قلت: فلله درّهم ما أبرَّهم، وما أنبلهم حيث لا يسوّغون مجرّد كون الحرام حلالاً، فضلاً عن تسويغه، والإفتاء بحلّه، ولو كان بليّ أعناق النصوص، وحشد الشواهد والشواذ من كلّ رطبٍ ويابِسٍ، من زلاّت المتقدّمين، وهفولت المتأخّرين، وسقطات المُتابِعين.
إنّها والله الخشية من العَبدِ للمعبود، فمن أو تِيَها فقد أوتِيَ خيراً كثيراً، وهل العِلمُ إلاّ الخشية، وما مثل من كثر عِلمُه وقلّت خشيته إلا كمثل التاجر المدين، تكثر بين يديه العروض، ليس له منها شيء.
خاتمة
وبعد، فقد آل بنا البحث عند ختامه إلى الحديث عن الخشية، وهي جماع صفاة العالم الرباني، تسوقه إلى الحقّ، وتأطُرُه عليه أطراً.
قال صاحب الآداب الشرعيّة: (ونقل المروزي عن أحمد أنه قيل له: لمن نسأل بعدك؟ فقال: لعبد الوهاب يعني الوراق، فقيل إنه ضيق العلم فقال: رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق .... وقال الأوزاعي كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم ... وروى ابن بطة عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: إن الفقه ليس بسعة الهذر وكثرة الرواية إنما الفقه خشية الله ... وقال الأوزاعي: بلغني أنه يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة , والمستحلين المحرمات بالشبهات ... وقال الشافعي ﵁: زينة العلم الورع والحلم، وقال أيضا لا يجْمُل العلم، ولا يحسن إلا بثلاث خلال: تقوى الله , وإصابة السنة , والخشية).
فما أحرى العاملين للإسلام؛ دعاةً وفقهاء ومُفتين إن يقفوا على الحقّ، ويقولوا به، ويردّوا عِلمَ ما اختُلِفَ فيه إلى عالمه.
لتكون السبيل محجّةً بيضاء؛ كتاباً وسنةً، مع سلامةٍ في الصدر والمنهج.
ففي ذلك السلامة، والنجاة من الندامة، وهذا غاية ما أردت بيانه في رسالتي هذه، باذلاً في طلب الحق وتقريبه للخلق وسعي، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومن الشيطان، واللهَ تعالى أسألُ أن يغفر زلّتي، ويقيل عثرتي.
وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد، وآله، وصحبه أجمعين
وكتب
أحمد بن عبد الكريم نجيب
(الملقّب بالشريف)
دَبْلِن (إيرلندا) في غرّة جمادى الآخرة عام ١٤٢٣ للهجرة
الموافق العاشر من يوليو (تمّوز) عام ٢٠٠٢ للميلاد
стр. 1192
الليبراليون السعوديون: الأقلية الناطقة
إدريس أبو الحسن
لطالما زعم رواد الاتجاه الليبرالي في المملكة بأنهم (الأغلبية الصامتة)، لكن إذا رجعنا مثلا إلى الانتخابات البلدية الأخيرة في المملكة، سنجدها أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن مقولة "الأكثرية الصامتة"، التي يتغنى بها الليبراليون هي (أكذوبة)، لا تمت إلى الواقع بصلة.
فلم يحظ اللبراليون، الذين رشحوا أنفسهم، إلا بأصوات قليلة جدا، اعتبرها المراقبون والصحافة السعودية علامة على نكسة هذا الاتجاه وخيبته.
الشعور بالخزي والعزلة الشديدة على المستوى الشعبي، أصبح يلازم فئة الليبراليين، فعلى قناة الحرة، كثيرا ما تبرم كتاب وكاتبات سعوديات من "نفور" المرأة السعودية مثلا من (حقوقها)، حتى وصفت كاتبة سعودية المرأة في المملكة (في معرض الكلام عن قيادة المرأة للسيارة)، بأنها تعرضت لغسيل دماغ على مدى سنين، ويصعب تغيير ذلك!!! معبرة بذلك عن العجز في إقناعها هي نفسها بهذا الموضوع قبل إقناع الرجل!!! ومثل هذا الوصف، الذي يمثل شكلا من أشكال الاستعلاء واليأس، لا يجد معظمهم حرجا في التصريح به، رغم أنه يعتبر استخفافا بعقل وخيارات شعب ناضج واع مميز.
المأزق الليبرالي مرده إلى الحصانة الفكرية والعقدية، التي نشأ عليها المجتمع السعودي، والتي تنظر إلى الاتجاهات الفكرية (المستوردة) نظرة شك وريبة، وإلى الليبرالية بالتحديد، نظرة استنكار واحتقار، خاصة وأنها تمثل الاتجاه الفكري الأمريكي، الذي يمثل محور الشر واحتلال الشعوب في ثقافة المسلمين جميعا.
فالمجتمع السعودي يدرك أن الليبرالية في إطارها الفكري تقوم على حرية الاعتقاد والسلوك، وبرغم أن تلك الحرية قابلة للتقييد بالأسس القانونية (سواء كانت دينية أو غير دينية) المنظمة للحياة (كما يروج ليبراليو المملكة)، إلا أن تلك القوانين نفسها من المنظور الليبرالي الفكري، لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تتح حرية الاعتقاد المطلق للفرد والمجتمع، فـ"الردة عن الإسلام"، مثلا هو حق من حقوق الإنسان بالمفهوم الليبرالي، واعتباره جرما يعاقب عليه فاعله مناقض لحرية الإنسان في اختيار معتقده, وبالتالي هو نقيض الليبرالية، وقس عليه الحجاب ونحو ذلك.
فالليبرالية لا تعترف بالهيمنة المطلقة للقوانين والأديان، إنما تعترف بهيمنة تلك القوانين والأديان، ما دامت تحترم جوهر الفلسفة الليبرالية القائم على الحرية الشخصية، حتى لو اصطدمت تلك الحرية بالثوابت المطلقة للدين. وهو ما يعني أن الليبرالية اتجاه حاكم على النظم قبل أن تكون محكومة بها، وهذا هو الحد الأدنى والقاسم المشترك الذي تلتقي عليه الفلسفة الليبرالية في كل مراحل تطورها وبكل أشكالها، وهذا منشأ الرفض القطعي لهذا الفكر المستورد عند المجتمع السعودي.
وبشكل عام، يولد الإحساس بالعزلة لدى الليبراليين إحباطا نفسيا، لا يفتأ مع توفر مقومات التأثير، يتحول إلى ثورة جامحة مصرة على اختراق المجتمع، وتجاهل مكوناته وخصوصياته وثوابته وطبيعته، مهما كلف الثمن.
وباستقراء الوضع، يمكن إجمال ردة فعل الليبراليين الناجم عن العزلة في نقطتين:
* النقطة الأولى: الاستعلاء على الداخل
الاتجاه الليبرالي في المملكة وحتى قبل ١١ سبتمبر، يمثل على ما هو عليه من القلة، مكونا من مكونات المجتمع السعودي، وإذا اعتبرنا الاتجاه الحداثي في بعض أشكاله تجليا للاتجاه الليبرالي، فإن التأريخ لوجود هذا الاتجاه سيكون بعد السبعينيات على أقل تقدير، أي مع بداية تشكل الاتجاه الحداثي في المملكة.
стр. 1193
وإذا ما استثنينا بروز شكل من أشكال هذا الاتجاه على المستوى الرسمي، فيمكن أن نطلق على الليبراليين في مرحلة ما قبل ١١ أحداث سبتمبر، اسم (الأقلية الصامتة)، حيث اتسمت هذه المرحلة بالصمت و (الكمون). أما بعد الأحداث، فقد صاروا (الأقلية الناطقة)، وهي مرحلة النطق والاستعلاء.
وفي هذا المرحلة تحديدا، استفاد الاتجاه الليبرالي من الأجواء المحتقنة التي خلقتها المشاريع الأمريكية لمكافحة ما يسمى (الإرهاب)، فأصبحوا طرفا رئيسا في المعادلة تحت مضلة (مكافحة الإرهاب) و (مشروع الإصلاح)، مستفيدين من الرعاية الأمريكية لهم على المسرح السياسي، ومن انكماش الأصوات الغيورة خوفا من أن تنعت بـ (الإرهاب).
وفي هذا المناخ لم يبال الليبراليون بحجم وضعهم في خريطة المكونات السياسية بالمملكة، فجردوا أقلامهم مستعلين على تلك الخريطة برمتها، وخاضوا (إلى يومنا هذا) معارك شرسة على مستوى الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، جسدت في نظر خصومهم الاستعلاء على الدين والقيم والثوابت والخصوصيات، وهو ما تجلى على صفحات الجرائد تحديدا في جدالات طويلة وردود تتنقل إلى الإعلام المرئي والمسموع، خاضها علماء ولأول مرة مع خريجي جامعات تكساس وكاليفورنيا.
وبرغم استحواذ الليبراليين (الأقلية الناطقة) على نصيب الأسد في الإعلام، فالمتابعون للشأن يقررون أن منهجية الاستعلاء التي تبناها الاتجاه الليبرالي، زادت من عزلته في المجتمع، وانكشفت في خضمها حقائق خطيرة عن هذا الاتجاه، زل بها لسانه، عن الدين والمجتمع والقيم.
وهذا في حد ذاته ولًّد شعورا بالنقمة على (التيار الديني)، كما ينعته الليبراليون. ومن تجليات تلك النقمة، وضع كافة رموز هذا التيار من دعاة وعلماء ومصلحين ومناشط ومدارس دعوية ومناهج تعليمية في سلة واحدة، هي سلة الإرهاب والتحريض عليه.
وإذا أخذنا الدكتور سلمان العودة، كأنموذج وواحد من الدعاة الفاعلين على الساحة، سنجد موقفه واضحا من دعوى التحريض التي يدعيها اللبراليون على التيار الديني والمناهج وما إلى ذلك، فقد قال في مقال له بعنوان (حوار أم تصادم) ما نصه: "وأجد أنه بسبب أحداث العنف التي تشهدها البلاد، برزت أطروحات إعلامية مدعومة من بعض أطراف رسمية بصورة علنية؛ تحضّر ـ ولو بغير قصد ـ لنوع من الصدام داخل المجتمع تحت دعوى مكافحة الإرهاب، مع توسيع مصطلح الإرهاب؛ ليشمل مع العنف الأفكار المتشددة التي لا تخلق عنفًا, والاتجاهات المعتدلة التي لا تتفق مع مشربهم!! وثمة صوت جريء يُعلن الانقلاب على كثير من قيم وموروثات المجتمع، ويسعى لتمرير هذه الأجندة من خلال إدراجها ضمن مشروع ((مكافحة الإرهاب)) ".
وممن تبنى هذا الاتجاه الاستعلائي الإقصائي الأكاديمي المثير للجدل حمزة بن قبلان المزيني، والذي أصبح ينعت بمحامي التيار الليبرالي، لكثرة كتاباته وجدالاته مع العلماء والدعاة، وآرائه الجريئة بخصوص ما ينعته بتيار الصحوة عموما.
إذا أخذنا هذا الرجل كمثال، نجده يمثل حالة من الاستعلاء الليبرالي النادر، فهيئة كبار العلماء أو ما ينعته هو بـ (المؤسسة الدينية التقليدية) في نظره، مجرد حجر في طريق الإصلاح، بمفاهيمها التقليدية عن القضايا الاجتماعية، ومنها قضية المرأة كمثال.
стр. 1194
وحتى مع قصوره الفاحش عن أهلية الفتوى والتمرس على علوم الشريعة، نجد له ردودا مطولة على العلماء (في قضايا العبادات)، يسفه فيها الآراء، ويمثل فيها التعالم والاستعلاء. وفي قضية المرأة، شن هجوما عنتريا على كتاب حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد، سفه فيه منهجيته، واتهمه بالقصور العلمي في طرح الخلاف بين العلماء، وبرغم تصريحه بأن الكتاب حطم أرقاما مهولة في المبيعات، إلا أنه نصح المسلمين بعدم شرائه، والله وحده يعلم هل لعلم أوتيه وحده وغاب عن المسلمين، أم لحالة استعلاء ولدها الحسد.
وفي قضايا التعليم، عرف بهجومه الشرس، واتهامه بعض المعلمين والمناهج التعليمية بالتحريض على الإرهاب، بل اتهم السياسة التعليمية بكونها احتوت على بنود مستقاة من منهج الإخوان المسلمين، وأن التعليم اختطف من قبل (الصحويين) منذ بداية الثمانينيات، وذلك سبب ما يسميه (تفريخ الإرهاب).
ويعتبر بعض المعلقين أن المزيني تجاوز الحد في اتهام المناهج إلى اتهام السياسات، وأن اعتباره فترة الثمانينيات بداية للتعليم المحرض على الإرهاب (في نظره)، فيه جناية على تاريخ المملكة وسياستها التعليمية واتهاما ضمنيا للدولة، سيما وأن المسؤولين في الدولة، كبارا وصغارا، في تصريحاتهم المنقولة، لا يرون لسياسة المملكة، سواء في التعليم أو في غيره، يدا في نشأة ما يسمى (الإرهاب).
وحتى على مستوى الحوار الوطني، ثار المزيني مستعليا في وجه رئيسه الشيخ صالح الحصين، معربا عن تذمره من استحواذ التيار الديني على مقاليد الأمور، كما دخل في جدل مطول مع الشيخ صالح الفوزان، اعتبر فيه أن لا مجال لتصنيف المجتمعات إلى مسلمة وكافرة في زماننا هذا، متذرعا بوجود أقليات مسلمة في تلك المجتمعات، فكان استعلاؤه هذه المرة في أبواب العقيدة.
ولم تقف به عقدة اتهام الدعاة والمصلحين والعلماء بالتحريض على الإرهاب إلى هذا الحد، فقد اعتبر كل من ساعد المجاهدين في البوسنة مثلا محرضا ومنظرا لهذا الفكر، فاتهم الشيخ الدكتور سعد البريك بالتحريض على الإرهاب، لأن له شريطا عن البوسنة والهرسك، وأنساه شيطانه الليبرالي أن في هذا اتهاما للمملكة برمتها، بقادتها وعلمائها وشعبها، فكلهم انخرطوا في مساعدة البوسنيين على دحر الصرب، والعالم بأسره، كان ولا يزال ضد إرهابه، وهي مسألة لا تحتاج إلى نقاش.
وعقدة اتهام الآخر بالتحريض بلغت حدها عند المزيني، بعد أن اعتبر في مقال له تصريحات وزير الداخلية السعودي (زادا للمحرضين)، وطالب وزارة الداخلية بالتحقيق في المسألة، وكان الوزير أعلن في وقت سابق عن وجود كتاب لهم صلات مشبوهة بالسفارات، وهو ما أثار حفيظة الليبراليين في المملكة.
* النقطة الثانية: الاستقواء بالخارج
فرغم تنكره لوجود صلات له من قريب أو من بعيد بأمريكا، يبقى الاتجاه الليبرالي متهما من قبل العديد من الجهات المحلية، بوجود علاقة ما تربط بعض رموزه بسفارات محددة. وإذا صح أن للاتجاه الليبرالي في المملكة ارتباطا بسفارات توجهه (ولن تكون غير الأمريكية والبريطانية)، فإن مرد ارتماء هذا الاتجاه في أحضان الغرب، ما هو إلا تنفيس عن حالة العزلة الشعبية التي يعيشها في الوطن.
ولا أحد من المتابعين لطبيعة الشراكة بين الليبراليين العرب وأمريكا، ينفي وجود تنسيق سري وعلني بين الليبراليين العرب والمشروع الأمريكي في المنطقة، فحتى العديد من الليبراليين لا يرون بأسا بتلقي الدعم الأمريكي بكل أشكاله، ويرون ذلك ضرورة من ضرورات الإصلاح.
стр. 1195
وفي حالة العراق ولبنان وبعض الحركات الليبرالية في مصر، مثال واضح على ذلك. لكن هذا لا يعني خلو الاتجاه الليبرالي ـ على علاته ـ من الوطنيين الأحرار، وهم الذين لا تكاد تجد لهم نفوذا يُذكر على المستوى السياسي.
جمال خاشقجي مدير جريدة الوطن، كان له مقال حذر فيه الليبراليين من أن يؤدي بهم الإحساس القاتل بالعزلة الجماهيرية إلى الاستقواء بأمريكا ماديا ومعنويا، فكتب نصيحة مطولة، بعنوان: (إلى السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي)، وخطابه وإن كان عاما، ففي ثناياه ما يدل على أنه موجه لبني قومه من الليبراليين السعوديين.
وإذا رجعنا إلى فترة ما بعد أحداث ١١ سبتمبر، سنجد الصحافة السعودية تناولت وجود علاقات مشبوهة لكتًّاب سعوديين بالسفارات الأجنبية، بما فيها تلقي توجيهات محددة تؤطر مواضيع الكتابة لخدمة أهداف تلك السفارات، ولو كانت على حساب الوطن!!
ومنذ ذلك الحين، ظل الاتجاه الليبرالي محط هذا الاتهام. حمزة المزيني نفسه، سئل في حوار له مع صحيفة الحياة: هل تعتقد بوجود كتاب لهم صلات بالسفارات، فأجاب: أنا قطعا لست منهم، برغم أن السؤال لم يكن: هل أنت منهم!!
والمتتبع للحراك الفكري في المملكة، يلمس حضورا شبه يومي لهذا الموضوع في ثنايا المقالات والردود، فحتى بعد تصريح وزير الداخلية القديم بوجود تلك الصلات وتهديده لكتاب معينين بالعقاب جزاء علاقاتهم بجهات مشبوهة، فإن الموضوع بقي محط جدل كبير، لدرجة أن محامي الليبراليين (كما يوصف) حمزة بن قبلان المزيني، تحدى هذا التصريح، ناعتا إياه بـ"أسوء الاتهامات" و"الافتراء"، وطالب بفتح تحقيق في المسألة.
