← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

هل ينتهي القنوت بانتهاء النازلة ؟ علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف السؤال: أشكل على بعض الأئمة الاستمرار في القنوت بعد توقف القصف على إخواننا في غزة هل يستمرون فيه أم يتوقفون لتوقف النازلة؟ فما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ الجواب: الأصل في القنوت والذي عليه جمهور العلماء أن القنوات ينتهي بانتهاء النازلة. لكن الأمر فيه سعة فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁: ((قنت رسول الله ﷺ شهراً، حين قتل القراء، فما رأيت رسول الله ﷺ حزن حزنا قط أشد منه)) وظاهر الحديث بيِّن حيث استمر ﷺ يقنت على من قتل القراء شهراً مع أن النازلة انتهت بقتلهم وكان ذلك في ليلة واحدة، لذلك قال ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد): (وقنت رسول الله شهراً يدعو على الذين قتلوا القراء أصحاب بئر معونة بعد الركوع ثم تركه لما جاءوا تائبين مسلمين) وعلى أية حال فالقنوت سنة مستحبة فمن فعله فله أجر ومن تركه فلا شئ عليه. والله أعلم المشرف

стр. 1332

حكم الجهاد في فلسطين الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز السؤال: ما تقول الشريعة الإسلامية في جهاد الفلسطينيين الحالي، هل هو جهاد في سبيل الله، أم جهاد في سبيل الأرض والحرية؟ وهل يعتبر الجهاد من أجل تخليص الأرض جهادا في سبيل الله؟ الجواب: لقد ثبت لدينا بشهادة العدول الثقات أن الانتفاضة الفلسطينية والقائمين بها من خواص المسلمين هناك وأن جهادهم إسلامي؛ لأنهم مظلومون من اليهود؛ ولأن الواجب عليهم الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأهليهم وأولادهم وإخراج عدوهم من أرضهم بكل ما استطاعوا من قوة. وقد أخبرنا الثقات الذين خالطوهم في جهادهم وشاركوهم في ذلك عن حماسهم الإسلامي وحرصهم على تطبيق الشريعة الإسلامية فيما بينهم، فالواجب على الدول الإسلامية وعلى بقية المسلمين تأييدهم ودعمهم ليتخلصوا من عدوهم وليرجعوا إلى بلادهم عملا بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [١]. وقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٢] الآيات وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٣]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ولأنهم مظلومون، فالواجب على إخوانهم المسلمين نصرهم على من ظلمهم لقول النبي ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) متفق على صحته، وقوله ﷺ : (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا: يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما قال: (تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه). والأحاديث في وجوب الجهاد في سبيل الله ونصر المظلوم وردع الظالم كثيرة جدا. فنسأل الله أن ينصر إخواننا المجاهدين في سبيل الله في فلسطين وفي غيرها على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق المسلمين جميعا لمساعدتهم والوقوف في صفهم ضد عدوهم، وأن يخذل أعداء الإسلام أينما كانوا وينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين إنه سميع قريب. المصدر: فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز [١] سورة التوبة الآية١٢٣. [٢] سورة التوبة الآية ٤١. [٣] سورة الصف الآيات ١٠ - ١٣.

стр. 1333

حكم تقصير المرأة شعرها علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف السؤال: هل يجوز لي أن أقصر شعري؟ وما حدود التقصير؟ الجواب: نعم يجوز لك أن تقصري شعرك كما تشائين وليس في ذلك حدود معينة، بشرط أن يكون ذلك بموافقة الزوج وألا يكون فيه شهرة أو تشبهٌ بالكافرات أو الفاسقات أو الرجال، كما ينبغي على المرأة ألا تتشبه في قصات شعرها بالحيوانات. ومن صور التشبه بالكافرات أن تعمد إلى أن تقص قصة (ديانا) مثلاً ومن صور التشبه بالفاسقات أن تعمد إلى أن تقص شعرها كقصة المطربة أو الممثلة فلانة. ومن صور التشبه بالرجال أن تقصر شعرها جداً كشعر الرجال. ومن صور التشبه بالحيوانات أن تقص شعرها كقصة الأسد وقصة ذيل الحصان وما شابه ذلك. والله أعلم المشرف

стр. 1334

حكم لبس شماغ البنات علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف السؤال: قرأت في أحد مواقع الإنترنت حواراً بعنوان: (ظاهرة اختلف حولها الفقهاء بين الإجازة والمنع) وكان الكلام عن شماغ البنات وحكم لبسه وذكروا أن الفقهاء اختلفوا في حكمه، ولا أدري هل يجوز لي لبسه أم لا لأني لم أخرج بنتيجة واضحة؟ الجواب: الحمد لله أولاً قبل الحديث عن حكم هذا النوع من اللباس أحب أن أعلق على عبارة (اختلف حولها الفقهاء) الواردة في السؤال نقلاً عن أحد مواقع الإنترنت؛ وهو أنه ليس كل من أُطلق عليه فقيه أو عالم يكون كذلك خاصة في زمننا هذا فما أكثر من خرج علينا في السنوات الأخيرة في الفضائيات ومواقع الإنترنت ويصدر بالفقيه والعالم والعلامة وهو ليس كذلك، أما هذا الشماغ فأنا لم أطلع عليه لكن إن كان على هيئة أشمغة الرجال المعروفة الآن أياً كان لونها فلا يجوز للمرأة أن تلبسه لأنه تشبه بالرجال فيما يخصهم من اللباس ولا يشك عاقل أن الشماغ مما اختص بلبسه الرجال في مجتمعنا هنا، والرسول ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وسواء لبسته المرأة بطريقة لبس الرجل أم لا فهذا لا يضر إذ مجرد لبس ما يخص الرجال يعد تشبها بهم أما استخدامه في غير اللبس فهذا يخرجه من التشبه، كما أن لبس النساء للشماغ يمكن أن يعتبر لباس شهرة فتُمنع المرأة منه. نعم قد يكون في بلدان أخرى تستخدمه بعض نساء البادية أو الفلاحات لربط أوساطهن عند الفلاحة أو غيرها فإذا اعتدن النساء هنالك على ذلك سواء بشماغ أو غيره ولا يقصدن الشماغ بذاته وانتشر هذا بينهن بحكم وفرة وجوده وربما لبسنه كبيرات السن قبل المراهقات فهذا واضح أنه لا تشبه فيه إن شاء الله، أما حالنا هنا فتهافت بنات المدارس والكليات على شرائه والتباهي به لا شك أنه من باب التشبه كما سبق ذكره. والله أعلم المشرف

стр. 1335

حكم تشقير الحواجب علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف السؤال: ما حكم صبغ المرأة أعلى الحاجب وأسفله وهو ما يسمى بالتشقير علماً أن لونه يكون مطابقاً للون البشرة بحيث يظهر كأنه نمص؟ الجواب: الأصل في صبغ الشعر الإباحة ما لم يأت النهي بذلك كصبغ الشيب بالسواد، لكن بشرط ألا يكون في هذا الصبغ شهرة أو تشبه بالكافرات أو الفاسقات، والتشقير كما في السؤال هو صبغ وليس نمصاً لكن لما كان النمص محرماً ومن عمل الفاسقات والتشقير فيه نوع تشبه بهن فالذي أراه هو أن تبتعد الفتاة المسلمة عنه، خاصة إن كانت ممن يُقتدى بها لأن الناظر إليه قد يظنه نمصاً. لكني لا أجزم بتحريمه. والله أعلم المشرف

стр. 1336

هل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة ؟ علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف السؤال: هل الأشاعرة والماتريدية يعدون من أهل السنة والجماعة؟ فقد قرأت في أحد المواقع المشهورة أنهم من أهل السنة الجماعة. وسمعت أحد المشايخ يعترض على هذه التسمية ويضعف حديث كلها في النار إلا واحدة فما هو الحق فيها؟ الجواب: الحمد لله مصطلح أهل السنة والجماعة مصطلح حادث ويعنون به ما وافق السنة وجماعة السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة ومن تبعهم من التابعين، وإن الأشاعرة والماتريدية كغيرهم من فرق أهل السنة التي خالفت منهج السلف في عدد من مسائل الاعتقاد كمسائل الإيمان والأسماء والصفات وغيرها وعليه فلا يعدون من أهل السنة والجماعة وإن كانوا أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة. أما مصطلح أهل السنة والجماعة فهو مصطلح صحيح وما اعترض به أحد الفضلاء من أنه مرتبط بزمن معين وأنه غير وارد اليوم ولم يعد له وجود فهذا غير صحيح وتكلف لم يقل به أحد قبله فيما أعلم، والصحيح ما ذكرنا من أن مصطلح أهل السنة والجماعة يقصد به من كان على منهج السلف الصالح وأياً كان الأمر فلا مشاحة في الاصطلاح، فالأشاعرة والماتريدية ليسو على منهج السلف الصالح في كثير من مسائل الاعتقاد سواء سميناهم من أهل السنة والجماعة أم لا. أما حديث الافتراق فهو حديث صحيح، وزيادة: (كلها في النار إلا واحدة) صححها غير واحد من أهل العلم منهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٧) وغيره. وتكلم عليها آخرون. والله أعلم المشرف

стр. 1337

حكمُ السَّعْيِ في المسْعى الجديد علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف ١٢/ ٩/١٤٢٩هـ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على رسوله الأمين أما بعد فقد كنتُ كتبتُ قبلَ خمسةِ أشهرٍ بتاريخ ١٦/ ٤/١٤٢٩هـ مقالاً بعنوان (وقفاتٌ مع موضوعِ المسعى الجديد) تساءلتُ فيه عن موقفِ المسلم من هذه التغييرات الجديدة التي طرأت على المسعى، وعن تأثيرها على بعض أحكامِ الحجِّ والعمرةِ، ولم يكن من المناسبِ آنذاك الحديثُ عن إجابة محدَّدةٍ عن هذه التساؤلات، فلذا اكتفيتُ بإيرادِ أقوى الاحتمالاتِ التي يمكنُ أن يؤولَ الأمرُ إليها، فذكرتُ منها آنذاك: (الأول: أن يكون المسعى الجديد في اتجاهٍ واحدٍ من الصفا إلى المروة، والقديم في اتجاهٍ واحدٍ أيضاً من المروة إلى الصفا، وهذا هو ما صُمِّمَ له حسب اطلاعي على المخططات ... الثاني: أن يكون كلٌّ من المسعيين القديمِ والجديدِ باتجاهين، فيكون السَّعيُ في مبنى المسعى الجديد من بابِ الاختيار لا الإجبار). ولما لم يُحسم الأمرُ في ذلك الحين، وأملاً في تغيرِ الأحوال، أمسكتُ عن ذكرِ رأيٍ أو بيانِ حكمٍ فيما يتعلق بالسَّعي، أمَّا الآن وقد أسفرتِ الأمورُ عما كان الكثيرُ منا يخشاه- ولا حول ولا قوة إلا بالله - فلا بُدَّ من الحديث عن هذه القضية؛ أعني كيفية أداءِ العمرةِ في ظلِّ هذا التغيير، وهو الذي تمَّ بِمُوجبه دمجُ المسعيين الجديد والقديم (بعد إعادة بنائه)، حتى أصبح المسعى الجديدُ كلُّه باتجاه (الصفا - المروة)، والقديمُ كلُّه (بعد إعادة بنائه) بالاتجاه الآخر (المروة - الصفا). خاصَّةً وقد ظهرتْ خِلالَ هذه المدةِ فتاوى وبياناتٌ من عددٍ من كبارِ العلماءِ: كالشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبدالرحمن البراك والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبدالمحسن العباد وغيرهم- وبحوثٌ علميةٌ مؤصَّلةٌ، منها: ١ - (حسنُ المسعى في الردِّ على القولِ المحدثِ في عرضِ المسعى) للشريف محمد الصَّمداني ٢ - (كلمةُ حقٍّ في توسعة المسْعى) للدكتور صالح سندي ٣ - (السَّعْيُ في المسْعى الجديد) للصادق بن عبدالرحمن الغرياني وهذه الفتاوى والبيانات والبحوث أجْلَتِ الأمرَ، وأظهرت بالأدلةِ الشرعيَّةِ والتاريخيَّةِ واللغويَّةِ أنَّ موضع المسعى الجديد خارج حدودِ الصفا والمروة عرضاً، وردَّت على جميع الشُّبهات التي استند إليها المجوِّزون، وعليه فلا عذرَ لأحدٍ أن يسعى في المسعى الجديد (المُحْدَث) إلا أن يكون عاميٍّا قلَّد غيره فهو على ذمةِ من قلَّده. وأُحِبُّ قبل ذلك أن أذكِّر إخواني المسلمين لاسيما من فريق المانعين، أنَّ ما يجري الآن لا يعدو أن يكون نازلةً، والنوازلُ لا تدوم، فكمْ من نازلةٍ نزلت بالمسلمين ثم رفعها الله عنهم، فظفرَ الصابرون، وكُتب أجرُهم عند الله، وخلَّد ذكرَهم التاريخُ، فنسألُ اللهَ أنْ يعجِّلَ بالفرجِ ويكشفَ الكَرْبَ، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٢٥٢) بسنده عن حنظلة الأسلمي قال سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: (وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (أي: يقرن بينهما)؛ما يَدِلُّ على أنَّ نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ سينزلُ من السماءِ ويطوفُ ويسعى، ونحنُ على يقينٍ أنه سيسعى في مسعى رسول الله ﷺ ولن يسعى في مسعًى مُحْدَثٍ خارجَ حدودِ الصفا. ثم ليُعلم أنَّ كثرةَ القائلينَ بالجواز، وتراجع بعض من كان يقول بالمنع، لا ينبغي أن يؤثِّرَ على الحكمِ الشرعي؛ إذ إنَّ مناطَ صحةِ الأحكامِ موافقتُها للأدلةِ من الكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ، وحيث إنَّه قد ثبتَ تتابع عملِ المسلمين، تبعاً لمنصوصِ علمائهم، قرناً بعد قرن، على أنَّ ما عُرفَ بالمسعى القديم (النبوي)، هو المساحةُ المستغرقةُ لشعيرةِ الصفا والمروة، فلا يسوغ إحداثُ تغييرٍ يأتي على ما استقرَّ في هذه الشعيرةِ بالنقض، إلا بيقينٍ، لاسيما أنه تأيَّد بعددٍ من القواعدِ الشرعيَّةِ؛ فالأصلُ استصحابُ الحالِ، والخروجُ من الخلاف، وطرحُ الشكِّ، ولاسيما في هذه الشعيرةِ التي يتعلَّقُ بها ركنٌ من أركانِ الإسلام، يؤدِّيهِ ملايينُ البشر، وربما جرى عليه عملُ الأجيالِ القادمة. ولهذا فإنَّ القولَ الصَّوابَ المؤيَّدَ بالدليل وأقوالِ العلماء لمن عزمَ على أداء العمرة أن يشترطَ على ربه عند عقدِ الإحرامِ قائلاً: إن حَبَسَنِي حابسٌ فَمَحِلِّي حيث حَبَسْتَنِي، ثم يتجِهُ إلى مكَّةَ ويَشْرَعُ في أداءِ العمرةِ؛ فإن استطاعَ أنْ يُتِمَّ كاملَ سعيهِ في المسعى القديم دونَ أن يُحْدِثَ ضرراً لنفسهِ، أو لغيره، ولم يمنعه أحدٌ من ذلك -وقد تيسَّر هذا لعددٍ من العمَّار- فليتِمَّ عمرتَه والحمد لله، فإنْ لم يستطعِ السعيَ، ولم يستطعِ البقاءَ لوقتٍ يتمكنُ فيه من إتمامِ نُسُكِهِ فهو مُحْصَرٌ حِيلَ بينه وبين إتمامِ النُّسُك، فيتحلَّل من عمرتهِ مجَّاناً لاشتراطهِ، ولا شيء عليه، كما دلَّ عليه حديثُ ضُبَاعَةَبنتِ الزُّبير ﵂، فإن لم يشترط فعليه دمٌ للإحصار يذبحه قبل أن يتحلَّل، ويوزعه على فقراء الحرم، ثم يحلق أو يقصِّر، هذا كلُّه على القولِ المعروفِ المشهورِ -وهو قولُ الجمهورِ-، وهو أنَّ السَّعيَ ركنٌ، ومن العلماءِ من يرى أنَّ السَّعيَ واجبٌ يسقطُ بالعجزِ، أو يُجبَرُ تركُهُ بدمٍ، لقولِ ابنِ عباسٍ ﵄ المشهورِ، ومن سعى في المسعى الجديد (المُحْدَث) من العامَّةِ، إنْ كان قد أُفْتِيَ بذلك فهو على ذمَّةِ من أفتاه، وإلا فوجود المسعى وسعي جمهورِ الناسِ فيه أبلغُ من الفتوى بالقول، فيعذرُ على كلِّ حال. هذا واللهَ أسألُ أنْ يوفِّق القائمينَ على شؤونِ المسجدِ الحرامِ للحقِّ والصوابِ، وأنْ يشرحَ صدورَهم لما قرَّرتْهُ هيئةُ كبارِ العلماءِ في هذه البلاد، وأن يرفعوا الحرجَ عن كثيرٍ من المسلمين الذين ترجَّحَ لديهم عدمُ جوازِ السَّعيِ في المسعى الجديد. وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم قرأه كاملاً قبل نشره الشيخ عبدالمحسن بن عبدالعزيز العسكر على فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك وقد استحسنه الشيخ وأضاف إضافاتٍ قيمة أفدتُ منها، فجزاه الله خيراً.

стр. 1338

من هم أهل الحديث ؟ السؤال: من هم أهل الحديث؟ وهل هناك فرق بينهم وبين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟ الجواب: أهل الشيء أخص الناس به، ولقد جاء في اللغة: أهل الرجل أخص الناس به. - فأهل الحديث: هم أخص الناس به وأكثرهم تمسكاً به، واتباعاً له قولاً وعملاً في الأخلاق والسلوك والعبادة والمعاملة، وفي الاعتقاد ظاهراً وباطناً، ويدخل فيهم دخولاً أولياً من كان مشتغلاً به سماعاً وجمعاً وكتابةً وتعليماً، رواية ودراية، تصحيحاً وتضعيفاً. - وأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة فالحديث هو السنة والجماعة هي الحق ولو كنت وحدك، ومن كان متبعاً للحديث فهو على الحق. - وأهل الحديث هم الفرقة الناجية فمن لم ينج باتباع الحديث فبما ينجو؟! (أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ (مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٧). - وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة بالحق فمن لم ينتصر بالحديث فبم ينتصر؟! قال الإمام أحمد: عن الطائفة المنصورة: (إن لم يكن هم أصحاب الحديث فما أدري من هم!) (فتح الباري ١/ ٨٥). - وهم الظاهرون على الحق إلى قيام الساعة، فبالحديث ظهروا وبه انتصروا وبسببه نجوا، وهذه كلها ألفاظ ومصطلحات بينها عموم وخصوص أو إطلاق وتقييد، فإذا أطلق أحدها دخل فيه الآخر وأصبح اللفظ دالاً بمفرده على جميع طوائف الفرقة الناجية، وإذا اجتمع لفظ أهل الحديث مع لفظ آخر دلَّ على أن المقصود المشتغلين بالحديث، وهذا ما يفسر إطلاق كثير من السلف لفظ أهل الحديث على المشتغلين به خاصة. قال شيخ الإسلام ﵀: (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً، واتباعه باطناً وظاهراً) (مجموع الفتاوى٤/ ٩٥). ومن هنا يُعلم سرُّ الخلاف بين من فرَّق بين هذه المصطلحات من المنتسبين لأهل الحديث في زماننا هذا وبين من لم يفرق. - و (أهل الحديث هم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف) (مجموع الفتاوى٦/ ٣٥٥). - وأهل الحديث هم أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسَه، أنفاسه صحبوا - وأهل الحديث هم الذين (التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله ﷺ وطلبهم لآثاره براً وبحراً وشرقاً وغرباً) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص٨٠). المشرف

стр. 1339

كتاب الشهر [تعريف وتقييم]

стр. 1340

كتاب أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة للدكتور محمود الرضواني ١ ربيع الثاني ١٤٣٣هـ (إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية) كتاب هذا الشهر هو كتاب يتناول مسألة من أعظم المسائل وموضوعا من أهم الموضوعات، كتب فيها العلماء قديما وحديثا، وهو أسماء الله الحسنى، فالعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته أشرف العلوم، والكتاب الذي بين أيدينا في مجمله جيد، لكن مع ذلك لم يسلم من بعض المآخذ التي أخذت عليه، وها نحن نعرض الكتاب وأهم الموضوعات التي اشتمل عليها، ثم نثنِّي بذكر أهم هذه المآخذ التي خولف فيها المؤلف. أولاً عرض الكتاب: اشتمل هذا الكتاب على مقدمة وأربعة أبواب، فأما المقدمة فقد اشتملت على أهمية الموضوع، وخطة البحث، وأما أبواب الكتاب الأربعة فهذا تفصيلها: الباب الأول: تمييز الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة. وقد اشتمل على الموضوعات التالية: - أسماء الله الكلية وإحصاء الأسماء الحسنى. - الجمع بين رواية ابن مسعود ورواية أبي هريرة. - ظهور الأسماء الحسنى مرتبط بمقتضى الحكمة الإلهية. - رأي ابن القيم في مقتضى الأسماء الحسنى. ثم تكلم المؤلف عن شروط الإحصاء وجهود المعاصرين في جمع الأسماء، وذكر خمسة شروط، وهي: الشرط الأول: ثبوت النص في القرآن أو صحيح السنة. الشرط الثاني: عَلَمِية الاسم واستيفاء العلامات اللغوية. الشرط الثالث: إطلاق الاسم دون إضافة أو تقييد. الشرط الرابع: دلالة الاسم على الوصف. الشرط الخامس: دلالة الوصف على الكمال المطلق. ثم ختم هذا الباب بمبحث سماه: اللؤلؤة الفضلى في نظم أسماء الله الحسنى. وآخر بعنوان: الأسماء المدرجة في الروايات وتمييزها بشروط الإحصاء. وأما الباب الثاني فعنوانه: الإيمان بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة. وقد اشتمل على: - منهج السلف في العقيدة وأثره في الإيمان بأسماء الله الحسنى. - موقف السلف ممن عطل دلالة الأسماء على الصفات. - أزلية الأسماء والصفات الإلهية. - القول في مسألة الاسم والمسمى. - دلالة الأسماء على العلمية والوصفية. - جلال أسماء الله الحسنى. - اسم الله الأعظم ودلالته على الصفات. - قصص واهية حول الاسم الأعظم. - الروايات الثابتة في الاسم الأعظم. - دلالة اقتران الأسماء الحسنى على الصفات. - هل الأسماء مشتقة من الصفات أم العكس؟ - أنواع الدلالات وتعلقها بالأسماء والصفات. - موقف المسلم من الأسماء المشهورة التي لم تثبت. وأما الباب الثالث فهو: الدعاء بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة. وقد اشتمل على: - دعاء المسألة والعبادة لغة واصطلاحا. - المقصود بدعاء المسألة ودعاء العبادة. - دعاء المسألة أعلى أنواع التوسل إلى الله. - أنواع دعاء المسألة وتعلقها بالأسماء الحسنى. - آداب دعاء الله بأسمائه دعاء مسألة. - الشرك في الدعاء والإلحاد في الأسماء. - دعاء العبادة ومقتضى الأسماء الحسنى. - التفاضل والتكامل بين دعاء المسألة ودعاء العبادة. - حكم تسمية العباد بأسماء الله الحسنى. وقد تناول في الباب الرابع: مراتب الإحصاء لكل اسم من الأسماء. والذي اشتمل على دراسة لكل اسم من الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، وقد تضمنت خمسة أمور: - الدليل على ثبوت الاسم وإحصائه. - شرح الاسم وتفسير معناه. - دلالة الاسم على أوصاف الله. - الدعاء بالاسم دعاء مسألة. - الدعاء بالاسم دعاء عبادة. وفي خاتمة البحث ذكر المؤلف النتائج التي توصل إليها وهي: - النتائج المتعلقة بتمييز الأسماء وكيفية التعرف عليها. - النتائج المتعلقة بشرح الأسماء وتفسير معانيها. - النتائج المتعلقة بدلالة الأسماء على الصفات. - النتائج المتعلقة بدعاء المسألة. - النتائج المتعلقة بدعاء العبادة. - تعقيبات وتعليقات على إحصاء الأسماء الحسنى. أما الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة حسب الضوابط التي وضعها المؤلف، والتي شملتها هذه الدراسة فهي: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ الأَوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ السَّمِيعُ البَصِيرُ المَوْلَى النَّصِيرُ العَفُوُّ القَدِيرُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الوِتْرُ الجَمِيلُ الحَيِيُّ السِّتيرُ الكَبِيرُ المُتَعَالُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الحَقُّ المُبِينُ القَوِيُّ المَتِينُ الحَيُّ القَيُّومُ العَلِيُّ العَظِيمُ الشَّكُورُ الحَلِيمُ الوَاسِعُ العَلِيمُ التَّوابُ الحَكِيمُ الغَنِيُّ الكَرِيمُ الأَحَدُ الصَّمَدُ القَرِيبُ المُجيبُ الغَفُورُ الوَدودُ الوَلِيُّ الحَميدُ الحَفيظُ المَجيدُ الفَتَّاحُ الشَّهيدُ المُقَدِّمُ المُؤخِّرُ المَلِيكُ المُقْتَدِرْ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ القَاهِرُ الديَّانُ الشَّاكِرُ المَنانَّ القَادِرُ الخَلاَّقُ المَالِكُ الرَّزَّاقُ الوَكيلُ الرَّقيبُ المُحْسِنُ الحَسيبُ الشَّافِي الرِّفيقُ المُعْطي المُقيتُ السَّيِّدُ الطَّيِّبُ الحَكَمُ الأَكْرَمُ البَرُّ الغَفَّارُ الرَّءوفُ الوَهَّابُ الجَوَادُ السُّبوحُ الوَارِثُ الرَّبُّ الأعْلى الإِلَهُ. وقد رتَّبها المؤلف ترتيباً اجتهاديًّا، حسب اقتران ورودها في النصوص القرآنية والنبوية، وراعى تقارب ألفاظها وسهولة حفظها. ثانياً نقد الكتاب: إن النبي ﷺ ذكر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس موضع النقد في الكتاب هو استخراج هذه الأسماء، والبحث عن الثابت منها، ولكن موضع النقد في الشروط والضوابط التي وضعها المؤلف، والتي خولف في بعضها، وادعائه أن هذه الشروط التي ذكرها في إحصاء الأسماء لا تنطبق إلا على تسعة وتسعين اسمًا فحسب، مع تكلفه في إدخال بعض الأسماء إلى جملة التسعة والتسعين، وفوات إدخال أسماء أخر تنطبق عليها الشروط. وسنقتصر على أهم المؤاخذات التي أخذت على هذا الكتاب: ١ - وقوعه في أخطاء تتعلق بعلم الحديث ومنها: - عدم قبوله للحديث الحسن في باب إثبات الأسماء الحسنى. قال المؤلف:) ولا يعتمد اعتماداً كاملاً على ما ثبت وخف ضبطه كالحسن؛ لأن الحسن على ما ترجَّح عند المحدثين من رواية الصدوق، أو هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه قليلاً، عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة، ولربما يثير ذلك إنكار البعض، لكنهم لا يختلفون معنا في تطرق الاحتمال إلى ضبط النص، والتيقن منه في لفظ الاسم دون الوصف، ومن ثمَّ لم أعتمد على الحديث الحسن في إحصاء نص الأسماء الحسنى، وإن اعتمدته حجة في إثبات الأوصاف، وشرح معاني الأسماء، وبيان دلالة الاسم على المعنى مطابقة وتضمناً والتزاماً). انتهى. وهذه قاعدة غريبة لم يذكر المؤلف من سبقه بها. لذا يقول شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)): (وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام). - رده للحديث الموقوف الذي له حكم الرفع في إحصاء الأسماء. يقول المؤلف عن اسم الله الأعز: ((أما الأعز؛ فلم يرد مرفوعاً، وإنما ورد موقوفاً على ابن مسعود وابن عمر ﵁: (رب اغفر وارحم أنت الأعز الأكرم). واعتباره الموقوف في حكم المرفوع عند بعض المحدثين لا يكفي لإثباته، وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة)) اهـ. فقد ذهب المؤلف إلى أن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع ليس حجة في إثبات الأسماء الحسنى. وهذا قول لا دليل عليه، ولم يسبق إليه، ولا ذكر له سلفاً فيه. وأما قوله: ((وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة ... )). فإن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع يختلف تماماً عن القراءة الشاذة؛ فالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع، حجة ويجب العمل به، أما القراءة الشاذة فقد ذهب جمع من أهل العلم إلى عدم حجيتها. ومع تصريح المؤلف أنه مقلد في تصحيح وتضعيف الأحاديث وخاصة للشيخ لألباني، إذا به يجتهد في قواعد علم الحديث الشريف؛ فلا يحتج بالحديث الحسن، ولا بالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع في إثبات الأسماء الحسنى، مع أن الألباني لم يقل بذلك ولم يذكر المؤلف سلفه في ذلك من المحدثين. ٢ - اشتراطه في إحصاء أسماء الله الإحاطة بجميع السنة النبوية. يقول المؤلف: (لأن الشرط الأول والأساسي في إحصاء الأسماء الحسنى هو فحص جميع النصوص القرآنية، وجميع ما ورد في السنة النبوية، مما وصل إلينا في المكتبة الإسلامية، وهذا الأمر يتطلب استقصاءً شاملاً لكل اسم ورد في القرآن، وكذلك كل نص ثبت في السنة، ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية، وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد. اهـ. ثم يقول: (وهذا جهد خارج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة). وهذا الكلام لا دليل عليه، ولم يشترط أحد من العلماء هذا الشرط. وقد أدى اشتراط المؤلف لهذا الشرط إلى القول بأن مسألة الإحصاء أكبر من طاقة البشر، وخارجة عن قدرتهم المحدودة وأيامهم المعدودة!! ويجاب عن ذلك بأن إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين في وسع كل مؤمن ومقدوره، حيث إن النبي ﷺ قد رغَّب المؤمنين من لدن الصحابة ﵃ إلى قيام الساعة على إحصائها، مما يدل على أن هذا الإحصاء في طاقتهم وداخل قدرتهم، وهل يرغّب النبي ﷺ في أمر خارج عن قدرة البشر؟!! ولو كان هذا الإحصاء أكبر من طاقة الإنسان، ولا يستطاع إلا بفرز عشرات الآلاف من الأحاديث، واستخدام الحاسب الآلي، لم يكن لهذا الحديث فائدة بدون الحاسب الآلي، ولقصرت فائدة هذا الحديث على هذا العصر، أو على المؤلف خاصة، وهذا مردود. ثم إن أحكام الشريعة لا تتوقف على شيء من العلوم الكونية والاكتشافات العلمية، كالحاسب الآلي وغيره. فأحكام الشريعة يستوي في إمكانية معرفتها، والقيام بها جمهور الناس، وهذا مقتضى شمولية دعوة الإسلام لجميع البشر. وهل يُظن أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة لم يستطيعوا إحصاء الأسماء التسعة والتسعين؛ لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم؟! وهل نفهم من ذلك أن الله قد حَرَمَ السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة ﵃ من هذه الفضيلة وقد شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية في قوله ﷺ : ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). فهم خير الناس علمًا وعملًا. وأما قوله: ((ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد ... )). فهذا حجة عليه؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك، فكثير من السلف الصالح والعلماء المتقدمين كانوا يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد من الأحاديث، فإحصاء الأسماء الحسنى أيسر عليهم بكثير. فهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول عنه أبو زرعة الرازي: (كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب) وحفظهم السنة بأسانيدها شيء عجيب، يطول المقام بذكره. فإذا تبين أن الأئمة المتقدمين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، تقرر أنهم كانوا أوسع إحاطة للسنة من هذه الموسوعات الإلكترونية؛ لأن هذه الموسوعات التي اعتمد عليها المؤلف في إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لا يبلغ ما تحتويه عشر ما حفظه هؤلاء الأئمة وذلك بشهادته هو نفسه، وهذا يدل دلالة واضحة أنهم كانوا أقدر على إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين منا. وأما قوله: ((إن من دوافع البحث الرئيسية أن باب الأسماء الحسنى يفتقر إلى دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الأصول القرآنية والنبوية ..... ولما يسر الله الأسباب في هذا العصر وأصبح ذلك أمراً ممكنًا بعد أن ظهرت تقنية البحث الحاسوبية، وقدرة الحاسوب على قراءة ملايين الصفحات في لحظات معدودات، أقدمت على البحث وأنا لا أتوقع ما توصلت إليه من نتائج)) فهنا يذكر المؤلف أنه باستخدام البحث عن طريق الحاسوب، أصبح قادراً على عمل دراسة علمية استقصائية حصرية، تشمل كل ما ورد في الكتاب والسنة. وهذا كلام غير صحيح؛ إذ إنه لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحيط بكل ما ورد في السنة النبوية. قال الإمام الشافعي ﵀: (من قال: إن السنة كلها اجتمعت عند رجل واحد. فسق، ومن قال: إن شيئا منها فات الأمة. فسق) اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)): (إن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد في الأمة ..... وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط ... ). اهـ. كذلك فإنه يوجد عدد كبير من الكتب المخطوطة لم يطبع بعد، ولا توجد بالتأكيد على الموسوعات الإلكترونية، أضف إلى ذلك ما يقع من مشكلات في البحث، مع وجود نسبة من الأخطاء الإملائية في الموسوعات إلى غير ذلك. ٣ - زعمه أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً فقط. قال المؤلف: (( ... ولكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله تسعة وتسعون اسما وردت بنصها، كما أشار النبي ﷺ إجمالاً إلى العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال ... )) اهـ. ويقال للمؤلف ما الدليل على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً فقط؟! والحديث المشهور الذي يقول فيه النبي ﷺ : ((إن لله تسة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)). قد شرحه العلماء بما يدل على أن من أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر للأسماء الحسنى في هذا العدد. قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً: ( ... وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين)) اهـ. وقال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)): ((الذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئاً معيناً، بل من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة. أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني)) اهـ بتصرف. فكلام شيخ الإسلام ﵀ صريح في أن الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً. وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في ((معجم المناهي اللفظية)): (باب الأسماء لله تعالى ولرسوله ﷺ وللقرآن العظيم توقيفية، لا تكون إلا بنص، وقد جاء في القرآن نحو مائة اسم لله تعالى)) اهـ. هذا بالإضافة إلى ما ورد في السنة من أسماء أخرى، فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين، كما هو ظاهر. ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً. لذلك نجد أن من العلماء من زاد على تسعة وتسعين اسما، ومن هؤلاء: - ابن منده في كتابه ((التوحيد)) أثبت ١٤٨ اسماً. - البيهقي في كتابه ((الأسماء والصفات)) أثبت ١٥٤ اسماً. - ابن العربي في كتابه ((أحكام القرآن)) أثبت ١٤١ اسماً. ٥ - إخراجه لفظ الجلالة "الله" من التسعة والتسعين اسماً. على حين أن أغلب من كتب فى أسماء الله الحسنى عدَّ من بينها لفظ الجلالة (الله)، إذ يقول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. فسواءً دعا العبد ربه باسم الله أو باسم الرحمن فكلاهما من الأسماء الحسنى. ٦ - جزمه بأن الأسماء التي قام بإحصائها هي المعنية بحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) إن الجزم بأن هذه الأسماء التي عينها المؤلف هي المرادة في الحديث لا يمكن أن يقطع به أحد، لأن هذا يحتاج إلى دليل ونص صريح. ولو أراد النبي ﵌ أن يُعينها لفعل. ثم إنه ألزم الناس بتلك الأسماء التي جمعها وفق الشروط التي اشترطها، وذهب إلى أن تلك الأسماء التسعة والتسعين هي المذكورة في قوله ﷺ : ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)). ٧ - تفسيره لحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً .... ) تفسيراً لم يقله أحد قبله. ذهب المؤلف إلى أن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مطلقًا، وتسعة وتسعين اسماً مقيداً، وجعل ذلك تأويل قول النبي ﷺ : ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا)). فجعل (التسعة والتسعين) هي المطلقة، وجعل (المائة إلا واحدًا) هي المقيدة خلافًا لما قرره العلماء من أن تسعة وتسعين اسمًا فحسب هي التي علق على إحصائها دخول الجنة. وليس للمؤلف دليل على قوله، ولا سلف له فيه. ثم إن هذا التفسير مخالف لتفسير العلماء الذين ذهبوا إلى أن قوله: ((مائة إلا واحدا)) للتأكيد، وللتنصيص على أنها تسعة وتسعون اسماً، لا تزيد ولا تنقص عن هذا العدد، وحتى لا يقع تصحيف في قوله: ((تسعة وتسعين)) إلى سبعة وسبعين، أو سبعة وتسعين، وما إلى ذلك. قال الإمام ابن حجر ﵀ في ((الفتح)): (قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: ((مائة إلا واحد)). بعد قوله: ((تسعة وتسعون)). أن يتقرر في نفس السامع، جمعا بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعا للتصحيف الخطي والسمعي)) اهـ. ٨ - ذهب المؤلف إلى أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى التسعة والتسعين؛ لأن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والكمال يقول المؤلف: ((من الشروط الأساسية اللازمة لإحصاء الأسماء الحسنى أن يرد الاسم في سياق النص مفرداً مطلقاً دون إضافة مقيدة، أو قرينة ظاهرة تحد من الإطلاق، وذلك بأن يفيد المدح والثناء على الله بنفسه؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال على قدر ما أضيف إليه الاسم أو قيد به، والله ذكر أسماءه باللانهائية في الحسن، وهذا يعني الإطلاق التام الذي يتناول جلال الذات والصفات والأفعال)) اهـ. فكلامه يدل على أن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والجمال، وأسماء الله سبحانه لا نهائية في الحسن والكمال، فلا تكون الأسماء المقيدة أو المضافة من الأسماء الحسنى. ثم قال في موضع آخر: ((فهذه أسماء مضافة أو مقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص كسائر الأسماء المضافة الأخرى، لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة التي تفيد المدح والثناء على الله بنفسها)) اهـ. فهنا قد أثبت أن الأسماء المضافة أو المقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص، وهناك قد قرر أن هذه الأسماء ليست نهائية في الحسن والكمال، فكلام المؤلف ينقض بعضه بعضا؛ فكيف يدعي أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال. ثم إذا به يثبت لله تسعة وتسعين اسما مضافا. فمع التناقض الواضح في كلامه؛ فإنه يدل على أنه يجوز أن يسمى الله بأسماء ليست بالغة في الحسن والجمال. ثم إن قوله: ((لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة .. )). قول لا دليل عليه، فما أدراه أن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة دون المقيدة؟! وإذا ثبت بكلامه أن الأسماء المقيدة أو المضافة هي أسماء لله ، فما المانع أن تكون من الأسماء الحسنى المعنية في حديث التسعة والتسعين؟! يقول الشيخ عمر الأشقر في معرض رده على من أخرج الأسماء المضافة من دائرة الأسماء الحسنى في ((أسماء الله وصفاته)): (لا يجوز استثناء الأسماء المضافة من دائرة أسماء الله الحسنى إذا وردت في الكتاب والسنة، فلا يقر من أخرج من أسمائه ﵎: عالم الغيب والشهادة، ومالك الملك، وبديع السماوات والأرض، ونور السماوات والأرض، وغافر الذنب، وعلام الغيوب، وفاطر السماوات والأرض؛ إذ لا حجة لهؤلاء إلا أن هذه الأسماء مضافة. وهذه ليست بحجة، فما الإشكال في أن تكون أسماء الله مضافة؟! ... )) اهـ. وقد قرر شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) أن في الكتاب والسنة أسماء أخرى غير الأسماء التسعة والتسعين المشهورة التي جاءت مدرجة في حديث الوليد بن مسلم، وعد من تلك الأسماء بعض الأسماء المضافة، فقال: ((ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه: السبوح ... وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين)) اهـ. وقد أدخل كثير من أهل العلم الأسماء المضافة في جملة الأسماء الحسنى منهم: الإمام الإقليشي، والإمام ابن القيم، والإمام ابن العربي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. وأخيرا فهذه الشروط التى وضعها المؤلف اجتهادية، وليست من المسلَّمات المتفق عليها أو من المجمع عليه بين العلماء. ويبقى أن المسألة اجتهادية، لن يرفع الخلاف فيها بحث أو اجتهاد، لتبقى الحكمة التي من أجلها أخفي تعيين هذه الأسماء، وهي كالحكمة في عدم تعيين ليلة القدر ليجتهد الناس في عشر ليالٍ بدلاً من واحدة، وكذلك الأمر هنا: علم العلماء أن هذا الباب باب اجتهاد للعلماء يعملون فيه جهدهم. يقول الحافظ في ((الفتح)) نقلاً عن الفخر الرازى في أنه يجوز (أن يكون المراد من عدم تفسيرها أن يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الأسماء، رجاء أن يقعوا على تلك الأسماء المخصوصة، كما أُبهمت ساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى) ا. هـ. وقال الإمام ابن العربي المالكي في ((أحكام القرآن)): ((وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية لندعو بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها)) اهـ. فلا سبيل إلى الجزم بتعيين الأسماء التسعة والتسعين، ولكن على المسلم أن يجتهد في إحصاء الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة، رجاء أن يكون ممن شملهم الوعد بالجنة الوارد في الحديث الصحيح. فهذا ما تيسر جمعه مما وُجِّه إلى هذا الكتاب من نقد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1341

