى هريرة ﵁ أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِىُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِىٌّ خَلْفِى فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) فمن مقتضيات الإيمان بالنبي ﷺ تصديق هذا الوعد بأن نهاية اليهود على أيدي المسلمين، فابشروا أيها المسلمون، وأمِّلوا، وأحسنوا الظنَّ بربكم، فالنصر آت، وانصروا الله ينصركم ?وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ? [الحج:٤٠]
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 1166
مذبحة غزة وحوار الأديان
د. رياض بن محمد المسيميري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في الوقت الذي تمارس فيه ورش العمل المنبثقة عن مؤتمرات حوار الأديان أعمالها وتنظم أوراقها في دهاليز العواصم العربية والعالمية!
وفي الوقت الذي قدم فيه البعض فتاواه الرخيصة للدفاع عن تلك الحوارات البائسة وإن صادمت أصول الدين وثوابت العقيدة!
وفي الوقت الذي حاول فيه آخرون ليَّ أعناق النصوص وحمل آيات مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ونظيراتها إلى تبرير حقيقة ما يجري من تقريب بين الأديان, ونسف لقواعد الإيمان.
كان لليهود لغتهم الخاصة في التحاور, فقد أمطروا بقنابلهم وصواريخهم غزة الباسلة وجنودها المرابطين؛ ليعلنوا للعالم أجمع أنهم مثاليون جداً على مائدة الحوار شريطة أن تكون مقاعد الحوار مدرعات مصفحة, ودبابات محصنة, وطاولة الحوار أرض بحجم غزة تعلوها الأشلاء الممزقة, والدماءالمضرجة, والأطفال المقطعو الأوصال!
لغة يهود في الحوار هدم للمساجد على المصلين وقصف للمستشفيات على رؤوس المرضى والمصابين.
لغة لا تعبر عن مكنونات الصدور, وخبايا النفوس إلا عبر فوهات البنادق, وأزيز الطائرات الأمريكية الصنع؛ لتصك أسماع الذين شرَّقوا وغرَّبوا, وقاموا وقعدوا, وحاضروا وناظروا, وملئوا الدنيا ضجيجاً داعيين للحوار مع وحوش العالم من يهود ونصارى ضاربين بتاريخ الصراع بين المسلمين وأولئك الأوباش عرض الحائط, بل كاذبين على الله حين حاولوا إقناع الجماهير بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية العطرة ملئ بآيات الحوار ومواقف حوارية احتضنتها المدينة المنورة إبَّان القرون المفضلة, ناسين أو متناسيين أن آيات الحوار ومواقف النبي الأعظم ﷺ كلها كانت مؤكدة على الدوام أن الحوار لا يمثل سوى وسيلة لإقناع الآخرين بعدالة الإسلام, وأنه الدين الوحيد الذي لا يصلح غيره ولا يرضى الله سواه.
حوار قائم على ثوابت لا تتغير, وأصول لا تبدل, وقواعد لا تضطرب؛ فلا إلحاد ولا وثنية, ولا شرك ولا كفر, ولا بدعة ولا فسوق, ولا صلب ولا تعميد, ولا كنائس ولا ِبيع, ولا تثليث ولا تربيع!!
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَاأُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ المائدة٦٧
﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ البقرة:١٢٠
ليت الذين يبررون كل ما يُرتكب من أخطاء ويضفون عليها الشرعية اللازمة؛ يدركون أن هناك من يفوقهم علماً وفقهاً, وأنهم ليسوا بعاجزين عن فضح خلطهم وحماقاتهم, وإبلاغ الأمة العلم الصحيح والفقه المبني على الدليل والبرهان الساطع.
إن علينا أن نتعامل مع الكافر الغاشم بأن لنا ديننا ولهم دينهم, وأننا لن نحيد عن ديننا قيد أنملة؛ لأننا الأعلون وهم الأسفلون, ونحن الأعزة وهم الأذلة الأرذلون!
إن علينا أن نوصل إلى العالم رسالة مفادها أن ديننا شريعة إلهية, ورسالة ربانية واصطفاء سماوي لا خيار لنا ولا لأحد في قبوله أو رده ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران:٨٥
فنحن عبيد مربوبون لله, يحكم بنا بما يشاء ويفعل ما يريد, لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا متقدم بين يديه سبحانه.
لقد أثبتت قنابل إسرائيل وطائراتها فشل كل الأطروحات والسياسات, والمحاضرات والمناظرات, والكتابات الداعية إلى بيع القضية الإسلامية والخيار الإسلامي واستبدالها بتعايش باهت وسلام من طرف واحد.
وبينت لكل من لا يزال يتمتع بمسكة عقل أن لغة الحوار الوحيدة التي ستبقى مفهومها للجميع حتى يرث الله الأرض ومن عليها هي ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ التوبة:٢٩
اللهم لطفك بنا وبغزة وأهلها.
стр. 1167
دماء غزة تغذي شريان الأمة
د. محمد قطب
أعاد التاريخ نفسه يوم السبت ٢٧ - ١٢ - ٢٠٠٨ عندما ارتكب جيش الإرهاب الصهيوني مجزرة جديدة تضاف لسجل اليهود القديم المليئ بإرهاب الآمنين وقتل الأبرياء ونشر الخراب والدمار. وهذا يذكرنا بمجازر العدو الصهيوني المشابهة ابتداء بدير ياسين وقبية وصبرة وشاتيلا وقانا وجنين والآن غزة المحاصرة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثمائة شهيد وأكثر من ألف جريح والأرقام في ازدياد والعدو يقول أن هذه البداية فقط. ولعل هذه المجازر من استراتيجية اليهود المطردة لفرض سيطرتهم وتوضيح الفرق في موازين القوى وتذكير الأمة العربية والإسلامية أن إسرائيل تفعل ما تشاء وقتما تشاء تحت مرآىً ومسمع العالم دون أي رادع من قانون أو قوة. غير أن توقيت هذا الذبح الجماعي يبدو مرتبطا رباطا وثيقا بالانتخابات الإسرائيلية القادمة في رسالة واضحة أن الفوز في الانتخابات مرهون بعدد الجثث الفلسطينية التي يمشي فوقها المرشح للرئاسة.
وكما جرت العادة, تنهال الإدانات الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع على هذا الإجرام. لكن المطلوب الآن فزعة واسعة على مستوى الأمة جمعاء مطالبة بدم هؤلاء الأبرياء وفتح المعابر لإسعاف المصابين والمرضى وتوفير العلاج اللازم لهم. المطلوب هو ضغط شعبي وبرلماني واسع على الحكومات لقطع العلاقات مع هذا الكيان المجرم وإلغاء الاتفاقيات السابقة معه التي يخرقها ليل نهار، وإلإعداد والإستعداد الذي أمرنا الله تعالى به. والذي يتوج هذه التحركات كلها هو رجعة صادقة للإسلام الذي لا عز لنا إلا به ومن خلال عقيدته وتعاليمه.
الهدف المعلن لهذا القتل الهمجي هو استهداف حركة حماس وبنيتها التحتية, فقد طمأننا أولمرت ومن معه أنهم لا يقصدون المدنيين ولا غزة بأكملها وإنما يضربون بدقة متناهية مواقع حماس وأسلحتها فقط! فهل هؤلاء الأطفال الرضع الممزقين أشلاءً كانوا كذلك ممن ساعدوا بإطلاق الصواريخ؟ وهل هذه الأعداد المهولة كلها من أتباع حماس ومناصريهم؟ ثم ردا على استثارة اليهود شفقتنا عليهم وما يعانيه سكان الجنوب من وقوع مئات الصواريخ على قراهم بعد انتهاء التهدئة, السؤال الذي يطرح نفسه هو: "كم يهودي قتل أو أصيب جراء إطلاق هذه الصواريخ قبل حدوث المجزرة؟ " والجواب هو: صفر. لم يقتل أو يصب أحد. لكن التحذير الأمريكي شديد اللهجة والإدانات العالمية توجه كعادتها لحماس وصواريخ القسام وليس لشلالات الدم الناتجة عن ذبح وجرح قرابة ألف وخمسمئة فلسطيني محاصر. وهذا هو الصلف اليهودي الذي يساوي بين مجرد خوف بعض اليهود من سكان المغتصبات الجنوبية وسفك دماء المئات من الأبرياء المشردين.
الموقف الأمريكي من هذا كله ليس مستغربا فقد عودتنا أمريكا أنه كلما خرج بيان استنكار أو قرار إدانة لإسرائيل من قبل مجلس الأمن وقفت هي بالمرصاد بسلاح الفيتو في كل مرة. لكن الملاحظ هذه المرة هو وقاحة وزيرة الخارجية رايس الصريحة التي لم تعبر حتى بكلمة واحدة ولو كذبا عن أسف الإدارة الأمريكية لرؤية ذلك العدد الخيالي من الضحايا وإنما على العكس جاء التحذير منهم مدويا ضد حماس وإطلاق الصواريخ. لم تأبه بثلاثمائة نفس فلسطينية وألف جريح وكأنهم نفس واحدة, مقتفية أثر سابقتها في عهد كلنتون مادلين أولبرايت حنيما سئلت عام ١٩٩٦ عن الحصار ضد العراق وموت أكثر من نصف مليون طفل ظلما "هل هذا الثمن مناسب؟ " فردت: " أعتقد أن هذا قرار صعب جدا, أما الثمن, نعم نعتقد أن الثمن مناسب." نعم لقد فضحهم لنا الحق في قوله: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون﴾.
стр. 1168
ترى إلى متى ونحن نضع كل آمالنا على مجلس الأمن واللجنة الرباعية والمنظمات الدولية هنا وهناك الذين التزموا الصمت حيال هذه الإبادة المنظمة المتواصلة في فلسطين الحبيبة؟ نعم مقارنة بما يجب أن نسمعه ونراه من تحركات في ظل ما يجري, الإنكار والشجب الأجوف هو بمثابة صمت ورضا بذلك الإرهاب الأرعن. أما لو قتلت صواريخ القسام عشرة جنود محاربين يهود في سديروت أو عسقلان, لقامت الدنيا ولم تقعد فكيف وقد قتلت الغارات الصهيونية ما يربو على ثلاثمئة إنسان أعزل محاصر مجوع وأصابت أكثر من ألف وأغلبهم أطفال ونساء وشيوخ وغالبا لا يمتون إلى المقاومة والجهاد بصلة.
الهدف الأبرز لليهود هو ضرب المقاومة المسلحة وروح الجهاد في الأمة. فالمطلوب إما استسلام تام وتطبيع كامل مع العدو مكللا بسلطة فلسطينية تقبل الإملاءات الإسرائيلية وتسهر عليها وتسكت عن جرائمها وإما تهدئة تلو الأخرى تمكن الصهاينة من الاستمرار في بناء المستوطنات والجدار الفاصل والحفريات السرية استعدادا لهدم الأقصى وبناء الهيكل الثالث المزعوم.
في عصرنا هذا الذي رق فيه الدين وذبل, وعزف عنه المسلمون وغيرهم وغاب عن أذهان الكثيرين في قرارات الأمة المصيرية وأصبحت التصريحات والخطاب سياسيا مكررا معدا مسبقا, اضطررنا كثيرا إلى استعمال ذلك الخطاب السياسي البحت لمداراة تلك الأصوات التي تدعي الحكمة وتدعونا للكلام بالمنطق والموضوعية والابتعاد عن الدين والعواطف. لكن المتأمل الفاحص يجد أن ذاك الخطاب محدود جدا وساذج وفي الغالب انهزامي واستسلامي ويغفل الجوانب العقدية المهمة التي تحكم هذا الصراع بيننا وبين اليهود. فقد أصبح من نافلة القول أن كل تحركات الصهاينة السياسية تنبع من اعتقاداتهم الدينية ورغبتهم في تحقيق وعود التوراة المحرفة لهم بالسيطرة على كل فلسطين كمنحة إلهية لهم. ولئن انهال العرب خاصة العلمانيين منهم وراء سراب فصل الدين عن الدولة والعقيدة عن السياسة في محاولة بائسة لمحاكاة النظم الغربية الحديثة فقد أعلن اليهود صراحة أن الدين والدولة شيء واحد عندهم وأنهم في خدمة بعضهم البعض. ففي الندوة التي عقدت في إسرائيل في ١٩٨١ قال د. مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق: "أود أن أطمئنكم أننا في مصر نفرق بين الدين والقومية, ولا نقبل أبدا أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة إلى معتقداتنا الدينية" فوقف أحد الأساتذة الإسرائيليين المتخصصين قائلا: " إنكم أيها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة, ولكني أحب أن أقول لكم: إننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط , بل إننا نؤكد أن اليهودية هي دين, وشعب, ووطن" ثم رد أستاذ آخر بمثل ما قال الأول.