ولم يقف حمزة عند الاستنكار والهجوم على كل من صرح بوجود تلك العلاقات، بل اعتبر تقرير مؤسسة "راند" لهذا العام بهذا الخصوص، مجرد ثرثرة. (في مقال له نشرته جريدة الوطن بعنوان "الثرثرة الراندية"). ففي نظره، أن ما تدعيه مؤسسة راند من دعمها لليبراليين العرب عموما في إطار مشروع حرب الأفكار الأمريكي، هو مجرد هراء وثرثرة، وهو ما يجسد حالة الهذيان الفعلي الذي انحدر إليه رموز التيار الليبرالي في المملكة.
ما كانت الأقلية الليبرالية في العالم العربي لتنطق على هذا النحو، برغم عزلتها شعبيا وحجمها المحدود، لولا حاجة الحكومات العربية المغلوبة على أمرها إلى أدوات مناورة، تواجه بها الضغوط الأمريكية، التي ازدادت في السنين السبع الأخيرة، فمعيار الإصلاح إنما يكون برعايتهم، فالعلاقة بين الليبراليين (حزب أمريكا) وبين حكوماتهم إذن، ليست لوجه الله، وإنما هم شر لا بد منه، وهذا ليس مبررا لتمكينهم، بقدر ما هو توصيف دقيق لطبيعتها.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1196
من أسباب الانحراف الفكري قلة الفقه في دين الله
إبراهيم بن عبد الله الزهراني
الدين الإسلامي مبناه على الوحي؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ (الأنبياء:٤٥)،وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (النساء: من الآية١١٣).
وفرض الله على الناس اتباع سنة رسوله ﷺ ؛ فقد دل القرآن على أن من أطاع الرسول ﷺ ، فهو مطيع لله؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (النساء:٨٠) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران:٣١). فإقامة الدين على الوجه المطلوب شرعا لا تحصل إلا بالعلم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . قال أبو حمزة البزاز: " من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلا متابعة الرسول في أقواله، وأفعاله، وأحواله" ولذلك أمر المولى ﵎ بطلب العلم؛ فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد:١٩)، وندب المؤمنين إلى التفقه في الدين؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:١٢٢)، وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقال ﷺ : (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ).
وللعلم بالكتاب والسنة طرق، وآلات، من يسرها الله له، وأراد به خيرا فَقُه في دين الله، ومن تنكب تلك الطرق، وحرم آلات العلم، لم يعرف دينه؛ ومن لم يعرف دينه، لا يكون فقيها، ولا طالب فقه.
فمن طرق اكتساب العلم، التعلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:١٢٢). وقال ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه). فالعلم بكتاب الله وسنة الرسول ﷺ سبيله بذل الجهد في طلبه، والأخذ من أفواه العلماء الربانيين؛ المشهورين بالديانة، المعروفين بالستر والصيانة؛ الذين قد ارتقت في العلم درجتهم، وعلت فيه منزلتهم. ولا يكون العالم ربانيا إلا إذا عمل بعلمه؛ قال ابن الأعرابي: " إذا كان الرجل عالما، عاملا، معلما، قيل له رباني، فإن خرم خصلة منها، لم يقل له رباني " وكذلك يؤخذ العلم عن الأكابر؛ فقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا" ولا يؤخذ عن مبتدع، ولا كذاب، ولا سفيه؛ كما قال الإمام مالك:"لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به ".
стр. 1197
ومن آلات العلم، الذكاء، وسرعة الفهم؛ فإن الإنسان إذا رزقه الله تعالى الذكاء، سهل عليه طلب العلم، وعقل مسائله؛ وإذا لم يكن كذلك لا يستطيع أن يحقق بغيته. قال ابن المعتز: "كما لا ينبت المطرُ الكثيرُ الصخرَ، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعليم" وبهذا نعلم أن قلة الفقه في الدين تحصل بسبب نقص الآلة، وعدم التفقه في نصوص الوحي، وسنة الرسول ﷺ بالطرق المعتبرة. فالإنسان إذا طلب العلم ممن لم ترسخ في العلم قدمه، أو كان صاحب هوى وبدعة، أو استقل بنفسه في الطلب، واكتفى بمطالعة الكتب، كان حريا ألا يصل إلى مرتبة الفقه في دين الله روى الخطيب البغدادي عن سليمان بن موسى قال: "لا تقرؤا القرآن على المُصَحِّفين، ولا تأخذوا العلم من الصَّحفيين" وروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، وبالإسناد القوي من الضعيف، فيجوز له أن يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها؛ يفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم ".
إن الإسلام دين يدان به لله ، وهذا الدين لا يتم إلا بعلم مستقى من مشكاة النبوة؛ ولذلك فإن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في اختيار من يأخذ عنه العلم؛ كما قال الإمام مالك: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم ".
بعض الآثار المترتبة على قلة الفقه في الدين:
١. ترؤس الجهّال:
إن من أعظم ما تبتلى به الأمة، ويفرق كلمتها، ويشتت صفها أن يتصدى لإرشاد الناس، ودعوتهم، وتعليمهم أمور دينهم من لم يكن من الراسخين في العلم، أو كان صاحب هوى وبدعة؛ لأن مثل هذا يفسد أكثر مما يصلح. أخرج البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاص قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: (إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتزِاعاً يَنتزِعُهُ من العِبادِ، ولكنْ يَقبِضُ العِلمَ بقَبض العُلماءِ، حتى إِذا لم يُبقِ عالماً اتخذَ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً فسُئلوا فأفْتَوا بغير علمِ فضلُّوا وأضَلُّوا).
٢. عدم معرفة مقاصد الشرع:
وقد أشار الرسول ﷺ إلى هذا عندما قال له الرجل: اتق الله يا محمد!، فقال ﷺ : (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا - أَوْ في عَقِبِ هَذَا - قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ)، فهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن، ولم يتفقهوا فيه، ولم يعرفوا مقاصده. إن الله أنزل كتابه بلسان عربي مبين، وبينه الرسول ﷺ كذلك، ولذلك فإن طلب فهم القرآن إنما يكون من هذا الطريق، فإنه لا يعلم من إيضاح جُمَلِ عِلمِ الكتاب أحدٌ جهل لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانه.
وإذا كان الأمر كذلك، فيجب على من يتكلم في القرآن والسنة أن يكون له بصر بلسان العرب، ومعرفة بأساليبهم، وطرائق كلامهم. قال الشاطبي "فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي أديت به، وأن لا يحسن ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها. فإن ثبت على هذه الوصاة، كان ـ إن شاء الله ـ موافقا لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام".
стр. 1198
إنَّ تكلُّم من لا يعرف لسان العرب في أمور الشرع، واستنباطه الأحكام دون أن يتمكن من آلة فهم الكتاب والسنة يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على الله بغير علم.
٣. اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة وترك المحكم:
قاعدة الشريعة، وطريقة الراسخين في العلم الإيمان بالكتاب كله محكمه ومتشابهه؛ كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:٧) أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضباً، قد احمرّ وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم؛ باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه).
فقد دلت هذه النصوص على أن في كتاب الله من لا يفهمه إلا من رزقه الله الفهم والبصيرة؛ فإن التشابه الذي لا تمييز معه، قد يكون من الأمور النسبية الإضافية؛ بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض. ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، فليس لكل أحد أن يقول فيه برأيه بل يكله إلى عالمه. قال الربيع بن خثيم: "يا عبد الله! ما علمك الله في كتابه من علم، فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم، فكله إلى عالمه، ولا تتكلف؛ فإن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ *إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (صّ:٨٦ ـ ٨٨).
إن ضلال كثير من أصحاب الغلو، وانحرافهم كان بسبب ردهم للمحكمات من النصوص، وأخذهم بالمتشابهات. قال عمر بن الخطاب ﷺ : إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " وبين الشاطبي ذلك بقوله: " ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف رأي ابن عمر ﷺ في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار، فجعلوها في المؤمنين. فسرّ سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية٤٤)، ويقرنون معها ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق، قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه، (ومن عدل بربه) فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون، فيخرجون فيقتلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية ".
٤. الأخذ ببعض الأدلة وترك ما سواها:
стр. 1199
إن طريق الأئمة الراسخين في العلم النظر في جملة أدلة الشريعة، ومن ثم استخراج الحكم؛ لأن أدلة الشرع كلية وجزئية، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، فاستخراج حكم قضية من القضايا يحتاج إلى النظر في الأدلة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها؛ لأن أخذ الحكم من دليلٍ دون نظرٍ إلى ما يعارضه، أو يقيده، أو يخصصه، أو تطبيق الحكم دون النظر في تحقق المناط، يؤدي إلى نتائج خاطئة، وأحكام غير صحيحة، وضرب للأدلة ببعضها.
لقد كانت نتيجة مثل هذا النظر في الأدلة مؤلمة وقاسية على الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها، فقد أُخرِج أقوام من دين الله، وسُفكت دماء، واستحلت أموال، وانتهكت أعراض، وخُربت أوطان، وتسلط ظلوم غشوم طاغ على بلاد المسلمين، وأحال أمنهم خوفا، وعزهم ذلا، وغناهم فقرا.
٥. عدم النظر إلى مآلات الأفعال:
قاعدة الشريعة التي لا تنخرم، تحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ ولذلك كان النظر إلى ما يؤول إليه الفعل، وهل يحقق مصلحة، أو يدرأ مفسدة؟ من الفقه في دين الله.
والأصل في ذلك قوله ﵎: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:١٠٨)، فمنع الله تعالى في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور.
يقول الشاطبي ﵀: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا؛ كانت الأفعال موافقة، أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ (فقد يكون) مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع؛ لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوى المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي، أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة".
وعملا بهذا الأصل لم يقتل الرسول ﷺ عَبْد اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ حينما قال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، وعلل ذلك بقوله: (لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) ولم يهدم البيت ثم يعيده على بناء إبراهيم ﷺ ، وقال لعَائِشَةَ ﵂: (لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ في الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ في الأَرْضِ)، وحرُم تغيير المنكر إذا كان يستلزم ما هو أعظم منه شرا. ولو تأمل المنصف في كثير من الأحداث التي عصفت بالأمة الإسلامية؛ في الماضي، والحاضر، لوجد أن سببها يرجع في الغالب إلى إهمال هذا الأصل.
إن إهمال النظر إلى ما يؤول إليه الفعل، يفسر لنا ما نراه من بعض الناس من حماس زائد، واندفاع متهور، وعواطف ملتهبة، عند وقوع بعض الأحداث التي تعصف بالأمة؛ فترى أولئك يفقدون الحكمة، ويسارعون في رد الفعل دون تروٍّ، ويتسابقون في اقتحام الميادين الصعبة، والمسالك الوعرة، دون تثبت، ولا مشاورة كبير أو صغير. وبعد أن تنجلي الأحداث، وتهدأ العاصفة يتبين لأولئك الغيارى! أن عاقبة سعيهم لم تكن محمودة، وان ثمرة جهدهم لم تكن بقدر ما بذلوه من جهد، وأن الأمر لم يكن بمثل ما تصوروه، وأن العاقبة كانت أشد وقعا، وأعمق أثرا، وأكثرا ضررا.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1200
كيف تكون قارئاً عظيما للكتب
سلطان الدويفن
هذه عشر خطوات؛ لتطوير مهاراتكَ في القراءة؛ حتى تكونَ منَ المتمَكِّنينَ فيها، ولتصبح منَ القُرَّاء الكبار، اخترتُها لك - عزيزي القارئ - من بين عشرات المقالات باللغة الإنجليزية المنشورة في هذا الموضوع، وقمْتُ بترجمتها بتصَرُّف، وهي للمدرب المتخصص في التنمية وتطوير المهارات السيد: ( Jim M. Allen جيم الين)، وتأتي على النحو التالي:
١ - ليس منَ الضروري أن تكونَ قارئًا سريعًاً لتحصلَ على الفائدة:
فبعض الناس يقرأ بسرعات عالية، وآخرون يقرؤون بسرعات متوسطة، والبعض الآخر يقرأ ببُطْء؛ للحصول على كلِّ المعلومات، والسرعةُ في حقيقة الأمر ليست بالأهمية الكبيرة؛ بلِ المهم الحُصُول على الفائدة التي تريدها وتتوَخَّاها من قراءة الكتاب أوِ المقال أوِ المجلة، ودعوني أخبركم سرًّا، لا يُقال في دورات القراءة عمومًا، ودورات القراءة السريعة خصوصًا، وهو أن طبيعة وموضوع الكتاب تفرض عليك سرعة قراءته؛ حتى تستفيد منه الاستفادة المُثْلى، فالكُتُب التي تعتني بجمع المقالات مثلاً؛ ككتاب "مقالات لكبار كتَّاب العربية في العصر الحديث"؛ للشيخ محمد إبراهيم الحمد، والذي أنصح بقراءته؛ لما يَحْوِيه من فوائدَ جميلةٍ، ومقالات متميزة، والتي توجد نسخته الإلكترونية كاملة على بعض مواقع الإنترنت - يمكن قراءته بالطريقة السريعة، وأما عندما تتناول أحد الكُتُب الفقهيَّة المتخصصة، أو الكُتُب الفكريَّة العميقة لتقرأه، فطبيعة الكتاب تجبرك وتفرض عليك فرضًا أن تقرأه ببطْء، أو بسرعة متوسِّطة؛ حتى تستوعبَ ما فيه؛ لذلك فسرعة القراءة تتفاوت حسب طبيعة الكتاب وموضوعه، وتذَكَّر دائمًا أنَّ المهم هو الحُصُول على الفائدة، وليس إنهاء الكتاب بسرعة أو بسرعة عالية.
٢ - اعرف: لماذا تقرأ؟
فيجب عليك أن تعرفَ هدفكَ قبل القراءة، والذي بناء عليه تقوم باختيار الكتب التي ترتقي بإدراككَ ومعارفكَ، فهل أنت تقرأ للتسلية والمتعة؟ أو تقرأ للتعلُّم المستمر، الذي يطوِّر من مفاهيمكَ ومعارفك وقدراتك، ونظرتك للحياة والكون، والحكم على الأشياء، وبناء وتكوين شخصيتك الثقافية والقيادية والفكرية التكوين المناسب؛ حتى تكون مؤثِّرًا في محيطكَ والمجتمع من حولكَ؟
٣ - أنت لا تحتاج أن تقرأ عنْ كلِّ شيءٍ:
فليس كل كتاب، أو مجلة، أو بريد إلكتروني تحتاج إلى قراءته أو قراءتها، فمُعظم المجلاَّت والرسائل الإلكترونية في حقيقتها لا تحتوي على ما ينفعكَ؛ لذلك منَ المهم أن تتحكَّم فيما تقرأ، والوقت التي تبذله في القراءة، واخترِ الكتاب الذي يتناسب مع تخصصكَ واهتماماتكَ ومجالك الذي تريد أن تبرزَ فيه.
٤ - ليس منَ المهم أن تقرأ الكتاب أو كل شيء يقع في يدك:
فهل تقرأ كل المقالات في المجلة التي تقع تحت يدك؟ وهل تقرأ كل أجزاء وفُصُول الكتاب؟
في حقيقةِ الأمر إذا سرتَ بطريقة قراءة كل شيء، فأنت قد تقرأ فصولاً أو مقالات كثيرة لا تحتاجها فعلاً، فقط اخترِ الأجزاء المهمة منَ الكتاب، والتي يهمك قراءتها، وتتفق مع ما تبحث عنه من فوائد أو معلومات، وكذلك كنِ انتقائيًّا في قراءتك للمقالات، وقد ذَكَر أحد المفكِّرينَ الكبار أنَّ عقلكَ ينتج بحسب ما تضعه فيه، فهو كالطاحونة إن وضعتَ فيه قمْحًا جيدًا، أخرج دقيقًا جيدًا، وإن وضعتَ فيه غير ذلك، أخرج ما وضعته فيه، فاحرِص على ما تضعه في عقلك الذي يعتبر الأداة الرئيسة لك للحكم والتعامُل مع العالَم، والمشكلات، والتصوُّرات، والأفكار، وهو مصدر بناء شخصيتكَ، والأمر راجعٌ إليك، ولا يشارككَ فيه أحدٌ.
٥ - اختبر حالتكَ النفسية والمزاجية قبل أن تبدأَ في القراءة:
стр. 1201
فحالتُكَ النفسية والمزاجية مهمة جدًّا قبل البَدْء في القراءة، وفي الأوقات المخَصصة لها، فعندما تكون صافيًا ذهنيًّا وغير مرهقٍ، فيُمكنكَ قراءة الكتب الدسِمة التي تحتاج إلى تركيزٍ كبيرٍ، وإن كنتَ تحس بالإرهاق أوِ التَّعب، فاخْتر ما يناسبكَ منَ الكُتُب السهلة والخفيفة، والتي لا تحتاج إلى مجهودٍ في قراءتها.
٦ - قمْ بترتيب أولوياتكَ في القراءة:
اجْعل قراءتك حسب أولوياتكَ، فإذا كنتَ تنوي تأليف كتاب، أو كتابة بحث أو مقال، فيجب أن تكون قراءاتكَ في الموضوع الذي تنوي الكتابة فيه، وهذه نصيحة مهمة جدًّا لمن أراد أن يستمرَّ في القراءة، وهو أن تجعلَ من ضمن أهدافك منَ القراءة إنتاج أفكار ورؤًى وتصورات جديدة، قد تتَّصف بالإبداع لما قرأت فيه وعنه، وذلك من خلال تأليف الكتب أو كتابة البحوث والمقالات، وهذا - من واقع التجربة والخبرة من قِبَل كثيرينَ - يدفعكَ للاستمرار في القراءة، وهو من أهم الدوافع فيها.