إحياء علوم الدين كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي كتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي لقيت عناية كبيرة لدى أهل العلم، فهو كتاب جامع في الأخلاق والسلوك والمواعظ، ومؤلفه أبو حامد محمد الطوسي الغزالي المتوفي سنة (٥٠٥هـ) الإمام صاحب التصانيف الكثيرة في كثير من الفنون: الفقه، والأصول، والفلسفة، والكلام، والتصوف. وكتابه (إحياء علوم الدين) تباينت تجاهه الآراء، فمدحه قوم حتى غلو في مدحه، وقالوا: (من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء). وذمه قوم حتى أفتوا بحرقه ومنعه. وسبب الاختلاف في كتاب (الإحياء) أن فيه نفعاً كثيراً، وفيه من الطامات والبلايا ما يمنع من قراءته، إلا ممن له خبرة ودراية بعقائد الصوفية والحلولية والفلاسفة، ممن تحصن بعقيدة السلف الصالح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًّا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبى حامد هذا في كتبه، وقالوا: مَرَّضَهُ (الشفاء) - يعنى شفاء ابن سينا في الفلسفة- وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترَّهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب، الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب، ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يردُّ منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه). انتهى. (مجموع الفتاوى) (١٠/ ٥٥١). وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (١٩/ ٣٣٩): (أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعاً). ومما يؤخذ على الكتاب أيضاً ذكره لبعض شطحات المتصوفة وأغاليطهم, كما أنه يتضمن بعض المخالفات في العقائد والعبادات والأخلاق. وقد اختصره غير واحد من أهل العلم حرصاً على أن يستفاد مما فيه من خير بحذف ما سواه، ومنهم ابن الجوزي الذي حذف الأحاديث الموضوعة والواهية، وعمد إلى ما لا طائل من ورائه مما احتوى على بعض المخالفات، فحذفه، وسمى كتابه (منهاج القاصدين) وقال في مقدمته: (فاعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الموضوعة، والموقوفة قد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها .... ) ثم يقول: (وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه، وندب إلى العمل به ما لا حاصل له، من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد إلى غير ذلك .... ). ثم قال: (وسأكتب لك كتابا يخلو عن مفاسده ولا يخل بفوائده). انتهى. ثم اختصر المقدسي (منهاج القاصدين) هذا في كتابه (مختصر منهاج القاصدين)، وهناك مختصرات أخرى. ولسنا بصدد الكلام عن الكتاب نفسه، فقد تكلم عنه العلماء قديماً وحديثاً، وسبق ذكر طرف من كلامهم، ويمكن الرجوع لكتاب (وقفات مع كتاب إحياء علوم الدين) للشيخ عبد الرحمن دمشقيه، ففيه تفصيل لمن أراد الاستزادة. وإنما الذي يعنينا هو الكلام عن إحدى طبعات الكتاب التي ظهرت مؤخراً، بمناسبة مرور تسعمائة سنة على وفاة الغزالي ﵀، والتي استغرق العمل فيها سبع سنين متواصلة، وهي طبعة دار المنهاج بجدة، والتي قام بتحقيقها وضبطها وتوثيقها ومراجعتها لجنة علمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي، وتعتبر هذه الطبعة من أفضل طبعات الكتاب إن لم تكن أفضلها, فهي محقَّقة على نحو عشرين نسخة خطية, مضبوطة بالحركات الإعرابية, معزوة الأقوال والنصوص المنقولة, مخرجة الأحاديث والآثار، مع شرح بعض الكلمات الغريبة الغامضة، ووقعت هذه الطبعة في عشرة مجلدات، طبعت طباعة فاخرة ملونة، وأخرجت إخراجاً فنيًّا جيدًا، أُفْرِدَ مجلد كامل من الكتاب بمقدمات، تبيِّن منهج المحققين في تحقيق الكتاب، وسيرهم في إخراجه, مع إضافة كتابين آخرين في المقدمة هما: ((الإملاء على مشكل الإحياء)) للغزالي، وتم تحقيقه على سبع نسخ خطية، وكتاب ((تعريف الأحياء بفضائل الإحياء)) للعيدروس وتم تحقيقه على ثلاث نسخ خطية. ويؤخذ على هذه الطبعة عدة أمور منها: - عدم الإشارة في المقدمة إلى ما وقع في الكتاب من مخالفات، والإطناب في عبارات المدح والثناء على الكتاب، والاكتفاء من كلام العلماء بما يدل على فضله ومكانته، دون ما وُجِّه إليه من نقد، ليس ذلك فقط بل مهاجمة من انتقد كتاب (الإحياء). ولا شك أن الغزالي له مكانة ومنزلة لا تخفى على أحد، ولا يمنع ذلك من بيان ما وقع فيه من أخطاء ومخالفات، لاسيما إذا كانت تتعلق بالعقيدة والمنهج، فمن ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط، واللجنة العلمية التي حققت الكتاب تكلفت في رد ما استدرك على المؤلف، حتى مما اتفق عليه جمع من العلماء، ومما صرح به هو نفسه، من قلة بضاعته في علم الحديث، حيث قال: (بضاعتي في علم الحديث مزجاة). لذا شُحِن كتابه بالضعيف والموضوع، لكن في المقدمة حصل التكلف في حمل كلامه السابق على التواضع، وعلى أن الصحيح أضعاف أضعاف الضعيف، وأنه (تسربت بعض الأحاديث الضعيفة وقليل جدًّا دونها في فضائل الأعمال) ويكفي في رد هذا الكلام أن يطالعوا ما ذكره السبكي من الأحاديث التي لم يجد لها إسنادا فقط دون ذكر الموضوع أو الضعيف، ثم ما ذَكَرَتْه اللجنة في المقدمة في ترجمته أن خاتمة أمره كانت بإقباله على الحديث النبوي كالبخاري ومسلم وغيرهما. - عدم التعليق على الأحاديث والتي منها الضعيف والموضوع إلا أحيانا، معتمدين على كتاب العراقي واستدراكات ابن السبكي والزبيدي. ومن الأحاديث التي تركوا بيان ضعفها- على سبيل المثال- الأحاديث التي سردها الغزالي في العقل، ومنها حديث ((ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل))، وحديث ((إذا تقرب الناس بأبواب البر والأعمال الصالحة فتقرب أنت بعقلك)). وذكر بعدهما أحاديث أخرى في العقل، واكتفى المحققون فيها بالعزو فقط دون إشارة إلى ضعفها بل وضعها، مع أن أحاديث العقل كلها كذب، لا يصح منها شيء، كما قرر ذلك غير واحد من أهل العلم، قال ابن القيم: (أحاديث العقل كلها كذب). ثم إنه قد تمت الإشارة في المقدمة أنه سيتم الاعتماد على كتاب العراقي، فأين أحكام العراقي على هذه الأحاديث بالضعف، ولماذا لم تنقل؟ وهل يكفي فقط تخريج الحديث بعزوه دون بيان حكمه؟ وكأنهم خشوا لو فعلوا ذلك لظهر للقارئ كمُّ الأحاديث الضعيفة في (الإحياء). - ترك التنبيه على المخالفات العقدية والسلوكية وعدم التعليق عليها، وأحيانا يُعلَّق عليها بما يؤيدها. ونذكر على سبيل المثال: تأويل الغزالي لبعض الصفات، كما في الاستواء على العرش، قال الغزالي بعد أن نزه الله عن اختصاصه بالجهات، ومنها جهة العلو، يقول (١/ ٣٩٢): (ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر، وكل ذلك يحوج إلى مقدر، ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر. فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء، تنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء). فيعلق المحققون بقولهم: (وانظر للمؤلف ﵀ لطيفة في سر التوجه بالدعاء إلى السماء في (الاقتصاد) (ص ١١٤)، وسبب اختيار المصنف لصفة القهر والاستيلاء بالذات كون هذه الصفة محكية في كتاب الله بحقه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ثم يقول الغزالي عن صفة الاستواء (١/ ٣٩٢): (العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ***** من غير سيف ودم مهراق. ويعلق المحققون على قوله: (بطريق القهر والاستيلاء) (١/ ٣٩٢) بما يؤيد هذا القول، فيقولون: (كما قال المؤلف في (الاقتصاد) (ص ١٢٦)، ولذلك قال بعض السلف وهو سفيان الثوري: أفهم من قوله ﴿استوى على العرش﴾ ما فُهم من قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾. ولما ذكر الإمام الغزالي حديث استئذان النبي ﷺ في زيارة قبر أمه والاستغفار لها، فأذن له بالزيارة، ولم يؤذن له في الاستغفار، علَّق المحققون بقولهم (٩/ ٤٤٢) في حاشية (١): (وقد ألف العلماء الكثير من المصنفات في تحقيق نجاة الأبوين الكريمين، ونجاة آباء المصطفى ﷺ الذين ماتوا في فترة الجاهلية، ولم تبلغهم الدعوة، وأثبتوا أنهم من أهل الجنة، وأقاموا على ذلك الأدلة الناصعة والبراهين الساطعة، فلتراجع). إذاً فهل أخطأ الغزالي عندما أورد هذا الحديث، ولطالما نافح عنه المحققون، مع الإيهام أن مسألة النجاة عليها من الأدلة الناصعة والبراهين الساطعة، والعجيب أن المحققين لم يقتصروا على نجاة أبوي النبي ﷺ فقط بل ذهبوا إلى نجاة آباء النبي ﷺ الذين ماتوا في الجاهلية، ولا شك أن معتمدهم في ذلك الأحاديث الضعيفة المخالفة لما ورد في الصحيح، من قوله ﷺ : (إن أبي وأباك في النار). وحديث عدم الإذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه. وقد بوب النووي في شرحه لصحيح مسلم (باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعته، ولا تنفعه قرابة المقربين) وذكر تحته حديث (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) يقول الحافظ ابن كثير: (وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار، لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصمَّ يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ لأنه سيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء- أي الذين أخبر عنهم النبي- من جملة من لا يجيب، فلا منافاة) (البداية والنهاية) (٢/ ٣٤٢). بل نقل الملا علي القاري الإجماع على عدم نجاتهما في رسالة (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊ (ص٨٤) فقال: (وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق). فهذه نماذج تبين المنهج الذي سلكه المحققون في تحقيق الكتاب، وأنه منهج خالف مذهب أهل السنة والجماعة، لا بالسكوت عن المخالفات التي وقع فيها الغزالي ﵀ وعدم التعليق عليها فحسب، بل أيضاً بتقرير ما يذهب إليه وتأييده، فينبغي قراءة هذه الطبعة بحذر، والاستعانة بأحد الكتب التي بينت ما وقع في الكتاب من مآخذ، ولا ينصح بها للمبتدئين الذين لم يتمكنوا من معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة، وشبهات المتكلمين، ومخالفات الصوفية، بل ينصحون باقتناء أحد مختصرات (الإحياء) كـ (مختصر منهاج القاصدين)، أما طالب العلم المتمكن فهذه الطبعة أفضل له مما سبقها، والله أعلم.

стр. 1342

مشاهد من المقاصد للشيخ عبد الله بن الشيخ محفوظ بن بيه عرض ونقد (إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية) كتاب هذا الشهر يتناول موضوعاً مهمًّا، وهو علم المقاصد، ويعتبر هذا الكتاب مكملًا لكتاب المؤلف ((أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات)). وأصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها المؤلف بمكة المكرمة، نظمها مركز مقاصد الشريعة الإسلامية، وقصد به المؤلف التعريف بعلم المقاصد ومسيرة تشكُّله. وسماه المؤلف ((مشاهد من المقاصد))؛ لأنه لم يستوعب كل المقاصد، وسوف نعرض لأهم محتويات هذا الكتاب، وأهم المآخذ عليه. عرض الكتاب: يتكون هذا الكتاب من مدخل وستة فصول. الفصل الأول: تعريف المقاصد وخصصه المؤلف للكلام عن المقاصد، مبيناً أصلها اللغوي، ومعانيها التي تدور عليها في اللغة، ثم ذكر تصرفات (قَصَدَ) المستعملة في هذا الباب، وهي أربعة ألفاظ، وقد اشتمل هذا المبحث على فوائد لغوية. ثم انتقل إلى تعريف المقاصد في الاصطلاح بين الفقهاء والأصوليين، مع ذكر عبارات العلماء المختلفة والتعليق عليها، وعَقْد المقارنات بينها. لينتهي بعد ذلك إلى تعريف مختار للمقاصد. الفصل الثاني: مسيرة العمل والتعامل مع المقاصد وفيه تناول المؤلف فهم السلف لدعوة القرآن إلى كشف مقاصد الشريعة، واستشفاف حكمها، وتجلَّي ذلك في فهم أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكر نماذج للصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم التابعين، ومن بعدهم من أئمة المذاهب. الفصل الثالث: المصلحة بين العقل والنقل وتناول من خلاله مسألة هل المصلحة التي تبنى عليها الأحكام عقلية أم شرعية، وتحدث عن دوران الشريعة بين معقولية المعنى والتعبد، والتجاذب بين الكلي والجزئي. الفصل الرابع: أصناف المقاصد بيَّنَ فيه المقاصد العامة التي ترجع إليها الشريعة والمقاصد الخاصة والمقاصد الجزئية والمقاصد الكبرى، وذكر معيار الانتماء إلى المقصد الضروري، وتذبذب الانتماء لبعض القضايا بين الضروري والحاجي. الفصل الخامس: استنباط المقاصد واستخراجها ومعناه الكيفية التي يتوصل بها إلى الحكم بأن مقصد الشارع من أمر أو نهي أو أي خطاب فيه أو فعل المعصوم أو تقريره، وتطرَّق إلى قضية (بدعة الترك) على حد تعبيره، وأطال فيها الكلام. الفصل السادس: الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها ومما تناوله في هذا الفصل الضوابط الخمسة المراعاة في التعامل مع المقاصد، ومجالات الاستنجاد بالمقاصد، ليختم بالكلام عن فقه الأقليات. نقد الكتاب: يؤخذ على هذا الكتاب عددٌ من المؤاخذات، وهي وإن كان بعضها ليس من صلب موضوع المقاصد، لكن لها دلالات على المنهج الذي سلكه المؤلف، والذي وظَّف من أجله موضوع المقاصد، وسنقتصر الحديث هنا عن مسألتين فقط. الأولى: مسألة الاستغاثة وأنها مسألة خلافية. يقول المؤلف - عفا الله عنه- ص ١١٣: (فإن الاستسقاء عند القبر النبوي الشريف بتوجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بـ (استسق) لنا يعتبر بدعة فاحشة [يعني عند من يرى بدعة الترك] أوصلها بعضهم إلى الكفر، مع ورود أثر عن فعل شخص له إما صحابي أو تابعي، وإبلاغ ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ ولم ينكره). ثم ساق ما أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن مالك الدار قال: (وكان خازن عمر على الطعام، قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيون، وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس. فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال: يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه. وأخرجه البيهقي وصححه الحافظان ابن حجر في ((الفتح)) وابن كثير في ((البداية والنهاية)). وقد نازعوا بعضهم في عنعنة الأعمش بما هو معروف من الخلاف عند المحدثين في عنعنة المدلس إذا لم يكن غالبا عليه والأعمش ضابط لغلبة موافقة حديثه للضابطين ... وقالوا: إنه لو صح فإن ما فهم من أصول العقيدة ينفيه وإن الصحابة ما فعلوه وهنا يكون الإشكال بين المدرستين في ضبط ترك السلف وفي فهم ما هو عبادة لا تصرف إلا لله، وفي استعمال المجاز في الإسناد كقول عمر للنبي ﵊: هلا أمتعتنا بعامر كما في ((صحيح مسلم)) وذلك حين ترحم النبي ﷺ على عامر بن الأكوع ففهم عمر من ذلك الإشارة إلى موت عامر فقال تلك المقالة وهي في ظاهرها طلب منه النبي ﷺ أن يبقي عامرا حيًّا وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله وما رأى ﵊ ذلك منكرا فالنسب والإضافات والنوايا والطوايا هي التي تحكم في كلام الناس، ولعل الاختلاف هنا يرجع إلى مسألة الدعاء ومفهومه، بين ما يكون عبادة إذا وُجِّه إلى الباري جل وعلا، وبين ما يكون نداء إذا وُجِّه إلى غيره ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] ومفهوم حياته ﵊ في البرزخ بين حديث (حياتي خير لكم ... ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم .... ) وهو يدل على استمرار صلته بأمته وبين حديث الحوض الصحيح: (ما تدري ما أحدثوا بعدك) مما يفهم منه أنه ﵊ لم تعد له علاقة بعالم الدنيا إلى غير ذلك من البناء العقدي الذي نشأ عنه في القرنين السابع والثامن خلاف شديد يراجع في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام السبكي وغيرهما، وعلى ذلك يحمل كثير من الآثار التي وردت كقصة الأعرابي عند محمد بن عبد الله العتبي .... وحكايات أخرى كثيرة). ثم يقول ص ١١٩: (فلو منعت سدًّا للذريعة لما كان ذلك بعيدا حتى لا يقع العوام الذين يخفى عليهم، أما التكفير فهذا أمر فيه صعوبة كبيرة؛ لقيام هذه الاحتمالات، فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره). والجواب: أنه لا شك أن مسألة الاستغاثة من المسائل الكبيرة، وذلك لما يترتب عليها من مفاسد خطيرة، وعلى رأسها فتح باب الشرك بالله تعالى، والمؤلف يرى جواز الاستغاثة بغير الله من حيث الأصل ويميل إلى منعها سداً للذريعة، وفي عرضه للمسألة تهوين من أمرها، وكأن المسألة من المسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف. أما الأثر الذي نقله عن استسقاء الرجل بالنبي ﷺ وإقرار عمر له ونقل تصحيح ابن حجر وابن كثير له والاعتراض عليه بعنعنة الأعمش وأن ذلك لا يضر، فالرد عليه من عدة أوجه: ١ - في السند جهالة مالك الدار المذكور. ٢ - تفرد مالك الدار المجهول به، رغم جسامة الحادثة وشدتها. ٣ - أن فيه ذكوان أبا صالح، ولا يعلم سماعه من مالك. ٤ - مخالفة الأثر لأصول العقيدة وقد أشار هو أيضا إلى ذلك. ٥ - أنه منكر لمخالفته ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء. ٦ - أنه يخالف ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين من ترك الاستغاثة بقبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط وغير ذلك، بل كانوا يرجعون إلى الله بالعبادة والتوبة ويستغفرونه، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وهذا عمر يتوسل بدعاء العباس عم النبي ﷺ ويطلب منه ان أن يدعو الله ويستسقي لهم، ومثله معاوية مع أبي يزيد الجرشي. ٧ - أما نقله لتصحيح ابن كثير وابن حجر له، فأما ابن حجر فقد قال: (بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ... ) اهـ ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وهذا لا يمنع تعليله بجهالة مالك الدار وتفرده ولا بالانقطاع بينه وبين ذكوان. وأما تصحيح ابن كثير لسنده فلا يلزم منه تصحيح الحديث، وكل يؤخذ من قوله ويترك. وهناك ردود أخرى تُبطل الاستدلال بهذا الحديث على فرض ثبوته أعرضنا عنها اختصارًا. وأما قوله: (فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره). فنقول: إن القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم والمحي المميت، والذي يجير ولا يجار عليه إلا وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، وسبباً لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون. فالكفر لا يقتصر على اعتقاد تأثيرهم استقلالاً، بل أيضا اعتقاد أن الله أعطاهم تصرفات في أمور الكون، أو أنهم أبواب حاجة إلى الله وشفعاؤه ووسائله، قال الله تعالى عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وقال: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] مما يدل على أنهم لم يعتقدوا استقلاليتهم. وأمَّا مسألة استعمال المجاز في الإسناد، فينبغي أن نعلم أن تخريج أقوال عباد القبور المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم - على المجاز العقلي منكر كبير، مخالف لحقيقة حالهم، ويترتب على هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد؛ إذ كل من صدر منه قول شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي. والكلام في هذا الباب كثير، ودحض الشبهات التي عرضها المؤلف على أنها أدلة لأصحابها يطول، لذا نكتفي بهذا القدر. الثانية: التوسع في إعمال المقاصد والأخذ بها على حساب النصوص الصريحة، والأخذ بشواذ المسائل، وضعاف الأقوال بدعوى مراعاة المقاصد. - فالمؤلف يقرر (ص ١٧٥) أنه يمكن اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية ولو كانت مهجورة، ما دامت نسبتها صحيحة، وصادرة عن ثقة، ودعت إليها حاجة. ويطبق هذه المعايير على الرمي قبل الزوال، فيجيز الرمي قبل الزوال؛ لكثرة الحجاج والزحام مع هلاك الأنفس وتضاعف المشقة، والمقصد هو المحافظة على الأنفس والتيسير، ويقول: (النتيجة القول المرجوح جعله المقصد الشرعي راجحاً ومتعيناً، فيجوز الرمي قبل الزوال). - قدم في فقه الأقليات كما في (ص ١٨٥) مسألة جواز بقاء المرأة التي أسلمت مع زوجها حتى وإن بقي على كفره، وهو قرار المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء خلافا للمجامع الفقهية الأخرى. - قال: (والقائمة طويلة، منها: اشتراء بيوت في الغرب بقروض من البنوك اعتماداً على مذهب أبي حنيفة والنخعي، وهناك قضايا جديدة أخرى من أنواع المعاملات وجواز تهنئة غير المسلمين وعيادتهم وتعزيتهم، اعتماداً على الرواية الثالثة في مذهب الإمام أحمد والتي أيدها ابن تيمية للمصلحة كما في الإنصاف للمرداوي. ولهذا فإني أدعو إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار ثلاثي الأضلاع يقوم على فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة التي تطبعه وتقويم العناصر المستحدثة ثم البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد مع فحص درجته ومرتبة حكمه ثم إبراز المقصد الشرعي كليا أو عاما كقصد التيسير مثلا أو خاصا بالباب الذي يرجع إليه الفرع ومن خلال هذا المعيار الدقيق تصدر الفتوى وهي صناعة مركبة وليست بسيطة). انتهى كلامه. ولا شك أن فتح هذا الباب، وجعل المقاصد حاكمة على النصوص الشرعية بدعوى مقصد التيسير وغيره، يؤدي إلى مفاسد لا حصر لها، واستباحة عملية لكثير من المحرمات والمخالفات، فالعمل بالمقاصد ليس على عمومه وإطلاقه، فهو مقيد بعموم الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية، وبسائر الأبعاد العقدية والأخلاقية والعقلية المقررة، فالمقاصد أصل تابع للأدلة، وليس دليلاً مستقلًّا ومنفرداً، ثم إن هناك مقاصد أخرى غفل عنها المؤلف، ومن أهمها مقصد عبادة الله حتى وإن وقع من جراء الالتزام بها بعض المشقة، فإنه يكون ابتلاء من الله يستخرج به العبوديات من العبد، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أما المسارعة إلى تلمس الرخص طلبا للتيسير وغيره من مقاصد مظنونة في مواطن معينة فهذا المسلك فيه ما فيه، ثم إن هناك مقصداً آخر راجع إلى مصلحة العبد في الآخرة، يلزم أن يضعه الفقيه نصب عينيه، حتى يتجنب الزلل في أقواله وفتاويه. وأخيرا فهذا ما تيسر ذكره، وللاستزادة في التعرف على هذا المنهج، انظر: كتاب: ((منهج التيسير المعاصر دراسة تحليلية)) لعبد الله الطويل. كتاب: ((المبالغة في التيسير الفقهي)) لخالد المزيني. كتاب: ((الاجتهاد المقاصدي)) لنور الدين الخادمي. مقال: (أين أخطأ المقاصديون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة) لهيثم الحداد. والله نسأل أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.

стр. 1343

كتاب "الدين والسياسة تمييز لا فصل " للدكتور سعد الدين العثماني عرض ونقد (إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية) كتاب "الدين والسياسة تمييز لا فصل" هو واحد من الكتب المهمة في الساحة الشرعية السياسية، التي حاول من خلالها مؤلفها تقديم وجهة نظر شرعية أصولية لسؤال العلاقة بين الدين والسياسة، ويمتاز الكتاب بلغته السهلة والواضحة والمباشرة، مما يوسع من دائرة انتشاره وسهولة تناول أفكاره. والكتاب عبارة عن خمسة مقالات سبق وأن تم نشرها في الصحافة وعلى شبكة الإنترنت، إضافة إلى مقالة زائدة قدَّمها المؤلف لقرائه في خاتمة الكتاب، والكتاب من تأليف الدكتور "سعد الدين العثماني" والذي يحتل عدداً من المواقع السياسية في المشهد المغربي فهو الأمين السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي سابقاً، ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية حالياً، ونائب رئيس مجلس النواب للولاية التشريعية كذلك، والدكتور متخصص في الطب النفسي، إضافةً إلى حصوله على عدد من الشهادات في مجال علوم الشريعة، والكتاب بأفكاره يمثل مسألة شديدة الحضور في خطاب الدكتور العثماني، فقد حصل على درجة الماجستير في أصول الفقه ببحث (تصرفات الرسول صلى الله عليه بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية)، وله بحث منشور بعنوان (تصرفات الرسول بالإمامة: الدلالات المنهجية والتشريعية) إضافة إلى عدد من المحاضرات والندوات وبعض المشاركات الفضائية التي تصب جميعاً في هذه المسألة. عرض الكتاب: الكتاب كما سبق عبارة عن ستة مقالات، وهي على النحو التالي: - المقالة الأولى: تصرفات الرسول بالإمامة أو طبيعة الممارسة السياسية في الإسلام: وهي تبحث في تصرفات النبي ﷺ السياسية في محاولة لتمييزها عن تصرفاته الدينية، قدَّم لها بجملة من التنويهات الأولية حول واقع الحركات الإسلامية، ليدخل بعدها لبحث التصرفات النبوية وأنواعها، فقسمها إلى: - تصرفات تشريعية. - وتصرفات غير تشريعية. وجعل تحت كل قسمٍ تقاسيم وأنواعاً، ليبني عليها حكم تصرفات النبي ﷺ بمقتضى إمامته، والذي جعل له أربع سمات: ١ - تصرفات تشريعية خاصة: فهي تصرفات مرتبطة بتدبير الواقع وسياسة المجتمع، وهي خاصة بزمانها ومكانها وظروفها، فليس لها صفة الشرع الملزم إلى يوم القيامة. ٢ - تصرفات مرتبطة بالمصلحة العامة: فتصرفاته ﷺ يراد منها تحقيق المصالح العامة وتنميتها وتكثيرها. ٣ - تصرفات اجتهادية: فهي تصرفات ناشئة عن اجتهاد النبي ﷺ بوصفه إماماً وقائداً، لا باعتباره نبيًّا يصدر عن الوحي. ٤ - تصرفات في أمور غير دينية: وقد بيَّن المؤلف أن الدين له إطلاقان: إطلاق عام يشمل سائر تصرفات المكلف، وإطلاق خاص في مقابل الدنيا، ومقصوده بالدينية في هذه السمة إنما هو معنى الدين الخاص، ليجعل من سمات التصرف النبوي بوصف الإمامة أنها تعمل في مجال الدنيا لتحقيق مصالحها لا في مجالا الدين. بعد ذلك بحث المؤلف على نحو مختصر عدداً من المسائل أهمها: - الدولة في الإسلام دولة مدنية. -وثيقة المدينة: أول دستور للمواطنة في الإسلام. -خلاصات في قضايا الإصلاح السياسي. -المرجعية الإسلامية. -تصور حزب العدالة والتمنية في المغرب. المقالة الثانية: التصرفات النبوية الإرشادية سمات ونماذج تكلم فيها عن عطاءات العلماء في تمييز مقامات التصرف النبوي، ثم فصل الكلام على تصرفات النبي ﷺ الإرشادية، وهي كما عبر: (التي ترشد إلى الأفضل من منافع الدنيا خاصة)، وضرب لهذا النوع جملة من الأمثلة على نحو مفصل، وبحث المسألة من كلام الأصوليين، وحدَّد لهذه التصرفات أربع سمات وهي: ١ - أنها مطلوبة لمصالح الدنيا لا لمصالح الآخرة. ٢ - أنه لا قربة فيها ولا ثواب من جهة الأصل، إلا أن تكون على وجه الاتباع. ٣ - أنه لا حرج في عدم الامتثال لها. ٤ - أنها لا تسمى سنة بالمعنى الذي استعمله الصحابة والعلماء في القرون الخمسة الأولى. المقالة الثالثة: الدين والسياسة تمييز لا فصل وهي المقالة التي اكتسب الكتاب عنوانه من عنوانها، وهي المحاولة التي قدَّمها المؤلف لبحث الصلة بين الديني والسياسي، ففصل الكلام حول معنى الدين وإطلاقاته في الكتاب والسنة، وخلص إلى أن له اطلاقين: - عام يشمل مختلف أوجه نشاط المسلم. - خاص وهو التعبدي من الدين مقابل العادات أو الدنيا. ثم بحث مسألة التمييز بين الدين والدنيا في نصوص العلماء، وعرض لنماذج من التجربة التاريخية الإسلامية، ليخلص بعد ذلك إلى تمايز الدين والسياسة كجواب على سؤال صلة الدين بالسياسة، فلا هو اتصال به بإطلاق، ولا هو منفصل عنه بل هو متمايز عنه، وهذه المقالة تشترك مع المقالتين السابقتين في عدد من النقاط. - المقالة الرابعة: حزب العدالة والتنمية تفاعل خطابي الهوية والتدبير: ويحاول أن يبين علاقة الحزب بالمرجعية الإسلامية، فابتدأ الكلام عن جذور تجربة الحزب، وبيَّن طبيعة عمله، وأنه ليس حركة دينية ولا دعوية، بل هو حزب سياسي مدني ذو مرجعية إسلامية، ثم فصل الكلام عن معنى هذه المرجعية وتطبيقاتها في الواقع على: - مستوى البرنامج السياسي. - مستوى الخطاب. - مستوى الشعارات المرفوعة. - العضوية والشروط. - برامج التكوين. - في العلاقة مع المواطنين والناخبين. المقالة الخامسة: حزب العدالة والتنمية بين الهوية والمرجعية: وهي مقالة مختصرة لتقديم جملة من الإجابات على بعض الإشكالات التي خلَّفها المقال السابق، وتدور تلك الإشكالات كما بيَّن المؤلف على أمرين: - أن الطرح تشبث بثنائية مزعومة بين الهوية والتدبير. - أن الحزب بدون الدفاع عن قضايا الهوية يناقض منطلقاته، وسيفقده الكثير. ويدور جواب المؤلف على ضرورة التمييز بين الهوية والمرجعية. المقالة السادسة: تمييز الديني والسياسي عند الأستاذ محمد عبده: وهي مقالة تنزل فكرة مقالة "الدين والسياسة تمييز لا فصل" على مشروع محمد عبده الفكري السياسي، ابتدأه بالتعريف بمحمد عبده وسياقه الزمني، ثم فصَّل الكلام على مفردات الفكر السياسي لدى محمد عبده، مبرزاً فكرة التمييز بين مقام الدين والسياسة من خلال فكره في جملة من المفردات والتطبيقات أهمها: - نفي وجود السلطة الدينية في الإسلام. - الحاكم في الإسلام حاكم مدني. - الوظائف الدينية ليست سلطات تمارس على الناس. - التمييز بين الرابطة الدينية والعقدية والرابطة السياسية. - عدم وجود شكل محدد لممارسة الحكم في الإسلام. - رفض استبداد الحكام، وطلب تقييد تصرفاتهم بالقانون. النقد: الكتاب وأفكاره جديرة بمناقشة مفصلة خصوصاً وأن كثيراً منها يراد أن يكون موضع التفعيل في الساحة السياسية مع التغيرات التي هبت على الوطن العربي بثوراته الأخيرة، وهذه بعض الملاحظات المختصرة على شيء مما اشتمل عليه الكتاب من ملاحظات: العلمانية بمفاهيم أصولية: أخطر ما في الكتاب أنه يجسر الهوة بين الإسلام والعلمانية، ويفتح الباب لقارع العلمانية للولوج للحياة السياسية بوجه شرعي، ويقدم الغطاء الشرعي الأصولي اللازم للخطاب العلماني، ففي علاقة الدين بالسياسة مستويان من الشريعة الملزمة: - القيم العامة مثل العدل، الصدق، الوفاء .. الخ. - والأحكام الجزئية التفصيلية مثل إقامة الصلاة، تحريم الربا، إقامة الحدود .. الخ. فعلى مستوى القيم الإسلامية العامة لا توجد مشكلة حقيقية لدى أكثر العلمانيين معها، بل هم يؤكدون دوماً على عظمة الجوهر الأخلاقي في الإسلام، وإنما أزمة العلمانية مع الإسلام غالباً ما تكون على مستوى إلزامية الأحكام الجزئية على المستوى التشريعي والقانوني، فهل هذه التشريعات ملزمة للسياسي؟ أم هي أحكام تاريخية مربوطة بظروفها المكانية والزمانية؟ أم هي مرتهنة بالمصلحة تتحرك وفقها بحسب ما يراه السياسي؟ فالعلمانيون يدعون إلى رفع الإلزامية التشريعية القانونية للأحكام القرآنية والنبوية، وهو حقيقة مفهوم (فصل الدين عن الدولة)، بخلاف الإسلاميين الذين يرون وجوب هيمنة الأحكام الشرعية على النظام السياسي، وأن هذه الأحكام لها صفة الإلزامية التي يجب على الدولة رعايتها، والإلزام بها في الواقع. فما ورد به النص من شأن السياسة فهو في دائرة الملزم شرعاً، وما لم يرد به النص فهو مجال اجتهاد السياسي المرهون بالمصلحة المعتبرة، فالتصرف على الرعية منوط بالمصلحة. هذا التمهيد ضروري جدًّا لمعرفة موقع الدكتور سعد الدين العثماني من هذه القضايا، فأما على: - مستوى القيم الدينية العامة فالدكتور يصرح بأن (الدين حاضر في السياسة كمبادئ موجهة، وروح دافقة دافعة، وقوة للأمة جامعة، لكن الممارسة السياسية مستقلة عن أي سلطة باسم الدين أو سلطة دينية) ص٣٢، وكرَّر العبارة نفسها ص١١٣. - أما على مستوى الأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بالمجال السياسي فهي عند الدكتور خارج دائرة الإلزام فهو يقول: (ومن جهة أولى لا يمكن بأي حال من الأحوال فرض قانون على المجتمع. وإذا كان الإسلام يقرر أن ﴿لا إكراه في الدين﴾، والذي يعني أن الإيمان نفسه لا يجوز إكراه أي كان عليه، فمن باب أولى أن ينطبق الأمر على ما دون الإيمان في شعائر الإيمان وشرائعه. ومن جهة ثانية فإن إيمان المؤمن بوجوب أمر ديني عليه لا يعطيه الحق بفرضه على الآخرين، فهو مكلف به ديناً. وذلك لا يكفي لجعله قانوناً عامًّا في المجتمع، بل عليه أن يحاول إقناع الآخرين به حتى يتبناه المجتمع بالطرق الديمقراطية، فلا يمكن أن تعطى سلطة أو يعطى حاكم حق فرض أحكام على الناس بأي مسمى كان) ص٤٠. ويقول متحدثاً عن مهمة الدولة: (ليس من مهمة الدولة أو أي جهة سياسية التدخل في شؤون اعتقاد الناس، وفرض تصورات أو اجتهادات دينية معينة عليهم، بل مهمتها تدبير الشأن العام في إطار نظام القيم العامة للمجتمع) ص٤١. فدائرة الفرض والإلزام متعلقة بدائرة القيم العامة دون التفاصيل التشريعية، وإنما تدخل هذه حيز الإلزام بالإرادة الشعبية، وفق آليات الديمقراطية التي يقع عليها توافق اجتماعي. هذا التصور الذي طرحه الدكتور لعلاقة الديني بالسياسي يتقاطع بشكل كبير مع كثير من الأطروحات العلمانية، الأمر الذي لفت نظر بعض الكتاب حتى وصفه أحدهم بأنه يقدم العلمانية بمفاهيم أصولية، ووصفه آخر بأنه إسلامي ونصف علماني، بل الدكتور نفسه واعٍ تماماً لحالة التقارب هذه مع الحالة العلمانية فيقول في أحد حواراته: (هُناك علمانية أقرب ما تكون إلى التصور الإسلامي) بل قال في أحد مناظراته التلفزيونية ما هو أصرح في بيان حالة التقارب هذه: (أقول: إن العلمانية ليست شيئاً واحداً، هناك علمانية متطرفة ضد الدين تريد إقصاءه فعلاً من الحياة، بحيث يصبح ممارسة معزولة في كنيسة أو في مسجد، هذا نموذج معين من العلمانية، وهناك العلمانية التي تعني تسيير المجالات الدنيوية انطلاقاً من الموضوعية والبراغماتية، وهذا النوع له وجود معين في الإسلام، فالرسول ﷺ جاء إلى المدينة، ووجد سكانها يلقحون النخل فقال: (لو تركتموه لأثمر) فتركوه، فلم يثمر، فلما جاؤوه وحكوا له الأمر قال: (ما كان في أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فشأنكم). فميَّز بين مجالين، وهذا فكر موجود في الإسلام، وبهذا النص وبنصوص أخرى على أساس أن المجال الدنيوي بناء على هذا التعريف يجب أن يكون مبنيًّا على الاجتهاد البشري، وعلى الفكر اختيار أحسن وأفضل الوسائل لتنظيمه واستثماره واستفادة الإنسان منه على أساس معقلن، إذ كانت العلمانية تعني كل هذا في إطار المرجعية الإسلامية العامة التي هي الإطار العام المنظم، فهذا الإطار المرجعية الإسلامية العامة، التي هي الإطار العام المنظم، فهذا الإطار المرجعي الإسلامي العام هو الذي يجعل هذا المجتمع في نظامه مسلماً، هذا هو الإطار العام وداخله المجالات الدنيوية بأقصى درجات الاجتهاد والعقلانية والابتكار والفكر). - تفريغ السنة النبوية من مصدرية الوحي في المجال السياسي: ليس الإشكال في فكرة تقسيم التصرفات النبوية، وبيان ما يتعلق بهذه التصرفات من أحكام، وقد جرى الأصوليين فعلاً على التنبيه على صور وأشكال التصرفات النبوية، وبيان ما كان منها واقعاً للتشريع، وما وقع منها بمقتضى العادة أو الجبلة أو الاجتهاد .. إلخ وبيان درجة كلٍّ من الاقتداء والالتزام، لكن المشكلة اللافتة للنظر أن هذه المسألة الأصولية أضحت منطلقاً عند البعض لتفريغ السنة النبوية شيئاً فشيئاً من دائرة الإلزام الشرعي، ليتسع مع الزمن مجال السنة غير التشريعية على حساب التشريعية، وليغدو للناظر بعد مدة، وكأن الأصل في سنة النبي ﷺ عدم التشريع، فمن قائل أن أقوال النبي ﷺ في المجال الطبي جميعاً خارجة عن إطار الوحي، إلى إجراء الحكم نفسه على تصرفات النبي ﷺ السياسية، يقول الدكتور العثماني: (تصرفات الرسول بالإمامة ليست ملزمة لأي جهة تشريعية أو ذات سلطة، ولا يجوز الجمود عليها بحجة أنها (سنة)، وإنما يجب على كل من تولى مسؤولية سياسية أن يتبعه ﷺ في المنهج الذي هو بناء التصرفات السياسية على ما يحقق المصالح المشروعة) ص٢٨، ويقول: (ومن ثم فهي ليست شرعاً عامًّا ملزماً للأمة إلى يوم القيامة. وعلى الأئمة وولاة الأمور بعد الرسول ﷺ ألا يجمدوا عليها، وإنما عليهم أن يتبعوه ﷺ في المنهج الذي بنى عليه تصرفاته، وأن يراعوا المصالح الباعثة عليها، والتي راعاها النبي ﷺ زماناً ومكاناً وحالاً، وهو الأمر الذي عبَّر عنه القرافي بأن هذا النوع من التصرف النبوي (لا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن من إمام الوقت الحاضر؛ لأنه ﷺ إنما فعله بطريق الإمامة ولا استبيح إلا بإذنه) ص١٩. والمؤلف يتكئ في هذا التقرير على كلام للإمام القرافي في كتابه الفروق والذخيرة والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ويظهر احتفاءً كبيراً به فيقول: (وهكذا يكون القرافي قد دشن مرحلة جديدة في التعامل مع التصرفات النبوية والتمييز بين أنواعها، وبقي من بعده عالة عليه فيها بدون منازع) ص٥٢. والحق أن القرافي عليه رحمة الله ما أراد أبداً تقرير ما ذهب إليه العثماني من إخراج (التصرفات السياسية) من دائرة الوحي والتشريع، وذلك لاعتبارين: ١ - أن القرافي إنما يتكلم في تمييز تصرفات النبي ﷺ باعتبار مقاماته إماماً وقاضياً ومفتياً وهكذا، وتصرفات النبي ﷺ باعتبار إمامته أضيق دائرة من مطلق خطابه في مجال السياسة، فإخراج الخطاب النبوي السياسي من دائرة التشريع مطلقاً اتكاء على تمييز مقام الإمامة وتحميل ذلك الإمام القرافي خطأ بيِّنٌ. ٢ - أن القرافي لا يخرج تصرفات النبي ﷺ بمقتضى إمامته من دائرة التشريع مطلقاً، وإنما يجعل أحكامها مختصة بالأئمة، فما كان منها واجباً فهو واجب عليهم، وما كان مباحاً فمباحٌ وهكذا. ٣ - أن العثماني جعل مستند التصرف السياسي هو المصلحة الراجحة أو الخالصة فقط، وما من شك أن من التصرف السياسي ما يكون كذلك، ولكن منه ما يكون مأخذه النص والخبر. - حديث: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)): يستدل الدكتور في تقرير المعاني السابقة بحديث تأبير النخل الشهير، وهو واحد من أكثر الأحاديث حضوراً في الخطاب العلماني، حتى قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥): (وهذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر، وصنائع أوربا فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحاجون به أهل السنة). وقصة تأبير النخل أخرجها الإمام مسلم من حديث غير واحد من الصحابة ﵃: ١ - من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: "مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا " قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -بِذَلِكَ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا. فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ؛ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ". (٢٣٦١) ٢ - ومن حديث رافع بن خديج ﵁ قال: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا. (٢٣٦٢) ٣ - ومن حديث أنس- ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ. (٢٣٦٣) ومناقشة هذا الحديث تفصيلاً والرد على من يجعله أصلاً في إخراج الأقوال والأفعال النبوية المتصلة بشأن الدنيا عن دائرة التشريع مما يطول، لكن أذكر ما يلي مختصراً: ١ - أن مثل هذا التوسع في رد السنة مخالف لهدي أهل العلم وفهمهم لهذا الحديث، فقد بوب الإمام النووي عليه بقوله: "باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي". وقال في شرحه: (قال العلماء: قوله ﷺ "من رأي" أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على سبيل التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله ... قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظنًّا، كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها والله أعلم) شرح مسلم للنووي ١٥/ ١١٦. ٢ - أن الأمور التي يقال فيها: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) هي تلك الأمور التي لم تتناولها الأدلة الشرعية تناولاً عامًّا أو تناولاً خاصًّا، والعبارة لها مناسبة، وجاءت في شأن خاص- تأبير النخل- فما جرى مجراه من شأن الدنيويات فهو إلى البشر ككيفية شق الأنفاق وبناء المصانع ورصف الطرق ... الخ فالأصل في هذه أنها داخلة في دائرة المباح الشرعي وموكولة إلى أهل الخبرة في شؤونها، ولا يفتش فيها عن الأدلة الشرعية الخاصة لمعرفة التفاصيل الفنية المتعلقة بها. ٣ - أن الأصل في كل ما تناولته النصوص الشرعية -ولو كان متعلقاً بأمر الدنيا أو المعاش أو السياسة أو غيره- أن يكون على سبيل التشريع إلا أن يدل الدليل أو القرينة على خلاف ذلك، والأدلة الشرعية الدالة على هذا الأصل أكثر من أن تذكر، فمنها: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، وقال ﷺ : (فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧)، وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، َ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ). رواه البخاري (٦٦٠٤). ويتأيد هذا الأصل بالتصرفات العملية للصحابة حيال التصرفات النبوية، فقد تركوا ﵃ تأبير النخل، رغم خبرتهم السابقة بأهمية ذلك التلقيح، وإدراكهم أنه أمر من أمور المعايش الدنيوية، وهذا يؤكد أن الأصل عندهم أن أقوال النبي ﷺ إنما هي للتشريع ما لم تأت قرينة بخلاف ذلك لا العكس، ويؤكد هذا الأصل خبر نزول النبي ﷺ ببدر، ورغبة النبي ﷺ في مصالحة هوازن على ثمار المدينة في الخندق، وما جرى من الصحابة في هذه الوقائع وغيرها. ٤ - من تأمل في حديث تأبير النخل ظهرت له بجلاء قرائن في الحديث تفيد خروجه عن دائرة التشريع، فلا يصح أن يجعل أصلاً لعزل الجانب التشريعي عن مجالات الحياة، فالرسول ﷺ -كما هو بيِّنٌ في الحديث -لم يأمرهم أمراً مطلقاً، أو لم ينههم نهياً مطلقاً -أي بعبارة أخرى لم يكن ما صدر منه على سبيل التشريع- وألفاظ الحديث ورواياته المتعددة تدل على ذلك، وإن كان من سمع هذا الموضوع من الصحابة ﵃ قد غلبوا جانب التشريع وتوهموا ذلك. فقد جاء في ألفاظ الحديث ورواياته: (ما أظن يغني ذلك شيئاً) وجاء (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً)، مما يبين أن الرسول ﷺ يتحدث عن ظن أو خبرة دنيوية لا علاقة لها بالتشريع، ولذلك لما غلَّب بعض الصحابة ﵃ جانب التشريع في ذلك، بيَّن لهم الرسول ﷺ أنه لم يرد ذلك، وأن كلامه السابق لا يدل عليه، ولذلك قال لهم معقباً على تصرفهم إزاء مقالته السابقة: (فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن) وقال: (إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر)، وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم). فالروايات كلها في مبتداها ومنتهاها متضافرة على أن ما ذكره الرسول ﷺ للصحابة كان من قبيل الرأي المتعلق بأمور المعاش القائم على الخبرة البشرية التي قد يتاح منها لبعض الناس ما لا يتاح لغيرهم، ولم يكن كلاماً على سبيل التشريع. ومن كل ما تقدم يتبين أن قوله ﷺ : (أنتم أعلم بأمر دنياكم). لا يتعارض مع النصوص الشرعية التي جاءت متعلقة بأمور الدنيا، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يستفاد من ذلك الحديث أن جميع المسائل المتعلقة بالنظام السياسي هي من الأمور المتروكة للبشر، وذلك لأن النظام السياسي جاءت في شأنه نصوص شرعية من الكتاب والسنة، عامة وخاصة، تبين وتفصل الأحكام المتعلقة به فما جاءت به النصوص فواجبٌ التزامه، وما لم تأت به النصوص فالأصل إباحته والأصل في الشأن السياسي هو السعي لتوسيع دائرة المصالح وتقليل المفاسد بحسب الممكن. -المصطلحات الملبِّسة: جاء في الكتاب تقرير جملة من الأحكام بجملة من المصطلحات، وبعض هذه المصطلحات إما أن يكون مجملاً أو وافداً يحمل في طياته حمولة فكرية للبيئة التي ولدت فيها، وبالتالي فجعلها موضع قبول بإطلاق فيه قدر كبير من الإشكال، فمن الأمثلة التي جاءت في الكتاب (الدولة المدنية، القانون المدني، الديمقراطية، المواطنة) فهذه جميعاً جاءت في الكتاب كصيغ مقبولة في النظام السياسي الإسلامي ولا يخفى أن هناك كتابات متعددة في مناقشة هذه المفردات وبيان ما يحتف بها ويندرج فيها من مفاهيم مشكلة في التصور الإسلامي، ولست بصدد المناقشة تفصيلاً لكل مصطلح فإنه طويل، وإنما التنبيه إلى أصل إشكال استيراد هذه المصطلحات وبثها وجعلها معبرة عن التصور الإسلامي للنظام السياسي.