وإن كان تجنب هذه الجوانب عمدا أو من غير قصد فالنتيجة واحدة وهي أن اختزال الكلام في الجانب السياسي الآني يعمينا عن أهدافهم الحقيقية وتاريخ قتلهم وظلمهم لنا ومخططاتهم المستقبلية, وهذا بالضبط ما يسعون لتحقيقه.
стр. 1169
فهم لا يفتؤون يطمئنوننا أن جيش الدفاع الإسرائيلي, كما يسمونه زورا وبهتانا, يتعامل بأعلى درجات أخلاقيات الحرب, وكأننا ولدنا من قريب أو نسينا مجازرهم السابقة التي لا يزال الجرح منها يثغب دما في قلوبنا. وحتى لا ننجر كعادتنا وراء السراب الإعلامي والخطاب الصهيوني المتكرر يجب ألا ننسى أن حقدهم الدفين نابع من تعاليمهم العنصرية المحرضة على كراهية كل ما ليس يهودي. هجومهم الوحشي على غزة هو في واقع الحال هجوم على كل مسلم موحد ودينه وقرآنه وجهاده واستخفاف بالدم العربي المسلم وإلا فكيف يستحلون هذا القتل الجماعي الإرهابي غير آبهين لا بالأرواح المهدرة ولا بالمجتمع الدولي ولا قرارات الشرعية الدولية. كل هذا ليس إلا مصداق ما قاله من لا ينطق عن الهوى, نبينا محمد ﵊ في طرف من حديثه: ( .. ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ... ) وهذا عندما خلدنا إلى الدنيا وكرهنا الجهاد وتركنا منهج ربنا العليم الخبير. وربما ازدادوا جرأة في إرهابهم الأخير هذا بعد أن أخذت وزيرة الخارجية ليفني الموافقة الضمنية بعد زيارتها لمصر.
أعداء الدين كثيرا ما يلجؤون إلى إخفاء حقدهم وكراهيتهم لنا بتطييب الكلام كما وصفهم من هو عليم بذات الصدور: ﴿ ... يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون﴾. لكن بعض أعداء الإنسانية تجاوزوا بوقاحتهم حتى ذلك فأعلنوها بملء أفواههم. فهذا رافائيل إيتان قائد الأركان السابق في إسرائيل الذي قال قديما: "بعد أن نستقر في هذه الأرض (فلسطين) , كل ما يستطيع العرب فعله هو العدو مثل الصراصير المخدرة في الزجاجة." طبعا هذا الكلام يترفع عنه من له أدنى ذوق إنساني فضلا عن الذوق الأدبي, لكن الناظر لما يحدث في غزة المحاصرة اليوم والصهاينة وأولياؤهم متفرجون مصفقون يرى كيف طبق هذا الأمر بحذافيره, كمن حبس صراصير في زجاجة ثم رشهم بمبيد الحشرات. وشمعون بيريزالذي صافحه شيخ الأزهر من قريب قال بصريح العبارة: "إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرا سيفه ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد." وهذا طبعا غيض من فيض. إذن استهدافهم لحماس هو لعقر المشروع الإسلامي الذي يوقنون بأنه وحده الذي سيقلب موازين القوى ليرد الحق إلى أصحابه. أما غير ذلك من رايات وشعارات وإن كانت مقاومة غير مستسلمة فلا تخيف اليهود ولا يحسبون لها حسابا.
حان الأوان أن نعود لكتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لصقل أفكارنا وتصويب آرائنا في طريقة تعاملنا مع اليهود. فمن يقرأ قوله تعالى مخاطبا رسوله ﷺ عن اليهود: ﴿ ... يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم ... ﴾ لا يطمئن لهم أبدا ولا يعول على كلامهم فإن عبارة "ولا تزال" تفيد الاستمرار, وبهذا يوقن المسلم أنهم أهل خيانة وغدر وكذب أبد الآبدين إلا قليلا منهم, مما يمنعه من الركون إليهم والهرع لعقد الإتفاقيات الجوفاء معهم.
ما أشبه اليوم بالبارحة عندما حوصر العراق وجوع اثني عشر عاما حتى خارت قواه قبل أن تدك قوات الغزو ذاك البلد المنهك بالصواريخ والنار لتدمره بالكامل. كأن حصار القطاع الظالم المستمر لعدة أشهر لم يكن كافيا, جاء هذا الإرهاب اليهودي ليقتل ما تبقى من حياة أو رمق في جسم غزة الهزيل.
عذرا أهل غزة فيبدو أن الله كتب لكم أن يكون إحياء ضمير الأمة الإسلامية والعالم أجمع على أشلاء أجسادكم الطاهرة ودمائكم الزكية وخراب حياتكم وأنقاض بيوتكم.
صبرا أهل غزة فأنتم من يحمي شرف الأمة ومقدساتها ودماؤكم لن تذهب هدرا بل ستسير في حبل وريد الأمة لتحيي مواتها بإذن الله, إذا عرفنا استغلال هذا الحدث الجلل في تجديد روح الأخوة في الله والجهاد والمقاومة في الأمة.
ترى هل تكون هذه صيحة النفير التي تستيقظ بها الأمة من رقادها لتعود للإسلام عقيدة وشريعة وحكما وسلوكا؟ هل تكون هذه العبرة للمسلمين أن النصر لا يكون إلا من عند الله وأن الولاء واجب للمؤمنين والعداء للكافرين وأن جهاد الكفار والمنافقين وما أكثرهم والغلظة عليهم هو سبيل النجاة الوحيد؟
أم هل تسطر هذه المجزرة مع سابقاتها في كتب التاريخ وذاكرة الأمة لتقرأ عنها الأجيال القادمة وتتأوه وتحوقل كما جرت العادة, منتظرة الحرب الجديدة والذبح القادم ليضاف إلى جانب مجزرة غزة المحاصرة في آخر عام ٢٠٠٨؟
стр. 1170
يا أصحاب الحجة والبيان ... لا تخطئوا العنوان !
عبدالعزيز مصطفى كامل
لا أريد بداية بهذه الكلمات أن أصدر بياناً مستقلا، فلست إلى هذا الشأن أو ما يدانيه أصل.
وأؤكد بداية أني لا أقلل من شأن البيانات والتصريحات التي صدرت عن فاجعة غزو غزة، فلست عن أهمية هذا أغفل.
ولا أقصد أن استكثر على أهل غزة أي جهد من القول وإن كان بنصف كلمة، ومن البذل ولو كان بشق ثمرة.
ولكن - ودعوني أقول (ولكن) - أريد لفت الانتباه إلى أننا في أكثر بياناتنا لمعظم ما يصيبنا؛ نصر على حرث البحر، وزرع الهواء، وتلقيح القبور ببذور الزهور، وذلك بتجاهل حقائق ما وراء المواقف، وتجاوزالحكم عليها وبيان الموقف العلمي الشرعي المطلوب فيها، وتعالوا نتأمل في ردود أفعالنا تجاه النوازل المتتابعة التي تعد البيانات الصادرة عن النخب العلمية والفكرية والدعوية أبرز صورها وأقوى صدى لها، لما تمثله من خلاصة رأي الخاصة، التي على العامة أن يأخذوا بها ويتحركوا على وفقها.
وأتجاوز هنا الحديث عن بيانات الهيئات والشخصيات والاتجاهات العلمانية، رسمية كانت أو شعبية، قاصدًا البيانات الصادرة عن فعالياتنا الإسلامية.
ولنأخذ النازلة الأخيرة في غزة نموذجًا، سواء طوال مدة الحصار، أو ما تلاها من فتح بوابات الجحيم والنار على إخواننا الصامدين:
• فأكثر بياناتنا منذ بدأ الحصار، تطالب وتناشد (المنظمات الدولية)، بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة، مع علمنا أنهم لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا! وتدل على ذلك عشرات إن لم تكن مئات المرات التي جرى فيها بيننا وبينهم حوار الطرشان دون إسماع أو إفهام!
• ومعظم البيانات والنداءات منذ بدأ الحصار، تناشد (الأنظمة العربية) أن تدخل "بكل ثقلها" لرفع المعاناة عن إخواننا، ونحن نعلم أن أكثر تلك الأنظمة كانت مشارِكة مشارَكة منظمة في صنع هذه الحالة، بوضع غزة تحت وطأة الحصار، توطئة لإدخالها تحت خط النار، والهدف إخراج حماس من المعادلة، لأن أجندتها لم تعد مناسبة لطريق الاعتراف والتطبيع الذي تتوجه إليه معظم تلك الأنظمة.
• ولم تخل بياناتنا طيلة مدة الحصار؛ من "مناشدة" الحكومة المصرية، بأن تتجمل وتتكرم، وتستجيب للنداء والرجاء والاستجداء، بفتح كوة التنفس من بوابة رفح، مع أن كثيرًا من الموقعين على البيانات التي صدرت سابقًا ولاحقًا يعرفون أن مصر الرسمية في حرب مع الاتجاهات الإسلامية ولو كانت سلمية في مصر والعالم منذ عقود طويلة، ولذلك كان بدهيًّا أن نتوقع استمرار الحصار مضروبًا حتى يحقق هدفه، وهو إسقاط حكومة حماس الجهادية بصيغتها الإخوانية التي ما يزال النظام المصري منهمكًا في حرب مفتوحة مع شقيقتها المصرية رغم سلمية طريقتها ومدنية نشاطها!
• وكل بياناتنا بشأن محنة إخواننا، كانت تنادي ولا تزال تطالب (الإخوة الفرقاء) بالالتقاء، ونسيان الخلافات وتوحيد الطروحات، مع يقيننا بأن الخلاف بين زعماء الفريقين خلاف تضاد منهجي، لا تنوع حركي، ومع علمنا بأن طريقي الإيمان والنفاق لا يلتقيان، وأن الأمانة والخيانة نقيضان لا يمتزجان، وأن صيغة الوحدة الوحيدة المقبولة لدى الأنظمة مصريًّا وفلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا، هي أن تركع حماس ومعها قيم الإيمان، لتخضع لسلطة عباس ولي الأمريكان، وأن تظل الرايات العلمانية هي المرفوعة مرفرفة إلى جوار رايات الدولة الصهيونية اليهودية.
стр. 1171
لهذا قلت وأقول: تبقى أمور من (البيان) ينبغي أن يراعيها ولا يتجاهل معانيها أي بيان أو تصريح أو فتوى أو تحرك يصدر عن خواص الأمة بشأن نوازل المسلمين حاضرًا أو مستقبلًا، وهي الأمور والقضايا التي تقف خلف المواقف والنوايا المعلنة من الأطراف في كل أزمة، ولا شك أن استكشاف ذلك ثم كشفه مهم، وهو ليس من الأمور المعضلة أو الخفايا الغامضة، بحيث نساهم بسكوتنا عنه أو تجاهلنا له في تحقيق مآرب المخططين، وتغطية سوءات المتآمرين؟ لا يكفي في الأحداث الكبيرة أن يعرف الناس تسلسلها والجديد فيها، بل الأهم من ذلك أن يعرفوا حقيقة ما أدى إليها وما يتوقع من ورائها، وهذه وظيفة الخواص في اقتناص لحظة الحدث لتحقيق (استفاضة البيان) بشأن القضايا التي تتوه في التفاصيل أويطويها النسيان.
إن ما يسمى - مثلا - (بالنظام الدولي) والذي أجهدنا أنفسنا في مناشدته "بالضغط " لرفع الحصار ثم السعي لوقف العدوان، هو بالضبط من أسبغ على ذلك الحصار ثم ذاك العدوان صبغة "الشرعية الدولية " تمامًا كما فعل في حصار العراق ثم العدوان عليه، وحصار أفغانستان ثم العدوان عليها، والحصارات التي فرضت ويمكن أن تفرض على بلاد أخرى إسلامية تمهيدًا للعدوان عليها، مثل السودان أو الصومال أو غيرها من شعوبنا الإسلامية المتربص بها لأهداف استكبارية، كما أن ذلك النظام الدولي هو الذى أعطى شرعيته الدولية منذ ست عقود لوجود الدولة الصهيونية المعتدية على أرضنا الإسلامية، إضافة إلى ذلك فإن (المجتمع) الدولي الرسمي تحت ذاك النظام هو الذي اجتمع مع أمريكا في حربها العالمية ضد المسلمين المقاومين للعدوان، باسم الحرب على (الإرهاب) التي كان ولابد أن تشمل منظمة حماس وفقًا للتصنيف الأمريكي، والتصفيق العربي.
• وإن ما يعرف (بالنظام العربي) في معظم دوله، كان من البدهي أن نفهم بأنه شريك رسمي معلن لأمريكا في حربها ضد ذلك "الإرهاب" المدعَى، فكان من غير المتوقع أن يرفع ذلك النظام حصارًا فرضته الحليفة الكبرى - أمريكا ـ لأن المحاصرين ليسوا فقط "حركة إرهابية" كما تصنفها الحكومة الأمريكية، ولكن "حكومة إرهابية" كما وصفتها الحكومة الصهيونية، وتبعتها منظمة "التحرير" الفلسطينية!