٧ - حَسِّن ورَتِّب وهَيئ مكان قراءتكَ:
فأنتَ سوف تقرأ وتستوعب بشكلٍ أفضل، إذا كان المكان الذي تقرأ فيه مرتَّبًا ومُهَيَّأ بشكلٍ يساعدك على القراءة، وتعتبر راحتكَ في وضعيَّة الجلوس عاملاً مهمًّا للاستمرار في القراءة، وكان علي الطنطاوي - الشيخ، والداعية، والأديب، والمربِّي الفاضل، وأحد أكابر القرَّاء العرب في العصر الحديث - قد رَتَّب وسائد بأحجام مختلِفة يضعها خلف ظهره، أو يَتَّكئ عليها حسب الوضعيَّة التي تساعده أن يكونَ في راحة تامَّة أثناء القراءة.
٨ - إذا بدأتَ في القراءة لا تتوقَّف:
اقرأ مباشرةً، ولا تتوقَّف إلاَّ لسببٍ ضروري وقاهرٍ يجبركَ على التوقف عن القراءة، وإذا انتهيتَ منَ القراءة وكان لديك أسئلة، عُد مرَّة أخرى لفصول الكتاب؛ للبحث عن أجوبة للأسئلة التي وردت في ذهنكَ، أوِ ابْحث عنِ الإجابة في كُتُب أخرى، وإذا كنتَ لا تملك أسئلة، فأنتَ في حقيقة الأمر قد حصلتَ على ما تحتاج إليه، والأسئلة مفتاح خيرٍ عظيم لِمَن أراد التطوُّر المستمر في شخصيته وتكوينه الفكري والقيادي، وأذكر أنِّي حضرتُ ملتقى التميز والإبداع الإداري، الذي نظمتْه الجمعية السعودية للإدارة، وعقد في مدينة الرياض في الفترة ٨ - ١٠ صفر ١٤٢٨ هـ، وكان من ضمن المشاركين في البرنامج العلمي البروفسور مايكل ماركورت، من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي ألقى محاضرةً بعُنوان: "القيادة في القرن الحادي والعشرين: الأسئلة أولى منَ الإجابات"، ومع أن مدَّة مشاركة البروفسور كانت ربع ساعة تقريبًا؛ إلاَّ أنها من أجمل وأروع المشارَكات في ذلك الملتقى، وعادتْ عليَّ شخصيًّا بفوائدَ جميلةٍ؛ وذلك لسبب يسيرٍ جدًّا، وهو أنَّ المحاضَرة - وبصورةٍ أساسية - تعطي منهجًا، ولا تعطي معلومات، ومَن يمتلك معلومات فكأنما امتلك قطعة ذهبيَّة، وأما مَنِ امتلكَ منهجًا فكأنما امْتَلَكَ مَنْجَمًا منَ الذَّهَب، وما أريد أن أصل إليه من خلال هذه القصة هو التالي:
مَن أراد التميُّز فعليه أن يدفعَ ثمن تكاليف أسئلة تبدأ بـ: "لماذا؟ وماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا لو؟ وهل؟ وغيرها منَ الأسئلة، ويبذل جهده، وتعبه، وعرق جبينه، وشيئًا من راحته النفسيَّة؛ للحُصُول على إجابات لتلك الأسئلة مقابل التميُّز والتفرُّد الذي ينشده؛ لأن ضريبته باهظة، خصوصًا مَن كان يريد نجاحًا وتميُّزًا ذا معنى حقيقيٍّ، وليس زائفًا، وفرق كبيرٌ بين المعنيينِ.
стр. 1202
٩ - رَكِّز: تذَكَّر جيدًا أنكَ تقرأ، ولديك هدف وغرض وغاية من قراءتك؛ لذا يجب عليك التركيز في المادة المقروءة، وإذا فقدتَ التركيز والاهتمام بعد فترة منَ القراءة، يمكنكَ أخْذ راحة، أو قراءة كتاب آخر، والمهم هو أن تحافظَ على مسارِكَ في القراءة، وحسب المادة التي تقْرَؤها وترجو منها الفائدة الفكرية والذهنية لعقلك، الذي يتطوَّر بشكلٍ مستمرٍّ مِن خلال القراءة، والتَّعلُّم بالطُّرق المختلفة، ولا تنسَ أنَّ القراءة أهم طرق التعلُّم؛ كما تشير إلى ذلك الكثيرُ منَ الدِّراسات.
١٠ - تدرب ومارس:
إنَّ القُرَّاء الكبار لم يولدوا مِن بين يوم وليلة ورأوا أنفسهم قراءً عظامًا؛ ولكنهم تعبوا وبذلوا الأسباب، وتعلَّموا من أخطائهم؛ سواء في اختيار الكتب أم طريقة القراءة، وفهموا واستوعبوا الدروس من خلال التجربة والخبرة والممارسة، وهذه الطُّرق التي ذكرتُها تعطيكَ جزءًا مُهمًّا وكبيرًا لتطوير مهاراتك في القراءة؛ ولكن يبقى الدور المحوري والرئيس والمهم عليك أنتَ - عزيزي القارئ.
القراءةُ ليستْ هواية كما يظن الكثيرون، ومِن سخف القول أن يجيبَ أحدُهم عندما يُسأل عن هوايته بأن هوايته القراءة، إنها منهج حياة متكامِل وضروري ومهم وحيوي، لمن أراد أن يكونَ مشعل نور وإضاءة، وقائدًا ذا أَثَرٍ في هذه الحياة.
وقبل الرحيل، هذه دعوةٌ لقراءة كتاب "عاشق"؛ للشيخ الدكتور/ عائض القرني، والذي يتحدث فيه عن قصته مع القراءة، وفوائد القراءة، ويستعرض بعض النماذج المبرزة في القراءة منَ السلف الصالح، وهو كتاب يجمع بين المتعة والفائدة، كَتَبَه الشيخ بأسلوبِه الأدبي الرفيع.
المصدر: موقع الألوكة
стр. 1203
بحث في حكم إسبال الثياب
علوي بن عبد القادر السقاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
٢٦ رجب ١٤٢٩هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أما بعد:
اتفق العلماء على حرمة إسبال الثوب خيلاءً واختلفوا إذا لم يكن ذلك من باب المخيلة والتكبر على قولين:
الأول: الجواز مع الكراهة وهو قول أغلب أتباع المذاهب الأربعة.
الثاني: التحريم مطلقاً وهو رواية عن الإمام أحمد خلاف المشهور عنه، قال ابن مفلح في (الآداب الشرعية ٣/ ٤٩٢): (قال أحمد ﵁ أيضاً: ما أسفل من الكعبين في النار لا يجر شيئاً من ثيابه. وظاهر هذا التحريم) أ. هـ واختاره القاضي عياض وابن العربي من المالكية، ومن الشافعية الذهبي ومال إليه ابن حجر، وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول الظاهرية وبه قال الصنعاني ومن المعاصرين ابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم وهو ما تؤيده الأدلة، والواجب فيما ما يتنازع فيه الناس أن يرد إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩.
والأدلة على التحريم واضحة وصريحة منها: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) رواه البخاري، وحديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي أو ساقه فقال: هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين) رواه أحمد والترمذي وهو حديث صحيح، وغيرها من الأحاديث.
وسبب صرف هذه الأدلة الصريحة الواضحة عن التحريم عند من لا يقول به وجود أحاديث علقت التحريم بالخيلاء كحديث: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) رواه البخاري ومسلم، فقالوا تلك أحاديث مطلقة وهذه مقيدة فحملوا المطلق على المقيد، وهذا غير صحيح، لأن حمل المطلق على المقيد إنما يكون إذا اتحدا في السبب والحكم وأما إذا اختلفا فالأصوليون متفقون على امتناع حمل أحدهما على الآخر، وهنا عندنا سببان وعقوبتان:
الإسبال وعقوبته النار
الجرُّ - وهو قدر زائدٌ عن الإسبال- وعقوبته ألا ينظر الله إليه
أما القول بأنهما عقوبة واحدة وأن من دخل النار لم ينظر الله إليه ومن لم ينظر الله إليه فمأواه النار فغير صحيح؛ بل هما عقوبتان ولو كان أحدهما يستلزم الآخر، ونظير هذا في القرآن الكريم كثير، كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ وغيرها من الآيات، وكذا السنة المطهرة.
ومما يؤيد خطأ حمل المطلق على المقيد حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال سألت أبا سعيد الخدرى عن الإزار فقال على الخبير سقطت قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو فى النار، من جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ومالك. وهو حديث صحيح، صححه النووي وابن دقيق العيد والألباني وغيرهم.
فهذا الخبير بحكم إسبال الإزار ﵁ يروي حديثاً عن رسول الله ﷺ فيه السببان والعقوبتان وقد فرق بينهما.
كما أن إسبال الثوب وجره يستلزم الخيلاء كما نص على ذلك النبي ﷺ بقوله لجابر بن سليم ﵁: (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن.
стр. 1204
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٦٤): (وحاصله: أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المخِيلة).
وقال تعقيباً على حديث أم سلمة ﵂ لما سألت النبي ﷺ : فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ حيث فهمت أن الزجر عن الإسبال مطلقاً ولو من غير خيلاء: (ويستفاد من هذا الفهم التعقيب على من قال إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء ... ووجه التعقيب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا) (فتح الباري ١٠/ ٢٥٩)
وقال ابن العربي في (عارضة الأحوذي) (٧/ ٢٣٨): (لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أتكبر فيه؛ لأن النهي تناوله لفظاً، وتناول علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكماً فيقال إني لست ممن يمتثله لأن العلة ليست فيَّ، فإنها مخالفة للشريعة، ودعوى لا تسلم له، بل مِن تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعًا)
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (٣/ ٢٣٤): رداً على من يسبل إزاره ويقول لا أفعل ذلك خيلاء: (وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فَرَجِيَّة (الفَرَجِيَّة: ثوب واسع فضفاض كان ملبوس العلماء والقضاة) تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء؛ فتراه يكابر، ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري؛ فقال: (لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء)! فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولاً، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال ﵇: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين)، فمثل هذا في النهي من فصَّل سراويل مغطياً لكعابه، ومنه طول الأكمام زائداً، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس) انتهى
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيباً على من جعل الإسبال هو السدل: (وإن كان الإسبال والجر منهياً عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.) (اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٣٠)
وقال الصنعاني في مقدمة كتابه (استيفاء الأقوال في تحريم الإسبال على الرجال): (وقد دلَّت الأحاديث على أن ما تحت الكعبين في النار، وهو يفيد التحريم، ودل على أن من جَرَّ إزاره خيلاء لا يَنْظر الله إليه، وهو دال على التحريم، وعلى أن عقوبة الخيلاء عقوبة خاصة هي عدم نظر الله إليه، وهو مما يُبْطل القول بأنه لا يحرم إلا إذا كان للخيلاء)
أما استشهاد بعضهم بفعل أبي بكر الصديق ﵁ وقول النبي ﷺ له: (إنك لست تفعل ذلك خيلاء) فهو استشهاد في غير محله: أولاً: لأن هذا في جرِّ الثوب وحديثنا عن الإسبال والفرق بينهما لا يخفى، وثانياً: هذه تهمةٌ الصديقُ بريءٌ منها فلم لم يكن ﵁ متعمداً الإسبال بدليل قوله: (إنَّ أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه) فانظر إلى قوله: أحد شقي ثوبي، فهل الإسبال المُتَعَمَّد يكون من شقٍّ واحد؟! وتأمل قوله: إلا أن أتعاهد ذلك منه - أي أرفعه-، وحديثنا عمن يُسبله ابتداءً لا عمن يرفعه كالصديق ﵁.
والخلاصة:
أن إسبال الثوب ومثله البنطال والسراويل إلى ما دون الكعبين محرَّمٌ بنص حديث رسول الله ﷺ وفعله خيلاء يزيده حرمة.
والله أعلم
стр. 1205
التهنئة بالعام الهجري الجديد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد
فإنَّ التهنئة تكون على أحوال:
إمَّا أن تكون بما يُسَرُّ به المسلم مما يطرأ عليه من الأمور المباحة بكل ما فيه تجدد نعمة أو دفع مصيبة، كالتهنئة بالنكاح، والتهنئة بالمولود الجديد، والتهنئة بالنجاح في عمل أو دراسة، أوما شابه ذلك من المناسبات التي لا ارتباط لها بزمان معين، فهذا من الأمور العادية التي لا حرج فيها، ولعل صاحبها يؤجر عليها لإدخاله السرور على أخيه المسلم فالمباح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً)) فهذا بين الإباحة والاستحباب.
وإمَّا أن تكون التهنئة في أزمان معينة كالأعياد والأعوام والأشهر والأيام، وهذا يحتاج إلى بيان وتفصيل، وتفصيله كما يلي:
- أمَّا الأعياد -عيد الأضحى وعيد الفطر- فهذا واضح لا إشكال فيه وهو ثابت عن جمع من الصحابة.
- وأمَّا الأعوام فكالتهنئة بالعام الهجري الجديد أو ما يسمى رأس السنة الهجرية.
- وأمَّا الأشهر فكالتهنئة بشهر رمضان، وهذا له أصل والخلاف فيه مشهور.
- وأمَّا الأيام فكالتهنئة بيوم ميلاد النبي ﷺ أو بيوم الإسراء والمعراج وما شابه ذلك والحكم فيه معروف وهو من البدع لارتباطه بمناسبات دينية مبتدعة.
وكل هذه التهاني ماعدا الأول منها لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة الكرام ولا عن أحدٍ من السلف مع أن موجبها انعقد في زمن النبي ﷺ والصحابة ﵃ ولم يوجد المانع ومع ذلك لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعل ذلك بل قصروا التهنئة على العيدين فقط.
والتهنئة بالعام الجديد لم تكن معروفة عند السلف لكنْ لما شاعت في الأزمنة المتأخرة وسئل العلماء المعاصرون عنها اختلفوا على قولين:
الأول: الإباحة وأنها من العادات، ومن هؤلاء الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: ((أرى أن بداية التهنئة في قدوم العام الجديد لا بأس بها ولكنها ليست مشروعة بمعنى: أننا لا نقول للناس: إنه يسن لكم أن يهنئ بعضكم بعضاً، لكن لو فعلوه فلا بأس، وإنما ينبغي له أيضاً إذا هنأه في العام الجديد أن يسأل الله له أن يكون عام خيرٍ وبركة فالإنسان يرد التهنئة. هذا الذي نراه في هذه المسألة، وهي من الأمور العادية وليست من الأمور التعبدية)) (لقاء الباب المفتوح).
وله ﵀ كلامٌ آخر ضبط فيه المسألة فقال في ((اللقاء الشهري)): ((إن هنّأكَ أحد فَرُدَّ عليه، ولا تبتدئ أحداً بذلك هذا هو الصواب في هذه المسألة، لو قال لك إنسان مثلاً نهنئك بهذا العام الجديد قل: هنأك الله بخير وجعله عام خير وبركة. لكن لا تبتدئ الناس أنت لأنني لا أعلم أنه جاء عن السلف أنهم كانوا يهنئون بالعام الجديد بل اعلموا أن السلف لم يتخذوا المحرم أول العام الجديد إلا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁) وقال في ((الضياء اللامع)) (ص٧٠٢): ((ليس من السنة أن نُحدث عيداً لدخول السنة الهجرية أو نعتاد التهاني ببلوغه)).انتهى
وقد نقل بعضهم في إباحة هذا الفعل كلاماً غير محرر للقمولي والسيوطي من متأخري الشافعية، ولأبي الحسن المقدسي من الحنابلة، أعرض عن ذكره خشية الإطالة.
стр. 1206
الثاني: القول بالمنع مطلقاً، وهو الراجح، وممن قال به الشيخ صالح الفوزان حيث سئل عن التهنئة بالعام الهجري الجديد فأجاب: ((لا نعرف لهذا أصلاً، والتأريخ الهجري ليس المقصود منه هذا أن يجعل رأس السنة مناسبة وتُحيا ويصير فيها كلام وعيد وتهاني، وإنما جعل التأريخ الهجري من أجل تمييز العقود فقط، كما فعل عمر ﵁ لما توسعت الخلافة في عهده، صارت تأتيه كتب غير مؤرخة، احتاج إلى أنه يضع تأريخاً تعرف به الرسائل وكتابتها، استشار الصحابة، فأشاروا عليه أن يجعل الهجرة مبدأ التأريخ الهجري، وعدلوا عن التأريخ الميلادي، مع أنه كان موجوداً في وقتهم، وأخذوا الهجرة وجعلوها مبدأ تاريخ المسلمين لأجل معرفة الوثائق والكتابة فقط، ليس من أجل أن تتخذ مناسبة ويتكلم فيها، هذا يتدرج إلى البدع.
سؤال: إذا قال لي شخص: كل عام وأنتم بخير، فهل هذه الكلمة مشروعة في هذه الأيام؟
جواب: لا، ليست بمشروعة ولا يجوز هذا)) أ. هـ انظر: ((الإجابات المهمة في المشاكل الملمة)) (ص٢٢٩)
والناظر إلى هذه المسألة يجد أن القول بالمنع يتأيد بعدة وجوه فمن ذلك:
١ - أنها تهنئة بيوم معين في السنة يعود كل عام فالتهنئة به تُلحقه بالأعياد، وقد نُهينا أن يكون لنا عيد غير الفطر والأضحى، فتُمنع التهنئة من هذه الجهة.
٢ - ومنها أن فيها تشبهاً باليهود والنصارى وقد أُمرنا بمخالفتهم، أما اليهود فيهنئون بعضهم برأس السنة العبرية والتي تبدأ بشهر تشري وهو أول الشهور عند اليهود ويحرم العمل فيه كما يحرم يوم السبت، وأما النصارى فيهنئ بعضهم البعض برأس السنة الميلادية.
٣ - أن فيها تشبهاً بالمجوس ومشركي العرب، أما المجوس فيهنئون بعضهم في عيد النيروز وهو أول أيام السنة عندهم ومعنى (نيروز): اليوم الجديد، وأما العرب في الجاهلية فقد كانوا يهنئون ملوكهم في اليوم الأول من محرم كما ذكر ذلك القزويني في كتابه: ((عجائب المخلوقات)). وانظر لذلك كتاب: ((الأعياد وأثرها على المسلمين)) للدكتور سليمان السحيمي.