стр. 1344

أدلة إثبات أن جدة ميقات للشيخ عدنان العرعور عرضٌ ونقد كتاب هذا الشهر يتناول مسألة من مسائل الحج تتعلق بالمواقيت، وهي الخلاف في اعتبار مدينة جدة ميقاتا، وكاتبه هو الشيخ الفاضل عدنان العرعور الذي انتهى إلى اعتبار جدة ميقاتا، وهذا الكتاب وإن كان قد صدر منذ فترة إلا أن الخلاف في المسألة ما زال باقيا، لذا سنعرض محتوى هذا الكتاب، ونذكر أهم ما أُخذ عليه. أولا: عرض الكتاب: بعد أن قدم المؤلف بين يدي كتابه بمقدمة، بيَّن فيها أن هذا البحث هو اختصار لبحث مطول، أودع فيه من التفاصيل الدقيقة التي يصعب تناولها من عموم المسلمين، لذا عمد إلى اختصاره في رسالة لا تتجاوز ستين صفحة. وذكر أن المسألة ليست اجتهادية بقدر ما هي تطبيقية، وأنها لا تتعدى معرفة المعنى الصحيح للمحاذاة، وإنزاله على الواقع. بعد المقدمة ذكر بعض الاصطلاحات المستخدمة في رسالته كالقاصد والميقات الأصلي والإضافي إلى غير ذلك مبينا تعريفها. وتحت عنوان (بين يدي المواقيت) ذكر المواقيت المحددة شرعا ومدى بعدها عن مكة. لينتقل بعد ذلك إلى ذكر بعض أحكام المواقيت والمقصود منها، فذكر سبعة أمور منها: أن المواقيت نقاط لإعلام القاصدين ببدء النسك ووجوب الإحرام منها، وأنها موزعة حول الحرم ليتشكل منها محيط المواقيت، وأنه ليس لها قدسية خاصة لذاتها، لذا تكلم عن جواز الإحرام مما يحاذي هذه المواقيت، وقسم المواقيت إلى قسمين أصلية وإضافية، ثم تكلم عن عدد المواقيت الإضافية وأنها بعدد النقاط المحاذية للمواقيت الأصلية. ثم تكلم عن أهمية تحديد المحاذاة، والدليل على جواز الإحرام من المحاذاة، وبيَّن معنى المحاذاة، وأنها تتحقق بوقوع الموضع بين مكانين وعلى خط واحد، وأيضا بمجاورة المكان أو الملاصقة له، وكذلك بكون مسافة الموضع من مكة تساوي أقرب المواقيت إليه. ثم تكلم عن كيفية تحديد محيط المواقيت، وقام بتطبيق معنى المحاذاة على الساحل الغربي. وذكر الشيخ أدلة ستة على أن جدة محاذية وهي: ١ - أنه بوصل خطوط بين المواقيت نجد أن جدة تقع على هذا المحيط. ٢ - مساواة مسافة جدة عن مكة مع أقرب ميقات لها. ٣ - اتفاق أهل العلم أن من لم يدرك المحاذاة يحرم من مسافة مرحلتين. ٤ - أنه لا محاذاة في البحر البتة. ٥ - أن كل بقعة على سطح الأرض لا تخلو من ثلاث حالات: * إما أن تكون داخل المواقيت. * أو خارج حدود المواقيت. * أو واقعة على المحيط نفسه. أما الحالة الأولى: فيعني هذا الزيادة على مسافة المحاذاة وهذا مردود شرعاً وواقعاً. وأما الحالة الثانية: فلا يقول بها أحد. وأما الحالة الثالثة: فهي المتعينة فتكون جدة ميقاتاً. ٦ - قياس القادمين من الغرب على القادمين من الشرق. ثم ذكر الشيخ من قال بهذا من أهل العلم، وتكلم عن حكم من مرَّ من ميقات إلى ميقات آخر ثم أحرم منه، ثم ذكر مسألة مِن أيِّ مكان من جدة يحرم القاصد، وقد أصبحت مدينة كبيرة. هذا هو مضمون هذه الرسالة وأهم ما ورد فيها. ثانيا: النقد: فكرة الكتاب تقوم على إثبات أن مدينة جدة تعتبر من المواقيت؛ لأنها تحاذي أقرب المواقيت إليها، وعلى اصطلاح المؤلف من المواقيت الإضافية، وقد أصَّل لذلك بالكلام عن المحاذاة ثم سرد الأدلة على أن جدة محاذية، وسنذكر بعض المؤاخذات على ما ذكره مما نبه عليه أهل العلم: ١ - القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها بالمحاذاة صحيح، لكن حَد المحاذاة الذي ذكره المؤلف لا يسلم بإطلاق، فتفسيره للمحاذاة بكون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد، فهذا غير مسلم لغة وشرعاً وذلك للآتي: * أن كلمة (حذا) في اللغة لا تدل على تسمية المكان الواقع بين مكانين محاذياً. * أنه حتى لو صح هذا المعنى لغة، فإنه لا يصح شرعاً؛ لأنه سيؤدي إلي أنَّ أي مكان واقع بين مكة والمدينة يسمى محاذياً للمواقيت، فيجوز الإحرام منه؛ لأنه يصدق على مكة اسم مكان كما يصدق هذا الاسم على المواقيت أيضا. * أن هذا التفسير للمحاذاة وهو كون المكان واقعاً بين ميقاتين على خط واحد مخالف لتفسير أهل العلم، وفي وضع هذا الخط المحيط بالمواقيت ربط للمحاذاة بميقاتين وليس بميقات واحد، وهذا خطأ واضح في فهم المحاذاة. ٢ - تفسير المحاذاة بكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساوية فصحيح، إلا أن تنزيله على مدينة جدة وكونها محاذية للجحفة أو يلملم غير صحيح، وذلك لأن مسافتها عن الحرم متفاوتة وليست سواء، فمسافة جدة عن الحرم تقارب سبعين كيلاً، بينما مسافة الجحفة عن مكة تقارب مائة وسبعة وثمانين كيلاً، ومسافة يلملم عن مكة أربع وتسعون كيلاً، فكيف نقول بالمحاذاة وهي تساوي بعد المكانين عن الحرم مع هذا التفاوت الظاهر، كما أن جدة تقع في جهة أخرى غير جهة يلملم. ٢ - قوله: إنه لا محاذاة في البحر البتَّة. يجاب عنه: بعدم التسليم بأنه لا محاذاة في البحر فهذا مخالف لما ذهب إليه كثير من أهل العلم من وجوب الإحرام على من كان البحر طريقه إلى مكة إذا حاذى الجحفة أو يلملم, بل المحاذاة حاصلة لمن كان البحر طريقه ولا تتعذر المحاذاة في البحر، كما أننا نقول بأنه لا ميقات في البحر، ولكن يمكن محاذاة ميقات الجحفة ويلملم، وهما قريبان من البحر وليست محاذاتهما متعذرة للقادم من الشمال أو الجنوب. ٣ - استدلاله بأنَّ مدينة جدة لا تخلو: إما أن تكون داخل المواقيت أو خارجها أو تقع على المحيط نفسه. وأن الحالة الثالثة هي المتعينة فتكون جدة ميقاتاً. فيجاب عنه: بأن هذا التقسيم قائم على تفسير أصحاب هذا القول للمحاذاة، وإثباتهم أن جدة محاذية لميقاتي الجحفة ويلملم، وهذا قد أجبنا عنه، ومدينة جدة واقعة داخل المواقيت، وليست محاذية لأحدها؛ لكونها أقرب إلى مكة من ميقاتي الجحفة ويلملم، ولذا فالواجب على القادم من الشام ومصر برًّا وبحراً وجوًّا الإحرام من الجحفة أو ما كان حذوها، وكذا القادم من اليمن سواء كان ذلك برًّا أو بحراً أو جواً فإنه يحرم من يلملم. ٤ - قوله: (إذا عرف هذا وفهم ما قد سلف من المقصود من المواقيت وأن ليس لها قدسية في ذاتها وأنها للإحاطة والإعلام عرف أنه لو تجاوز متجاوز ثم رجع إلى ميقاته أو إلى ميقات آخر ثم أحرم منه فلا شيء عليه). وقوله: (إذ المقصود ألا يتجاوز القاصد المحيط إلا محرما من أي نقطة شاء). واحتج أن ابن عمر أحرم من الفرع وعائشة أحرمت من الجحفة وهذا لا يكون إلا بعد مجاوزة ذي الحليفة أو مجاوزة محاذاتها. وذكر أنه وقف على فتوى للشيخ ابن باز تؤيد ذلك. قوله هذا فيه نظر، فقوله ﷺ : ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) يفيد وجوب الإحرام من هذه المواقيت لأهل تلك الجهات ومن مر عليها من غير أهلها، فلا يجوز تجاوزها دون إحرام فإن جاوزها وجب الرجوع إليها والإحرام منها، أفتى بذلك: ابن عباس وابن الزبير وعليه الجمهور. أما احتجاجه بما ورد عن ابن عمر وعائشة وأنه لا يمكن لأهل المدينة أن يحرموا إلا من هذين المكانين فقد أجاب عن أثر ابن عمر وعائشة الإمام أحمد بأنهما خرجا من مكة إلى الجحفة للإحرام منها ولم يكتفيا بالخروج إلى التنعيم ولم يكن خروجهما من المدينة كما ظن الشيخ. وأما قوله: (لا يمكن لأهل المدينة أن يحرموا إلا من هذين المكانين). فيجاب عنه بأن هناك طرقا متعددة تسلك بين مكة والمدينة، يقول ابن قدامة: (فإن مَن مرَّ مِن غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة). أما ما ذكر عن ابن باز فلا يدل على ما ذهب إليه، وقد صرح الشيخ بغير ذلك في إحدى فتاويه فقال: (يلزمهم أن يعودوا إلى ميقاتهم إذا كانوا قادمين للحج أو العمرة، ولا يجوز لهم تجاوز الميقات بدون إحرام؛ لأن الرسول ﵊ لما وقت المواقيت لأهل المدينة والشام ونجد واليمن وغيرهم قال: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة)) فلا بد أن يحرموا من الميقات الذي يمرون عليه إذا كانوا قاصدين الحج أو العمرة فيحرموا منه، فإذا تجاوزوه فإن عليهم الرجوع إليه، فإن تجاوزوه ولم يرجعوا وأحرموا بعده لزمهم دم، وهكذا إن عجزوا عن الرجوع إليه أحرموا من مكانهم وعليهم دم). وبذلك أفتى أيضا الشيخ ابن عثيمين فقال: (وهذه المسألة التي ذكرها السائل أنه تجاوز الميقات بلا إحرام حتى وصل مكة ثم قيل له: ارجع إلى أقرب ميقات فأحرم منه، نقول له: إن هذه الفتوى ليست بصواب، وأن عليه أن يذهب إلى الميقات الذي مر به؛ لأنه الميقات الذي يجب الإحرام منه، كما يدل على ذلك حديث عبد الله ابن عباس ﵄ الذي أشرنا إليه آنفاً. يعني حديث: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة)). انتهى كلامه. هذا بعض ما تيسر نقله مما أخذ على هذه الرسالة، وقد قام بالرد عليها غير واحد من أهل العلم، منهم الشيخ ابن باز وهيئة كبار العلماء، ومن أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إلى: (توضيح المبهمات في مسألة كون جدة ميقات) كتاب (جدة داخل المواقيت ولن تكون ميقاتا لغير أهلها) كتاب (المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة) كتاب (النوازل في الحج) والله الهادي إلى الصواب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1345

كتاب فقه العصر (مفهوم أهل السنة والجماعة- البدعة وأحكامها - صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية) لمحمد بن الحسن الددو عرضٌ ونقد كتاب هذا الشهر للشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي، وأصله عبارة عن تفريغ لخمس حلقات من برنامج (فقه العصر) والذي كان قد أذيع من خلال أحد القنوات الفضائية، وقد حاوره الدكتور عادل بن أحمد باناعمة، واعتنى بالكتاب الدكتور علي بن حمزة العمري، وفيما يلي بيان أهم ما احتوى عليه الكتاب، وأهم المآخذ عليه. أولا: العرض المجموعة الأولى من فقه العصر اشتملت على ثلاثة محاور رئيسة: الأول: مفهوم أهل السنة والجماعة ودار الكلام فيه حول مفهوم كلمة السنة وإطلاقاتها، وتعريف كلمة الجماعة وبيان أصلها وعلاقتها بالسواد الأعظم. ثم تكلم عن حديث الافتراق والطائفة المنصورة والناجية، وهل تعد الجماعات الإسلامية المعاصرة من الفرق أم لا؟ إلى غير ذلك. الثاني: البدعة وأحكامها وتناول فيه عددًا من المسائل منها: الحد الشرعي للبدعة، ومدى إمكانية حد البدعة بحد جامع مانع، ينتهي به الخلاف، ويجتمع عليه الناس، وهل يصلح إطلاق أن كل ما لم يفعله الرسول ﷺ يعتبر بدعة؟ وهل يصلح إطلاق أن البدعة شر من المعصية؟ ومعنى أن المبتدع لا توبة له، وكذلك تكلم عن بعض المسائل التي اختلف الناس في بدعيتها كختم القرآن والسبحة وغير ذلك. الثالث: صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية تكلم في هذا المحور أولًا عن كلمة المحاضر من الناحية اللغوية وتعريفها، وأعطى لمحة تاريخية عن العناية العلمية في شنقيط، وتكلم أيضا عن الأدوات التي يستخدمها الطلاب في التعلم، وذكر بعض الحكايات في المحاضر الموريتانية وبعض من تخرج على هذه المحاضر وعجائب حفظهم وعلمهم، ثم ألقى الضوء على المحضرة ومدة الدراسة فيها، مع ذكر نموذج من إحدى المحاضر، وكيف كانت تتم فيه الدراسة، وبيَّن بعض طرق الحفظ إلى غير ذلك. ثانياً: النقد ١ - ذكر أن مصطلح الجماعة ظهر عندما أصبح جمهور المسلمين وسوادهم الأعظم مع الخليفة لذا سموا جماعة ثم قال (ص ١٦): وهذا الإطلاق الآن لمصطلح الجماعة لم يعد وارادًا، وكثير من الناس تعودوا على إطلاق السنة مع الجماعة وظنوا أن السنة والجماعة مصطلح واحد يطلق على الناجين ... وأما لفظ الجماعة بمعناه الاصطلاحي فبعيد جدا عن زماننا وواقعنا. وبيان ذلك أن الجماعة ... تطلق على السواد الأعظم من المسلمين الملتزمين بالسنة المنضوين تحت راية الخليفة وقد عدم الخليفة الجامع اليوم. والجواب: أن ما ذكره الشيخ فيه قصور واضح، وذلك لأن لفظ الجماعة إذا ذكر مع السنة فقيل: (أهل السنة والجماعة) كان المراد به سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة رسوله. أما الأحاديث التي أوجبت الالتزام بالجماعة وعدم الخروج عليها، فقد ذكر العلماء فيها عدة أقوال منها: - أن الجماعة المراد بهم الصحابة دون من بعدهم. - أنهم أهل العلم والفقه والحديث من الأئمة المجتهدين. - أنهم جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من الأمور الشرعية. - أنهم السواد الأعظم وهو مروي عن أبي مسعود الأنصاري وابن مسعود. - أنهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا رأي الطبري. وكل هذه الأقوال ترجع إلى قولين: الأول: أنها الجماعة إذا اجتمعوا على إمام على مقتضى الشرع عندئذ يجب لزومها ويحرم الخروج عليها. الثاني: أنها ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع أو هي المذهب الحق وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة أو أهل العلم أو أهل الإجماع أو السواد العظم فكلها ترجع إلى أمر واحد وهو من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه سواء كانوا قليلا أو كثيرا. ٢ - قوله (ص ٢٢) إن الإمام أحمد لما ذكر أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث كان يقصد أهل زمانه فقط المشتغلين بصنعة الحديث وكانوا إذ ذاك هم السواد الأعظم. ثم يقول لما سئل ألا يعني هذا إخراج الفقهاء وغيرهم من الطائفة المنصورة قال: لا فالفقهاء كلهم من أهل صنعة الحديث. ثم يقول: وإذا بحثت في ترجمة أي فقيه في زمن الإمام أحمد فستجده محدثا. والجواب: أن هذا الكلام فيه خلط عجيب، فالأول ظنه أن كلمة أهل الحديث المراد بها أهل الحديث المشتغلين به فقط، وثانيا أن الإمام أحمد إنما قاله لأهل زمانه فقط، وذلك لأن السواد الأعظم حينئذ كانوا من المحدثين وهذا عجيب، فأين باقي طوائف الأمة من أهل السنة هل كانوا محدثين؟!. ولا شك أن مصطلح أهل الحديث استخدمه الإمام أحمد وغيره أيضا فلا تصح دعوى أن ذلك خاص بأهل زمانه، ثم إن أهل الحديث المقصود بهم الذي يهتمون بحديث رسول الله ﷺ رواية ودراية ويلتزمون بالسنة ويجتنبون البدعة لذا يقول عنهم الصابوني في كتابه الذي سماه (عقيدة السلف أصحاب الحديث) يقول (ص ٩٩): ويقتدون بالنبي ﷺ وبأصحابه الذين هم كالنجوم ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ولا يحبونهم ولا يصحبونهم. ويصحح شيخ الإسلام هذا الخطأ الذي وقع فيه صاحب الكتاب فيقول في (مجموع الفتاوى) (٤/ ٩١): (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم). ٣ - حمله للتكفير لبعض من قال بخلق القرآن على الإنكار الشديد والتغليظ فقط وقال (ص ٢٣): كأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا. والجواب: صرح علماء السلف بتكفير من قال بخلق القرآن، فعن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم ..... ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي (١/ ١٧٦). وقال شيخ الإسلام: القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله بل كفروا من قال ذلك. (مجموع الفتاوى) (١٧/ ٧٤). ٤ - قوله (ص ٥٠): أئمة أهل السنة كلهم درسوا علم الكلام ودرسوه وناظروا فيه. والجواب: إن ذم أهل السنة لعلم الكلام معلوم ومشهور، بل قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء. ثم قال نقلا عن ابن خويز منداد: قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان أو غير أشعري. (جامع بيان العلم وفضله) (٢/ ١٩٤، ١٩٥). ٥ - قال (ص ١٠٢): إذا ذكر الاسم المفرد دون (يا) فهذا محل خلاف بين أهل العلم فبعض أهل العلم رأى أن الذكر بالاسم المنفرد من باب الثناء وأن الخبر محذوف، واستدلوا على ذلك بالحديث الوارد في أشراط الساعة وفيه ((حتى لا يبقى على الأرض من يقول الله الله)) فقالوا: هذا دليل على جواز الذكر بالاسم المفرد. والجواب: يقول شيخ الإسلام: والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفرا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وفي حديث آخر: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) وقال: ((أفضل ما ققلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)). والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة. وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع. (مجموع الفتاوى) (١٠/ ٣٩٦). وأما الحديث الذي ذكره فيفسره الرواية الأخرى ((حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله)). وهناك مؤاخذات أخرى ننبه على بعضها دون تعليق، فمنها: - نسبته الأشاعرة والماتريدية لأهل السنة (وعنده أهل السنة = أهل السنة والجماعة) ومثلهم في ذلك مثل المذاهب الفقهية المالكي والحنبلي والشافعي كلها مذاهب من أهل السنة فيها أخطاء وفيها صواب وأخطاؤها لا تخرجها عن أن تكون مذاهب لأهل السنة. - قوله الافتراق ليس عيبا هنا والإخبار بافتراق اليهود إذا كان هذا قبل نسخ ملتهم ليس عيبا ومثل ذلك النصارى. - قوله إن اشتغال البغدادي بجمع هذه الفرق لم يكن موفقاً وكذلك ابن الجوزي. - أن هجر أهل البدع مشروع للتأديب ولا ينبغي أن يزيد عن ثلاثة أيام. - ادعاؤه أن التفريق بين الكلام النفسي واللفظي موجود عند أهل الحديث المتأخرين وهو مسألة اجتهادية، ولو علمه أحد على هذا الوجه لا شيء في ذلك، وقوله: فمثلا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي توصل إليه أن الكلام قديم النوع محدث الآحاد وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو عين التفريق بين الكلام اللفظي والكلام النفسي. - قوله عن ابن القيم إنه صوفي وهو شيخ صوفية الحق. - تهوينه من مسألة البدعة الإضافية وعرضها على أنها مسألة خلافية وعرضه للأدلة المؤيدة لمن قال بعدم دخول البدعة الإضافية في قول النبي ﷺ : ((كل بدعة ضلالة)). يشعر بميله إلى هذا الرأي. - تعريفه للترك الذي يعد فاعله مبتدعا بأنه عدم الفعل بعد الفعل. - أن الشخص إذا وقع في بدعة وهو لا يراها بدعة لا يوصف بالمبتدع. - قال في الذكر الجماعي: لا يضر إذا اتفقوا على ذلك تعليما أو إرشادا وحضورا حتى لا يغيب قلب أحد منهم إلا حضر غيره. وقال: هذه الأمور ليست بذاتها عبادة حتى يرد إليها النهي ولم يرد نهي بخصوصها. - حسَّن حديث قراءة يس على الموتى أي المحتضرين - لما سئل عن الدعاء عقب الصلاة بـ (تقبل الله) أو (حرما) أو (جمعا) قال: الدعاء كله في أدبار الصلاة لا حرج فيه. (ص١١٣).

стр. 1346

الأهلة نظرة شمولية ودراسات فلكية لعدنان عبد المنعم القاضي عرض ونقد قبل بداية شهر رمضان تثار العديد من القضايا وتطرح للنقاش العديد من المسائل، ومنها مسألة الحساب الفلكي واعتباره في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، وكتاب هذا الشهر أحد الكتب التي تبنت مسألة اعتبار الحساب الفلكي وبالغت في الاعتداد به، ونزَّلت الحسابات الفلكية منزلة اليقين المقطوع به، وسنحاول عرض الكتاب بإيجاز، وطرح بعض آرائه مع بيان أهم المؤاخذات عليه. أولا: العرض الكتاب عبارة عن ستة فصول وهي: الفصل الأول: الظواهر الطبيعية. وناقش فيه المؤلف عدة موضوعات من خلال العناوين الآتية: العلاقة بين الخلق والتشريع- دور الظواهر الطبيعية - سببية الظواهر الطبيعية ونسبيتها واستخدامها. الفصل الثاني: مواقع الشمس والهلال وناقش فيه: مواقيت الصلاة: الرؤية (و/أو) الحساب، والهلال الرؤية (و/أو) الحساب- ومعنى (رؤيته) - الشرع لم يبين محددات الرؤية - آلية الرؤية وتطبيقها. الفصل الثالث: اختلاف المطالع. وناقش فيه اتفاق/اختلاف المطالع-الهلال الشمولية والحل. الفصل الرابع: آلية القمر. وناقش فيه الموضوعات الآتية: الاقتران المركزي والاقتران السطحي وكسوف الشمس - متى يبدأ اليوم والشهر- التوقيت الغروبي المنهجي والتوقيت الزوالي- أين يبدأ اليوم والشهر- مكة المكرمة مركز التوقيت- مطالع الشمس ومطالع القمر- اختلاف المطالع مرة أخرى- أولًا تأثير كروية الأرض- ثانيًا تأثير ميل محور الأرض- ثالثا تأثير فلك القمر - الهلال والبدر والمطالع - ولكنهما يشتركان في جزء من الليل- فلك وأوجه القمر- ولكن الهلال كبير- ولكن الهلال قريب- الاقتران وغروبا الشمس والقمر. الفصل الخامس: أهلة رمضان وشوال وذي الحجة. ناقش فيه الموضوعات الآتية: دراسة - تقويم أم القرى - دخول رمضان - هدف الدراسة - منهجية الدراسة - الحسابات الفلكية لتحديد بداية الشهر المفترض - نتائج الدراسة- إلى أين من هنا. الفصل السادس: علم الفلك والتنجيم ناقش فيه الموضوعات الآتية: هل هناك علاقة - اثنتا عشرة أم ثلاث عشرة شخصية- تأثير أي تأثير- نظرة تاريخية- الفرق بين العلم والهوى- ألا له الخلق والأمر. ثانياً: النقد ١ - ادعاؤه أن الرؤية وسيلة يمكن تغيرها بتغير الزمان وتقدم العلم فيمكن الاستعاضة عنها بالحساب الفلكي: وهذه خلاصة فكرة الكتاب أن الظواهر الطبيعية التي نصت الشريعة عليها لتحديد بدء زمن تكليف شرعي ليست مقصودة بذاتها، بل المقصود هو العبادة التي جاءت الظاهرة لتحديد بدايتها، وأن هذه الظاهرة الطبيعية ما هي إلا وسيلة أو أداة لتلك العبادة، ثم ذكر الأدلة على أن الظواهر الطبيعية وسائل وبلغت ثلاثين دليلًا، ومنها أن الرسل وسيلة لتبليغ دين الله فهل يتعبد بهم مع أنهم أتوا بكل العبادات لا برؤية الهلال فقط إلى غير ذلك. ٢ - تأويله لحديث (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب). فقد تعرض لحديث (نحن أمة أمية ... ) ووجهه إلى أن الرسول ﷺ يقر حالة ولا يشرع أمراً، ولا يدعو فيه إلى نبذ الحساب، متَّهمًا من يقول بالاعتماد على الرؤية فقط بأنه ينظر إلى الشرع نظرة انتقائية أحادية ظاهرية، وأنه يناقض آيات وأحاديث أخرى تلزم الحساب كحساب المواريث والكتابة كتابة الدين. ٣ - قياسه حساب دخول الأشهر وخروجها على حساب مواقيت الصلاة. فيذكر أن مواقع الشمس استخدمت في تحديد أوقات الصلوات وأيضا لتحديد الإمساك والإفطار، مبيناً تطور الوسائل القديمة المستخدمة في تحديد ذلك بين ما كان في عهد الرسول وما وجد اليوم من جداول وساعات مبرمجة، ويستنكر بعد ذلك الإصرار على التفسير الظاهري لحديث مواقع الهلال والرؤية الطبيعية. ٤ - تأويله لحديث (صوموا لرؤيته) ليشمل العلم به عن طريق الحساب الفلكي فإنه تحت عنوان (معنى رؤيته) يقرر أن من معاني (رؤيته) - أي الواردة في الحديث- النظر بالعين المجردة أي المشاهدة، والرؤية بالعين المجردة لكن غير حقيقية أي نفسية، أو التلاقي والاقتراب، أو الرؤية بالقلب أو بالعقل أو العلم بالشيء أو الإيمان بالخبر أو قال وأشار ونصح أو معرفة الحال وبمعنى الرؤيا في المنام إلى غير ذلك، ليدلِّل على أن هذا الحديث ليس معناه محصورا في رؤية العين المجردة بل أيضا العلم بالشيء أي الحساب بدخول الشهر. ٥ - ادعاؤه قطعية الحساب الفلكي. فهو يذكر عدة آيات كقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وقوله ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] إلى غير ذلك ويقول كيف يأخذ فرد ما بحساب الشمس ولا يأخذ بحساب القمر، ويدَّعي أن فلك القمر منتظم على مدى السنين، ومعرفة البشر لهذا الفلك دقيقة بشكل مدهش، منكرًا على من يدَّعي أن حساب مواقع القمر غير قطعي رغم قبوله بالحساب المتعلق بالشمس في أوقات الصلوات والإمساك والإفطار. ويقرر أن الاختلاف وارد بين علماء الفلك في إمكانية الرؤية لا في ولادة الهلال. ويقول: (وأما الاحتجاج على ردِّ علم الفلك بقوله: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) متفق عليه فهو احتجاج فيه نظر، فرسول الله ﷺ يشير إلى رفع التكليف عنا في الأخذ بالحساب ومستلزماته من قراءة وكتابة، ويذكر تعليل ذلك بأننا أمة أمية، ولكن بعد أن تغيرت الحال وأخذنا بقسطنا من تعلم الحساب والقراءة والكتابة والعلوم المختلفة من فلك وعلوم طبيعية من هندسة وطب تقنيات مختلفة، هل يبقى العذر لنا قائمًا في انتفاء التكليف، والحال أننا بعلمائنا المختصين في علوم الفلك والقراءة والكتابة نستطيع). ٦ - تشدده في موضوع توحيد الرؤية على الحساب الفلكي تحت عنوان (اختلاف المطالع) يذكر المشكلات المترتبة على اختلاف المطالع، كالاختلاف في مدة شهر رمضان للأمة الإسلامية والعشر الأواخر وليلة القدر وعيد الفطر وتعدد عيد الأضحى من جهة وتفرد يوم عرفة من جهة أخرى، ويتصور وجود أربع بدايات لدخول شهر رمضان، وما يترتب على ذلك، ويرتِّب على الخلاف في رمضان أن نختلف أيضا في دخول شهر ذي الحجة وبالتالي يكون هناك اختلاف في وقفة عرفة. يقول: (لقد أثبت الحديث ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) دخول الشهر بخبر واحد أو اثنين يدعيان رؤية الهلال بالعين المجردة حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمة فكيف يتصور أن يرفض وسيلة لا يتطرق إليها الخطأ أو الوهم أو الكذب، كما أن الوسيلة متاحة للجميع وقابلة للفحص وسيلة الحساب العلمية بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقًا بين بلد وآخر، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أن أحدهما هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال). والجواب عما ذكره المؤلف: ١ - أن الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بالرؤية أو الإكمال وقد جاءت النصوص بذلك عن رسول الله ﷺ وحكي فيها التواتر. ومنها (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمِّي عليكم فأكملوا العدة). ٢ - أن الشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديرًا، فإذا انتفى العلم به بحاسة البصر فقد جعل الشرع المصير إلى تعليق الحكم بمناط آخر يستوي فيه عموم البشر، وهو إكمال شعبان مثلًا ثلاثين يومًا. ٣ - مسألة اعتماد الحساب الفلكي نقل غير واحد الإجماع على المنع منه، وأنه غير معتبر، وممن نقل الإجماع على ذلك الجصاص الحنفي والباجي الشافعي وابن رشد الجد والحفيد المالكيان وابن تيمية الحنبلي والسبكي الشافعي وابن عابدين الحنفي. يقول شيخ الإسلام: (إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى، لا يجوز، والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي ﷺ كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غمَّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقِّ نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دلَّ على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مُسلِمٌ). وبهذا الإجماع يردُّ على ادعاء أن معنى الرؤية هنا لا يقتصر على الرؤية البصرية وأنه قد يكون المراد بها العلم عن طريق الحساب. ٤ - أن كثيرًا من المجامع الفقهية منعت من الاعتماد على الحساب الفلكي، ومنها قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عام ١٤٠١هـ: (في مسألة الأهلة ذهب (المجمع) إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب الفلكي كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اختلاف المطالع، لما في ذلك من التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعاً وعقلاً .. وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي إنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي، لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة، وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه سلم ـ في جميع شؤونهم، والله ولي التوفيق). ورفض العمل بالحساب الفلكي أيضا هيئة كبار العلماء بالسعودية. ٥ - أما دعوى أن الحساب الفلكي يقيني قطعي، فلا دليل عليها يكسب إفادته اليقين إلا شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم يقيني، ومع ذلك فقد قامت الأدلة على أن الحساب أمر تقديري اجتهادي يدخله الغلط، وذلك في النتائج الحسابية التي ينشرها الحاسبون في الصحف من تعذر ولادة شهر رمضان أو شهر الفطر مثلًا ليلة كذا، ثم تثبت رؤية الهلال بشهادة شرعية معدلة، أو رؤية فاشية في ذات الليلة التي قرروا استحالته فيها. - ومنه ما حدث في هلال الفطر شهر شوال من هذا العام (١٤٠٦هـ) ـ فإن الحاسبين أعلنوا النتيجة في الصحف باستحالة رؤية هلال شوال ليلة السبت (٣٠) من شهر رمضان، فثبت شرعًا بعشرين شاهدًا في المملكة العربية السعودية في مناطق مختلفة، ورؤي في بلدان إسلامية أخرى. وكذلك ما حدث سنة (١٤١٣هـ) و (١٤٢٥هـ) و (١٤٢٨هـ) ـ. - ومن الشواهد أيضًا على ذلك أنا رأينا بعض البلدان الإسلامية تعلن الصوم والفطر بموجب الحساب الفلكي، والفارق بينها وبين البلدان التي تثبته بالرؤية يومان أو ثلاثة، فهل يكون في الدنيا فارق في الشهور القمرية الشرعية كهذه المدة. - ودليل آخر وهو: التضارب الحاصل بالنتائج والتقاويم المنتشرة بحساب المعاصرين، فإنها متفاوتة مختلفة في إثبات أوائل الشهور، وما زال اختلافها قائمًا في الولاية الواحدة ومن ولاية إلى أخرى، فهذا دليل على دفع يقينيته أو ظنيته الغالبة. - وكذلك فإن الطب مثلًا في العصر الراهن بلغ من الدقة ما هو مشاهد ومعلوم لعموم الناس، ومع هذا فيقع فيه من الخطأ والغلط ما يكون ضحيته نفس معصومة أو عضو محترم إلى غير ذلك، هذا مع أن لوازمه مدركة بالحواس العاملة فيه من سمع وبصر ولمس .. فكيف بحال الحساب الفلكي؟! - أيضا فالحساب الفلكي المعاصر قائم على الرصد بالمراصد الصناعية الحديثة، والمرصد كغيره من الآلات التي يؤثر على صلاحيته نتائجها: أي خلل فني فيها قد لا يشعر به الراصد، هذا فيه ظنية من حيث الآلة. ٥ - أما قوله ﷺ هنا: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فقد قرنه بقول ((الشهر هكذا ... )) أي مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين، فهو محض خبر من النبي ﷺ لأمته: أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما ثلاثون يومًا أو تسعة وعشرون يومًا، ومرد معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال، كما في الأحاديث الثابتة المشعرة بالحصر في هذين الطريقين لا بكتاب ولا بحساب، وهو خبر يتضمن نهيًا عن الاعتماد على الكتاب والحساب في مسألة الهلال. ٦ - أما مسألة توحيد الرؤية وعدم الاعتداد باختلاف المطالع، فلا شك أنه وقع خلاف بين الفقهاء في ذلك ولكلٍّ أدلته، واختلاف المطالع ليس له آثار كبيرة، نظرا إلى أنه لم تمرَّ فترة على الأمة الإسلامية توحَّدت فيها رؤيتها للهلال، ولا ينبغي التهويل في أن اختلاف أهل الأقطار الإسلامية في يومي الصوم والإفطار مدعاة إلى التفكك والتفرق، فالواجب هو التوحد على العقيدة الصحيحة، والعمل على حمايتها من أسباب الزيع والانحراف، وتحكيم شرع الله بين المسلمين. هذا بعض ما تيسر من بيان للحق في هذه المسألة. ومن أراد الاستزادة فيمكنه الاطلاع على المصادر الآتية: ١ - أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها لأحمد بن عبد الله الفريح ٢ - حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية للشيخ بكر أبو زيد ٣ - رؤية الهلال والحساب الفلكي لشيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 1347