• وكذلك فإن (النظام المصري) الذي لم يسمح لجماعة الإخوان المسلمين "المسالمة" في مصر بالمشروعية عبر أكثر من نصف قرن مع تسميته لها (بالجماعة المنحلة) في عهوده المتتالية؛ لم يكن ليسمح - كما قال مسؤول رفيع في النظام - (بإمارة إسلامية) على حدود مصر، مع أن ذلك النظام وغيره رضوا واعترفوا وطبعوا مع دولة همجية عنصرية توسعية على حدود أربع دول عربية، مع علم الجميع بأنها تستهدف ما تحت كراسيهم، وما فوق عروشهم في خططها المعلنة المستقبلية!
• وهكذا أيضًا - يا موقعون - كيف تتوقعون بل كيف تطالبون في بياناتكم بمزج المنهج العلماني الوضيع، بمنهج الإسلام السامي الرفيع، عن طريق مناشدة الإسلاميين في فلسطين أن يكونوا صفًّا (واحدًا) مع العلمانيين الخائنين للوطن والدين؟ ومتى حدث في التاريخ أن يكون المنافقون والمؤمنون بعضهم أولياء بعض؟!
стр. 1172
• ثم إننا نتوهم ونوهم الآخرين، ونظل نتوقع ونوقع الآخرين في تحقق خرافة دعم الأنظمة للحركات المقاومة، ففي كل نازلة ترتفع الأصوات في البيانات والمؤتمرات والندوات منادية تلك الحكومات بإعلان الجهاد، ودعم حركات المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ومدها بما تحتاج إليه من مال وعتاد، مع ضرورة تحريك الجيوش التي تتسلح بالمليارات من ميزانيات قوت أطفالنا، وأدوية مرضانا، ومشاريع تشغيل شبابنا العاطل ومرافقنا المهملة. نطالب بذلك كل مرة مع تأكدنا بأن تلك الجيوش لم تعد لها وظيفة إلا حماية العروش، ومع يقيننا بأن الدور المناط بمعظم تلك الحكومات هو مقاومة المقاومة، حتى تبقى تلك الأنظمة وحلفاؤها سالمة.
• وأيضًا فإننا نسرف في التعويل على الصراخ والعويل في مظاهراتنا ومسيراتنا (السلمية)، تحت وقع الضربات (الحربية) التي تفتك بالآلاف من المدنيين قبل العسكريين، مطالبين بتدخل الزعماء دعمًا لتحرك الشعوب؛ مع أننا لم نر في أزمة من أزماتنا أن تظاهرات المحتجين وحدها؛ أعادت حقًّا، أو أرجعت أرضًا أو تبعتها مناصرة الرسميين، مدنيين أو عسكريين، خاصة في بلاد المسلمين، ولكن العسكر لو تحركوا، فلقمع المحتجين وتفريق المتظاهرين، أو على الأقل انتظارهم حتى يقضوا وطرهم وينفسوا احتقانهم ثم ينصرفوا "راشدين"!!
ساعة الحقيقة:
إذن نحن أمام ساعة حقيقة قدرية، تحتاج إلى مزيد من (بيان) الحقيقة الشرعية، حيث يتوجب على قادة الأمة من علمائها وأولي الرأي فيها أن يبينوا للناس ما وراء الأحداث، والحكم الشرعي في كل قضية حتى تُبنى عليها المواقف العملية، فالواقع المر أننا نقر في كثير من بياناتنا ونداءاتنا وترجياتنا، بشيء من شرعية ما تقوم به تلك النظم الدولية والإقليمية والمحلية، عندما نصر على إعطائها اعتبارًا ومصداقية، مهما صدر عنها من جنايات، وظهر من خيانات.
وما دام الأمر يتعلق بمطالبات ومناشدات؛ فدعونا نطالب "أعلام الموقعين" على البيانات، ممن نعلم سمعهم ونرجو جوابهم، أن يفيدوا الجماهير الغاضبة الصاخبة، بالأمور الواجبة شرعًا وعقلًا، عندما يستحكم تحالف المنافقين مع الكافرين، ويظهر ما كان مخفيًّا من التآمر عبر سنين، فيبينوا لهم ما هو الحكم الشرعي الواضح في المُصرين على تطبيع العلاقات مع المعتدين، وتنسيق التحركات مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، والتحالف مع الكفار الظاهرين ضد المسلمين المنافحين عن العرض والدين في فلسطين وغير فلسطين؟
نريد من (المبينين) المكلفين بالبلاغ المبين أن يدلوا عموم الأمة على سبل النصرة المتاحة، بعد أن صارت في غالبيتها غير مباحة بعد تحريم الأنظمة لها، وتجريمهم لمقترفها، بدءًا من غلق الحدود أمام المجاهدين، ومحاصرة طرق التواصل مع المقاومين، وإغلاق منافذ توصيل المساعدات والتبرعات المباشرة، ومرورًا بحرمان أصحاب المنابر حتى من النصرة بالحناجر، مع قمع المسيرات ومنع التظاهرات، ووصولًا إلى ما استمر طيلة فترة الحصار من منع القنوت العام في المساجد وتجريم التجمع فيها لمدارسة شئون المسلمين بدعوى عدم خلط السياسة بالدين!!
стр. 1173
إن من أعاجيب السلوك الممنهج في أوساط العلماء والمفكرين وطلبة العلم مع قضية فلسطين، التي تتجدد فصول مصائبها كل حين، أنها عبر السنين (الستين) الماضية، لا تزال ملفاتها (الشرعية) شاغرة، إلا من أقل القليل من الدراسات الجادة المعمقة للنوازل المتعلقة بها، والوسائل الشرعية لتحريرها، والفتاوى الموضحة لبيان الفرق بين الباطل والحق في السياسات التي تدار بها، وكذلك الاستراتيجيات السياسية والعسكرية التي تليق بجلال قضيتها. وقد كان مغرقًا في العجب إلى حد الغضب تلك الضجة التي أحدثتها فتوى الدكتور عوض القرني في ضرورة توسيع دائرة الجهاد ضد اليهود إلى خارج فلسطين، لفتح المجال أمام المسلمين خارج الأرض المقدسة للقيام بواجب مساعدة إخوانهم في الدين في مواجهة المعتدين الكافرين المجرمين!!
يا الله!! أبعد ستين عامًا من احتلال فلسطين ومناطق أخرى حول فلسطين، تطرح لأول مرة مثل تلك القضية في الأوساط العلمية فيثار لأجلها ذلك اللغط، لدرجة أن يتهم صاحبها بالغلط والشطط؟! لست هنا بصدد التأييد أو التنديد بالفتوى، فقد أتفق معها أو أخالفها بزيادة أو نقصان، ولكني أتساءل بل أسائل مجامعنا العلمية، ورموزنا الفقهية والفكرية، ألا يعد مجرد (بحث) هذه القضية وأمثالها في العقود الماضية على درجة من الأهمية بحيث تحتاج إلى مدارسة علمية ومعالجة فقهية ضمن مسائلنا في السياسة الشرعية؟ أم أن (فصل الدين عن السياسة) امتد أثره ليشمل أيضًا أمور السياسة الشرعية؟ أم أننا نقتصر على القريب من المسائل، ونبتعد عن العصيب من النوازل ثم نرمي من يتجرأ على تخطي الخطوط الحمر المسكوت عنها، بالجرأة التي قد تصنع الفتن وتغذي التهور والغلو!
هناك كثير من أمثال تلك المسائل والنوازل تنتظر فتاوى مؤصلة ودراسات مفصلة، تزيل الحيرة، وتضبط المواقف بضوابط الشريعة ومحكمات العقيدة، دون تفريط أو إفراط، فكثير من المسائل (المعلقة) تتعلق بها أمور عقدية وواجبات شرعية، لا يسع تأخير بيانها عن وقت الحاجة، خاصة عندما تشتد الحاجة إليها في مثل أحوال أمتنا الراهنة التي تدهما الأحداث، وتدميها التحديات.
نريد مثلاً فتاوى وبيانات علمية ـ وليست إعلامية ـ في أحكام التعامل مع ما يسمى بمقررات الشرعية الدولية، عندما تتعارض مع قواطع العقائد والشرائع الإسلامية، وعندما تقتطع بها قطاعات كبيرة من حقوقنا ومقدراتنا، ونريد دارسات تقويم شرعي وعقدي لكل ما أصبح شريعة واجبة الاحترام والالتزام من الاتفاقيات والمعاهدات العلنية والسرية التي يبرمها قادتنا السياسيون من وراء ظهر قادتنا الدينيين والفكريين، على الرغم من كونها تخص مستقبل أجيالنا والأجيال من بعدنا، والتي لم يطلب فيها رأي خاصة ولا عامة، قبل إخضاع الأمة لأحكامها، وتكبيلها بقيودها، كاتفاقية المعابر هذه التي صنعت محنة غزة، بحيث أصبح احترامها مقدمًا على محكمات القرآن والسنة وإجماع الأمة!
ونريد تفصيلاً من أهل العلم في الأحكام المتعلقة بالآثار العملية لأحكام الولاء للكافرين والعداء للمؤمنين، وما موقع تلك العقيدة في تحديد من معنا ومن ضدنا؟ وهل تعد مسائل تطبيع العلاقات مع المحاربين وتقطيعها مع الموحدين؛ وكف السلاح عن المحاربين في معاهدات سلمية أبدية، بل التخندق معهم ضد المسلمين المقاومين هل كل ذلك من مسائل "الاجتهاد" الواسعة الأمر أمام ولاة الأمر؟ وهل طاعتهم في هذا الاجتهاد واجبة على عموم الرعية في قطاعاتها المدنية والعسكرية؟ وهل .. وهل .. وهل؟ من الكثير والكثير، مما لا تتسع هذة السطور؟!
стр. 1174
إن البيان في هذا وغيره هو جهاد العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والبيان العلمي - لا الإعلامي ـ هو أول واجباتهم، وأسمى ما يُنتظر منهم، أما كتمانه أو إهماله فهو مكمن هوانهم وانصراف الناس عنهم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، نسأل الله أن ينفع الأمة بعلمهم، وينشر الحق على ألسنتهم.
أقول ختامًا في شأن محتوى أكثر البيانات والمناشدات والتصريحات والتحركات الصادرة مؤخرًا بشأن نازلة غزة: (أبشروا) .. فلن تغلق سفارات، ولن تقطع علاقات، ولن تتحرك جيوش، ولن يعلن جهاد، ولن يلغى تطبيع، بل ولن تنعقد مؤتمرات قمم لأولي الهمم، إلا بعد أن يطمئن (ولاة الأمر) إلى أن الأمر في غزة، قد انتهى إلى ما يريده الأمريكان وما يتمناه الصهاينة؛ الذين لن يأمروا بفك الحصار أو وقف إطلاق النار، إلا بعد أن يقع أحد أمرين: إسقاط حكومة حماس وإعادة عصابة عباس، أو إسقاط (مبادئ) حماس بجرها إلى التسوية المخزية، وفق شروط (اللجنة الرباعية) الطاغية.
وعندها - أي عند التخلص من المشروع الاسلامي في فلسطين لا قدر الله ـ سوف يرى الجميع كيف ستفتح البوابات الحدودية، وتتدفق المساعدات الإنسانية، وتتوالى مكرمات المراسم الأميرية والملكية والجمهورية، على سكان الأراضي الفلسطينية، بعد رجوعها - لا سمح الله - لسلطة الحكومة العلمانية العميلة الهزيلة التي لم يصدر ـ بالمناسبة - بشأنها بيان أو فتوى، مع أن النظام العربي كله أعطاها الإذن كله، أن تتصرف كما تشاء، لا في شأن غزة وحدها، ولكن في ربوع الأرض المقدسة جميعها، وفوضها في تحديد مصير القدس والأقصى في مفوضاتها السرية، التي لا يدري بشأنها أحد من قياداتنا العلمية أو الفكرية، كما حدث ويحدث فى الاتفاقات والمعاهدات السابقة، وأخواتها اللاحقة التي تنتظر ما تسفر عنه نازلة غزة!
المصدر: موقع لواء الشريعة.
стр. 1175
أحكام شهر الله المحرم
د. نهار العتيبي
شهر الله المحرم هو أول شهر من الأشهر الهجرية وأحد الأربعة الأشهر الحرم وقد بين لنا نبينا ﷺ أحكام هذا الشهر الواردة في كتاب الله تعالى أو في السنة المطهرة ومن أهم هذه الأحكام مايلي:
أولاً: فضل شهر الله المحرم:
شهر المحرم هو من الشهور الحرم التي عظمها الله تعالى وذكرها في كتابه فقال : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة - ٣٦). وشرف الله تعالى هذا الشهر من بين سائر الشهور فسمي بشهر الله المحرم فأضافه إلى نفسه تشريفاً له وإشارة إلى أنه حرمه بنفسه وليس لأحد من الخلق تحليله. كما بين رسول الله ﷺ تحريم الله تعالى لهذه الأشهر الحرم ومن بينها شهر المحرم لما رواه أَبو بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: (إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (١) وقد رجح طائفة من العلماء أن محرم أفضل الأشهر الحرم، قال ابن رجب: وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين (٢) ويدل على هذا ما أخرجه النسائي وغيره عن أبي ذر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ : أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم) (٣) قال ابن رجب ﵀: "وإطلاقه في هذا الحديث (أفضل الأشهر) محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة".
ومن أهم أحكام هذا الشهر ما يلي:
أولاً: تحريم القتال فيه:
فمن أحكام شهر الله المحرم تحريم ابتداء القتال فيه قال ابن كثير ﵀: وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين:
أحدهما: وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال ههنا ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين.
والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (٤).
وقد كانت العرب تعظمه في الجاهلية وكان يسمى بشهر الله الأصم من شدة تحريمه .. والصوم في شهر محرم من أفضل التطوع، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل).
ثانياً: فضل صيامه:
стр. 1176
بين رسول الله ﷺ فضل صيام شهر الله المحرم بقوله: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) (١). واختلف أهل العلم ﵏ في مدلول الحديث؛ هل يدل الحديث على صيام الشهر كاملاً أم أكثره؟ وظاهر الحديث - والله أعلم- يدل على فضل صيام شهر المحرم كاملاً، وحمله بعض العلماء على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم لا صومه كله، لقول عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان) أخرجه مسلم (٢)، ولكن قد يقال إن عائشة ﵂ ذكرت ما رأته هنا ولكن النص يدل على صيام الشهر كاملاً.
ثالثاً: شهر الله المحرم ويوم عاشوراء:
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم ولهذا اليوم مزية ولصومه فضل قد اختصه الله تعالى به وحث عليه رسول الله ﷺ .
١ - فضل يوم عاشوراء:
عاشوراء هو اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً ثم صامه النبي ﷺ لما رواه ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله ﷺ : (نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه) (٣)، وفي رواية لمسلم: (فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه ... )، وللنبي ﷺ في صيام عاشوراء أربع حالات (٤):
الحالة الأولى:
أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كانت عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك صوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطر). (٥) وفي رواية للبخاري وقال رسول الله ﷺ : (من شاء فليصم ومن شاء أفطر). (٦).
الحالة الثانية:
أن النبي ﷺ لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له -وكان يحب موافقته فيما لم يؤمر به- صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه وحث الناس عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم.
الحالة الثالثة:
أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي ﷺ أمر أصحابه بصيام يوم عاشوراء. لما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه) وفي رواية لمسلم أيضاً: (فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه).
الحالة الرابعة:
أن النبي ﷺ عزم في آخر عمره على ألا يصومه منفرداً بل يضم إليه يوم (التاسع) مخالفة لأهل الكتاب في صيامه لما رواه ابن عباس ﵄ أنه قال: حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ : (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع) قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . (٧).
٢ - فضل صيام عاشوراء:
стр. 1177
أما فضل صيام يوم عاشوراء فقد دل عليه حديث النبي ﷺ الذي رواه أبو قتادة ﵁ وقال فيه: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله). (١)، ولو صام المسلم اليوم العاشر لحصل على هذا الأجر العظيم حتى لو كان مفرداً له من غير كراهة خلافاً لما يراه بعض أهل العلم، ولو ضم إليه اليوم التاسع لكان أعظم في الأجر لما رواه ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لأن بقيت أو لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، وأما الأحاديث التي وردت وفيها صيام يوم قبله وبعده أو صيام يوم قبله أو بعده فلم يصح رفعها للنبي ﷺ والعبادات كما هو معلوم توقيفية لا يجوز فعلها إلا بدليل وقد يستأنس بما ورد في ذلك فقد صح بعض هذه الآثار موقوفاً على ابن عباس ﵁ ولهذا لا يثرب على من صام عاشوراء ويوما قبله ويوماً بعده أو اكتفى بصيامه وصام يوماً بعده فقط.
٣ - البدع في عاشوراء:
قال العلامة الشيخ عبد الله الفوزان حفظه الله: وقد ضلَّ في هذا اليوم طائفتان:
طائفة شابهت اليهود فاتخذت عاشوراء موسم عيد وسرور، تظهر فيه شعائر الفرح كالاختضاب والاكتحال، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك من عمل الجهال، الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة.
وطائفة أخرى اتخذت عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ تُظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي كذبها أكثر من صدقها، والقصد منها فتح باب الفتنة، والتفريق بين الأمة، وهذا عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
وقد هدى الله تعالى أهل السنة ففعلوا ما أمرهم به نبيهم ﷺ من الصوم، مع رعاية عدم مشابهة اليهود فيه، واجتنبوا ما أمرهم الشيطان به من البدع، فلله الحمد والمنة. (٢).
وقد نص أهل العلم ﵏ أنه لم يثبت عبادة من العبادات في يوم عاشوراء إلا الصيام، ولم يثبت في قيام ليلته أو الاكتحال أو التطيب أو التوسعة على العيال أو غير ذلك لم يثبت في ذلك دليل عن رسول الله ﷺ .
стр. 1178
قنوت النوازل
د. يوسف بن عبد الله الأحمد
[كتب هذا الموضع في ٨/ ١/١٤٢٠ هـ ونشر في مجلة الدعوة (عدد ١٧٠٠ - -- ٢/ ٤/١٤٢٠هـ) وأضيف عليه بعض الزيادات اليسيرة بتاريخ ١٦/ ٢/١٤٢٥هـ.]
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.
فقد أصيبت الأمة الإسلامية بجراحات غائرة، في مشارق الأرض ومغاربها، فكان الواجب الشرعي هو: نصرة إخواننا المسلمين على عدوهم الكافر، ورفع الظلم عنهم، وإغاثتهم، وتعليمهم ما يجب عليهم في دينهم، والدعاء لهم؛ ومما يشرع من الدعاء (قنوت النوازل) (١).
ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وحاجتنا إليه، وخفاء بعض أحكامه على كثير من الناس، أردت بيان أحكامه بإيجاز وفق ما ثبت في سنة النبي ﷺ مرتباً في الآتي:
أولاً: يشرع القنوت في النوازل في الصلوات الخمس كلها. وقد ثبت في ذلك نصوص كثيرة منها:
١. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) متفق عليه واللفظ لمسلم.
٢. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ قَالَ أَنَسٌ فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا"). أخرجه البخاري.
٣. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ) أخرجه البخاري.
٤. عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ) أخرجه مسلم.
٥. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) أخرجه البخاري.
٦. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (لأقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ). متفق عليه.
стр. 1179
٧. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم كلهم من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس به، وهذا إسناد جيد. قال النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح (المجموع٣/ ٤٨٢). وقال ابن القيم: " حديث صحيح " (زاد المعاد ١/ ٢٨٠). وقال ابن حجر: هذا حديث حسن (نتائج الأفكار ٢/ ١٣٠) وحسنه الألباني (انظر صحيح سنن أبي داود ح١٤٤٣).
ويتبين من هذه الأحاديث أمور:
١. مشروعية القنوت في النوازل. قال ابن تيمية: " القنوت مسنون عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين ". (مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٨).
٢. أن النبي ﷺ قنت في النوازل في الصلوات الخمس كلها، وثبت في صحيح البخاري منها: الفجر والظهر والمغرب والعشاء. أما العصر فقد ثبت عند أحمد وأبي داود بسند جيد كما سبق.
٣. أن أكثر ما رواه الصحابة في قنوت النبي ﷺ فيما يظهر من هذه الأحاديث وغيرها - كان في الفجر، ثم المغرب والعشاء، ثم الظهر، ثم العصر.
قال ابن تيمية ﵀: " .. فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وغيرها من الصلوات، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه (اللهم العن كفرة أهل الكتاب) " (مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧٠).
وقال أيضاً: " وأكثر قنوته - يعني النبي ﷺ كان في الفجر ". (مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٦٩).
وقال ابن القيم: " وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وترْكَه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها ". (زاد المعاد ١/ ٢٧٣).
٤. أن قنوت النوازل إنما يكون في الركعة الأخيرة، وأن محله بعد الرفع من الركوع.
ثانياً: المشروع أن يكون القنوت يسيراً. فيبتعد عن الإطالة لحديث أَنَسٍ ﵁ لما سئل: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: " نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا " أخرجه مسلم. وقد ظهر لنا من الأحاديث السابقة أن قنوت النبي ﷺ كان جُملاً قليلة. والسعيد من وفق لسنة النبي ﷺ .
ثالثاً: الاقتصار في الدعاء على النازلة. فلا يزيد في قنوته أدعية أخرى، وإنما يقتصر على النازلة كما فعل النبي ﷺ .
والذي يظهر من الأدلة السابقة وغيرها أن النبي ﷺ كان يكرر الدعاء نفسه في قنوته حينما قنت شهراً، وربما كان بينها اختلاف يسير.
стр. 1180
رابعاً: القنوت مشروع عند وجود سببه (وهو النازلة بالمسلمين) فإذا زال السبب ترك القنوت. أما قنوت النبي ﷺ شهراً فليس مقصوداً منه التحديد؛ لأن النبي ﷺ ترك القنوت لما زال سببه بقدوم من قنت لهم، كما يدل على ذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ (١) اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ فَقُلْتُ أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ قَالَ فَقِيلَ وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا (٢)). أخرجه مسلم.
قال ابن القيم: " إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت ". (زاد المعاد ١/ ٢٧٢).
خامساً: قنوت النوازل ليس له صيغة معينة، وإنما يدعو في كل نازلة بما يناسب تلك النازلة.
أما الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للحسن: " اللهم اهدنا فيمن هديت .. الخ " فإنما هو في قنوت الوتر، ولم يثبت عن النبي ﷺ في قنوت النوازل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب القوم المحاربين ". (مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٥).
وقال أيضاً: " وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة. وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً ". (مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧١).
وقال أيضاً: " عمر ﵁ قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاءً يناسب تلك النازلة، كما أن النبي ﷺ لما قنت أولاً على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه ﷺ دعا بدعاء يناسب مقصوده. فسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
стр. 1181
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في الصلاة.
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي ﷺ أولاً وثانياً، وكما دعا عمر ﵁ لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده " (مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٩).
ومن دعا بدعاء النبي ﷺ ؛ لأنه يناسب نازلة المسلمين كأن يقول في مثل مصابنا هذه الأيام: (اللهم أنج إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم انصرهم، اللهم اشدد وطأتك على الصرب النصارى ومن شايعهم وأعانهم، اللهم العنهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فقد أحسن؛ لأن دعاء النبي ﷺ أفضل وأجمع ما يدعى به
سادساً: يسن جهر الإمام في القنوت للنازلة. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ " أخرجه البخاري.
قال النووي: " وحديث قنوت النبي ﷺ حين قُتل القراء ﵃ يقتضي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات، هذا كلام الرافعي. والصحيح أو الصواب استحباب الجهر ". (المجموع ٣/ ٤٨٢).
قال ابن حجر: " وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة كما ثبت (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وثبوت الأمر بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن ثمَّ اتفقوا على أنه يجهر به " (فتح الباري ٢/ ٥٧٠).
سابعاً: يسن تأمين المأموم على دعاء الإمام في قنوت النازلة. لحديث ابن عباس ﵁ في قنوت النبي ﷺ وفيه: " .. يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ " أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد جيد كما سبق.
ثامناً: يسن رفع اليدين في دعاء قنوت النازلة. لحديث أنس ﵁ قال " .. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ وَجْدَهُ عَلَيْهِمْ - يعني القرَّاء - فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ ". أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وقال النووي: " رواه - البيهقي - بإسناد له صحيح أو حسن " (المجموع ٣/ ٤٧٩).
وعن أبي رافع قال: " صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقنت بعد الركوع، ورفع يديه، وجهر بالدعاء ". أخرجه البيهقي وقال " هذا عن عمر صحيح " (سنن البيهقي ٢/ ٢١٢).
قال النووي: " وعن أبي عثمان قال: كان عمر ﵁ يرفع يديه في القنوت. وعن الأسود أن ابن مسعود ﵁ كان يرفع يديه في القنوت .. رواها البخاري في كتاب رفع اليدين (١) بأسانيد صحيحة، ثم قال في آخرها - يعني البخاري -: هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ وأصحابه " (المجموع ٣/ ٤٩٠).
تنبيهات:
أولاً: لا يشرع مسح الوجه بعد دعاء القنوت. لأن ما ورد في المسح ضعيف لا يحتج به.
стр. 1182
قال البيهقي ﵀: " فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث فيه ضعف. وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت، ولا قياس. فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق ". (سنن البيهقي ٢/ ٢١٢).
وبين النووي ﵀ ضعف ما ورد في مسح الوجه بعد الدعاء في الصلاة. وقال: " وله - يعني البيهقي - رسالة مشهورة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الجويني أنكر عليه فيها أشياء من جملتها مسحه وجهه بعد القنوت " (المجموع ٣/ ٤٨٠).
وقال ابن تيمية: " وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة " (مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥١٩).
ثانياً: مما يلحظ على بعض الناس في الدعاء قوله: (اللهم اشدد وطأتك على الصرب النصارى المجرمين برحمتك يا أرحم الراحمين، أو يا عفو يا غفور) لأن التوسل بصفة الرحمة والمغفرة قد لا يناسب الدعاء عليهم باللعن وأخذهم بالشدة.
ثالثاً: من الخطأ التزام الصلاة على النبي ﷺ في ختام دعاء قنوت النوازل، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء. والأصل في العبادات التوقيف، فلا يلتزم ذكر أو دعاء عند سبب أو زمن معين إلا بدليل. أما ما ورد عن بعض الصحابة فإنما هو في قنوت الوتر.
رابعاً: الذي ثبت هو القنوت في الصلوات الخمس في الجماعة.
أما القنوت في صلاة الجمعة، والنوافل، وللمنفرد فلم أقف للقنوت فيها للنازلة على حديث أو أثر صريح.
وقد بوب عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ١٩٤): " باب القنوت يوم الجمعة "، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٤٦) بقوله: " في القنوت يوم الجمعة "، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٢٢) بقوله: " ذكر القنوت في الجمعة " وذكروا آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين عامتها في ترك القنوت وذمه في الجمعة. ولكن لم يرد في شيء منها أن القنوت المتروك أو المذموم فيها هو قنوت النوازل. فدلالتها على منع قنوت النوازل في صلاة الجمعة ليست صريحة.
قال المرداوي: " وعنه يقنت في جميع الصلوات المكتوبات خلا الجمعة، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه. اختاره المجد في شرحه، وابن عبدوس في تذكرته، والشيخ تقي الدين، وجزم به في الوجيز، وقدمه في الفروع، ... وقيل: يقنت في الجمعة أيضاً. اختاره القاضي، لكن المنصوص خلافه " (الإنصاف ٢/ ١٧٥). واختار ابن تيمية مشروعية القنوت للمنفرد (انظر الإنصاف ٢/ ١٧٥).
والأصل في العبادات هو المنع حتى يتبين وجه المشروعية. وهذه المسألة (أي القنوت في صلاة الجمعة، والنوافل، وللمنفرد) بحاجة إلى مزيد من البحث والنظر، والله أعلم.
خامساً: قال ابن تيمية: " ينبغي للمأموم أن يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإذا قنت قنت معه، وإن ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي ﷺ قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وقال: (لا تختلفوا على أئمتكم) وثبت عنه في الصحيح أنه قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) " (مجموع الفتاوى ٢٣/ ١١٥ - ١١٦).
سادساً: قال بعض الفقهاء: إن قنوت النوازل إنما يفعله إمام المسلمين، أما عامة المسلمين فلا.
وهذا القول فيه نظر؛ لأمور:
الأول: أن الأصل في أفعال النبي ﷺ العموم لجميع المسلمين، إلا إذا دل الدليل الصريح على التخصيص. ولم يثبت في ذلك دليل، فنبقى على الأصل وهو مشروعيته لجميع المسلمين.
стр. 1183
الثاني: حديث مالك بن الحويرث ﵁ مرفوعاً: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري. فهذا الحديث صريح في أن أفعال النبي ﷺ في الصلاة أنها لعموم المسلمين.
الثالث: أن أبا هريرة ﵁ قنت وهو ليس بإمام للمسلمين، كما ثبت في الصحيحين - وقد سبق - أن أَبا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " لأقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ وَصَلاةِ الْعِشَاءِ وَصَلاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ ".
سابعاً: قال بعض أهل العلم المعاصرين بشرطية إذن الإمام لقنوت النازلة في الصلاة، وقد كثرت أسئلة الناس فيه جداً، وينبغي أن تطرح هذه المسألة طرحاً علمياً مجرداً عن الضغوط. ولم أقف بعد البحث والتتبع من اشترط هذا الشرط من العلماء المتقدمين، ولم أقف فيه كذلك على دليل، والأصل في العبادات التوقيف والحظر؛ فلا نضيف شرطاً ولاسبباً ولا عدداً ولا كيفية ولا أي وصف زائد في العبادة إلا بدليل من الكتاب أو السنة وإلا أصبحت الزيادة بدعة إضافية كما هو مقرر في قواعد البدعة.
وبعض طلاب العلم قد تختلط عليه هذه المسألة بالتي قبلها، وبهذا البيان يتضح الفرق. وبالله التوفيق، والحمد لله رب العلمين.
стр. 1184
من يحمي حقوق العلماء ؟
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
العلماء في أي مجتمع يُقدّر المعرفة ويهتم بالعلم هم قادة الرأي وأولو الأمر فيه, وهذا ما قررته الشريعة ورسخه الإسلام, وجعله قيمة فكرية واجتماعية في الأمة المسلمة, فهم المبلغون عن الله تعالى, وحماة الإسلام من صولة المبدلين والمحرفين, وقد رفعهم الله تعالى على بقية الناس لحملهم هذه الرسالة العظيمة, يقول تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ويقول - أيضا -: ﴿يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولو الأمر منكم﴾ , إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواضحة البينة.
وأي مجتمع يعتدي على علمائه بأي شكل من أشكال الاعتداء, فهو يدل على المخاطر والمخاوف المحدقة به من تسوّد الجهال، وضعاف الرأي، وضياع العلوم والمعارف واحتقارها، وازدراء الفكر والثقافة والوعي, مما يهدد ذلك المجتمع في وجوده وبقائه واستمراره.
وإذا كان من الضروري المحافظة على "حقوق الإنسان" فإن حفظ حقوق العلماء يقف على أولوياتها لأنهم يجمعون بين وصف "الإنسان" كصفة مشتركة , و"العلم" كصفة مميزة لهم دون غيرهم.
ولا يخفى على المتابع للشأن الإعلامي المحلي, الجرأة المتنامية على أهل العلم والإفتاء والقضاء بصورة تدعو للاشمئزاز , وهذه الحملات الإعلامية المتكررة تدل على تزعم فئة فكرية لا يرضيها ما وصلنا إليه من العلم والمعرفة والثقافة (الإسلامية) , وتعمل جاهدة على أن يكون البديل هو ثقافة من نوع معين (الفن والغناء والرسم التشكيلي والثقافة الغربية).
وهذه الفئة أٌطلقت يدها بالهجوم على العلماء باسم الحرية, لكنها حرية لطرف إيديولوجي صراعي لا يعجبه الاستقرار والسلم الاجتماعي. وهذه الحالة الاجتماعية والفكرية الغريبة في بلادنا, هي التي صنعت الفوضى والإرباك والخوف الاجتماعي, من طرح أي مشروع تنموي في شكله الظاهر إذا وقف هؤلاء وراءه.
فالابتعاث وتوسيع عمل المرأة , والتنمية الاقتصادية, وتطوير القضاء , وحرية الصحافة والإعلام ,وتغيير المناهج، والانفتاح الثقافي ونحو ذلك لو طرحت في مجتمع آمن غير مختطف لاعتبرت مشاريع تنموية رائدة , لكنها إذا طرحت في مجتمع بطريقة موجهة, فإن من حق المجتمع رفضها, والاعتراض عليها وتعديل مسارها , وبعض الطيبين من المثقفين لا يدركون هذه المخاطر ويدعمون هذه المشاريع دون تحفظ ,لأنهم ينظرون لها بمثالية وينسون أنها ستوجه بطريقة فكرية سيئة.
إن المطالبة بالحفاظ على "حقوق العلماء" لا تعني كهنوتاً أو طبقية, بقدر ما هي بيان لحق جزء سيادي في المجتمع, فالمجتمع متفاوت في قدراته وقواه المتحركة , ولا يمكن أن نقول بالمساواة المطلقة بين العالم والجاهل , والذكي والغبي , والقائد وغيره. ويتعاظم الخطب إذا تجرأ "البعض" على العلماء في قضية ضرورية يتفق عليها الكافة باعتبارها أصلاً راسخاً من أصول الدين , مع ضعف علمه وفقهه واغترابه عن ثقافة الأمة وهويتها.
إن ما يدور في الصحافة والإعلام الفضائي من انتهاكات متكررة لـ "حقوق العلماء" يدل على ضرورة قيام مؤسسة مستقلة للحماية من هذه الاعتداءات ومقاضاة من يقوم بها , ورعاية حقوق هؤلاء القادة. وإذا كانت " الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان " مشغولة بدور الحماية النسائية فإن " حقوق العلماء " يجب أن تكون من مهام السلطات العليا لأنها قضية سيادية في هذه البلاد , وأنا أقول هذا ليس استجداء لأحد، أو استعداء على آخر, لكنها الحقيقة التي من الواجب إظهارها وبيانها.
ومع كثرة الشعارات البراقة التي يرددها " البعض " حول احترام العلماء وتقديرهم, وكثرة استعمال الإعلام لعبارة "حقوق الإنسان" إلا أن الأمور لا تبشر بخير, وتدل على أن هذه الخطابات للاستهلاك ليس إلاّ. و "حقوق العلماء"على الأمة كثيرة فالاحترام والتقدير والصدور عن رأيهم والانتفاع بعلومهم, والرجوع إليهم في الملمات وبناء المؤسسات المعنية بمساعدتهم في القيام بدورهم, من أبسط الحقوق التي لهم على الدولة والمجتمع.
وبكل أسف فإن هذه الجرأة على العلماء أصبحت ظاهرة, وبالذات على "علماء أهل السنة والجماعة"،وتصويرهم على أنهم شخصيات عادية أو أقل من عادية , هذا إن لم تكن الجرأة بالاحتقار والنقد البذي كالاتهام بالتكفير, ودعم التطرف والإرهاب والسطحية, والسذاجة في التفكير, وإرجاع الناس إلى القرون الوسطى (المظلمة أوروبياً) ونحو ذلك. ولعل هذه الحالة البائسة تدعونا إلى الاهتمام بـ " حقوق العلماء" في مناهج التعليم، والدروس العلمية، والخطب، والصحافة، والإعلام الفضائي، وتربية أبنائنا عليه , وإحياء فقه السلف الصالح في هذا الجانب من نسيجنا الاجتماعي الإسلامي.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1185
نقض دعاوى من استدل بيُسر الشريعة على التيسير في الفتاوى
للدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
الطبعة الأولى
١٤٢٣ للهجرة - ٢٠٠٢ للميلاد
تقديم
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
ففي أوج انتشار منهج التيسير في الإفتاء، عمَد بعض الميسِّرين إلى تكلّف إيجاد مرجعيّة شرعيّة، وتأصيل منهجيّة فقهيّة فجّةٍ، تعمَد إلى ما في نصوص الوحيين، وكلام السابقين، من أدلّة على أنّ الدين يُسرٌ لا مشقّةَ فيه، وتتذرّع بها لتبرير منهجها في إختيار أيسر المذاهب، والإفراط في التيسير في الفتاوى المعاصرة، إلى حدٍّ يبلغ حافّة الإفراط، ويخشى على من وَقَعَ فيها أن يصير إلى هاوية الانحلال من التكاليف أو بعضها، أو القول على الله بغير علم، بتقديمه ما يستحسنه بين يدي الله ورسوله.
وقد تأمّلت أدلّة القوم النقليّة، فإذا هي آيات مُحكمات، وأخبار صحيحة ثابتة، غير أنّي لم أجد فيها دليلاً على ما ذهبوا إليه، بل بعضها يدلّ على خلاف مذهبهم، ورأيت من المناسب بيان ما بدا لي في هذا الباب على عُجالةٍ، في هذه المقالة الوجيزة، من خلال مقصِدَين وخاتمة.
المقصد الأوّل
نصوص التيسير من الكتاب والسنّة
استدل دعاةُ التيسير بعموم النصوص الدالّة على أنّ التيسير ورَفع المشقّة مقصد من مقاصَد التشريع الإسلامي، كقوله تعالى:
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥].
وغفلوا عن الآية التي قَبلَها، وفيها رَفعُ رُخصة الفطر في رَمضان مع الكفّارة لمن قدِرَ على الصوم، وهو ما ثبتَ بقوله تعالى في الآية السابقة لها:) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ([البقرة: ١٨٤].
رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ سَلَمَة بْن الأَكْوَع أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِر ويَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الآيَة الَّتِي بَعْدهَا فَنَسَخَتْهَا.
قلتُ: وهذا من قبيل النسخ بالأشد، وهو من التشديد وليس من التيسير، في شيءٍ، فتأمّل!
ومثل ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، متغافلين عن صدر الآية ذاتها، وهو قوله تعالى:) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ (مع أنّه لا مشقّة تفوق مشقّة الجهاد والتكليف به، فبقي أن يُحمل رَفع الحرج على ما رُفِعَ بنصّ الشارع الحكيم سبحانه، لا بآراء المُيَسّرين.
ومن هذا القبيل ما رواه الشيخان في صحيحيهما، وأبو داود في سننه , وأحمد في مسنده، عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضى الله عنها، قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ).
وما رواه البخاري في كتاب العلم من صحيحه، ومسلم في الجهاد والسير عَنْ أَنَسٍ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا».
وفي روايةٍ للبخاري في كتاب الأدب: «يَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا، وسَكِّنُوا ولاَ تُنَفِّرُوا».
وروى مسلم وأبو داود عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا ويَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا».
стр. 1186
قلتُ: جميع ما تقدّم من نصوص الوحيَين، وكثيرٌ غيره ممّا يقرّر قيام الشريعة الغرّاء على اليُسر ونفي الضرر، ورفع الحَرَج، فهِمَه الميسّرون على غير وجهه، وحمّلوه ما لا يحتمل، متعنّتين في توجيهه لنُصرة شُبهَتهم القاضيةَ بجَعل التيسير في الفتوى منهاجاً رَشَداً، وفيما يلي نقضُ غَزلهم، وكشف شبههم إن شاء الله:
أوّلاً: ثمّة فرقٌ لغويٌ بين اليُسر والتيسير، فاليُسر صفةٌ لازمةٌ للشريعة الإسلاميّة، ومقصدٌ من مقاصدها التشريعيّة جاء به الكتاب والسنّة، وأنزله النبيّ ﷺ والسلفُ الصالحُ منزلَتَه، أمّا التيسير فهو من فِعل البشر، ويعني جَعلَ ما ليس بميسَّرٍ في الأصل يسيراً، وهذا مَوطِنُ الخَلل.
ثانياً: إن اختيار النبيّ ﷺ للأيسر في كلّ أمرين خُيِّرَ بينهما، كما في حديث عائشة ﵂ المتقدّم فيه أربع نكات لطيفةٍ:
النكتة الأولى: أنَّ الاختيار واقع منه ﷺ فيما خُيّر فيه، وليس في كلّ ما أوحيَ إليه أو كُلّف به، هو أو أمّته، ومثال ذلك الاختلاف في صيَغ الأذان، وتكبيرات العيد، وما إليه حيث لا يعيبُ من أخَذ بهذا على من أخذَ بذاك من العلماء، لثبوت الروايات بالأمرين كليهما.
والثانيّة: تقييد التخيير بما لم يكُن إثماً، ولا شكّ أنّ العدول عن الراجح إلى المرجوح، أو تعطيل (ومن باب أولى رد) ما ثبت من الأدلّة الشرعيّة إثمٌ يُخشى على صاحبه من الضلال، فلا وَجه لاعتباره من التيسير المشروع في شيء.
والثالثةُ: أنّ التخيير المذكور في الحديث يُحمل على أمور الدنيا لا الدِّين، وهذا ما فهمه أهل العِلم قَبلَنا، وقدّ أمِرنا بالردّ إليهم، ومنهم الحافظ ابن حجر، حيث قال ﵀ في الفتح: (قولُه بين أمرين: أي من أمور الدنيا. لأن أمور الدين لا إثم فيها ... ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح، وأمَّا من قبل الله ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائِزَين) [فتح الباري: ٦/ ٧١٣].
والنكتة الرابعة والأخيرة: أنّ هذا الخبر ما لم يُقيّد بما سبق سيكون معارضاً باختيار النبيّ ﷺ الأشقَّ على نفسه، كقيامه الليل حتّى تتشقق قدَماه مع أنّ الله تعالى قد غَفَر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال الحافظ في الفتح: (لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى مع الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلاً، وبين أن لا يُؤتِيَه من الدنيا إلا الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي، لا يراد منه معنى الخطيئة لثبوت العصمة له) [فتح الباري: ٦/ ٧١٣].
ثالثاً: لا تكليف بدون مشقّة، وإن كانت المشقّة الحاصلة بكلِّ تكليفٍ بحَسَبه، وهي متفاوتة، فإذا جاز لنا تخيّر أيسر المذاهب دفعاً لكلّ مشقّةٍ، ترتّبَ على ذلك إسقاط كثيرٍ من التكاليف الشرعيّة
قال الشاطبي ﵀: (المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً) [الموافقات: ٢/ ١٢٨].
وقال الإمام شمس الدين ابن القيّم ﵀: (لو جاز لكل مشغول وكل مشقوق عليه الترخيص ضاع الواجب واضمحل بالكلية) [إعلام الموقعين ٢/ ١٣٠].
стр. 1187
وقال أيضاً في مَعرض كلامه عن رُخَص السفَر: (إنَّ المشقة قد عُلِّقَ بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم يُضِرُّ به جاز معها الفطر والصلاة قاعداً أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن كانت مشقّةَ تعبٍ فمصالح الدنيا والآخرة منوطةٌ بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومَنِّه) [إعلام الموقعين ٢/ ١٣١].
قلتُ: فمن آثر الراحة والدعةَ في مقام الجدّ والنصَب، فقد خالف الصواب، وغَفَل عمّا أريد منه، وما أنيط به، ولو كان في البعد عن الجدّ والجَهد في الطاعة بدون مرخّصٍ شرعيٍ مندوحةٌٌٌ لغير ذوي الأعذار، لما قال تعالى لخير خلقه، وأحبّهم إليه: (فإِذا فَرَغْتَ فانْصَبْ) [الانشراح: ٧].
رابعاً: ما ورد في التحذير والتنفير من التشديد والتعسير والمشاقّة والتنطّع، والتعمّق - وما إلى ذلك - على النفس والغير، لا يدلُّ على التخيير (أو التخيُّر) في الأحكام الشرعيّة، لدلالة النصوص على التكليف بالأشدّ في مواضع كثيرة، ولأنّ النسخ بالأشد ممّا جاءت به الشريعة بالاتفاق، فضلاً عن حمل جمهور أهل العلم لنصوص النهي عن التنطّع ونحوه على ما كان فيه مجاوزة للمشروع، كالوصال في الصيام، فهو ممّا نُهي عنه، وإن كان مقدوراً عليه بدون مشقّة، بخلاف الصوم المشروع فلا يسقط عمّن وجَبَ عليه حتى وإن ثبتت مشقّته، ما دام مقدوراً عليه، وقد تقدّم ذكر بعض أقوال أهل العلم في أنّ الأصل في التكليف، أنّه قائمٌ على المشقّة المقدور عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: (التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب، بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارةً باتخاذ ما ليس بمُحرَّم، ولا مكروه، بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وعُلِّل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شَدَّد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ لِمِثْل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عُبَّادِنا قد وقعوا في بعض ذلك، متأولين معذورين، أو غير متأولين ولا معذورين) [اقتضاء الصراط: ١/ ١٠٣].
وقال ابن القيّم ﵀: (نهى النبي ﷺ عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقدر، وإمَّا بالشَرْع؛ فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنهم شدَّدوا على أنفسهم، فشُدِّدَ عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفةً لازمة لهم) [إغاثة اللهفان: ١/ ١٣٢].
ولا يقال: إنّ أحكام الشريعة تتدرّجُ من الأشدّ إلى الأيسَر، ولا من الأيسر إلى الأشد، باضطراد، لأنّها اشتملت على الأمرين معاً، وهذه المسألة مبسوطة في مباحث النسخ في كتب الأصول، والأمثلة عليها كثيرة من الكتاب والسنّة، ومن استقرأها وقفَ على حقيقةٍ مفادها أنّ التدرّج من الأيسر إلى الأشدّ هو الغالب في النَسخ، وهو ما يصلحُ دليلاً على نقيض ما ذهَب إليه دعاة التيسير، ومؤصّلوه في هذا الزمان.
لقد جاء الشرع بالتشديد بعد الترخيص في مواضع منها ما تقدّم ذِكره من إيجاب الصيام على كلّ مكلّّف بعد أن كان على التخيير في حق من يطيقه.
ونحو ذلك ما جاء في تحريم الخمر من التدرّج من الأيسر إلى الأشد، حيث كان مباحاً على الأصل، ثمّ نزلت الآية لتفيد كراهته بالإشارة على رُبُوِّ إثمه على نفعه، ثمَّ حرّم أثناء الصلاة خاصّة، ثمّ نزل تحريمه في الكتاب، وحدُّ شاربه في السنّة.
стр. 1188
وكذلك الحال في تشديد حدّ الزنا من الإيذاء باللسان واليد، إلى حبس الزواني في البيوت حتى يأتيهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلاً، ثمّ الجلد للبكر (والتغريب في بعض المذاهب)، والرجم للمحصن.
ونحوه ما كان من النهي عن الجهاد في أوّل الأمر، ثمّ الإذن فيه، ثم إيجابه على غير ذوي الأعذار بعد الهجرة.
والأمثلة غير ما ذكرنا على أن الشرع الحنيف جاء بالتدرّج في التشريع من الأيسر إلى الأشدّ كثيرة، ولو أردنا تتبُّعَها، وذِكرَ أدلّتها وما يتفرّع عنها من مسائل وأحكام، لطال بنا المقام، قبل أن نصير إلى التمام (١).
وهذا يدلّ على نقيض ما تذرّع به الميسِّرون، يسَّر الله لنا ولهم سُبُلَ الهدى، ووقانا مضلات الهوى وموارد الردى.
فإذا أضيف إليه ما قرّرناه آنِفاً، من بُطلان استدلالهم بنصوص الوحيين على الجنوح إلى التيسير على وجه التخيير، ظهر لنا الحق الصريح، وهو إغلاق باب الاجتهاد في مورد النص الصحيح، ووجوب الردّ إلى الله تعالى ورسوله على وجه التسليم والقبول، والله أعلَم وأحكَم.
المقصِد الثاني
أقوال السلف في اختيار أيسَر المذاهب
تذرّع دعاة التيسير في العصر الحديث بما روي عن السلف والأئمة المتّبعين بإحسان، من استحباب الأخذ بالرُخص.
ومن ذلك، قول قتادة ﵀: (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) [انظره في: تحفة المولود، ص: ٨].
وقول سفيان الثوري ﵀: (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) [آداب الفتوى للنووي، ص: ٣٧].
وقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: (إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصداً العدول عن الحرام لحاجته إليه فإنّه يثاب على ذلك) [مجموع الفتاوى: ٧/ ٤٨].
وقول ابن القيّم: (الرخص في العبادات أفضل من الشدائد) [شرح العمدة: ٢/ ٥٤١].
وقول الكمال بن الهمّام في التحرير: (إنّ المقلّد له أن يقلّد من يشاء، وإن أخذ العاميّ في كلّ مسألة بقول مجتهد أخفّ عليه، لا أدري ما يمنعه من النقل أو العقل.
وكون الإنسان يتتبّع ما هو الأخفّ عليه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمّه عليه، وكان ﷺ يحبّ ما خفّف عن أمّته).
وقول الشاطبي: (المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنَّه الصراط المستقيم، الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف، الحملُ على التوسط من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين) [الموافقات: ٤/ ٢٨٥].
إلى غير ذلك ممّا وقفوا عليه فاحتجّوا به، أو غاب عنهم فأغفلوه.
ولو تأمّلنا ما أوردناه (ولا أعلَم لهم استدلالاً بغيره من أقوال الأئمّة) لما رأينا فيه دليلاً على التيسير الذي يُدندنُ حَوله المعاصرون، فقتادةُ يدعوا إلى الترخّص حيث شرع الله الرخصة، فيقول: (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم)، ولا يقول: رخِّصوا باستحسانكم، أو لمجرّد التخفيف عن العباد أو مسايرتهم.
стр. 1189
وابن تيميّة يذكر الاستغناء بالحلال عن الحرام، وليس الإفتاء بعدَم حُرمةِ الحرَام أصلاً، أو اختيار قول من يعدل عن التحريم إلى التحليل أو مجرّد الكراهة، وإن ضَعُفَت حُجّته، ووَهت شُبهته.
أمّا ابن القيّم فكلامه في الرخص في العبادات، وهذا لا خلاف فيه، خلافاً لدُعاة التيسير الذين وقعوا في تحليل الحرام، ونفي الكراهة عن المكروه، وشتّان ما بين المذهبين.
وما يُروى عن سفيان ﵀ لا يؤخذ منه الترخيص بإسقاط الواجب، أو تحليل المحرّم، ولكنّه موجّه إلى ما ينبغي أن يفتيَ به العالم من وَقع في حرَج متيقّن ليعينه على القيام بما وَجَبَ عليه، لا ليُسقِطه عنه، وذلك كثيراً ما يَقَع في باب الكفّارات، وأداء النذور ونحوها.
وما روي عن ابن عيينة، قال به غيره، ولكنّهم تحوّطوا في ضبط صوَره بالتمثيل له.
قال النووي: (وأما من صحَّ قصدُه , فاحتَسَبَ في طلب حيلةٍ لا شُبهةَ فيها , لتخليصٍ من ورطة يمينٍ ونحوها , فذلك حسن جميل، وعليه يُحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا , كقول سفيان: إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) [آداب الفتوى للنووي، ص: ٣٧].
وننبّه هنا إلى أنّ ما رويَ عن السلف الصالح، في الحث على التمسّك بالعزائم، والتحذير من الترخّص المجرّد عن الدليل، أضعاف ما روي عنهم في التيسير والترخيص، والعدل أن يُجمَع بين أقوالهم، لا أن يُسقَط بعضها، أو يُضرَبَ بعضُها ببَعضٍ.
وربّما اتّضحت الصورة أكثر إذا قرّبناها بالتمثيل لما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا رَجَعنا إلى سيَرِهِم وقفنا على معالم منهجهم في التشديد والتيسير على النفس والغير، ومن أبرز تلك المعالم:
أوّلاً: تشديد العالم على نفسه أكثر ممّا يشدد على غيره.
ولهذا المَعلَم ما يشهد له من السنّة، حيث أرشَد إليه رسول الله ﷺ إليه معاذ بنَ جبل ﵁، حين أمرَه بالإيجاز إذا أمَّ الناسَ في الصلاة، ويقتضي هذا الترخيص له في الإطالة إذا صلى فذاً، كما في الصحيحين وغيرهما.
ثانياً: عُرِف عن السلف الصالح، من الصحابةِ الكرام ومن بَعدَهُم التشديد على الناس فيما تساهلوا فيه، وهذا خلاف ما عليه ميسِّرة العصر، من التيسير فيما كثُر وقوع الناس فيه.
ومن ذلك قول عمر الفاروق ﵁: (فلو أمضيناه عليهم) حينما حكمَ بإيقاع طلاق المجلس ثلاثاً، وأمضاه على الناس، لأنّهم استعجلوا بعد أن كانت لهم فيه أناة.
وكذلك تضمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ للصنّاع، بعد أن فسدت الذمم وتغيرت النفوس.
ألا ترى أنّ عمرَ وعليَّ ﵄ قد بالغا في التشديد في هاتين المسألتين، استحساناً، رغم وجود ما يراه الميسِّرون المعاصرون مقتضياً للتيسير، ومستلزماً للتخفيف مراعاةً ظروف المجتمع، ورفعاً للحَرَج عن الناس.
ثالثاً: أنّ من السلف من كان يفتي بالفتوى، أو يقضي بالقضاء، ثمّ يرجع عنه إذا بلغه ما هو أقوى منه دليلاً وأقوَم سبيلاً، إذ إنّ العبرة عنهم بما جاء من عند الله، وثبت عن رسول الله، وليس بالتيسير أو التشديد.
стр. 1190
أخرج مسلم في كتاب الحج من صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁: (أنه كان يفتي بالمتعة فقال له رجُل: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس: من كنا قد أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له، فقال: أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال:) وَأَتِمُّوُا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله ([البقرة: ١٩٦]، وأن تأخذ بسنة رسول الله ﵊، فإن رسول الله ﵊ لم يحل حتى نحر الهدي).
والأمثلة غير هذا في رجوعهم إلى الحقّ كثيرة، فهل في دعاة اليوم من يلزم غرزَ السابقين، وينحو نحوَهُم، فيقف عند الدليل، ويرجع إليه إن بلغه، ولو بعد حين، ولا يجد غضاضةً في أن يقول: (تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي)؟
رابعاً: كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يدورون مع الدليل حيثُ دارَ، فمنهم الميسِّر ومنهم المشدد، ولكن عن علم وبصيرة ودليل.
وكلُّهُم مِنْ رسولِ اللهِ مُقْتَبِسٌ ... غرفاً مِنَ البَحرِ أو رَشْفاً مِنَ الدِيَمِ
وإن كان فيهم من يلتزم في عمله الأحوط في مقابل من يجنح إلى الأيسر، ولكنّ الحامل لكلٍّ منهما على مذهبه لا يخرج عن الاستدلال بما ثبت عنده عن نبيِّ الهُدى ﷺ .
ويحسن التمثيل لاختلاف آراء الصحابة في هذا الأمر بما كان عليه الصاحبان الإمامان: عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر ﵃، فقد كان (أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص وذلك في غير مسألة، وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد، وكان يمنع من دخول الحمام، وكان إذا دخله اغتسل منه، وابن عباس كان يدخل الحمام، وكان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربةٍ للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربة واحدة، ولا على الكفين، وكان ابن عباس يخالفه، ويقول: التيمم ضربةٌ للوجه، والكفين، وكان ابن عمر يتوضأ من قُبلةِ امرأتِه، ويُفتي بذلك، وكان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالي قبَّلتُها أو شممت ريحاناً، وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى أن يُتِمَّها، ثم يصلي الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها ... والمقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط) [زاد المعاد: ٢/ ٤٧ و ٤٨].
قلتُ: ومع كلِّ ما كان يذهب إليه عبد الله بن عمر ﵄ من التشديد ولزوم الأحوَط، لم يغمز قناته أحدٌ من السلف أو الخلف، ولم يصمه أحدٌ بوصمة التعسير، على وجه التخطئة والتنفير، بل غاية ما ذَهَبَ إليه مخالفوه هو عدَم موافقته في تشديداته، مع اعتبارها أمارةً على وَرَعه وحُسن اتّباعه، وعُذر مَن ذهبَ مذهبَه من الأتباع ما داموا يدورون مع الدليل مدارَه.
ولم يكن يسعهم حتى تمني خلافه فضلاً عن تبريره أو تسويغ القول والعمل به.
قال أبو عبد الله الزركشي [في المنثور: ١/ ٢٠، ٢١] وهو يُعدِّدُ أنواع التمني ويعرض حكم الشرع في كلٍّ منها: السابع: تمني خلاف الأحكام الشرعية لمجرد التشهي ... قال الإمام الشافعي في (الأم) وقد روى عن عمر: (لا يُسترق عربي) قال الشافعي ﵀: لولا أنَّا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا، وكأنه أراد تغير الأحكام ولم يرد أن التمني كله حرام).
стр. 1191
قلت: فلله درّهم ما أبرَّهم، وما أنبلهم حيث لا يسوّغون مجرّد كون الحرام حلالاً، فضلاً عن تسويغه، والإفتاء بحلّه، ولو كان بليّ أعناق النصوص، وحشد الشواهد والشواذ من كلّ رطبٍ ويابِسٍ، من زلاّت المتقدّمين، وهفولت المتأخّرين، وسقطات المُتابِعين.
إنّها والله الخشية من العَبدِ للمعبود، فمن أو تِيَها فقد أوتِيَ خيراً كثيراً، وهل العِلمُ إلاّ الخشية، وما مثل من كثر عِلمُه وقلّت خشيته إلا كمثل التاجر المدين، تكثر بين يديه العروض، ليس له منها شيء.
خاتمة
وبعد، فقد آل بنا البحث عند ختامه إلى الحديث عن الخشية، وهي جماع صفاة العالم الرباني، تسوقه إلى الحقّ، وتأطُرُه عليه أطراً.
قال صاحب الآداب الشرعيّة: (ونقل المروزي عن أحمد أنه قيل له: لمن نسأل بعدك؟ فقال: لعبد الوهاب يعني الوراق، فقيل إنه ضيق العلم فقال: رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق .... وقال الأوزاعي كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم ... وروى ابن بطة عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: إن الفقه ليس بسعة الهذر وكثرة الرواية إنما الفقه خشية الله ... وقال الأوزاعي: بلغني أنه يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة , والمستحلين المحرمات بالشبهات ... وقال الشافعي ﵁: زينة العلم الورع والحلم، وقال أيضا لا يجْمُل العلم، ولا يحسن إلا بثلاث خلال: تقوى الله , وإصابة السنة , والخشية).
فما أحرى العاملين للإسلام؛ دعاةً وفقهاء ومُفتين إن يقفوا على الحقّ، ويقولوا به، ويردّوا عِلمَ ما اختُلِفَ فيه إلى عالمه.
لتكون السبيل محجّةً بيضاء؛ كتاباً وسنةً، مع سلامةٍ في الصدر والمنهج.
ففي ذلك السلامة، والنجاة من الندامة، وهذا غاية ما أردت بيانه في رسالتي هذه، باذلاً في طلب الحق وتقريبه للخلق وسعي، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومن الشيطان، واللهَ تعالى أسألُ أن يغفر زلّتي، ويقيل عثرتي.
وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد، وآله، وصحبه أجمعين
وكتب
أحمد بن عبد الكريم نجيب
(الملقّب بالشريف)
دَبْلِن (إيرلندا) في غرّة جمادى الآخرة عام ١٤٢٣ للهجرة
الموافق العاشر من يوليو (تمّوز) عام ٢٠٠٢ للميلاد
стр. 1192
الليبراليون السعوديون: الأقلية الناطقة
إدريس أبو الحسن
لطالما زعم رواد الاتجاه الليبرالي في المملكة بأنهم (الأغلبية الصامتة)، لكن إذا رجعنا مثلا إلى الانتخابات البلدية الأخيرة في المملكة، سنجدها أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن مقولة "الأكثرية الصامتة"، التي يتغنى بها الليبراليون هي (أكذوبة)، لا تمت إلى الواقع بصلة.
فلم يحظ اللبراليون، الذين رشحوا أنفسهم، إلا بأصوات قليلة جدا، اعتبرها المراقبون والصحافة السعودية علامة على نكسة هذا الاتجاه وخيبته.
الشعور بالخزي والعزلة الشديدة على المستوى الشعبي، أصبح يلازم فئة الليبراليين، فعلى قناة الحرة، كثيرا ما تبرم كتاب وكاتبات سعوديات من "نفور" المرأة السعودية مثلا من (حقوقها)، حتى وصفت كاتبة سعودية المرأة في المملكة (في معرض الكلام عن قيادة المرأة للسيارة)، بأنها تعرضت لغسيل دماغ على مدى سنين، ويصعب تغيير ذلك!!! معبرة بذلك عن العجز في إقناعها هي نفسها بهذا الموضوع قبل إقناع الرجل!!! ومثل هذا الوصف، الذي يمثل شكلا من أشكال الاستعلاء واليأس، لا يجد معظمهم حرجا في التصريح به، رغم أنه يعتبر استخفافا بعقل وخيارات شعب ناضج واع مميز.
المأزق الليبرالي مرده إلى الحصانة الفكرية والعقدية، التي نشأ عليها المجتمع السعودي، والتي تنظر إلى الاتجاهات الفكرية (المستوردة) نظرة شك وريبة، وإلى الليبرالية بالتحديد، نظرة استنكار واحتقار، خاصة وأنها تمثل الاتجاه الفكري الأمريكي، الذي يمثل محور الشر واحتلال الشعوب في ثقافة المسلمين جميعا.
فالمجتمع السعودي يدرك أن الليبرالية في إطارها الفكري تقوم على حرية الاعتقاد والسلوك، وبرغم أن تلك الحرية قابلة للتقييد بالأسس القانونية (سواء كانت دينية أو غير دينية) المنظمة للحياة (كما يروج ليبراليو المملكة)، إلا أن تلك القوانين نفسها من المنظور الليبرالي الفكري، لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تتح حرية الاعتقاد المطلق للفرد والمجتمع، فـ"الردة عن الإسلام"، مثلا هو حق من حقوق الإنسان بالمفهوم الليبرالي، واعتباره جرما يعاقب عليه فاعله مناقض لحرية الإنسان في اختيار معتقده, وبالتالي هو نقيض الليبرالية، وقس عليه الحجاب ونحو ذلك.
فالليبرالية لا تعترف بالهيمنة المطلقة للقوانين والأديان، إنما تعترف بهيمنة تلك القوانين والأديان، ما دامت تحترم جوهر الفلسفة الليبرالية القائم على الحرية الشخصية، حتى لو اصطدمت تلك الحرية بالثوابت المطلقة للدين. وهو ما يعني أن الليبرالية اتجاه حاكم على النظم قبل أن تكون محكومة بها، وهذا هو الحد الأدنى والقاسم المشترك الذي تلتقي عليه الفلسفة الليبرالية في كل مراحل تطورها وبكل أشكالها، وهذا منشأ الرفض القطعي لهذا الفكر المستورد عند المجتمع السعودي.
وبشكل عام، يولد الإحساس بالعزلة لدى الليبراليين إحباطا نفسيا، لا يفتأ مع توفر مقومات التأثير، يتحول إلى ثورة جامحة مصرة على اختراق المجتمع، وتجاهل مكوناته وخصوصياته وثوابته وطبيعته، مهما كلف الثمن.
وباستقراء الوضع، يمكن إجمال ردة فعل الليبراليين الناجم عن العزلة في نقطتين:
* النقطة الأولى: الاستعلاء على الداخل
الاتجاه الليبرالي في المملكة وحتى قبل ١١ سبتمبر، يمثل على ما هو عليه من القلة، مكونا من مكونات المجتمع السعودي، وإذا اعتبرنا الاتجاه الحداثي في بعض أشكاله تجليا للاتجاه الليبرالي، فإن التأريخ لوجود هذا الاتجاه سيكون بعد السبعينيات على أقل تقدير، أي مع بداية تشكل الاتجاه الحداثي في المملكة.
стр. 1193
وإذا ما استثنينا بروز شكل من أشكال هذا الاتجاه على المستوى الرسمي، فيمكن أن نطلق على الليبراليين في مرحلة ما قبل ١١ أحداث سبتمبر، اسم (الأقلية الصامتة)، حيث اتسمت هذه المرحلة بالصمت و (الكمون). أما بعد الأحداث، فقد صاروا (الأقلية الناطقة)، وهي مرحلة النطق والاستعلاء.
وفي هذا المرحلة تحديدا، استفاد الاتجاه الليبرالي من الأجواء المحتقنة التي خلقتها المشاريع الأمريكية لمكافحة ما يسمى (الإرهاب)، فأصبحوا طرفا رئيسا في المعادلة تحت مضلة (مكافحة الإرهاب) و (مشروع الإصلاح)، مستفيدين من الرعاية الأمريكية لهم على المسرح السياسي، ومن انكماش الأصوات الغيورة خوفا من أن تنعت بـ (الإرهاب).
وفي هذا المناخ لم يبال الليبراليون بحجم وضعهم في خريطة المكونات السياسية بالمملكة، فجردوا أقلامهم مستعلين على تلك الخريطة برمتها، وخاضوا (إلى يومنا هذا) معارك شرسة على مستوى الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، جسدت في نظر خصومهم الاستعلاء على الدين والقيم والثوابت والخصوصيات، وهو ما تجلى على صفحات الجرائد تحديدا في جدالات طويلة وردود تتنقل إلى الإعلام المرئي والمسموع، خاضها علماء ولأول مرة مع خريجي جامعات تكساس وكاليفورنيا.
وبرغم استحواذ الليبراليين (الأقلية الناطقة) على نصيب الأسد في الإعلام، فالمتابعون للشأن يقررون أن منهجية الاستعلاء التي تبناها الاتجاه الليبرالي، زادت من عزلته في المجتمع، وانكشفت في خضمها حقائق خطيرة عن هذا الاتجاه، زل بها لسانه، عن الدين والمجتمع والقيم.
وهذا في حد ذاته ولًّد شعورا بالنقمة على (التيار الديني)، كما ينعته الليبراليون. ومن تجليات تلك النقمة، وضع كافة رموز هذا التيار من دعاة وعلماء ومصلحين ومناشط ومدارس دعوية ومناهج تعليمية في سلة واحدة، هي سلة الإرهاب والتحريض عليه.
وإذا أخذنا الدكتور سلمان العودة، كأنموذج وواحد من الدعاة الفاعلين على الساحة، سنجد موقفه واضحا من دعوى التحريض التي يدعيها اللبراليون على التيار الديني والمناهج وما إلى ذلك، فقد قال في مقال له بعنوان (حوار أم تصادم) ما نصه: "وأجد أنه بسبب أحداث العنف التي تشهدها البلاد، برزت أطروحات إعلامية مدعومة من بعض أطراف رسمية بصورة علنية؛ تحضّر ـ ولو بغير قصد ـ لنوع من الصدام داخل المجتمع تحت دعوى مكافحة الإرهاب، مع توسيع مصطلح الإرهاب؛ ليشمل مع العنف الأفكار المتشددة التي لا تخلق عنفًا, والاتجاهات المعتدلة التي لا تتفق مع مشربهم!! وثمة صوت جريء يُعلن الانقلاب على كثير من قيم وموروثات المجتمع، ويسعى لتمرير هذه الأجندة من خلال إدراجها ضمن مشروع ((مكافحة الإرهاب)) ".
وممن تبنى هذا الاتجاه الاستعلائي الإقصائي الأكاديمي المثير للجدل حمزة بن قبلان المزيني، والذي أصبح ينعت بمحامي التيار الليبرالي، لكثرة كتاباته وجدالاته مع العلماء والدعاة، وآرائه الجريئة بخصوص ما ينعته بتيار الصحوة عموما.
إذا أخذنا هذا الرجل كمثال، نجده يمثل حالة من الاستعلاء الليبرالي النادر، فهيئة كبار العلماء أو ما ينعته هو بـ (المؤسسة الدينية التقليدية) في نظره، مجرد حجر في طريق الإصلاح، بمفاهيمها التقليدية عن القضايا الاجتماعية، ومنها قضية المرأة كمثال.
стр. 1194
وحتى مع قصوره الفاحش عن أهلية الفتوى والتمرس على علوم الشريعة، نجد له ردودا مطولة على العلماء (في قضايا العبادات)، يسفه فيها الآراء، ويمثل فيها التعالم والاستعلاء. وفي قضية المرأة، شن هجوما عنتريا على كتاب حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد، سفه فيه منهجيته، واتهمه بالقصور العلمي في طرح الخلاف بين العلماء، وبرغم تصريحه بأن الكتاب حطم أرقاما مهولة في المبيعات، إلا أنه نصح المسلمين بعدم شرائه، والله وحده يعلم هل لعلم أوتيه وحده وغاب عن المسلمين، أم لحالة استعلاء ولدها الحسد.
وفي قضايا التعليم، عرف بهجومه الشرس، واتهامه بعض المعلمين والمناهج التعليمية بالتحريض على الإرهاب، بل اتهم السياسة التعليمية بكونها احتوت على بنود مستقاة من منهج الإخوان المسلمين، وأن التعليم اختطف من قبل (الصحويين) منذ بداية الثمانينيات، وذلك سبب ما يسميه (تفريخ الإرهاب).
ويعتبر بعض المعلقين أن المزيني تجاوز الحد في اتهام المناهج إلى اتهام السياسات، وأن اعتباره فترة الثمانينيات بداية للتعليم المحرض على الإرهاب (في نظره)، فيه جناية على تاريخ المملكة وسياستها التعليمية واتهاما ضمنيا للدولة، سيما وأن المسؤولين في الدولة، كبارا وصغارا، في تصريحاتهم المنقولة، لا يرون لسياسة المملكة، سواء في التعليم أو في غيره، يدا في نشأة ما يسمى (الإرهاب).
وحتى على مستوى الحوار الوطني، ثار المزيني مستعليا في وجه رئيسه الشيخ صالح الحصين، معربا عن تذمره من استحواذ التيار الديني على مقاليد الأمور، كما دخل في جدل مطول مع الشيخ صالح الفوزان، اعتبر فيه أن لا مجال لتصنيف المجتمعات إلى مسلمة وكافرة في زماننا هذا، متذرعا بوجود أقليات مسلمة في تلك المجتمعات، فكان استعلاؤه هذه المرة في أبواب العقيدة.
ولم تقف به عقدة اتهام الدعاة والمصلحين والعلماء بالتحريض على الإرهاب إلى هذا الحد، فقد اعتبر كل من ساعد المجاهدين في البوسنة مثلا محرضا ومنظرا لهذا الفكر، فاتهم الشيخ الدكتور سعد البريك بالتحريض على الإرهاب، لأن له شريطا عن البوسنة والهرسك، وأنساه شيطانه الليبرالي أن في هذا اتهاما للمملكة برمتها، بقادتها وعلمائها وشعبها، فكلهم انخرطوا في مساعدة البوسنيين على دحر الصرب، والعالم بأسره، كان ولا يزال ضد إرهابه، وهي مسألة لا تحتاج إلى نقاش.
وعقدة اتهام الآخر بالتحريض بلغت حدها عند المزيني، بعد أن اعتبر في مقال له تصريحات وزير الداخلية السعودي (زادا للمحرضين)، وطالب وزارة الداخلية بالتحقيق في المسألة، وكان الوزير أعلن في وقت سابق عن وجود كتاب لهم صلات مشبوهة بالسفارات، وهو ما أثار حفيظة الليبراليين في المملكة.
* النقطة الثانية: الاستقواء بالخارج
فرغم تنكره لوجود صلات له من قريب أو من بعيد بأمريكا، يبقى الاتجاه الليبرالي متهما من قبل العديد من الجهات المحلية، بوجود علاقة ما تربط بعض رموزه بسفارات محددة. وإذا صح أن للاتجاه الليبرالي في المملكة ارتباطا بسفارات توجهه (ولن تكون غير الأمريكية والبريطانية)، فإن مرد ارتماء هذا الاتجاه في أحضان الغرب، ما هو إلا تنفيس عن حالة العزلة الشعبية التي يعيشها في الوطن.
ولا أحد من المتابعين لطبيعة الشراكة بين الليبراليين العرب وأمريكا، ينفي وجود تنسيق سري وعلني بين الليبراليين العرب والمشروع الأمريكي في المنطقة، فحتى العديد من الليبراليين لا يرون بأسا بتلقي الدعم الأمريكي بكل أشكاله، ويرون ذلك ضرورة من ضرورات الإصلاح.
стр. 1195
وفي حالة العراق ولبنان وبعض الحركات الليبرالية في مصر، مثال واضح على ذلك. لكن هذا لا يعني خلو الاتجاه الليبرالي ـ على علاته ـ من الوطنيين الأحرار، وهم الذين لا تكاد تجد لهم نفوذا يُذكر على المستوى السياسي.
جمال خاشقجي مدير جريدة الوطن، كان له مقال حذر فيه الليبراليين من أن يؤدي بهم الإحساس القاتل بالعزلة الجماهيرية إلى الاستقواء بأمريكا ماديا ومعنويا، فكتب نصيحة مطولة، بعنوان: (إلى السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي)، وخطابه وإن كان عاما، ففي ثناياه ما يدل على أنه موجه لبني قومه من الليبراليين السعوديين.
وإذا رجعنا إلى فترة ما بعد أحداث ١١ سبتمبر، سنجد الصحافة السعودية تناولت وجود علاقات مشبوهة لكتًّاب سعوديين بالسفارات الأجنبية، بما فيها تلقي توجيهات محددة تؤطر مواضيع الكتابة لخدمة أهداف تلك السفارات، ولو كانت على حساب الوطن!!
ومنذ ذلك الحين، ظل الاتجاه الليبرالي محط هذا الاتهام. حمزة المزيني نفسه، سئل في حوار له مع صحيفة الحياة: هل تعتقد بوجود كتاب لهم صلات بالسفارات، فأجاب: أنا قطعا لست منهم، برغم أن السؤال لم يكن: هل أنت منهم!!
والمتتبع للحراك الفكري في المملكة، يلمس حضورا شبه يومي لهذا الموضوع في ثنايا المقالات والردود، فحتى بعد تصريح وزير الداخلية القديم بوجود تلك الصلات وتهديده لكتاب معينين بالعقاب جزاء علاقاتهم بجهات مشبوهة، فإن الموضوع بقي محط جدل كبير، لدرجة أن محامي الليبراليين (كما يوصف) حمزة بن قبلان المزيني، تحدى هذا التصريح، ناعتا إياه بـ"أسوء الاتهامات" و"الافتراء"، وطالب بفتح تحقيق في المسألة.
ولم يقف حمزة عند الاستنكار والهجوم على كل من صرح بوجود تلك العلاقات، بل اعتبر تقرير مؤسسة "راند" لهذا العام بهذا الخصوص، مجرد ثرثرة. (في مقال له نشرته جريدة الوطن بعنوان "الثرثرة الراندية"). ففي نظره، أن ما تدعيه مؤسسة راند من دعمها لليبراليين العرب عموما في إطار مشروع حرب الأفكار الأمريكي، هو مجرد هراء وثرثرة، وهو ما يجسد حالة الهذيان الفعلي الذي انحدر إليه رموز التيار الليبرالي في المملكة.
ما كانت الأقلية الليبرالية في العالم العربي لتنطق على هذا النحو، برغم عزلتها شعبيا وحجمها المحدود، لولا حاجة الحكومات العربية المغلوبة على أمرها إلى أدوات مناورة، تواجه بها الضغوط الأمريكية، التي ازدادت في السنين السبع الأخيرة، فمعيار الإصلاح إنما يكون برعايتهم، فالعلاقة بين الليبراليين (حزب أمريكا) وبين حكوماتهم إذن، ليست لوجه الله، وإنما هم شر لا بد منه، وهذا ليس مبررا لتمكينهم، بقدر ما هو توصيف دقيق لطبيعتها.
المصدر: شبكة القلم الفكرية