٤ - ومنها أن جواز التهنئة بأول العام الهجري الجديد يفتح الباب على مصراعيه للتهنئة بأول العام الدراسي وبيوم الاستقلال وباليوم الوطني وما شابه ذلك، مما لا يقول به بعض من أجاز التهنئة بأول العام، بل إن جواز التهنئة بهذه أولى حيث لم يكن موجبها منعقداً في زمن الصحابة ﵃ بخلاف رأس السنة.
٥ - ومنها أن القول بجواز التهنئة يفضي إلى التوسع فيها فتكثر رسائل الجوال وبطاقات المعايدة -وإن سموها بطاقات تهنئة- وعلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام، وربما صاحب ذلك زيارات للتهنئة واحتفالات وعطل رسمية كما هو حاصل في بعض الدول، وليس لمن أجاز التهنئة بأول العام الهجري الجديد وعدَّها من العادات حجة في منع هذا إذا اعتاده الناس وأصبح عندهم من العادات، فسدُّ هذا الباب أولى.
٦ - ومنها أن التهنئة بالعام الهجري الجديد لا معنى لها أصلاً، إذ الأصل في معنى التهنئة تجدد نعمة أو دفع نقمة، فأي نعمة حصلت بانتهاء عام هجري؟ والأولى هو الاعتبار بذهاب الأعمار ونقص الآجال.
وعليه فالقول بالمنع أولى وأحرى، وإن بدأك أحدٌ بالتهنئة فالأولى نُصحه وتعليمه لأن رد التهنئة فيه نوع إقرار له، وقياسها على التحية قياس مع الفارق!
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
стр. 1207
الاشتغال بالتوافه
عبدالمجيد بن عبدالرحمن باحص
تمرُّ بنا في حياتِنا اليوميَّة والعامَّة أمورٌ عدَّة، منها ما نصرِفُ النَّظر عنْها؛ لأنَّها لا تستحقُّ، وأخرى نلتفِتُ لَها؛ لِما تَحمِل من مهمَّات قد حوتْها.
وهذه حالة عاديَّةٌ وطبعية، يَمرُّ بِها أيٌّ منَّا ولا يكاد يخلو، بيْدَ أنَّ الذي لا يُسْكَت عنْه، ويُسْتَقبح مَرْآه: أن تَجد أناسًا مِمَّن يعوَّل عليْهِم وتترقَّبهم الآمالُ مشتغلين بالتَّوافِه، مُستأْنِسينَ لها وبها، مهتمِّين لتواجُدِها، داعين لفَرْضِها وعرْضِها.
وكلُّ ما أبعد عن همٍّ، أو أَلْهى عن جِدٍّ، أو اقترن بإثم، أو جاوزَ سدادًا، ولازم إسفافًا، أو التصق بذُلٍّ، فهو جدير أن لا يُوضَع عنده رحلٌ، أو يُبتاع منه متاع، فليس لظامئٍ من سرابٍ إلاَّ التَّزويق والخداع.
إنَّها الرزية أن يُبتلى أحدُنا بالتَّوافه، فينشغل بها لتُلْهِيه عن عمله الأعظم، أو فكره الأفضل أو إصلاحه الأكْبر، فلا يكاد يُقَدِّر للأمور قدْرَها، أو يعرف للمصائب خطَرَها، فليس له ثَمَّة اهتمام، وقد يُشغل أحدُنا بالتَّوافه بِحُجَّة أنَّها من الضروريات أو من الأمور الواجبِ تدارُكها وتعلُّمها، ولو أنَّنا وضعناها في المقياس السَّليم لاتَّضحت التَّوافه من غيْرِها، ولعَلِمْنا ما الجِدّ من الهزْل، وما الصَّحيح من السقيم؟
ولو نظرتَ إلى حال ذلك المستغرق بالتَّوافه، لوجدتَه مُعْرِضًا عن الأمور العظيمة والقضايا الهامَّة؛ بِحُجَّة أنَّ تلك من المستحيلات، أو من الأمور الَّتي لا يُسْتطاع نوالُها، أو من الكماليَّات التي لا حاجةَ لها، أو من ضُروب الخيال التي لا تَكادُ تُوجد إلا في عصورٍ مَضَتْ، وتلك صورةٌ زيَّنها له شيطانُه وأمْلَتْ عليْهِ بِها همَّتُه القاصرة، فأضحى ذليلاً للتَّوافه.
وإنَّك لتعجب، بل تحزن وتُساء، حين ترى جمعًا من النَّاس مِمَّن هم حولَك أو تسمع بهم أو ربَّما تُشاهدهم ـ مِمَّن يُرجى نوالُ عقْلِه أو استِدْرار فِكْره ـ قد غلبتْ عليْهِم تلك البليَّة، فتجِدُهم لاهثين خَلْفَ سخافاتٍ كانت الدُّنيا خيْرَ عارضٍ لها، وكانت فضائيَّات الفساد خيرَ مُلقية لهم، فاستبلدوا واستبلدوا وكان همّ أحدِهم لا يكاد يتجاوزُ شركَ نعلَيْه، من قِصَرِه وضعْفِه وهوانه، فيسرع ليلتقطَ فُتاتَ ما يَجده من توافِهَ؛ ليلقِيَ به على مَن حوله ليحدِّثَهم به، وكأنَّه شأنٌ عظيم قد عَرَض له، وأراد للنَّاس أن يُدْرِكوا حجْمَ ذلك وأن يُشاركوه.
إنَّ الاشتِغال بالتَّوافه يُورثُ صَغار العقْل، وبلادةَ الفهْم، وسطحيَّة التَّفكير، وسذاجة الطَّرح؛ فلا مقياس لديْه كبير، ولا شأن لديْه عظيم، ولا همَّ وهمَّة تدفع طُموحًا، فيصغُر بصِغَر همِّه وعقله، وإقبالِه وشراهتِه على توافهه، فانعدم تَمييزُه، وانعدمت رؤيتُه، وقلَّت بركتُه.
ولعلَّ ظاهرةَ الاشتِغال بالتَّوافه هي أبرزُ سِمةٍ غلبتْ على المجتمع، فأضعفت أصالتَه وأبردَتْ حميَّته، فكان كحملٍ وديعٍ لا يقوى من أَمْره على شيء، أمَّة تأنس ذِئْبَها وتأْمن عدوَّها؛ لتُصْبِح خاويةً خاملةً مخدَّرةً، لا تقدر على أن تَرُدَّ شرًّا أو تَجلب خيرًا، إلا ما شاء الله.
إنَّ التَّاريخ يخبرنا عن رجالٍ مضَوْا، وأناسٍ رحلوا، كيف أنَّ أفعالهم كانت بعيدةً عن التَّوافه، فضلاً عن الاشتغال بها، فكانتْ حياتُهم جدًّا في جِدٍّ، وهمُّهم علوًّا في علو، فكانوا بحق من العُظماء ومن الذين يخلِّد التَّاريخ ذِكْرَهم، وتُمَجِّدُ الأُمَّة أفعالَهم، وشتَّان بينهم وبين مَنْ هُم في ضِدِّهم، وعلى قدْر أهل العزم تأتي العزائمُ.
كم من مفرِّطٍ في أمر، ومتساهلٍ في قضيَّة، ومشتغلٍ بسخافةٍ، لم يشعر بمغبَّة عمله ذلك إلا حينما سبقه الجادُّون في جِدِّهم، وابتعد عنه الناجحون برُقِيِّهم، وارتفع الظَّاهرون بعِلْمهم وعقْلِهم، فكان ضحيَّة فِعْله، نزيلَ جهله، سقيطَ أمره.
وما أصدقَ ما قاله الشَّاعر، حين نبَّه إلى وجوب التنبُّه إلى الأمور العظام، وترك ما دونَها؛ حيث يقول:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ فَلا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ
وآخر على طريقِه يسلُك طريقَ التَّنبيه، فيقول:
قَدْ رَشَّحُوكَ لأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ
فهل وعَى مَن وعى: أنَّ الاشتغال بالتَّوافه موتٌ للقلب، موتٌ للضَّمير، موت للأمَّة؟
وإنَّنا في زمن لا يسمح أن نشتغِل فيه بغير ما يَزيدنا قوَّة ورِفْعة ومنعةً وتقدُّمًا، ولو حاول الأعداءُ استِخْدام وسائِلهم في إيقاف ذلك المدِّ، ولو على حساب راحتِنا؛ لأجل أن نبلغ غايتَنا وما نصبو إليه، مطمئنِّين واثقين، ولن نبلُغَه إلا بالعمل الجادِّ، والتفكير السليم، والإيمان القوي.
стр. 1208
المثقفون العرب .. المزورون العرب
تأبين محمود درويش نموذجاً
إبراهيم بن محمد الحقيل
التزوير قديم في البشر، وتمجيد من لا يستحق التمجيد داء استبطن كثيرا منهم، وانتقاص من يستحق الثناء علة في أكثرهم، وأكثر من يتحدثون عن الحرية، وينادون بها، ويأسون على غيابها هم أكثر الناس تسلطا واستبدادا لو آل الأمر إليهم، ويخال للمرء وهو يقرأ تباكيهم على الحرية أنهم أول من يسحقها ويصادرها من خصومهم إن تمكنوا منهم، وأنهم لا يهتفون لها إلا ليصلوا بها إلى مصادرتها واحتكارها لهم وحدهم دون سواهم، وأنهم يرمون بصفاتهم القبيحة خصومهم.
وأشهر طاغية مستبد في التاريخ البشري عبَّد الناس لشهواته وآرائه، وكبت حريتهم، وعلا في الأرض كان فرعون الطاغية الذي اتهم موسى ﵇ بالعلو والكبرياء والفساد في الأرض، وخاطب هو وملؤه المستكبرون موسى وهارون ﵉ قائلين ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٧٨] وكانت أعظم وسيلة لهذا الطاغية المستبد وملئه هي الافتراء والكذب وقلب الحقائق والتدليس على الناس، والظهور بمظهر الناصح المشفق ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ولذا كان من نصح موسى ﵇ لهذا الطاغية وملئه ترك الكذب والافتراء، والبعد عن التزوير على الناس ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى الله كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١].
وفي عصرنا هذا فإن دهاقنة الإعلام، ومنسوبي الصحافة الموصوفين زورا بالمثقفين يمثلون فراعنة هذا العصر في مجال الكذب والافتراء وتزوير الحقائق؛ لفرض مذاهبهم الضيقة، وتمرير أفكارهم المنحرفة، وصنع الرموز المزورة، وتجاهل العظماء الذين يمثلون حقيقة الأمة ونبضها وثقافتها وفكرها.
تأبين الزنديق محمود درويش:
كان الإعلام العربي بصحفه ومجلاته وفضائياته ينوح ويبكي ويتلو المراثي، وقد توشح منسوبوه السواد حزنا على هلاك رمز من رموزهم المزورة أرادوا فرضه على الأمة، وجعله علما من أعلامها بالكذب والافتراء والاستبداد الإعلامي.
قالوا فيه: (لقد كان صوتا إبداعيا وفكريا، وسيبقى شعره وأدبه وكفاحه مدرسة تلهم الملايين من أبناء شعبنا، انطفأ النجم الأكثر إشعاعا وانتصر الموت على شاعرنا الكبير) (النقش الأبدي) (كان رجلا فذا ورائدا مناضلا كبيرا) (شهيد الثورة الفلسطينية وشهيد القلم والبندقية وحامل هموم الوطن) (وفاته تعد جرحا عميقا في صدر الشعب الفلسطيني) (فاجأنا غيابك يا محمود درويش كما يفاجئنا القائد قبل أن تنتهي فصول المعركة) (شهيد القلم) هل قُتل بسبب شعره أو قلمه حين يوصف بذلك؟!
ووصفته مريدة له طالما حاربت الطهر والفضيلة ودعت إلى الرذيلة في صحفنا فقالت (درويش خريطتي المعلنة التي لا أتوه فيها وأنا أبحث عن زاوية في قلبي لم يلمسها أحد، في المساءات القلقة يكون درويش بلورتي، وأفتح الديوان على صفحة ما بطريقة عشوائية لأجد درويش يرسم لي مسائي وفأله).
ووصفه أحد رموز الفساد والإفساد بأنه في الشعر: (أعلى من كلِّ المقامات، أطول من كلِّ العمالقة، أبقى من كلِّ الفحول سيبقى والريح تحته يكتب كلاماً جميلاً على سفوح الزوابع).
وقال عنه رمز من رموز الحداثة: (رجلٌ نُجمع على تبجيله .. وصاحب صيت هو الأكبر في ثقافتنا اليوم).
стр. 1209
وكتب حدثي آخر يصفه بأنه (غاص في القضية الفلسطينية إلى أن رأى الجزء في الكل والمأساة الوطنية حيث الموت الغادر الذي يهدد الحياة بأسرها والعدم الذي يتربص بالوجود كله ... ) ولفت النظر إلى أن الجميع يجب أن يعزوا أنفسهم قبل أن يعزوا الآخرين.
وقال آخر (إنه أحد أهم رموزنا) (احتل موقعا متقدما في الذاكرة الجماعية على امتداد الوطن العربي) ووصفوه بأنه شاعر العروبة الأول، وشاعر الإنسانية. ووصفته مريدة له بأنه (شمس هي إشعاع حياتنا) (الجميع في هيستيريا لا أحد يريد أن يصدق).
وبعض الأفراخ الصغيرة المتزندقة تطاول في نفسه فوصف شاعرهم بالأخ أو الزميل، ومنهم من وصف نقل الخبر عبر شاشة التلفزة فقال: (كانت شاشة التلفاز صاعقة، والخبر رعد التواريخ).ثم يصف الموت قائلا: (الموت هذا الغامض الكوني، هذا الرابض السادي في ظلي). وصورت رسومهم الكركتيرية فلسطين في صورة امرأة تبكي على قبر هذا الهالك. أعز الله تعالى فلسطين، وأغناها بالصادقين والمجاهدين عن الزنادقة والمرتدين، وأراح العباد والبلاد والدواب والشجر منهم.
والمؤسسة السياسية في فلسطين تعتزم إقامة ضريح له كونه رمزا فلسطينيا، وصرح بعضهم بنصب تمثال على صورته.
وأعلن رئيس فلسطين عباس الحداد ثلاثة أيام واصفا إياه بقوله (نجم فلسطين وزينة شبابها وفارس فرسانها) وصدرت الصحف الفلسطينية يوم الاثنين التالي لهلاكه مكللة بالسواد) ونقلت بعض الصحف أن فتاة من مريديه ومدمني دواوينه الحداثية الإلحادية أغمي عليها حال علمها بوفاته، أيقظ الله تعالى غيبوبة قلبها قبل غيبوبة جسدها.
وإليك أخي القارئ بعض المعلومات عن هذا الشاعر الهالك الذي مجده إعلامنا العربي الكاذب البائس:
١ - تبنى محمود درويش الفكر الماركسي الإلحادي منذ شبابه، وفي ذلك يقول أخزاه الله تعالى: (صرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماسا وأملا، وتعمَّق شعورنا بضرورة الانتماء إلى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعا عن الحقوق القومية، ودفاعا عن حقوق العمال الاجتماعية، وحين شعرت أني أملك القدرة على أن أكون عضوا في الحزب دخلت إليه في عام ١٩٦١م فتحددت معالم طريقي، وازدادت رؤيتي وضوحا، وصرت أنظر إلى المستقبل بثقة وإيمان، وتَرَكَ هذا الانتماء آثارا حاسمة على سلوكي وعلى شعري) (١) وانضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) وتولى رئاسة تحرير صحيفة (الاتحاد) الناطقة باسم الحزب، وفي عام ١٩٨١ أنشأ مجلة (الكرمل) وهي صوت للحداثيين الفلسطينيين والعرب.
يقول صديقه رجاء النقاش: (وقد عمل محمود درويش في جريدة الاتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي في إسرائيل) (٢) ومن شدة ولعه بالماركسية كان يتغنى بكوبا الشيوعية فيقول: (حسنا .. حسنا .. حدث عن كوبا، هل تعرف شيئا عن شعب ما عاد مصلوبا). (٣) وذكر الماركسي محمد دكروب أنه التقى به أول مرة في احتفالات الحزب الشيوعي في بلغاريا حيث جاء ممثلا للحزب مع وفد من إسرائيل ضم سميح القاسم أيضا، والتقى به مرة أخرى في معهد الماركسية اللينينية في موسكو (٤) واستحق بشيوعيته الجلدة أن يحصل من موسكو في أوج الشيوعية على جوائز كان أهمها جائزة باسم الزعيم الشيوعي (لينين) عام ١٩٨٣م.
стр. 1210
٢ - عينه عرفات عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام١٩٨٦، واستقال درويش من عضويتها عام١٩٩٣، ومريدوه كانوا يوهمون الناس بأنه كان وطنيا وغير راض عن تنازلات عرفات، ويريد الحق الفلسطيني، كما أن استقالته كانت بناء على الفساد المالي والإداري الذي لم يكن درويش يرضى أن يسكت عنه.
لكن درويش بين في مقابلة معه ما يفضح زعم مريديه، فذكر أن سبب استقالته أنه لم يتلق هو وزملاؤه مرتباتهم منذ عدة أشهر (١) ومما يدحض ذلك أن درويش يعد عند اليهود من المعتدلين، والمعتدلون في العرف الصهيوني هم المستسلمون لمشاريعهم، المنبطحون لسياساتهم الجائرة، والصحف اليهودية تنشر مقالات له في إسرائيل، وتجري حوارات معه، وكان يصرح بأن المفاوضات مع إسرائيل أصبحت خيارا استراتيجيا، ولا يجوز لأحد من الفلسطينيين أن يفكر بالانسحاب منها.