كتاب المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم لعلي جمعة عرض ونقد بينما تُشن على الدعوة السلفية حملة شعواء ويُطعن في السلفيين من قبل العلمانيين والليبراليين وبعض التوجهات الأخرى، يؤثِر مفتي مصر علي جمعة أن يكون في صف هؤلاء كما كان غالبًا، فيخرج علينا بكتاب عن السلفيين واصفًا لهم بصفة التشدد. وإذا كان مفتي مصر يصف السلفيين بالتشدد فمن حق السلفيين أيضا أن يصفوه بالتساهل، وتتبع رخص العلماء وزلاتهم، والتمييع لقضايا الدين، إلا أن وصفه لهم- بالجملة- كذب وبهتان ووصفهم له حقٌّ ببرهان، ومن ذلك: ١ - فتواه بأن الاختلاط بين الشباب والفتيات في قاعة الجامعة ليس حرامًا. ٢ - فتواه بأن طلاق المصريين لا يقع؛ لأنهم ينطقون كلمة طالق بالهمز. ٣ - منعه من ختان الإناث بينما كان يجيزه قبل تولي منصب الإفتاء. ٤ - مهاجمته النقاب وادعاؤه أنه عادة خلافًا لقوله قبل تولي المنصب. ٥ - تجويزه فوائد البنوك الربوية. ٦ - إباحته بيع المسلم الخمور في غير الدول الإسلامية. ٧ - إباحته ترقيع غشاء البكارة. ٨ - تجويزه تولي النصراني رئاسة بلد إسلامية. ٩ - إنكاره الشديد هدم بعض الأضرحة لا خشية الفتنة بل لتجويزه بقاءها. فحُقَّ لمن هذا حاله أن يصف المستمسكين بالكتاب والسنة والسائرين على مذهب السلف بالتشدد. وقبل البدء في عرض بعض ما جاء في الكتاب نقول حتى يكون القارئ على بينة وحتى لا يستغرب ما جاء فيه من آراء نقول إن مؤلفه أشعري المعتقد صوفي المسلك. تحت عنوان (سمات المتشددين في العصر الحديث) يقول: ((نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة)). وفي هذا من البهتان مافيه. ويقول أيضا عن السلفيين: ((أنهم يتبنون فكراً صداميًّا، وهذا الفكر الصدامى يفترض أموراً ثلاثة وهى: أولا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفى العلن مرات، وأن هناك استنفاراً للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب. ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين. وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم. ثالثا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكراً طليقاً من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق)). انتهى كلامه. إن قول مفتي مصر في الفقرة الأولى مردود، فهل تعامى عن الحقيقة الشرعية والواقعية، فالله يخبرنا عن هذه العداوة قائلا ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ويقول ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] ويقول ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] أما الواقع فهو خير شاهد على هذه العداوة قديمًا وحديثًا، فالحروب الصليبية قديمًا، والاحتلال الأجنبي حديثًا، والمجازر التي ارتكبت في البوسنة والهرسك وسراييفو وغيرها، وما يحدث للمسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان والشيشان. وما يحصل في فلسطين وموقف أمريكا والغرب من اليهود ومساندتهم لهم. هذا بالنسبة للعدو الخارجي أما التيار العلماني والليبرالي فموقفه من التيار الإسلامي واضح للعيان لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة. ثم في الفقرة الثانية يقول إن السلفيين يرون وجوب الصدام مع ذلك العالم بقتل الكفار وقتل المرتدين. وهذا الكلام إنما صاغه بهذه الصورة ليشنع على السلفيين فهل ينكر المفتي الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، ثم إن كان ينكر جهاد الطلب، فهل ينكر جهاد الدفع وحق المسلمين في الدفاع عن بلدانهم المحتلة، ثم إنه من المعلوم أن الكفار أنواع فمنهم محاربون، وأهل عهد، وأهل ذمة ولكل واحد حكمه، فتعميمه الكلام عن السلفيين في هذه المسألة بهذه الصورة غير مقبول وفيه من التلبيس ما فيه. أما المرتد فحكمه القتل قال النبي ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) ويقول الحافظ في الفتح: وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر أحد عليه .... اهـ. ومسألة الردة والحكم بغير ما أنزل الله فيها تفصيل معروف والحكم فيها يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع، خلافا لما يدعيه هذا المفتي من أنهم يحكمون بالردة على مخالفيهم. ومن هرطقاته أيضاص في هذا الكتاب قوله: ((لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الدينى وللتنمية الشاملة التى يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس. ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدى إلى ما ذكرنا، وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن- خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره. هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور. وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معياراً للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله عمن حوله. ... ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحاً بأطفاله محاولًا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث أنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضى عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي)). انتهى كلامه. والمفتي - علي جمعة- أولى بهذا من السلفيين فهو الذي يعيش في خياله بعيدا عن الحقيقة، فالسلفيون ليسوا في عزلة عن الحياة بل إنهم ينتمون إلى جميع التخصصات العلمية والمهنية ولو ذكر لنا مثالًا على ما يذكر ولكنه التعصب، نسأل الله السلامة والعافية. وكأن المفتي ما زال متأثرًا بهذه النعرة القديمة والتي كان فيها بوقًا للحكومة المصرية السابقة بمحاربة زيادة النسل بدلًا من الدعوة إلى التنمية. إن الحد من زيادة نسل المسلمين هدف للغرب يسعون إليه بشتى الطرق، يقول النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة). بل إن كثرة الأمة نعمة يمتن الله عزو جل بها على عباده قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] ومن أقواله أيضًا: ((ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وان التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة)). انتهى ولا أدري عن أي طائفة يتكلم المفتي فالسلفيون في منأى عن هذا الوصف، وهو كلام عار عن الصحة، بعيد عن الواقع، وما مراده بالفنون والآداب؟ هل الغناء والرقص والعري؟ وهل يقصد بالمشاركة الاجتماعية مثل الاحتفال بعيد ميلاده في أحد أندية الليونز الماسونية بين الممثلين والمغنين؟ إن كان يقصد ذلك فحُق للسلفيين أن ينعزلوا عن مثل هذه المشاركات. ويقول أيضا بعد أن يصفهم بامتلاك عقلية المؤامرة لمن حوله ضده مع اتصافهم بالكبر والعجب: ((من هذه الصفات أنهم يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائماً عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويعملون الهوى في فهم النصوص، ويضيقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلدون في العقائد، ويعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء، ويتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم. لقد آن الأوان وحان الوقت لان يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلباً قومياً)) اهـ. ثم بعد أن يفري هذا الكذب يستعدي الناس على مقاومة فكر السلفيين، فليته ذكر أمثلة لهذا الكلام الإنشائي الذي لا حقيقة له، فهل السلفيون يقفون ضد الإصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، إن منهج السلفيين واضح في مسألة البدعة فهي محصورة في مجال العبادات وليس كما يدعي أن كل جديد عندهم بدعة. ثم يقول الدكتور علي جمعة تحت عنوان (أهم مسائل المتشددين التي جعلوها أصولا لهم وعنوانا عليهم): ((لقد تمسك المتشددون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية الأمة وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارا لتصنيف المسلمين، وامتحانا لتقسيمهم، ورُوج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يتهم بأنه ليس متبعا للرسول ﷺ . فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبا ما يكون ضعيفا أو شاذا)) وذكر (١٧) مسألة فقط ومنها: - أنهم يصفون الله بالمكان - ينتقصون الأشاعرة - ينكرون اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها - غير مؤهلين للإفتاء ويحدثون فوضى فى المجتمع - يعدون أغلب تصرفات المسلمين بدعا وضلالات - يحرمون التوسل بالنبي ﷺ ويعدونه شركا بالله - يحرمون الصلاة في المساجد ذات الأضرحة ويصرحون بوجوب هدمها - يعدون التبرك بآثار النبي ﷺ والصالحين شركا بالله - يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف - يحرمون السفر لزيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء والصالحين - يتهمون من ترجى بالنبي ﷺ بالشرك الأصغر - يحكمون على والدي المصطفى ﷺ بالنار يوم القيامة - ينفون أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره - ينكرون ذكر الله كثيرا ويمنعون الأوراد - أكثرهم يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة - يتمسكون بالظاهر ويتعبدون الله بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب) - يسعون قبل أن يتعلموا ويخلطون الوعظ بالعلم. ولا يتسع المقام للرد على كل مسألة من هذه المسائل ونكتفي بتناول ثلاث مسائل فقط. - المسألة الأولى أنهم يصفون الله بالمكان فيقول: من الأشياء التي يصر عليها من يسمون أنفسهم بالمتشددين وصف الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له . وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله . اهـ. والجواب أن المفتي يستدل في هذه المسألة العقدية المتعلقة بأسماء الله وصفاته بأثر فيه زيادة وهي (وهو الآن على ما عليه كان) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الزيادة وهو قوله (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترى على رسول الله ﷺ اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم - وهو التعطيل والإلحاد. اهـ ووافقه علي ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي. إن ادعاءه أن السلفيين أثبتوا لله المكان، قول باطل، لم يقله أحد منهم لأنه لم يثبت في القرآن ولا في السنة، وإنما يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفة العلو وغيرها. يقول الشيخ الألباني: إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما، لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظاً، إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه. (مختصر العلو ص٧٢). وقال الشيخ ابن العثيمين: الله ليس له مكان ما في المواقع ... ، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي رواه البخاري: ((كان الله ولا شيء معه))، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها (منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص١٣٢ - ١٣٣). - المسألة الثانية أنهم أي السلفيين يحكمون على والدي النبي بالنار. ونقول: سبحان الله وهل هذا القول قاله السلفيون بأهوائهم أم قاله رسول الله ﷺ ، ففي صحيح مسلم (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) يقول النووي الشافعي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة ... وفيه: النهي عن الاستغفار للكفار. انتهى. ويقول أيضا في الحديث الآخر (أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه قال: إن أبي وأباك في النار): فيه: أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. انتهى. فالنووي يقول بكفر والدي النبي فهل كان متشددا من وجهة نظر المفتي، وهل كان قوله شذوذا فهذا الحكم لم ينفرد به السلفيون بل لهم فيه سلف كالبيهقي والخطابي وابن تيمية وابن كثير وابن حجر والسخاوي وغيرهم بالإضافة إلى أن الأدلة الصحيحة تدعمهم. - المسألة الثالثة قوله: (أكثر المتشددين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة). ويلخص أحد أئمة السلفيين وهو شيخ الإسلام ابن تيمية حكم السبحة قائلًا: والتسبيح بالمسابح، من الناس من كرهه، ومنهم من رخَّص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها. ا. هـ. ويقول ابن عثيمين: التسبيح بالمسبحة تركه أولى وليسس ببدعة؛ لأن له أصلا وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول ﷺ أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل وقال للنساء: (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) فالتسبيح بالمسبحة ليس حراما ولا بدعة لكن تركه أولى لأن الذي يسبح بالمسبحة ترك الأولى. انتهى. فهذان اثنان من كبار علماء السلفية في عصرين مختلفين يذهبان إلى عدم بدعيتها، وهب أن بعض العلماء انتهى إلى بدعيتها فهذا اجتهاده وهو دائر بين الأجر والأجرين طالما بذل وسعه واعتمد على أدلة شرعية فهو مأجور إن شاء الله خلافا لمن يفتي بهواه. هذا ولا نطيل بذكر باقي المسائل، والعجيب أن المفتي لم ينسب هذه الأقوال إلى أحد بعينه، وإنما نسبها إلى السلفيين، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.

стр. 1348

الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة - عرض وتحليل للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الخميس ٣٠جمادى الآخرة١٤٣٢هـ كتاب هذا الشهر يتناول قضية كثر فيها الخلاف وهي قضية إحياء الآثار والحفاظ عليها وجواز زيارتها وقد حاول المؤلف تتبع هذه الأماكن وحصرها وإثبات تواترها مبينا حكم زيارتها وفيما يلي عرض للكتاب مع بيان أهم المؤاخذات عليه: أولا: العرض تناول المؤلف هذه الدراسة من خلال ستة فصول هذا بيانها: الفصل الأول: التأصيل في التدوين للأماكن المأثورة في مكة المكرمة: تناول هذا الفصل من خلال نقطتين الأولى رسالة التابعي الجليل الإمام أبي الحسن البصري ﵁ والثانية من خلال نماذج من مواقف السلف الصالح من الأماكن المأثورة الفصل الثاني: المتواتر من الأماكن المأثورة في المدونات التاريخة: تناول في هذا الفصل المتواتر من الأماكن المأثورة في مؤلفات السيرة النبوية ومدونات التاريخ المكي الخاص ثم المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة سواء المنثور منها أو المنظوم الفصل الثالث: المتواتر من الأماكن المأثورة في المدونات الفقهية: عرض فيه لهذه الأماكن المأثورة في كتب المناسك ثم قام بالتحليل العلمي للعناوين الفقهية في كتابات الفقهاء للأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة. الفصل الرابع: شواهد التواتر المحلي للأماكن المأثورة في مكة المكرمة: تكلم فيه عن مظاهر التواتر المحلي معتبراً أن من طرق الإثبات النقل بالتوارث ثم تكلم عن عناية الملك عبد العزيز آل سعود بالأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة. الفصل الخامس: آراء العلماء في زيارة الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة: استعرض أقوال المعارضين لزيارة الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة مع ذكر أدلتهم ثم ذكر رأي المؤيدين لزيارة هذه الأماكن. الفصل السادس: الواقع المعاصر للأماكن المأثورة في مكة المكرمة: ذكر فيه المندثر من الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة في الوقت الحاضر مثل منزل السيدة خديجة ودار الأرقم ومولد علي بن أبي طالب إلى غير ذلك وبعدها تكلم عن الباقي من هذه الأماكن المأثورة في الوقت الحاضر مثل مولد النبي ﷺ ومسجد الراية ومسجد الإجابة ومسجد البيعة إلى غير ذلك. وختم الكتاب بلاحقين اللاحق الأول في تراجم العلماء المذكورين في بحث الأماكن التاريخية المأثورة كالأزرق والفاكهي وابن الجوزي وغيرهم وأما اللاحق الثاني فهو وثائق الدراسة. ثانيا: النقد أجهد المؤلف نفسه في بيان الأماكن المأثورة في مكة المكرمة محاولا تتبعها في الكتب التاريخية والفقهية وغيرها ليثبت تواترها ولكن يبقى الانتفاع بها مترتباً على الإجابة على هذا السؤال وهو هل تشرع زيارة هذه الأماكن وهل يشرع أن تهيأ لتصبح مزارات يقصدها الناس وتكون ضمن برامج زياراتهم هذا هو الذي سيكون محلا للنقد في المقام الأول بغض النظر عن ثبوت هذه المزارات أو عدم ثبوتها. ومن المآخذ على الكتاب: أولا: تسمية هذه الأماكن المأثورة بأنها متواترة فكيف تكون متواترة وفيها خلاف ونضرب على ذلك مثالا بأحد هذه الأماكن وهو مكان ولادة النبي ﷺ الذي يدعي المؤلف أنه لا خلاف عليه. يقول الرحالة أبو سالم العياشي: (والعجب أنهم عينوا محلا من الدار مقدار مضجع وقالوا له موضع ولادته ﷺ ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار بعد مرور الزمان والأعصار وانقطاع الآثار). ثم قال مستبعدا صحة تحديد ذلك المكان: (والولادة وقعت في زمن الجاهلية وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتناقهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي لصرف اعتنائهم ﵃ لما هو أهم؛ من حفظ الشريعة والذب عنها بالسنان واللسان). نقلا من كتاب (التبرك أنواعه وأحكامه) (ص ٣٥٦). ثانيا: يقول المؤلف (ص ١٣٤): (يستخلص من هذا أن كل مكان حل فيه رسول الله ﷺ هو مكان مبارك ولا يخالف في هذا مسلم جاهل فضلا عن عالم عاقل ... ثم يقول نقلا عن القرطبي: (وحيث تعليل كونها مباركة نتيجة لهذا يكون الدعاء فيها مستجابا بإذن الله . وهذا كلام عجيب، وبناء عليه فكل مكان حل فيه الرسول فهو مبارك يستحب الدعاء عنده وهو مظنة الإجابة فهل يقول بذلك أحد، ولا أدل على ذلك من أنه لا يعلم أحد من الصحابة تتبع الأماكن التي حل فيها النبي ﷺ اتفاقا على كثرتها إلا ابن عمر ومع ذلك لم يكن قصده التبرك بها إنما كان حريصا على الاقتداء بالنبي ﷺ ومع ذلك خالفه غيره من الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون المهديون. ثالثا: يقول (ص ١٣٥) نقلا عن ابن حجر ومؤيداً له، قوله: (وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي ﷺ إلى ذلك فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين). والأدلة على المنع من ذلك مبسوطة في مظانها من كتب أهل السنة. رابعا: يقول المؤلف في (ص ١٣٦): (ثبوت زيارة رسول الله ﷺ وبعض كبار أصحابه لغار حراء فقد جاء في صحيح مسلم تحت عنوان باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما الحديث التالي بروايته عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله ﷺ (اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) وبسند آخر إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله ﷺ اسكن حراء ....... ) انتهى. وأعاد المؤلف الإشارة إلى ذلك ص ١٣٩ فقال في معرض ذكر حجج المؤيدين لزيارة الأماكن النبوية المأثورة: (ثبت صعود رسول الله ﷺ وبعض كبار صحابته زيارة غار حراء وذلك متوافر في دواوين السنة النبوية). انتهى. وكلام المؤلف يوهم أن صعود النبي ﷺ لحراء يعني إلى الغار وهذا فيه تلبيس ففرق بين جبل حراء وبين غار حراء الكائن في ذلك الجبل الذي هو أطول جبل بمكة وهو ظاهر من قول الراوي (كان على جبل حراء) وأيضا يقال: إن هذا الحديث حجة عليكم فمع أن النبي ﷺ صعد جبل حراء لكن لم ينقل أحد من الصحابة ﵃ أن النبي ﷺ دخله أو وقف أمامه هو أو أحد ممن معه أو قال: نزل الوحي علي فيه أو كنت أتعبد فيه إلى غير ذلك. خامسا: يقول (ص ١٣٧) ناقلا عن عفيف الدين ميرغني فيما نقل عن الحسن البصري من قوله في إجابة الدعاء عند بعض هذه الأماكن المأثورة، قال: (واعلم أن الحسن البصري ﵁ ذكر الإجابة في هذه الأماكن والظاهر أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف لأنه تابعي جليل بل سيد التابعين ..... ) قلت: وهذا كلام عار عن التحقيق فالحسن البصري سواء قلنا رفعه أم لم يرفعه فمراسيله غير مقبوله عند غير واحد من أهل العلم كابن سيرين والإمام أحمد وابن سعد بل نُقل عن أحمد أن مراسيل الحسن من أضعف المراسيل، والمؤلف نفسه نقل بعد ذلك (ص ١٤٤) ما ينقض كلامه فقد نقل بحثاً للفلواروي وفيه: (واعلم أن هذا الأثر [يقصد قطع عمر للشجرة] أولى ألا يقبل عند أهل الحديث فعندهم المراسيل والمنقطعات وآثار الصحابة كل هذا ليس بحجة). انتهى سادسا: قوله (ص ١٤٠) وعدم فعله لا يدل على الكراهة ... إنه ليس من الضروري أن يوجد نص من كتاب أو سنة على الاستحباب ذلك أنه مما هو مقرر فقهاً أن المندوب كما يستفاد من أقواله وأفعاله ﵊ فكذلك كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته. ثم ذكر كلام ابن القيم وفيه قول عائشة: وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. وهذا عجيب من المؤلف وفيه فتح لباب البدع فمن أين يستفاد الاستحباب إذا لم يرد في كتاب أو سنة نعم كان النبي ﷺ يترك العمل خشية أن يفرض على أمته إذن فهذا يدل على أن النبي ﷺ فعله وإنما منعه من المداومة عليه الخوف من أن يفرض ثم إذا كان الشيء وجد مقتضاه وانتفى المانع منه ثم لم يفعله النبي ولا أصحابه من بعده وهم أتبع الناس له فهل يقول المؤلف بمشروعيته بعد ذلك فما قرره المؤلف فيه نظر. سابعا: وتحت عنوان (الحديث المتصل لا يعارض بالحديث المنقطع) (ص ١٤١) ذكر أن حديث قطع عمر لشجرة الرضوان مقطوع لا يقاوم ما ورد متصلاً في البخاري من أنها عميت عليهم ونقل كلاما مطولاً للفلواروي والذي ذكر فيه ما جاء في البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وعن ابن عمر قال: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة. وإن سلمنا بضعف الأثر - وقد صحح إسناده ابن حجر- فكما يقول الشيخ الألباني في (تحذير الساجد) (ص ١٢٦، ١٢٧): لئن كنا خسرنا هذه الرواية المنقطعة كشاهد فيما نحن فيه من البحث بعد التأكد من ضعفها فقد كسبنا ما هو أقوى منها مما يصلح دليلاً لما نحن فيه وهو حديث المسيب هذا وحديث ابن عمر: فقد قال الحافظ في شرحه إياه: (والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم الأمر إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كانت رحمة من الله) أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى). ثامنا: ثم ينقل عن الفلواروي (ص ١٤٥) قوله: (فيا من يعزو إلى حكيم الأمة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ أنه كان يهدم الآثار وينهى الناس عن الصلاة في المآثر وحرق دار كتب الأسكندرية وغير ذلك من الخرافات والأباطيل ألا تنظرون كيف كان أمير المؤمنين يعظم آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكان يتمنى أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى (أي آثار قدميه) فلبى الله دعوته وقال ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت .... ) انتهى وهذا ليس فيه حجة، وذلك للآتي: أولا: لأن هذا حكم خاص لا يجوز أن يقاس عليه غيره سواء أريد بالمقام مقام إبراهيم عند الكعبة أو المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى فقد خصت هذه الأماكن بعبادات لا يشركها فيها غيرها والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، فالحكم شرع بنص القرآن لا بمجرد تمني عمر ﵁. ثانيا: أن عمر ﵁ ورد عنه النهي عن تعظيم آثار الأنبياء والغلو فيها فإن لم يثبت قطعه للشجرة فقد ثبت عن المعرور بن سويد أنه قال: (خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] فلما قضى حجه ورجع والناس يتبدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً! من عرضت له منكم فيها الصلاة، فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل). وسنده على شرط الشيخين. وأخيرا، فإن المؤلف وإن ذكر أنه يرفض الممارسات المخالفة للتوحيد والمغالاة بالتجاوز عن الحد المشروع إلا أن دعوته إلى وجوب المحافظة على هذه الآثار واعتبار التفريط فيها خيانة للأمانة وضياع للمعالم التاريخية ويحيل تاريخنا الإسلامي إلى أسطورة مع تجويز زيارة هذه الآثار= فإن ذلك كله وسيلة لما ذكر في الكتاب أنه يرفضه، وهذا مما لا يوافق عليه فهو نفسه يقول: إن زيارة هذه الأماكن إذا خلت مما يخدش العقيدة هي في الأصل على الجواز. ومعلوم أن فتح هذا الباب لا بد وأن يؤدي إلى ما يخدش العقيدة فهل يتمسك بمباح يجر إلى إخلال بأصل الدين وهو التوحيد. وينظر تفصيل هذه المسألة في: • اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية • كتاب (التبرك أنواعه وأحكامه) للدكتور ناصر الجديع • مقال للشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: (حكم الإسلام في إحياء الآثار) • مقال للشيخ علوي السقاف (الرد على من زعم جواز التبرك بالآثار النبوية المكانية) مقال له أيضا باسم (مسألة السفر لزيارة قبر النبي ﷺ وزيارة أماكن السيرة النبوية كغار حراء وجبل أحد وغيرهما)

стр. 1349

تصحيح المفاهيم العقدية في الصفات الإلهية أو (الفتح المبين في براءة الموحدين من عقائد المشبهين) لعيسى بن عبد الله مانع الحميري عرض ونقد ٢جمادى الآخرة١٤٣٢هـ كتاب (تصحيح المفاهيم العقدية في الصفات الإلهية) يحاول فيه مؤلفه عيسى الحميرى الانتصار لمذهب الأشاعرة والماتريدية في باب أسماء الله وصفاته، ويتكلف في تقريره مع تأويل صفات الله والاقتصار على صفات عشرين فقط هي التي تليق بذات الله وكماله - على حد زعمه - إليها ترجع بقية الصفات، مدعيًا أن ما ذهب إليه هو مذهب أهل السنة والجماعة، ولم ينس الصوفية فقد نقل ما يفيد الثناء عليهم من خلال حديث (فتح القسطنينية) وحاول الدفاع عنهم من خلال إنكار تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام. وفيما يلي نستعرض الكتاب مع بيان أهم المؤاخذات عليه: أولا: العرض الكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أبواب، عقد بعد التقدمة مدخلًا في معاني الصفات وانتهى فيها إلى أن عقيدة أهل السنة سلفًا وخلفًا هي تأويل في تفويض وتفويض في تأويل، وكلاهما مذهب واحد لا تناقض بينهما- على حد زعمه-. ثم من خلال مقدمات كلية في علم المنطق: تناول بيان الحكم وأنواعه وأقسام الحكم العقلي ونوع ماهية الحكم، ثم تكلم عن خصائص الذات والصفات العشرين المحكمة -عنده- مع تعريف الصفة والفرق بين الصفة والنعت والوصف، ثم خصائص الصفات الإلهية. ثم ذكر الصفات العشرين المحكمة من خلال أربعة أقسام: القسم الأول: الصفات النفسية. القسم الثاني: الصفات السلبية. القسم الثالث: صفات المعاني. القسم الرابع: الصفات المعنوية. تناول الباب الأول - وهو في النصوص الموهمة للتشبيه- من خلال أربعة فصول: الفصل الأول: في المحكم والمتشابه، وفيه بيَّن معنى المحكم والمتشابه من القرآن الكريم، وسرد أقوال العلماء في بيان المحكم والمتشابه ومذاهبهم في حكم المتشابه. الفصل الثاني: في بيان مذهب السلف والخلف في تفويض المتشابه، وذكر فيه معنى التفويض لغة واصطلاحًا، مع بيان مذهب السلف والخلف في التفويض. الفصل الثالث: في بيان مذهب السلف والخلف في تأويل المتشابه وذكر فيه معنى التأويل لغة واصطلاحًا مع بيان مذهب السلف في التأويل، ومذهب الخلف في تأويل المتشابه، وتكلم عن التأويل وحقيقته عند المتكلمين، وقرر أن مذهب الخلف هو عين مذهب السلف في التأويل. الفصل الرابع: في بيان تناقض ابن تيمية في المحكم والمتشابه والرد عليه وكذلك ابن القيم ثم قام بالرد على ابن تيمية في قوله: لله يد تليق بجلاله. وأما الباب الثاني وهو في الأخبار الإضافية وبيان وجوب تأويلها عند السلف والخلف، فقد سرد الأخبار الإضافية وذكر أقوال العلماء فيها، ويعني بالأخبار الإضافية الصفات التي يوهم ظاهرها النقص على حد زعمه. ثم تناول هذه الأخبار ومنها الخبر الوارد في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فذكر معنى الاستواء وأقوال العلماء فيه، وبيَّن مذهب ابن تيمية في الاستواء مع الرد عليه، وبيَّن عقيدة أهل السنة والجماعة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن ذلك لا يقتضي الجهة والفوقية الذاتية المكانية، وأنه يفوض المعنى إلا أنه لا ينكر على من فسر الاستواء بالاستيلاء إن كان يعني الاقتدار والهيمنة. وكذلك تناول الأخبار الواردة في النفس والوجه، والعين واليد والأصبع، والغيرة والشخص والشيء والصورة، والساق والقدم الرجل، والإتيان والسخرية والاستهزاء، والقرب والمشي والهرولة، والفرح والضحك والعجب والنظر، والملال أو الملل والاستحياء والإعراض والتردد والحب، والمكر والخداع والنسيان والسخرية، والمعية والجنب والغضب والفراغ والكلام، مع التصرف فيها بالتأويل أو التفويض. وأما الباب الثالث والأخير فكان في بيان موقف أهل السنة من تقسيم ابن تيمية للتوحيد مع الرد عليه، وبيان معنى العبادة وبراءة الموحدين من الشرك. ثانيًا: النقد هذه بعض المؤاخذات على الكتاب - وإن كانت كثيرة - ولم نطل في الرد عليها ولم نقصد إلى استيعابها؛ لأن هناك من الكتب التي أفردت لبيان عقائد الأشعرية والماتريدية المخالفة لعقيدة أهل السنة والرد عليها، والمؤلف في هذا الكتاب يخلع لفظ أهل السنة على الأشعرية والماتريدية، ويقصره عليهم، وسبق بيان خطأ ذلك ومجانبته للصواب. ودونك أيها القارئ بعض هذه المؤاخذات: - قال المؤلف في (ص ١٣): (وواضح كل الوضوح أن لكل فن مؤهلات، فمن خاض فيه بدونها كان خطؤه أكثر من صوابه، وضرره أقرب من نفعه، ولكل فن رجال، فإذا أردت التفسير فدونك المفسر، والحديث فخذه من المحدث، والفقه يعرفك به الفقيه، والعقيدة فقدوتك فيها علماء الأصول، فعليهم المعول في ذلك). انتهى كلامه. ومع أنه قرر في رسالته ذلك؛ فإننا نجده لم يلتزم بهذا المنهج؛ بل راح يدخل في كل فن بلا علم، فرسالته في العقيدة وهو غير متخصص فيها، وراح يصحح ما يشتهي من الأحاديث، ويرد تضعيف أهل الحديث لها، وهو ليس من أهل الحديث. - الحط من الذهبي ومكانته لمخالفته لمعتقده في الأسماء والصفات، فقال (ص ١٦): (والرجل كان حافظا مؤرخًا وبلغ فيهما مرتبة الإمامة، ولم يكن إمامًا في أصول الدين). - ذكر أن حامل لواء السنة في العقائد الإسلامية هو أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، واستدل على تزكية معتقد الأشعري وأتباعه بحديث ((لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش)) فقائد الجيش محمد الفاتح ماتريدي المعتقد صوفي المشرب، وجيشه كان من الأشاعرة والماتريدية. ويجاب عن هذه الشبهة بعدة أجوبة: الأول: أن الحديث ضعيف؛ فهو من رواية عبد الله بن بشر الخثعمي، وهو مجهول، لم يوثِّقه إلا ابن حبان، وفيه اختلاف في اسمه واسم أبيه، وفي نسبه. الثاني: أنه على فرض صحته، فقد يحمل على فتح آخر، وهو الذي يكون في آخر الزمان، والأحاديث المتضافِرة في فتح القسطنطينية كلها تذكر فتحًا غير هذا الفتح، والفتح المذكور في هذا الحديث مجمل، فيكون المقصود بهذا الحديث هو الجيش الذي يفتحها في آخر الزمان، خاصةً وأنه قد ورد في السنَّة الثناء على جند هذا الجيش. ولا يعني ذلك تنقُّص محمد الفاتح ولا التقليل من عمله ذلك. الثالث: أنه لا حُجَّة في هذا الحديث لأهل البدع؛ إذ الحكم على عوام المسلمين أنهم يعتقدون في الله تعالى الكمال، ولا يعرفون ما أحدث أهل البدع من ضلالات؛ فالواقع أنهم من أهل السنة، ولو كان قادتهم وعلماؤهم من غير أهل السنة ممن انحرف في باب الأسماء والصفات. وما من شكٍّ في أن الجيش العثماني الذي فتح القسطنطينية أكثره من عوامِّ المسلمين، ولربما كان أميره محمد الفاتح كذلك، وأن حكمه هو نفس حكم عوامِّ المسلمين. الرابع: أنه لو سلمنا أن الجيش العثماني كله أشاعرة، وأميره كذلك، وأقيمت الحجة عليهم - مع استبعاد ذلك - فإن الحديث لا يدلُّ على صحة مذهبهم؛ لما يلي: أولاً لأن متعلَّق المدح هو فتح القسطنطينية، وليس شيئًا آخر فلا تعرض فيه لعقيدتهم. كذلك فإن الشخص الواحد تكون فيه حسنات وسيئات؛ فيُثنى على حسناته، وتُذَمّ سيئاته، والفاتح وجيشه - وإن كانوا أشاعرة - فإنهم مجاهدون في سبيل الله تعالى، فيُحمدون على ذلك، ولا يَلزم من ذلك عصمتهم من الخطأ، والثناء عليهم من كل وجهٍ، ولا يُستدلُّ بتزكيتهم في الجملة على صحة ما أخطؤوا فيه. إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم في مقام الرد على هذه الشبهة. - وليت الحميري إذ دعا الناس إلى الأخذ بمذهب الإمام أبي الحسن الأشعري دعاهم لاعتماد عقيدته التي مات عليها، كما هو واضح في كتابه (الإبانة)، لكنه عدل عن الدعوة إلى ذلك إلى التشكيك في ثبوت هذا الكتاب عن الأشعري كما في (ص ٢٥) مع أن كثيرًا من العلماء أثبتوا صحة نسبة كتاب (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري، ومنهم ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري)، والبيهقي في كتاب (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد) والذهبي في كتاب (العلو) وابن فرحون المالكي في (الديباج) وغيرهم من العلماء. وإذا ثبت لدينا أن هذه العقيدة التي ينافح عنها المؤلف اتباعًا للأشعري، أنه تراجع عنها انهدم بنيانه من الأساس. - طعنه في صحة نسبة كتاب (السنة) لعبد الله بن أحمد وكتاب (الرد على الجهمية) المنسوب إلى الإمام أحمد كما في (ص ٢٦). وذلك لأنهما ينقضان مذهبه كما فعل مع كتاب (الإبانة). - ذكره لعشرين صفة محكمة كما في (ص٥٣) حيث قال إن الأمة أجمعت عليها. فيقال: لا دليل على حصر صفات الله في هذا العدد، ومن أين لهم هذا التحديد؟! بل إن الأشاعرة أنفسهم قد اضطربوا في تحديد هذه الصفات، فمن الأشاعرة من أثبت سبع صفات، وبعضهم أثبت عشرًا، وبعضهم أثبت ثلاث عشرة صفة، وبعضهم أوصلها إلى عشرين صفة لله تعالى، فهذا نوع من الاضطراب. - في مبحث: (بيان مذهب السلف في التأويل)، جمع عن السلف من أقوال الصحابة وغيرهم ما يفيد أنه كان من مذهبهم التأويل، وقد أخطأ في عدة أمور ومنها: - أنه تكلف في تصحيح ما نسبه إلى السلف، ومثاله ما نقل عن ابن عباس من تفسير الكرسي بالعلم، فهذا لم يصح عن ابن عباس، وأيضا ما نقله عن البخاري لم يثبت عنه، مع كونه معارضًا بما ثبت واشتهر من عقيدة البخاري في إثبات أسماء الله وصفاته على ظاهرها، وعدم تأويلها. - أنه ينقل ما يوافق هواه من كلام بعض السلف دون جمع كل كلامهم في المسألة ليتبين معناه ويتضح مذهبهم، كما فعل في دعوى تأويل الإمام أحمد لصفة المجيء، ومع فرض ثبوته فإنما قاله الإمام أحمد حين ناظر الجهمية على سبيل المعارضة وإبطال حجة الخصم من كلامه وما يعتقده، وهذا من باب التنزل، فإن الجهمية كانت تتأول مجيئه سبحانه وإتيانه بمجيء وإتيان أمره، لا أنه يجيء بنفسه. - أنه ربما وضع كلام بعض السلف في غير موضعه، كأن يحتج بكلام لبعضهم فيما ليس من آيات الصفات، أو فيما اختلفوا على كونه من الصفات. فمثال الأول ما ذكر عن ابن عباس من تأويل لفظه (أيد) في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] فليست الأيد هنا جمعًا لليد، بل معناها القوة، فهي ليست من آيات الصفات أصلاً وكذلك الجنب. ومثال الثاني تأويل لفظة الساق في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وقد اختلف فيها السلف، واختلافهم ليس في إثبات الصفة، لكن في كونها هل هي من آيات الصفات أم لا، وذلك لأن الساق جاءت في هذه الآية نكرة، ولم يضفها الله لنفسه، كذلك قد اختلفوا في قوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] هل هو من آيات الصفات أم لا؟ - يجعل شيخ الإسلام ابن تيمية هو محور الرد في كثير من مسائل الكتاب، وابن تيمية لم يأت بعقيدة من قبل نفسه، وإنما يقرر شيخ الإسلام عقيدة أهل السنة والجماعة التي يدعمها بالأدلة من الكتاب والسنة مع صريح المعقول. - تبديعه لتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ونسبته ذلك لابن تيمية متعللًا بحجج واهية، ومنها أنه لم يرد في السنة ولم يقل به أحد من الصحابة ولا الإمام أحمد، وأنه يلزم منه أن الله لم يكمل الدين ثم جاء من أكمله، وقد ادعى عدم التفرقة بين توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية في القرآن وأنه فيه الأمر بكلمة التوحيد مطلقة ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] والجواب عن ذلك من أوجه: الوجه الأول: أن هذه القسمة اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، لاسيما وأنها لا تغير من حقائق الشرع شيئًا. الوجه الثاني: أن هذا التقسيم نابع من استقراء كتاب الله، والأدلة على كل نوع من أنواعه في القرآن كثيرة، وقد جمعت أنواع التوحيد الثلاثة في آية، وهي قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. الوجه الثالث: أن هذا التقسيم قال به غير واحد من أهل العلم قبل شيخ الإسلام مثل ابن منده وابن جرير الطبري وابن بطة العكبري وغيرهم، ونأخذ مثالًا على ذلك من كلام ابن بطة (ت ٣٨٧ هـ) قال: (أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها أن يعتقد ربانيته؛ ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا، والثاني أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا لمذهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره، والثالث أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه). انتهى كلامه من (الإبانة). بل قال أبو حنيفة (ت١٥٠هـ) كما في كتاب (الفقه الأوسط): (والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء). اهـ. ففيه إثبات صفة العلو وهي من توحيد الأسماء والصفات وإثبات توحيد الربوبية والألوهية. - أما إنكاره القول بأن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية منكرين لتوحيد الألوهية فنكتفي بهذا النقل عن الشنقيطي فقد قال في (أضواء البيان): (ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيد في عبادته ; ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده ; لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار﴾ َ [يونس: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] فلما أقروا بربوبيته وبّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره، بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]. فلما اعترفوا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: ﴿قل أفلا تذكرون﴾. ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]. فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]. فلما أقروا وبّخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]. فلما صح الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] ........ والآيات بنحو هذا كثيرة جدًّا، ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار ; لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة ; نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار ; لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار، لأنهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه). انتهى كلامه ﵀. ولو عرف المؤلف معنى اسم الله واسم الرب والفرق بينهما لتبين له الفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. - أما احتجاجه على دعواه بقول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وبسؤال الميت في قبره (مَن ربك) وليس: مَن إلهك. وبقوله تعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] والجواب عن ذلك أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان، فيفترقان عند الاجتماع كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦] وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: (من ربك) مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ونوع واحد في قوله: (افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم). إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك؟) معناه: من إلهك لأن الربوبية التي أقرّ بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة. - ثم يدعي المؤلف أن هذا التقسيم له آثار سيئة كما في (ص ٢٨٨) ومنها أنه أحدث بلبلة في العقول والقلوب، واضطربت بسببه صورة التوحيد الخالص، وأشعلت به نار الفتنة في الأمة الواحدة، وانقسم بسببه الناس إلى معسكرين: أحدهما يدعي لنفسه التوحيد ويرمي غيره من أهل الملة بالشرك. ثم يقول بعد ذلك كما في (ص ٢٩٠): (لقد اتخذ القائلون بهذا التقسيم البدعي من تعظيم الموحدين لأنبيائهم وتوقيرهم لعباد الله الصالحين ذريعة لرمي الموحدين بالشرك والكفر). ولا يخفي ما في هذا الكلام من خطورة في فتح الباب على مصراعيه للبدع والخرافات والشركيات بدعوى تعظيم الأنبياء والأولياء والصالحين، وهل دخل الشرك على الناس إلا من هذا الباب، والأمر في هذا واضح لا يحتاج إلى بيان. والكتاب مليء بالمغالطات والشبهات فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته سبق بيان بعضها عند عرض كتاب: (القول التمام) و (الأشاعرة أهل السنة) و (المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك). هذا ما تيسر ذكره، والله الموفق للصواب.