والصحف اليهودية كتبت عنه بإعجاب، وحزنت لوفاته، حتى إن صحيفة الحياة خصصت زاوية لذلك عنوانها: الصحافة الاسرائيلية ترثي «شاعر الأمل» (٢) ووزير التعليم اليهودي السابق يوسي سريد أصدر تعليماته عام ٢٠٠٠م بتدريس بعض قصائد درويش في المدارس اليهودية، لكن رئيس الحكومة ايهود باراك ألغى القرار بعد تهديد القوى اليمينية بإسقاط الحكومة.
وذكر أحد الليبراليين المعجبين به أن درويش كان متذبذبا باستمرار بين القطب الإسرائيلي والقطب العربي، فتارة يميل كليا إلى هذه الجهة، وتارة يميل إلى تلك (٣).
قلت: هذه حقيقة هذا الثوري الهالك إزاء قضية فلسطين، واليهود يعرفون أصحاب القضية الحقيقين بها، المدافعين عنها؛ فيقتلونهم كما قتلوا الشيح أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي والمهندس عياش وغيرهم من المجاهدين عليهم رحمة الله تعالى، ويعرفون مدعي المقاومة المزوَرين، فيكرمونهم ويفتحون الصحف لهم، ويحزنون لوفاتهم، كما حزنت صهيون على الزنديق درويش الذي سماه مريدوه شاعر القضية الفلسطينية، ومن العجب أن يُخدع الناس بالإعلام الكاذب، والصحف الأفاكة، وقد اعتادوا منها الكذب والتزوير.
إلحاده الصارخ، وفساده الظاهر:
انعكس الفكر الفاسد والعقيدة الماركسية الإلحادية لدرويش على شعره ونثره، فسَخِر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر والقرآن والعبادة في الإسلام، واستعار الرموز الوثنية والنصرانية الشركية والصوفية المغرقة في القول بوحدة الوجود، وتأثر بمذاهب أهل الشك والقلق والوجودية التي تكرسها العقيدة الإلحادية.
وهذه فقرات من أشعاره وكتاباته ليست إلا مختارات يسيرة من كم كبير خلفه هذا الهالك في دواوينه ومقالاته ومقابلاته تنضح بالكفر والزندقة وتطفح بالإلحاد والتعدي على المقدسات والحرمات:
أولا: الاعتداء على عظمة الله تعالى وقدسيته:
١ - قال أخزاه الله تعالى (إنا خُلقنا غلطة في غفلة من الزمان) (٤) ٢ - وقال (نامي فعين الله نائمة عنا) (٥).
٣ - له قصيدة بعنوان: (إلهي لماذا تخلَّيت عني) على لسان امرأة يقول فيها عليه من الله تعالى ما يستحق: (إلهي إلهي لماذا تخلَّيت عني؟ لماذا تزوجتَ مريم؟ لماذا وعدتَ الجنود بكرمي الوحيد لماذا؟ أنا الأرملة ... أطلَّقتني؟ أم ذهبتَ لتشفي سواي؟ عدوِّي من المقصلة أمن حق مَن هي مثلي أن تطلبَ الله زوجاً وأن تسأله؟ إلهي إلهي ... لماذا تخلَّيت عني؟ لماذا تزوجتني ياإلهي لماذا؟ ... لماذا تزوجت مريم؟) (٦).
стр. 1211
٤ - وقال: (يا الله .. جربناك، جربناك .. من أعطاك هذ السر؟ من سمَّاك؟ من أعلانا فوق جراحنا ليراك؟ فاظهر مثل عنقاء الرماد من الدمار ... يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلى .. لعل لي ربا أعبده لعل) وألقى ذات مرة هذه القصيدة في تلفزيون بغداد فقرأ آخرها هكذا (لعل لي حلما لأعبده لعل) (١) وكلا العبارتين قبيحتان، وفيهما شك وشرك نعوذ بالله تعالى من الضلال والزندقة والجرأة على صاحب الجبروت والعظمة .
ثانيا: عبوديته لغير الله تعالى:
١ - قال عليه من الله تعالى ما يستحق: (عيونكِ شوكةٌ في القلب توجعني وأعبُدُها) (٢).
٢ - وقال: (أخي أحمد! وأنتَ العبد والمعبود والمعبد متى تشهد) (٣) ٣ - وقال: (عيناكِ يا معبودتي هجرة بين ليالي المجد والانكسار ... وجئتِ يا معبودتي كل حلم يسألني عن عودة الآلهة ... عيناكِ يا معبودتي منفى نفيت أحلامي وأعيادي ... معبودتي! ماذا يقول الصدى ماذا تقول الريح للوادي ... عيناكِ يا معبودتي عودة من موتنا الضائع تحت الحصار ... ونحن يا معبودتي أي دور نأخذه في فرحة المهرجان .. ) (٤).
مع العلم أن معبودته التي يعشقها هي فتاة يهودية تدعى (ريتا) وهكذا شعراء الثورية الماركسية معشوقاتهم بنات أعداء أوطانهم، ومن اغتصبوا أرضهم، ولعلهم بالعشق يخرجون المحتل!!
٤ - وقال: (والذي يعرف ريتا ينحني ويُصلِّي لإله في العيون العسلية) (٥) وهو شهواني لا يرضيه الزواج؛ ولذلك تزوج مرتين ولم يمكث مع كل زوجة سوى أشهر قليلة، وعادة هؤلاء المنحرفين الغرباء عن مجتمعاتهم أنهم يخضعون أحيانا لرغبات الوالدين والأسرة في مسألة الزواج، ولكن بعضهم يفشل في تكوين أسرة، ويبقى شريد النفس، طريد الهوى، أسير الشهوة، وهذا الشاعر من هذا النوع، وأحد أقرانه المعجبين به كتب كلاما إلحاديا شهوانيا في تأبينه، وعلل ذلك بقوله أخزاه الله تعالى (سوف يضحك محمود درويش كثيرا عندما يقرأ هذه المقالة، سوف يفرح بهذه الكلمات لأنه كان جميلا يحب الجمال وطالما استسلم لإغراء هذه أو تلك) (٦) سخريته بالرسل ﵈:
١ - يقول أخزاه الله تعالى: (صار جلدي حذاء للأساطير والأنبياء) (٧).
٢ - ويقول (من أي نبي كافر قد جاءك البعد النهائي؟) (٨).
٣ - ويقول (ولتحاول أيها الأخضر .. أن تأتي من اليأس إلى اليأس .. وحيداً يائساً كالأنبياء) (٩) ٤ - ويقول (رأيتُ الأنبياء يُؤجِّرون صليبهم، واستأجرتني آية الكرسي دهرا) (١٠).
стр. 1212
وسخر بالقرآن فاستعار رؤيا يوسف ﵇ لنفسه، وطعن في نوح ﵇ فجعله رمزا للجبن والهروب لما ركب السفينة (١) وقد طفح ديوانه باستعارة الرموز والشعارات الوثنية والنصرانية (٢)، ويستعمل عقائد النصارى كقوله: (لا تقولوا: أبانا الذي في السموات، قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا وعاد هو الآن يعدم) (٣) وسبح بحمد غير الله تعالى في مواضع من ديوانه (٤) وسخر بالقدر وشتمه، وأنكر الخلق (٥) ومن أخريات مقالاته القبيحة مقال كتبه في إبريل٢٠٠٨ في المجلة الثقافية، التي تصدر عن الجامعة الأردنية عنوانه (عن المنفى) قسّم فيه المنفى إلى داخلي وخارجي، وقال: (المنفى الداخلي هو غُرْبَة المرء عن مجتمعه وثقافته، وتأمُّلٌ عميق في الذات، بسبب اختلاف منظوره عن العالم وعن معنى وجوده عن منظور الآخرين، لذلك يشعر بأنه مختلف وغريب، وهنا لا تكون للمنفى حدود مكانية. إنّه مقيم في الذات المحرومة من حريتها الشخصية في التفكير والتعبير) وهذا النص اعتراف واضح أن نظرة هذا الزنديق للحياة والوجود والحكمة من خلق الخلق غير نظرة المجتمع الفلسطيني المسلم، فنظرته إلحادية تنكر الغيب والخلق.
ويوضح ذلك قوله أخزاه الله تعالى: (المنفيّ هو اللامُنتَمي بامتياز. لا ينتمي إلى أي مكان خارج ذاكرته الأولى. تصبح الذاكرة بلاداً وهُوية، وتتحوّل محتوياتُ الذاكرة إلى معبودات.
باعتبار الوجود الإنساني كلّه شكلاً من أشكال المنفى، منذ أن عوقبنا نحن أحفاد حواء وآدم بالتاريخ!)
تنبيهات مهمة:
بعد معرفة حقيقة هذا الشاعر الهالك (محمود درويش) فإني أنبه على أمور مهمة:
أولا: إذا كان الزنادقة والمنافقون ومن في قلوبهم مرض في بلاد المسلمين يرون أن من حقهم أن يُعجبوا بمن شاءوا من ملاحدة وزنادقة العرب والعجم؛ أخذا بالحرية الليبرالية الغربية التي اتخذوها دينا لهم؛ فليس من حقهم -حتى في باب الحرية التي ارتضوها- أن يكذبوا على الأمة ويدلسوا على الناس، ويخفوا كفريات هذا الزنديق؛ لأن جمهور الأمة المسلمة لا يرضون بهذا الخبال والضياع والإلحاد، ولا يقرون مدح من اتصف به.
ثانيا: أن النفاق ملة واحدة كما أن الكفر ملة واحدة؛ فأغلب المؤبنين لدرويش في الصحف العربية هم من الليبراليين، ودرويش ماركسي جلد، والليبراليون أعداء للماركسيين.
كما أن مهمة الصحافة الليبرالية تسويق المشاريع الاستعمارية الصهيونية والرأسمالية، ودعوة الشعوب العربية وحكوماتها إلى الانبطاح والاستسلام لهذه المشاريع، ومحاربة من رفضها أو قاومها سلما أو حربا، ولطالما حاربوا الإسلاميين والقوميين لأنهم ينحازون إلى الأمة وقضاياها، ويرمونهم بالجهل والتخلف والأدلجة وغير ذلك من المصطلحات التي يخترعونها.
وهم يصفون شاعرهم بأنه ثوري كرس نفسه للقضية الفلسطينية، فكيف قَبِلوا ذلك منه وهو يتناقض مع دعوتهم الاستسلامية؛ لولا أنهم يتفقون معه في ثوريته على تراث الأمة، وتمرده على أصولها ومسلماتها، وطعنه في ربها تعالى، ورسله ﵈، وسخريته بالدين، وهذا هو القاسم المشترك بين شاعرهم الماركسي وبين ليبراليتهم.
ثالثا: ظهر في الأمة من الخير العظيم ما يبشر -إن شاء الله تعالى- بيقظة فكرية تقاوم الأفكار المنحرفة وأصحابها؛ فالمقالات التي بينت حقيقة هذا الشاعر حال العلم بهلاكه تتزايد على الشبكة العنكبوتية، ويكثر قراؤها وزوارها والمعلقون عليها، مما يبشر بفضح المنافقين، وهتك أستارهم للمسلمين.
стр. 1213
وكنت قد رصدت قبل أربعة عشر عاما هلاك زنديق من زنادقة الشعر، ناحت عليه الصحف ولطمت، وكان الإنكار آنذاك ضعيفا وتأثيره محدودا، ولذلك أسباب أهما:
١ - انتشار الوعي بين العلماء والدعاة بخطر أصحاب الأفكار المنحرفة، وكشف زيفهم، وبيان حقيقتهم، وتحذير الناس منهم.
٢ - كانت الكتب عن المنحرفين قليلة جدا، وبعضها رسائل علمية حُجر عليها في أرفف الجامعات، ومُنعت من النشر في إرهاب فكري أُحادي لا مثيل له، كما أن وسائل الإعلام بأيدي المنحرفين الذين لا يمثلون الأمة ولا دينها ولا ثقافتها، ولا سيما الصحف والمجلات، فلما حصل الانفتاح في وسائل الاتصال، وخاصة في الشبكة العنكبوتية؛ وجد أهل الخير والصلاح متنفسا لنشر مقالاتهم وكتبهم في فضح الزنادقة، ووصل ذلك إلى العامة، وعرف كثير من الناس حقيقة المثقفين المزورين، والصحفيين الأفاكين.
والواجب على العلماء والدعاة أن ينشطوا في تحذير الأمة من كل فكر دخيل يتعارض مع دينهم، وتحذير الناس منه ومن رموزه وأتباعه والمسوقين له؛ فإن ذلك يصيب الزنادقة والمرتدين والملحدين في مقتل.
كما أن بيان حقيقة الزنادقة التي يخفيها الإعلام الفاسد والصحافة الكاذبة سبب لفضح الإعلام والصحافة عند العامة، ويزيد ذلك من ثقة الناس في علمائهم ودعاتهم.
رابعا: مع اشتداد الهجمة العلمانية -وخاصة الليبرالية- على دين الأمة ومقدساتها وعلمائها، ومحاولتهم تبديل دينها، ومع كثرة ما يُكتب في الصحف، ويعرض في الفضائيات من تمجيد زنادقة العصر فإن كثيرا من الناس -ولا سيما المتعلمين منهم وحملة الشهادات العليا- يقفون مواقف المحايدين المتفرجين، وينأون بأنفسهم عن نصرة الدين وأهله، ودحر النفاق وأهله بحجج منها:
١ - أن في الأمة من قام بما يكفي فسقط الفرض عن البقية وارتفع الحرج، وهذه حجة باهتة لأنه لا توازيَ بين ما كُتب عن هذا الزنديق الهالك درويش من مقالات التأبين، وقصائد التوديع، وبين الرد عليهم، وبيان حقيقة زنديقهم التي أخفوها؛ فالمقالات والكتاب عنه بالمئات، والصفحات والملاحق المخصصة للإشادة به كثيرة جدا طيلة أسبوع أو أكثر، بينما المقالات الكاشفة لحقيقته في الشبكة العالمية قد لا تصل إلى عشر مقالات؛ وكثير من الناس تغره الكثرة، ويُخدع بسيل هذه المقالات الجارفة الغالية المتطرفة في مدح الملاحدة.
٢ - يحتج البعض بأن فضح الزنادقة يُشهرهم، ويرفع ذكرهم، وتركهم أولى من فضحهم والرد عليهم، وتلك الدعوى يرددها بعض القاعدين عن نصرة الدين، وكأنهم يتحدثون عن زنديق مات في مجاهل إفريقية، أو جزر أستراليا لا يعرفه أحد! وكأنهم لا يرون ما في الصحف ولا يسمعون بما في يعرض في الفضائيات، ويفرض على الناس!! وهذا من الجهل المطبق بحال الإعلام، أو من التجاهل المقصود للتنصل من المسئولية، ولا يسع ذلك أهل العلم والدعوة الذين يجب عليهم الاحتساب على من يريد إضلال الناس، وتحريف دينهم؛ حماية للأمة، وقياما بواجب الدعوة.
وقد راجعت بعد هلاك هذا الزنديق أربع صحف في يوم واحد فقط هو يوم الاثنين١٠/ ٨/١٤٢٩ فإذا المنشور فيها عنه من مقالات وتحقيقات وتعليقات تزيد على الثمانين، ويصل هذا إلى الناس؛ ليصوغ عقولهم، ويفسد أفكارهم، ويضعف انتماءهم لدينهم، فكيف لو أحصينا كل ما كتب عنه طيلة أسبوع في سائر الصحف العربية؟!
стр. 1214
٣ - يحتج البعض بأن من مات فقد أفضى إلى ربه، وقدم على عمله، وكأنهم بهذه الحجة يتورعون عن الخوض في الأموات، وتالله العلي العظيم إن هذا لهو الورع المقلوب، ويدل على موت القلب، وضعف الغيرة لله تعالى؛ إذ كيف يُترك زنادقة العصر وأذنابهم يجاهرون بشتم الله تعالى ورسله ﵈، ويسخرون بالقرآن والشريعة، وتطفح دواوينهم بالكفر الصارخ، والإلحاد الظاهر، فإذا مات الواحد منهم، وناح عليه أتباعه ومريدوه تورع بعض الناس عن فضحه، وتحذير الناس منه؛ فأي ورع هذا؟
والقرآن مليء بالطعن في الأموات من المكذبين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب وقوم إبراهيم وقوم لوط وفرعون وهامان وقارون وكفار مكة، ونزلت سورة تطعن في عم النبي ﷺ أبي لهب تُقرأ إلى آخر الزمان، مع أن المكذبين السابقين لم يقولوا ما قاله زنديقهم الهالك في الله تعالى ورسله ﵈ وكتبه وشريعته.
وأُثني بِشَرٍّ على جنازة منافق عند النبي ﷺ فأقرهم على ذلك، وأخبرهم أن النار قد وجبت له، ولا زال الصحابة والتابعون والأئمة المهديون والعلماء الربانيون يفضحون أهل الضلال والانحراف، ويبينون حقيقتهم للناس، ويحذرون من أتباعهم ومقولاتهم ولو كانوا أمواتا، فلا حرمة لزنديق يجاهر بزندقته حيا ولا ميتا.
وبعض أهل الخير والعلم والدعوة يعتزل هذه المعتركات؛ إيثارا للسلامة، وطلبا للراحة، زعما منه أنه يشتغل بمجالات أهم وأولى، مع أن جهاد الكفار والمنافقين من أهم المهمات، وأعلى المقامات، وأمر الله تعالى به في قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا) اهـ (١) قلت: فكيف والفرض لا زال قائما، ولم يقم به من أهل العلم والدعوة من يكفي.
والاستعمار العسكري والسياسي والاقصادي لبلاد المسلمين يرفده استعمار فكري ثقافي يؤدي أكثره المنافقون والمرتدون، والحرب الفكرية فيه توازي -إن لم تكن أشد- الحرب العسكرية السياسية، وهزيمتهم في الحرب الفكرية الثقافية مؤذنٌ بهزيمتهم في الميادين الأخرى؛ فلينفر العلماء والدعاة والكتاب لنصرة دين الله تعالى، وردِّ الشبهات عنه، وكشف الطاعنين فيه، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، كما جاء في الحديث، وحماية الثغور العقدية والفكرية التي يحاصرها الأعداء خير من الترف العلمي، وأهم من تحقيق بعض المسائل الخلافية التي يسوغ الاجتهاد فيها، وأفضل من نوافل العبادات، وهو ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله تعالى.
وأقبح من الساكتين المعتزلين من يجامل الزنادقة والمنحرفين؛ لقوتهم وعلوهم في الأرض؛ أو ليكون له يد عندهم، أو ليسوِّغ عجزه وخوره وعدم قيامه بشئ، ولا يكون تسويغه إلا بالطعن في إخوانه ممن ندبوا أنفسهم لمحاربة الأفكار المنحرفة، والاحتساب على الزنادقة والمنحرفين، وهتك أستارهم، فيرمي إخوانه بالتعجل، أو أنهم أصحاب أحكام مسبقة، أو أن لهم مآرب أخرى في كشف زنادقة العصر، أو غير ذلك.
ونعوذ بالله تعالى من عجز أو هوى يحملان المصلين على الانحياز إلى صف الزنادقة والمرتدين، وترك إخوانهم، ولَأَنْ يكون الإنسان ذيلا في الحق خير من أن يكون رأسا في الباطل.
стр. 1215
خامسا: ما نضح به الإعلام والصحافة من جرأة على تمجيد زنادقة العصر والاحتفاء بهم يدل على حاجة الأمة إلى إحياء الولاء للمؤمنين، والبراءة من الكفر وأهله، كما يدل على أن هذا الركن الركين من الدين في حالة تقهقر وتراجع عند كثير من الناس، ويود المنافقون والمرتدون لو انتزعوه من قلوب الناس، ومقالات عدد منهم تصرح بذلك، وتدعو الناس إلى عدم التفرقة بين المسلمين والكفار، واستبدال المصطلحات الشرعية بمصطلحات حادثة مبتدعة كالآخر والتعايش السلمي، ووحدة الأديان السماوية أو الإبراهيمية، والأخوة الإنسانية أو الوطنية، وقد قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢].
وكثيرا ما رأينا من زنادقة العصر جرأة في معاداة العلماء والدعاة والمصلحين مع إعلان الولاء للكفار والمرتدين، وهذا يوجب تكاتف الدعاة والعلماء والمحتسبين ليردوا هجمات هؤلاء المجرمين عن الإسلام وشريعته.
سادسا: العتب كل العتب على التيارات الإسلامية الفلسطينية حين شاركت المزورين في نياحتهم على هذا الزنديق الهالك، وجاملت في سبيل الوطن أو السياسة على حساب دينها وعقيدتها التي كانت ولا زالت هي مصدر قوتها وتأييد الشعب الفلسطيني المسلم لها، فأين الولاء للمؤمنين؟ وأين البراءة من الزنادقة والمارقين؟
وإن مجاملة ملاحدة العرب وزنادقتهم والمرتدين منهم ليست أقل خطرا من الارتماء في أحضان الصهاينة وأذنابهم، والانتصار على العدو الصهيوني لن يأتي بالمداهنة في دين الله تعالى. وأهل الكفر والنفاق يفرحون بهذه المداهنة والملاينة من التيارات الإسلامية؛ لإماتت الغيرة والحمية الدينية في قلوب أتباعها، وإسقاطها في الحفر المظلمة للسياسات الملتوية، والله تعالى يقول في المنافقين ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وقال سبحانه في الكفار ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿القلم:٩﴾
سابعا: منذ سنوات كثيرة وأنا أتعجب كثيرا ممن يُسمون بالأدباء الإسلاميين، ومنسوبي رابطة الأدب الإسلامي، والمتخصصين في الأدب والشعر من الهواة والأكاديميين في الجامعات والتعليم العام وغيره وهم يبلغون المئات، أين هم عن رد جهالات هؤلاء الشعراء المارقين، وفضح الزنادقة والمرتدين، وبيان حقيقتهم من دواوينهم وكتبهم ومذكراتهم ومقالاتهم ومقابلاتهم؟! فهم أهل التخصص والتذوق الأدبي، وهم أقدر على فك رموز الحداثيين وطلاسمهم، ويفهمون مراد هؤلاء الشعراء المنحرفين أكثر من غيرهم؟ ما فائدتهم؟ وما ثمرة تخصصهم ورابطتهم إذا لم تكن لنصرة الدين في ذات التخصص، ورد طعون الزنادقة من الشعراء والأدباء؟ مع أن من أهداف دراستهم للأدب الإسلامي حماية ذوق الأمة الشعري الأدبي، وتنقية الأدب والشعر من الانحراف، وإلا لما سُموا بالأدباء الإسلاميين، ثم لا نرى منهم سوى التنظير والتأصيل للأدب الإسلامي، وأما من يقومون بفضح زنادقة القلم والأدب والشعر والاحتساب عليهم فهم أهل التخصصات الشرعية!! وهذا الثغر ثغر أهل الأدب الإسلامي، وثغرُ كل من فيه غيرة على الدين والحرمات من المتخصصين في الأدب والشعر، والقادرين على الكتابة والنقد، فلماذا يتركونه لغيرهم مع مسيس الحاجة إليهم؟!
إننا في أمس الحاجة إلى أمثال محمود شاكر ومحمد محمد حسين ومحمد مصطفى هدارة وأنور الجندي عليهم رحمة الله تعالى، حين قارعوا زنادقة عصرهم بسلاحهم، وانبروا لهم في مجالاتهم الأدبية، وكشفوا زيف دعاواهم، وحذروا الأمة من شرورهم.
стр. 1216
لماذا لا تصدر رابطة الأدب الإسلامي بيانا للأمة يُنشر في الصحف الإسلامية والشبكة العالمية يوضحون فيه حقيقة كل شاعر وأديب وناقد وكاتب منحرف حال الإشادة به في الإعلام المنحرف؛ لوفاته أو حصوله على جائزة أو غير ذلك؛ حتى يعلم جمهور الأمة حقيقته، وحقيقة الإعلام الذي دلس عليهم وخدعهم.
ثامنا: حين طعن الدنماركيون الصليبيون في النبي ﷺ ثارت ثائرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأنكروا ذلك بشدة، وهذا عمل طيب مشكور، ولكن زنادقة العرب يصولون ويجولون في الصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات، ويطبعون الشعر والنثر والمقالات التي تمتلئ بشتم الله تعالى ورسله ﵈ وملائكته الكرام، وتسخر بالشريعة والقرآن، وتدعو للتمرد على الشريعة وأحكامها، ولا يحرك ذلك ساكنا في الناس، وكأن الطعن في مقدسات المسلمين حرام على الروم والعجم حلال للعرب، فأين هي الغيرة على الحرمات؟ ولماذا لا تبادر أسر الزنادقة والمرتدين، للإنكار عليهم، وطلب محاكمتهم، ومقاطعتهم، والتبرؤ منهم؟ فإن النبي ﷺ وصحابته ﵃ قد تبرأوا من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشائرهم، وفارقوهم لأجل كفرهم، ورفعوا السيوف في وجوههم؛ غيرة لله تعالى، وانتصارا لدينه.
وأين طعن هؤلاء المارقين الجدد في الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر من شرك العرب آنذاك، الذي اعتقدوا فيه أن شركهم يقربهم إلى الله تعالى زلفى، ومع ذلك فارقهم المؤمنون.
ولو أن زنادقة العصر أنكر عليهم أقرب الناس إليهم، وهجروهم في الله تعالى لارعوى أكثرهم، ولم يجاهروا بإلحادهم وانحرافهم، ولا محاباة في دين الله تعالى، وقد قال سعد بن معاذ ﵁ حين أراد الحكم على حلفائه وأصدقائه من يهود قريظة: (لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم) فحكم عليهم بالقتل والسبي فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله) فأين إحياء سنة سعد ﵁ فينا بأن لا نحابي في دين الله تعالى أحدا مهما كان قربه منا، وصداقته لنا، فالله تعالى ورسوله ودينه أحب إلينا، وصدق الإيمان وحلاوته تنال بذلك كما قال النبي ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كانالله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أنيعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار)) رواه الشيخان.
أسأل الله تعالى أن يحيي في هذه الأمة المباركة غيرتها على دينها، واحتسابها على زنادقتها، وأن يكفي المسلمين كل زنديق ومرتد ومنافق، إنه سميع قريب، والحمد لله أولا وآخرا.
المصدر: مجلة البيان / شوال١٤٢٩هـ
стр. 1217
الحوار بين الأديان (حقيقته وأنواعه)
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة وهي الابتلاء والاختبار يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] , والمراد بالاختلاف هنا: الاختلاف في الدين (١) وليس في الألوان والأذواق واللغات ونحوها.
وأعمق خلاف بين الأديان هو الخلاف الواقع بين المسلمين وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) على وجه الخصوص, فمنذ أن حاربهم رسول الله ﷺ وأصحابه وإلى آخر الزمان عندما ينزل عيسى ﵇، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة محمد ﷺ ، والخلاف مستمر والصراع محتدم بأساليب متنوعة وطرق متباينة.
وفي هذا الوقت وبالتحديد منذ منتصف القرن الماضي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ - ١٩٦٥م) ظهر تطور جديد في أسلوب التنصير والتبشير وهو التنصير تحت عباءة الحوار والتقارب وتفاهم الآخر والاعتراف به والتعاون على القضايا المشتركة بين الأديان, وهذا التطور الجديد عند النصارى هدفه بالدرجة الأولى تدارك النصرانية التي نُكِّست أعلامها بعد هزائمها المتتالية أمام العلمانيين، لا سيما وأن المجتمع الغربي يحمل تصوراً سلبياً عن الكنيسة في العصور الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث مما جعل العالم الغربي المفتوح - الآن - للأديان يشكل خطراً على الكنيسة في المستقبل, لا سيما مع الازدياد الملحوظ في الدخول في الإسلام بين النصارى.
وقد جاء ت فكرة الحوار بين الأديان عند الكنيسة الكاثوليكية مع تجديدات أخرى في الدين النصراني ومنها: توسيع مفهوم الخلاص ليشمل النوع الإنساني بأكمله، وتبرئة اليهود من دم المسيح، والتعاون بين فرق النصرانية المختلفة (الأرثوذكس - والبروتستانت).
ويعتبر هذا التطور في الديانة النصرانية أبرز التطورات بعد مجمع نيقية الذي عقد في سنة ٣٢٥م, الذي قرروا فيه عقيدة التثليث، وأعلن ديناً رسمياً للدولة الرومانية بعد اعتناق قسطنطين للنصرانية.
فهذه الفكرة "الحوار بين الأديان" منشؤها الأصلي من الكنيسة الكاثوليكيّة وأكثر جمعيات الحوار ومؤتمراته منها, وهذا في حدِّ ذاته مؤشرٌ للأهداف الخبيثة فيه, ومع كثرة المؤتمرات واللقاءات المعقودة في هذا الشأن إلا أنها لم تفد شيئاً يذكر في مجال التقارب الحقيقي وبناء أعمال مؤسسية لهذا الغرض, فبعد مفاوضات مرثونية طويلة ومملّة لم يتوصل الإسلاميون المشاركون فيها إلى الاعتراف من النصارى بأن محمد ﷺ نبيناً من الأنبياء، وله رسالة صحيحة كغيره من الأنبياء، وهذا ما أغضب بعض المشاركين بدرجة كبيرة في المؤتمرات الأخيرة إلى درجة التلويح بمقاطعة هذه الحوارات العقيمة.
стр. 1218
والحقيقة أنَّ نيل الاعتراف لسنا بحاجة له من أتباع دين محرف تلاعب به الأحبار والرهبان - باعترافاتهم - ولكن الهزيمة النفسية التي يعاني منها بعض الإسلاميين تنتج نماذج كهذه النماذج التي لا تشعر بعظمة دينها وقوته الحقيقية, ولو اشتغل المشاركون في هذه المؤتمرات بدعوة النصارى إلى دين الإسلام، وإقامة الحجة والحوار البناء الذي يوضح العقائد الصحيحة لأنتجوا فائدة عظيمة، لا سيما ونحن نرى أن الدخول في الإسلام من قبل عموم النصارى كثير جداً، ولكن الاشتغال فيما لا يعني ومنها هذه الحوارات أفقدتنا فرصة ثمينة للدعوة إلى الله تعالى والحوار البناء القائم على منهج النبوة.
بل وصل الحال والمخالفة لمنهج النبوة إلى درجة الاتفاق في بعض هذه المحاورات على ترك الدعوة إلى الدين بين الطرفين، ولا شك أن الخاسر فيها هو الطرف الإسلامي لأن الأعداد المتكاثرة التي تدخل من النصارى في دين الإسلام لا تقارن بالذين ينسلخون من الإسلام إلى النصرانية، مع أن النصارى لم يلتزموا بهذا الشرط، فلا تزال إرساليات التنصير تجوب بلاد المسلمين طولاً وعرضاً، بل تقوم الحكومات اللادينية بدعمهم وزيادة إمكانياتهم، ويكثر وجودهم في النقاط الملتهبة في بلاد المسلمين مثل أفغانستان والعراق, أو الفقيرة مثل الدول الإسلامية الافريقية وغيرها، ولو التزم النصارى بهذا الشرط الجائر لما جاز للمسلمين الالتزام به، وإيقاف الدعوة وهداية الخلق باسم الحوار.
فالفكرة الموجودة الآن التي تعقد المؤتمرات لها لم تكن في الأصل بمبادرة إسلامية ولم ترسم أهدافها وخطتها في بلاد المسلمين بل جاءت بطلب من الفاتيكان بعد الدراسة العميقة لها - عندهم - وتحديد أهدافها وغاياتها، فتقبلها بعض المسلمون وظنوا أنها تحقق بعض المصالح وترد بعض المفاسد، وأعطوا فكرة التقريب هذه مفهوماً فضفاضاً وعائماً وهو (الحوار) , وبهذا المفهوم العام يختلط على السامع الغاية من الحوار بين الدعوة وإقامة الحجة إلى التقريب والتعاون المشترك, أو التعايش أو الوحدة أو التوحيد بين الأديان.
ولم يكن لدى العلماء المسلمين سابقاً في التعامل مع الأديان إلا الدعوة أو الجهاد بحسب الشروط الموضوعية والأحوال المتغيرة في التعامل مع أهل الأديان المختلفة التي واجهوها، ولم يكن هناك ثمة رأي يرى الحوار مع الأديان لتحقيق مصالح مشتركة مع الإهمال الكامل للدعوة وإقامة الحجة وبيان الحق وإبطال الشرك، لأن مهمة المفاوضات الدنيوية ليس لها علاقة بوصف الأديان, فهي متعلقة بالحكومات السياسية وليس بالأديان والمذاهب والأفكار, ولهذا فإنَّ من العدل والإنصاف عند الحكم على المفهوم العام الاستفصال والتفريق بين الأنواع المختلفة وإعطاء كل ذي حق حقه ووزن كلَّ نوعٍ على حدة ليتميز عن غيره، وقبل الحكم لابد من معرفة المنهج الشرعي في الحوار بين الأديان وتميزه عن المناهج المنحرفة فيه.
وهذا هو موضوع هذا البحث، وقد قسمته إلى فكرتين رئيسيتين: المبحث الأول: في المنهج الشرعي للحوار بين الأديان. المبحث الثاني: في أنواع الحوار بين الأديان وأحكامها. ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج البحث والتوصيات المتعلقة به، وإنني اسأل الله تعالى أن يوفقني في عرضه ومناقشته ويوفقني لإتباع منهج أهل السنة والجماعة والالتزام فيه بكتاب الله والسنة إنه جواد كريم.
المبحث الأول: المنهج الشرعي للحوار بين الأديان
стр. 1219
معنى الحوار في اللغة: مراجعة الكلام وتداوله, والمحاورة: المجادلة، والتحاور: التجاوب, وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام, ومنه قولهم: لم يحر جوابا أي: لم يرد ولم يرجع الجواب فمرجع الحوار للتخاطب والكلام المتبادل بين اثنين فأكثر (١) , والمعنى اللغوي العام للحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين فإذا أضيف إلى الأديان أصبح معناه ما يدور من الكلام والحديث والجدال والمناقشة بين اتباع الأديان، وهذا يدل على أن معناه عام متعدد الأشكال والصور والأنواع بحسب نوعية الكلام والمناقشة.
أما مدلوله الاصطلاحي فهو غامض يستعمل بأكثر من صورة ويحتاج إلى بيان أنواعه والفروق بينها، وهذا ما سنبينه في المبحث الثاني بحول الله ومشيئته, وحينئذ فإن عبارة ((الحوار بين الأديان)) تشمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً يحتاج كل منهما إلى بيان وتوضيح, وقبل البدء ببيان المنهج الصحيح في الحوار بين الأديان, أودُّ الإشارة إلى أن "الحوار بين الأديان" - بالمنهج الصحيح - مطلبٌ ملحٌ لتوضيح الصورة الصحيحة لعقائد الإسلام وآدابه وأحكامه, وهو وسيلة من وسائل دعوة أهل الأديان عموماً, وأهل الكتاب بشكل خاص إلى الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى موجهةٌ لكل الناس، وإقناعهم بالحق هدف شرعي مطلوب.
وقد قام بالحوار بين الأديان بمعناه الشرعي المطلوب الأنبياء الكرام في حواراتهم الكثيرة مع أقوامهم بطرق مختلفة وأساليب متعددة, والمسلمون هم أقوى الناس حجة وبياناً, لأن دينهم دين رباني موافق لعقل الإنسان ونفسه, يقول تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ﴾ [سورة الملك: ١٤].