стр. 1350

كتاب: المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية دراسة حديثية نقدية للدكتور عداب محمود الحمش (عرض ونقد) جمادى الأولى ١٤٣٢هـ كتاب هذا الشهر يتناول مسألة من مسائل المعتقد، وهي مسألة المهدي المنتظر من خلال عرض روايات أهل السنة والشيعة الإمامية عن المهدي ونقدها، وقد انتهى المؤلف من خلال دراسته تلك إلى ضعف جميع أحاديث المهدي، سواء المرفوع منها أو الموقوف، وإلى تصحيح مقالة أن ما ورد في المهدي صريحًا فغير صحيح وما صح مما ورد فغير صريح، خلافًا لما تقرر عند أهل السنة والجماعة من إثبات خروجه بل ذهب بعضهم إلى تواتر أحاديثه تواترا معنويًّا، وكان أصل هذا الكتاب بحثين للمؤلف: الأول (الروايات الواردة في ولادة المهدي المنتظر عند الشيعة الإمامية)، والثاني (الأحاديث التي صححها العلماء في مسألة المهدي المنتظر عند أهل السنة)، وكان هذان البحثان ضمن أبحاث الترقية لدرجة الأستاذية، ثم أعاد المؤلف النظر فيهما وراجعهما ليظهرا في هذه الصورة. أولاً: العرض يتكون هذا الكتاب من ستة فصول، اشتمل: الفصل الأول منها على البحوث والدراسات السابقة في المهدي المنتظر، سواء كانت مصنفات مفردة أو أدرج موضوع المهدي ضمن مباحثها، وذلك عند كل من أهل السنة والشيعة الإمامية. وفي الفصل الثاني تناول المؤلف الجوانب النظرية في مسألة المهدي المنتظر عند أهل السنة مبينًا دلالة كلمة (مهدي) في اللغة والاصطلاح، والعمق التاريخي لفكرة المهدي المنتظر، والجذور التاريخية، والتصور العام لعقيدة المهدي المنتظر عند أهل السنة، ثم تكلم عن المهدي المنتظر عند الصوفية، وحجية الأحاديث الواردة في المهدي عند أهل السنة إلى غير ذلك. وفي الفصل الثالث وهو بعنوان الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر عند أهل السنة تخريج ونقد، تناول أحاديث الإمامة القرشية والتجديد، والأحاديث المرفوعة المصرحة بالمهدي عند أهل السنة، وكذلك الآثار الموقوفة ثم الأحاديث المرفوعة غير الصريحة في المهدي. وقد اقتصر على الأحاديث التي صححها العلماء المتقدمون والمتأخرون ولاسيما الدكتور عبد العظيم عبد العليم البستوي في رسالته الجامعية (الأحاديثالواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل). كما أعرض المؤلف عن الأحاديث الواردة في الصحيحين مما حمله العلماء على المهدي أيضًا. وأما في الفصل الرابع وهو الجوانب النظرية في عقيدة المهدي المنتظر عند الشيعة الإمامية فقد بدأ بتمهيد بيَّن فيه صلته بالشيعة الإمامية، ثم تكلم عن ولادة المنتظر بين العقيدة الدينية والثبوت التاريخي، وحجية مصادر الرواية عند الإمامية ومراتب الروايات الواردة في كتب الإمامية. وفي الفصل الخامس وهو تخريج ونقد الروايات الواردة، وبعد أن بيَّن منهجه في تقويم هذه الروايات ونقدها تحدث عن الإشارة والنص على إمامة الحسن العسكري ووالدة المهدي المنتظر، والإشارة والنص على إمامة المنتظر (صاحب الدار)، والروايات الواردة في تسمية من رآه والواردة في ولادة المنتظر. وفي الفصل السادس والأخير وهو تخريج ونقد حديث (لا مهدي إلا عيسى ابن مريم) تكلم عن الحديث وتخريجه ومن صححه من أهل العلم ومن ضعفه ثم قام بالموازنة بين أقوالهم والترجيح. ثانياً: النقد أخطأ المؤلف في النتيجة العامة للكتاب بتضعيفه كل أحاديث المهدي، خلافًا لما تقرر عند عامة أهل السنة من اعتقاد خروج المهدي، أضف إلى ذلك غمزه لعلماء أهل السنة، بينما على الجانب الآخر يمدح بعض أهل البدع ويدافع عنهم، كذلك فقد وقع المؤلف في أخطاء من ناحية الصناعة الحديثية، وهذه إشارة إلى بعض المؤاخذات على كتابه: ١ - دفاعه عن الصوفية ومهاجمة من ينكر عليهم انحرافهم فعندما نقل قول الألباني (ص ٢٣٦): (من المسلمين اليوم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي وهذه خرافة وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة وبخاصة الصوفية منهم). قال بعدها رادًّا عليه (ص ٢٣٦): (غفر الله للشيخ الألباني فإن الذين استباحوا البيت الحرام مع مهدي جهيمان هم من تلامذته الذين يكفرون الصوفية في الجملة والمفرد). مع أن الشيخ الألباني كان من أوائل المبادرين بالإنكار عليهم. ٢ - مدحه للصوفية والثناء عليهم وتزكية عقائدهم فقد قال (ص٢٣٩): (إن منطلقات الصوفية في مسائل الاعتقاد هي منطلقات أهل السنة والجماعة ذاتها وليست شيئا آخر). وأطرى عليهم بعبارات المديح، منخدعًا بأساليبهم في التغرير بالمسلمين، من حيث تكلف الخشوع والرقة والأدب .. إلخ. ودفاعه عن ابن عربي ففي (ص ٢٤٦) قال: (لقد ترجح عندي أن كل مخالفة عقدية في كتب الشيخ محيي الدين ابن عربي إنما هي من دس الزنادقة الذين كانوا يتظاهرون بالتصوف، ولاعتقادي هذا فإنني أترحم على الشيخ وأترضى عنه). ٣ - دفاعه عن أحمد بن الصديق الغماري حيث قال في حاشية (ص ٧٧): (وقول الألباني: قبوري ويحارب أهل التوحيد ... إلخ ... شنشنة غير مستغربة منه، والشيخ الألباني على منزلته لا يقارن بالشيخ السيد أحمد الغماري لسعة علومه وتعدد معارفه). مع أن الغماري يسمي أهل نجد بالقرنيين يعني أنهم قرن الشيطان ويهاجمهم ويفتري عليهم لا لشيء إلا لدعوتهم إلى التوحيد، ومنع التمسح بقبر النبي ودعائه. ويقول عن الغماري (ص ٧٨) إنه سيده وشيخه ويدعو الله أن ينفعه بمحبته وعلمه. ٤ - يقول عن أحاديث المهدي (ص ٢٦٢): (لو صح شيء إلى واحد من علماء أهل البيت لقدرته واعتمدته في هذا البحث خاصة حتى لو كان مرسلًا أو معضلًا أو منقطعًا من فوق؛ لأن ثبوت الحديث إلى واحد من أئمة الحديث هو حجة شرعية بذاته لحجية سنة أهل البيت عند الإمامية). فانظر كيف يعتمد أصول الشيعة الإمامية. ٥ - تهوينه للخلاف بين أهل السنة والشيعة مع احترامه لأئمة الشيعة كما في (ص ٤٠٨،٤٠٩،٤٩٧). ٦ - طعنه في علماء السنة بقوله (ص ١١٥): (قد ظهر لي أن عقول علماء المسلمين حتى اليوم لا تستطيع الحياة خارج الإطار الطائفي الساذج). ولمزه الإمام ابن القيم والشيخ حمود التويجري والشيخ الألباني ﵏، انظر: (ص ٣٢، ٥٢، ٧٧، ٨٣، ٢٣٦). ٧ - عدم وضوح انتمائه إلى أهل السنة، ويظهر ذلك في عرضه للخلاف الواقع في الأمة، حيث جعل تبعة ذلك على الفرق كلها، ولم يستثن منهم أهل السنة فقال (ص ١١): (وإن صعوبة تحقق الأهداف وتجسد الطموحات المشتركة بين عقلاء هذه الأمة مرده إلى التشرذم الاجتماعي وفقدان أدب الحوار وتراشق التهم والترامي بالكفر والضلال والابتداع والانحراف، والرغبة العارمة في فرض الرأي الواحد والاحتكام إلى التاريخ، وكأن ما حدث من خطأ مضى يجب على جميع شرائح الأمة أن تتحمل آثاره السيئة إلى قيام الساعة). ٨ - التبجح بعلاقاته الطيبة مع الروافض، وادعاؤه كذبا أن الخلاف بين أهل السنة وبينهم إنما هو في مسائل الفروع ولا يتجاوز ٥% لذا فهو يدعو إلى التعايش السلمي بين الفريقين وعدم الحرص على دعوتهم للحق؛ لأنهم يدعون أنهم على الحق وأهل السنة يدعون أنهم على الحق، ولن يتراجع أحد الفريقين عن قوله كما في (ص٤٠٩، ٤١٠). ٩ - اغتراره بعلمه فقد قال عن الشيخ محمد الخضر حسين (ص٨٠): (والذي ظهر لي أن الشيخ كغيره من علمائنا المعاصرين يستحيل في حقهم القدرة على تجاوز الأسماء اللامعة: ابن حجر، السخاوي، السيوطي، المناوي، البرزنجي، الشوكاني، الصنعاني، لاعتقاد قديم أن المتقدم أعلم وأحكم وأفضل وأعقل من المتأخر). وقال (ص ٢٥٢): (إن كثيرا من علمائنا القدامى والمحدثين يقفون عاجزين أمام نقد الحديث من جهة الصناعة بينما تراهم بارعين في الكلام عن فقهه وفوائده). وقال (ص ٥٣٨): (بعد الذي توصلنا إليه في هذا البحث لم يعد ثمة حاجة إلى التشنيع على الزيدية والإباضية ولا على من ينكر من أهل السنة أن تكون مسألة ظهور المهدي عقيدة واجبة التصديق). ركونًا إلى ما وصل إليه من نتائج. ١٠ - انحرافاته وأخطاؤه من الناحية الحديثية: - قال عن الحديث الحسن لذاته: (أما الصحيح في الدرجة الثالثة أعني الحسن لذاته على فرض وجوده وإمكان تخليصه ففي بناء عقيدة عليه صعوبة بالغة من جهة أن راويه إنما نزلت درجة حديثه إلى هذه المرتبة لخفة ضبطه فكيف نستوثق من ضبطه حديثا انفرد به). - رده للحديث الحسن لغيره كما في (ص ٢٦٤،٢٦٥) فقد قال: (الأحاديث التي حسنها بعض العلماء بشواهدها لا تصل إلى هذه المرتبة أبدًا لأن الحديث إنما حكمنا له بالحسن لورود شاهد له وهذا الشاهد نفسه إنما حسن بذاك الحديث وهذا دور مرفوض لا يقبل في حكم العقل ولا في علم الأصول، وما لو يأت حديث صالح للاحتجاج بذاته فلا يجوز أن يصحح به حديث أو يحسن البتة. ولقد مر علي زمن طويل وأنا أحسن بمثل هذا بل ربما أصحح ثم تبين لي من وراء النقد التطبيقي أن هذا منهج غلط بعض العلماء بتبنيه وتتابع من بعدهم على هذا المنهج تحسينا للظن بهم أو عجزا عن الاجتهاد في هذا العلم الذي قل نقاده والعارفون به). وقال (ص ٢٥٩): (والذي أراه أن الحديث الصحيح يحتج به فيما وافق ظاهر القرآن من اعتقادات ويستأنس به فيما سكت عنه من ذلك ونرد ما خالف ظاهر القرآن أو دلالته الراجحة ومما يجب أن ينتبه له أن هذا في الحديث الصحيح فقط أما الأحاديث المصححة بترقيعات (حسن بشواهده) و (حسن لغيره) و (جيد في بابه) فهذه عندي لا تفيد علما ولا توجب عملا وغاية ما تفيده الأولى والأحوط في جانبي الفعل والترك إذا لم يكن في أبوابها ما يعارضها). - الجرأة في تضعيف الأحاديث حتى وإن تلقاها العلماء بالقبول، ومنها أحاديث المهدي وحديث (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها). - اختراعه قواعد حديثية لم يسبق إليها مثل قوله (ص ٣٣٠): (إطلاق الناقد لفظة التوثيق أو التعديل في تقويم شخصية الراوي إنما تعني منزلته العامة في سلم الجرح والتعديل ثم يأتي النظر في تطبيقاتهم العملية عند تخريج مروياته في الأبواب فقد يقولون هذا رجل ثقة ثم تجد لهم نقدا على كثير من رواياته فالتمسك بالإطلاق العام دون تتبع صنيع الحفاظ التطبيقي حيال مرويات كل راو؛ خطأ منهجي يقود إلى نتائج غير صحيحة). وهذا فتح باب لهدم علم الجرح والتعديل. - كلامه في بعض الرواة الثقات كأبي الصديق الناجي فقال فيه (ص ٣٢٩): (إن الذي يخرج أحاديث في عقيدة تبني عليها الأمة آمالها لا يجوز أن يتعامل مع تلك الأحاديث كما يتعامل مع رواة الرغائب والمناقب والفضائل، بل يجب أن يعي ذلك بعيدًا عن الترقيع فأبو الصديق الناجي حديثه حسن في المتابعات إذا خلا من المغامز ولم ينفرد وههنا قد انفرد). قال هذا على الرغم من أن الشيخين البخاري ومسلمًا قد أخرجا له في صحيحهما ووثقه غير واحد. وقال في سليمان بن عبيد السلمي البصري (ص ٣٣٠): (مقتضى ظواهر القواعد الحديثية أن الرجل معروف العين روى عنه ثلاثة من الحفاظ ولم يجرح ووثقه حافظان، وقال أبو حاتم المتشدد: صدوق فأقل أحواله أنه محتج به في مرتبة صدوق وحديثه حسن لذاته). ومع تقريره لذلك إلا أنه يتراجع ويحكم على سليمان بالجهالة فيقول (ص ٣٣٣): (وبناء على فقه الجرح والتعديل فالرجل مجهول الحال بقطع النظر عن كل ما نقل في توثيقه؛ لأن توثيقهم ليس له مستند من سبر الروايات). هذه بعض المؤاخذات على الكتاب، ومن أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إلى كتاب (سل الهندي على تعسف من ضعف أحاديث المهدي) لأحمد بن إبراهيم بن أبي العينين. والله أعلم

стр. 1351

في الطريق إلى الألفة الإسلامية محاولة تأصيلية ورؤية جديدة لعبد الفتاح بن صالح بن قديش اليافعي (عرض ونقد) كتاب هذا الشهر هو كتاب (في الطريق إلى الألفة الإسلامية - محاولة تأصيلية ورؤية جديدة) وهو محاولة لتأصيل الطريق إلى الألفة بين المسلمين تأصيلاً علميًّا على حد تعبير مؤلفه، والمقصود تحقيق الألفة بين المختلفين في المجال الفكري؛ لأنه أكثر المجالات اختلافاً كما ذكر المؤلف، وقد حشد فيه مؤلفه ما يزيد على عشرين تقريظاً من بعض أهل السنة والرافضة والصوفية والأباضية وغيرها، مثل: أبي بكر العدني المشهور، وأحمد الخليلي، وحسن الصفار، وعمر بن حفيظ، ومحمد العمراني، وعصام البشير، وغيرهم، وهذا لا يغير شيئاً مما يتوجه إلى هذا الكتاب من نقد. أولاً: العرض تناول المؤلف موضوع الكتاب من خلال ثلاثة محاور: المحور الأول: تصحيح التصور عن الآخر وتضمن مبحثين: المبحث الأول: تصحيح النقل عن الآخر المبحث الثاني: تصحيح الفهم المحور الثاني: تصحيح الحكم على الآخر وفيه ستة مباحث وهي: ١ - أنواع الخلاف ٢ - هل هناك فرق بين الخطأ في الاعتقاد والخطأ في العمل ٣ - متى يعذر المخالف في الاعتقاد والعمل ٤ - مسألة التكفير ٥ - الاعتدال والتجرد والإنصاف في الحكم على الآخر ٦ - إشكالات في حديث افتراق الأمة المحور الثالث: تصحيح المعاملة مع الآخر واشتمل على ستة مباحث: ١ - لا إنكار في مسائل الخلاف ٢ - المنهج الشرعي في التعامل مع المخالف ٣ - نماذج مشرقة ونماذج مظلمة من التاريخ في التعامل مع المخالف ٤ - هو سماكم المسلمين ٥ - لنتعاون فيما اتفقنا عليه ٦ - تجنب الإرهاب الفكري وردود الأفعال ثانياً: النقد - ذكر المؤلف في مقدمة كتابه (ص٥٧، ٥٨) أنه سيحاول أن يكون متحرراً من كل سلطة في نقد الأفكار، ثم إنه يحاول ممارسة نوع من الإكراه على قبول فكرته وما يطرحه في هذا الكتاب برمي المعارضين لفكرته بالغلو ووصفهم بالغلاة بينما من يقبل فكرته يكون من العقلاء والمعتدلين. ولئن كان المؤلف في كتابه الذي سبق وأن عرضناه من قبل وهو كتاب (المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك) حاول التقريب بين أهل السنة والأشاعرة والماتريدية، بل جعل هاتين الفرقتين من أهل السنة، فالأمر هنا أكبر والخطب أشد، فهو يحاول التقريب بين أهل السنة والصوفية والمعتزلة والإباضية والشيعة بل والإسماعيلية والنصيرية وغيرهما من الفرق المنتسبة للإسلام. ولأن المؤلف يعلم حجم مخالفات بعض الفرق التي ذكرها بل مصادمتها مع أصول الإسلام ومسلماته يقول محاولاً تبرئة ساحته بعد ذكر الإسماعيلية فيما نسب إليها من القول بتناسخ الأرواح وإنكار البعث والجنة والنار يقول (ص ٩٩): (ومما يجدر التنبيه عليه هنا أنني في هذا النموذج وفي بقية النماذج إنما كتبت ما اطلعت عليه، وأخلي مسئوليتي عما قد يوجد في كتب القوم مما لم أطلع عليه، أو عما إذا كان المنقول عنهم إنما قيل تقية، أو عما إذا كان واقع الأتباع اليوم على خلاف المنقول عن كتبهم). إذن فإلى أي شيء يدعو وهو ليس على ثقة من مذاهب هؤلاء القوم؟!. - في (ص ١٨١) يقول: (وأحسن من رأيته تكلم في ضابط التكفير في العقائد وغيرها هو أبو حامد الغزالي في رسالته (فيصل التفرقة) ضمن رسائله (ص ٧٨ - ٨٤) حيث قال: (الكفر هو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به، والإيمان هو تصديقه بكل ما جاء به ... ) إلخ. فتأمل كيف استحسن كلام الغزالي في حصر الكفر في التكذيب، مع كون الكفر يحصل أيضاً بالقول أو الفعل، وحصر التكفير في التكذيب هو من عقائد المرجئة. - ذكر المؤلف نماذج من معتقدات بعض الفرق وترك نماذج أخرى أهم، وبعضها فيه انحراف وبعد كبير عن منهج أهل السنة. - ولأن منهجه في التقريب بين المذاهب المختلفة بعد إذابة الفوارق بينهم أو تمييعها يعارضه حديث افتراق الأمة حاول أن يثير الشكوك حول هذا الحديث من ناحية صحته وضعفه ككل، وخاصة زيادة (كلها في النار إلا واحدة). ولأن أهل السنة من أكبر ما يميزهم عن أهل البدع هو اعتمادهم على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة حاول أن يزعزع هذا الأصل بإيراد ثلاثة إشكالات عليه (ص ٢٣٩) ومنها إشكال في تحديد السلف الصالح، حيث ذكر أن في تحديدهم أقوالاً كثيرة، ولم يذكر منها إلا ثلاثة، ثم قال: (كل طائفة تدعي أن لها سلفاً من تلك القرون الفاضلة بل كل طائفة تدعي أن ما هي عليه هو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه) إذن وعلى كلامه فلا يصح لأهل السنة أن يدعوا تميزهم بهذا الأصل. ثم ذكر إشكالين آخرين متهافتين الأول هو أننا إذا حددنا السلف الصالح فهم إما أن يجمعوا وإما أن يختلفوا، فإن أجمعوا فإجماعهم حجة، وإن اختلفوا فاختلافهم رحمة وسعة. ويتساءل ما الفائدة من قولنا على فهم السلف، والإجماع من أهل كل عصر حجة؟ فكأنه يسوي بين الصحابة وغيرهم ويقلل من منزلتهم ومكانتهم وما لهم من تميز عن سائر الأمة بدلالة نصوص الكتاب والسنة. ثم أتبع ذلك بإشكال آخر (ص ٢٤٠) وهو أن الاختلاف في العقائد حصل في القرون المفضلة وأن هذا الخلاف يخرق الإجماع -على خلاف بين أهل السنة في ذلك كما يقول- وطالما أن المسألة ليس فيها إجماع فالخلاف فيه سعة حينئذ. وهو هنا يحاول أن يتحرر من أصول أهل السنة من أجل التقارب مع الفرق الضالة وتحقيق الألفة معهم. - وتحت عنوان من هي الفرقة الناجية أتى بشيء عجيب وهو أنه تحول من الكلام عن الفرقة الناجية والتي لها خصائص معينة وصفات معينة ليتكلم عن الناجي فقال: (إن الناجي هو المتقي من أي طائفة كان - عقدية أو فقهية أو دعوية - والناجي في مجال الفكر والعقيدة هو من بذل جهده للوصول إلى الحق بتجرد وإنصاف سواء أصاب الحق أم أخطأه من أي طائفة كان لأن ذلك وسعه ومستطاعه من التقوى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ومن لم يبذل جهده للوصول للحق أو بذله بلا تجرد وإنصاف فهو مقصر وصاحب هوى غير متقي وهو غير ناج سواء أصاب الحق أم أخطأه من أي طائفة كان ومن ذلك نعلم أن مناط النجاة هو الشخص لا الطائفة. ولما أورد اعتراضاً على نفسه بأن الحديث فيه أن الناجي طائفة قال (ص ٢٤٢): (إن مجموع أولئك الناجين من كل المذاهب هم الفرقة الناجية). فمن سلفه في هذا الفهم العجيب الذي يجعل المتقي من السنة والشيعة والمعتزلة والخوارج والنصيرية وغيرهم يشكلون الفرقة الناجية بغض النظر عن المنهج والعقيدة؟!!. نعوذ بالله من الخذلان. - في آخر الكتاب (ص ٣٢٣) وتحت عنوان مقتطفات من كلام بعض المشايخ في قضية التقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية ذكر كلاماً للشيخ يوسف القرضاوي وغيره، وها هو الشيخ القرضاوي يعلن تراجعه عن التقارب مع الشيعة فيقول بلسان من عرف الواقع وبصَّرته التجربة: (لا يمكن أن نتفاهم ونتقارب فيما بيننا وأنا أقول أبو بكر ﵁، وأنت تقول أبو بكر لعنه الله، فكم الفرق بعيد بين الترضي عن شخص وقذفه باللعنة). وقد أعلن أن أغلب الشيعة يؤمنون بأن القرآن ناقص، وأنهم لا زالوا يتقربون إلى الله بسب ولعن الصحابة رضوان الله عليهم. كذلك اكتشف الشيخ القرضاوي حقيقة هامة وهي: أن محاولات التقريب من جانب الشيعة كانت ستاراً لنشر التشيع في ديار أهل السنة يدرك ذلك من وقف على ظواهر المد الشيعي في بلاد السنة. ثم إن المؤلف نفسه يعترف كما في (ص ٢٧٢) بـ (أن التقية عند الإمامية تعد حاجزاً أمام تصديق أهل السنة لأي تصحيح أو تقارب من قبل الشيعة، ولكننا نقول: إن حَسَنَ المعاملة ولو تقية خير من سيئ المعاملة). انتهى كلامه، فكيف بعد ذلك نقول بالتقارب معهم وهم يتحينون الفرصة للانقضاض على أهل السنة والفتك بهم، وما فائدة حسن المعاملة في الظاهر تقية، وما يدريه أن ما قرأه أو سمعه منهم إنما كان على سبيل التقية. وتاريخ الشيعة مع السنة تاريخ حافل بالغدر والخيانة ومناصرة الأعداء ضد أهل السنة في القديم والحديث. - إن كلام المؤلف في موضوع تصحيح التصور عن الآخر وتصحيح الفهم عنه يصلح فيما يتعلق بالأفراد والجماعات التي لم تُعرف حقيقتها، أما الفرق المبتدعة التي ذكرها فإن كتب الفرق والملل والنحل قد تكفلت ببيان حقائقها وأفكارها ومعتقداتها المخالفة للعقيدة الصحيحة، وإن تحقيق الألفة لا يكون على حساب الدين والعقيدة، وكما قيل: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة. هذه بعض المؤاخذات على الكتاب والذي يحتاج إلى من يقوم بالرد عليه ردًّا شافياً، وبيان أخطائه بياناً تفصيليًّا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1352

تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم محمد أبي شقة (عرض ونقد) ٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) لعبد الحليم محمد أبي شقة، من أبرز كتابات المدرسة العصرانية، وقد طبع هذا الكتاب منذ أكثر من عشرين سنة، وانتشر في كثير من بلدان العالم، وأصبح مرجعًا لعدد كبير من العصرانيين، واعتمد في بعض جامعات الدول العربية. قدَّم لهذا الكتاب وأثنى عليه اثنان من أعلام العصر الحاضر؛ هما الشيخ محمد الغزالي، والشيخ يوسف القرضاوي -غفر الله لهما- وهذا التقديم زاد من شهرة الكتاب وانتشاره. كما أقيم لهذا الكتاب وللفكر الذي يطرحه احتفالية كبيرة في مصر، بعد وفاة المؤلف، شارك فيها بعض المفكرين الذين أثنوا على الكتاب ومنهجه في طرح قضايا المرأة. ومما قد يلبس على بعض الناس أن المؤلف حشد في كتابه ما استطاع من نصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم مما يتعلق بالمرأة، وقام بتصنيفها وعنونتها والتعليق على بعضها. لذا أحببنا إلقاء الضوء على هذا الكتاب وبيان خطورته وما عليه من مآخذ: أولًا العرض: يتكون كتاب تحرير المرأة من ستة أجزاء، اشتمل كل جزء منها على العديد من الفصول وها هو تفصيلها: الجزء الأول معالم شخصية المرأة المسلمة وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال ثمان فصول وهي: - شخصية المرأة في القرآن الكريم الفصل الأول: بعض معالم شخصية المرأة في القرآن الكريم الفصل الثاني: مواقف طيبة للمرأة في القرآن الكريم. شخصيات نسائية في القرآن الكريم. الفصل الثالث: بعض معالم شخصية المرأة في صحيحي البخاري ومسلم. الفصل الرابع: مواقف نسائية كريمة. الفصل الخامس: نماذج من قوة شخصية المرأة المسلمة وحسن إدراكها لحقوقها وواجباتها. الفصل السادس: شخصيات نسائية. الفصل السابع: أحاديث صحيحة عن شخصية المرأة أساء البعض فهمها وتطبيقها. الفصل الثامن: تعقيبات على معالم شخصية المرأة المسلمة. الجزء الثاني: مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال ثمانية فصول وهي: الفصل الأول: دواعي مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية في عصر الرسالة. الفصل الثاني: آداب اشتراك المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية ولقائها الرجال. الفصل الثالث: مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية في عهود الأنبياء ﵈. الفصل الرابع: لقاء نساء النبي ﷺ الرجال في مجالات الحياة قبل فرض الحجاب. الفصل الخامس: وقائع مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية في عصر الرسالة. الفصل السادس: مشاركة المرأة المسلمة في العمل المهني والمعالم الشرعية للمشاركة. الفصل السابع: مشاركة المرأة المسلمة في النشاط الاجتماعي والمعالم الشرعية للمشاركة. الفصل الثامن: مشاركة المرأة المسلمة في النشاط السياسي والمعالم الشرعية للمشاركة. الجزء الثالث: حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال ثلاثة فصول وهي: الفصل الأول اشتمل على: أولاً: حوار حول اعتراضات على أدلة مشروعية المشاركة واللقاء. ثانياً: حوار حول أدلة تساق لحظر المشاركة واللقاء. ثالثاً: حوار حول بعض أقوال للمعارضين. الفصل الثاني: حوار حول الحجاب الوارد في قوله تعالى: ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾ وإثبات خصوصيته بنساء النبي ﷺ . الفصل الثالث: حوار حول الغلو في تطبيق قاعدة سد الذريعة الجزء الرابع: لباس المرأة المسلمة وزينتها عند لقائها الرجال الأجانب وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال أحد عشر فصلًا وهي: الفصل الأول: مقدمات الفصل الثاني: الشرط الأول في لباس المرأة. - معالم ستر بدن المرأة في القرآن الكريم. الفصل الثالث: سفور وجه المرأة كان هو الغالب في مجتمع المسلمين على عهد النبي ﷺ . الفصل الرابع: قرائن إضافية على مشروعية سفور وجه المرأة. الفصل الخامس: اتفاق الفقهاء المتقدمين على مشروعية سفور وجه المرأة. الفصل السادس: النقاب بين الجاهلية والإسلام. الفصل السابع: وجوب كشف المرأة وجهها في الإحرام. الفصل الثامن: الشرط الثاني في لباس المرأة وزينتها: التزام الاعتدال في زينة الوجه والكفين والقديم والثياب. الفصل التاسع: واشتمل على ذكر ثلاثة شروط أخرى في لباس المرأة وهي: الشرط الثالث: أن يكون لباس المرأة وزينتها مما تعارف عليه مجتمع المسلمين. الشرط الرابع: أن يكون لباس المرأة مخالفًا في مجموعه للباس الرجال. الشرط الخامس: أن تكون ثياب المرأة وزينتها مخالفة في مجموعها لما تتميز به الكافرات. الفصل العاشر: حوار مع المعارضين القائلين بوجوب ستر الوجه. الفصل الحادي عشر: حوار مع المعارضين القائلين بندب ستر الوجه. الجزء الخامس: مكانة المرأة المسلمة في الأسرة وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال تسعة فصول وهي: الفصل الأول: الزواج في شريعة الإسلام. الفصل الثاني: الخطبة الفصل الثالث: المهر الفصل الرابع: عقد النكاح الفصل الخامس: الحقوق المتماثلة للزوجين: أولًا: الحق الأساسي الشامل: حق الرعاية الفصل السادس: الحقوق المتماثلة للزوجين ثانيًا: الحقوق الجزئية. الفصل السابع: الخلاف بين الزوجين ومعالجته الفصل الثامن: حق المفارقة لكل من الزوجين. الفصل التاسع: تعدد الزوجات الجزء السادس: الثقافة الجنسية بين الزوجين وهذا الجزء تناوله المؤلف من خلال ثمان فصول وهي: الفصل الأول: مقدمات الفصل الثاني: الثقافة الجنسية والحياء الفصل الثالث: تقرير الشريعة قوة الشهوة الجنسية الفصل الرابع: تيسير الشريعة مجالات ممارسة المتعة الجنسية الفصل الخامس: الآداب الواجبة المتعلقة بالمتعة الجنسية الفصل السادس: الشريعة وفنون الاستمتاع الفصل السابع: هدي النبي ﷺ في الزواج والاستمتاع الفصل الثامن: نماذج من أقوال الفقهاء في الثقافة الجنسية. ثانيًا النقد: حاول المؤلف إثبات بعض القضايا المصادمة لتعاليم الإسلام من خلال كتابه هذا، ومنها: ١ - مشروعية الاختلاط بين الرجال والنساء. فقد ذهب المؤلف إلى مشروعية الاختلاط بين الرجال والنساء، وأنه الأصل، وأن أدلة السنة المتكاثرة قد دلت عليه، وقد سماه الاختلاط المشروع. ٢ - أن الأصل هو كشف الوجه، وأما النقاب فهو عادة من عادات التجمل قبل الإسلام. لذا فهو يروج لكشف الوجه ويجعل النقاب فيه تضييق على المرأة فيقول عنه أنه (تضييق على ما منحها الله من قوة الإبصار وتضييق حريتها في تنفس الهواء). ٣ - جواز تزيين المرأة في وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب. فيقول: (على المرأة المسلمة أن تلتزم بقدر من الزينة الظاهرة طول حياتها، سواء جلست في بيتها أو خرجت للمشاركة في الحياة الاجتماعية) ويقول: (أما أنواع الطيب والأصباغ كالصفرة والخلوق والزعفران والخمرة، فلابد من مضي بعض الوقت لتزول، خاصة وأنها من طيب النساء الذي من خواصه ظهور لونه وخفاء ريحه. وهذا يعني أن المرأة إذا تزينت بمثل تلك الزينة وهي في بيتها بين زوجها وأولادها ومحارمها، ثم دخل على الأسرة رجال من غير المحارم أو خرجت المرأة لقضاء مصلحة لها، فلابد أن يرى الرجال ما ظهر من زينتها التي تزينت بها وهي في بيتها. وسبحان ربنا الرءوف الرحيم، فإنه لم يحرج مثل تلك المرأة، ولم يفرض عليها الامتناع عن لقاء الرجال أو إزالة تلك الزينة، بل استثناها سبحانه مما يجب أن تخفيه من زينتها وقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]) ٤ - أن القرار في البيت والحجاب، من خصوصيات أمهات المؤمنين. ٦ - تساوي المرأة مع الرجل في ميادين العمل، وإلغاء خصوصية كلٍّ منهما بعملٍ يختلف عن الآخر. منهجه في التعامل مع النصوص: ١ - اتباع المؤلف للمتشابه وتركه للمحكم من النصوص، فعلى سبيل المثال قام المؤلف بسرد الأدلة في موضوع غض البصر، ووقف مع بعض هذه الأدلة ليقرر أن النظر إلى النساء ليس كله حرام، إلا إذا اقترن بشهوة ولم يجب عن الأدلة الصريحة في المنع من نظر الرجال إلى النساء. ٢ - اختلال الأمانة العلمية عند المؤلف. ومنها على سبيل المثال بتر المؤلف للأحاديث النبوية كما في حديث إهداء أم سليم للنبي ﷺ وحديث حديث دخول الرجال على أسماء بنت عميس. وبتره لكلام العلماء كما في كلام ابن حجر في تثبت المرأة من الفتوى، ونسبته لابن أبي شيبة ما لم يقله إلى غير ذلك. ٣ - تحميل النص ما لا يحتمل والتكلف في الاستدلال. ومنها على سبيل المثال استدلال المؤلف على مشاركة المرأة في العهد النبوي في الاحتفالات العامة المختلطة: بحديث أنسٍ ﵁، قال: رأى النَّبيُّ ﷺ النساء والصِّبيان مقبلين من عرسٍ فقام النَّبيُّ ﷺ ممثلاً فقال: ((اللَّهمَّ أنتم من أحبِّ النَّاس إليَّ)). قالها ثلاث مرارٍ. فأين وجه الاستدلال من هذا الحديث؟ لم يذكره المؤلف. ومنها استدلاله بحديث ابن عباس قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. فيستدل به على (أن تعود رؤية الجنس الآخر في مناسبات جادة، وفي جو عائلي رصين يسوده الاحتشام، مما يبعد الخجل الْمَرَضي عن التقي والإنسان العاقل السوي، ويخفف من حدة الشره الجنسي عند الشقي والإنسان الضعيف صاحب القلب المريض). ٤ - تحريفه لمعاني أحاديث المرأة. كما في حديث أن أكثر أهل النار من النساء وحديث نقصان عقل المرأة وغير ذلك. ٥ - وقوعه في التناقض: أ- فهو يسخر من ستر الوجه، ومع ذلك يقر بوقوع ستر الوجه بالنقاب من بعض المؤمنات على عهد النبي ﷺ ب- دعواه بأنه سيعتمد على نصوص الصحيحين فقط، وأنه سيؤيد كلامه بالدليل، ثم تجده عند اختياره جواز أن تلبس المرأة ما يصف حجم بعض أعضائها يقول: (إن عامة الصالحات من نساء الأتراك في عصرنا يبدو شيء من أسافل سوقهن مما يلي الكعبين، لكنه مغطى بجوارب سميكة، وذلك دون إنكار من العلماء). فأين الدليل من الكتاب والسنة على ذلك؟! هذه بعض المؤاخذات على الكتاب، ومن أراد الاستزادة فيمكن أن يراجع نقد الشيخ سليمان الخراشي للكتاب وهو في رسالة صغيرة، وكذلك كتاب (تحرير المرأة عند العصرانيين كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة أنموذجاً) للدكتور عادل بن حسن الحمد، وهو من إصدارات مؤسسة الدرر السنية للنشر، ويطبع لأول مرة.

стр. 1353

مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتوى المعاصرة (عرض ونقد) ٤ صفر ١٤٣٢هـ البدعة خطرها عظيم وضررها جسيم، والابتداع في الدين في حقيقته هجر للمشروع، واستدراك على الشرع، ويفضي في نهاية الأمر إلى شرع محرف مبدل؛ لذا كانت البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية. وقد ألف العلماء في البدع قديماً وحديثاً، ومن المؤلفات الجديدة كتاب (مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة- دراسة تأصيلية تطبيقية) للدكتور عبد الإله بن حسين العرفج، والكتاب يحاول تقرير أن ليس كل بدعة ضلالة وأن البدع تنقسم إلى خمسة أقسام: واجب ومستحب وجائز ومكروه ومحرم، ولئن كان هذا التقسيم وهذا القول ليس بجديد وقد سبقه غيره إليه إلا أن الجديد في هذا الكتاب هو الأمثلة والشواهد التي حصرها واجتهد في جمعها. عرض محتويات الكتاب: عقد المؤلف كتابه في أحد عشر فصلاً، وهذا تفصيلها: الفصل الأول: مقدمة في كمال الدين الفصل الثاني: أنواع النوازل المستجدات وكيفية التعامل معها الفصل الثالث: معنى البدعة في اللغة والشرع الفصل الرابع: حكم الترك وأنواعه الفصل الخامس: هدي النبي ﷺ فيما أحدثه الصحابة ﵃ الفصل السادس: هدي الصحابة ﵃ في المحدثات بعد وفاة رسول الله ﷺ الفصل السابع: التوقيف في العبادات والقياس عليها الفصل الثامن: نماذج من اختلاف السلف في الحكم التطبيقي للبدعة الفصل التاسع: نماذج لاختلاف المضيقين لمعنى البدعة في حكم بعض المحدثات الفصل العاشر: مقارنة بين محدثات المولد النبوي وصلاة القيام وعشاء الوالدين الفصل الحادي عشر: صفات البدعة المذمومة في الشرع المؤاخذات على الكتاب: ا- الخلط بين المحدثات في العبادات والمحدثات في الوسائل كمساند الصف أو المحدثات الدنيوية كالمهرجانات الشعبية والتراثية. ومن تأمل بعض الأمثلة التي ذكرها وجد أنها خارجة عن موضوع البدعة ومفهومها. ٢ - قصر المؤلف فهم حديث (من سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة ... ) على معنى واحد فقط، وهو إحياء السنن المهجورة بينما له معان أخرى كابتداء عمل مشروع أو فعل وسيلة لأمر مشروع إلى غير ذلك وليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع وابتداء المرء شيئا من تلقاء نفسه كما حاول أن يثبت المؤلف. ٣ - ربط المؤلف بين الحكم بالبدعية والتبديع. وقد أغفل المؤلف قاعدة مشهورة وهي التفريق بين الحكم على الفعل أنه بدعة وبين تبديع الفاعل، وهو قد ذكر في كتابه مسائل عديدة لكبار العلماء المعاصرين وحُكم بعضهم عليها بالبدعة، ومع هذا لم نسمع أن أحداً منهم بدَّع الآخر. ٤ - الاضطرب في تحرير مفهوم الترك - أي ما لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه - وما يقتضيه عند المضيِّقين لمعنى البدعة، فيحاول أن ينسب إليهم القول بأن الترك يقتضي التحريم بينما هم يشترطون قيد انتفاء الموانع وقيام المقتضي ولاشك أن هناك فرقاً بين القول بأن (الترك يقتضي التحريم) مطلقاً، وبين تقييد ذلك بـ (مع قيام المقتضي وانتفاء المانع). ٥ - احتجاجه بأن الصحابة أحدثوا عبادات في حياة الرسول ﷺ وبعد وفاته. فأما في حياته فيجاب عنه بأن هذا كان في زمن التشريع وقبل اكتمال الدين، وكان الصحابة يفعلون ما يأمرهم به النبي ﷺ وربما اجتهد الواحد منهم اجتهاداً، فإن أصاب أقره النبي ﷺ وبإقراره أصبح سنة مستحبة، وإن أخطأ أنكر عليه، حتى نزل قول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهي من آخر ما نزل من الآيات. كذلك فإن الصحابة بشر يجتهد الواحد منهم فقد يصيب وقد يخطئ، وفعله في عهد النبي ﷺ ليس بحجة حتى يقره عليه صلوات الله عليه وسلامه. وأما بعد وفاته فجميع الأمثلة التي أوردها المؤلف لا تخرج عن أحد حالات أربع: إما أنها لا تصح سنداً. أو هي وسيلة وليست عبادة بذاتها. أو هي مما لم يكن مقتضاه وموجبه موجوداً على عهد رسول الله ﷺ . أو هي من الأذكار والنوافل المطلقة التي لم يقل ببدعيتها أحد. ٦ - احتجاجه باختلاف السلف في الحكم على بعض المحدثات بالبدعية على أن البدعة ليست كلها ضلالة ومحاولته تقرير أن تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة يفسر اختلاف العلماء في الحكم على بدعية مسألة ما، أما تضييقهم لمعنى البدعة، وأنها كلها ضلالة فليس فيه مسوغ لاختلافهم في الحكم. ويجاب عنه بأن الحكم بالبدعة من الأمور التي يجتهد فيها العالم أو الفقيه، كالحكم بالكراهة والتحريم، ولكن ينبغي أن يُعلم أيضاً أن الحكم على الشيء بأنه بدعة لا يكون في الأمور الاجتهادية؛ لأن التبديع إنكار ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، أما المسائل الخلافية فلا حرج من الإنكار فيها والحكم على بعضها بالبدعة، ولكن مع التحلي بالأدب. ٧ - مقارنته بين ثلاث محدثات مستجدات (المولد النبوي، وصلاة القيام، وعشاء الوالدين) لمحاولة إثبات مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي والذي أكثر من ذكره في كتابه ليلزم من أفتى بجواز بعضها القول بجواز الباقي، ويجاب عن ذلك بأن صلاة القيام لها أصل، فعلها النبي ﷺ وفعلها الصحابة من بعده، أما تقسيمها قسمين أو ثلاثة وفي أول الليل أو وسطه أو آخره فهذا حسب ظروف الناس وأحوالهم. كذلك فإن عشاء الوالدين الذي أجازه العلماء هو التصدق عنهما، وليس مجرد الذبح كما يوهم كلام المؤلف. لكن ما هو أصل الاحتفال بالمولد؟! وهل فعله الصحابة بعد موت النبي ﷺ ؟! هذه بعض المؤاخذات على هذا الكتاب مع إجمال الرد عليها، ومن أراد الاستزادة في التعرف على هذه المؤاخذات مع تفصيل الرد عليها فليرجع إلى كتاب (كل بدعة ضلالة قراءة ناقدة وهادئة لكتاب مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة) للشيخ علوي بن عبد القادر السقاف المشرف العام على موقع الدرر السنية، والكتاب من إصدارات مؤسسة الدرر السنية.

стр. 1354

كتاب: المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك والإعلام بأن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة (عرض ونقد) ٣ محرم ١٤٣٢هـ كتاب هذا الشهر هو كتاب (المنهجية العامة في العقيدة والفقه والسلوك والإعلام بأن الأشعرية والماتريدية من أهل السنة) لعبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، والكتاب سبق عرض نظيره في تقرير أن التفويض مذهب السلف وأهل الحديث، وأن الأشاعرة هم أهل السنة كما في كتاب (القول التمام) و (أهل السنة الأشاعرة) لكن يزيد المؤلف هنا إلى الأشاعرة الماتريدية، ويزيد أيضا جديداً في مجال التربية والتزكية بجعلها على طريقة المتصوفة، وسنستعرض الكتاب، ونبين ما عليه من مؤاخذات. أولا: عرض الكتاب ١ - تحت عنوان: أولاً: في التوحيد والعقيدة قرر المؤلف أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة، واحتج بأنه بعد ظهور الأشعري والماتريدي لا تكاد تجد أحدا من أهل العلم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين والمتكلمين واللغويين والمؤرخين والقادة والمصلحين- وذكر جملة من أهل العلم وغيرهم- إلا وهو من المنتسبين لهذين المذهبين، فكيف يكونون مبتدعين ضالين خارجين عن أهل السنة والجماعة، وذكر أقوالاً لطائفة من أهل الحديث والحنابلة في أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة. ٢ - ثم انتقل المؤلف إلى عنوان جديد باسم: متى بدأت الفتنة بين الفريقين وذكر فيه تعاون أهل الحديث والحنابلة مع الأشعرية والماتريدية تجاه المبتدعة والزنادقة، ومظاهر الفساد والانحلال إلى حدثت الفتنة بين الطائفتين في القرن الخامس الهجري، والتي عرفت بفتنة ابن القشيرى وذكر أمثلة للعلاقة الطيبة بين الحنابلة والأشاعرة، وأن الفتنة التي حصلت تلقي بظلالها على العلاقة بين أهل السنة في وقتنا المعاصر مع أننا في حاجة إلى الألفة والاتحاد في وجه أعدائنا الذين تكالبوا علينا. ٣ - وفي ختام المبحث السابق قال المؤلف: تنبيه مهم جدًّا. وأورد فيه سؤالين وأجاب عنهما الأول أنه كيف تجعل الفرقة الناجية ثلاث فرق مع أن الفرقة الناجية لا بد أن تكون واحدة فأجاب بأن التعدد لا يمنع من الانتماء للفرقة الناجية فيمكن أن يكون المنتمون إليها محدثين وفقهاء ومفسرين وحنفية ومالكية ومصريين وشاميين ... إلخ ثم أورد على نفسه سؤالاً ثانياً بأن هذا التعدد ليس في العقائد بل في الفروع فأجاب أن الاختلاف بين المذاهب الثلاثة ليس في أصول العقائد بل بعضه في الفرعيات والبعض الآخر- وهو الأكثر- اختلاف لفظي لا حقيقي وأراد أن يدلل على ذلك باستعراض أحد مسائل الخلاف بين الطائفتين وهي مسألة الأسماء والصفات، وأفردها بالبحث تحت عنوان: مسألة الصفات أنموذجاً. ٤ - في المبحث المشار إليه آنفا ذكر ما اتفق عليه الحنابلة وأهل الحديث والأشاعرة والماتريدية في باب الأسماء والصفات من أن الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العليا وأنه منزه عن صفات النقص بأي وجه من الوجوه، وأنه واحد في أسمائه وصفاته لا يشابه خلقه في شيء إلى غير ذلك، ثم ذكر بعض كلام الحنابلة وأهل الحديث في نفي الجسمية عن الله ولوازمها، ثم ذكر طائفة من أقوال الأشاعرة والماتريدية في ذلك، ثم بعد ذلك قال: إنهم اختلفوا في مسألة جزئية فرعية وهي أن هناك آيات وأحاديث يوهم ظاهرها التجسيم أو التشبيه كالوجه واليد والمجيء فالمجسمة حملوها على مقتضى الحس وظاهر اللغة وأهل الحديث والحنابلة قالوا: نثبتها لله مع تنزيهه عن الجسمية ونكل العلم بحقيقتها إلى الله تعالى وبعضهم يسمي ذلك إثباتاً وبعضهم يسميه تفويضاً، وبعضهم يسميه تفويض معنى، وآخرون يسمونه تفويض كيفية، وغيرهم يسميه تفويض حقيقة وكنه، ثم ذكر طائفة من أقوالهم في التفويض ثم ذكر أن للأشاعرة طريقتين: الأولى كطريقة أهل الحديث والحنابلة والثانية هي التأويل لهذه النصوص بما يليق بالله تعالى ويتناسب مع اللغة، وذكر جملة من أقوال الأشاعرة في ذلك، وختم هذا المبحث بذكر نماذج من تأويلات السلف. وفي القسم الثاني من الكتاب وهو في الفقه والأحكام تناول عدة مسائل وهي: ١ - بين الفقه والحديث ٢ - الفقه ثمرة الحديث ٣ - أهمية معرفة فقه الحديث ٤ - فوضى فقهية معاصرة، وذكر صوراً من هذه الفوضى الفقهية في هذا الزمان كهجر كتب الفقه المذهبي إلى كتب الظاهرية أو إلى استنباط الأحكام من كتب الحديث، أو تدريس كتب الفقه دون مراعاة ما كان عليه الأئمة من التدرج في سلم التعلم أو التوسع في المسائل، وبيان الراجح في كل مسألة إلى غير ذلك. ثم انتقل المؤلف إلى بيان المنهجية العامة في الفقه بدراسة الفقه على أحد المذاهب الأربعة بتدرج، فيبدأ بمتن مختصر ثم متوسط ثم مطول ثم الشروح والحواشي ثم الفقه المقارن، ثم تناول مسألتين الأولى حكم الخروج عن المذاهب الربعة والثانية حكم خروج المرء عن مذهبه. ثم قال المؤلف: تنبيه مهم جدًّا. وذكر أنه توجد مسائل كثيرة من مسائل الفروع والأحكام والفقه يظنها البعض من مسائل المعتقد والأصول، وأخذ نموذجاً على ذلك موضوع التوسل، وذكر أنه ثلاثة أقسام مشروع باتفاق وممنوع باتفاق ومختلف فيه، وهذا الذي توسع فيه فذكر اختلاف العلماء فيه على ثلاثة أقوال المشروعية والمنع والثالث مشروعيته في حق النبي ﷺ ، ثم سرد أقوال المذاهب الأربعة ونقل كلاماً للشوكاني في جوازه، وختم المبحث بأن المسألة خلافية وأنه لا إنكار في مسائل الخلاف. وأما القسم الثالث من أقسام الكتاب فكان عن التزكية والسلوك وذكر فيه أن الطريق لتحقيق مقام الإحسان يكون بالتزكية والسلوك وأن الأئمة على مر العصور كانوا يسمونه بعلم التصوف، ثم ذكر معناه وأهميته وذكر المنحرفين عن التصوف الحق ثم ذكر جملة من أقوال العلماء في مدح التصوف الحق وأهله، ثم تحدث عن موضوع كرامات الأولياء وذكر بعض كرامات الأولياء ثم ذكر الخلاصة في المنهجية العامة في السلوك بالاهتمام بتربية النفس وتزكيتها بالعلم والعمل والتخلية والتحلية حتى يصل إلى مقام الإحسان وأن ذلك لابد أن يكون على يد شيخ مربي. ثانيا المؤاخذات على الكتاب ١ - دعواه أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة وهذه مغالطة؛ لأن الأشاعرة والماتريدية يخالفان السلف في مسائل عديدة من مسائل الاعتقاد كمسائل الإيمان والأسماء والصفات وغيرها، ولذلك فلا يعدون من أهل السنة والجماعة وإن كانوا أقرب الفرق إليهم. ٢ - ما ادعاه بأن أكثر أهل العلم بعد ظهور الأشعري والماتريدي كانوا إما أشاعرة أو ماتريدية قول فيه نظر. وقد كانت هناك أسباب معينة ساهمت في نشر هذين المذهبين وانتشارهما كتبني بعض الدول والخلافات لهذه المذاهب واعتناق بعض الأمراء لها. ثم لنتساءل على أي المذاهب كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم وعلى أي المذاهب كان الأئمة الأربعة والليث بن سعد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم الكثير والكثير قبل ظهور مذهب الأشاعرة والماتريدية وبعده؟ هؤلاء جميعا وغيرهم كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة. ٣ - ثم إن قول المؤلف: إن الأشاعرة والماتريدية هم نقلة الدين والطعن فيهم طعن في الدين. ويقيسهم على الصحابة في ذلك، فهذا غير صحيح، فإذا كان الأشعري نفسه تراجع عن عقيدته التي يتمسك بها الأشاعرة، وإذا كان بعض أئمة المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم اعترفوا بالحيرة والاضطراب وأعلنوا الرجوع والتوبة، فعن أي شيء تراجعوا ومن أي شيء تابوا؟! يقول ابن خويز منداد من المالكية: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها. [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ٩٦] وقال أبو العباس بن سريج الشافعي: لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل [اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم]. وقال أبو الحسن الكرجي الشافعي: لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة. [درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/ ٩٦] وقد بدَّع الإمام أحمد بن حنبل ابن كلاب وأمر بهجره، ويعد ابن كلاب المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري، وموقف الحنابلة منهم وخلافهم معهم مشهور. لذا فمحاولة المؤلف إظهار أن سبب الخلاف بين أهل الحديث والحنابلة من جهة والأشعرية والماتريدية من جهة أخرى هو فتنة ابن القشيري كلام مردود فالخلاف قبله. ٤ - محاولة المؤلف الإجابة على جعل الفرقة الناجية فرقاً ثلاثة كلام لا يسلم له فكون الشخص منتسباً إلى علم من العلوم كمفسر أو فقيه أو أصولي أو إلى بلد كمصري ومكي وشامي لا ينافي كونه من الفرقة الناجية لاتحاد المنهج، بخلاف انتساب فرقة تباين منهج الفرقة الناجية في كثير من معتقداتها، وهذا الاختلاف ليس كما قال خلاف في الفروع أو خلاف لفظي بل هو خلاف في الأصول وهو خلاف حقيقي. ثم ذكر مسألة الأسماء والصفات أنموذجاً، ووقع فيها خلط في جعل مذهب أهل الحديث هو التفويض والتسوية بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية وتفويض الحقيقة وبين الإثبات وقال: لا تهمنا التسمية. وذكر أقوالاً جعلها في التفويض، وهي في الإثبات ليذيب الفارق بين مذهب أهل السنة وغيرهم، ويميع معالم معتقدهم في أسماء الله وصفاته، ويدل على ذلك أنه قال: وأما الأشاعرة فلهم في ذلك طريقان: الأولى كطريقة أهل الحديث والحنابلة [يعني التفويض] والثانية: هي تأويل هذه النصوص ... إلخ والكلام عن التفويض والتأويل معروف، وسبق الكلام عنه والرد على الادعاء بأن السلف أولوا بعض الصفات. ٥ - في القسم الثاني من الكتاب وهو المنهجية في الفقه والأحكام تكلم تحت عنوان: تنبيه مهم جدًّا. ما حاصله أن هناك مسائل كثيرة من الفروع والأحكام والفقه يظنها البعض من مسائل المعتقد والأصول وليست كذلك وضرب مثالا بالتوسل وبعد عرض المسألة وخلاف أهل العلم فيها ونقل بعض أقوال من المذاهب الأربعة قال: وإذا كان الأمر كذلك فالقاعدة في ذلك هي: لا إنكار في مسائل الخلاف. ومقصد المؤلف واضح من هذا العرض، ويكفي أن نقول: إن جمهور أهل العلم على عدم الجواز وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا الذي تشهد له الأدلة وتسد به ذرائع الشرك. والقاعدة التي ذكرها صوابها: لا إنكار في مسائل الاجتهاد وهي التي ليس فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، أما مسائل الخلاف فإن كانت تخالف سنة أو إجماعاً وجب الإنكار، وإن لم تكن كذلك فإنه ينكر بمعنى أن يبين ضعفه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام. ٦ - في القسم الثالث من الكتاب وهو المنهجية في التزكية والسلوك حصر طريق التزكية في التصوف وقرر أن الأئمة كانوا يسمون ذلك بعلم التصوف على مر العصور، وأخذ يذكر أهمية التصوف وثناء بعض العلماء عليه مع أن هذا قد يكون منطبقاً على طائفة متقدمة من الزهاد والعباد لم تخرج عن حدود الشرع، أما حال كثير من المتأخرين- على حد تعبير المؤلف- فالغالب عليه الانحراف، كما قرر هو ذلك، ليس في السلوك فحسب بل في المعتقد أيضاً حتى عدَّهم بعض المصنفين من الفرق، فلماذا حصر طريق التزكية في التصوف وقد دخله ما دخله وعلم حال غالب المتصوفة من مخالفة صريحة للكتاب والسنة وطريق السلف. ٧ - ثم تحدث المؤلف عن الكرامات وإثباتها وضرب أمثلة من الكرامات نقلت عن شيخ الإسلام دون أن يذكر اسمه؛ ليقول: إن هذه الكرامات لما نقلت عن شيخ الإسلام قبلت، ولو نقلت عن غيره لأنكرت، وكأن المؤلف يريد أن يفتح الباب على مصراعيه أمام خرافات الصوفية وخزعبلاتهم وما وقع لهم من خلل في موضوع الكرامة والولاية، ثم إن شيخ الإسلام لم يَدَّعِ معرفة الغيب كما قال عنه: ومَن هذا الشيخ الذي يدعي علم الغيب. إنما هي فراسة كما سماها تلميذاه واستقراء للسنن الربانية وتنزيلها على أرض الواقع، وبعض ما ذكر عنه من كراماته. ٨ - ثم تكلم على السلوك على يد شيخ مربٍّ وهذا يفهم منه أنه على طريقة الصوفية (المريد والشيخ) بدليل ما قدمه في هذا المبحث من نقولات عن بعض المتصوفة. نعم المسلم يحتاج إلى من يتلقى عنه العلم والإيمان والقرآن كما تلقى ذلك الصحابة من الرسول ﷺ وتلقاه عن الصحابة التابعون، ولكن لا يتعين ذلك في شخص معين ولا يحتاج الإنسان أن ينتسب إلى شيخ معين يوالي على متابعته ويعادى على ذلك ويتابعه حتى على زلاته. بالإضافة إلى ما دخل هذا الباب عند الصوفية من انحرافات. هذه أهم المؤاخذات على الكتاب، والله الموفق للصواب.

стр. 1355

كتاب: افعل ولا حرج (عرض ونقد) كلما أهلت أشهر الحج حنت الأفئدة إلى بيت الله، واشتاقت إليه الأنفس، وتجددت الرغبة في أداء مناسك الحج، وأقبلت الوفود من كل مكان يجمعها زمان واحد ومكان واحد. وكتاب هذا الشهر متعلق بالحج وهو كتاب (افعل ولا حرج) للشيخ سلمان بن فهد العودة- حفظه الله- أراد به مؤلفه رفع الحرج عن المسلمين في موسم الحج، والحفاظ على أنفسهم، نظراً لما يتعرضون له من التزاحم الشديد، والذي ينتج عنه المشقة الشديدة والضرر الجسيم، فانتهج منهج التيسير في مناسك الحج، واختيار الأسهل من أقوال العلماء في مسائل الحج، والتوسعة على الحجيج، وهذا المنهج لم يرتضه كثير من أهل العلم لما يترتب عليه من آثار سيئة وعواقب وخيمة كضياع معالم الحج وعدم تعظيم شعائر الله خاصة مع ضعف التدين في هذا الزمان. والكتاب قد قدم له الشيخ عبد الله بن منيع والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الله بن بيه والذي بسط القول في مقدمته- التي بلغت قرابة ٣٠ صفحة- عن مقصد التيسير في الشريعة وفي الحج على وجه الخصوص وتوظيف اختلاف العلماء لرفع الحرج والمشقة. عرض محتويات الكتاب: بعد المقدمة- التي أشار فيها المؤلف إلى أن رسالته هذه ورقة مختصرة في مسائل الحج وتيسيراته، وأنها منتزعة من شرح كتاب الحج من (عمدة الفقه) - تناول المؤلف موضوع تيسيرات الحج من خلال سبعة عناوين: ١ - (ليشهدوا منافع لهم) أبرز فيه حِكَم الحج ومقاصده الشرعية، ومنها: إقامة ذكر الله، والتربية الربانية على أداء الواجب بإتقان وإخلاص، ورعاية حقوق الآخرين ومنازلهم، والتخفف من الدنيا وحظوظها إلى غير ذلك، وتعجب المؤلف من غفلة كثير من المسلمين عن قيم الحج ومراميه وآثاره في النفس والسلوك والحياة. ٢ - (تكرار الحج) ناقش المؤلف فيه مسألة تكرار الحج لمن سبق له الحج ومدى ما يحدثه من آثار صعبة على المسلمين الذين يؤدون حج الفريضة- وليس النافلة- من شيوخ ونساء وضعفاء ومرضى، خاصة وأن المشاعر محدودة والزمان موقوت لا يتقدم ولا يتأخر، وأنه قد يرتكب بعض المسلمين مخالفات في سبيل تكرار الحج، وقد دعا المؤلف من أراد تكرار الحج أن يتصدق بقيمة حجة النافلة على إخوانه المسلمين، ويتصدق أيضا بمكانه بين المناسك لغيره؛ ليسهم في تخفيف الازدحام وتيسير الحج. ٣ - (افعل ولا حرج) وقرر فيه أن الله جعل في الحج سعة لا توجد في غيره من العبادات مستحسناً أن يكون شعار المفتي فيما لا نص فيه أو في جنس ما أفتى به النبي ﷺ (افعل ولا حرج)، ثم ذكر صوراً من هذا التيسير في الحج، بل ذكر أن محظورات الحج فيها توسعة أيضاً، وضرب أمثلة على ذلك. ٤ - (التيسير في أركان الحج) وانتهى فيه إلى أن المتفق عليه من أركان الحج ركنان هما الوقوف بعرفة والطواف، فأما الوقوف بعرفة فقال: إنه يحصل أداؤه بلحظة، وأنه لو دفع قبل الغروب أجزأه عند الأئمة خلافا لمالك مرجحاً أن الأقرب أنه لا شيء عليه، وأن خطأ الناس في الوقوف بعرفة في غير يومه يجزئ إذا أطبق الناس عليه. وذكر عن الركن الثاني- وهو طواف الإفاضة- أنه لا يكون إلا بعد الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، وأن وقته يبدأ بعد نصف الليل باعتبار المعذورين من الضعفة والنساء ومن معهم أو في حكمهم، وذكر أن للعلماء قولين في بداية الطواف: أحدهما بعد الفجر، والثاني بعد منتصف الليل، وأن الأمر في ذلك واسع. وذكر أنه يجوز تأخير الطواف مع طواف الوداع ويجزئ عنهما طواف واحد، وأنه يجوز تأخير الطواف إلى نهاية ذي الحجة ولو فعله بعده أجزأ. ثم بيَّن أن القول بجواز الطواف على غير طهارة يخفف على الناس في الزحام، وأن الحاج إذا لم يتطهر وطاف أو أحدث أثناء الطواف فلا شيء عليه، وأما الحائض فإنها تطوف للضرورة إذا تأخر طهرها وخافت ذهاب رفقتها ولحقها الحرج. ٥ - (التيسير في الرمي) وذكر فيه أنواعاً من التيسير: أ- التيسير في موضع الرمي وذكر كلاماً للسرخسي حاصله: أن الحصاة إذا لم تقع عند الجمرة، ووقعت قريباً منها أجزأه، خصوصاً عند كثرة الزحام، وإن وقعت بعيداً منها لم يجزئه. ب- التيسير في وقت الرمي، وفيه قرر أن للحاج أن يرمي ليلاً، وأن يرمي قبل الزوال في سائر الأيام، وأن له أن يؤخر رمي الجمرات عدا يوم العيد لليوم الأخير للرعاة ومن في معناهم ممن كان مشغولاً أو منزله بعيداً عن الجمرات، ويشق عليه التردد عليها، وألحق بذلك التأخير لتجنب الزحام والمشقة، فهؤلاء يجوز لهم التأخير لرمي الجمرات إلى آخر يوم من أيام التشريق، ولا يجوز تأخيره إلى ما بعد يوم الثالث عشر. ج- التيسير في الإنابة في الرمي: فأجاز للضعفة والنساء أن يوكلوا غيرهم في الرمي. ٦ - (التيسير في التحلل والمبيت) ذكر أن من التيسير القول بوقوع التحلل الأول برمي جمرة العقبة، فإذا رماها يوم العيد حل له كل شيء إلا النساء، بل يحل بمجرد دخول وقت الرمي ولو لم يرم. وذكر أن الأدلة على سقوط المبيت عمن لم يجد مكاناً يليق به وليس عليه شيء، وأن له أن يبيت حيث شاء في مكة أو مزدلفة أو العزيزية أو غيرها، ولا يلزمه المبيت حيث انتهت الخيام بمنى. ٧ - (التيسير في الدماء) ووضح فيه أن من التيسير عدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء. المؤاخذات على الكتاب: وبعد استعراض مضمون الكتاب نذكر مجمل ما أخذ عليه مع إيراد رد مختصر على بعضها: فأما المؤاخذات العامة فمنها: ١ - العنوان: فتسمية الكتاب باسم (افعل ولا حرج) يدل على توسع المؤلف في الاستدلال بهذا الحديث، بينما سبب ورود الحديث أن بعض الصحابة جاء ببعض أعمال يوم النحر على خلاف ترتيب النبي ﷺ فقدم وأخر، فلما سألوا النبي ﷺ عن ذلك أجابهم بقوله: (افعل ولا حرج)، وقال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب اتباع أفعال النبي ﷺ لكون الذين خالفوها لما علموا سألوه عن حكم ذلك. اهـ. فينبغي أن يكون الأصل في الحج هو قوله ﷺ : (لتأخذوا عني مناسككم) وأما ما جاء على خلاف الأصل استثناء ورخصة ورفعا للحرج فيقدر بقدره. ٢ - المبالغة في الأخذ بالرخص والتسهيل في مسائل الحج، حتى صار الاستثناء أصلاً، وتعدى الأخذ بالتيسير على الحاج عند الحرج إلى التيسير عليه حتى ولو لم يقع الحرج. ٣ - تعامل المؤلف مع أحكام المناسك في بعض المواضع كما لو أن الأصل فيها الإباحة، فطالما أن النبي ﷺ لم ينه عن شيء من المناسك فإنه يجوز فعله، وهذا خلاف الأصل المتقرر أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف. ٤ - عدم الاستدلال بأفعال النبي ﷺ ولا بحديث ((خذوا عني مناسككم)) إلا مرة واحدة في وجوب أصل الرمي. أما المؤاخذات على مسائل الكتاب: فنذكر بعضها، وإن كانت بعض المسائل التي ذكرها المؤلف لها حظ من النظر، ووقع فيها خلاف معتبر، لكن تتبع المؤلف لكل قول فيه رخصة أو تيسير في موضع واحد لم يقل به أحد من الأئمة، ويفضي إلى تضييع معالم الحج والتفريط فيه، فمن هذه المسائل: ١ - قصره لأركان الحج على ركنين فقط، وهما الوقوف بعرفة والطواف باعتبارهما القدر المتفق عليه بين العلماء، وفي هذا تساهل شديد، فأين السعي بين الصفا والمروة والذي على ركنيته جمهور أهل العلم، وأين الإحرام. ٢ - قوله بإجزاء الدفع من عرفة قبل الغروب ولا شيء عليه، بينما ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الوقوف إلى ما بعد الغروب واجب، ويلزمه دم إذا تركه، بل قال بعضهم إنه ركن. وأما احتجاجه بحديث عروة بن المضرس فهو لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل الغروب، وإنما يدل على الحج المجزئ. بالإضافة إلى أنه قد ورد ما يعارضه، ثم إن مشكلة الزحام الرئيسة والتي يُتعلل بها في تجويز الدفع قبل الغروب الأقرب أن حلها يتمثل في تنظيم طريقة انصراف الناس وتهيئة الطرق فهي مسألة تتعلق بالتنظيم أكثر منها بالفتوى. ٣ - نقله عن النووي أن من نسي الإفاضة وطاف للوداع من غير نية الإفاضة أو بجهل بوجوب الطواف أجزأه طوافه عنهما، بينما أكثر أهل العلم على أنه لا يجزئ طواف الإفاضة بنية غيره، كما نقله النووي نفسه في شرح مسلم. ٤ - قوله بعدم اشتراط الطهارة للطواف على الرغم من أنه رأي الجمهور وتعضده الأدلة ولا معارض له، وأما قوله عن حديث عائشة: وهذا الحديث ليس نصًّا في اشتراط الطهارة. فهذا غريب منه فقد قال الحافظ ابن حجر: والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور. ٥ - إقراره لقول السرخسي بأن من رمى فوقع ما رماه قريباً من الجمرة صح رميه، وكلام السرخسي محمول على أن ذلك في حدود مساحة الأحواض، ومن المعلوم أن الأحواض كانت إلى وقت قريب صغيرة ثم تم توسيعها بحيث تسقط الحجارة في موضع الرمي، وتستقر في مكان في السفل، ومع هذا التوسيع فإن القول بإجزاء الرمي ولو وقع الحصى خارج الأحواض خطأ. ٦ - تجويزه للرمي قبل الزوال أيام التشريق خلافاً لما ذهب إليه الجمهور وما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه، لذا قال الترمذي بعد إيراده حديث جابر: كان النبي ﷺ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس. قال: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال. وأما عزوه هذا القول إلى ابن عباس فلا يصح سنده إليه، وأما عطاء فقد صح عنه قول ثان يوافق فيه الجمهور وهو أولى؛ لأنه أقرب للدليل. وأما الأدلة التي استدل بها فمنها ما هو ضعيف لا يصح، والصحيح منها غير صريح. والذي دفع المؤلف إلى تبني هذا القول الأضرار الحاصلة بسبب الزحام، أما اليوم وبعد الأعمال الإنشائية الأخيرة من توسيع المرمى، وتعدد الطوابق للرمي، والتنظيم في الذهاب والإياب زالت هذه الأضرار أو قلَّت، وبالتالي زال موجب الأخذ بهذا القول. ٧ - جوز المؤلف الرمي عن النساء، واستدل بأحاديث ليس فيها شاهد لما ذهب إليه، ففيها الرمي عن الصبيان فقط دون ذكر لغيرهم، وأما حديث التلبية عن النساء فمنكر، فتجويز الرمي عن النساء مطلقاً قول غريب، لاسيما بعد التيسيرات الأخيرة في الرمي. ٨ - وبالإضافة لما سبق فهذه جملة مما أجازه المؤلف ورخص فيه، فقد قال بجواز مبيت الحاج حيث يشاء إذا لم يجد مكانا يليق به، وعدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء عند ترك واجب من الواجبات، وجوز لبس ما يعرف بالتنورة (وهو أن تخاط للإزار تكة ويرسل دون أن يفصل منه كم عن آخر) من باب التوسعة في لبس الإزار ولو كان مخيطا. وجوز لبس الخفين من غير قطع. وجوز التحلل الأول بالرمي وحده. ومن أراد التفصيل في بيان الرد على هذه الأقوال وبيان ما عليها فليراجع: ١ - كتاب (كيف نفهم التيسير) لفهد بن سعد أبا حسين. ٢ - كتاب (حتى لا يقع الحرج) للدكتور إبراهيم بن محمد الصبيحي. ٣ - رسالة (تنبيهات في الحج) للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد. والله الموفق للصواب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 1356

القول التمام بإثبات التفويض مذهبا للسلف الكرام (عرض ونقد) هذا هو الكتاب الثاني من سلسلة (كتاب الشهر - عرض ونقد)، والكتاب يدندن- كما هو ظاهر من عنوانه- حول نسبة التفويض للسلف، وهو من تأليف سيف بن علي العصري. وقد أصدرته دار البشائر الإسلامية - دار الفقيه. وقد قرظ الكتاب خمسة من المشايخ، وهم الشيخ يوسف القرضاوي وهبي غاوجي وحسن الأهدل وجمال أبو حسان وخالد هنداوي، ولكن كما قيل: لا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله. ولن نتعرض لما كتبه هؤلاء الخمسة في تقريظهم للكتاب، وإنما سيكون الكلام عن محتوى كتاب (القول التمام) نفسه. وقد قسمه المؤلف إلى مقدمة وسبعة فصول: ذكر في مقدمة الكتاب اختلاف أهل القبلة في الصفات الخبرية وأن لقب أهل السنة تنازعه فريقان: فريق يمثل السواد الأعظم من العلماء على حد زعمه، وينسبون التفويض للسلف، والفريق الثاني ويمثله شيخ الإسلام وبعض تلاميذه وينسبون للسلف إثبات الصفات الخبرية بمعانيها اللغوية الحقيقة. وحاول مناقشة الفريق الثاني والرد عليهم. وفي الفصل الأول: الذي كان بعنوان (حقيقة مذهب السلف) تناول تعريف التفويض لغة واصطلاحاً ومحله، مع محاولة إثبات بطلان مقولة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر). وفي الفصل الثاني (أدلة مذهب السلف) أخذ يدلل على أن مذهب السلف هو التفويض من الكتاب والسنة والإجماع. وفي الفصل الثالث ذكر أقوال أهل العلم في تقرير مذهب السلف- حسب زعمه- وحشد ما يزيد على مائة قول. وفي الفصل الرابع بيَّن المراد بالكيف، وذكر مقولة الإمام مالك: (الاستواء معلوم ... ) جامعاً لألفاظها وموجهاً لها. وفي الفصل الخامس بيَّن المراد بالتجسيم والتمثيل والتشبيه، ثم بيَّن حكم التجسيم من خلال المذاهب الأربعة. وفي الفصل السادس: رد شبهات قيلت عن مذهب السلف- على حد زعمه- وهي أن التفويض تعطيل لصفات الله، والثانية: كيف نتعبد بفهم ما لم نعلم معناه، والثالثة: أن في نسبة التفويض إلى السلف تجهيلاً لهم، والرابعة: أنه لو كان مراد الله بنصوص الصفات غير ظواهرها، لكان في التعبير بتلك الظواهر تلبيساً على العباد. وفي الفصل السابع بيَّن سبب تأويل الخلف مبيناً حقيقة التأويل وشروطه، وأقسام من ذهبوا إلى التأويل، ثم بيَّن المعنى السديد- على حد زعمه- لمقولة: (مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم). والكتاب في مضمونه وغايته يحاول إثبات أن مذهب السلف هو أن صفات الله الخبرية التي توهم التشبيه لها معان لا يعلمها إلا الله، فيفوض الكيف والمعنى، كما يمدح أصحاب التأويل ويدافع عنهم، والذي دفعه إلى ذلك هو ما توهمه من التمثيل والتشبيه، وهذا هو الذي أوقع أكثر الفرق المخالفة في هذا الباب في الضلال، وجرهم إلى التفويض أو التأويل. وهذه بعض المؤاخذات على هذا الكتاب ومنها: ١ - التشنيع على بعض العلماء، ورمي بعضهم بالميل إلى التجسيم، كما ذكر عن الشيخ محمد خليل هراس في (ص ٤٢)، وكذا ما نقله مِن نَقْدٍ لكلام الشيخ ابن باز والشيخ صالح الفوزان، وأنهما لا ينفيان عن الله النقص إلا بنص خاص كما في (ص٥٣)، وكذلك تغليط الذهبي والتشنيع عليه في نفس المسألة عندما نقل قوله في مسألة الحد (ص ٢٦٠)، ويرمي شيخ الإسلام بالاضطراب كما في (ص ٤٩) حيث قال: وعموما فكلام العلامة ابن تيمية في هذا المقام مضطرب. ويعرض بابن تيمية ومن سار على نهجه في قوله: وكل فهم لمذهب السلف جاء من غير طريق حذام فحرام تصديقه وواجب رده. ٢ - في المقدمة يقرر المؤلف أن أهل السنة مصطلح يشمل فريقين: - كثرة، وهم أهل الحديث ومذهبهم التفويض على زعمه، والأشاعرة والماتريدية ومذهبهم التأويل. - وقلة وعلى رأسهم ابن تيمية وبعض تلامذته، ومذهبهم إثبات الصفات الخبرية بمعانيها اللغوية الحقيقية كما في (ص٤٠، ٤١) ولا شك أن إظهار مذهب السلف على أن القائلين به قلة يمثلها شيخ الإسلام وبعض تلامذته مغالطة كبيرة، فكثيراً ما ينقل شيخ الإسلام عن السلف وأئمة المسلمين من مختلف الطوائف تقريرهم لمذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، وينظر على سبيل المثال (الفتوى الحموية). ٣ - يجعل المؤلف ظاهِر بعض صفات الله - كاليد، والوجْه، والعين، والعلو يوهم النقْص، فيجب فيه تفويض المعنى مع عدم اعتقاد ظاهره، ويدعي وقوع الإجماع عليه بين السلَف، فيقال: لم يأت نص واحد عن النبي ﷺ يقول: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص أو فوضوا معناها. وهو الذي ما ترك شيئاً من أمور الدين إلا ودلنا عليه حتى الخراءة، فكيف يترك نصوصاً ظاهرها ضلال، وتوهم النقص دون بيانها. فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يدل عليه ولم يجعل قرينة تدل عَلَى صرفه عن المعنى الذي يفهمه النَّاس منه، ولم يبينه رَسُول الله ﷺ فلا يكون كلامه حينئذ هدًى ولا بياناً. ويستدلُّ المؤلف بالنصوص التي جاءت عن السلَف بمنْع التفسير لنصوص الصفات على أن المراد بها عدم التعرُّض للمعنى، مع أنَّ المراد بها عندهم منع التأويل الباطل المذموم كما هو مبسوط بأدلته في كثير من كتب العقيدة. ٤ - في الفصل الأول ذكر إيراداً لأهل السنة، وهو أن بعض الأئمة يذكرون الصفات العقلية كالسمع والبصر مع الصفات الخبرية كاليد والوجه في مورد واحد معقبين بقولهم لا تفسر أو تفسيرها تلاوتها أو لا كيف ولا معنى، وحاول أن يجاوب عن هذا الإيراد بكلام غير مقنع، وتلبيس في التفريق بين المفهوم والماصدق، بل أورد في آخر كلامه نصا لإسحاق ابن راهويه هو حجة عليه. وتحت عنوان (تنبيه: بطلان مقولة القول في الصفات كالقول في البعض الآخر) أوهم كلامه أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم انفردا بجعل هذه المقولة قاعدة وأصلاً. ولم ينفرد الشيخان بالاستدلال بهذه القاعدة فقد أشار إليها الأشعري في (الإبانة)، وابن الزاغوني في (الإيضاح في أصول الدين) , والباقلاني في الإبانة (انظر الفتوى الحموية لابن تيمية) (ص٥٠٨) وابن قدامة في (تحريم النظر في كتاب الكلام) (ص٥٧، ٦٤). ٥ - وفي الفصل الثاني حاول أن يثبت أن نفي المماثلة نفي للمشابهة، وذكر بعض النقولات التي تؤيد قوله من كتب اللغة متغاضياً عن الأقوال المعارضة لقوله، نعم قد تكون المشابهة بمعنى المماثلة، وذلك إذا كانت مشابهة تامة، وعليها يحمل ما نقل عن السلف من نفي المشابهة، يقول إسحاق ابن راهويه مبيناً حقيقة التشبيه المنفي عن الله: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد. أو: مثل يد. أو: سمع كسمع. أو: مثل سمع. فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [ذكره الترمذي في سننه عقب حديث (٦٦٢)]. ٦ - عقَد الفصل الثالث من كتابه لبيان أقوال أهل العلم في تقرير مذهب السلف، وحشد ما يزيد على مائة قول، والنقولات التي ساقها عن السلف المعتبرين في ذلك لا تساعده عند التحقيق والنظر. ٧ - في الفصل الرابع وجَّه مقالة الإمام مالك بن أنس ﵀، والتي تهدم مذهب المفوضة وأصحاب التأويل، وجهها توجيهًا غير مقبول، فقال إنَّ المراد بقوله: غير مجهول: يعني وروده في الشرع. ٨ - وفي (ص ٢٥٥) شنع الكاتبُ على ابن تيمية ومَن أثبت العلوَّ الحقيقي لله، وجعل لازم هذا القول إثبات الحد لله، وأبدل لفظ الحقيقي بالحسي؛ مبالغة في التشنيع. فماذا يقول المؤلف ومن نفي العلو الحقيقي عن الله سبحانه في الفطرة التي تجعل الإنسان إذا نزلت به شدة، أو كربه أمر يرفع يديه إلى السماء، ويتوجه بوجهه إلى العلو داعياً ربه مستغيثاً به؟! وماذا يقول في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]؟! وماذا يقول في عُروج النبي ﷺ ؟! فلا يمكن القولُ فيه بغير العلو الحقيقيِّ. وقد حاول المؤلف التمويه بأنَّ نفيَ العلوِّ الحقيقي لا يستلزم نفيَ العُلوِّ المطلق، لكنَّه اعترف بعد ذلك أنَّ العلو المطلق عنده هو علوُّ الملك والسلطان، وهل ينكر أحدٌ ذلك العلوَّ؟! ٩ - في الفصل الخامس يقرر أنَّ مذهب السلَف هو نفي الجسمية عن الله، ثم ينقل أقوال بعض السلف في باب الصفات، وبعض من عنده اضطراب في هذا الباب ويجعلها في سياق واحد، وهذا تلبيس؛ إذ إن مُراد من نفى الجسم من السلف نفي التشبيه، بينما مرادُ من نفى الجسم من غيرهم هو نفي الصفات، وهذا ظاهر في سياق النصوص التي نقلها. ١٠ - وفي الفصل السادس الذي سماه المؤلف (رد شبهات قيلت عن مذهب السلف) وفي الحقيقة هي لوازم القول بالتفويض، وقد ذكر في الأولى منها والتي عنون لها بـ (أن التفويض تعطيل لصفات الله تعالى) ذكر فيها كلام ابن الجوزي ومذهبه في هذا الباب مضطرب، وفي كلام ابن الجوزي رد على ابن عبد البر في إثبات استواء الله على عرشه، وهو نفس ما استدل به الأشعري في كتاب (الإبانة) على إثبات الاستواء، ثم يحاول المؤلف أن يصوب كلام ابن عبد البر ويوجهه بما يتناسب مع ما ذهب هو إليه، مع تخطئته فيما يخالف ما يقرره. ١١ - أجاب الكاتب عن الاعتراض الوارد على القول بتفويض المعنى بـ (أنَّه حينئذٍ نكون قد تعبَّدْنا بفَهْم ما لم نعلمْ معناه) قائلا: إن لنصوص الصفات معنيين: الأول قطعي، وهو المعني العام، والثاني ظني، وهو المعنى الخاص. وهذا التقسيم لا دليل عليه، ويبقى أن هذه الصفات بالمعنى الخاص لا يفهم معناها، فلم يدفع جواب المؤلف هذا الإلزام. ١٢ - أراد الكاتبُ الجوابَ عن القول بأنَّ تفويض المعنى فيه تجهيلٌ للسلف، بجواب غير مقنع، وأورد بعض النصوص عن العُلماء التي تحثُّ على وجوب الإيمان بصِفات الله، ومِثلُ هذا لا يدفع عن ذلك المذهبِ الشنيع هذا الإلزام. ١٣ - في الفصل السابع المسمَّى (سبب تأويل الخَلَف) دافع فيه عن القائلين بالتأويل من الأشاعرة والماتريديَّة، وأرجع سبب التشنيع عليهم في تأويلهم، إلى عدم معرفة المشنع بأمرين: أ- عدم معرفته بلغة العرب. ب- عدم معرفته بمذهب الأشاعرة والماتريديَّة الذين خطُّوا بأيديهم معاجم اللغة وكتب النحو والبلاغة وغيرها. وهذا الكلام فيه تنقُّص لِمَن تَرَك التأويل من سَلَف الأمَّة، وأنهم على عدم معرفة بلغة العرب. وهل تفوقُ الزمخشري والقاضي عبد الجبار المعتزلي في اللُّغة مثلا يكون داعياً لقَبول ما ذهبا إليه في تأويل النصوص. هذا ما تيسر ذكره في هذه العجالة، ويمكن لمن أراد الاستزادة في التعرف على مذهب التفويض الرجوع إلى كتاب (مذهب أهل التفويض لنصوص الصفات) للدكتور أحمد بن عبد الرحمن القاضي وكتاب (الأشاعرة في ميزان أهل السنة) لفيصل بن قزاز الجاسم، بالإضافة إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وينظر التعليق على كتاب الشهر الماضي (أهل السنة الأشاعرة). وهذا رابط لمقالتين عن هذا الكتاب قد استفدنا منهما: مقالة الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف (عثار القول التمام) http://almoslim.net/node/١١٦٢٥٤ ورابط مقالة الدكتور إبراهيم بن عبد الله الحماد (انتقاد القول التمام) http://www.dorar.net/art/٣١٨ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1357

كتاب (أهل السنة الأشاعرة: شهادة علماء الأمة وأدلتهم) (عرض ونقد) ٩ شوال ١٤٣١هـ ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الكتب التي تحاول أن تلصق بالسلف القول بالتفويض والتأويل، وتنسب القول به إلى أهل السنة والجماعة، زعماً أن المراد بهذا الوصف هم الأشاعرة والماتريدية، ومنها كتاب (القول التمام بإثبات التفويض مذهبا للسلف الكرام) وكتاب (أهل السنة الأشاعرة) وسنقوم بعرضهما تباعا وبيان ما عليهما من مآخذ. وكتاب هذا الشهر هو (أهل السنة الأشاعرة: شهادة علماء الأمة وأدلتهم) جمع وإعداد حمد السنان وفوزي العنجري، إصدار دار الضياء، وقد قدَّم للكتاب وقرَّظه عدد من المشايخ ممن ينتمون إلى المذهب الأشعري، ومنهم محمد حسن هيتو، ومحمد سعيد رمضان البوطي، وعلي جمعة، ووهبة الزحيلي، وعلي الجفري، وغيرهم. في المقدمة كان الكلام عن سبب تأليف الكتاب وأصله وعن مصطلح الأشاعرة مع التعريف بالأشعري، ثم تناول المؤلفان تحت عنوان (هل مات الإمام على عقيدة غير العقيدة التي كان عليها بعد توبته من الاعتزال) تناولا ثلاثة أمور: أولا: المراحل التي مر بها أبو الحسن الأشعري، وهل هي اثنان أم ثلاثة. وثانيا: اتباعه في المرحلة الثانية لابن كلاب، وهل كان ابن كلاب من أهل السنة. وثالثا: المرحلة الثالثة من حياة أبي الحسن وكتابه (الإبانة). وتكلما بعد ذلك عن دعوى رجوع بعض الأئمة عن عقيدة الأشاعرة. وتحت عنوان (أهل السنة والجماعة) حشد الكاتبان كثيراً من النقول ليثبتا بها أن الأشاعرة من أهل السنة، ثم أردفا ذلك بنقولات عن بعض المشايخ المعاصرين كحسن أيوب وسعيد حوى. وبعد ذلك تكلما عن موضوع المتشابه عند السلف والخلف ومعناه، وذلك لتعلقه بمسألة التأويل لصفات الله، والتي يجيزها جمهور الأشاعرة والماتريدية. ثم انتقل المؤلفان إلى موضوع آخر، وهو الخلاف في العقيدة، وهل كل خلاف في العقيدة يترتب عليه التفسيق والتكفير أو التبديع والتضليل، سواء كان في الأصول أو في الفروع، ومن خلاله تعرضا لمسألة الاتصال والانفصال بالنسبة لله، وكونه بائناً من خلقه بذاته، وذكرا أقوال العلماء في نفي الجهة عن الله وتنزيهه عن المكان. ولما كانت مسألتا التأويل والتفويض من الموضوعات التي كثر فيها الخصام، واحتدم بسببها الخلاف تعرض المؤلفان لهما مع تقرير أن مذهب جمهور السلف هو التفويض، وبيَّنا بعده أن التأويل هو مذهب سلفي وعربي صحيح، وذكرا نماذج من تأويل العلماء لنصوص الصفات، وبعده نفيا التهمة التي ألصقت بالأشاعرة من التعطيل لصفات رب العالمين، وبيَّن المؤلفان حقيقة التعطيل، وقررا أن الأشاعرة برآء من التعطيل، وذكرا تأويلات للسلف لنصوص آيات الصفات. وتدعيماً لمذهب الأشاعرة والماتريدية بيَّن المؤلفان أن الأشاعرة والماتريدية هم غالب الأمة، وذكرا بعض الأشاعرة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين والأدباء وغيرهم، ثم ذكرا شيئا من فضائل الأشاعرة والماتريدية وجهودهم في الدفاع عن الدين والرد على المبتدعين، وذكرا الفتاوى والأقوال في فضلهم، ثم ذكرا عقيدة أهل السنة والجماعة- يقصدان الأشاعرة والماتريدية- في أسماء الله وصفاته، ثم كانت الخاتمة والتي قرر فيها المؤلفان أهل النتائج التي توصلا إليها ومنها: - أن مصطلح أهل السنة والجماعة يراد به أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية. - أن المتشابه من نصوص الصفات ليس فيه إلا مذهبان صحيحان للعلماء هما التفويض والتأويل والاختلاف بينهما من الاختلاف الجائز. - التأويل بشروطه شعار سني وهو ليس تعطيلاً. هذه أهم النتائج التي توصل إليها المؤلفان. ولا شك أن الكتاب عليه مؤاخذات كثيرة ولا يهولنك الأسماء التي قدمت له مقرظة لما يحتويه فكما قيل: لا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله. فابتداء إدخال الأشاعرة والماتريدية في مصطلح أهل السنة والجماعة وإلصاق ما ذهبوا إليه بالسلف فيه نظر وذلك لمخالفتهم للسنة ومباينتهم لمذهب السلف في مسائل كثيرة كحقيقة الإيمان وما يتعلق به والأسماء والصفات ومصدر التلقي وغيرها، ويراجع كتاب (منهج الأشاعرة في العقيدة) للوقوف على هذه المخالفات. ثم إن قولهما: إن السلف ليس لهم إلا مذهبان فقط في المتشابه من نصوص الصفات الأول التفويض وعليه جمهورهم والثاني التأويل وهو مذهب لبعضهم، وكلاهما يتفق على عدم حمل الكلام على حقيقته. يجاب عنه بما نقله ابن عبد البر في (التمهيد) (٧/ ١٤٥) من إجماع السلف على غير ذلك فقد قال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله) بل إن كلام أبي الحسن الأشعري ناقض لكلامهما فقد قال في (الإبانة) (ص ١٣٩): حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة ... كذلك قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي. وهو يعني النعمتين. انتهى كلامه ﵀، وهو كاف في إبطال ما قرره الكاتبان. وهل كان خلاف السلف مع خصومهم من أهل البدع إلا على إثبات حقائق صفات الله تعالى، فلو كان الجميع متفقين على كونها من المجاز لما كان بين السلف والمعطلة خصومة. ومن ظنَّ أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد ضل، وذهب إلى ما لا يقره عقل ولا نقل، ولا تؤيده لغة، فالصفة تابعة للموصوف، فإذا كان لله ذات حقيقة وللمخلوق ذات حقيقة لم يلزم أن تكون حقيقة ذات الله هي حقيقة ذات المخلوق، ولا وجوده هو حقيقة وجود المخلوق؛ لأن الله ليس كمثله شيء. كذلك فإن نسبة المؤلفين التفويض إلى السلف خطأ عليهم فنصوص الكتاب والسنة وعبارات السلف صريحة في إثبات معاني الصفات، وقد أمر الله بتدبر كتابه وعاب على اليهود الذين لا يعرفون منه إلا مجرد التلاوة من غير فهم ولا فقه فقال: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾، وقد بين النبي ﷺ القرآن لأصحابه بلفظه ومعناه، ولم يكن الواحد من الصحابة يجاوز العشر آيات من القرآن حتى يتعلم ما فيها من العلم والعمل، وإذا كان الصحابة أحرص الناس على معرفة الحلال والحرام فهم لمعرفة صفات خالقهم أشد حرصاً. كذلك فإن القول بالتفويض يستلزم تجهيل النبي ﷺ وسلف الأمة. والعجب أن المؤلفين يصرفان قول السلف (بلا كيف) إلى أنه يفهم منه (بلا معنى) ويقولان: لأن لفظ الـ (كيف) هنا مستفهم به عن المعنى. وهذا عجيب فـ (كيف) يستفهم بها عن الحال والكيفية والماهية لا الاستفهام عن المعاني. وكذلك فإن قولهم هذا مخالف للعقل فإثباتنا معنى الصفة لا يستلزم العلم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه في الخارج، كما أن الجهل بكيفيتها لا يستلزم الجهل بالمعنى، فلا تلازم بين الأمرين، فالله قد أخبرنا عن الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والمساكن وغيرها هذا، وقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وقال الله في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) [البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤)]. فجهلنا بالكيفيات لا يستلزم جهلنا بمعاني ما وصفت به وإثبات حقيقتها، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها توافق في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا ومع ذلك ليست مماثلة لها، بل وبينهما من المباينة ما لا يعلمه إلا الله، فالخالق سبحانه أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق. ومنشأ قولهم بالتفويض هو ظنهم أن آيات الصفات من المتشابه. ولا يعلم عن أحد من السلف ولا من الأئمة أنه جعل صفات الله من المتشابه كذلك مما يؤخذ على الكاتبين تحريف بعض صفات الله وتعطيلها بزعم تنزيه الله سبحانه، ومن ذلك إنكار علو الله على عرشه حقيقة بذاته، مع أنه منقول عن كثير من السلف، بل حكى غير واحد الإجماع على ذلك منهم السجزي والمزني وغيرهما. وقد تنوعت الدلالات في القرآن على علو الله، فمنها التصريح بالفوقية، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والتصريح بالعلو المطلق، وتنزيل الكتاب، وأن الله في السماء، والتصريح بالاستواء إلى غير ذلك. وقد حاول المؤلفان التدليل على ما ذهبا إليه من إثبات التأويل بجمع ما أمكن من أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، فوقعا في العديد من الأخطاء ومنها: - أنهما لم ينقلا عن السلف من الكتب المسندة، وإنما اكتفيا بالنقل من كتب المتأخرين بلا إسناد ولا عزو إلى مصدر هذه النقولات، ومثاله ما نقلا عن ابن عباس من تأويل مجيء الله سبحانه، فليس له أصل ولا إسناد ولا ذكره أحد من المصنفين أصحاب الرواية. - أنهما لم يتحققا من ثبوت ما نسباه إلى السلف وصحته، ومثاله ما نقلا عن ابن عباس من تفسير الكرسي بالعلم فهذا لم يصح عن ابن عباس. - أنهما ينقلان ما يوافق هواهما من كلام بعض السلف دون جمع كل كلامه في المسألة ليتبين معنى كلامه ويتضح مذهبه، كما فعلا في دعوى تأويل الإمام أحمد لصفة المجيء. - أنهما ربما وضعا كلام بعض السلف في غير موضعه، كأن ينقلا كلاماً لبعضهم فيما ليس من آيات الصفات أو فيما اختلف على كونه من الصفات. فمثال الأول ما أوردا عن ابن عباس من تأويل لفظه (أيد) في قوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ فليست الأيد هنا جمعاً لليد، بل معناها القوة، فهي ليست من آيات الصفات أصلاً وكذلك الجنب. ومثال الثاني تأويل لفظة الساق في قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾، وقد اختلف فيها السلف، واختلافهم ليس في إثبات الصفة لكن في كونها من آيات الصفات أم لا، وذلك لأن الساق جاءت في هذه الآية نكرة ولم يضفها الله لنفسه. كذلك مما يؤخذ على الكاتبين إلصاق مذهب الأشاعرة والكلابية بأئمة أهل السنة كالبخاري والطبري وغيرهما دون تحقيق وتمحيص، وإنما يعتمدان على حكاية أو قصة أو سلام وحفاوة بشخص معين ونحو ذلك، وليتهما رجعا إلى ما صنَّفه هؤلاء الأئمة ليعرفا عقيدتهم من خلال كتبهم. كذلك مما يؤخذ على الكاتبين ادعاء أن عبد الله بن سعيد بن كلاب كان من أئمة أهل السنة، وأن الخلاف بينه وبين الإمام أحمد والسلف كان لفظيًّا، وهذه مغالطة، فالإمام أحمد اشتد نكيره على الكلابية، وقد بيَّن الأشعري في (مقالات الإسلاميين) (ص ٥) أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، بل قد صرح كثير من أهل العلم بمخالفة الأشعرية والكلابية لأهل السنة. كذلك مما يؤخذ على الكاتبين التشكيك في صحة المطبوع من كتاب (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري بعد أن أثبتاه من حيث أصله، لكن زعما أن أيدي التحريف قد نالته. وسبب دعواهما أن كتاب (الإبانة) يخالف ما استقر عليه مذهب الأشاعرة ويبطل طريقتهم. فأما دعواهما هذه فيبطلها اتفاق النسخ الخطية المحفوظة لكتاب (الإبانة) في الأبواب والمسائل والألفاظ، كذلك اتفاق ما نقله الأئمة من هذا الكتاب مع المطبوع وهذا يعلم بمطابقة ما نقله البيهقي وابن عساكر وغيرهما من (الإبانة) مع المطبوع منه. أما ادعاء التحريف لوجود اختلاف بين بعض النسخ في بعض الألفاظ فالجواب أن الاختلاف بين الألفاظ التي ذكرها الكاتبان لا تغير من المعنى ولا تبطله، بالإضافة إلى أن اختلاف الألفاظ بين النسخ أمر لا يسلم منه كتاب لاختلاف النساخ والرواة. وأما استدلالهما على تحريف (الإبانة) بما هو مذكور فيه عن أبي حنيفة من القول بخلق القرآن. فيقال: هذا القول ذكره جمع من العلماء في كتبهم فهل يقال: إن هذه الكتب قد نالها التحريف ولا يعني هذا صحة ما نسب إلى أبي حنيفة بل الصحيح عنه هو قوله أن القرآن كلام الله غير مخلوق. لكن أردنا التنبيه إلى أن نسبة القول بخلق القرآن إليه مذكورة في كتب أهل السنة. فهذه بعض المؤاخذات على هذا الكتاب مع إجمال الرد عليها، ومن أراد الاستزادة في التعرف على الأخطاء التي وقع فيها المؤلفان مع بيان الحق مدعماً بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وسلف الأمة فليرجع إلى كتاب (الأشاعرة في ميزان أهل السنة: نقد لكتاب أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم) تأليف فيصل بن قزار الجاسم، فقد أجاد فيه وأفاد، وقد قرظه عدد من أهل العلم.

стр. 1358

كتاب الأسبوع [تعريف وتقييم]

стр. 1359

خزانة الكتب لعامي ١٤٣١هـ - ١٤٣٢ه ـ اسم المؤلف القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية إشراف الشيخ/ علوي عبد القادر السقاف الناشر مؤسسة الدرر السنية ــ الظهران سنة الطبع ١٤٣٣هـ عدد الصفحات: ٥٦٥ التعريف بموضوع الكتاب: إن أصعب ما يواجه محبي الكتب وعشاق القراءة عند شراء الكتب هو اختيار الكتاب الذي يستحق أن يوهب في شرائه المال, ويبذل في قراءته الوقت, فربما يتردد طالب العلم ومريد المعرفة كثيراً عند شراء كتاب ما, فيظل واقفاً وقتاً يقلب صفحاته دون أن يبت الرأي في شرائه, فاختيار الكتاب المتميز مادة ومضموناً, والرائع شكلاً ومظهراً يحتاج إلى نوع معرفة بالكتب, وخبرة في جيدها ورديئها, وغثها وسمينها, وهذا ما جاء هذا الكتاب ليوفره. كتاب ((خزانة الكتب لعامي ١٤٣١هـ - ١٤٣٢هـ)) هو الإصدار الثالث والجديد من سلسلة خزانة الكتب والتي وعدت مؤسسة الدرر السنية أن يطل على قرائها بالجديد مع إطلالة كل عام جديد , فتُخُيِّر فيه من ثمار المطابع أطيبها, ومن حصاد المكتبات أزكاها, ومن جهود الكتاب والمؤلفين أفضلها. وذلك توفيراً لجهد البحث والاستقصاء عن جديد الدور والمكتبات وآخر إصداراتها. الكتاب جمع فيه ما صدر خلال العام المنصرم (١٤٣٢هـ) (٢٠١١م) , بالإضافة إلى بعض الكتب الجيدة والمفيدة التي صدرت في عام (١٤٣١هـ) (٢٠١٠م) والتي لم تضف في الكتاب السابق, وبهذا نعلم أن هذا الكتاب ليس حصراً ولا استيعاباً لجميع ما طبع في هذا العام, وإنما هو ما أدى إليه الجهد, لمعرفة أهم ما طبع, وأجود ما نشر فيه. ولا يختلف هذا الكتاب في نهجه عن سابقه, فهو جولة تعريفية في ثنايا الكتب وبين سطورها, لوضع القارئ أمام تصور كامل للكتاب وفحواه, ومقصود مؤلفه وغايته, فيذكر بيانات الكتاب, وأهم المباحث التي ناقشها المؤلف, ونتائجه التي استخلصها أثناء بحثه, مع التنبيه إلى الكتب التي في أصلها رسائل جامعية, كما ينبه الكتاب إلى الكتب التي تم إعادة طباعتها أو تحقيقها ويذكر الفروق بين الطبعات أو التحقيقات, إلى غير ذلك من الفوائد التي تجدها في هذا الإصدار من هذا الكتاب الجديد. وتسهيلاً لمتصفحي الخزانة وقرائها, فقد رتبت ترتيباً هجائياً على حروف المعجم, وأردفت بمجموعة من الفهارس العلمية, تجعل البحث فيها سهلاً لا يحتاج إلى كثير عناء ولا جهد. نسأل الله ﵎ أن يجعل هذا الكتاب نافعاً لكل من اقتناه, وأن يكتب الأجر والمثوبة لكل من ساهم في إعداده ونشره.

стр. 1360

العقيدة الواسطية عنوان الكتاب العقيدة الواسطية اسم المؤلف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية المحقق علوي بن عبد القادر السقاف الناشر الدرر السنية - الظهران سنة الطبع ط ١ - ١٤٣٣هـ عدد الصفحات ١٤٣ التعريف بموضوع الكتاب: لا يخفى على أحد ما تتمتع به العقيدة الواسطية من قبول في أوساط طلاب العلم, وانتشار واسع بين مريديه, وذلك لما تتصف به من سهولة ويسر في أسلوب عرضها لمسائل المعتقد, ووضوح في عباراتها, وصحة في استدلالها, بالإضافة إلى اختصارها وقلة عباراتها, مع غزارة فوائدها وحسن سباكتها, فهي بحق يصدق عليها وصف أجمع وأخصر متن في العقيدة على منهج أهل السنة والجماعة. كل ذلك وغيره من المميزات جعلها تتربع على عرش متون العقيدة السلفية لتصبح من أكثر المتون انتشارا وتداولاً, مما حدا بأهل العلم وطلبته إلى تحقيق نصها وشرح ألفاظها والاعتناء بها اعتناء بليغاً. الكتاب الذي نسلط عليه الضوء هذا الأسبوع هو متن العقيدة الواسطية نفسه, ولعل ما يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم هو السؤال عما يميز هذا النص المحقق عن غيره من تحقيقات سابقة للمتن مفرداً أو مقترناً بشروحه, وهذا ما سنبينه أثناء قراءتنا لهذا الكتاب. هذا المتن قد قابله المحقق على اثنتي عشرة مخطوطة, وليست الميزة في كثرة المخطوطات المقابل عليها وإنما في نوعية هذه المخطوطات, إذ أن واحدة منها قد قرئت على شيخ الإسلام ابن تيمية مباشرة, وهي تعتبر أوثق نسخة للعقيدة الواسطية أمكن الحصول عليها حتى اللحظة, وتحقق لأول مرة, وقد جعلها المحقق أصلاً للنص. أما بقية النسخ للمخطوطات فهي متفاوتة في جودتها وتميزها, وقد عرضها المؤلف في مقدمته مخطوطة مخطوطة وتعرض لأوصافها وبعض ميزاتها. أما عن منهج المحقق في تحقيق النص فقد جعل النسخة المقروؤة على شيخ الإسلام أصلاً كما أسلفنا, ويليها في الترجيح النسخة التي رمز لها بـ (أ) وذلك لتميزها وتقدمها في تاريخ النسخ, كما قام بإهمال الفروق التي انفردت بها نسخة واحدة من نسخ المخطوطات عن الأصل, وأثبت في متن العقيدة ما لم يرد في الأصل وترجح لديه إثباته, أو كان خطؤه أو سقطه واضحاً ووجد في أغلب النسخ, وقام بإثبات ما اتفقت عليه نسختان أو أكثر وإن لم يكن موجوداً في الأصل. ومما أهمله المحقق أثناء إثباته للفروق عبارات الثناء والدعاء وما لا فائدة من ذكره, ولم يشر إلى الأخطاء التي وردت في الآيات الموجودة في المخطوط. وعن الاعتناء بالأحاديث الواردة في المتن فقد خرجها المحقق تخريجاً مختصراً يفي بالغرض ويؤدي المطلوب. ومما يميز هذا التحقيق أنه انفرد ببعض الفوائد والفرائد التي وجدت في النسخة المقروؤة على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولم توجدت في أي نسخة مطبوعة حتى الآن, وهي من تعديلات شيخ الإسلام واستدراكاته أثناء القراءة عليه. وبهذا نكون قد أتينا على أهم ما يميز هذه الطبعة الفريدة من متن العقيدة الواسطية, فجزى الله المؤلف والمحقق خير الجزاء ونفعهما بما كتبا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 1361

معالم ومنارات في تنزيل نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث عنوان الكتاب ... معالم ومنارات في تنزيل نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث اسم المؤلف ... عبد الله بن صالح العجيري تقديم ... عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف الناشر ... الدرر السنية - الظهران سنة الطبع ... ط ١ - ١٤٣٣هـ عدد الصفحات: ... ٢٢٣ التعريف بموضوع الكتاب: الحديث عن الأمور المستقبلية والتنبوء بها, أمر تتشوف له نفوس كثير من الناس فتراهم يفتشون عن أدلة الفتن والملاحم, ويبحثون عن نصوص أشراط الساعة وعلاماتها, ومن ثم يحاولون تنزيلها على ما يحدث من وقائع, وما يحصل من نوازل تصيب الأمة, دون أي ضابط أوقيد, أو قواعد تحكم هذه الاستدلالات, وتضبط هذه الإطلاقات, ونتيجة لذلك جاء الكثير منهم بالعجائب فأتوا بتأويلات متكلفة, وتنزيلات باطلة, وأسقطوا هذه النصوص على الواقع بأسلوب مستكره إذا تأمله متأمل وجد أنه يفتقد للفهم الصحيح, ويفتقر للتحقيق الواعي, والأدهى من ذلك أن يستدل على ذلك بأدلة باطلة, وأحاديث موضوعة أو ضعيفة فيجمع في ذلك حشفاً وسوء كيلة. كتاب ((معالم ومنارات في تنزيل نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث)) جاء ليأصل فقه أشراط الساعة, ويبين الضوابط الشرعية لتنزيل نصوصها على الوقائع والأحداث, كما جاء ليبين الموقف الشرعي من نصوص الفتن والملاحم, ويكشف الانحراف الواضح الذي وقع فيه المعاصرون عند تعاطيهم مع نصوص أشراط الساعة. ابتدأ المؤلف كتابه بمقدمات تسع رأى أنها لا بد منها في بداية الكتاب, واشتملت المقدمة الأولى من هذه المقدمات على بيان ماهية الفتن والملاحم وأشراط الساعة فعرف كل مفردة منهم على حدة تعريفاً لغوياً واصطلاحياً, وأما المقدمة الثانية فكانت لبيان حكم الشريعة وغاياتها في إيراد نصوص الفتن والأشراط, وعدد من هذه الحكم خمس حكم, فبين أن إيراد هذه النصوص قد يكون للابتلاء والامتحان, أو للتحذير مما يستقبل الناس وإرشادهم إلى ما يفعلونه, ومن الحكم أيضاً الاستعداد لقيام الساعة, وإظهار أن هذه الأخبار من دلائل النبوة فمتى تحققت زاد إيمان العبد ويقينه بصدق رسول الله ﷺ , ومن الحكم أيضاً تغذية فضول الإنسان الذي يدفعه للتعرف على المستقبل. في المقدمتين الثالثة والرابعة تناول المؤلف المقصود بتنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الواقع, وحكم هذا التنزيل من جهة الأصل, حيث أوضح أن تنزيل هذه النصوص على الوقائع والأحداث مشروع ولكن بضوابطه الشرعية وهذا ما درج عليه جماعة من أهل العلم. وبين المؤلف أنه ليس من شروط أشراط الساعة أن تكون قبيل قيامها, بل قد تتقدمها بدهر طويل, وهذا ما ذكره في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب, أما المقدمة السادسة فقسم فيها المؤلف أشراط الساعة بعدة اعتبارات وبين علاقة هذه الأقسام بعملية التنزيل. وعن العبث الحاصل من الكتاب المعاصرين حيال نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة تحدث المؤلف في المقدمة السابعة, وضرب أمثلة على هذا العبث. وبين في المقدمة الثامنة الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة, ليختم بمقدمة أظهر فيها خطورة التنزيل الخاطئ لهذه النصوص, فذكر من ذلك أنه قول على الله بغير علم, وأنه سبب للقيام بعمل غير مشروع أو ترك عمل مشروع, وفيه تهيئة للجو لتصديق دعاة الضلالة, وغيرها من مكامن الخطورة في هذا الموضوع. وبعد الانتهاء من مقدماته التسع شرع المؤلف في الحديث عن المعالم والمنارات التي لا بد منها لمريدي تنزيل النصوص على الواقع, وهذا المبحث عده المؤلف أمَّ البحث, وأصله ومقصوده الأول, حيث ذكر من هذه المعالم أربعةً وعشرين معلماً نذكرها هنا سرداً: المعلم الأول: الاقتصار على نصوص الوحيين في الاستدلال. المعلم الثاني: التحقق من ثبوت النص. المعلم الثالث: التحقق من معنى النص. المعلم الرابع: الأصل حمل النص على ظاهره المعلم الخامس: أن يكون التنزيل عارياً عن التكلف. المعلم السادس: التحقق من طبيعة الواقع. المعلم السابع: النظر في استكمال الواقعة للأوصاف الواردة في النص من عدمه. المعلم الثامن: التفريق بين الصفات المشتركة والصفات الخاصة. المعلم التاسع: أن يكون النص حكماً على الواقع لا العكس. المعلم العاشر: مراعاة ألفاظ الشريعة. العلم الحادي عشر: التأني في التنزيل. المعلم الثاني عشر: مراجعة العلماء في هذا الباب. المعلم الثالث عشر: التجرد في البحث والخروج عن الهوى. المعلم الرابع عشر: عدم محاكمة نصوص المستقبل للوقع الحالي. المعلم الخامس عشر: محاولة افتعال واقع يمكن أن تنزل عليه النصوص. المعلم السادس عشر: إعطاء كل تنزيل حقه من القطع والظن. المعلم السابع عشر: مراعاة البعد الزمني وترتيب الأشراط. المعلم الثامن عشر: تحديث الناس بما يعقلون. المعلم التاسع عشر: وقفة مع اعتراض المتأخر على المتقدم في هذا الباب. المعلم العشرون: الموقف من الوقائع المتكررة وتنزيل النصوص عليها. المعلم الحادي والعشرون: الاشتراك في الاسم بين النص والواقع لا يلزم أن ينزل النص على هذا الواقع. المعلم الثاني والعشرون: ليس شرطاً أن نربط كل فتنة وحادثة بالنصوص الشرعية. المعلم الثالث والعشرون: عدم استحداث صفات لم ترد في النصوص الشرعية. المعلم الرابع والعشرون: عدم تحديد تواريخ وأوقات معينة لوقوع الفتنة أو الملحمة أو الشرط. الكتاب يقدم نظرة متوازنة في عملية تنزيل نصوص أشراط الساعة على الواقع بين الغالي والجافي, فجزى الله المؤلف خير الجزاء وأعلى منازله في عليين.

стр. 1362

عنوان الكتاب صفات الله الواردة في الكتاب والسنة اسم المؤلف علوي بن عبد القادر السقاف الناشر الدرر السنية - الظهران سنة الطبع ط ٤ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات: ٤٦٣ التعريف بموضوع الكتاب معرفة الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أجل المعارف وأشرفها, وأعلى العلوم وأفضلها, كيف لا, وهي تقود العبد إلى معرفة ربه وخالقه, فيزداد منه قرباً وبه أنساً, ويحقق له العبودية الكاملة والخضوع المطلق. والكتاب الذي بين أيدينا هذا الأسبوع عبارة عن موسوعة ضمت صفات الله ﵎ التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , حيث أنه ومع كثرة الكتب التي أفردت أسماء الله ﵎ بالذكر والإحصاء والشرح إلا أنه لم يوجد كتاب خص الصفات بالذكر والإحصاء على معتقد أهل السنة والجماعة, وإن كان هناك من ذكر جملة منها. الكتاب بدأه المؤلف بأربعة مباحث كمدخل مهم لا بد منه قبل الشروع في الكتاب, أول هذه المباحث تناول الفرق بين الصفة والوصف والنعت والاسم والفرق بينهما, مبيناً أن الثلاثة الأولى تأتي بمعنى واحد, إلا أن الاسم هو ما دل على معنى في نفسه, ثم ذكر لكل من الاسم والصفة مميزات تميز كل واحد منهما على الآخر, تلى ذلك مبحث ثانٍ استعرض فيه المؤلف إحدى وعشرين قاعدة عامة من قواعد الصفات, أما أنواع الصفات فقد أفردها بالحديث في مبحث ثالث, حيث قرر المؤلف أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبارات مختلفة وهي: باعتبار إثباتها ونفيها, وباعتبار تعلقها بذات الله وأفعاله, وباعتبار ثبوتها وأدلتها, وكل واحد من هذه الاعتبارات ينقسم إلى قسمين. بعد ذلك أتى المؤلف بمبحث رابع تناول فيه مجموعة من الثمرات المجنية من الإيمان بصفات الله ﵎. ليفتتح بعد ذلك الصفات المجموعة والتي رتبها على حروف الهجاء , وذكر أدلتها من الكتاب والسنة الصحيحة, ومن كلام السلف, وقد اشترط المؤلف على نفسه ألا يورد في هذا الكتاب إلا ما صح من الأحاديث, وأن يكتفي بما روي في الصحيحين أو أحدهما مما تثبت به الصفة فإن لم يجد أورد من غيرهما حديثاً أو أكثر, كما اشترط ألا يثبت من الصفات إلا ما أثبته سلف الأمة إلا أن يكون دليلها ظاهر الدلالة. وقد أحصى جميع الصفات الذاتية خبرية كانت أو سمعية عقلية, كما أحصى جميع الصفات المشتقة من أسماء الله تعالى الذاتية منها والفعلية, وجميع الصفات الفعلية الخبرية وبعضاً من الصفات السمعية. وأورد ما ليس بصفة ويصح الإخبار عن الله به, وما ليس بصفة ويصح الإخبار عن الله به بعد التفصيل, وما ثبتت إضافته إلى الله وظنه بعضهم إضافة صفة إلى موصوف, كما قام بتحرير بعض المسائل التي وقع فيها الخلاف من قديم. بقي أن ننوه أن المؤلف قد أضاف في هذه الطبعة عدداً من الصفات كصفة الاطلاع والإعراض والساعد وغيرها, كما أضاف بعضاً مما عده بعض أهل العلم صفات وهو ليس كذلك, وإن كان بعضه يصح الإخبار به عن الله, كما أعاد تخريج جميع أحاديث الكتاب. والكتاب يعد موسوعة حوت قرابة ٢٥٠ صفة من صفات الله ﵎ التي ذكرت في الكتاب والسنة, فجزى الله المؤلف خير الجزاء.

стр. 1363

عنوان الكتاب الفكر الليبرالي تحت المجهر الشرعي اسم المؤلف محمود الصاوي الناشر دار بلال بن رباح- مصر, ودار ابن حزم - مصر سنة الطبع ط ١ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات ٤٩١ التعريف بموضوع الكتاب: كثيرة هي تلك المذاهب الدخيلة والمستوردة التي هبت رياحها من الشرق والغرب, هادفة إلى زعزعة العقائد, والعبث بالأفكار, واستبدال قيمنا الأصيلة العريقة بأخرى مستوردة لا تمت إلينا ولا إلى ديننا وثقافتنا بصلة. ومن تلك الأفكار الهدامة والمذاهب الدخيلة القادمة إلينا من خلف الحدود الفكر الليبرالي الذي ملأ الدنيا ضجيجاً وجعجعة, تسانده في ذلك القوى الغربية وتدعمه العديد من المنافذ الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية. وهذا الكتاب الذي نسلط الضوء عليه هذا الأسبوع يضع الفكر الليبرالي تحت المجهر الشرعي مقدماً رؤية نقدية واضحة لأهم المبادئ الأساسية لليبرالية. الكتاب تألف من فصلين اثنين: أما الأول منهما فقد خصصه المؤلف لعرض الملامح العامة لهذا الفكر الدخيل, وقد اشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث: فعن مفهوم الفكر الليبرالي واتجاهاته تحدث المؤلف في المبحث الأول فعرفه لغة واصطلاحاً موضحاً أن المفكرين قد اختلفوا في ضبط تعريفه وإن اتفقوا على وصفه بالحرية, ليتطرق بعد ذلك إلى ذكر اتجهاته المتعددة من ليبرالية كلاسيكية, أو راديكالية فلسفية, أو فكرية, أو دينية, أو اجتماعية, أو براجماتية, أو ليبرالية جديدة, ذاكراً لكل اتجاه من هذه الاتجهات تعريفه الخاص به. أما المبحث الثاني فتناول فيه الحديث عن نشأة الليبرالية المصرية باعتبارها الأولى في النشأة والميلاد بالنسبة لمحيطها العربي, وكونها استوردت هذا الفكر من الغرب ولم يكن صنيعة مصرية, ثم انتقل للحديث عن المراحل التي مرت بها الليبرالية المصرية, ثم عوامل ظهورها ومنافذ تسللها إلى مصر فذكر من تلك المنافذ الحملة الفرنسية على مصر, والخبراء الأجانب الذين قدموا إليها, والبعثات العلمية إلى أوروبا, وحركة الترجمة. ثم يحدثنا المؤلف عن قنوات الفكر الليبرالي في المجتمع المصري في المبحث الثالث من هذا الفصل, فعدد مجموعة من تلك القنوات كالشخصيات التي حملت فكرة الليبرالية ونظرت لها, وقد ذكر مجموعة منهم وترجم لهم, ومن ضمن القنوات التي تطرق لها أيضاً الأحزاب السياسية التي انتهجت النهج الليبرالي كحزب الأمة, وحزب الوفد, وحزب الجبهة الديمقراطية, وحزب الغد الليبرالي, ومن القنوات التي تكلم عنها المؤلف أيضاً منظمات المجتمع المدني, والمنابر الإعلامية والمواقع الإلكترونية. ثم ختم المؤلف هذا الفصل بمبحث رابع ذكر فيه أبرز مبادئ الفكر الليبرالي. أما الفصل الثاني فيقوم أساساً على تقديم رؤية كلية للمبادئ الأساسية للفكر الليبرالي ناقداٌ هذه المبادئ مع بيان ما يقابلها من مبادئ إسلامية تتميز عنها, وتتفوق عليها, وقد اشتمل هذا الفصل على عشرة مباحث تناولت الحرية الفردية والتعددية, والمجتمع المدني, والمواطنة, والعقلانية, والإنسانية, والنفعية, والتسامح, ونظرية السيادة والأخلاق, كل هذه الأمور قدمها المؤلف بين رؤيتين الرؤية الليبرالية والرؤية الإسلامية. بقي أن نذكر أن هذا الكتاب طبع طبعة أولى سابقاً, وهذا طبعته الثانية والتي زاد فيها المؤلف ونقحها, كما أجاز هذا البحث وحكمه مجموعة من كبار أساتذة الأزهر الشريف, فجزى الله المؤلف خير الجزاء ونفع بكتابه الإسلام والمسلمين.

стр. 1364

عنوان الكتاب التربية الجماعية في الإسلام اسم المؤلف نايف بن محمد القرشي الناشر دار ابن الجوزي سنة الطبع ط١ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات: ٢٠٦ نوع الكتاب أصل الكتاب بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في التربية الإسلامية والمقارنة. التعريف بموضوع الكتاب التربية الجماعية هي أحد أساليب التربية الإسلامية التي تسهم في بناء شخصية الفرد المسلم في جوانب متعددة، لا يمكن أن تُبنى إلا من خلال جماعة يتربى معهم هذا الفرد، فعلى الرغم من أهمية التربية الذاتية إلا أنها لا تنشئ كياناً سوياً للإنسان، بل لابد من التربية الجماعية حتى يتربى الإنسان تربية حقيقية متكاملة، ولأهمية هذا التربية، ولكونها يحتاج إليها في جميع طبقات المجتمع، كان مهماً أن يُدرس هذا الموضوع دراسة علمية توضحه وتبينه جلياً للناس، لهذا كان هذا الكتاب. الكتاب تناول بالدراسة التفصيلية التأصيلية موضوع التربية الجماعية؛ كأسلوب من أساليب التربية الناجحة الملبية لحاجات الفرد النفسية, كحاجته للعيش في جماعة. وقد تألف من ستة فصول: الأول منها كان فصلاً تمهيدياً لأظهار أهمية الموضوع المطروق, حيث بين المؤلف أن الحديث عن التربية الجماعية بات أمراً مهما يحتاج إليه جميع المجتمع بلا استثناء, فهو جهد يقوم على تطبيق منهاج الله في الأرض, فكان لزاماً على الجميع أن يقوم به ويسعى فيه, كما أتى بمجموعة من نقاط أبرز فيها أهمية هذه الدراسة. أما الحديث عن الإطار المفهومي للتربية الجماعية فتناوله المؤلف في فصل الكتاب الثاني حيث أتى بمفهوم التربية الجماعية, فعرَّف مفرداتها كلًّا على حدة لغويًّا واصطلاحياً, ثم عرفها كمصطلح ومفهوم قائم بذاته, فبين أن التربية الجماعية هي: تنمية الشخصية الإسلامية للفرد من جميع الجوانب الإيمانية, والعقلية, والجسمية, والنفسية, والاجتماعية من خلال وسط تربوي يضم مربٍّ ومجموعة متربين, يحدث بينهم تفاعل إيجابي, وتبادل للخبرات, وذلك من خلال منهج معين, وأساليب متبعة تهدف إلى تقوية مشاعر الأخوة الإسلامية والحب في الله بينهم، ثم تناول في حديثه المكانة التي تتسنمها الجماعية في واقع الحياة عموماً وفي الإسلام على وجه الخصوص. وفي العلاقة التربوية بين الفردية والجماعية رأى المؤلف أنَّ على التربية السليمة المبنية على الكتاب والسنة أن تلاحظ النزعتين المتضادتين في حياة الإنسان, وهي النزعة الفردية والجماعية, وأن تلبي مطالب كل منهما باتزان, وبين أيضاً في هذا الفصل كيفية تعامل المذاهب الوضعية مع هاتين النزعتين في الإنسان, وأنه تعامل متناقض, فبعضها يغلب الجانب الفردي ليصل إلى حد الأنانية البغيضة, والبعض الآخر يغلب الجانب الجماعي على الفردي فيقضي على الفرد ويلغيه, موضحاً أن منهج الإسلام هو وسط بينهما, فهو يوفق بين الفردية والجماعية. أما الفصل الثالث من هذا الكتاب فعرض فيه المؤلف مكانة هذا النوع من أنواع التربية في الإسلام, فتحدث عن التربية الجماعية من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة, وعند سلف هذه الأمة ومربيها, ليسرد بعد ذلك مجموعة من الفوائد التي تجنى من التربية الجماعية. وعن أركان التربية الجماعية يحدثنا المؤلف في فصل الكتاب الرابع , فيقرر أن هذه التربية ترتكز على خمسة أركان أساسية هي: المنهج, والمربي, والمتربين, والمنهجية, والأسلوب, تكلم عن ثلاثة منها في هذا الفصل, فبدأ بالمربي والذي اعتبره الركن المهم في هذه العملية التربوية, وذكر أهم صفاته, والأخطاء التي يقع فيها. ثم انتقل للحديث عن ركن آخر لا يقل أهمية عن سابقه وهم المتربون, فجاء بأهم الجوانب التي تكون شخصية المتربي, والتي ينبغي على المربي أن يهتم بها ويركز عليها أثناء بناء شخصية المتربي, ثم تحدث بعد ذلك عن المنهجية التي تقوم عليها التربية الجماعية وتدار بها. وكركنٍ مهمٍّ من أركان التربية الجماعية تحدث المؤلف في الفصل الخامس عن أساليب التربية الجماعية, والتي اعتبرها نصف النجاح في هذه العملية التربوية, فبين مفهوم الأسلوب, ذاكراً الأسلوب في القرآن والسنة, ليسرد بعدها أهم أساليب التربية الجماعية فذكر منها التربية بالقدوة, وبالقصة, وبالحوار وغيرها, ليعدد منها عشرة أساليب. ولتوضيح الكثير من الملامح العامة للمجموعة التربوية الفعالة ختم المؤلف كتابه بفصل أخير تحدث فيه عنها, وعن خصائصها، وضوابطها، والعوامل التي تعيق أداءها. الكتاب يؤصل لمنهجية تربوية إسلامية راقية, يستفيد منها المعلمون والمربون, سواء كانوا آباء وأمهات أو مؤسسات تربوية, كما أن هذا الكتاب يساهم في إعداد جيل مبني على أطر تربوية صحيحة, جيل قادر على تحمل مسؤلياته على أكمل وجه, مستعد للبذل والعطاء من أجل هذا الدين, فجزى الله مؤلفه خير الجزاء وكتب منازله في عليين.

стр. 1365

عنوان الكتاب فقه الفتن - دراسة في ضوء نصوص الوحي والمعطيات التأريخية لسلف الأمة اسم المؤلف عبد الواحد إدريس الإدريسي الناشر مكتبة دار المنهاج - الرياض سنة الطبع ط ٢ - ١٤٣١هـ عدد الصفحات: ٧٧٦ نوع الكتاب أصل الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ابن زهر كلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة الدراسات الإسلامية. التعريف بموضوع الكتاب: حينما تموج الفتن وتنزل بالأمة, تتنزل معها جميع أنواع البلايا, وتعصف بالأمة على جميع المستويات, وتستجلب معها الهزائم على جميع الصُعد وفي شتى الميادين, وقلما يتنبه شخص للفتن ويحذر منها, لأنها إذا أقبلت لم يعرفها إلا خواص الناس, وإذا أدبرت عرفها الجميع, فكان لزاماً أن يتعرف المسلم على الفتن وفقهها, وأنواعها, وأصولها, وأسبابها, وآثارها, وعواقبها وغير ذلك, وهذا ما جاء هذا الكتاب ليبينه ويوضحه. تناول الكتاب في الباب التمهيدي: مفهوم الفتن في اللغة وأهم معانيها اللغوية, كما تناول فيه أيضاً الفتنة في القرآن ومدلولاتها فيه, وأوضح عناية الرسول الكريم ﷺ في بيان الفتن, وعناية السلف من بعده بها, حيث أنها قد ألفت فيها الكتب العديدة, وأفردت فيها المصنفات, وكل ذلك يظهر اهتمام العلماء البالغ بالموضوع على مر المراحل التاريخية. وفي الباب الأول من الكتاب ذكر المؤلف الأصول التي تقوم عليها الفتنة, ولمَّا كان المؤلف يرى أن أصول الفتنة وجذورها إنما كان في عهد الصحابة الكرام بدأ هذا الباب بفصل تناول فيه منزلة الصحابة والشرف الذي كانوا يتبوؤنه, والمكانة السامية التي كانوا يتسنمونها, وذلك تمهيداً للنظر فيما شجر بينهم, فبين عقيدة أهل السنة تجاههم, وأنهم يسلمون ألسنتهم عن الخوض فيما شجر بينهم ويمسكون عنه, بل ويثنون عليهم ويستغفرون لهم إلى غير ذلك مما ينبغي للمسلم أن يعتقده في حق الصحابة رضوان الله عليهم. ثم ثنى المؤلف بفصل ثانٍ تناول فيه خلافة النبوة التي خلت من الفتن, وقصد بها خلافة الشيخين أبي بكر وعمر وخلافة عثمان ﵃ أجمعين, وفي الفصل الثالث تناول القسم الثاني من الخلافة الراشدة والتي صحبتها الفتنة وقصد بها خلافة علي بن أبي طالب ﵁, وما حصل فيها من الفتن كفتنة الجمل وصفين, وما تلاها من الفتن في ولاية معاوية ﵁ وابنه يزيد وغيرها. ثم تكلم المؤلف عن اتجاهات الناس ومذاهبهم في الفتن وأنهم ثلاثة اتجاهات فصنف يقاتل مع الإمام, وآخر يقاتله, وثالث لا يقاتله ولا يقاتل معه, وبين أن لكل طائفة من هؤلاء ما تستند إليه من أدلة وحجج. ليذكر بعد ذلك مذاهب العلماء في الحكم على ما وقع بين الصحابة وأن الناس منقسمون في ذلك إلى قسمين: فالقسم الأول هو الذي يعتقد أن كلا الطائفتين على صواب, والقسم الثاني من يصوب إحدى الطائفتين دون الأخرى. أما الباب الثاني فبحث فيه المؤلف فقه الفتن من خلال مسالك الشريعة ومجالاتها، واحتوى هذا الباب على أربعة فصول, أولها تناول فيه فقه الفتن في سياق مسلك العقيدة, وسياق مسلك العبادات الشرعية, وأما الفصل الثاني فكان الحديث فيه عن فقه الفتن في سياق مكارم الشريعة, وفي الفصل الثالث تناول المؤلف فقه الفتن في سياق مقاصد الشريعة, ليختم هذا الباب بفصل أخير تحدث فيه عن فقه الفتن في سياق السياسة الشرعية. أما الباب الثالث والأخير من الكتاب فقد خصصه المؤلف للحديث عن الأحكام المتعلقة بالفتن والتي يحتاج إليها المسلمون قبل الفتنة وأثنائها، وبعد تطايرها وذهابها, وكان ذلك في ثلاثة فصول: الفصل الأول عن ما يلزم المسلمين فعله لدفع وقوع الفتن قبل وقوعها, كمعرفة أسباب الفتن حتى تُدافع وتُقاوم, وذكر من تلك الأسباب جملة: كقلة العلم وانتشار الجهل, والظلم, وضعف التدين وسوء الخلق وغيرها. واعتبر المؤلف تعظيم حرمة المسلم, ولزوم جماعة المسلمين, وطاعة من اجتمعت عليه كلمتهم مما يلزم المسلمين فعله أيضاً لدفع الفتن قبل وقوعها. وأوضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم يحجز المسلمين عن الوقوع في الفتن. وفي الفصل الثاني تناول ما يلزم المسلمين فعله إذا وقعت الفتن, كمعرفة حكم البغي وأصناف البغاة, ومعرفة أحكام القتال الدائر بين المسلمين أنفسهم, وما يسن فعله عند حلول الفتن. ليأتي بفصل ثالث وأخير ذكر فيه أهم الأحكام الكلية والأصول الفقهية مع جملة من الضوابط التي تندرج ضمن فقه الفتن, وتناول تحت هذا الموضوع بعض القواعد الأصولية التي يستفاد منها في فقه الفتن كقاعدة الإجماع, وقاعدة اعتبار المآل, وقاعدة سد الذرائع. ثم أتى المؤلف بمجموعة من القواعد الفقهية التي يستفاد منها في فقه الفتن كقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, وقاعدة درء المفسدة المجمع على درئها مقدم على درء المفسدة المختلف على درئها, وغيرها من القواعد. ليذكر بعد ذلك بعضاً من الضوابط المهمة والمبادئ الضرورية في فقه الفتن, كالحجية القاطعة للقرآن والسنة وإجماع الأمة, ومعرفة أن مسائل الاجتهاد لا يصح فيها الإنكار على المخالفين, وألا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، وغيرها من الضوابط والمبادئ. الكتاب قراءة متعمقة ومؤصلة لفقه الفتن .. نسأل الله أن يكتب لمؤلفه الأجر والثواب, وأن يقي المسلمين من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 1366

الإسلام الذي يريده الغرب - قراءة في وثيقة أمريكية عنوان الكتاب ... الإسلام الذي يريده الغرب - قراءة في وثيقة أمريكية اسم المؤلف ... صالح بن عبد الله الحسَّاب الغامدي تقديم ... عبد الرحمن بن صالح المحمود الناشر ... مركز الفكر المعاصر- الرياض سنة الطبع ... ط ١ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات: ... ٣٥٨ نوع الكتاب ... أصل الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير التعريف بموضوع الكتاب: لا يفتأ أعداء الله يحيكون الدسائس, ويدبرون المؤامرات ليلا ونهاراً, سراً وجهارا, وكل غايتهم هو أن يروا هذا الدين كسيراً, جامداً, حتى يستطيعوا أن يحققوا مكاسبهم الدنيئة, وأغراضهم المشبوهة, ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. يتناول كتاب هذا الأسبوع بالدراسة تقريراً مهماً أصدرته مؤسسة: (راند للأبحاث والتنمية) والتي تعد من أشهروأبرز المؤسسات البحثية في أمريكا, هذا التقرير الخطير أطلقت عليه المؤسسة اسم: (إسلام حضاري ديمقراطي شركاء وموارد واستراتيجيات) وأعلنت فيه صراحة ولأول مرة عن ضرورة تغيير العالم الإسلامي فكرياً عن طريق التأثير المباشر على الدين الإسلامي وبفعل أيدٍ إسلامية, وقد جاء هذا الكتاب ليتصدى لهذا التقرير علمياً, ويوضح ما فيه من أخطاء ومغالطات كثيرة فيما يخص ديينا الحنيف. الكتاب بدأه المؤلف بتمهيد تحدث فيه بالتفصيل عن تاريخ مراكز البحوث الغربية ومراحل التطور التي مرت بها والتي تكونت من خمس مراحل ابتداء من عام ١٨٦٥م إلى الوقت الحاضر الذي نعيش فيه, كما سلط الضوء على أهميتها المتمثلة في جانبين اثنين: أحدهما: الأهداف التي تسعى إليها هذه المراكز. والآخر: الواقع العملي النشط لها والذي يعطيها مزيداً من الأهمية. وتناول أيضاً في هذا التمهيد علاقة هذه المراكز بالاستشراق حيث أنها تتفق معه في الاهتمام بدراسة ومعرفة العالمين العربي والإسلامي, كما تتفق معه أيضاً في الارتباط الوثيق والعلاقة الحميمة بالسياسة والسياسين, وعن علاقتها القوية بمراكز القرار السياسي في الغرب خصوصاً فيما يتعلق بالسياسات المتعلقة بالشرق الأوسط. ثم شرع المؤلف في فصول الكتاب الأربعة: فتناول في الفصل الأول: بالدراسة مؤسسة راند, تحدث من خلاله عن تاريخ نشأتها في منتصف القرن الماضي, ونموها وتطورها, والأهمية التي تختص بها في أمريكا, إذ تعتبر أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية فيها, كما تناول مجموعة من أبرز باحثيها, ومدى اهتمامها بالعالمين العربي والإسلامي, وكيف أنها ساهمت في رسم السياسات الأمريكية تجاههما, ذاكراً أهم التقارير الصادرة عنها والتي من ضمنها التقرير المعني بهذه الدراسة, والذي عرفه تعريفاً موسعاً, فقام بتوصيفه توصيفاً عاماً, متحدثاً عن مصادره ومراجعه, مترجماً لمؤلفته (شيريل بينارد). أما الفصل الثاني: فقد تناول موقف التقرير من القرآن الكريم, حيث أثار حوله مجموعة من الشبه والأباطيل التي دحضها المؤلف وناقشها, مقيِّماً ذلك الموقف وموضحاً أن هذا التقرير يسير وفق معتقدات كنسية استشراقية وليس وفق موضوعية أو حيادية. ليستعرض بعد ذلك موقف هذا التقرير من شخص رسول الله ﷺ , حيث بين أنه لم يسئ مباشرة إلى رسول الله ﷺ , وإنما أساء إليه بأسلوب غير مباشر, وأنه تعامل مع شخص رسول الله ﷺ بحذر شديد, ووظف سيرته بشكل ملتوي للوصول إلى غايته وهي إعادة صياغة الإسلام. كما تناول المؤلف موقف التقرير من السنة النبوية الشريفة مبيناً أنه لا يختلف في مضمونه عن موقف المستشرقين المتضمن للقدح والتشكيك والتنقص, بل زاد التقرير على الاستشراق باستخدام السنّة النبوية ضمن أدواته الاستراتيجية في مشروعه لبناء إسلام حضاري ديمقراطي يرضى عنه الغرب. ثم شرع المؤلف بعد ذلك في الحديث عن موقف التقرير من المجتمع المسلم واهتمامه به, وكيف صنفه فكرياً, وقسمه إلى أربع مجموعات رئيسية وهي: الأصوليون, والتقليديون, والمجددون, والعلمانيون, موضحاً أهدافه الرامية وراء هذا التصنيف وهو أنه يريد أن يكرس مبدأ التفوق والهيمنة الغربية على العالم الإسلامي, ويدعم استمرارها على المدى البعيد بالإضافة إلى بعض الأهداف القريبة والتي منها بث سياسة فرق تسد, ومحاولة إقحام العلمانين في أهل السنة ليتسلموا مقاليد الأمور في يوم ما. وتكلم المؤلف في الفصل الثالث: عن موقف هذا التقرير من قضايا المرأة والذي يعتبر امتداداً طبيعياً لمشروع تغريب المرأة المسلمة بشقيه النظري والعملي, وموقفه من العقوبات الجنائية والتشريع الإسلامي, والذي لم يخرج عن موقف الغرب بوجه عام والمستشرقين بوجه خاص في التقليل من شأن الشريعة الإسلامية, والافتراء والتجني عليها بجعلها سبباً رئيساً في تقهقر العالم الإسلامي وتراجعه عن الركب الغربي, بالإضافة إلى أن مؤسسة راند زادت عن موقف الغرب والمستشرقين أنها ابتكرت منهجاً فريداً لم تسبق إليه وهو التخطيط العلني لتغيير الشريعة الإسلامية حتى تتماشى مع مصالح الغرب ومتطلباته, وبأيدٍ إسلامية تتولى كبر هذا الموضوع وتقوم بالمهمة بالنيابة. وأما آخر فصل من فصول الكتاب فتناول فيه المؤلف بالدراسة تلك المقترحات الصادرة عن التقرير وآثارها في واقع المسلمين, فتحدث عن هذه المقترحات من الناحية النظرية والتطبيقية, حيث أوضح الخطة الاستراتيجية الرئيسية التي وضعها التقرير والتي تتألف من خمسة بنود وهي: دعم المجددين, ودعم العلمانيين بحذر, وتشجيع المجتمع المدني, ودعم التقليدين في مواجهة العلمانيين, ومعارضة الأصوليين, متحدثاً بعد ذلك عن الأثر الذي ينعكس على واقع المسلمين من هذا التقرير, ليختم بذكر الفائدة المجنية من هذه الدراسة عن تقرير راند في واقع المسلمين. وبعد،، فهذا الكتاب المهم والماتع يسلط الضوء على تقرير من التقارير الكثيرة والخطيرة التي تصدرها مراكز الدراسات في الغرب - وما أكثرها - بغرض دك معاقل الإسلام, وهدم حصونه من الداخل وبأيدي أبنائه ومن ينسبون إليه, إلا أن الله بتكفله بحفظ دينه وكتابه يقيض من يذود عن حياض الدين ويدافع عن معاقله من أبنائه كما فعل المؤلف جزاه الله خيراً. والكتاب ننصح بقراءته والاستفادة منه.

стр. 1367

الأحكام الشرعية للنوازل السياسية عنوان الكتاب الأحكام الشرعية للنوازل السياسية اسم المؤلف الدكتور عطية عدلان الناشر دار اليسر - القاهرة سنة الطبع ١٤٣٢هـ عدد الصفحات ٧٨١ نوع الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية المفتوحة. التعريف بموضوع الكتاب: جدت على الساحة العلمية والعملية للأمة الإسلامية كثير من النوازل المتعلقة بكثير من مناحي الحياة، ومنها الناحية السياسية التي تتعلَّق بنظام الحكم في الإسلام، والتي تستدعي نظراً فقهيًّا عميقاً وبحثاً علميًّا جادًّا للوصول إلى أحكام شرعية لها، وقد تناول بعض الباحثين المعاصرين دراسة بعض هذه المستجدات من خلال عدد من الأطروحات العلمية، وحققوا من خلال ذلك نتائج طيبة، ومنها هذا البحث الذي بين أيدينا. ولما كانت النوازل التي تمسُّ الحاجة إلى معرفة أحكامها الشرعية كثيرة ومتنوعة، ومنها ما يتعلَّق بنظام الحكم نفسه، ومنها ما يتعلق بعلاقته بغيره، فقد قسَّم الباحث كتابه إلى بابين: تناول في الباب الأول: أهم النوازل المتعلقة بنظام الحكم وضم الموضوعات التالية: ١ - حكم العمل بالديمقراطية كنظام للدولة الإسلامية، وانتهى بعد استعراض الخلاف في المسألة، وأدلة كل فريق ومناقشتها- إلى أن الراجح هو عدم جواز العمل بالديمقراطية، وأنها ليست من الإسلام؛ لضعف أدلة المجيزين وقوة أدلة المانعين، لكن لا يمنع ذلك من إيثارها على الديكتاتورية وعلى النظم الشمولية، على سبيل اختيار أهون الشرين، ودفع أعظم المفسدتين، وذلك في حال الضرورة والاقتهار، وعدم القدرة على تطبيق النظام الإسلامي، فهي خير من الديكتاتورية الطاغية، وهي مناخ ملائم لانتشار الدعوة وضمان حرية العقيدة والعبادة، وحرية الدعوة والتعبير عن الرأي. ٢ - حكم التعددية السياسية وقيام الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية، وقد استعرض المؤلف الخلاف في هذه المسألة، وأدلة كل قول مع مناقشتها، ليقول في نهاية المبحث، بعد أن ذكر بعض مفاسد قيام الأحزاب والتعددية السياسية: (إن هذه المفاسد التي تغلب على الأحزاب لو لم يكن لدينا البديل الأصيل الإسلامي، لكان من الممكن القول باحتمال هذه المفاسد في سبيل دفع ما قد يربو عليها من مفاسد الأحادية في الحكم، لكن مع وجود مؤسسة أهل الحل والعقد، ومع صلاحيتها للقيام بالحراسة والرقابة والحسبة والتولية والعزل والشورى وغير ذلك، لا يمكن القول بجواز التعددية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، أما في ظل الأنظمة العلمانية فالحكم مختلف؛ إذ إن فقه السياسة الشرعية يتسع في حالات الاستضعاف وفي ظروف القهر والاضطراب للقبول بفكرة التعددية السياسية بكل مقوماتها، دفعاً لأعظم الشرين وارتكاباً لأخف الضررين) اهـ. ٣ - حكم المشاركة النيابية في ظل الأنظمة الوضعية العلمانية، وترجح لدى المؤلف بعد استعراض أقوال المانعين والمجيزين ومناقشتها، أن المشاركة قد تكون ممنوعة في زمان ما أو مكان ما، وقد تكون جائزة، بل قد تكون واجبة إذا عادت بالنفع العميم على المسلمين، أو منعت فساداً كبيراً أو ضرراً مصيريًّا يحيق بهم ويهدد وجودهم، وهذا المترجح لدى المؤلف هو ما انتهى إليه مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا. ٤ - ثم تطرق لبعض المسائل الفرعية، كحكم المظاهرات كوسيلة من وسائل الحسبة السياسية، وحكم مشاركة المرأة في المجالس النيابية، وحكم مشاركة غير المسلمين في المجالس النيابية في البلاد الإسلامية. وأما الباب الثاني: فتحدَّث فيه عن النوازل المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وقد بيَّن من خلاله الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وحكم معاهدات السلام مع دار الحرب، وحكم الاستعانة بالدول الكافرة على محاربة دولة إسلامية، وحكم التحالف بين الدول الإسلامية وغيرها، وحكم التجنس بجنسيات الدول غير الإسلامية، وحكم العمليات الاستشهادية. وقد قدَّم المؤلف بين يدي بحثه بفصل تمهيدي، بحث من خلاله تعريف السياسة واستعمالاتها والنوازل والمقصود منها، ثم بيَّن أن الإسلام دين ودولة مدعماً ذلك بذكر الأدلة من القرآن والسنة- سواء القولية أو العملية- والإجماع، ثم دفع الشبهات التي أثارها العلمانيون، ودحَض مفترياتهم، وتطرَّق الباحث أيضاً إلى أسس نظام الحكم العامة في الإسلام، كسيادة الشرع، والسلطان للأمة، وكون الشورى منهج الحكم، وإقامة العدل، وحراسة الحريات، ورعاية المبادئ، وحقوق الإنسان، إلى غير ذلك، مدعماً كل ذلك بالدليل، ثم تكلَّم عن مؤسسات النظام السياسي الإسلامي، مثل مؤسسة أهل الحل والعقد، ومؤسسات السلطة الحاكمة، كالسلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية. والكتاب إسهام جيد في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالجوانب السياسية، خاصة بعد الانتصارات التي حققها الإسلاميون في المجال السياسي، ووصولهم إلى سدة الحكم في بعض البلدان العربية، بعد أن ظلوا مغيبين فترة طويلة في ظل الأنظمة الديكتاتورية الغاشمة، فجزى الله المؤلف خيراً، والأمة بحاجة إلى المزيد من الدراسات التي تسلط الضوء على مثل هذه الجوانب لتنير الطريق للأمة الإسلامية للعودة إلى دينها، والحكم بشريعة الإسلام.

стр. 1368

عنوان الكتاب نوازل العقار- دراسة فقهية تأصيلية لأهم قضايا العقار المعاصرة اسم المؤلف أحمد بن عبد العزيز العميرة الناشر دار الميمان - الرياض سنة الطبع ط١ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات: ٦٠٦ نوع الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. التعريف بموضوع الكتاب: مع حاجة الناس للسكنى، أصبح العقار أحد طرق الاستثمار بل من أهمها وأكثرها انتشاراً، ولكثرة حاجة الناس إليه وكثرة نوازله، خاصة مع الانفتاح التجاري على العالم وللعدد المتزايد من المتعاملين في سوق العقار وتعدد الاستثمار العقاري، فلهذه الأسباب وغيرها ناقش المؤلف هذا الموضوع، وأفرده بهذه الدراسة. وقد قسم المؤلف كتابه إلى تمهيد وستة فصول. فأما التمهيد: فتطرق فيه المؤلف إلى تعريف نوازل العقار، وعناية الشريعة الإسلامية بأحكام العقار، وتطور العقار على مر العصور، وأهمية العقار الاقتصادية، وأنواع العقار. وفي الفصل الأول: ناقش مسألة تملك العقار، فعرَّف التملك، وذكر طرق التملك، ونوازل التملك، وتكلم عن تملك الكافر للعقار في جزيرة العرب. وفي الفصل الثاني: تحدث عن تملك الشقق والطوابق، فعرَّف تمليك الشقق والطوابق، والحكم الفقهي والإجراء النظامي لتملك الشقق والطوابق، وذكر حقوق الملاك في الأجزاء المفرزة، وحقوق الملاك في الأجزاء المشتركة، وحق الشفعة في تمليك الشقق والطوابق، وحق الملاك في بناء الشقق والطوابق بعد انهدامها. وفي الفصل الثالث: كان الكلام عن التوثيق العقاري وتناول فيه معنى التوثيق العقاري، والتوثيق العقاري في الإسلام، والتوثيق العقاري في العصر الحديث، واعتبار التوثيق العقاري قبضاً. وفي الفصل الرابع: تكلم المؤلف عن المساهمات العقارية، وذكر فيه تعريف المساهمات العقارية، وأحكام المساهمات العقارية. وأما الفصل الخامس: فتناول فيه زكاة العقار، مبيناً زكاة المساهمات العقارية، وزكاة العقار المشاع، وزكاة العقار المعد للسكن، وزكاة العقار المؤجر، وزكاة العقار المعد للتجارة إذا كان مما ينشأ، وزكاة العقار المعد للتجارة إذا كان مما لا يُنشأ، وزكاة العقار المتربص، وزكاة المال المتوفر من صندوق التنمية العقاري. وتكلم في الفصل السادس: عن عقود المشاركة بالوقت، عرف فيه عقد المشاركة ثم تكلم عن نشأة عقد المشاركة بالوقت وتطوره، وصور هذا العقد، وحكمه وشروطه، والآثار المترتبة عليه. ثم ختم بخاتمة تشتمل على أهم نتائج البحث. ولا شك أن موضع دراسة النوازل من الأهمية بمكان؛ ليعرف الناس الحكم الشرعي فيما يستجد من مسائل لاسيما التي تتعلق بحياتهم، وهذه الدراسة من الدراسات الجادة حاول المؤلف استيفاء الكلام فيها، فجزاه الله خيراً.

стр. 1369

عنوان الكتاب التمايز العادل بين الرجل والمرأة في الإسلام . اسم المؤلف محمود بن أحمد الدوسري الناشر دار ابن الجوزي - الدمام سنة الطبع ط١ - ١٤٣٢هـ عدد الصفحات: ٨٦٤ نوع الكتاب أصل هذا الكتاب (بحوث علمية محكمة) تقدم بها المؤلف لنيل درجة (الأستاذية). التعريف بموضوع الكتاب: لما تواجهه أمة الإسلام من هجمات تشويه شرسة، ودعوات تغريب هدامة يراد منها طمس معالم الشريعة الإسلامية، وهدم أركانها، متخذين من قضايا المرأة، وموقف الإسلام منها مع مطالبتهم مساواتها بالرجل في كافة مجالات الحياة، دون مراعاة طبيعتها ووظيفتها المناسبة؛ متخذين هذا كله ذريعة يتذرعون بها في دعاويهم؛ جاء هذا الكتاب ليبن مكانة المرأة في الإسلام وحقيقة التمايز العادل بينها وبين الرجل. جاء الكتاب مقسماً على خمسة أبواب، وكل باب أشتمل على فصول مفرعة إلى مباحث فرعية. ففي الباب الأول: الذي كان عنوانه المساواة العادلة بين الرجل والمرأة قسمه المؤلف إلى ثلاثة فصول تكلم في الأول عن الفرق بين المساواة والعدل، وفي الثاني عن المساواة الإنسانية العادلة في النشأة والأصل، والاعتبار البشري، والكرامة الإنسانية، وفي حق الحياة، وفي الفصل الأخير كان الحديث عن المساواة العادلة في الإسلام، وذلك من خلال المساواة في الإيمان والتكاليف الشرعية، وفي صيغ الخطاب، والمساواة في التملك والتصرفات المالية، وفي العقوبات الشرعية، والجزاء يوم القيامة. في الباب الثاني: كان الحديث عن التمايز العادل في العبادات وتحدث فيه عن مسائل من مسائل العبادات تمايز فيها الرجل والمرأة تمايزاً عادلاً، وذلك في ثمانية فصول في الطهارة، وخصال الفطرة، والزينة، واللباس، والصلاة، والجنائز، والزكاة والصوم والاعتكاف، والمناسك، والعقيقة. ثم تطرق في الباب الثالث: عن التمايز العادل في الجهاد في ثلاثة فصول كان الأول منها عن حكم الجهاد ذكر فيه حكم جهاد الرجل وحكم جهاد المرأة، والفصل الثاني في قتل الرجل دون المرأة، والثالث في الجزية. ثم جاء الباب الرابع: في التمايز العادل في الولايات وأشتمل على ثمانية فصول تحدث فيها عن التمايز في الإمامة العظمى، والوزارة، والقضاء، والشهادة، والشورى والانتخاب، وتولي الوظائف والأعمال، وفي ولايتي النكاح والحضانة. وأخيراً الباب الخامس: كان الكلام فيه عن التمايز العادل في الأحوال الأسرية في فصلين هما التمايز في الميراث، والتمايز في النكاح. وختمه بخاتمة ذكر فيها الخلاصة التي توصل إليها ونتائج بحثه. ومنهج المؤلف في هذه الأبواب الاقتصار على القول الراجح في كل مسألة يذكرها مع إيراده أهم الأدلة من الكتاب والسنة وما يتبع من ذلك أحياناً من الأثر والمعقول ثم إيراد دليل الإجماع إن وجد مع ذكر شيء من الحكم والفوائد المستنبطة من الأدلة، والرد على الشبهات المثارة وتفنيدها. والكتاب جيد ونافع، جزى الله مؤلفه خيراً.

стр. 1370

عنوان الكتاب جلاء الظلمة في التحذير من سيادة الشعب والأمة اسم المؤلف أحمد الشريف الناشر مكتبة الصحابة - جدة سنة الطبع ط١ - ١٤١٥هـ عدد الصفحات: ١١٢ التعريف بموضوع الكتاب: مما لا ريب فيه أن هناك نظريات جاءت لتضر بالنظام الإسلامي، وفي مقدمتها نظرية السيادة الرامية إلى تسويد الأمم والشعوب حيث يطير بهذه النظرية فرحاً الكثيرون من الكتاب المعاصرين، وإن من ينادي بتبني النظام الديمقراطي في البلدان الإسلامية لم ينطلق إلى هذه المناداة من منطلق العطف أو الشفقة على الأمة، بل انطلق إليها بحماس شديد لعلمه أن تسويد الأمة هو قاطع الطريق على النظام السياسي الإسلامي، حيث يحاول دعاة هذه النظرية تبريرها بأنها إسلامية، وباسم سيادة الأمة التي يراد لها أن تكون إسلامية يتم إقصاء شريعة الإسلام عن الساحة، فلا غرو إذن أن نسمع مصطلحات لا منطقية تنادي بديمقراطية إسلامية، أو اشتراكية إسلامية. وجاء هذا الكتاب ليكشف عوار دعوى سيادة الأمة وليزيح الستار عن زيغها وباطلها. وقد قسم الباحث الكتاب إلى بابين، عَنْوَن: للباب الأول: بـ نظرية السيادة في الفكر الغربي، واشتمل على فصلين: حاول في الفصل الأول: أن يسلط الضوء على جذور الفكر الديمقراطي ونظرية السيادة. أما الفصل الثاني: تناول فيه نظرية السيادة كما يراها دعاتها؛ تحدث عن خصائص السيادة ونظرياتها، كنظرية تعدد السيادة، ونظرية سيادة الأمة، ونظرية سيادة الشعب، ونظرية سيادة القانون. وخصص الباب الثاني: بالحديث عن نظرية السيادة في ميزان الإسلام، واشتمل على أربعة فصول. في الفصل الأول: قارن بين خصائص السيادة في مفهومها الغربي وصفات الألوهية. أما الفصل الثاني: فعرض فيه الأقوال والآراء التي تبحث حول صاحب السيادة في الدولة الإسلامية، تكلم في هذا الفصل عن الرأي القائل بسيادة الأمة وساق أدلتهم ثم وزن هذه النظرية بميزان الإسلام، كما تناول الرأي القائل بسيادة الإنسان، والقول بازدواجية السيادة بين الخالق والمخلوق، وأيضاً تناول في هذا الفصل بالتفصيل الرأي القائل بأن السيادة لله وحده. وفي الفصل الثالث: ساق الأدلة الشرعية على أن السيادة والتشريع لا يكونان إلا لله وذلك من خلال أربعة مباحث. وتناول في الفصل الرابع: لوازم القول بأن السيادة لله في باب الولاء والبراء ثم في باب النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، وأخيراً في مسألة الحكم بما أنزل الله، وحكم الإسلام في من لم يحكم بما أنزل الله، كما تناول بالحديث عن شرعية الأنظمة القائمة على أساس نظرية السيادة، ثم تناول لوازم القول بعدم شرعيتها. وختم الكتاب بنصيحة إلى الأمة لتعي جيداً ما يراد لها وما يحاك ضدها في الظلمات. نسال الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
следующие страницы →