ولكن شعار "الحوار بين الأديان" أصبح مثقلاً بكثير من المعاني والأفكار الباطلة التي تنقدح في ذهن كل من يسمع به, ولا يصح أن ننفي المعنى الصحيح في الحوار بسبب استعمال البعض له في الباطل ولكن المنهج القويم هو ردُّ المعنى الباطل وإبراز المعنى الصحيح, خاصة إذا علمنا أنه يتعلق بأمر ضروري في دين الإسلام وهو (الدعوة إلى الله تعالى)، ولأن في ظهور المعنى الصحيح: تبيينٌ للحق وتصحيحٌ لما حصل في هذا الموضوع من الخلط والتخبط بسبب البعد عن مفهومه الشرعي الصحيح، وهذا يقتضي قيام مؤسسات إسلامية للحوار بمنهجية صحيحة وأسلوب حسن, وعقد المؤتمرات لهذا الغرض, وكتابة الدراسات العلمية والعملية المؤصلة له من الكتاب والسنة.
والحقيقة أن المؤسسات الإسلامية القائمة بالحوار -الآن- قائمة على منهج مخالف للمنهج الرباني (٢)، ولا يوجد مؤسسة قائمة بالمنهج الصحيح في الحوار (٣) تحت هذا المسمى.
стр. 1220
ولعل من أبرز الأسباب: أن الدعوة للحوار جاءت من النصارى وليست من المسلمين (١)، ولأنها لا تناقش بيان الحق بالأدلة والبراهين المقبولة, بل أعرضت عن ذلك قصداً وأصبح الحوار عبارة عن تفاوض على القضايا المشتركة الذي يكون في العادة بين الدول في المصالح الدنيوية المشتركة، وهذا ما لا يوجد معناه في طبيعة الأديان التي جانبها الإيماني، ومقصدها الأخروي هو الأصل مع ضرورة التنبيه إلى شمولية الإسلام دون غيره من الأديان لأمور الدنيا والآخرة, وللأمور الإيمانية والعملية وجميع النشاط البشري.
وقبل الدخول في بيان المنهج الشرعي في الحوار بين الأديان أودُّ أن أنبه إلى أنَّ الحوار مع الكفار له مجالان:
١) الحوار في أمور دنيوية بحتة: وهذا ما يسمى بالمفاوضات وهي خاضعة للسياسة الشرعية, ضمن إطار أحكام الإسلام في الصلح والمعاهدة, وما يتعلق بذلك من التعامل الدنيوي الذي ليس له ارتباط بالأديان والعقائد والمفاهيم، وبناء على ذلك فليس هناك مبرر في إضافة هذا النوع إلى الأديان، وقد يطلق على هذا اسم التعايش, وقد يراد بالتعايش التقارب الفكري المباشر والتفاهم الديني بالتنازل عن شيء من أحكام الدين لما يظن فيه أنه من المصلحة كما سيأتي بيانه.
٢) الحوار في الأمور الدينية: وهذا ما يؤديه إضافة الحوار إلى الأديان, فيكون الحوار إذن في الأمور الدينية وحول مفاهيم العقائد والقضايا الدينية محل الاختلاف, مثل التوحيد والإيمان والبعث ونحو ذلك, وإذا كان الحوار في أمور دنيوية بحتة, فإنه لن يكون هناك مايبرر إضافة الموضوع إلى محمولة، فالإضافة والإسناد دليل على الاختصاص والتمييز، ويعتبر الخلط بين هذين المجالين هو السبب المباشر في الانحراف الحاصل في موضوع الحوار، وبيان ذلك هو أنّه تم تنزيل مقام المفاوضات السياسية في منزلة الحوار الديني, وأصبحت مؤتمرات الحوار تناقش قضايا دنيوية سياسية مع الإغفال التام والمقصود للقضايا الدينية، ومع ذلك تضاف هذه الحوارات إلى الأديان على اعتبار نوعية الحضور والشخصيات المشاركة وليس على اعتبار القضايا المطروحة للحوار، وحينئذ أصبحت الصورة هي شخصيات دينية (علماء وغيرهم) يناقشون قضايا سياسية ثم تسمى (حوار بين الأديان).
وقام بهذا العمل جهتان:
أحدهما: قامت به جهات معينة بخبث واستغلال للقضايا الدينية, في تحقيق مآرب سياسية ذات خلفية دينية، ويمثل هذه الجهة القوى الاستعمارية الكبرى، والكنيسة الكاثوليكية المتداعية (٢).
والثانية: قامت به جهات أخرى بحسن نية تحسب في ذلك مصلحة للأمة, وتحقيق مقاصد شرعية, ويمثل هذه الجهات بعض مؤسسات الحوار، والشخصيات الإسلامية المشاركة في المؤتمرات الحوارية, التي تسعى لتحقيق قضايا مشتركه لنفع الإنسانية, وتظن أنها تحقق مكاسب للأمة الإسلامية.
١ - الأصل الشرعي في الحوار بين الأديان:
стр. 1221
والأصل الشرعي في الحوار مع أهل الأديان, الدعوة إلى الله وبيان الحق ورد الباطل بالأدلة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ [يوسف: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٤].
وهذا الأصل الشرعي مأخوذٌ من بيان الله تعالى لدعوة الرسل الكرام لأقوامهم, وقد كان أقوامهم على أديان مختلفة ومتباينة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ [النحل: ٣٦] , وكل نبيٍ يبعثه الله لقومٍ يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ , ومن خلال تتبع الآيات والأحاديث المبينة لحوار الأنبياء والرسل مع أقوامهم, نجد أنها دعوة وبيان للحق وكشف للباطل وبيان لضرره في الدنيا والآخرة، ولم نجد شيئاً يدل على محاولة القرب من الأديان أو العمل معهم في القضايا المشتركة والبعد عن نقاط الخلاف, لا سيما العقائد كما هو حال أكثر مؤتمرات الحوار اليوم، بل نجد محاولة من المشركين للتقارب معهم ولكنه ترفض من الأنبياء الكرام كما حدث في عرض كفار قريش التقارب من الإسلام حيث قالوا: "يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد, وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر"، فنزلت سورة الكافرون (١).
فليس في المنهج الرباني تحاور مع الأديان بمعنى التقارب فضلاً عن الوحدة, بل هو دعوة ومجادلة وبيان للحق على نحو ما سيأتي, وسوف أكتفي بتتبّع المنهج الشرعي في حوار أهل الكتاب بشكل خاص, لكثرة محاورة القرآن والسنة لهم، ولكونهم أهل الحوار الآن, ولعدم وجود ما يخالف طريقة القرآن في حواره معهم عن الحوار مع غيرهم، وقد قام المنهج الشرعي في حوار الأديان عموماً, وأهل الكتاب خصوصاً على أربع مراتب متنوعة, ومع ذلك فهي تلتقي في الدعوة العامة للإسلام, وهذه المراتب هي:
أولاً: مرتبة الدعوة.
يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] , هذه الآية الكريمة تعتبر نصاً في موضوع الحوار, ولا يمكن أن يتجاوزها من أراد معرفة حكم الله تعالى في الحوار بين الأديان، وقد بين مدلول الحوار في هذه الآية رسول الله ﷺ في خطابه المرسل إلى هرقل, وهو يتضمن الدعوة إلى الإسلام لا التقريب بين دينهم ودين الإسلام, يقول ﷺ : (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)، ثم قرأ الآية السابقة (٢).
стр. 1222
والآية السابقة هي ما يسمى بلغة العصر "ميثاق الوفاق"، ويتضح في الآية بجلاء تحديد موضوع الحوار، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة وترك الشرك, ولهذا فسَّر الصحابة ومن بعدهم (الكلمة السواء) في الآية بـ (لا إله إلا الله).
ولذا فالمنهج الشرعي في حوار الأديان -من جهة الدعوة وبيان الحق- جاء من خلال ثلاث زوايا (١):
١) موضوع الحوار:
ركّز الشارع الحوار مع أهل الأديان عامة, وأهل الكتاب خاصة, من الناحية الموضوعية في القضايا الحساسة التي تعتبر مفاصل مهمة, ومفارق خطيرة بين المسلمين وبينهم, ويمكن اختصارها على النحو التالي: أ) الدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك: يبين ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وكذلك كتب الرسول إلى أهل الأمصار تتضمن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وهذا هو هدف بعثة الرسل الكرام.
ب) الدعوة إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ والتزام دينه: يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩].
ج) الدعوة إلى ترك الغلو والقول على الله بغير الحق في شأن الألوهية وعيسى ﵇ وأمه: يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء:١٧١].
د) الدعوة للإيمان بالقرآن: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء: ٤٧]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].
٢) أسلوب الحوار:
وأسلوب الحوار مع أهل الأديان -وأهل الكتاب خصوصاً- يختلف بحسب اختلاف أصناف الناس, فاختلاف الأساليب مبنية على اختلاف المخاطب بها وقد تنوعت أساليب القرآن على النحو التالي:
أ) الأسلوب المباشر في الدعوة: يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
ب) أسلوب التذكير: يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧].
стр. 1223
ج) أسلوب الترغيب والترهيب: يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٦]، ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
د) أسلوب الإنكار: يقول تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ [آل عمران: ٧١].
٣) وسائل الحوار التي استخدمها رسول
تعددت الوسائل في الحوار مع أهل الأديان عموماً وأهل الكتاب خصوصاً ومنها:
أ- الذهاب إليهم في نواديهم ومحافلهم وأسواقهم وبيوتهم. ب- دعوتهم إلى دار الإسلام. ج- الكتابة إلى زعمائهم وحكامهم. د- استقبال وفودهم. هـ- دعوتهم أثناء الغزو والجهاد. ومناقشة علمائهم والاطلاع على كتبهم للاحتجاج عليهم. ز- إسماعهم القرآن وتلاوته عليهم.
ثانياً: مرتبة المجادلة.
المناقشة والمجادلة تتضمن أمرين: ١ - إقامة البرهان والدليل القاطع على صدق الحق وصحته. ٢ - والرد الصحيح على الشبهات المانعة من قبول الحق.
ومع ورود آيات كثيرة في النهي عن الجدل وذمه كقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: من الآية٥]، إلاَّ أن ثمت آيات أخرى تأمر بالجدل كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. والجمع بينهما هو أن الجدل المذموم هو الجدل بالباطل ولنصرته, والجدل المحمود هو الجدل لنصرة الحق وإقامة الدليل عليه، وقد أمر الله تعالى بمجادلة أهل الكتاب بالأسلوب الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إَِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦]. وهذه الآية تدل على أن أهل الكتاب وأصحاب الأديان نوعان:
أحدهما: من يريد الحق ويسعى إليه: وهذا يُجادل ويُناقش بالتي هي أحسن, وهي: "الأدلة العقلية المقنعة" مثل الاستدلال بالآيات البينات (١).
الثاني: المعاند المحارب المعرض عن الحق: وهذا لا يُجادل بل يُقاتل في سبيل الله (٢) ,ولا شكَّ أن مناقشة أهل الأديان لا تكون بالنصوص الشرعية لأنه لا يؤمن بها من حيث المبدأ, بل تكون بالأدلة العقلية الصحيحة، والقرآن الكريم يتضمن الأدلة العقلية على قضايا العقائد بوضوح تام, فقد جاء بالحق في المسائل والدلائل.
ولعل أبرز الأدلة العقلية التي تقرر إثبات النبوة ما يلي (٣): ١ - تضمن الوحي لأدلة ثبوته من عدة جهات:
стр. 1224
أ - من جهة التحدي بالإتيان بمثل القرآن أو سورة من سوره في بيانه وبلاغته. ب - ومن جهة ما ورد فيه من الأخبار الغيبية التي لا يمكن أن يعلمها النبي ﷺ بأي وسيلة بشرية مثل: حفظ القرآن, وظهور الإسلام على جميع الأديان ونحوهما من الغيبيات. ج- ومن جهة مطابقته للكشوف العلمية في جميع المجالات مثل الطب والفلك والطبيعة.
٢ - دلالة المعجزات على النبوة.
٣ - دلالة أحوال النبي وصفاته على نبوته ﷺ ، وأبرز مثالٍ له حديث هرقل الطويل وسؤاله عن أحوال النبي ﷺ ودلائل نبوته.
وكل قضية عقدية فإنه يمكن الاستدلال العقلي عليها سواء بشكلٍ مباشر, أو غير مباشر، ويكون ذلك بإثبات النبوة عقلاً، وهي بدورها تدل على صدق ما يخبر به النبي من قضايا العقائد والأعمال، وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ [العنكبوت: من الآية ٤٦] فائدتان في موضوع المجادلة لأهل الأديان عموماً وأهل الكتاب خصوصاً:
الأولى: استعمال الأدب الحسن والخلق الرفيع قولاً وفعلاً أثناء المناقشة لأن ذلك أدعى للقبول والتأثير وهذا مأخوذ من قوله: ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
والثانية: الإعراض عن مجادلة المعاند الذي لا يريد الوصول إلى الحق أو المقاتل المحارب الذي يتحين الفرصة لإلحاق الأذى بالمسلمين.
ثالثاً: مرتبة المباهلة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ونساءنا ونساءكم وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: "نتداعى باللعن، يقال عليه بَهْلة الله وبُهْلَته أي لعنته" (١)، والابتهال هنا أي: التضرع في الدعاء باللعن (٢).
وهذه الرتبة في الحوار مع أهل الأديان إنما تكون لمن يجادل بالباطل, أو اتضح له الحق وقامت عليه الحجة وأعرض عنها, يقول ابن القيم ﵀ في فقه قصة وفد نجران: "ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله, ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة, وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله, ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك" (٣).
وهذه درجة متقدمة في حوار أهل الكتاب ولها فائدة عظيمة من جهتين: ١ - إظهار التحدي, والثقة التامة بأن الداعي إلى المباهلة على الحق. ٢ - تخويف المعاند بتعريضه للعنة الله تعالى فربما كان ذلك سبب في رجوعه (٤).
رابعاً: مرتبة المفاصلة والبراءة.
стр. 1225
المفاصلة والبراءة بين المسلمين والكفار بكل أصنافهم ثابتة قبل الحوار، ولكن المراد بها هنا نوعاً خاصاً هو بمنزلة البيان الختامي للحوار الذي يتولى ويعرض فيه المحاور عن الحق, كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية ٦٤)، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وبهذا يتبين أنه بعد الدعوة والبيان التام, وكشف الشبهة, وإقامة الحجة فإن المحاور يتحدد موقفه: إما الإسلام, وإما التولي، "وحينئذٍ فلابد من الحجة والإعلان والإشهاد بعد المحاورات والمفاوضات المنتهية بالتولي والإعراض: بأنَّا مسلمون, ومن سوانا ليسوا كذلك" (١). وهذا يدل على أنه لا تترك الأمور بدون توضيح وبيان.
آية الحوار بين الفهم الصحيح والفهم الفاسد:
أصرح آية في الحوار بين الأديان في القرآن هي آية آل عمران المتقدمة, وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وهذه الآية فهمها بعض المثقفين والكتَّاب على غير وجهها، واعتمدوا في فهمها على مجرَّد الرأي, بعيداً عن الرجوع لأقوال الصحابة والتابعين والمفسرين السابقين.
والفهم الصحيح لها هو (٢): أن في هذه الآية دعوة لأهل الكتاب - وهي شاملة لغيرهم أيضاً -إلى التوحيد الخالص, وعبادة الله تعالى وحده، فالكلمة السواء هي (شهادة أن لا اله إلا الله) ويبين ذلك قوله في الآية: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا يعني أنهم قبل هذه الدعوة ليسوا كذلك وهذا ما يدل عليه حالهم وواقعهم, وقوله (ألاّ تعبدوا إلا الله) تفسير لكلمة السواء فأصل (ألاّ) هو أن لا, وأن هنا تفسيرية حيث تقدمها ما يدل على معنى القول وهي (كلمة) وحينئذ تكون الجملة بعدها مفسرة لمعنى (الكلمة السواء) , وقد فهم البعض أنَّ الكلمة السواء هنا بمعنى أن حوارنا معكم لا بد له من قاعدة نقف نحن وإياكم عليها لنجاح الحوار, وهو أمر موجود فينا وفيكم قبل الحوار وهو قدر مشترك فيما بيننا وبينكم!! وهذا الفهم مناقض لمفهوم الآية التي دعت أهل الكتاب للوصول إلى نتيجة ليست موجودة عندهم وهي: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كما أن اعتبار هذه الآية قدراً مشتركاً يجعل من الحوار معهم أمراً لا فائدة منه لأن التوحيد الخالص موجود فيهم حسب الفهم السابق.
стр. 1226
ومن جهة أخرى فالواقع الواضح عند أهل الكتاب هو الوقوع في الشرك من جهة التوحيد, والكفر من جهة إنكار الرسالة, يقول الدكتور سلمان العودة في قواعد الحوار مع أهل الكتاب: "اعتبار القدر المشترك في الديانة السماوية المتمثل في صحة النبوة والوحي ولزوم الاتباع للأنبياء، وتحصيل لوازم هذا القدر المشترك، وهذا هو المذكور في قول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً﴾، وهذه قاعدة عقلية فاصلة في مقام جمع المختلف أو رد الاثنين إلى الواحد، فيعتبر المختلف بالمؤتلف، والثنائية بالأحادية، وهذا معتبر أيضاً بكتاب الرسول ﷺ إلى هرقل كما في الصحيحين، ويتبع هذا تصحيح المفاهيم المنحرفة، وردها إلى الصدق الذي جاءت به النبوة الخاتمة" (١).
وهذا القول على أهميته في مجادلة أهل الكتاب والحوار معهم إلا أنه ليس هو معنى آية آل عمران المتقدمة فيما يظهر لي, فهي صريحة في الدعوة والحوار المباشر حول التوحيد وترك الشرك كما تقدم.
وقد أوّل بعض الكتاب (الكلمة السواء) في الآية إلى أنها: "فعل الصالحات النافعات للبشرية, ومواجهة الطغيان, وتحقيق معرفة كل طرف بالآخر, وإزالة الفهم دون المحاولة إلى إلغاء الخصوصيات" (٢) , وهذا تأويل بعيد عن معنى الآية ودلالتها، فالمتأمل في الآية يدرك أن كلمة السواء مفسرة, وليست مطلقة بحيث يتصور القارئ ما شاء في تحديدها, وهناك فرق كبير بين فهم الآية على أنها دعوة لأهل الكتاب إلى التوحيد ومناقشتهم للوصول إلى غاية عظيمة وهي التوحيد وترك الشرك، وبين فهمها على أنها قدر مشترك ينطلق منه لتصحيح ما عندهم من الباطل, أو أنها في الحث على التعاون المشترك للوصول لما فيه الخير للإنسانية، ومما يؤكد تفسير هذه الآية السلوك العملي للنبي حيث كان حواره لهم بهدف دعوتهم للتوحيد وهدايتهم إليه.
قواعد مختصرة في الحوار مع أهل الكتاب:
هناك جملة من القواعد التي ينبغي الاهتمام بها أثناء الحوار مع أهل الكتاب، يمكن أن نشير إلى نبذ يسيرة منها وهي بحاجة ماسة للبحث والمراجعة، خاصة ونحن نعيش في زمن الاحتكاك المباشر مع أهل الكتاب في مجال الصراع الفكري, أو الصراع المسلح المادي، لا سيما في هذا العصر على الخصوص الذي أصبح التواصل فيه بين أقاصي الدنيا وأدناها من أسهل الأمور في كل المجالات, وإذا لم نرسم - نحن دعاة أهل السنة - منهجية صحيحة في الحوار المفروض علينا معهم, فإن غيرنا من أصحاب الفكر المنحرف - الذي يحرف النصوص - سيأخذ قصب السبق في هذا المجال, وسيقّعد للأجيال القادمة قواعد فاسدة في التعامل مع أهل الكتاب في مجال الحوار, أو غيره من المجالات، ومن هذه القواعد التي ينبغي أخذها في الاعتبار:
١ - تحديد الهدف من الحوار معهم: وتنقيحه من شوائب الانهزامية, والتخاذل والغموض في محاورة أهل الكتاب، والهدف الرباني في الحوار هو دعوتهم إلى الله تعالى, وتمني هدايتهم للإسلام والحرص على تصوير الإسلام لهم كما أمر الله به, وتوضيح نقائه وصفائه لهم من غير محاولة لتشبيهه بالمناهج الأرضية المنحرفة, فهو أسمى وأعظم وأجل من كل المناهج الأرضية.
стр. 1227
٢ - عدم التصدي للحوار بدون علم بدين الإسلام: أوعدم القدرة على توضيح غاياته بصورة صحيحة، فليس الحوار مطلوب من كل أحد, بل هو مطلوب من أهل القدرة علماً وبياناً، أما غيرهم فليس مطلوب منه الحوار, إلا إذا كان بشكل مبدئي في الحث على فضائل هذا الدين, أو كان المخاطب الكتابي عامي يمكن التأثير عليه دون علم دقيق بمناهج الجدل والمناقشة، فهذا يدخل في الدعوة العامة إلى دين الإسلام الذي هو مطلوب من كل مسلم.
٣ - الاستفادة مما لدى أهل الكتاب من الإقرار بوجود الله تعالى وصحة وجود النبوة - في الجملة-, واليوم الآخر ونحوها للبناء عليها في بيان الحق لهم أو التدليل على باطلهم، وينبغي مراعاة الفروق الفردية والطائفية في دعوتهم فيوجد فيهم من يقر بنبوة محمد ﷺ ولكنه يقصرها على العرب فمناقشة هذا ودعوته أسهل من المنكر لها بالجملة.
٤ - إقامة الأدلة العقلية على صحة نبوة محمد ﷺ :فإقراره بنبوته يقتضي بالضرورة إقامة الأدلة العقلية على صحة نبوة محمد ﷺ , ويقتضي بالضرورة أن خبره صدق وقد أخبر أنه مرسل للعالمين, والطعن في ذلك إما قدح فيما أقر به وهو إثبات نبوته, أو طعن في خبر النبي وهو غير مستقيم لمن أثبت النبوة.
وهنا أحب التنبيه إلى ضرورة الرجوع إلى المناهج العقلية القرآنية وتبنيها والحديث بها وان كان بدون الإشارة إلى كونها قرآنية لأن الخصم لا يقر بحجيتها، ولا بأس بالأدلة العقلية السالمة من اللوازم المبطلة لشيء من الدين، وقد وقع أهل الكلام في هذا لأنهم تصوروا أن القرآن جاء بالأدلة الخبرية المحضة دون الأدلة العقلية، فراحوا يخترعون أدلة يريدون بها نصر الدين فوقعوا في لوازم تقتضي تحريف بعض العقائد، فكانت النتيجة تقرير قواعد في الاستدلال والنظر مخالفة للمناهج المتفق عليها وتوصلوا إلى أغراضهم بالتأويل الفاسد للنصوص.
٥ - الدراسة الدقيقة لمنهج الأنبياء في حوار أقوامهم: وبالذات منهج الرسالة الخاتمة للرسالات كلها وأخذ الأصول العلمية في الحوار مع أقوامهم ودعوتهم إلى الله تعالى.
٦ - دراسة مناهج علماء السنة في مناقشاتهم وحوارهم مع أهل الكتاب: مع ضرورة التنبه إلى المناهج البدعية في حوار بعض أصحاب البدع مع الكتابيين مما سبب في وجود مناهج منحرفة في الفكر الإسلامي ظهرت فيما بعد على شكل فرق ضالة.
٧ - إثبات تناقض كتبهم وضعف دينهم: من واقع هذه الكتب دون ذكر وسيط مما يجعلهم يعيدون النظر في حقيقة دينهم وإمكان بطلانه.
٨ - إثبات دين الإسلام بالأدلة الصحيحة والمناهج القرآنية والنبوية المعتبرة بعيداً عن مناهج أهل الأهواء والبدع: ومن ذلك إثبات صحة القرآن والنبوة بالأدلة الحسية التي تضمنتها، مثل: الإخبار بالمغيبات وبموافقة الكشوف العلمية الثابتة دون تعسف وليَ للنص القرآني أو النبوي.
٩ - إثبات مناقضة ديانتهم المحرفة للعقل والحس: مما جعل التطبيق لها في الواقع مناف للفطرة الإنسانية ولسنن الله في الاجتماع والحياة، وهنا ينبغي التنبه لمزلة وقعت في الفكر الإسلامي وهي تصور إمكان التعارض بين العقل والنقل وحصل بسببها عراك تاريخي ومازال مستمراً إلى اليوم، ولا يمكن التدليل على عدم التعارض بينهما بشكل صحيح موافق لمقتضى النص ولدلالة العقل إلا على منهج أهل السنة، أما من تخبط في مناهج الفرق فسوف يستأسد عليه أهل الأديان على قاعدة بعضهم: (خرافات النصرانية خير من خرافات الإسلام) يقصد التصوف والتشيع وكذلك سيكون الأمر هنا.
стр. 1228
١ - لابد من مراعاة حسن التعامل والمناقشة: ليكون للدعوة قبول دون مخالفة شرعية، كالقول بإقرارهم على اعتبار دينهم والثناء عليهم بمثل ذلك باسم احترام الآخر، ولا يصح التسفيه له إذا طمع الداعية في هدا يته، فالحق وسط بين تفريط من يردد عدم الإقصائية ويقول باحترام دين الآخر، وكأن الخلاف هو في وجهات النظر لا في أصل الدين, وبين الإفراط الذي يجعل من إمكان هداية المحاور أمر في غاية الصعوبة.
ومن خلال العرض المتقدم لمنهج النبي ﷺ للحوار مع أصحاب الأديان, يتبين أنَّ الأساس في الحوار هو الدعوة وإقامة الأدلة على صحة دين الإسلام, ووجوب الانقياد له ونبذ الأديان المحرفة، وبيان ما في دينهم المحرف من الباطل بلغة علمية, ومنهجية سليمة, وهذه حقيقة شرعية واضحة لمن استقرأ نصوص الكتاب والسنة, وطالع أخبار الأنبياء وعرف طبيعة رسالتهم.
المبحث الثاني: أنواع الحوار بين الأديان وأحكامها.
"الحوار بين الأديان" اسم عام يطلق على كل مخاطبة ومحاورة تتم بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها، فكلمة "حوار" كلمة عامة تشمل كل ما يقع عليه معنى التجاوب والتراجع والتخاطب, ولا شك أن مطلق الكلام لا يصح الحكم عليه دون معرفة خصائصه المميزة.
والحوار من المصطلحات المجملة التي تحمل معنى حقاً ومعنى باطلاً, فلا يصح الحكم عليه وهو بهذه الحالة من الإجمال والإبهام, بل لابد من الاستفصال عن المعنى المراد بدقة, ثم النظر بعد ذلك في حكمه في ضوء النص الشرعي, ومن خلال التتبع لأحوال الحوارات المتعددة بين الأديان تبيّن أنها على أنواع مختلفة، ولكل نوعٍ خصائصه المحدَّدة له والمميزة له عن غيره، مع أن جميع الأنواع يصح إطلاق اسم "الحوار بين الأديان" عليها, وعليه فلابد من توضيح نوع الحوارات المجملة ,والاستفصال عنها ومعرفة أهدافها وخصائصها قبل الخوض فيها أو الحكم عليها, وبناء على ذلك فسأذكر كل نوعٍ على حدة، وأذكر الخصائص المميزة له باختصار, ثم أُبين الحكم الشرعي على كل نوعٍ على حدة.
أولاً: حوار الدعوة:
والمقصود به في -المفهوم الإسلامي-: الحوار مع أتباع الأديان الأخرى لبيان صحة هذا الدين، وأنه ناسخ لكل الأديان السابقة، وإيضاح صحة نبوة محمد ومحاسن الإسلام العظيمة، وبيان ما هم عليه من الباطل المنحرف, وهذا الحوار مطلوب شرعا, تدل عليه كل الآيات والأحاديث الدالة على فضيلة الدعوة إلى الله وبيان الحق ورد الباطل, وهذا النوع تقدم الكلام فيه في المبحث الأول، وهو موجود تمارسه جمعيات ومراكز, وجهات متعددة وأفراد كثيرون, ولايسمى في الاصطلاح باسم الحوار بين الأديان، فهو داخل في عموم اللفظ العام دون مدلوله الاصطلاحي الخاص وشعاره المعروف.
أما الحوار التبشيري عند النصارى الذي تمارسه الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي وغيرها, فهو اتخاذ الحوار وسيلة للتنصير، وذريعة لتشكيك المسلمين في دينهم ونبيهم، وطريقاً مخادعاً لأخذ الشهادة والإقرار والموافقة بصحة دينهم, وأنه دين معتبر حتى بعد دخول التحريف فيه (١).
стр. 1229
ثانياً: حوار التعايش وحكمه: تعريفه: المقصود بحوار التعايش هو: الحوار الذي "يهدف إلى تحسين مستوى العلاقة بين شعوب أو طوائف، وربما تكون أقليات دينيّة، ويُعنى بالقضايا المجتمعيّة كالإنماء، والاقتصاد، والسلام، وأوضاع المهجّرين، واللاجئين ونحو ذلك، ومن أمثلة هذا اللون من الحوار: (الحوار العربي الأوروبي)، و (حوار الشمال والجنوب) " (١) , وقد يسمي البعض هذا النوع (التسامح) , وهذا التعريف هو معنى التعايش بالمفهوم العام, الذي يؤخذ من دلالة الكلمة دون ارتباطات بالمفاهيم اللاحقة.
وهذا المفهوم العام لا يزيد على حسن المعاملة، والعيش بصورة ملائمة بين كافة المجتمعات مع الاختلاف الديني والفكري والثقافي, والتعايش بهذا المعنى بين اتباع الأديان المختلفة لا يرفضه الإسلام، ويدل عليه معنى البر والإحسان والقسط الوارد في مثل قوله تعالى: ﴿َلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة٨]. ولهذا المفهوم ثلاثة ضوابط:
أولاً: مراعاة الولاء والبراء: فلا تلازم بين الإحسان والعيش الكريم والتسامح في المعاملة وبين الموالاة للكفار, أو ترك البراءة منهم، فالولاء والبراءة أصل شرعي دلت عليه نصوص شرعية كثيرة (٢).
ثانياً: إقامة العدل: والإنصاف مع كل الناس، فالعدل أساس عظيم في نماء المجتمعات واستقرارها.
ثالثاً: التزام الحكمة في المعاملة: وهي وضع الأمر في موضعه ومقامه الصحيح الائق به, الموافق للمنهج الرباني, ولطبيعة النفس الإنسانية.
لكن هذه الكلمة (التعايش والتسامح) أخذت بعداً آخر غير المفهوم العام السابق, وذلك عندما رفعه العالم الغربي كشعار مع العرب والمسلمين بعد حرب ٦ أكتوبر (١ رمضان عام ١٩٧٣م) , وما تلاها من المقاطعة العربية في ١٧أكتوبر, بقرار من وزراء النفط العرب في الكويت, الذي يقضي بفرض الحصار النفطي على أميركا, وتخفيض مستوى الضخ حتى يتحقق الجلاء عن الأراضي العربية, وتؤمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
فرفع الغرب هذا الشعار لتهدئة الوضع, ووقف القتال وتخفيف حدة الضغوط العربية إلى حين ترتيب أوراقه, وإعادة تنظيم أهدافه الاستراتيجية وقد تم ذلك وأصبح واضحاً للعيان, أن حوار التعايش والتسامح ما هو إلا شعار لأهداف سياسية بحتة, لا سيما بعد السيطرة الأمريكية على الخليج, ومنافذ البلاد العربية والإسلامية بعد أزمة الخليج الثانية، وأصبح الأمر أشد وضوحاً بعد الاجتياح الإسرائيلي الأخير للضفة الغربية، وعندما طرح خيار الضغط بمنع النفط عن أميركا ولو لوقت محدد, لم توافق عليه الدول العربية النفطية، لا لكونه يلحق الضرر بمصالحها, بل لكونها غيرقادرة عليه لضعف سيادتها أو زوالها عن النفط على أقل تقدير.
وعندما وقعت أحداث ١١ سبتمبر وهاجت أمريكا ورفعت شعار (الحرب على الإرهاب) , عاد العرب والمسلمين لرفع شعار التعايش والتسامح بنفس المفهوم الغربي السابق الذي رفع إبان حرب ٦ أكتوبر وتداعياتها.
стр. 1230
لقد أصبحت فكرة (التعايش والتسامح) دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي "المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة" (ايسسكو) حيث أصدرت كتابا بعنوان "مفهوم التعايش في الإسلام" تأليف د. عباس الجراري. والتعايش والتسامح بهذا المفهوم عرفه (اليونسكو) في بيان له بأنه "احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى بدافع الإطلاع وعدم رفض ما هو غير معروف". وسيأتي مزيد توضيح لمفهومه إن شاء الله.
خصائصه: سبق في التعريف أن التعايش له مفهومان متغايران، أحدهما مأخوذ من المفهوم العام للكلمة, والآخر مأخوذ من شعار خاص, رفع في فترة من الفترات لأهداف سياسية ثم تطور إلى أن أصبح فكراً منظماً, تقوم على تصديره بعض المؤسسات الكبرى (اليونسكو - والايسسكو) , ثم عاد ليصبح شعاراً سياسياً للتخفيف من هيجان العالم الغربي بسبب أحداث ١١ سبتمبر بنفس المضامين الفكرية, وبناءً على هذا فلابد من تمييز خصائص النوع الأول عن النوع الثاني, ثم بيان الحكم في كل واحدة على حدة, فخصائص (حوار التعايش) بالمفهوم الأول المميز له عن غيره هو:
١ - أنه حوار لا علاقة له بالدين.
٢ - أنه يقتصر على الحوار فيما يتعلق بالمعيشة البحتة بين أهل الأديان التي تفرضها طبيعة الحياة البشرية وحاجاتها الفطرية.
٣ - أنه لا يتضمن محبةً أو ولاءً, أو اعترافاً بصحة دين الآخر أو تزكيةً له أو مدحاً, بل هو قاصر على الأمور الدنيويّة وفي حدود الحاجة.
٤ - أن لا يتضمن شيئاً من التنازل عن أمر من أمور الدين, بحجة الترغيب لهم في الدخول في الإسلام, أو اعطاء صورة حسنة عن الإسلام, أو بأي تعليل آخر.
حكمه: هذا النوع من الحوار - إذا لم يصاحبه ما يعكِّر على خصائصه السابقة أو يزيد فيها - فهو جائز لا إشكال فيه، وهو خاضع للسياسة الشرعية العملية التي يقدرها أهل الحل والعقد من أهل الخبرة والعلم والدين, وقد تفاوض رسول الله مع اليهود وعاهدهم، وصالح المشركين في الحديبية، وكذلك الصحابة الكرام تفاوضوا مع أهل الأديان المختلفة فيما يخص دنياهم ومعاشهم، ولا يزال هذا الأمر موضع اتفاق, وقد "زخر الفقه الإسلامي المؤسس على الكتاب والسنة بتراث ضخم في مجال العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين" (١).
خصائص التعايش بالمفهوم المعاصر (٢): لقد أعطي مصطلح (التعايش) بعداً آخر غير ما مضى من التوصيف, وأخذ مفهوم التعايش بعداً فكرياً جديداً وهو بهذا المعنى يندرج تحت التقارب الذي سيأتي الكلام عليه.
وحوار التعايش يكون في العادة بين الدول التي تمارس الحياة العملية بحكم الاتصال المادي بينها, ولا مجال له بين الأديان إلا من هذه الزاوية, وإنما ذكرناه في موضوع الحوار بين الأديان, لأنه يدخل في العنوان العام بسبب عمومية لفظة (الحوار) ولأن البعض يخلط بينه وبين حوار التقارب, ثم إن حوار التعايش أخذ مدلولاً آخر غير ما سبق ذكره, في الخصائص العامة ليكون بذلك فكراً جديداً له خصائصه الفكرية المختلفة عن ما سبق ذكره.
ويمكن تلخيص تلك الخصائص في النقاط التالية: