← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العلماء والإصلاح محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ) نُشر عام ١٣٤٩هـ الموافق ١٩٣٠م نود من صميم قلوبنا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة. ولا يرسخ بناؤها، ويروع طلاؤها، وتحمد عاقبتها، إلا أن تكون موصولة بنظم الدين، مصبوغة بآدابه، والوسيلة إلى أن يجري فيها روح من الدين يجعلها رشيدة في وجهتها، بالغة غايتها: أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية بالقيام على ما استحفظوا من هداية، فلا يذروا شيئاً يشعرون بأنه موكول إلى أمانتهم إلا أحسنوا أداءه. ينظر أهل العلم في حال الناس من جهة ما يتقربون به إلى الخالق، ويزنون أعمالهم ليميزوا البدعة من السنة، ويرشدوهم إلى أن يعملوا صالحاً. ومن الذي لا يدرك أن البدع تقف كقطع من الليل المظلم، فتغطي جانباً من محاسن الشريعة الغراء، وهي - بعد هذا - ضلالات تهوي بأصحابها في ندامة وخسران؟ ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يدور بينهم من المزاعم الباطلة، والأحاديث المصنوعة، وينفون خبثها نفي النار لخبث الحديد، يفعلون هذا ليكون الناشئ المسلم نقي الفكر، صافي البصيرة، لا يحمل في نفسه إلا عقائد خالصة، وحقائق ناصعة. ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسداً، ويصلون ما كان متقطعاً، وما شاعت المعاملات التي نهي عنها الدين في غير هوادة؛ كالربا، والميسر، إلا حيث قل من يعظ الناس في ارتكابها، ويبسط القول في شؤم عاقبتها. ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يمسهم من السراء والضراء، ويسعون ما استطاعوا في كشف الضر عنهم، ولو بعرض حالهم على أولي الشأن، وإثارة دواعيهم إلى أن يعالجوا العسر حتى ينقلب بفضل تدبيرهم يسراً. يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس: أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم، وقال أحد علمائهم: وأتعبُ إن لم يُمْنَحِ الناسُ راحةً وغيريَ إن لم يُتْعِبِ الناسَ يَتْعَبُ ينظر أهل العلم بعين الاحتراس إلى كل من يدعو إلى مذهب باسم الدين، ويتخذون الوسائل إلى الاطلاع على حقيقة قصده. ومن أسباب وهن حبل الإسلام، وتقطع أوصاله: مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون، أو جهال لا يفقهون. أفلم يكن المذهب البهائي يعمل لهدم قواعد الإسلام، واستهواء أبنائه من خلف ستار؟! وقد أحس بعض أتباعه اليوم بقوة، فصاروا يخطبون على منابر النوادي، ويجهرون بشيء من مزاعمه، وعرف بعض خصوم الإسلام قصدهم، فقاموا يشدون أزرهم، ويرددون الثناء على مذهبهم. نحن نعلم أن في كل أمة فئة يفتحون صدورهم لقبول كل دعوة توافق أهواءهم، أو تأتيهم في طلاء يلائم أذواقهم، ولكن نهوض العلماء بعزم وحكمة، إن لم يسحق آراء هذه الفئة سحقاً، فإنه يكشف عما فيها من سوء، فلا يسكن إليها إلا من هم إلى الحيوان الأعجم أقرب منهم إلى الإنسان. يرقب أهل العلم كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه، كواجب التعليم والإفتاء. وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقاً من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قصَّ علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويمثلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكراً. كان أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر ابن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة. وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيراً ما كان يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وهي منها، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة. وظهور العلماء في أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة ودًّا واحتراماً، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقاماً كريماً، أفلا نذكر أيام كان أمراء الإسلام يعرفون في طائفة من العلماء رجاحة الرأي، وصراحة العزم، وخلوص السريرة، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش، فيكفون بأس أعدائهم الأشداء؟ وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، ومحمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة. ينظر أهل العلم إلى ما غرق فيه بعض شبابنا من التشبه بالمخالفين، وتقليدهم في عادات لا تغني من الرقي شيئاً، وقد يرى بعضهم انحطاط كثير من أبنائنا في هذا التشبه والتقليد، فيعده قضاء مبرماً، ويملكه خاطر اليأس، حتى ينتكث من التعرض للشؤون العامة ومعالجتها، ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع، ويكون قد قرأ التاريخ ليعتبر، يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة، بله اليأس من نجاحها. وأذكر بهذا: أن كاتباً كتب في إحدى المجلات مقالاً تحت عنوان: (وحدة العالم) يدعو فيه إلى مسايرة أوربا في السفور ونحوه، وقال في علة الدعوة إلى هذه المسايرة: ليخرج الشرق والغرب في مدنية واحدة، وأشار على دعاة الإصلاح في الشرق بأن لا يقفوا في سبيل هذه المدنية، زاعماً أنهم لا يستطيعون مقاومتها، ولا يزيدون على أن يجعلوا سيرها بطيئاً، ورغب إليهم أن يحثوا الناس على المسارعة إلى قبولها. والذين ينظرون إلى مدنية أوربا باعتبار، يبصرون فيها على البداهة ما لا يرتضيه العقل، ولا يقبله الشرع. واختلاف الأمم بالحق خير من اتحادها على باطل، ولا يفوت الحكمة أن تجد نفوساً مهذبة، وعقولاً سليمة فتقبلها. فحقيق على العلماء أن يبتسموا لهذا الرأي تبسم الازدراء، ولا يقيموا لمثله وزناً إلا أن يكشفوا سريرته، ويعرضوا على الأنظار سوء مغبته. والعالم بحق من يتدرَّع بالإيمان البالغ، والثقة بما وعد الله به الداعي إلى الحق من الظهور على أشياع الباطل، وإن أوتوا زخرفاً من القول، وسعة من المال، وكانوا أكثر قبيلاً. لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجاً، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو رأوا حقًّا مهملاً، لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوهم على إقامته. أمر السلطان سليم بقتل مائة وخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن، فبلغ هذا النبأ الأستاذ علاء الدين الجمالي، وكان متولياً أمر الفتوى، فذهب إلى السلطان وقال له: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعاً، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال له: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، فقال الأستاذ علاء الدين: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة غضب السلطان، وعفا عن الجميع. ومتى كان في ولاة الأمور شيء من العدل، وكان في الداعي إلى الإصلاح حكمة وإخلاص، نجحت الدعوة في سعيها، وبلغت بتأييد الله مأربها. يكون العالم رفيقاً في خطابه، ليناً في إرشاده، أما إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق، أو يأتي ما ليس بمصلحة، أخذ بالتي هي أرضى للخالق، وكان مثالاً للاستقامة صالحاً. أذكر أن أحمد بن طولون دعا القاضي بكار بن قتيبة إلى خلع الموفق من ولاية العهد، فأبى، فحبسه، وكرر عليه القول، فأصر على الإباءة، وبقي في السجن حتى ثقل ابن طولون في مرض الوفاة، فبعث إلى القاضي بكار يقول له: أردك إلى منزلتك، أو أحسن منها، فقال بكار للرسول: قل له: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله . فأبلغ الرسول ابن طولون ذلك، فأطرق ساعة ثم قال: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله . وأمر بنقله من السجن إلى دار اكتريت له. وإنما يقوم العالم بإسداء النصيحة إلى ذي قوة، أو لا يوافقه فيما يخدش أمانته وتقواه، متى قدَّر مقامه العلمي قدره، وكان شأن العلم أسمى في نظره من كل شأن، وهذا الشعور هو الذي يهيئه - بعد داعية الغيرة - لأن يجاهد في سبيل الحق مستهيناً بكل ما يعترضه من أذى. ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي فتجلد للأذى، وأجاب داعي التقوى متأسياً بقوله ﷺ : (اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون). وممن جرى على هذا الخلق المتين: أبو بكر بن العربي يوم كان قاضياً بأشبيلية، قال في كتاب (القواصم والعواصم): حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبوا، وثاروا علي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا عليَّ حتى أمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار، لكنت قتيل الدار، يعني بقتيل الدار: عثمان ﵁. ولا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي يدعو الناس إلى العمل الصالح، ويقبض عنه يده، أو ينهاهم عن العمل السيئ، ولا يصرف عنه وجهه، فمن أدب العلماء: أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب ما يؤاخذ به، وعمل ما يحمد عليه؛ كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين؛ فإن ذلك أدل على إخلاصهم، وأدعى إلى توقيرهم وقبول نصائحهم. وإذا كان العدد القليل فيما سلف يكفي لحراسة الدين، وإرشاد من ينحرف عنه حتى يعود إليه، فلأن سلطان الإسلام يومئذ، وصوت غالب الجهل عليه خافت، أما اليوم، فالحال ما ترون وما تسمعون، فلا يمكن للدعوة أن تأتي بفائدتها إلا أن تضم المعاهد الإسلامية بين جدرانها طوائف كثيرة من أولي الغيرة والعزم، يصرفون جهدهم في الدفاع عن الدين، والدعوة إلى الخير، ويعيدون الدعوة مرة بعد أخرى. وستنبت المعاهد الإسلامية - إن شاء الله - كثيراً من العلماء القوامين على نحو ما وصفناه، ولا سيما حين يأخذ التعليم بالأزهر الشريف نظامه الأسمى، ويجري مثل هذا النظام في غيره من المعاهد الإسلامية؛ كجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في فاس، ويقوى الأمل في أن تؤتي هذه المعاهد الثمرة الغزيرة الطيبة، متى نظر إليها أولو الأمر برعاية، وعاملوا النشء المتخرجين منها بما يدل على أنهم يحترمون الشريعة، ويقدرون ما تثبته في الأمة من رشد وإصلاح.

стр. 37

العلم وعلو الهمَّة عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٢هـ) نُشر عام ١٣٥٧هـ الموافق ١٩٣٨م عالي الهمَّة يطلب معالي الأمور، وفي (التعريفات) الهمَّة: توجُّه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره. فعالي الهمَّة يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع عليه لحظة في غير قربة، ويبادر اللحظات. عالي الهمَّة يطلب أشرف شيء ينفعه في الدنيا والآخرة، وقد علم بالضرورة أنه ليس في الوجود أشرف من العلم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. كيف لا والعلم هو الدليل، فإذا عُدم وقع الضلال، ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالعلم، وما يجب له على عباده من دينه الذي رضيه لهم، وبالقيام به صلاح الدنيا والآخرة، وبالغفلة عنه زوال النعم وحلول النقم. وطلب العلم ومعرفة ما قصد به العبد أشرف ما بُذلت فيه الأنفاس والمهج؛ وأشرف الأرباح وعنوان الفلاح، وأقرب الخلق من الله العلماء، والعامل من غير علم وبصيرة ليس من عمله على طائل. قال أبو حنيفة: من ترك الدليل ضلَّ السبيل. اهـ. ولا سبيل إلى الله والجنة إلا الكتاب والسنة. وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وقال ابن الجوزي: من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في العلم والعمل زادت مرتبته في دار الجزاء انتهب الزمان، ولم يضيِّع لحظة، ولم يترك فضيلة إلا حصَّلها. والعلم ما في الصدور لا ما في القِمَطْر [ما يصان فيه الكتب]، ومن أخلص في طلبه دلَّه على الله، ولا تُنال الراحة بالراحة، وعلى قدر التعب تكون الراحة؛ فإنَّ مصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، كما قال الشاعر: أُعدتِ الراحةُ الكبرَى لمَن تعِبا وفاز بالحقِّ مَن لم يَأْلُهُ طلَبا وعلو الهمَّة يدلُّ على عظم العقل، ومن له عقل فهم الخطاب، ومن فهم الخطاب فهم المقصود. ومن عمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق. وينبغي لعالي الهمَّة الطالبِ المجدَ أن ينبعث من قلبه الافتقار إلى ملهم الصواب أن يدلَّه على حكمه الذي شرعه لعباده، ومتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، ومن علامة توفيق الله له صرف همته العالية إلى العلم. وفي الحديث عن النبي ﷺ : (العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى ذلك فهو فضل) [إسناده ضعيف]. وأرشد ﷺ معاذاً لما بعثه إلى اليمن إلى سياسة حكيمة نافعة في التعليم قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) فهذا بيان كيفية التعلم؛ البداءة بالأهمِّ فالأهمِّ من واجبات الإيمان وأركان الإسلام، ثم ينتقل درجة درجة من الأعلى إلى ما دونه، ثم يتعلم ما يجب من الحقوق في الإسلام، بخلاف ما يفعله بعض المتعلمين من الاشتغال بالفروع والذيول فضلاً عن الفضول، ومن ترك الأصول حرم الوصول. وأصل الأصول وأشرف الكلام كلام الله؛ فيه الهدى والنور، قال ﷺ : (أما بعد: أيها الناس، إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ؛ فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به). وقال: (إنها ستكون فتن) قالوا: فما المخرج منها؟ قال: (كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) [ضعيف]. وكان يقول في خطبه: (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة). وحضَّ ﷺ على التمسك به وبسنته في غير ما موضع، وقال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله وسنتي) فنفى الضلال عمن تمسك بهما. وقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). إن عالي الهمَّة لا يؤثر على كتاب الله شيئاً، فإنه كلام الله أنزله بلغة رسوله ﷺ سيد العرب وأفصح العرب، ولغته أفصح اللغات وأوسعها وأدخلها في الإعجاز. وكان ﷺ كثيراً ما يحافظ على ألفاظ القرآن في تعبيراته، وكان الصحابة والتابعون يتحرون ألفاظ النصوص، وحدث خلوف رغبوا عن ألفاظ النصوص، وأقبلوا على الألفاظ الحادثة، وألفاظ النصوص من الكتاب والسنة حجة وعصمة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولهذا كانت علوم الصحابة والتابعين أصحَّ من علوم من بعدهم وأفصح وأقلَّ تكلفاً فيما يروونه من المعاني، بل لما استحكم هجران النصوص عند أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في غاية الفساد والتناقض، فاتباع السنة- والله الذي لا إله إلا هو- نجاة؛ والسنة هي التي نقلها أهل العلم كابر عن كابر ومن رزقه الله العلم والنظر في سير السلف رأى أن هذا العالم في ظلمة، وجمهور العالم على غير جادة، ولو رفعوا كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فوق كل شيء لرفعهم الله كما رفع سلفهم، ولأعزهم كما أعزهم ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. ألم يعلموا أن الأخذ بالعلم النافع من علامة كمال العقل، وصرف الزمان إلى حفظ ما غيره أولى من سخافة العقل والرِّضَى بالدون. ومن أكبر الرزايا وأعظم البلايا أن يعطيك الله همة عالية، ويمنعك من العمل بمقتضاها. إن عالي الهمَّة لا يستبدل الأدنى بالذي هو خير، من بدَّل القراءة من كتاب الله وسنة رسوله وكتب أهل السنة والاهتداء بها والأخذ بها غيرها- فقد بدَّل نعمة الله كفراً، واستبدل الأدنى بالذي هو خير. من ضيَّع ذهنه الوقَّاد الذي يميز به في الفضول فقد بدَّل نعمة الله كفراً، واستبدل الأدنى بالذي هو خير، والله سبحانه يجزيه بجنس عمله، فمن استبدل الأدنى بالأعلى فإن الله يبدله بالعزِّ ذلًّا وبالفرح غمًّا وبالسرور حزناً وبقُرَّة العين سخنة العين: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٦]. وليس هذا كمن استبدل البقل بالمنِّ لا والله. العلم قوت الروح، ويحتاجه الإنسان كل لحظة وذاك قوت البدن (بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه). ولا دواء لهذا إلا الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال ﷺ : (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك). عليك بكتاب الله وسنة نبيه، وأعظم سبب في تحصيلهما التقوى، قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلمَ نورٌ ونورُ اللهِ لا يؤتاه عاصِ ويحفظ العلم بالتذاكر والفهم، ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. وإذا ظفرت برجل من أهل العلم، طالب للدليل، محكم له، متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان، فاشدد يديك به. وقف في مواقف الابتهال إلى ذي العزة والجلال، وانطرح بين يديه بالأسحار، وقل: يا معلِّم إبراهيم علِّمني، ويا مفهِّم سليمان فهِّمني. واعلم أن الله تعالى يثيب العامل المخلص رزقاً عاجلاً- إما للقلب أو البدن أو لهما- ورحمة مدخرة في خزائنة. فلا تسأمنَّ العلم واسهر لنيله بلا ضجرٍ تحمد سُرَى السيرِ في غدِ ولا يذهبنَّ العمر منك سبهللا ولا تغبننْ في النعمتينِ بل اجهدِ واعلم بأن جمع الهمِّ أصل الأصول، وليس العلم بمجرد صورته هو النافع بل معناه، وإنما ينال معناه من تعلم للعمل به؛ فإنَّه كلما دله على فضل اجتهد في نيله، وكثيراً ما ترى من يثب ويثيب وهو يقرأ، ولم يحصل على طائل لمانع قام به من نفسه لا من ربه ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ولقد حصل من الغفلة عن الكتاب والسنة اللذين لا نجاة للعبد إلا بمعرفتها والعمل بهما ما يُشجي الصدور، ويُدمي القلوب، وصار اشتغال بعض طلاب العلم بالعلوم المزاحمة لهذا الأصل الأصيل والمنهل العذب الجليل، بل أصبحت حالهم تُدمي العيون، وتفتت الأكباد، وتسقط القلوب، وتقتل النفوس الحية، ولقد كثر من يدَّعي العلم، وقلَّ العلماء حقيقة، القائمين بما حمَّلهم الله به، وصار كثير ممن يطلب العلم لحظوظ الدنيا، وأعرضوا عن الكتاب والسنة فلم يذوقوا لها حلاوة، ووقع ما أخبر به ﷺ : (إنكم في زمان قليل قراءه، كثير فقهاؤه، وسيأتي بعدكم زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه) [من كلام ابن مسعود] فإنا لله وإنا إليه راجعون (من يُرد الله به خيراً يفقِّهه في الدين). بل أصبحنا في جيل اتخذوا البدع والخرافات حجة وسنداً على أن الكتاب والسنة غير صالح للترقية البشرية، ولا سيما في هذه القرون؛ قرون المدنية والحضارة، جهلاً منهم بالدين الحنيف .. !! ولو تأمَّلوا قليلاً لعلموا أنهم في ضلال مبين، وجرى الأكثر وراء المدنية، وغلغلها في نفوسهم طائفة من المبتدعين حتى رموا الدين بالجمود والرجعية، فأصبحت تعاليم الدين في خبر كان، والله المستعان.

стр. 38

لمن أكتب ؟ محمود بن محمد شاكر (ت:١٤١٨هـ) نُشر عام ١٣٦٧هـ الموافق ١٩٤٨م بيني وبينها أيام معتقة كأنها خمر في دنان الزمان، فإذا ما قدَّر الله لنا أن نجتمع يوماً، طارت بلبي نشوة ترمي بي إلى عالم ساكن ناضر ناعم النسمات، فأفارق بها عالمًا صاخبًا محترقًا، لافح الرياح، عاصف الأعاصير. واجتماعنا هو إحدى الأماني التي يقول في مثلها الشاعر: أماني من سُعدَى رِواءٌ، كأنما سَقَتْك بها سُعدَى على ظمأ بردا وإذا اجتمعنا وتنهدت بيننا الأحاديث، فربما فاجأتني بالسؤال لا أتوقعه، فيردني سؤالها إلى نفسي ردًّا عنيفًا لا أملك معه إلا أن أديم طرفي إلى هذا الوجه الذي يُخفي وراءه نفسًا ثائرة، ولكنها ساكنة على ثورتها سكون الجبال الراسيات، ولست أدري أتلك إحدى لطائف الحيل التي تحب أن توقظني بها من غفوة الأحلام، أم تلك يقظة دائمة في نفس لا تطيق إلا أن تكون متيقظة حين يدعوها الهوى إلى إغفاءة تريحها من ثورة نفسها واضطرابها؟ وأي ذلك كان، فهي قد أخذتني أخذاً شديداً حين استوت في جلستها وقالت: حدثني، لمن تكتب هذا الذي تكتبه؟ إنهم جميعًا نيام يغطُّون، فلو قذفتهم بالشهب أو الصواعق لناموا على وقعها أو إحراقها. فلما أفقت على سؤالها، جعلت أردده في نفسي، وأنا أملأ عيني من صفاء هذه الينابيع التي تترقرق في وجهها وفي عينيها، وأخيراً قلت لها: لن أجيبك إلا حيث تقرأين كلامي، ودعينا لما بنا، فإن لقاءنا ساعةٌ فرَّت إلينا من هذا الفراق السرمدي. لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولِمَ أكتب؟ ولكني أحسُّ الآن من سرِّ قلبي أني إنما كنت أكتب، ولا أزال أكتب لإنسان من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو: أهو حيٌّ فيسمعني، أم جنين لم يولد بعدُ سوف يقدر له أن يقرأني؟ ولست على يقين من شيء إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يومًا على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها، وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم، تطمس هذه الحضارة التي فارت بالأحقاد والأضغان والمظالم، ولم يتورع أهلها عن الجور والبغي في كل شيء، حتى في أنبل الأشياء، وهو العلم. لم يخامر قلبي يأس قط من هذه الفترة التي نعيش فيها من زمننا، ولم يداخلني الشك في حقيقة هذه الشعوب، وإن كانت لا تزال تعيش في بلبلة جياشة بأخلاط من الغرور والخداع والعبث، وفي أكفان من الفقر والجهل والمخافة، وفي كهوف من الظلم والاستبداد وقلة الرحمة، كل ذلك شيء أراه وأعرفه، ولكني أستشفُّ تحت ذلك كله نقاء وطهرًا وقوة تدب في أوصال هذه العالم الذي أوجِّه إليه كلامي، وهو خليق أن يتجمع للوثبة في الساعة التي كُتب له فيها أن يهبَّ مرة واحدة تذهل الناس كما أذهلتهم من قبل، وهو خليق أن يكون سرَّ الحياة الجديدة التي تضرب عروقها إلى عصور بعيدة في تاريخ البشر. ولعل هذه المحن التي أحاطت به من خارج، والتي استبطنته من داخل، هي حوافز البعث الجديد، وهي نار التمحيص التي تنفي خبثه كما ينفي الكير خبث الحديد. أنا أعلم أن رجال السياسة عندنا لا يزالون أوزاعًا من خلق الله لا ندري كيف نشؤوا، وعلى أي شيء قامت شهرتهم، ولا إلى أين تمضي أهدافهم؟ وهم فوق ذلك كله قد لوثوا ضمائرهم وعقولهم وأخلاقهم وعزائمهم بأشياء لا يمكن أن تؤدي إلى خير، وهم قد أشربوا فتنة بأخلاق الساسة الطغاة الذين ابتُلي بهم الغرب، وامتُحنت بهم الحضارة الغربية. ولست أشك ساعة في أنهم لا خير فيها البتة، مهما دلَّ ظاهر تدليسهم أو تدليس الصحافة بأسمائهم على أنهم يفعلون خيرًا، أو أنهم سوف ينتهون إلى خير، ولست أرتاب البتة في أن الخير كل الخير هو في زوالهم جملة واحدة من مكانهم، لكي يتسنى لهذه الشعوب العربية والإسلامية أن تهتدي إلى الحق في حياتها وفي جهادها وفي أهدافها. وأنا أعلم أن رجال العلم من أي أقسامه كانوا، لا يزالون يتعبدون أنفسهم لكثير مما لا نفع فيه لأممهم، بل لعلهم لا يزالون يترفعون عن هذه الشعوب الفقيرة الجاهلة، والتي هي شعوبهم، ظنًّا منهم أنها شعوب لا تستطيع أن تبلغ ما بلغ الناس في العلم، فضلًا عن أن يدركوا سوابق العلماء في هذه الفترة من زماننا، فضلًا عن أن يسبقوا أمم الحضارة الحاضرة في ميدان هذه العلوم. وهم في خلال ذلك - إلا من عصم الله - يبسطون ألسنتهم بسطًا شديدًا في أعراض هذه الشعوب، فيقرفونها بكل مسبة، ثم يصرفون وجوههم إلى أوربة وأمريكا وغيرهما كأنما هم منها ومن صميمها، لا من هذه الشعوب البائسة التي ظنوا أن الموت كتاب محتوم عليها. وأنا أعلم أن أكثر أهل السلطان في هذا الشرق، لا يزالون يعيشون في عزلة لا يبالون قليلًا ولا كثيرًا بما فيه خير بلادهم، وأنهم يحتقرون جماهير الشعوب احتقارًا ينسرب في خاص كلامهم كما ينسرب في أكثر أفعالهم. وهم فئة قليلة فتنتها النعمة والترف واللذاذات، حتى ما تبالي أن تصبَّ على أممها ضروبًا من المظالم كان ينبغي أن تترفع عن ارتكابها، لا رحمة بالناس، بل مخافة من الناس، فالشعوب إذا هاجها ما يهجيها لم تبق على شيء وإن كان في بقائه خيرها. وأنا أعلم أن أهل الدين - إلا من رحم ربك - قد رموا بدينهم ظهريًّا، وإن لبسوا لباسه، وتشبهوا على الناس وغرُّوهم باسم هذا الدين. وهم يأكلون باسم الدين نارًا حامية، وهم قد فقدوا بفقد آداب هذا الدين كل شيء يجعل لهم عند الناس مكانة ترفعهم عن الشبهات، وبذلك أصبحوا كالعامة التي تحتاج إلى من يقودها ويهديها. وقصارى ما يقال هو أن الحياة في هذا الشرق على اختلاف نحله ومذاهبه وأديانه وأحزابه، قد صار كأهل سفينة جنَّ أكثر من فيها، وكلهم يريد أن يقود السفينة كما خيَّلت له طوائف وساوسه وأوهامه، مستبدًّا بما يرى من الرأي، ولكني مع ذلك لن أيأس ساعة من أهل الخير، لن أيأس من رجل أو رجال توقظهم هذه البلوى المحيطة بالجماعة، فيدفعها حبُّ الحياة وحبُّ الخير إلى نفض غبار القرون عن أنفسهم، ثم تنشط من عقالها إلى قيادة هذه الناس بقوة تنفث في هؤلاء جميعًا روحًا مسددة هادية تبرئهم مما أصابهم، وتستنقذ منهم من يصلح للبقاء والعمل في جيل جديد، له هدف معين، وله طريق لا يفارقه، وله همة جياشة تجعله يطوي المسافات المترامية طيًّا حتى يصل إلى غايته، لم يلحقه كلل ولا سآمة ولا إعياء. فأنا أكتب لرجل أو رجال سوف يخرجون من غمار هذا الخلق، قد امتلأت قلوبهم بالقوة التي تنفجر من قلوبهم كالسيل الجارف، تطوح بما لا خير فيه، وتروى أرضاً صالحة تنبت نباتًا طيبًا. ومهما كان من أمر تلك الطوائف التي ذكرتها، ومهما كان رأيها في هذه الشعوب التي تنتمي إليها، ومهما عدت شعوبها سائمة ترعى أيامًا معدودة حتى تتخطفها أرماح الأجل، فمن هذه (السائمة) سوف ينفرد رجل يقود الشعوب بحقها؛ لأنه منها: يشعر بما كانت تشعر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبض قلبه بالأماني التي كانت تنبض في قلوبها. وهو وحده الذي يعرف كيف يرفع عن عيونها حجاب الجهل، ويطرح عن كواهلها قواصم الفقر، ويملأ قلوبها بما امتلأ به قلبه من حب هذه الأرض التي تعيش فيها مضطهدة ذليلة خائفة. إنه الرجل الذي قد خُلطت طينته التي خلق منها بالحرية، فأبت كل ذرة في بدنه أن تكون عبدًا لأحد ممن خلق الله على هذه الأرض، فهو يشرق من جميع نواحيه على أجيال الناس كلها كما تشرق الشمس، ترمي بأشعتها هنا وهنا، ولا يملك الناس إلا أن ينصبوا لها وجوههم وأبدانهم؛ ليذهب عنهم هذا البرد الشديد الذي شلَّهم وأمسك أوصالهم عن الحركة. وهو يسير بينهم فتسري نفسه في نفوسهم، فتموج الحياة فيهم بأمواجها التي لا يقف دونها شيء مهما بلغت قوته أو جبروته. ألا إن الشرق العربي لينتظر صابرًا كعادته هذا الرجل، وإني لأحس أن كل شرقي قد أصبح اليوم يتلفت لا من حيرة وضلال، بل توقعًا لشيء سوف يأتي قد أنَى [حان ودنا] زمانه، ففي كل نفس منه خاطرة تختلج. وهذا الإحساس فينا هو الذي يحملني على الإيمان بأن ذلك كائن عن قريب، وأننا قد أشرفنا على زمن قد كتب الله علينا فيه أن نجاهد في سبيله، ثم في سبيل الحق والحرية والعدل؛ لأننا نحن أبناء الحق والحرية والعدل، قد ارتضعنا لبانها منذ الأزل البعيد. وكل ما دخل علينا في القرون الماضية من المظالم والأكاذيب والاستبداد، لم يستطع أن يخفت ذلك الصوت الذي تتجاوب به نفوسنا باسم الحق والحرية والعدل. إن هذه الشعوب التي تُرى اليوم كأنها على بلادها أسمال بالية ممزقة، قد بدأت تحسُّ أن عليها أن تتجدد أو أن تزول، وطبيعة الحياة تأبى لها أن تزول، فهي لابد أن تتجدد. وهذا الدافع وحده سوف يمهد للرجل المنتظر أن يزأر زئيره فتصغى له آذان الملايين من أبناء الشرق، ثم تنطلق من مجاثهما إليه مجيبة لندائه، فإذا انطلقت إليه أرسالًا [جماعات واحدة بعد الأخرى]، فيومئذ لن يقف في طريقها أولئك الساسة المنافقون، ولا أولئك العلماء المتبجحون، ولا أولئك الديَّانون المخادعون، بل سوف يصيرون تبعًا، وقد طال ما خيلت لهم نفوسهم أنهم الرؤوس والسادة. فأنا إن كتبت، فإنما أكتب لأتعجل قيام هذا الرجل من غمار الناس، لينقذنا من قبور جثمت علينا صفائحها [حجارة عراض توضع فوق القبور] منذ أمد طويل. وليس بيننا وبين هذا البعث إلا القليل، ثم نسمع صرخة الحياة الحرة العادلة يستهل بها كل مولود على هذه الأرض الكريمة التي ورثناها بحقها، ليس لنا في فِتر [مسافة ما بين السبابة والإبهام] منها شريك.

стр. 39

شرعة الحرب في الإسلام محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م) نُشر عام ١٣٧٤هـ الموافق ١٩٥٥م من لوازم الحرب سفك الدماء، والدماء في الإسلام محترمة معصومة إلا بحقها، وليست عصمة الدماء خاصة بالمسلمين في حكم الإسلام، بل مثلهم في ذلك ثلاثة أصناف من الكتابيين وهم: • الذميون الذين استقروا في دار الإسلام وفي ذمته. • والمعاهدون الذين استقروا فيها بعهد محدد بأجل. • والمستأمنون وهم كل من دخلها بأمان مؤجل أو غير مؤجل. فهذه الأصناف دماؤهم معصومة كدماء المسلمين، ولا يجوز للحاكم كيفما كانت سلطته أن يستبيح دم أحدهم إلا بحقه، وأول حق يكتسبه المسلم بإسلامه، أو الذمي ومن معه من الأصناف المذكورة - هو عصمة دمه وماله، فإذا سفك دم غيره عدوًا بغير حق، استُبيح دمه، ورُفعت العصمة عنه بما كسبت يداه، وإذا أخذ مال غيره بغير وجه شرعي أُخِذ من ماله بقدره من غير زيادة ولا إجحاف ولا ظلم. فالحرب في الإسلام لا تكون إلا لمن آذنه بالحرب، أو وقف في وجه دعوته، يصدُّ عنه المستعدين لتلقيها، والإسلام في أعلى مقاصده يعتبر الحرب مفسدة لا تُرتكب إلا لدفع مفسدة أعظم منها، وأول مفسدة شُرعت الحرب لدفعها مفسدة الوثنية، ومفسدة الوقوف في سبيل الدعوة الإسلامية بالقوة، ولو أن قريشًا لم يقفوا في طريق الدعوة المحمدية، وتركوها تجري إلى غايتها بالإقناع لما قاتلهم محمد ﷺ ، ولكنهم بدءوها بالعدوان والتقبيح، والحيلولة بينها وبين بقية العرب، والقعود بكل صراط لصدِّ الناس عنها. ومن اللطائف الحكمية أن القتال لم يشرع في القرآن بصيغة (شرع) أو (وجب) أو غيرهما من صيغ الأحكام، وإنما جاءت الآية الأولى فيه بصيغة الإذن المشعرة بأنه شيء معتاد في الاجتماع البشري، ولكنه ليس خيرًا محضًا ولا صلاحًا سرمدًا، وإنما هو شر أحسن حالاته أن يدفع شرًّا آخر. ومما وقر في نفوس البشر أن بعض الشرور لا تُدفع بالخير، ولا تنقصم إلا بشرٍّ آخر. وإذا كانت الأحكام على الأشياء إنما هي بعواقبها وآثارها، فإن الشرَّ الذي يدفع شرًّا أعظم منه يكون خيرًا كقطع بعض الأعضاء لإصلاح بقية البدن، وكقتل الثلث لإصلاح الثلثين، كما يؤثر عن الإمام مالك، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ .. ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠] ففي قوله تعالى: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ وفي قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ وفي قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بيان للشروط المسوغة للحرب في الإسلام، تُحمل عليها نظائرها في كل زمان. شرعت الحرب في الإسلام، أي أُذن فيها بدستور كامل للحدود التي تربطها، وتحدُّ أولها وآخرها، وتخفف من شرورها، وتكبح النفوس على الاندفاع فيها إلى الخروج عن الاعتدال وتعدي الحدود. وإذا كان الإسلام الذي هو آخر الأديان السماوية إصلاحًا عامًّا لأوضاع البشر، فإن أحكام القتال فيه إصلاح وتهذيب لمسألة طبيعية فيهم وهي الحرب. إن أحكام الحرب في الإسلام مثال غريب في تاريخ العالم: ماضيه وحاضره يصوِّر الحرب عذابًا تحفُّه الرحمة من جميع جهاته، ويتخلله الإحسان في جميع أجزائه، ولو وازناها بالقوانين المتبعة في الحروب إلى يومنا هذا، وقارنا أسبابها في الإسلام ببواعثها اليوم لوجدنا الفروق أجلى من الشمس. ولو لم يكن من مظاهر العدل في الإسلام إلا قوانينه الحربية، لكان فيها مقنع للمنصفين باعتناقه، ذلك أن الحرب تنشأ عادة عن العداوات والمنافسات على المصالح المادية، والعداوة من عمل الشيطان، يوريها بين أبناء آدم ليرجعوا إلى الحيوانية الضارية التي لا عقل لها، ولا رحمة فيها، ولا عدل معها، فجاء الإسلام بتعاليمه السامية المهذبة للفطرة المشذِّبة للحيوانية، فحدَّدت أسباب الحرب وأعمالها تحديدًا دقيقًا، وحرَّمت البغي والعدوان، وقيَّدتها بقوانين هي خلاصة العدل ولبابه، حتى كأنها عملية جراحية تؤلم دقائق لتترك الراحة والاطمئنان العمر كله. حرَّم الإسلام التعذيب والتشويه والمثلة في الحرب، أوصى بالأسرى خيرًا، حتى جعل إطعامهم والإحسان إليهم قربة إلى الله، أمر بألَّا يُقتل إلا المقاتل أو المحرض على القتال، أو المظاهر على المسلمين، نهى وتوعد عن قتل النساء والصبيان والشيوخ الهرمى والقعدة والرهبان المنقطعين في الصوامع، نهى عن عقر الحيوان المنتفع به، نهى عن إتلاف الزرع وإحراق الأشجار وقطعها، وما وقع ليهود المدينة إنما هو تصرف خاص لحكمة، لا تشريع عام للتشفي والانتقام، ووصية أبي بكر ﵁ للجيش هي الكلمة الجامعة في هذا الباب، وهي التطبيق العملي لمجملات النصوص من الكتاب والسنة. وما نسبة هذه الأحكام والآداب التي جاء بها الإسلام من قبل أربعة عشر قرنًا إلى ما يجري في حروب هذا العصر الذي يدعونه عصر النور والعلم والإنسانية والمدنية إلا كنسبة نور النهار إلى ظلمة الليل. أين ما يرتكب في حروب هذا العصر المدني من تقتيل النساء وبقر بطونهن على الأجنة، ومن قتل الصبيان والعجزة، وهدم البيوت بالقنابل الجوية والمدافع الأرضية على مَن فيها، ومِن هدم المعابد، ومن تسميم المياه والأجواء، وإحراق الناس أحياء، إلى القنبلة الذرية التي لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم؟ أين هذه الموبقات من تلك الرحمة الشاملة التي جاء بها الإسلام، والإسلام يعتبر السلم هو القاعدة، والحرب شذوذ في القاعدة؛ لأن الإسلام دين عدل ورحمة وعمران وعصمة في ما يسميه علماء الإسلام بالكليات الخمس وهي: الدين، والعقل، والعرض، والمال، والنسب. والدين هو ملاك التهذيب النفسي، والعقل هو قسطاس الآراء التي تقوم عليها الحياة، والعرض هو مقياس الشرف الإنساني، والمال هو قوام الحياة، والنسب هو مناط الفخر، وملاك القوميات والنظام التفاضلي والتنافس المحمود، فإذا انهارت هذه الكليات ارتكست الإنسانية، وتردت إلى الحيوانية، فحاطها الإسلام بحصون من الأحكام المنيعة. ولحرص الإسلام على السِّلْم جاءت آية الأنفال آمرة بالجنوح له كلما جنح له العدو حتى لا يُسبق المسلمون إلى فضيلة. والإسلام يأمر بالوفاء لذاته، ويجعله من آيات الإيمان، وينهى عن الغدر، ويجعله شعبة من النفاق، يأمر بالوفاء حتى في الحرب التي هي مظنة الترخيص في الأخلاق، والتساهل في الفضائل، يقول تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. ويقول في وجوب انتصار المسلم للمسلم: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ويقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]. هذه هي آداب الحرب في الإسلام وأعماله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 40

سنن الاجتماع في الحاكمين والمحكومين محمد رشيد رضا نشر عام ١٣٢٥هـ الموافق ١٩٠٧م طبيعة الاجتماع تقضي بوجود الحكام، ما قضت بوجود النزاع والخصام، فإذا لم يتغلب على الناس من يحكم فيهم كما يشاء، اختاروا هم لأنفسهم من يحكم بينهم كما يشاؤون؛ لأن ما قضت به سنن الوجود واقع ما له من دافع. الحكم حاجة من حاجات الناس يقوم به بعضهم بالنيابة عن الباقين، فهو كسائر الحاجات من العلوم والمهن والحرف كالزراعة والصناعة والتجارة التي يقوم بكل فرع من فروعها من يكفي المجتمع همها، كما يقوم هو بسائر حاجاتهم ويكفيهم ما أهمهم. فالحاكمون كغيرهم من العاملين كل صنف يخدم مجموع الأصناف التي يعبر عنها بالشعب أو الأمة من حيث يخدمونه و (كل ميسر لما خلق له) ومسيَّر إلى حيث يسوقه استعداده، فمن سابق ومتخلف، ومن محسن ومسيء، والكل جزاء، والجزاء إما مال يكفي أو يغني، وإما مال وجاه يعلي. جزاء الأعمال التي تطلبها طبيعة الاجتماع طبيعي مثلها، ولولا ذلك لما اندفع كل فريق إلى العمل الذي يزين له استعداده جزاءه والغبطة به، فمن يطلب من الجزاء الطبيعي على العمل أكثر مما تفرضه سنة الاجتماع من الجزاء عليه فهو باغ متنكب صراط الحق غير مقيم لميزان العدل؛ إذ يطفف لنفسه ويخسر للأمة. البغي في اقتضاء الجزاء يكون من الأفراد ومن الجمعيات والأصناف، فالأول لا تأثير له في إفساد الأمة، وتلافيه سهل، وأما الثاني فهو البلاء المبين؛ لأن قوة الاجتماع هي أعظم القوى. وإنما يتحقَّق البغي بتحديد قيم الأعمال والأشياء تحديداً طبيعيًّا إن أمكن، أو قانونيًّا ليكون متجاوز الحد هو الباغي الذي يجب إرجاعه عن بغيه. ينجح زيد في بغيه على عمرو إذا كان أقوى منه علماً أو جسماً، والحاكم يفصل بينهما إذا رفع الأمر إليه، وإلا كان الراضي بالهضيمة مستحقًّا لها جزاءً على جهله، ... والخطب الجلل أن يتفق صنف من القائمين بأعمال المجتمع فيبغون في طلب الجزاء. ومنه ما يعرف في هذا العصر باعتصاب العمال [قريب المعنى من الإضراب] ولكن هذا الاعتصاب يجري في أعمال لم تحدد أجورها تحديداً طبيعيًّا ولا شرعيًّا، ومسلك العدل في تحديد القانون له دقيق، ولا أرى له وجهاً ترضي به طبيعة الاجتماع إلا أن يكون النسبة بين كسب المالكين وأجور العاملين، ويأبى علينا هذا المقال أن نخوض فيه ويرضى لنا أن نرده إلى الحاكمين. لا نقول: إن اعتصاب العمال من البغي، ولا نقول: إن فيه خطراً على الشعب. وإنما الخطر العظيم في بغي الحاكمين، الذين يوكل إليهم تلافي بغي الأفراد والجمعيات من المحكومين لهم. ما هو نوع عمل الحكام في الأمة وما هو نوع جزائهم عليه؟ جاء في فاتحة الكلام أن الحاكم إما متغلب بالقوة يحكم كما يشاء، وإما مختار من المحكومين له فيحكم بينهم بما يشاؤون من الشرائع والقوانين، فالحاكم الأول يرى أن عمله من قبيل إدارة صاحب المزرعة والماشية والعبيد لما يملك، وأن ما يأخذه هو من قبيل الغلة والريع، وأنه يجب على المحكومين له أن يقوموا له في مزرعته (مملكته) الكبيرة بما يطلب، وأن يرضوا بما يفرضه لهم وعليهم، والمحكومون له يرونه سلطاناً باغياً يتربصون به الدوائر على حسب حالهم في العلم والقوة أو الجهل والضعف. والحاكم الثاني يعلم كما يعلم المحكومون له أن عمله من قبيل عمل الفعلة والأجراء، وأن ما يأخذه من الجزاء المالي عليه أجرة مفروضة، وأن الجزاء المعنوي وهو الجاه أثر طبيعي لإحسانه في عمله، كما يكون لغيره من المحسنين إلى الأمة في ترقية العلوم والفنون والأعمال. على حسب حال الأمة يكون حكامها في نفس الأمر الذي تقضي به طبيعة الاجتماع (كما تكونون يولَّى عليكم)، قال أبو العلاء، فيلسوف الشعراء: مُلَّ المقامُ فكمْ أعاشرُ أُمَّةً حكَمت بغيرِ كتابِها أمراؤُها ظلمُوا الرعيَّةَ واستجازوا كيدَها فعَدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤُها كذلك شأن أكثر الأجراء والوكلاء مع المالكين، الجاهلين بما يجب أن يكون عليه ملكهم، العاجزين عن تحديد الأعمال، وتحديد أجور العمال، وإلزام كل عامل أن يلزم حدَّه، لذلك أنحى الفيلسوف في شعره باللائمة على الأمة التي مكَّنت أُجراءها من الاستبداد في السيادة عليها حتى تجاوزوا مصالحها، يُنبِّهها بذلك إلى إقامة الشريعة فيهم، وإرجاعهم إلى الكتاب العزيز الذي جعل أمر المؤمنين شورى بينهم. ولن تقدر الأمة على القيام به إلا بتغيير الأفكار والأخلاق التي كان من أثرها الطبيعي أن صار الأجراء سادة مالكين، وتحصيل الأفكار والعلوم والأخلاق التي تمكنها بالاتحاد من جعل المتغلب بقوته، مختاراً لعدله وفضيلته. إذا أحسن الحاكم المتغلب في عمله، واقتصد فيما يتناول من مال الأمة جزاء عليه- كان جديراً بالجاه الصحيح، وهو ملك القلوب، وقيادتها بالمحبة والتعظيم، وبما يتبعه من الحمد والثناء، وإذا أساء عملاً، وأسرف فيما يأخذ يفوته الجاه الصحيح، ويستبدل به الجاه الباطل، وهو قهر الرعية على أن تعامله معاملة الحاكم العادل من الثناء والتعظيم الصوري مكابرة للنفس، وعصياناً للقلب في سبيل طاعته الإلزامية. أما الحاكم المختار للأمة فهي التي تفرض له برضاها أجره، وتُمَلِّكه قلوبها طائعة مختارة. روى ابن سعد في الطبقات عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله ﷺ : افرضوا لخليفة رسول الله ﷺ ما يعينه. قالوا، نعم: برداه (ثوباه) إن أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره (أي: ما يركبه) إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق على أهله قبل أن يستخلف. قال أبو بكر: رضيت. وفي رواية أو روايات: أنه أراد أن يعمل في التجارة طرفاً من النهار لأجل عياله، وينظر في أمور الناس في سائر الأوقات فمنعوه. وقال عمر: نفرض لك. فأراد أن يتمنع فأقنعوه، وفرضوا له كواحد من المهاجرين لا أرقاهم ولا أدناهم. وكذلك كان ينفق قبل الخلافة. هكذا كانت حكومة المسلمين في أول عهدها كانت من القسم الثاني من التقسيم المتقدم، فعرض عليها من عوارض الاجتماع ما حوَّلها عن وضعها، وجعلها من القسم الآخر. وكم من حكومة كانت ظالمة بالتغلب فزحزحتها طبيعة الاجتماع عن مكانها، ووضعتها تحت سيطرة الأمة كحكومات الفرنجة في بلادها. لم تكن حكومة الشورى في المسلمين أثراً لارتقاء اجتماعي فيهم، ولذلك لم يطل عليها العهد، وإنما كانت ائتماراً بأمر الدين وعملاً بهدايته. وقد تغلبت العصبيات في الأمة قبل أن يستقر هذا النوع من الحكومة، ويلقي بوانيه (أي يثبت ويقيم) بهدي الدين، ويصير طبيعيًّا في الأمة. للحكومات آجال مقدرة بقدر أحوال المحكومين لها الاجتماعية، ولمدبر الكون فيها سنن لا تتبدل ولا تتحول، فما قصر أجل حكومة الشورى في المسلمين إلا لأن ذلك المجموع المؤلف من جميع الشعوب والأجناس لم يكن مستعدًّا لأن يكون مسيطراً على حاكميه؛ لقلة معارفه الاجتماعية، ولانتفاء الوحدة التي تجعل الأمة كرجل واحد. وإنما يستفيد الناس من الدين والدنيا في كل زمان بقدر استعدادهم. ولو كانوا شعباً واحداً في قطر واحد لرُجي لهم طول هذا الأجل، كما طال أجل حكومة الرومان، ثم قضي عليها بالتوسع في العمران، ودخول الشعوب الكثيرة تحت سلطانها. إذا أراد الله بأمة أن تنهض إلى جعل حكومتها تحت سيطرتها كما يجب أن تكون- سهَّل لها من أسباب العلم الصحيح، والتربية القويمة ما ينير أذهانها، ويجمع كلمتها حتى تكون أمة عاقلة حكيمة (والعاقل لا يظلم لا سيما إذا كان أمة) كما قال الأفغاني. يسُرُّنا أن نرى بوادر العلم والتربية في أفراد من أمتنا الإسلامية في كل شعب وكل قطر، وأن نرى بعض مرشديها يحثونها على الاستزادة منهما، ويسوءنا أن بعض الجاهلين المرائين يفتاتون على المرشدين المخلصين، فيعلقون آمال الأمة بغير هذا الطريق المعبَّد، والصراط السوي في تقويم الحكومة، وما يجب أن تعاملها به الأمة. ولكن قضت سنة الله بأن يغلب الحق الباطل، ويرجح النافع على الضار ولو بعد حين. يسهل على من أوتي الخلابة في القول، والعرفان بأهواء الجماهير، أن يغش أمة هي في طور الطفولة في الحياة الاجتماعية، وليس لها زعماء وحكماء ترجع في الأمور العامة إليهم. ويسهل على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب أن ينصح لها، ويهديها سبل الرشاد، فإذا هي رُزئت بالمختلبين وحدهم شقيت، وإذا هي رُزقت الناصحين سعدت، وإذا تنازعها الصنفان وجد صاحب الحق من نصر العقلاء وإن قلوا، ما يفلُّ جموع أنصار الباطل وإن كثروا، وبذلك ترتقي الأمة ارتقاءً يجعلها أهلاً لأن تختار حكامها، وتحدد لهم الجزاء المالي على أعمالهم، وتمنحهم الجاه والشرف باختيارها؛ لأنهم يحكمونها بمشيئتها المبنية على الحكمة والعرفان، وهي تجزيهم بمشيئتها الناشئة عن الرضى والإذعان.

стр. 41

ريع اللصوص علي الطنطاوي (ت ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩ م) نُشر عام ١٩٨٦م تمنيت لو أن اللصوص والمفسدين في الأرض اجتمعوا في مكان محصور، إذَنْ لهان الوصول إليهم وإصلاحهم أو القضاء عليهم. ولو اجتمع البعوض كله في موضع واحد لقضي على البعوض؛ لأن نجاته في تفرقه واختفائه، وأنه يضرب ويهرب ويضر ويفر فلا يوصل إليه. وشرٌّ من الحشرات والبعوض وجراثيم الأمراض قوم بيغن وشامير، واجتماعهم في فلسطين من بشائر القضاء عليهم، وأن نرى تأويل قوله تعالى فيهم، وقوله الحق: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤، ٥] والأولى التي بعث الله عليهم عباده المؤمنين به المخلصين له هي التي كانت على عهد رسول الله ﷺ وصحابته، الذين جاسوا خلال الديار التي حسبوها يوماً ديارهم (في المدينة)، ثم أُجلوا عنها وعن جزيرة العرب فلن يعودوا بعون الله إليها. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]؛ وهذا ما نراه الآن، حين اجتمع في أيدي اليهود -على قلتهم- أمضَى السلاح، وناصرهم أقوى الدول، وجعلهم الله أكثر نفيراً في الحرب. ولكن الله يمهد بذلك للمسلمين - إن عادوا إلى دينهم - ليسوؤوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة. وسنرى تأويل هذا عياناً ونرى تحقيق ما خبَّر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي من وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي فاقتله)؛ أي أننا سنقف أمامهم في المعركة التي يكون الظفر فيها لنا عليهم، فكيف نظفر بهم وهم متفرقون في البلدان مندسون بين الشعوب؟ وهل يكون القتال إلا بين جماعتين ظاهرتين؟ فاجتماعهم في فلسطين وقيام دولتهم فيها تصديق لوعد الله ورسوله لنا. ولا تعجبوا من نطق الشجر والحجر. ألم يعلمنا الله كيف ننطق الأسطوانة وشريط التسجيل والرائي (التلفزيون)؟ ألم ينطق لنا الجماد؟ فلماذا تعجبون ولا تكادون تصدقون إن سمعتم أن الشجر والحجر ينطقان؟ وهذا وعد من الله لنا إن عدنا إلى ديننا وجعلنا معركة فلسطين معركة إسلامية، لا معركة استرداد الأرض فقط، فكل شعب تسلب أرضه يحارب لاسترداد أرضه، ولا معركة قومية عربية، لأن لغيرنا قوميات، فإن اعتمدنا على القومية وحدها صرنا نحن وهم سواء ووكلنا الله - كما وكلهم - إلى أنفسنا، وإن تخلَّى الله عنا ووكلنا إلى أنفسنا ضعنا. إن معهم وعد بلفور، وهذا وعد من رب بلفور الذي خلقهم وخلق بلفور، وسيقفون بين يدي رب العالمين يوم لا ينفع المال ولا السلاح، يوم تبرز الجحيم لمن يرى، فمن ينقذهم يومئذ منها؟ وهذا، ولا تقولوا لي: قد خرجت عن الموضوع؛ فإن موضوعي اليوم هو الكلام عن اللصوص، أثاره في نفسي وقوفي في المكان الذي كان يسمَّى يومئذ (ريع اللصوص). وأكبر لصوص العصر وأعظمهم جرماً وأشدهم إثماً اليهود الذين هم اليوم في فلسطين. وإذا كان من يسرق متاعاً من الدار يكون من المجرمين الفجار، فكيف بمن يسرق الدار كلها؟ وكيف بالذي يُعينه على جريمته، ويكون معه على صاحب البيت؟ ألا يكون مجرماً مثله؟ فكيف بمن يسرق قُطراً كاملاً، يأخذه من أهله، يحتله بسلاح البغي والعدوان، ثم إذا قام من أصحابه من يطالب بحقه فيه أحالوه إلى المحكمة بتهمة مقاومة الاحتلال؟ أرأيتم أجرأ على الحق من هذا؟ أرأيتم من هو أصفق وجهاً وأوقح نفساً من اللص الذي ينكر عليك أن تطالب بحقك؟ وإذا جاء من يزعج المحتل بكى وشكا، وقال: إنه يريد أن يكون آمناً، وهذا يذهب أمنه ويفسد عليه حياته! ولو أنني حصرت ذهني لجمعت مما عرفت من أخبار اللصوص كتاباً صغيراً، ولو أن أحد المؤلفين يضع كتاباً في طبقاتهم وأخبارهم لجاء منه أثر أدبي تاريخي، ولا تعجبوا، فإن أجدادنا ألفوا في سير العلماء والدعاة والمصلحين والعقلاء والمجانين واللصوص والمجرمين، ونحن نزعم أننا نعيش في عصر النور فلا نفعل عشر ما فعلوا. ولعل أدنى طبقاتهم وأيسرها (لو أن في السرقة يسيراً!) هو الذي يسرق عن حاجة، يسرق ليعيش. وشرٌّ منه الذي يسرق طمعاً واستكثاراً من المال بالحرام، والذي يسرق متستراً بجاهه أو منزلته أو ثقة الناس به، والمحتال والمزور، والذي يأكل مال الأرملة واليتيم، وينسى أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً. والذي يستهين بسرقة أموال الدولة، ابتداء من صحيفة الورق الصقيل يكتب في وسطها رقم هاتف أو عنوان صديق، ومن استعمال سيارة الدولة في خاصة شأنه وشأن أسرته، وانتهاء بالذي يسرق أموال المناقصات والتعهدات. وهذا كله من (الغلول) الذي توعد الله فاعله وقال عنه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] فمن أين له يوم القيامة مثل ما غله وسرقه ليأتي به؟ والذي يسرق وقت العمل؛ يكلف بأن يجيء الساعة الثامنة فيجيء التاسعة، وأن يخرج في الثانية فيخرج في الواحدة، ويمضي باسمه على دفتر الدوام ثم ينسل فيغيب ساعة أو بعض ساعة. والذي يسرق أوقات المراجعين وكرامتهم، فتكون القضية محتاجة إلى خمس دقائق فيقول لصاحبها: تعالَ غداً، يحسب أنه إن قعد وراء المكتب والمراجع واقف أمامه أن ذلك سيدوم له، ثم يدعي أنه مؤمن، والرسول ﵊ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). والتلميذ الذي يسرق الجواب في الامتحان. إنه حين يسرق بعينه من ورقة جاره أكبر ذنباً من الذي يسرق بيده من جيبه؛ لأن سرقة المال يزول أثرها بردِّ المال، ومن سرق الجواب ونال الدرجة زوراً، ثم أخذ بعدها الشهادة زوراً، ثم نال المنصب زوراً، يستمر أثر جريمته دهراً، وربما صار بشهادته معلماً وهو غير عالم، فنشأ على يديه الآثمتين جماعة من الجهلاء، فيكون كحامل جرثومة المرض يعدي من يتصل به، ومن أعداه ذهب فأعدى سواه، فسرى المرض في جسد الأمة. أما السرقات الأدبية فلها حديث قديم جدًّا طويل جدًّا، كتبت فيه في غير هذا الموضع، وقد ظهر الآن لون منها ما عرفه الأولون هو سرقة المطبوعات. وقد تجرَّعت منه المرَّ وذقت منه الصَّابَ والعلقم. آخذ كتابي المطبوع بإذني وعلمي والكتاب المسروق، فلا أميز أنا واحداً من واحد؛ لأن الورق هو الورق والحرف هو الحرف والحبر هو الحبر! لكني إن لم أستطع أن أميز فإن في الوجود من يميز الصالح من الفاسد، ومن يكافئ على الحسن، ويعاقب على السيئ، هو الله الذي سيقف بين يديه الظالم والمظلوم. وربما أحسن إليَّ هذا الذي سرق كتبي؛ لأنني آخذ منه حقي يوم يُلغى التعامل بالريال وبالدولار وباليِنِّ وبالمارك، ولا يبقى إلا التعامل بالحسنات، فمن كان له حق أخذ من حسنات من عليه الحق، أو ألقي عليه من سيئاته. ومن السرقات ما لا يعوض. كان في متحف دمشق مجموعة من الدنانير الأموية بقيت بعد هذا الزمان الطويل وقلَّ أمثالها، سرقها مرة لص فأذابها وجعلها سبيكة فأضاع قيمتها التاريخية، وإن حفظ كتلتها الذهبية؛ كالذي سرق دفتري في رحلة الحجاز، وقد حدثتكم خبره، ودفتراً آخر ضخماً كتبت فيه بخطي مباحث علم النفس والفلسفة لما كنا ندرسها سنة ١٩٢٩ (١٣٤٨هـ)، وكان عزيزاً عليَّ؛ لأن فيه فصلاً من تاريخ حياتي، ولأن فيه قطعة من نفسي، لست أدري مَن سرقه من بيتي. وما سرقه لصٌّ محترف تسلَّق الجدار أو كسر الأقفال، ولكن سرقه واحد ممن أدخلته أنا داري، لا يعلم إلا الله وحده من هو. ومن اللصوص الذين يستعيرون الكتب ولا يردونها، لذلك قررت قراراً لا رجعة فيه أن لا أعير أحداً كتاباً مهما كان السبب: ألا يا مستعير الكتب دعني ... فإن إعارتي للكتب عار فمحبوبي من الدنيا كتابي ... وهل أبصرت محبوباً يعار؟ ومن اللصوص الذين لا يؤبه لهم الذين يسرقون وقتك؛ فيأتي من يزورك على غير ميعاد، يهبط عليك كما تهبط المصيبة، وينزل بك كموت الفجأة. ولطالما عطَّل عليَّ مثل هؤلاء مقالة كنت أعدها، أو درساً كنت أحضره. لذلك لا أستقبل الآن أحداً أبداً بلا موعد، لا كبراً مني ولكن حفاظاً على وقتي. وإذا كانت سرقة المال ذنباً، فسرقة الوقت الذي يأتي بالمال أكبر؛ الوقت الذي تنال به المال والعلم، ويكون سبباً في دخوله الجنة أو في دخولك النار. على أن هذا كله يعدُّ في مجتمعاتنا من الشواذِّ، والأصل في الناس الاستقامة والخير وبعد، فإني سأورد عليكم طرفتين من طرف اللصوص فيهما إن شاء الله متعة: في دمشق مسجد كبير اسمه (جامع التوبة)، وهو جامع مبارك فيه أنس وجمال، سمِّي بجامع التوبة؛ لأنه كان خاناً ترتكب فيه أنواع المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري وهدمه وبناه مسجداً. وكان فيه - من نحو سبعين سنة- شيخ مربٍّ عالم عامل اسمه الشيخ سليم المَسْوَتي، وكان أهل الحي يثقون به، ويرجعون إليه في أمور دينهم وأمور دنياهم. وكان عند هذا الشيخ تلميذ صالح، وكان مضرب المثل في فقره وفي إبائه وعزة نفسه، وكان يسكن في غرفة في المسجد. مرَّ عليه يومان لم يأكل فيهما شيئاً، وليس عنده ما يَطعمه، ولا ما يشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، وفكَّر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حد الاضطرار الذي يجوز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة، فآثر أن يسرق ما يقيم صلبه. وهذه القصة واقعة، أعرف أشخاصها، وأعرف تفصيلها، وأروي ما فعل الرجل، لا أحكم على فعله بأنه خير أو شر أو أنه جائز أو ممنوع. وكان المسجد في حيٍّ من الأحياء القديمة، والبيوت فيها متلاصقة والسطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من أول الحي إلى آخره مشياً على السطوح. فصعد إلى سطح المسجد، وانتقل منه إلى الدار التي تليه، فلمح فيه نساء فغضَّ من بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جنبها داراً خالية، وشمَّ رائحة الطبخ تصعد منها، فأحس مِن جوعه لما شمَّها كأنها مغناطيس يجذبه إليها. وكانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة فصار في الدار، وأسرع إلى المطبخ فكشف غطاء القدر، فرأى فيها باذنجاناً محشواً، فأخذ واحدة ولم يبال من شدة جوعه بسخونتها، وعض منها عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه، وقال لنفسه: أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم أقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟ وكبر عليه ما فعل، فندم واستغفر وردَّ الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد وقعد في حلقة الشيخ، وهو لا يكاد - من شدة الجوع - يفهم ما يسمع. فلما انقضى الدرس وانصرف الناس (وأؤكد لكم أن القصة واقعة) جاءت امرأة مستترة (ولم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة) فكلَّمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفَّت الشيخ حوله فلم يرَ غيره، فدعاه وقال له: هل أنت متزوج؟ قال: لا. قال: هل تريد الزواج؟ فسكت، فقال له الشيخ: قل، هل تريد الزواج؟ قال: يا سيدي، ما عندي ثمن رغيف آكله فلماذا أتزوج؟ قال الشيخ: إن هذه المرأة خبَّرتني أن زوجها توفي، وأنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عمٌّ عجوز فقير، وقد جاءت به معها (وأشار إليه قاعداً في ركن الحلقة) وقد ورثت دار زوجها ومعاشه، وهي تحبُّ أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله ورسوله؛ لئلا تبقى منفردة فيطمع فيها الأشرار وأولاد الحرام، فهل تريد أن تتزوج بها؟ قال: نعم. وسألها الشيخ: هل تقبلين به زوجاً؟ قالت: نعم. فدعا بعمِّها، ودعا بشاهدين، وعقد العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: خذ بيد زوجتك. فأخذ بيدها، أو أخذت هي بيده، فقادته إلى بيتها، فلما دخلته كشفت عن وجهها فرأى شباباً وجمالاً، ورأى البيت هو البيت الذي نزله. وسألته: هل تأكل؟ قال: نعم. فكشفت غطاء القدر فرأت الباذنجانة، فقالت: عجباً! من دخل الدار فعضَّها؟ فبكى الرجل وقصَّ عليها الخبر، فقالت له: هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام فأعطاك الله الدار كلها وصاحبتها بالحلال. أما القصة الأخرى فلعل الطرافة فيها أكثر من المنفعة منها، وهي واقعة أعرف أشخاصها وظروفها، هي أن شابًّا فيه تقًى وفيه غفلة طلب العلم، حتى إذا أصاب منه حظًّا قال الشيخ له ولرفقائه: لا تكونوا عالة على الناس، فإن العالم الذي يمدُّ يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير، فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها، وليتقِ الله فيها. وذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان أبي يشتغل بها؟ فاضطربت المرأة وقالت: أبوك قد ذهب إلى رحمة الله، فما لك وللصنعة التي كان يشتغل بها؟ فألحَّ عليها وهي تتملص منه، حتى إذا اضطرها إلى الكلام أخبرته- وهي كارهة- أن أباه كان لصًّا. فقال لها: إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كلٌّ بصنعة أبيه ويتقي الله فيها. قالت الأم: ويحك! وهل في السرقة تقوى؟ وكان في الولد كما قلت غفلة، فقال لها: هكذا قال الشيخ. ثم ذهب فسأل وتسقَّط الأخبار حتى عرف كيف يسرق اللصوص، فأعدَّ عُدَّة السرقة، وصلَّى العشاء، وانتظر حتى نام الناس، وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كمال قال الشيخ. فبدأ بدار جاره، ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى، وليس من التقوى إيذاء الجار، فتخطَّى هذه الدار. ومر بأخرى فقال لنفسه: هذه دار أيتام، والله حذَّر من أكل مال اليتيم، وما زال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ليس له إلا بنت واحدة، ويعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيد عن حاجته. فقال: هاهنا. وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدها ففتح ودخل، فوجد داراً واسعة وغرفاً كثيرة، فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال، وفتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئاً كثيراً، فهمَّ بأخذه، ثم قال: لا، لقد أمرنا الشيخ بالتقوى، ولعل هذا التاجر لم يؤد زكاة أمواله، لنخرج الزكاة أولاً. وأخذ الدفاتر وأشعل فانوساً صغيراً جاء به معه، وراح يراجع الدفاتر ويحسب، وكان ماهراً في الحساب خبيراً بإمساك الدفاتر، فأحصى الأموال وحسب زكاتها فنحَّى مقدار الزكاة جانباً، واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات، فنظر فإذا هو الفجر. فقال: تقوى الله تقضي بالصلاة أولاً. وخرج إلى صحن الدار، فتوضأ من البركة وأقام الصلاة، فسمع رب البيت فنظر فرأى عجباً، فانوساً مضيئاً، ورأى صندوق أمواله مفتوحاً ورجلاً يقيم الصلاة. فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: والله لا أدري! ونزل إليه فقال: ويلك من أنت وما هذا؟ قال اللص: الصلاة أولاً ثم الكلام، فتوضأْ ثم تقدَّمْ فصلِّ بنا، فإن الإمامة لصاحب الدار. فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح ففعل ما أمره به، والله أعلم كيف صلَّى، فلما قضيت الصلاة قال له: خبِّرني ما أنت وما شأنك؟ قال: لص. قال: وماذا تصنع بدفاتري؟ قال: أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنين، وقد حسبتها وفرزتها لتضعها في مصارفها. فكاد الرجل يُجنُّ من العجب، وقال له: ويلك، ما خبرك؟ هل أنت مجنون؟ فخبَّره خبره كله. فلمَّا سمعه التاجر، ورأى جمال صورته وضبط حسابه ذهب إلى امرأته فكلَّمها، ثم رجع إليه فقال له: ما رأيك لو زوَّجتك بنتي، وجعلتك كاتباً وحاسباً عندي، وأسكنتك أنت وأُمَّك في داري، ثم جعلتك شريكي؟ قال: أقبل. وأصبح الصباح فدعي بالمأذون وبالشهود وعقد العقد! وهذه قصة واقعة. وأما السرقات الأدبية فقد قلت لكم إنني لا أعرض لها الآن، إلا واحدة لها صلة بالعلم والعلماء، وهي سرٌّ لم يرفع عنه الستار إلى الآن. ذلك أن عندنا كتابين متماثلين تماماً في موضوع جديد، لم يؤلف فيه قبلهما ولم يؤلف فيه بعدهما إلا القليل، هما كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وكتاب (الأحكام السلطانية) للقاضي أبي يعلى. والكتابان متشابهان متطابقان؛ لأن أحدهما منسوخ عن الآخر، فمن هو صاحب الكتاب الأول؟ الماوردي من أفقه فقهاء الشافعية وكان يُلقَّب بأقضى القضاة، وأبو يعلى من أفقه فقهاء الحنابلة، وإذا قيل (القاضي) انصرف اللقب إليه. والاختلاف بينهما أن الماوردي حين يسرد الأحكام يسردها على المذهب الشافعي، وأبو يعلى على مذهب الإمام أحمد. وكانا في عصر واحد، وبلد واحد، وأظنهما كانا قاضيين في محكمة واحدة! فلعل أحد الأساتذة أو الطلاب الذين يعدون رسائل الشهادات العالية يدرس هذا الموضوع، ويثبت بالأدلة من منهما المؤلف الأول. أما أنا فأميل إلى أنه الماوردي، لأن للماوردي كتاباً آخر قريباً في أسلوبه ونهجه وطريقته من هذا الكتاب، والله أعلم بالصواب.

стр. 42

صدق العزيمة - أو قوة الإرادة محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ) نُشر عام ١٣٤٩هـ الموافق ١٩٣٠م يخطرُ في النفس أمرٌ فتثِقُ بأنه حقٌ أو نافع، فتحرص على حصوله، فإذا أضافت إلى هذا الحرص النظر في وسيلة بلوغها إياه؛ وبدا لها أنه في حدود استطاعتها، فسرعان ما تقبل عليه وتبذل سعيها للوصول إليه؛ وذلك ما نسميه بالعزم أو الإرادة. فما يخطر في النفس مما تعتقد حقيته أو نفعه، وتود أن يكون حاصلًا لديها ثم لا تسعى له سعيه؛ ولا تضع لبلوغه خطة، فإنما هو التمني الذي لا يفرق بين المحال والمستطاع؛ والذي يخطر في نفوس القاعدين كما يخطر في نفوس المجاهدين، وما مثله إلا كمثل الشرر الذي يلمع حول النار ثم يتصاعد هباء. وإذا تحدثنا في هذا المقال عن قوة الإرادة وذهبنا في حديثها مذهب خصال الحمد، فإنما نعني الإرادة المتوجهة إلى ما هو خير، ومن أفضل ما يمدح به الرجل أن يتوجه بعزمه القاطع إلى إظهار حق أو إقامة مصلحة. تنشأ قوة الإرادة من التجارب، فمن تعلق همه بأمر كان قد عُرف بطريق التجربة أنه ميسور وأن عاقبته سلامة ونجاح، انقلب همه في الحال عزمًا صادقًا، أما من لم تسبق له تجربة فقد يتخيل الأمر بمكان لا تناله يده، أو يخشى من أن يلاقي وراء السعي إليه خيبة؛ فيقف في تردد وإحجام، فذو العمر الطويل من أولى الألباب قد يكون أسرع إلى بعض الأمور وأشد عزمًا عليها من حديث السن، لما تفيده التجارب من إمكانها ونجاح السعي لها. وتنشأ قوة الإرادة من درس التاريخ؛ فالذي يخطر في باله أمر قرأ في سيرة شخص أنه كان قد هم بمثله وعمل لحصوله فنجح عمله وصلحت عاقبته، شأنه أن يعزم على ذلك الخاطر ويجعله بعد العزم عملا نافذًا، فمن يخطر في باله أن يدعو الحاكم الجائر بالموعظة الحسنة، وقد قرأ سير العلماء الذين كانوا يأمرون بعض الجبارين بالمعروف فيأتمرون، أو يكظمون في الأقل غيظهم ولا يبطشون، يكون أقوى عزمًا على الدعوة ممن لم يقرأ في هذا الشأن خبرًا، لما عرفه من أن للحق الذي يخرج في أسلوبه الحكيم سطوة على النفوس وإن كانت طاغية، فيقدم على وعظه في رفق وحسن خطاب، فإن لم يهده سبيل الرشد قضى حق النصيحة له، وما على الذين أوتوا الحكمة إلا البلاغ. وتنشأ قوة الإرادة من أدلة خاصة تجعل الرجل على يقين من نجاح العمل وحسن العاقبة، واعتبروا في هذا بتصميم أبي بكر الصديق ﵁ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فإنه كان عالمًا بأنه على حق من قتالهم، وكان على ثقة من أنه سينتصر بفئته القليلة على جموعهم الكثيرة، ومما دلَّه على أنه الظافر، وأن المرتدين عن الدين لا يفلحون قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ [التوبة: ٣٣] ولو تقاعد أبو بكر عن جهاد تلك القبائل، وخلَّى الردة تتفشَّى في جزيرة العرب وباء فاتكًا، لانفصمت عرى الوحدة العربية الإسلامية، ولم يستقم أمر تلك الفتوح التي كانت عاقبتها ظهور دين الحق على سائر الأديان. وتنشأ قوة الإرادة من كمال بعض السجايا الأخرى وبلوغها غاية قصوى، كسجية إباءة الضيم تهز الضعيف، وتثير في نفسه العزم على أن يدافع القوي عن حقوقه ما استطاع دفاعه، وكذلك خلق الشجاعة يجعل الرجل أمضى عزمًا، وأسبق إلى الحرب من الجبان الذي يتمثل له الموت في كل سبيل. ومما يساعد الرجل على صدق العزيمة خلق التعفف وشرف الهمة، فلتجدنَّ أنزه القوم نفسًا وأبعدهم عن الطمع وجهة، أشدهم عزمًا على أن يقول حقًّا أو يعمل صالحًا، وإن لم يرض من قوله الحق أو عمله الصالح ذو مال أو سلطان. تتفاوت الإرادة في القوة، وتفاوتها على قدر قوة شعور الرجل بما للشيء من حقية أو نفع، وعلى قدر ثقته من تيسره وإمكان حصوله، فالذي أتقن علمًا فأحاط بأصوله، وغاص على أسراره يكون عزمه في الدعاية إلى الأعمال المرتبطة به أقوى من عزم ذلك الذي وقف في دراسته عند حد لا يجعله من أعلامه، والرئيس العادل يكون أقوى عزمًا على حرب أعدائه من الرئيس الجائر، لأن العادل يثق من قومه بحسن الطاعة أكثر مما يثق الجائر، ومن ظفر من قومه حسن الطاعة فقد ظفر بأكبر أسباب الفوز والانتصار. نقرأ في التاريخ أن المنصور بن أبي عامر الذي جذب عنان الملك من يد هشام بن الحكم في قرطبة قد غزا ستًّا وخمسين غزوة دون أن تنتكس له راية أو يتخاذل له جيش، أو يصاب له بعث، أو تهلك له سرية، ومن درس سيرته لم يعجب لهذا الانتصار المطرد، إذ يجد فيها عدلًا ومساواة يأخذان النفوس إلى أن تلقي إليه بالمودة والامتثال، ومن الأخبار الشاهدة بما وصفنا أن رجلًا من العامة وقف بمجلسه وقال له: إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك. وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة [أي: الترس]، وكان للفتي فضل محل عنده، فقال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية، ثم نظر إلى الفتى وقال له: ادفع الدرقة إلى فلان وانزل صاغرًا وساوِ خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك؛ ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدِّمه مع خصمه إلى صاحب المظالم؛ لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره. وبعد أن جازاه القضاء بما يستحق أبعده المنصور عن خدمته، وصاحب مثل هذه السيرة حقيق بأن يكون له - متى همَّ بالحرب - عزم لا يختلج بتردد. فمن وضع أمامه غاية شريفة ورام من قومه العمل لها بعزم لا يخالطه فتور، فما عليه إلا أن يريهم بالأسلوب السائغ والدليل المقنع وجه شرف تلك الغاية، ثم يصف لهم طريقها الناجح، فلا يكون منهم إلا أن يتسابقوا إليها ويقتحموا كل عقبة تلاقيهم في سبيلها. فإذا رأيت قومًا يذكرون في صباحهم ومسائهم شيئًا من معالي الأمور ولم ترهم يسعون له سعيه، ولا يتقدَّمون إليه بخطوة فاعلم أن العزم لم يأخذ من قلوبهم مأخذه، فهم إما أن يكونوا عن حقيقته وشرف غايته غائبين، وإما أنهم ضلُّوا طريقه وما كانوا مهتدين. وإذا ذكرنا العزم النافذ في خصال الشرف فإنما نريد الإقدام على الأمر بعد استبانة عاقبته، ولو على وجه الظن الغالب، وذلك ما يعنيه عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ولكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث. والمكيث من لا يخف إلى الهجوم إلى بعد روية وتدبر. ولا يُعدُّ في قلة العزم أن يستبين الرجل الحق أو المصلحة ويقف دون عزمه مانع، كان يعلم أن عقول الجمهور لا تتسع لقبوله، ويخشى الفتنة فيرجئه ريثما يمهد له بما يجعله مقبولًا سائغًا. قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور. فقال له عمر: لا تعجل يا بني، إن الله تعالى ذمَّ الخمر مرتين وحرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه وتكون فتنة. ولا يُعدُّ في قلة العزم أن يرى الرجل رأيًا ويعقد النية على إنفاذه ثم يبدو له على طريق الحجة أنه غير صالح فينصرف عنه، وقوي العزيمة هو الذي تكون إرادته تحت سلطان عقله، فيقبل بها على ما يراه صوابًا، ويدبر بها عما يراه فسادًا. وإذا قال الشاعر مادحًا: إذا همَّ ألقَى بينَ عَيْنَيْه عزمَه ... ونكَّب عن ذِكْرِ العواقِبِ جانبًا فإنما يريد الهمَّ الناشئ عن رجاحة رأي. وقويُّ العزم متى بصر بالأمر ووثق بأنه سداد قطع نظره عن العواقب، ونهض له في قوة، أما ضعيف العزم فإنه يترك نفسه مجالًا للخواطر، وذكر العواقب، هذه تغريه على العمل، وهذه تصده عنه حتى تفوت الفرصة، ويذهب وقت العمل ضائعًا. ومن صرامة العزم أن تفرغ فؤادك من كل داعية شأنها أن تلحق بعزمك، أو تصرف وجهك عنه صفحًا، وتتمثل هذه الصرامة في عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) إذ خرج من البحر أول قدومه على الأندلس، وأهديت له جارية بارعة الجمال، فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شُغلت عنها بما أهمُّ به ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عما أهمُّ به ظلمت همتي، فلا حاجة لي بها الآن. وردَّها على صاحبها. وكثيرًا ما يجيء التردد في الأمر من ناحية الشهوات والعواطف، كالذي يثق بما في طلب العلم من خير وشرف، ويقعده عنه حب الراحة، وإيثار ما تنزع إليه النفس من اللذات الحاضرة، والذي يقول. إذا كنتَ ذَا رأيٍ فكُنْ ذَا عزيمةٍ ... فإنَّ فسادَ الرأْيِ أن تتردَّدَا إنما ينبه على التردد الناشئ عن نحو الشهوات والعواطف، فذلك هو التردد المفسد للرأي والموقع في خسر. لقوة الإرادة أثر في انقلاب حال الأفراد والجماعات عظيم، فكم من فتى يساويه في نباهة الذهن وسائر وسائل السؤدد فتيان كثيرون، ولكنه يجد من قوة الإرادة ما لا يجدون، فيكون له شأن غير شأنهم، ويبلغ في المحامد شأوًا أبعد من شأوهم، ولو نظرت إلى كثير ممن ظهروا أكثر مما ظهر غيرهم، وأقمت موازنة بينهم وبين كثير من لداتهم لم تجد في أولئك الظاهرين مزية يرجح بها وزنهم غير أنهم يهمون بالأمر فيعملون. وإذا جعلت تتقصى أثر دولة الموحدين التي وضعت قدمها في فاس، وبسطت أجنحتها على الأندلس والجزائر وتونس، وجدت أقصى هذه الدولة همة طفحت بها نفس محمد بن تومرت بعد انصرافه عن مجالس أبي حامد الغزالي وأبي بكر الطرطوشي وغيرهما عائدًا إلى بلده بالمغرب الأقصى. وكم من أمة أو دولة لم ينقذها ممن يبتغي بها سوء سوى قوة الإرادة، وقد يكون فيما صنع هارون الرشيد بالبرامكة غلو في الانتقام وسرف في القتل، ولكن تنقية مناصب الدولة منهم لم تكن إلا بنت اليقظة والإرادة التي لا يأخذها التردد في قطع المكر السيئ من جذوره، وإذا صحَّ ما يصفهم به بعض أهل العلم من أنهم كانوا يكيدون للإسلام كيد الباطنية، كان لهارون الرشيد موقف خير من موقف المنتقم لملكه أو ملك أسرته من بعده. فإذا كان صدق العزيمة من أفضل خصال الشرف وأجلها في الإصلاح أثرًا، فجدير بأساتيذ التربية أن يعطوه من عنايتهم نصيبًا وافرًا، وحقيق بالرجال القوامين على الشؤون العامة أن يأخذوا به أنفسهم، ويقيموه شاهدًا على كفايتهم، فإنَّ ما بيننا وبين المدنية الفاضلة والحياة الآمنة مسافة طويلة المدَى صعبة المرتقَى، إذا لم نقطعها بالعزم الصارم والعمل والمتواصل ظلمنا أنفسنا، ولم نقض حق الأجيال بعدنا، فمن واجبهم علينا أن نبني لهم صروحًا من العزِّ شامخة، فإن لم نستطع هيَّأنا لهم أسسًا ليرفعوا عليها قواعد الشرف والمنعة، فإذا هم أحرار في أوطانهم حقًّا، مكرمون لنزلائهم طوعًا. وما اقترن العزم الصحيح بأدب التوكل على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت عاقبته نجاحًا ورشدًا ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 43

أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة (١/ ٢) للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م) نُشر عام ١٣٥٣هـ الموافق ١٩٣٤ م الحرية: لا تجد لفظًا تهواه النفوس، وتهش لسماعه، وتستزيد من الحديث فيه - مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه - مثلَ لفظِ الحرية. وما سبب ذلك التعلق العام إلا أن معظم من يسمعون هذا اللفظ، أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم. فالوقح يحسب الوقاحة حرية، فيخف عنده ما ينكره الناس من وقاحته، والجريء الفاتك ينمي صنيعه إليها، فيجد من ذلك مبررًا لجرأته، ومحب الثورة يعد الحرية مسوغًا لدعوته، والمَفْتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حر العقيدة إلى غير هؤلاء. فيا لله لهذا المعنى الحسن ماذا لقي من المحن، وماذا عُدِل به عن خير سنن؟ والتحقيق أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعة والأخلاق الفاضلة. ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرق، وقد شاع عند العرب أن يلصقوا مَذامَّ الصفات النفسانية بالرق؛ إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهدوا في خصال الكمال. دعوة الإسلام إلى الحرية: الحرية وصف فطري في البشر؛ فإننا نرى المولود ييفع حرًّا لا يعرف للتقييد شبحًا. وإذ قد كان الإسلام دين الفطرة كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] فكل ما هو من أصل الفطرة فهو من شعب الإسلام ما لم يمنعه مانع. ويزيد إعرابًا عن كون الحرية من أصول الإسلام قوله تعالى في وصف محمد ﷺ ووصف أتباعه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالإصر: هو التكاليف الشاقة، والأغلال: غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع [جمع مرباع، وهو ربع الغنيمة كان يأخذه سيد القبيلة حين يُغير بها]. ومما يزيد هذا بيانًا قول عمر لعمرو بن العاص في قصة ولده الآتية: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. فأما والإنسان مدني بطبع خلقته، محتاج إلى الاتصال ببني نوعه؛ لأنه ضعيف محتاج في قوام أمره إلى التعاون، فالحرية المطلقة تنافي مدنيته؛ فتعين أن الحرية المحمودة التي يدعو إليها الإسلام والحكماء هي حرية مقيدة لا محالة. مظاهر الحرية: تتعلق الحرية بالاعتقاد، والقول، والعمل. فأما حرية الاعتقاد: فقد أسَّس الإسلام حرية العقيدة بإبطال العقائد الضالة المخالفة لما في نفس الأمر؛ فان محور تلك العقائد هو إرغام الناس على أن يعتقدوا مالا قبل له بجولان الفكر فيه، أو ما يموه بتخيلات. وتكليف اعتقاد مالا يفهم ينافي الحرية. فبَيَّن الإسلامُ الاعتقادَ الحقَّ، ونصبَ الأدلةَ عليه وعلى تفريعه، ودعا الناس إلى الاستنتاج من تلك الأدلة، قال تعالى: ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١]. وقد اختلف الصحابة، وحدث الخلاف في عهدهم ومن بعدهم في مسائل كثيرة كمسألة الإمامة، ومسألة القدر، ومسألة التكفير بالذنب، فلم تكن طائفة ترغم غيرها إلا إذا خرج المخالف عن حد المناظرة إلى المغالبة والإرهاق. .. لم يسمح الإسلام بتجاوز حرية الاعتقاد حد المحافظة على دائرة الإيمان والإسلام المفسَّرَين في حديث جبريل الشهير؛ لأن ما تجاوز من حرية الاعتقاد يفضي إلى انحلال الجامعة الإسلامية فلا يكون محمودًا. فالذي يعتقد عقيدة الإسلام ثم يخرج عنه فهو المرتد؛ فارتداده إما أن يكون مع إظهار الحرابة للإسلام، وهذا النوع قد حدث زمن النبي ﷺ من نفر من عُكل وعُرينة فحكم فيهم رسول الله بحكم المحارب. وأما بدون حرابة فقد ارتد نفر آخرون ثم تابوا فقبل رسول الله ﷺ توبتهم. ثم ارتدت قبائل من العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ بإعلان الكفر، أو بجحد وجوب الزكاة، وقد أجمع الصحابة على وجوب قتالهم؛ فكان إجماعهم أصلًا في قتل المرتد، مع الاعتضاد له بما رواه معاذ بن جبل وعبد الله بن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: ((من بدل دينه فاقتلوه)). يعني الإسلام. وليس هذا الحكم بقادح في أصل حرية الاعتقاد؛ لأن الداخل في الإسلام قد كان على حريته في اعتقاده قبل دخوله فيه، فلما دخل في الإسلام صار غير حرٍّ في خروجه منه؛ لقيام معارض الحرية؛ لأن الارتداد يؤذن بسوء طوية المرتد من قبل؛ فإنه لا يتصور أن يجد بعد إيمانه دينًا آخر أنفذ إلى القلب من الإيمان، فتعين أن يكون دخوله في الإيمان لقصد التجسس، أو لقصد التشويه بالدين في نظر من لم يؤمنوا به؛ ليوهمهم أنه دين لا يستقر متبعه عليه بعد أن يعرفه ....... وقد يكون الارتداد لمجرد الاستخفاف والسخرية بالإسلام. وحرمة الله توجب الذب عن دينه في مثل هذا، على أن عدم المؤاخذة به يفضي إلى انحلال الجامعة، كما وقع في ردة العرب لو لم يؤخذوا بالصرامة. أما حرية الاعتقاد نحو غير الداخلين في الإسلام فلم يحمل الإسلام أهل الملل على تبديل أديانهم، بل اقتنع منهم بالدخول تحت سلطانه، وبدعائهم على الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. ومعلوم أن الدخول تحت سلطان الإسلام ليس متعلقًا بالاعتقاد ولا بالعمل، ولكنه راجع إلى حفظ أمن دولة الإسلام، إذ الإسلام دينٌ قرينُ دولة؛ فكان من موجباتِ حفظِ بقائه تأمينُه من غوائل الناقمين على ظهوره .. وأما حرية القول: فهي أن يجهر المفكر برأيه، ويصرح بما يراه صوابًا مما يأنس من نفسه أنه يحسن الإصابة فيه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ولا شك أن قول العدل قد تكرهه النفوس التي يقمعها الحق؛ ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكبر شعب الإيمان قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .. وفي الحديث الصحيح ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). فالتغيير باليد خاص بأولي الأمر، وجعل التغيير بالقلب أضعف الإيمان فهو حظ ضعيف، فتعيَّن أن حظ عامة المؤمنين هو تغيير المنكر باللسان. ومن حرية القول بذل النصيحة قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ ﴿ِالعصر: ٣]. وفي الحديث الصحيح: ((الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)). ومن حرية القول حق المراجعة من الضعيف للقوي كمراجعة الابن أباه والمرأة زوجها، وفي حديث عمر بن الخطاب: ... صخبت عليَّ امرأتي فراجعتني، فأنكرت عليها أن تراجعني قالت: ولِمَ تُنكر عليَّ أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وقد أخبر عمر بذلك رسول الله ﷺ فأقره. وقد راجع الصحابة رسول الله ﷺ في أشياء من غير التشريع .. ومن حرية القول حرية العلم والتعليم، ومظهرها في الإسلام في حالين: الحال الأول: الأمر ببث العلم بقدر الاستطاعة ..... ووراء هذا مرتبة أخرى في العلم والتعليم وهي مرتبة الاستنباط في العلم، فقد دعا الإسلام إليها، وأوجبها على من بلغ رتبة المقدرة عليها في الأحكام الشرعية، وهي مرتبة الاجتهاد بمراتبه. وفي الحديث: ((من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد)). وأَيَّةُ حريةٍ للعلم أوسع من هذه؛ إذ جعل الأجر على الخطأ؟ الحال الثاني: تخويل أهل العلم نشر آرائهم ومذاهبهم وتعليمها مع اختلافهم في وجوه العلم، واحتجاج كل فريق لرأيه ومذهبه، وحرصهم على دوام ذلك تطلبًا للحق؛ لأن الحق مشاع. ولقد قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك بن أنس: إني عزمت أن أكتب كتبك هذه - يعني الموطأ باعتبار أبوابه - نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها. فقال مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عن ذلك شديد فدع الناس وما هم عليه. لم يقتصر الإسلام في بذل حرية العلم على المسلمين، بل منح الحرية لأهل الملل الداخلين في ذمته وسلطانه، وقد كان اليهود في حياة رسول الله ﷺ يدرسون التوراة في المدارس بالمدينة .. وأما حرية العمل فهي تتعلق بعمل المرء في خُوَيِّصته، وبعمله المرتبط بعمل غيره؛ فحرية العمل في الخويصة مثل تناول المباح والاحتراف بما شاء، ولا يجبر على أن يعمل لغيره إلا إذا تعين عليه عمل من المصالح العامة، أو ما فيه حفظ حياة الغير مثل الدفاع عن الحوزة، وحراسة الثغور، وإنقاذ الغريق، وخدمة من تتعين عليه خدمته، وإعطاء الزكاة، ونفقة القرابة. وكل ذلك يرجع إلى القسم الثاني في الحقيقة. وكذلك التصرف في المال عدا ما هو محظور شرعًا، إلا إذا طرأ عليه اختلال التصرف من عَتَهٍ أو سفه، وذلك قيد في الحرية؛ لأنها حرية غير ناشئة عن إرادة صحيحة؛ فألغيت لأجل مصلحته ومصلحة عائلته. وحكم النساء في حرية التصرف مثل الرجال بحسب ما تسمح به حالتهن من انتفاء المفاسد؛ فلهن التصرف في أموالهن إذا كن رشيدات، ولهن إشهاد الشهود في غيبة أزواجهن. وكل ذلك لا عهد للعرب ولا لأهل الأديان الأخرى بمثله. ولهن الخروج لقضاء حوائجهن بالمعروف، ولهن حضور الجمعة والجماعة والعيدين .. وأما حرية العمل المرتبط بعمل الغير فأصله أنه لا يضر بأحد؛ لينتفع غيره، ولكنه لا يعمل عملًا فيه اعتداء على حق الغير كاحترام الكليات التشريعية، وذلك بالتحقيق من قبيل رعي الحريات المختلفة؛ لأن مرجع أحكام المعاملات إلى حفظ مجموع الحريات. وكذلك قد تراعى أعمال تجب على المرء لغيره؛ لإقامة المصالح كما تقدم، أو لبثِّ الخير بين الأمة كالإرفاق والمواساة. سد ذرائع انخرام الحرية: جرى الإسلام على عادته في التشريع، وهي أن يشرع الوسائل، ويؤسس القواعد المفضية إلى مقاصده، ثم يحيطها بسد الذرائع التي قد تتسلل من منافذها مفسدات المقاصد، فتعود على أصولها بالإبطال، وتلك هي المُلَقَّبة في أصول الفقه بسد الذريعة. وهذه الذرائع إنما تتعلق بالقول والعمل؛ فأوجب الإسلام على المسلم أن يريد بكل قول وعمل وجه الله والإخلاص فيه، وترك الرياء، وسمي الرياء بالشرك الأصغر؛ وذلك ليجتنب الناس حب المحمدة الباطلة؛ فإن حب المحمدة قائد إلى الاستعباد الاختياري، ومانع للحرية؛ لأن الافتتان بحب المحمدة يُحَتِّم على صاحبه الخوف من الانتقاد، وغضب الجمهور من الذين لا يفقهون مصلحة من غيرها، ولا يميزون بين الحق والباطل، فإذا حَمِدوا ومجَّدوا أحدًا حسبوا فعلهم مزية أنالوها إياه؛ فأصبحوا يمنُّون عليه، ويترقبون منه أن يطيعهم في قضاء ما يشتهون مما يظنونه مصلحة. . وسدَّ ذرائعَ قتل الحرية بالقوة المالية؛ إذ قد يعرض الاستعباد من الحاجة إلى المال، وفي الحديث: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض)). فلذا أبطل الإسلام الربا؛ لأنه طريق واسع لاستبعاد المضطرين، وأبطل عقود الإكراه، وأبطل معظم الشروط التي تشترط على العامل في القراض، والإجارة، والمغارسة، والمساقاة، والمزارعة، وقد أمكن أن تُستخرج قاعدةٌ شرعية لهذه المسائل الممنوعة، وهي منع أن يفترص الغني احتياج الفقير إليه، فَيُعْنِتَه لأجل ذلك. وذرائع فساد حرية القول تكون فيما تقدم، وتكون في حرية العلم بأن نحمل العلماء على تحريف الحقائق؛ لأجل المحمدة الكاذبة، أو لأجل الحصول على مال قليل. وقد نعى الله ذلك على علماء بني إسرائيل فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]. وكان ذلك كله في إرضائهم عامتهم، وحملهم الشريعة على ما يوافق هوى العامة، كما أوضحته الآثار وأئمة التفسير. وتكون - أيضًا - في حرية القضاء؛ فلذلك حرَّم الإسلام الرشوة، وأوجب إجراء أرزاق الحكام وكفايتهم من بيت مال المسلمين بحسب الزمان والمكان. تحصيل: إذا تبينت ما تقدم من البيان في أنحاء الحرية تَبَيُّنَ الحكيمِ البصير علمت أن الإسلام بذل للأمة من الحرية أوسع ما يمكن بذله في الشريعة جامعةً بين أنواع المصالح بحيث قد بلغ بها حدًّا لو اجتازته لجر اجتيازها إياه إلى اختلال نظام المدنية بين المسلمين، أو بينهم وبين الأمم المرتبطة بهم اختلالًا قويًّا أو قليلًا، وذلك الاختلال قد يفضي إلى نقض أصولها، وامتشاق السيوف؛ لتمزيق إهابها. .

стр. 44

أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة (٢/ ٢) للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م) نُشر عام ١٣٥٣هـ الموافق ١٩٣٤ م المساواة: نُقَفِّي القول في الحرية ببيان المساواة: المساواة مصدر ساواه إذا كان سواء له، أي: مماثلًا؛ فالسَّواء المِثل. ولا يتصور تمام المساواة بين شيئين، أو أشياء في البشر؛ لأن أصل الخلقة جاء على تفاوت في الصفات المقصودة ذاتية ونفسية، وذلك التفاوت يؤثر تمايزًا متقاربًا، أو متباعدًا في أخلاق البشر وآثارهم بتفاوت الحاجة إليهم، وترقب المنافع والمضار من تلقائهم، وذلك يقضي تفاوت معاملة الناس بعضهم لبعض في الاعتبار والجزاء. فلو دعت شريعة إلى دحض هذه الفروق والمميزات لدعت إلى ما لا يستطاع. وتأبى الطباعُ على الناقلِ فضلًا على ما في ذلك من حمل الناس على إهمال المواهب السامية، وذلك فساد قبيح، والله لا يحب الفساد. ويكون الاقتراب إلى الفساد يفيد الاقتراب إلى الإفراط في إلغاء المميزات الصالحة، ولا تستقيم شريعة ولا قانون لو جاء بهذا الإلغاء؛ فإن الذين تطرفوا في اعتبار المساواة لا يسيرون طويلًا حتى تجبههم سدود لا يستطيعون اقتحامها كالشيوعيين؛ فقد وقفوا في حدود عجزوا عن تحقيق مبدأ المساواة فيها كمساواة أبكم لفصيح، ومعتوه لذكي. ومن هذا يتضح القياس، وتظهر المساواة الحقة بين الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٠]، وقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. إذن فالمساواة تعتمد توفر شروط وانتفاء موانع؛ فالشريعة التي تبني المساواة على اعتبار الشروط والقيود شريعة مساواتها ضعيفة. والشريعة التي تبني مساواتها على انتفاء الموانع شريعةٌ مساواتُها واسعةٌ صالحةٌ، ويظهر أن الدعوة الإسلامية بنت قاعدة المساواة على انتفاء الموانع. وشتان بين قوَّةِ تأثيرِ الشرط وتأثير المانع، والشريعةُ التي لا تقيد المساواة بشيء شريعةٌ مضلِّلَة. فإذا عددنا المساواة في أصول شريعة الإسلام فإنما نعني بها المماثلة بين الناس في مقاديرَ معلومةٍ، وحقوق مضبوطة من نظام الأمة، سواء كان الضبط بكليات ومستثنيات منها، أم كان بتعداد مواقع المساواة. المساواة في الإسلام تتعلق بثلاثة أشياء: الإنصاف، وتنفيذ الشريعة، والأهلية: الأولى: المساواة في الإنصاف بين الناس في المعاملات: وهي المُعَبَّر عنها بالعدل، وهو خصلة جليلة جاءت به جميع الشرائع، وبينت تفاصيله بما يناسب أحوال أتباعها. وشريعة الإسلام أوسع الشرائع في اعتبار هذه المساواة، ففي خطبة الوداع: ((وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)). وفي الصحيح: ((أن الرُّبَيِّعَ بنت النَّضْر لطمت جارية، فكسرت ثنيَّتها، فطلب أهل الجارية القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فجاء أنس بن النضر أخو الربيع وكان من خاصة الصحابة من الأنصار فقال: يا رسول الله، والله لا تكسر ثنية الربيع، فقال رسول الله ﷺ : كتاب الله القصاص)). ثم إن أهل الجارية رضوا بالأرش. وقصة الفزاري الذي لطمه جبلة بن الأيهم معروفة. الثانية: المساواة في تنفيذ الشريعة وإقامتها بين الأمة: بحيث تجري أحكامها على وتيرة واحدة ولو فيما ليس فيه حق للغير؛ مثل إقامة الحدود. وقد سرقت امرأة من بني مخزوم من قريش حليًّا، فأمر رسول الله ﷺ بإقامة الحد عليها، وعظم ذلك على قريش فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله ﷺ ؟ فقال قائل: ومن يجترئ عليه غير أسامة بن زيد؟ فكلموا أسامة، فكلم رسول الله ﷺ في شأنها فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). أشار كلام رسول الله ﷺ إلى ما كان في الأمم السالفة من التفاضل في إقامة الشريعة، وقد كان ذلك في بني إسرائيل كما ثبت في بعض طرق هذا الحديث في الصحاح، وثبت أن الرومان كانت عقوبات الجنايات المتماثلة تختلف عندهم على حسب اختلاف حالات المجرمين ووسائلهم. الثالثة: المساواة الأهلية، أي: في الصُّلوحية للأعمال والمزايا وتناول المنافع بحسب الأهلية لذلك، وهذه قد تكون بين جميع من هم داخلون تحت سلطة الإسلام، وتكون بين المسلمين خاصة، وتكون بين أصناف المسلمين من الرجال أو من الأحرار من النساء. والأصل في هذه الأهلية في الإسلام هو المساواة بين الداخلين تحت حكم الإسلام كلهم؛ لقوله ﷺ في أهل الذمة: ((لهم ما لنا وعليهم ما علينا)). ثم المساواة بين المسلمين خاصة في أحكام كثيرة بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. قد جمع حكمُ الأخوَّةِ اطرادَ المساواةِ، فدخل الرجال والنساء والأحرار والعبيد إلا فيما دلت الأدلة على تخصيصه بصنف دون آخر لا تخصيصًا اقتضاه حال الفطرة، أو مصلحة عامة. وفي الحديث: ((الناس كأسنان المشط)) فلم يقصر المساواة على جنس أو قبيلة، ولم يقدم عربيًّا على عجمي، ولا أبيض على أسود، ولا صريحًا على مولى، ولا لصيق، ولا معروف النسب على مجهوله. وفي خطبة حجة الوداع: ((أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)). قد كان تمايز الأجناس أو القبائل في القوانين والشرائع السالفة أصلًا في الأحكام؛ ففي التوراة سفرٌ لِخَصَائصِ اللاويين، وعند الرومان والفرس وبني إسرائيل لم يكن للدخيل في الأمة مثل ما للأصيل، وعند العرب لم يكن للصريح ما للصيق بَلْهَ الغريب عن القبيلة، والإسلام أبطل ذلك. أَمَّر النبيُّ ﷺ زيدَ بنَ حارثة وهو من موالي قريش، وأَمَّرَ ابنَه أسامة بن زيد على جيش؛ فتكلم في المرتين بعض العرب فخطب رسول الله ﷺ فقال: ((إن تطعنوا في إمارته- يعني أسامة- فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان زيد لخليقًا بالإمارة، وإن هذا أسامة لمن أحب الناس إليَّ)). فنبه بقوله: ((إن كان لخليقًا بالإمارة)) على أن الاعتبار بالكفاءة، ونبه بقوله: ((لمن أحب الناس إلي)). على أنه إنما اكتسب محبة الرسول ﷺ لفضله وكفاءته؛ إذ بذلك تكتسب محبة الرسول ﷺ . كذلك لم يختص الإسلامُ بالمساواة طبقةً. وقد كان نظام الطبقات فاشيًا بين الأمم؛ فكانت الفرس والروم يعدون الناس أربع طبقات أشرافًا، وأوساطًا، وسفلةً، وعبيدًا. وكان العرب يعدون الناس طبقات ثلاثًا سادةً، وسوقةً، وعبيدًا، فكان الفرس يخصون كل طبقة بخصائص لا تبلغ إليها الطبقة التي هي دونها. سأل رستم قائد جيوش الفرس في حرب القادسية زهرة بن حوية عن الإسلام فكان من جملة ما قاله زهرة لرستم: إن الناس بنو آدم إخوة لأب وأم. فقال رستم: إنه منذ ولي أردشير لم يدع أهل فارس أحدًا من السفلة يخرج من عمله، ورأوا أن الذي يخرج من عمله تعدى طوره، وعادى أشرافه. قال زهرة: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقول، بل نطيع الله في السفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا. وكان العرب يفرقون في الدية بين السادة والسُّوقة وفي الاقتصاص في الدماء، ويسمون ذلك بالتكايل، فَيُقَدَّر دمُ السيدِ أضعافَ دمِ السُّوقة، فجاء الإسلام بإبطال ذلك ففي الحديث: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)). ولم يعتبر الإسلام للطبقات أحكامًا في الأهلية للكمال إلا في جعل الناس قسمين أهل الحل والعقد، والرعية؛ فأهل الحل والعقد هم ولاة الأمور، وأهل العلم، ورؤساء الأجناد، فهؤلاء طبقة إسلامية جُعل إليها النظر في إجراء مصالح الأمة، ومن خصائصها: انتخاب الخليفة، كما فعل عبد الرحمن بن عوف في تعيين الخليفة من الستة بعد عمر ﵃. وأما المخالفون في الدين من أتباع حكومة الإسلام فقد منحهم الإسلام مساواة في معظم الحقوق عدا ما روعي لهم فيه احترام شرائعهم فيما بينهم، وعدا بعض الأحكام الراجعة إلى موانع المساواة. وقد اختلف علماء الإسلام في القصاص بين المسلم والذمي، وجوز العلماءُ ولايةَ الذمي ولاياتٍ كالكتابة ونحوها. وقد كان في الأمم الماضية يعد الاختلاف بين الحكومات ورعاياها في الدين حائلًا دون نيل الحقوق، وموجبًا للاضطهاد. وقد قص التاريخ علينا عدة اضطهادات من هذا القبيل كاضطهاد الآشوريين والرومان لليهود، واضطهاد التبابعة للنصارى في نجران، وهم أصحاب الأخدود، وتاريخ الإسلام مُبَرَّأ من ذلك. موانع المساواة: موانع المساواة في الإسلام - كما أشرت إليه في أول مبحثها - تكون: جِبِلِّية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية؛ فالموانع الجبلية كموانع مساواة المرأة للرجل، فيما لا تستطيع أن تساويه فيه بخلقها؛ مثل قيادة الجيش، والقضاء عند جمهور المسلمين؛ لاحتياج هذه الخطط إلى رباطة الجأش، وكمنع مساواة الرجل للمرأة في كفالة الأبناء الصغار، وفي استحقاق النفقة. والموانع الشرعية هي المعلولة لعلل أوجبتها، وهي مبينة في مواضعها من كتب الشريعة مثلًا عدم المساواة في إباحة تعدد الأزواج للمرأة، وفي مقدار الميراث، وفي عدد الشهادة، ومثل عدم مساواة العبد للحر في قبول الشهادة، وكذلك أهل الذمة عند من منع قبول شهادتهم، ومن منع القصاص لهم من المسلمين بالقتل. والموانع الاجتماعية تتعلق غالبًا بالأخلاق، وبانتظام الجامعة الإسلامية على أكمل وجه، كعدم مساواة الجاهل للعالم في الولايات المشروطة بالعلم كالقضاء والفتوى، وعدم مساواة العطاء بين أهل ديوان الجند، فقد أعطاهم عمر على حسب السابقية في الإسلام، وحفظ القرآن. والموانع السياسية هي التي ترجع إلى حفظ حكومة الإسلام، وسد منافذ الوهن أن يصل إليها كمنع مساواة أهل الذمة للمسلمين في الأهلية للولايات التي يمنع منها التدين بغير الإسلام، ومنع مساواتهم للمسلمين في تزوج المسلمات، ومنع مساواة غير القرشيِّ القرشيَّ في الخلافة للوجه الذي نبه إليه أبو بكر يوم السقيفة؛ إذ قال: إن العرب لا تدين لغير هذا الحي من قريش. قال إمام الحرمين في ((الإرشاد)): ومن شرائطها أي الخلافة عند أصحابنا أن يكون الإمام من قريش، وهذا مما يخالف فيه بعض الناس وللاحتمال فيه مجال. أثر الدعوة في الحرية والمساواة بين الأمم غير أتباع الإسلام: أهابت دعوة الإسلام بالأمم، وقد كانوا غافلين مستسلمين، ففتحت أعينهم إلى ما في معاملة سادتهم وكبرائهم إياهم من الاعتداء والغض؛ فأخذ أولئك يقتربون إلى تقويم أَوَدِ جبابرتهم، والطموح إلى إصلاح أحوالهم، وأَخَذَ هؤلاء ينزلون عن صياصي الجبروت، ويخفضون من غلوائهم، فحدثت بذلك يقظة فكرية في العالم. اخترقت دعوة الإسلام أفكار الحضارة العالمية بطرق شتى: منها تناقل الأخبار، ومنها الجوار، ومنها الدعوة بالكتب النبوية إلى ملوك الأمم المشهورة مثل الفرس، والروم والحبش، والقِبْط، وملوك أطراف بلاد العرب في العراق والشام والبحرين وحضرموت، ومنها: هجرة المسلمين الأولين إلى بلاد الحبشة، ومنها: الفتوح الإسلامية في بلاد الفرس، والروم، والجلالقة - أسبانيا - والإفرنج، والصقالبة، والبربر، والهند، والصين. قد كانت سيادة العالم حين ظهور الدعوة المحمدية منحصرةً في مملكتين الفرس والروم؛ فأما المملكة الفارسية فقد أوهنتها الحروب المادية بين الفرس والروم في زمن سابور الثاني وأبناء قسطنطين الروماني، وأعقبت تلك الحروب تنازعًا مستمرًّا بين قواد الجيوش الفارسية إلى أن صار المُلك إلى أبرويز بن بهرام الذي أخذ يجدد ملك الدولة الفارسية، وهو الذي كان ملكه في وقت البعثة، وكتب إليه رسول الله ﷺ كتابه المشهور مع عبد الله بن حذافة السهمي. وأما المملكة الرومانية فقد بلغت من الاختلال في الشرق والغرب أوائل القرن السادس مبلغًا أشرف بها على الفوضى بتنازع قواد الجيوش السلطة، ولم تأخذ في تدارك صلاح أحوالها إلا في زمن هرقل، هيرا كليوس. وقد كان ملكه في عصر البعثة، وهو الذي جرى بينه وبين أبي سفيان المحاورة في شأن الإسلام كما تقدم، وهو الذي كتب إليه رسول الله ﷺ كتابه المشهور مع دحية الكلبي. فكان لشيوع دعوته ﷺ في بلاد العالم أثران: الأثر الأول: أنها سهلت لكثير من الأمم الدخول في دين الإسلام، أو في حكمه بما شاهدوا من آثار محامد سياسته لرعاياه، مع عدم التشويش على أهل الأديان في عقائدهم؛ فتمكنوا بذلك خير تمكن من مخالطة المسلمين في معظم شئون الحياة مخالطةً خَوَّلَتْ لهم مزيد الاطلاع على محاسن الإسلام وتربية أهله، وربما كان ذلك هو السبب في إسلام كثير من المتدينين، مثل نصارى نجران وتغلب وقضاعة وغسان، ومثل يهود اليمن، ومثل مجوس الفرس والبربر، ومثل نصارى القبط والجلالقة والبربر. ومن لم يدخل منهم في دين الإسلام سهل عليه الدخول في ذمته. الأثر الثاني: كان مِنْ تناقل تلك الحوادث، ومن تمازج الفرق من الأمة الواحدة، أو من تمازج الأمم سمعة حسنة للإسلام ومعاملته، فكان لتلك السمعة أثر جليل في بقية الممالك التي بقيت خارجة عن حكم الإسلام. ومن أمثلة ذلك ما تقدم من كلام زهرة بن حوية، وما جرى بين يدي النجاشي من كلام أفصح به جعفر بن أبي طالب عن حقيقة الإسلام، ومن جملة ما قال له: إنا كنا قبل الإسلام يأكل القوي الضعيف. ومعناه فقد الحرية والمساواة، فصمم النجاشي على حماية المهاجرين من المسلمين، ورد سفراء الإسلام أساليب جديدة في سياسة ممالكهم أفضت إلى تخفيف وطأة الاستبداد، وإلى حصول خير كثير للبشر، وشكلًا جديدًا للمدنية كانت عاقبته ما نشاهده اليوم من رقيٍّ إلى معارج سامية؛ فإن للفضائل عدوى سريعة كما قال أبوتمام: ولوْ لم يَزعنِي عنَكَ غَيرُكَ وَازعٌ ... لأعديتنِي بالحِلم، إنَّ العُلا تُعدِي وحقت كلمة ربك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 45

حقوق المال في الإسلام عبدالرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦هـ) نشر عام ١٣٧٣هـ لا ريب أن الشرع قد بيَّن للعباد كل ما يحتاجونه في أمور دينهم ودنياهم، وخصوصاً الواجبات الكبيرة التي هي أهم المهمات؛ الواجبات على القلب، والواجبات على البدن، وجميع الأقوال والأفعال. وكذلك وضَّح الله ورسوله الواجبات المالية توضيحاً تامًّا؛ مجملاً ومفصلاً. فأمرنا بأداء الحقوق المالية، والإنفاق مما رزق الله، وأثنى على القائمين بها، وذمَّ المانعين لها أو لبعضها، وفصل ذلك. فذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة، من الحبوب، والثمار والمواشي، والعروض، والنقود، وذكر شروطها، ونصبها ومقدار الواجب منها، ولمن تدفع؛ للمصالح المحتاج إليها، وللمحتاجين. فآكد الحقوق المالية هذا الحق الأكبر؛ حق الزكاة التي هي من أعظم أركان الإسلام ومبانيه التي لا يتم إلا بها. وفصَّل أيضاً ما في المال من النفقات الواجبة للنفس والأهل، والأولاد، والمماليك؛ من الآدميين والبهائم. وبيَّن الله ورسوله أيضاً وجوب الوفاء بالمعاملات الصحيحة، والعقود الشرعية، على اختلاف أنواعها وتباين أسبابها. وبيَّن أيضاً ما يتعلق بالمال من الحقوق العارضة إذا وجدت أسبابها، كبدل النفوس والأموال المتلفة بغير حق، وما فيه من الحقوق العارضة لحاجة الغير من ضيف ونحوه، أو لاضطرار الغير، فأوجب مواساة المضطرين، ودفع اضطرارهم بإطعام الجائع، وكسوة العاري، وهذا من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط عن غيره. ومن ذلك إلزام الناس بالمعاوضات؛ منها ما هو محرم، كإكراههم على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم. ومنها ما هو عدل، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، إذا وجب عليهم البيع أو الشراء لسبب يقتضي الوجوب؛ إما أداء دين أو غيره. ويجب منعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، ومثل التسعير على العمال، ومن يحتاج الناس إليهم، ومَنَعم من أخذ الزيادة الفاحشة، كما يمنع الناس من هضمهم لحقوقهم. ففي أمثال هذه المسائل يجب على الناس مراعاة العدل، ومنع أسباب الظلم. وهذه الأمور منها أشياء واضحة لكل واحد، ومنها أشياء يكون فيها اشتباه والتباس، يجب أن تفحص وتحقق تحقيقاً تامًّا لتعرف مرتبتها، فما دامت مشتبهة، فالأصل تحريم أموال الغير، والأصل إبقاء الناس على معاملاتهم، واحترام حقوقهم، حتى يتضح ما يوجب الخروج عن هذا الأصل لأصل شرعي أقوى منه. وأما ما يهذي به كثير من الناس عندما انتشرت الشيوعية، وشاعت دعايتها، وأثَّرت على كثير من العصريين، وراجت على بعض أهل العلم، من أنه يسوغ لأولياء الأمور أن يلزموا أهل الغنى والثروة أن يواسوا بذلك أهل الحاجة والفقراء، وأن يفتتوا ثروتهم على أهل الحاجات، وأن يسددوا بزائد ثروتهم جميع المصالح، التي تحتاجها الأمة بغير رضاهم، بل بالقهر والقسر. فهذا معلوم فساده بالضرورة من دين الإسلام، وأن الإسلام بريء من هذه الحالة الشيوعية أو هي مبدأ الشيوعية، ونصوص الكتاب والسنة على ذلك، وإبطال هذا القول صريحة وكثيرة جدًّا. وإجماع الأمة يبطل هذا القول المنافي لنصوص الكتاب والسنة، والمنافي للفطرة التي فطر الله عليها العباد، والفاتح للظلمة وأرباب الجشع أبواب الظلم والشر والفساد، فالله يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدره على من يشاء، وقد جعل الله العباد بعضهم فوق بعض درجات في كل الصفات؛ في العقل والحمق، وفي العلم والجهل، وفي حسن الخلق وضده، وفي الغنى والفقر، وفي كثرة الأولاد والأموال والأتباع وضد ذلك؛ حكم بذلك قدراً، ويسر كلًّا لما خلق له، وأوجب على كل من أعطاه شيئاً من هذه النعم وغيرها من واجبات حددها وفصلها تفصيلًا، وجعل لنيل المطالب الدنيوية والأخروية أسباباً وطرقاً، من سلكها أفضت به إلى مسبباتها، وأوصلته إلى نتائجها، وهؤلاء المنحرفون يريدون أن يبطلواقدر الله وشرعه، ويبرروا آراءهم الفاسدة، بشبه لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد يضيفون ذلك إلى بعض نصوص الشريعة، تحريفاً منهم، يعرفه كل من له أدنى معرفة بالشريعة. وكثُر الدعاة إلى هذه الطريقة الشنيعة؛ تغريراً من بعضهم، واغتراراً من آخرين، يقلدونهم على غير بصيرة، والبصير لا يخفى عليه الأمر، وقد يروجون باطلهم بأنَّ تضخُّم المال في أيد قليلة سبب لمفسدة الترف المفسد للأخلاق، وسبب لإثارة الأحقاد من الفقراء والمعدمين، وهذا غلط فاحش وضعف نظر، فإن الغنى قد يكون سبباً للطغيان، وقد يكون سبباً للتواضع، والتزود من طاعة الله، والقيام بحقوق المال الشرعية، وعلى فرض ما فيه من الترف ونحوه، فإنَّ ما حاولوه من القضاء على ثروة المثرين سبب لشرور عظيمة، لا تنسب إليها أي مفسدة، وسبب لإثارة فتن كثيرة عكس ما قالوه، وهل هذه الشرور والحروب الطاحنة إلا من آثار ذلك - كما هو معلوم لكل أحد. وما قالوه في زيادة ثروة المال، يقال مثله في زيادة قوة الجسد، وصحة البدن، فإنه قد يبعث على شرور، كما قد يبعث إلى خير ويُتوسل به إلى خيرات، فنعم الله المتنوعة على العباد إما أن يشكروها ويتوسلوا بها إلى ما خلقوا له، من عبادة الله وشكره والقيام بحقه، وإما أن تكون بعكس ذلك، والله تعالى قد كفى عباده أضرار الثروة بما شرعه في الأموال من الحقوق الواجبة والمستحبة التي لو قام بها أرباب الأموال لكانوا من خير البرية أخلاقاً وأعمالاً، وأشرفهم وأعظمهم اعتباراً، ولما ترتب على ذلك من الشر شيء، ولكن لما منع أكثر الخلق ما أوجب الله عليهم في أموالهم- وخصوصاً الزكاة- سلط عليهم أنواع الظلمة من ولاة ظالمين، ومن فتاوى الجاهلين المتجرئين ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا ْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. واعلم أن الشبه التي تثار لنصر كل باطل، إذا فرض صحة بعضها فإنها نظريات ضئيلة جدًّا، ونظر قاصر، حيث نظروا نظراً جزئيًّا، وحكموا حكماً كليًّا، وعموا عن الأصول التي تبنى عليها الأحكام، ويعتبرها الشرع، وتتولد عنها المصالح العامة الكلية، وتنغمر فيها المفاسد الجزئية، وتوافق الشريعة والحكمة وفطرة الله التي فطر عليها العباد، وتدع الخليقة هادئة، والأسباب قائمة، والارتباط بين الناس وثيقاً ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢].

стр. 46

نهجُ الأحرارِ من قديم محمد الغزالي (ت ١٤١٦هـ - ١٩٩٦ م) في السهول المستوية ينداح السيل حتى يبلغ منتهاه، ما يعترضه شيء. وفي حقول الأرز والقمح تهب الريح فتميل السيقان الغضة كلها، ما ينتصب منها عود. وبين جماهير الدهماء ينتشر التقليد الخاطئ، أو العرف السيئ فما يرده ذكاء، أو تمتد رهبة السلطان وسطوة الملك الطائش فما يقمعها تمرد. ولكن هناك رجالاً من معادن فريدة تشذُّ عن هذا العموم المهين. فهي الجبال التي تقف مد السيل، والأشجار التي لا تنثني مع هبوب العاصفة. وهم الصاحون بين السكارى، فإذا شاع خطأ تعرضوا هم له بالنقد، وإذا ألف الناس مسلكاً لم يعجبهم تصرفوا هم منفردين على طريقة المعرى حين قال: تثاءبَ عمرو إذ تثاءبَ خالِدُ ... بعدوَى فما أعدتْنيَ الثؤباءُ وإذا ركع الناس بين يدي ملك ظالم، أو استكانوا لأوضاع مزرية، لمحت في أبصارهم بريق الأنفة، وفي سيرتهم شرف الحرية، فما يستريحون حتى تنجو البلاد والعباد من آثار الفساد، وقيود العبودية. أولئك هم الثوار الذين يعتز بهم الإيمان وتستقيم بهم الحياة. وإذا كان الله جل شأنه قد صان العمران البشري بالجبال، وقال في كتابه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] فقد اقتضت حكمته العليا أن تصون المجتمع الإنساني بهذا النفر من حراس الحقائق الرفيعة، وحماة المعالم الفاضلة. فهم الدواء الخالد لكل ما يفشو في الدنيا من علل، وهم الأمل الباقي لبقاء الخير في الأرض، وإن ترادفت النوب، واكفهرت الآفاق. ربما كان عشق الحق خليقة فيهم فطرهم الله عليها، كما قال في كتابه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. ولعشق الحق أعباء مرهقة، أولها الصبر على تثبيط الخاذلين، وكيد المعوقين والمخالفين، بيد أن طبيعة الثورة على الباطل لا تكترث لشيء من هذا، وفي الحديث الصحيح. ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة- أو حتى يأتي أمر الله- وهم على ذلك)). وأكثر الناس يعرف الحق معرفة حسنة، غير أنه لا يأسى لهزيمته، ولا يأسف لضياعه! أو لعل إحساساً من الضيق يخامره خذلان الحق، إلا أن هذا الإحساس يصطدم بمصالح النفس، وضرورات العيش، ومطالب الأولاد، فيتراجع المرء رويداً رويداً عن هذا الشعور النبيل، ويؤثر الاستسلام على المقاومة، والاستكانة للواقع عن تغييره وإنكاره. وهذا السلوك لا يتفق مع طبيعة الإيمان، ويستحيل أن تتقبله نفس ثائرة لله مؤملة فيما عنده. فالغاضب لله ورسوله يذهل في سورة يقينه عما يحرص عليه الجبناء من حياة ومتاع، ولا يرى أمامه إلا نصرة الحق ورفع لوائه وليكن ما يكون. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ((لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)). على أن من العبث انتظار التفاني في الحق من عبيد أهوائهم وصرعى نزواتهم، إن الأمر يحتاج إلى تربية وتبصرة حتى يكون مذاق الإيمان أحلى في فم الإنسان من كل لذة عاجلة. عندما يشعر امرؤ بالسعادة؛ لأنه واسى محروماً، أو نصر ضعيفاً، أو آمن قلقاً، أو آوى هائماً، أو أحصن عرضاً، أو حقن دماً، فهو إنسان كبير، ومثله أهل لأن يفتدى عناصر الإيمان بالنفس والنفيس. والثائرون ضد الظلم والناقمون من أعوانه رجال من ذلك المعدن الصلب، واندفاعهم لتقليم الأظافر الشرسة ضرب من الإصلاح العام للحياة والأحياء ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وفي الأعصار الأخيرة قامت ثورات شتى استهدفت إنقاذ الجماهير من الملوك المسلطين، وأسرهم المحظوظة، وثورة يوليو سنة ١٩٥٢ من بين هذه الثورات الخطيرة، ونحب أن نقول بجلاء إنه حيث يسود الحكم المطلق تنتقض الإنسانية من أطرافها، بل من صميمها! وذلك أن الله قد خلق البشر آحاداً صحيحة، وجعل لكل أحد منهم مدى معيناً يمتد فيه طولاً وعرضاً. فإذا عنَّ لأحدهم أن يتطاول وينتفخ ويتزيد، فعلى حساب الآخرين حتماً. ومن هنا تجد من حوله أنصاف بشر أو أرباع بشر! أصبحوا كسوراً لا رجالاً سواء، وما نقص من تمام إنسانيتهم أضيف زوراً إلى الكبير المغرور، فأصبح فرعوناً مالكاً، بعدما كان فرداً كغيره من عباد الله. ولما كان الإسلام إنقاذاً من جهالاتهم المتوارثة، وحماية للفطرة من أن تأكلها تقاليد السوء، وقوانين الاستبداد الأعمى، فقد جعل كلمة التوحيد -وهي عنوانه وحقيقته - نفياً للوثنيات كلها، ورفضاً لأية عبودية في الأرض، وتدعيماً للحرية التي ذرأ الله الناس عليها، والكمال الذي رشحهم له. ذلك بعض ما تعنيه الكلمة العظيمة (لا إله إلا الله)، وهي الكلمة التي يرددها الألوف دون وعي، بل لعلهم يعيشون في ظلها عبيد أوهام. وقد بُعث محمد للناس وفي قلوبهم وجل من سطوة الملوك الأولين، فلما جيء بأعرابي يوماً في حضرته أخذته رعدة - يحسب نفسه قريباً من أحد الجبابرة - فقال له الرسول: ((هوِّن عليك، إني لست بملك، أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)). كان قد وقر في الأذهان أن الملوك ليسوا من عبيد الله المألوفين؛ فإن الأبراج التي يحيون فيها قطعت نسبتهم من الأرض، ووصلتهم بالسماء، فزعموا أنهم نسل آلهة، أو عاشوا كذلك، وإن لم يقولوا بألسنتهم ما يقولون بأفعالهم! فأراد محمد أن يعرف العرب أنه بشر مثلهم لا ملك فوقهم، ثم انتسب إلى أمه، لا إلى العظماء من أجداده، ليزداد لله تواضعاً، ومن الناس قرباً. وجاء الحكام الراشدون بعده فمشوا في أثره، وربطوا نسبهم بالجماهير التي نبتوا منها فما تنكروا لها، ولا تكبروا عليها، ولا حسب أحدهم نفسه من دم أنقى أو عنصر أزكى. واسمع إلى أبي بكر بعد ما ولي الخلافة يقول: (أما بعد فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم). وجاء في خطبة لعمر بن الخطاب: (اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافاً على الظالم والمعتدي، والأخذ لضعيف المسلمين من قويهم، فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم). أيها الناس: (إنه لم يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله). هذا هو وضع الحاكم المسلم في الدولة المسلمة، رجل من صميم الأمة يطلب أن يعان على الحق، وأن يمنع من الباطل، ويرى السلطة المخولة له سياجاً للمصالح العامة، لا مصيدة للمنافع الخاصة، ولا باباً إلى البطر والطغيان، ذلك هو دأب الإسلام الذي خطَّ مصارع الجبابرة في الدنيا، وحطَّ منازلهم في الآخرة ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. حيث يكون العسف والخسف لابد أن يكون الإسلام ديناً ثائراً يطلب النصفة والرحمة. وحيث يكون الاستعلاء والاستعباد لابد أن يكون المسلمون ثواراً ينشدون العزة الكرامة. وقد تكون عقبى الجهاد موتاً في غربة، أو قتلاً في معركة، والثائرون ضد الباطل أدنى الناس إلى البلاء والعطب. وماذا في هذا؟ إن ما يحذره غيرهم هو الذي ينشدون لأنفسهم! وتلك طبيعة الثائرين، إما أن يحيوا كما يريدون، أو يموتوا كما يريدون. إنهم عزيمة تؤثر في الحياة سلباً وإيجاباً، وليسوا عربات تشد إلى جياد الآخرين. ويعجبني قول الطرماح بن حكيم، وهو يسعى إلى الغنى حتى لا يحتاج إلى فسقة الأمراء في عهده أو إلى عَداة الخلفاء - كما سماهم: وإني لمقتادٌ جوادي وقاذفٌ ... به وبنفس العام إحدى المقاذفِ لأكسب مالاً، أو أؤول إلى غنى ... من الله يكفيني عَداة الخلائفِ ثم اسمع إلى هذا الثائر الضارب في مناكب الأرض طلباً للعزة يقول: فيارب إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شرجع يعلى بخضر المطارفِ - أي على نعش ملفوف بالأقمشة المطرزة - ولكن قبري بطنُ نسرٍ مقيله ... بجو السماءِ في نسور عواكفِ وآسى شهيداً ثاوياً في عصابةٍ ... يصابون في فجٍ من الأرضِ خائفِ والمسلمون اليوم لن ينجحوا في حرب الاستعمار إلا إذا استهتروا بالموت وأحبوه في ذات الله. أرأيت تاريخنا القديم وأبطالنا الأولين: لقد كانوا يتمنون من أعماق قلوبهم أن تثوى جثثهم الممزقة في حواصل الطير وأجواف الوحوش. وهم هلكى، لا بين أحضان الأهل الباكين والأحباب المواسين، ولكن في وحشية الصحراء ورحاب الميادين أو في أفق مبهم من أعماء الدنيا، وعلى شفة أحدهم وهو يجود بروحة قول الشاعر: وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصالِ شلوٍ ممزَّعِ هكذا مضت سنة الإيمان منذ أبرم عقد الجنة، ووصفت آيات الله من وقَّعوا عليه بأنهم ﴿يَقتلون ويُقتلون﴾ [التوبة: ١١١]. وهكذا مضت سنة الرجولة من قديم الزمان. فاعتبرت موت الرجل بين أهله معرة؛ لأن هذا شأن النساء والعبيد. فمصارعهم تحمرُّ بها صحائف التاريخ، ويلبس الشفق القاني ثوبه الأرجواني منها! وبذلك المعنى هتف الشاعر القديم: وإنا لقومٌ ما نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلولُ تسيلُ على حدِ الظباتِ نفوسُنا ... وليست على غير الظباتِ تسيلُ وما مات منا سيدٌ حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيلُ أجل هذه شارات السيادة، ألَّا يموت الرجل حتف أنفه، ولكن يموت في عرصات الوغَى. لما قتل الأمويون مصعب بن الزبير، قام أخوه عبد الله فخطب الناس فكانت خطبته تعبيراً لبنى أمية أنهم يموتون على فرشهم! أما آل الزبير فقد كفنوا في دمائهم بطلاً من بعد بطل .. وخطب أبو حمزة الخارجي يصف رجاله، وكيف جند لهم المنايا، واستهلكهم صدق الجهاد، فكان من كلامه في لقائهم الحتوف: (استخفُّوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشباب منهم قُدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضَّبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء .. فكم من عين في مناقير طائر، طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله ... ! وكم من كفٍّ زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله.). فانظر مصاير أولئك الشباب كيف خطَّها القدر؟ وكيف تذكر في سياق الدلالة على حب الله والتفاني فيه؟ إن أولئك الشهداء المستميتين في محاربة البغي، الذين رضوا أن تُدقَّ أعناقهم قبل أن تَدقَّ على أبواب الإسلام يد آثمة، وأن تُمزق أعضاؤهم قبل أن يتمكن من الكيد لدين الله كافر سافر أو منافق خناس. إن أولئك الشباب الهلكى، المبعثرة أحشاؤهم هنا وهناك، سوف تجمعهم القدرة العليا بكلمة واحدة، فإذا الجبين المشجوج ناصع مشرق، وإذا العين المفقودة حوراء مبصرة، وإذا الجثة الممزعة بشر سوي يقول لله: (آمنت بك وتحملت فيك ما ترى) تلك سنة المؤمنين الأحرار، في المحيا والممات.

стр. 47

ضريبة الذل (يا ليت قومي يعلمون) سيد قطب (ت: ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م) نشر عام ١٩٥٢م بعض النفوس الضعيفة يخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة، لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة، رخيصة، مفزعة، قلقة، تخاف من ظلها، وتَفْرَقُ من صداها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون. وإنهم ليحسبون أنهم ينالون في مقابل الكرامة التي يبذلونها قربى ذوي الجاه والسلطان حين يؤدون إليهم ضريبة الذل وهم صاغرون، ولكن كم من تجربة انكشفت عن نبذ الأذلاء نبذ النواة، بأيدي سادتهم الذين عبدوهم من دون الله، كم من رجل باع رجولته، ومرغ خديه في الثرى تحت أقدام السادة، وخنع، وخضع، وضحى بكل مقومات الحياة الإنسانية، وبكل المقدسات التي عرفتها البشرية، وبكل الأمانات التي ناطها الله به، أو ناطها الناس ... ثم في النهاية إذا هو رخيص رخيص، هَيِّنٌ هَيِّن، حتى على السادة الذين استخدموه كالكلب الذليل، السادة الذين لهث في إثرهم، ووَصْوَصَ بذنبه لهم، ومرغ نفسه في الوحل ليحوز منهم الرضاء! كم من رجل كان يملك أن يكون شريفاً، وأن يكون كريماً، وأن يصون أمانة الله بين يديه، ويحافظ على كرامة الحق، وكرامة الإنسانية، وكان في موقفه هذا مرهوب الجانب، لا يملك له أحد شيئاً، حتى الذين لا يريدون له أن يرعى الأمانة، وأن يحرس الحق، وأن يستعز بالكرامة، فلما أن خان الأمانة التي بين يديه، وضعف عن تكاليف الكرامة، وتجرد من عزة الحق، هان على الذين كانوا يهابونه، وذل عند من كانوا يرهبون الحق الذي هو حارسه، ورخص عند من كانوا يحاولون شراءه، رخص حتى أعرضوا عن شرائه، ثم نُبِذَ كما تُنْبَذُ الجيفة، وركلته الأقدام، أقدام الذين كانوا يَعِدُونه ويمنونه يوم كان له من الحق جاه، ومن الكرامة هيبة، ومن الأمانة ملاذ. كثير هم الذين يَهْوُونَ من القمة إلى السَّفْح، لا يرحمهم أحد، ولا يترحم عليهم أحد، ولا يسير في جنازتهم أحد، حتى السادة الذين في سبيلهم هَوَوْا من قمة الكرامة إلى سفوح الذل، ومن عزة الحق إلى مَهَاوي الضلال، ومع تكاثر العظات والتجارب فإننا ما نزال نشهد في كل يوم ضحية، ضحية تؤدي ضريبة الذل كاملة، ضحية تخون الله والناس، وتضحي بالأمانة وبالكرامة، ضحية تلهث في إثر السادة، وتلهث في إثر المطمع والمطمح، وتلهث وراء الوعود والسراب ..... ثم تَهْوِي وتَنْزَوِي هنالك في السفح خَانِعَةً مَهِينَة، ينظر إليها الناس في شماتة، وينظر إليها السادة في احتقار. لقد شاهدتُ في عمري المحدود - ومازلت أشاهد - عشرات من الرجال الكبار يحنون الرؤوس لغير الواحد القهار، ويتقدمون خاشعين، يحملون ضرائب الذل، تُبْهِظ كواهلهم، وتحني هاماتهم، وتلوي أعناقهم، وتُنَكِّس رؤوسهم .... ثم يُطْرَدُون كالكلاب، بعد أن يضعوا أحمالهم، ويسلموا بضاعتهم، ويتجردوا من الحُسنَيَيْن في الدنيا والآخرة، ويَمضون بعد ذلك في قافلة الرقيق، لا يَحُسُّ بهم أحد حتى الجلاد. لقد شاهدتهم وفي وسعهم أن يكونوا أحراراً، ولكنهم يختارون العبودية، وفي طاقتهم أن يكونوا أقوياء، ولكنهم يختارون التخاذل، وفي إمكانهم أن يكونوا مرهوبي الجانب، ولكنهم يختارون الجبن والمهانة .... شاهدتهم يهربون من العزة كي لا تكلفهم درهماً، وهم يؤدون للذل ديناراً أو قنطاراً، شاهدتهم يرتكبون كل كبيرة ليرضوا صاحب جاه أو سلطان، ويستظلوا بجاهه أو سلطانه، وهم يملكون أن يَرْهَبَهم ذوو الجاه والسلطان! لا، بل شاهدت شعوباً بأَسْرِها تُشْفِقُ من تكاليف الحرية مرة، فتظل تؤدي ضرائب العبودية مرات، ضرائب لا تُقَاس إليها تكاليف الحرية، ولا تبلغ عُشْرَ مِعْشَارِها، وقديماً قالت اليهود لنبيها ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فأَدَّتْ ثمن هذا النكول عن تكاليف العزة أربعين سنة تتيه في الصحراء، تأكلها الرمال، وتذلها الغربة، وتشردها المخاوف .... وما كانت لتؤدي معشار هذا كله ثمناً للعزة والنصر في عالم الرجال. إنه لابد من ضريبة يؤديها الأفراد، وتؤديها الجماعات، وتؤديها الشعوب، فإما أن تؤدى هذه الضريبة للعزة والكرامة والحرية، وإما أن تؤدى للذلة والمهانة والعبودية، والتجارب كلها تنطق بهذه الحقيقة التي لا مفر منها، ولا فكاك. فإلى الذين يَفْرَقُونَ من تكاليف الحرية، إلى الذين يخشون عاقبة الكرامة، إلى الذين يمرِّغُون خدودهم تحت مواطئ الأقدام، إلى الذين يخونون أماناتهم، ويخونون كراماتهم، ويخونون إنسانيتهم، ويخونون التضحيات العظيمة التي بذلتها أمتهم لتتحرر وتتخلص. إلى هؤلاء جميعاً أوجه الدعوة أن ينظروا في عبر التاريخ، وفي عبر الواقع القريب، وأن يتدبروا الأمثلة المتكررة التي تشهد بأن ضريبة الذل أفدح من ضريبة الكرامة، وأن تكاليف الحرية أقل من تكاليف العبودية، وأن الذين يستعدون للموت توهب لهم الحياة، وأن الذين لا يخشون الفقر يرزقون الكفاية، وأن الذين لا يَرْهَبُون الجاه والسلطان يَرْهَبُهم الجاه والسلطان. ولدينا أمثلة كثيرة وقريبة على الأذلاء الذين باعوا الضمائر، وخانوا الأمانات، وخذلوا الحق، وتمرغوا في التراب ثم ذهبوا غير مأسوف عليهم من أحد، ملعونين من الله، ملعونين من الناس، وأمثلة كذلك ولو أنها قليلة على الذين يأبون أن يذلوا، ويأبون أن يخونوا، ويأبون أن يبيعوا رجولتهم، وقد عاش من عاش منهم كريماً، ومات من مات منهم كريما.

стр. 48

سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ) نُشر عام ١٣٥٠هـ الموافق ١٩٣٢م من يدرس أصول الإسلام بجد، ويذهب في تعريف روح تشريعه مذاهب بعيدة المدى، يدرك دون أن يأخذه ريب: أنه دين نزل من السماء؛ ليضرب بهدايته في أرجاء المعمورة، ويعلم الأمم أرقى نظم الاجتماع، وقد ارتفعت في الشرق والغرب رايته، يوم تولى أمره زعماء لبسوا من آدابه بروداً سنية، وتحروا في الدعوة إليه سبلاً سوية، ولا أستطيع أن ألم في هذا المقال بما احتوته شريعته من النظم المدنية، والقواعد التي تشهد بأنه تشريع لم يكن للعواطف البشرية والعادات القومية عليه سلطان، فأكتفي بأن أصف لك ناحية يتمثل فيها عدل قضائه، ورفق سياسته، وسمو آدابه، تلك الناحية هي: أصوله الخاصة في معاملة غير المسلمين. المخالفون في نظر الإسلام: محاربون، أو معاهدون، أو أهل ذمة، والمراد: ذمة الله؛ أي: عهده، فهذا الاسم يشعر بأن من مَسَّهم بأذى، فقد خان عهد الله، وعهد دينه الحنيف. أما المحاربون، فهم الذين يهاجمون أمة إسلامية، أو يتحفزون للهجوم عليها، أو يمدون أيديهم إلى حق من حقوقها، وحكم الإسلام في هؤلاء: أن يُدفعوا إذا هاجموا، ويُبادروا بما يكفُّ بأسهم إذا تحفَّزوا، ويُقوَّموا إذا اعتدوا على الحق حتى ينصفوا، يأذن الإسلام في دفع المهاجم، أو كف المناوئ، مع رعاية جانب الرفق والأخذ بالعرف. ومن الرفق الذي أقام عليه سياسته الحربية: أنه منع من التعرض بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان، والفلاحين، والنساء، والأطفال، والشيخ الهرم، والأجير، والمعتوه، والأعمى، والزَّمِن، ومن الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى والزَّمِن، ولو كانا ذوي رأي في الحرب وتدبير. ولا يجوز قتل النساء، وإن استُعملن لحراسة الحصون، أو رَمين بنحو الحجارة، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، فجعل القتال في مقابلة القتال. ونبَّه النبي ﷺ على أن من لا يقاتل لا يُقتَل، حين وجد امرأة في بعض الغزوات قتيلة، فأنكر ذلك وقال: (ما كانت هذه لتقاتل). وإذا وضع المحاربون الأطفال والنساء أمامهم، وجب الكفُّ عن قتالهم، إلا أن يتخذوا ذلك ذريعة للفوز علينا، ونخشى أن تكون دائرة السوء على جندنا. ولا يجيز الإسلام التمثيل بالمحارب، قال ﷺ : (ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً)، ويمنع من حمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، أو حملها إلى الولاة، وقد أنكر أبو بكر الصديق ﵁ هذا، وقال: هو فعل الأعاجم. ولم يشرع الإسلام للأسير حكمًا واحدًا، بل جعل أمره موكولًا إلى الأمير الذي يقدر مصلحة الحرب، وله أن يخلي سبيله بفداء، أو بغير فداء. ولا يرغم الإسلام المحارب على الدخول في ملته، بل يعرض عليه أن يقيم تحت سلطانه آمنًا على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويستوي في هذا الحكم أصحاب الأديان السماوية، وغيرهم، قال الإمام مالك، وصاحبه ابن القاسم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام. وأما المعاهدون، وهم الذين انعقد بيننا وبينهم عهد على السلم، فيجب علينا الوفاء بعهدهم، وأن نستقيم لهم ما استقاموا لنا، وإذا كان في بعض ذوي القوة من يحس من خصمه المعاهد تحفُّزًا إلى الخيانة، فيسبقه إليها، فإن الإسلام يوجب في حال الخوف من خيانة المعاهدين أن ننبذ لهم العهد علنًا، وفي القرآن الكريم: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨]. ولم يخصَّ الإسلام تأمين المحارب بصاحب الدولة، بل هو حق لكل مسلم ومسلمة، فإذا أمَّن رجل أو امرأة من المسلمين محاربًا، كان تأمينه نافذًا، واعتصم بهذا التأمين من أن يناله أحد بسوء حتى يبلغ مأمنه. وليس من شرط التأمين البلوغ، ولا الإسلام، فلو أمَّن صبيٌّ يعلم ما يقول، أو أحد من أهل الذمة بعض المحاربين، كان هذا التأمين عقدًا محترمًا. بلغ الدين في رعاية عهد الأمان أقصى غاية، فلو أشار المسلم إلى الحربي إشارة يريد بها عدم التأمين، ففهمها الحربي على التأمين، وجب له الأمان على حسب ما فهم من تلك الإشارة. وهذا حكم التأمين في حال الحرب، أما تأمين المحارب ليدخل البلاد بقصد التجارة، وظنَّ المحارب أن هذا التأمين نافذ، وجب الوفاء له على حسب ظنه، وليس لولي الأمر إن لم يرض عن هذا التأمين إلا أن يرد المحارب إلى مأمنه. وإذا أخذ المحارب أماناً لينظر في الدين، ولم ينشرح صدره للإسلام، فما لنا إلا أن نرده إلى داره آمنًا، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦]. ولو ظفر المسلمون بمحارب جاء مقبلًا من بلد عدو، فقال: جئت لأطلب الأمان. لم يجز التعرض له بمكروه، وإذا لم يروا المصلحة في تأمينه، ردوه إلى مأمنه. ولو وجد المسلمون طائفة من المحاربين في أطراف بلاد الإسلام، فقالوا: جئنا تجارًا، وظننا أنكم لا تتعرضون لمن جاء تاجرًا، فليس لنا إلا أن ندعهم وشأن تجارتهم، أو نردهم إلى مأمنهم، إلا أن تقوم الشواهد على أنهم يقصدون من الشر ما لا يقولون. ومن رعاية الإسلام لعهد التأمين: أن أكَّد في احترام أموال المعاهدين، حتى إذا رجع المعاهد إلى بلده، وترك في دار الإسلام وديعة، أو دينًا، وجب إرسالها إليه، فإن مات بُعث إلى ورثته إن عُرفوا، فإن لم يُعرفوا، أُرسل بها إلى رئيس قومه. ويدلك على ما لعهد التأمين في دين الإسلام من حرمة: قول عمر بن الخطاب: (إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج، حتى إذا أسند إلى الجبل، وامتنع، قال رجل (مَتَرْس)، يقول: لا تخف، حتى إذا أدركه، قتله، وإني والذي نفسي بيده! لا أعلم مكان واحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه). وأما من رضوا بالإقامة تحت راية الدولة الإسلامية، فقد قرر لهم الدين من الحقوق ما يكفل لهم حريتهم، ويجعلهم أعضاء حية مرتبطة بسائر أعضاء الأمة المسلمة ارتباط ألفة وعطف وتعاون. توجد هذه الروابط في القرآن والحديث، وآثار الصحابة، وأقوال أهل العلم من بعدهم. يقتضي العهد الذي يعقد لأهل الذمة: أن يقيموا تحت راياتنا متمتعين بحقوقهم الدينية، آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وإليك نص عهد عمر بن الخطاب لأهل إيليا: (أعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم، ولا ينقص منها، ولا من خيرها، ولا من صُلُبهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم). إن القرآن كقانون أساسي لدولة الإسلام لم يترك ناحية من نواحي الاجتماع أو السياسة إلا وضع لها أصلًا يُهتدى به في تفاصيل أحكامها، وانظر إليه ماذا صنع في ناحية هي أكبر النواحي الاجتماعية أو السياسية، وهي معاملة الطوائف غير المسلمين إذا اختاروا الإقامة في جوارنا، ولم ينزعوا إلى مناوأتنا، اقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة: ٨]، فالآية تحث على رعاية قانون العدل في معاملتهم، وتدل - بعد هذا - على فضيلة البر بهم، وإذا عبرت عن هذا المعنى بعدم النهي عنه، فلأنها قصدت الرد على ما يسبق إلى الذهن من أن مخالفتهم للدين تمنع من برهم، وتسهل الاستهانة بحقوقهم. وقد جرى أمراء الإسلام العادلون على سيرة هذه الآية، فكانوا ينصحون لنوابهم بالعدل، ويخصون أهل الذمة في نصيحتهم بالذكر، وأحسن مَثَل نسوقه على هذا: كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص، وهو يومئذ الوالي على مصر، ومما جاء في هذا الكتاب: (وإن معك أهل ذمة وعهد، وقد وصى رسول الله ﷺ بهم). ومنه: (وقد قال ﷺ : (من ظلم معاهداً، أو كلفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة)، احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصمًا، فإنه من خاصمه خصمه). فانظروا إلى مكانة العهد في الإسلام، وزنوها بمعاهدات يأخذ فيها بعض الأقوياء على أنفسهم احترام حقوق شعب إسلامي، حتى إذا أمسكوا بناصيته، لم يستحيوا أن يعبثوا بالأرواح، وتجول أيديهم في الأموال، ويعملوا جهدهم على أن يقلبوهم إلى جحود بعد إيمان، ويحنقون بعد هذا كله على من يسميهم: أعداء الإنسانية، وقابضي روح الحرية. أدرك الفقهاء رعاية شارع الإسلام لأهل الذمة، وحرصه على احترام حقوقهم، فاستنبطوا من أصوله أحكاماً جعلوا المسلم وغير المسلم فيها على سواء، وأذكر من هذه الأحكام: أنهم أجازوا للمسلم أن يوصي أو يقف شيئاً من ماله لغير المسلمين من أهل الذمة، وتكون هذه الوصية أو الوقف أمراً نافذاً، ولما قال ﷺ : (لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)، قالوا: البيع على غير المسلم الداخل في ذمة الإسلام كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته كالخطبة على خطبة المسلم، كلاهما حرام. وإذا ذكر فقهاؤنا آداب المعاشرة، نبهوا على حقوق أهل الذمة، وندبوا إلى الرفق بهم، واحتمال الأذى في جوارهم، وحفظ غيبتهم، ودفع من يعرض لأذيتهم. قال شهاب الدين القرافي في كتاب (الفروق): (إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو أي نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام). وقال ابن حزم في (مراتب الإجماع): (إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة). وجعل الإسلام أحكام رؤسائهم فيما بينهم نافذة، فلهم أن يتحاكموا أمام رؤساء مللهم فيما يعرض لهم من القضايا، وإنما اختلف علماؤنا فيما إذا رفع الخصمان منهم القضية إلى الحاكم المسلم، فقال المالكية: إن كان ما رفعوه ظلمًا لا تختلف الشرائع في تحريمه؛ كالغصب، والقتل، وجب على المسلم أن يفصل فيه على وجه العدل، فإن كان مما تختلف فيه الشرائع، كان له الخيار في الفصل بينهم بشريعة الإسلام، أو صرفهم إلى رئيس طائفتهم. وحملوا على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال الإمام أبو حنيفة: على الحاكم المسلم متى ارتفع إليه الخصمان من أهل الكتاب أن يفصل في قضيتهم، وليس له الإعراض عنهم، وأخذ في وجوب الفصل بينهم بقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: إن الأمر القاطع في هذه الآية ناسخ للتخيير في آية: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]. هذا أصل البحث في هذه المسألة، أما تفصيل المذاهب، وبسط أدلتها، فموضعه كتب الفقه، وأحكام القرآن. وأباح للمسلم أن يتزوج تحت سلطان الإسلام بيهودية أو نصرانية، وجعل لها من الحقوق ما لزوجته المسلمة، وفي الزواج صلة الصهر، وتتبعها صلة النسب، وفي هذا شاهد على أن الدين الحنيف ليس بالدين الذي يدعو إلى التقاطع المانع من المعاشرة بالمعروف، والتعاون على مرافق الحياة. وكره الإسلام أن يجري المسلم في مخاطبة المسلمين مجرى أولئك الذين يتعصبون لمعتقداتهم بغير الحق، فيطلقون ألسنتهم بإذاية من يجادل في صحتها، فقال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: ١٢٥]. وخاتمة المقال: أن المسلمين قد استناروا بسماحة دينهم، وتعلموا من آدابه أن يحسنوا معاشرة أصحاب الأديان الأخرى، ممن لا يكيدون لهم كيدًا، ولا يظاهرون عليهم عدوًّا، ويمكنهم أن يعيشوا معهم في صفاء وتعاون على المصالح الوطنية. وكثيراً ما نقرأ أنباء من يشرح الله صدورهم للإسلام، فنجدهم حيث يذكرون دواعي اهتدائهم، يصرحون بأن من هذه الدواعي: ما يرونه في هذا الدين من سعة الصدر، والأمر بالرفق والإحسان في معاملة المخالفين، وبأن لا يزاد عند جدالهم على دفع الشبهة بالحجة.

стр. 49

بيان أن سعادة الأمة في التهذيب محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤هـ - ١٩٣٥م) نُشر عام ١٣١٥هـ الموافق ١٨٩٨م تلك آيات من الحكمة، تتلى على مجتمع هذه الأمة، تنبه فكر الناسي، وتبعث همة الآسي، وشذرات من معدن العلم السماوي، تُهْدَى إلى معمل الفكر الإنساني؛ ليصوغ منها عقودًا، ويضرب منها نقودًا، تتحلى بها أجياد العقائل العواطل، وتعامل بها أكف المُثْرِي والعائل، لعلهم يفلحون. إذا تأملت في تاريخ هذا الإنسان رأيت أبناءه قد وقع منهم الاختلاف في كل شيء ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩) اختلفوا في العقائد والمذاهب، والعادات والمشارب، وجرى هذا الخلاف منهم في مدركات الحس، كما سرى في مدارك العقل، ألا ترى أن بعضهم لا يستطيب أكل اللحوم ذوقًا، كما أن بعضهم يستقبحها عقلًا، أما سمعت أن منهم مَن أنكر مظاهر الوجود وحقائق الأشياء، زعمًا أنها خيالات وأوهام تتراءى للحواس، ولا تحقُّق لها في نفسها. ومن رام حصر مواد الاختلاف والافتراق بين الأمم والشعوب، وبين الآحاد والأشخاص، فقد رام عبثًا، وحاول شططًا، وفيما أشرنا إليه من النموذج بلاغ لقوم يفقهون. إن أصالة الخلاف والمنابذة، وتمكُّنهما من نفوس أفراد هذا النوع قد جعلته من الخواص اللازمة، أو الفصول المقومة لذاته، والمقسمة لجنسه، بحيث يصح أن يعرف الإنسان بأنه (حيوان مخالف)، أفلا يجدر بنا أن نعجب بعد هذا إذا رأينا جميع الناس أو أمة منهم قد اتفقوا على شيء، وأجمعوا على شأن؟! ألا يجب علينا أن نغتنم ذلك الشيء فنتخذه ذريعة لجمع كلمتهم واتفاق وجهتهم، الذي لا قوام لحياتهم على الوجه الذي ينبغي إلا به؟ بلى، ولكن أَنَّى لنا الظفر بهذه الرغيبة المفقودة، والاهتداء لهاتِهِ الضالة المنشودة؟ وكيف لنا أن نطمع بما يكاد يخرج به الإنسان عن كونه الخاص به فلا يكون إنسانًا؟ ولعل قائلًا يقول: إنا لا نرتاب في أن الاختلاف المطلق لا ينفك عن البشر، لكن ذلك لا ينافي الاتفاق على بعض الشؤون، فهل تعلم لنا شيئًا لا تخالف فيه ولا تنازع، وهو مما يقصد بالعمل، ويتوصل إليه بالسعي، لنجعله معقدًا للارتباط، إذا أخذنا في الدعوة إلى الاجتماع على أصول العلم الصحيح؟ والجواب: نعم، إن هؤلاء الناس مهما تباينوا في الوسائل، واختلفوا في المقاصد فهم متفقون على شيء واحد يصح أن يكون علة غائية لكل حركة وسكون يصدران منهم، ألا وهو: التخلص من البؤس والشقاء، والظفر بهناء العيش ونعمة البال عاجلًا أو آجلًا، وإن شئت قلت: هو دفع المؤلم، واجتلاب الملائم إما لنفس العامل فقط، وإما له ولمن يشاركه في المنزل أو الوطنية أو الجنسية. وما نشاهده من سعي الكثير منهم إلى ما يبلسهم للهلكة، ويتجافى بهم عن مضاجع الراحة والهناء، فإنما هو لإِخطاء النهج، وضلال الطريق القصد. يظهر هذا في سيرة المحكوم والحاكم، والجاهل والعالم، والتاجر والصانع، والحارس والزارع، والمنفق والممسك، والحليم والسفيه، والشجاع والجبان، والعفيف والشَّرِه، كلٌّ يسعى لما يرى أن فيه راحته ونعيمه. لكن ربما خفي على البعض في نحو الجاني والمنتحر، ويظن أن الجاني على غيره بما يعود على ذاته بالضرر أو التلف، والمتعمد إزهاق روحه بيده لا يقصدان بعملهما ما ذكر، والحق أن عملهما هذا ليس إلا تخلصًا من بلاء، أو توصلًا إلى نعماء، بحسب ما وصل إليه الاجتهاد. فالإنسان حريص كل الحرص على تحصيل العيشة الراضية والحياة الطيبة، وكل سعي أفراده إنما هو في هذه السبيل. وكما يطَّرد هذا في سعي طالبي الحياة الدنيا، يطَّرد أيضًا في سعي مريدي الآخرة، فالصائم والقائم، والزاهد والعابد، إنما يقصدون السعادة الأبدية ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ٢١ - ٢٣)، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: ٧٢). فقد تبين أن الناس متفقون مبدأ وغاية (في الجملة)، وإنما وقع الاختلاف بينهم في الأفكار والأعمال (غالبًا) من الخطأ في تصور الغاية بتصور ما ليس بسعادة سعادة، الذي يتبعه الخطأ في اختيار المبدأ الذي يستند إليه العمل، كأن يتصور أن سعادته في تحصيل الثروة بأية وسيلة ومن أي طريق، ويختار المبدأ لاكتساب المال السرقة وأمثالها. وقد يكون تصور الغاية صحيحًا ويقع الخطأ في اختيار المبدأ، فيختل العمل المترتب عليه، كأن يتصور أن السعادة في كسب المال من الطرق الشريفة في الوجوه المشروعة، ويرى أن المبدأ لذلك صناعة الكيمياء (الكاذبة) بتحويل المعادن إلى ذهب، كما يجوز أن يعرقل العمل مع صحة المبدأ والغاية لعدم السلوك إليه من طريقه والدخول عليه من بابه، كأن يختار التجارة مبدأً للكسب، ويتهجم على العمل بغير علم بأساليبها ولا اختبار، أو لعدم توفر دواعي النجاح من الخارج، أي من الأمور التي لا تنالها يد الكاسب، كأن يختار التجارة أو الزراعة، ويأتي بجميع أسبابها مستوفيًا شروطها، فتنزل بالزرع جائحة، أو تذهب بالتجارة الأنواء، ويحطم السفين اعتلاج الأمواج. فعلينا أن نبحث في الطريق الموصل إلى صحة الغاية ومبادئها وانتظام أمر العمل، بحيث ينطبق على المبدأ، ويؤدي إلى الغاية من غير خطأ ولا ضلال، وبالنتيجة في انتظام أمر المعاش والمعاد بما تصل إليه يد الإمكان، ويدخل في اختيار الإنسان. وهو أشرف الأبحاث وأفضلها، لا ينطق لسان، ولا يجري يراع بأفضل من الكلام فيه. ولا غرو فإن البحث فيما يوصل الإنسان إلى الراحة والهناء في الدنيا والمثوبة الحسنة في العقبى لَهُوَ أَجَلُّ ما يتحدث فيه المتحدثون، ويتنافس فيه المتنافسون، فألقِ إليه السمع وأنت شهيد. أنت تعلم أن قوام الدنيا والدين بالعمل. والعمل لا يكون إلا عن علم، فالأحرى أن نقول بالعلم والعمل، وكلكم حارث (كاسب وعامل) وكلكم همَّام (يهم بالأمر فيعمله) لكن الهم مختلف والكسب مختلف ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ (آل عمران: ١٥٢)، ثم كلٌّ من القسمين طبقات، فمنهم السائد والمسود، والقوي والضعيف، والغني والفقير إلى غير ذلك من الطبقات المتقابلة. ولا سبيل إلى المساواة بين الناس بجعلهم في رتبة واحدة، كما ينزع إليه بعض الملاحدة في هذا العصر؛ لأن مُبْدِع العالَم (تعالى) فضَّل بعضهم على بعض في الرزق وغيره، كما اقتضته حكمته في طبيعة الكون، وجرت به سُنته ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: ٦٢)، وإنما السبيل الذي نقصده، والطريق الذي توخينا البحث عنه: هو الذي إذا سلكه العالم الإنساني على اختلاف الطبقات وتنوع المراتب، فاز بالعيشة الراضية والحياة الطيبة ألا وهو: تهذيب الأخلاق، وكماله لا يكون إلا بالاستناد إلى الدين المبين. التهذيب روح للوجود الطبيعي والمدني والسياسي، تنال به هذه الوجودات سعادة الحياة، وحياة السعادة، شهد بذلك التاريخ الصحيح وصدقه العقل السليم. لا راحة لفرد من الأشخاص في نفسه إلا بتهذيب أخلاقه في نفسه، ولا في منزله إلا بتهذيب أهل المنزل، وعلى هذا النحو أهل المدينة والمملكة العظيمة. فكما أن التهذيب الشخصي هو مدار انتظام معيشة الشخص الواحد، كذلك التهذيب العمومي هو مدار انتظام معيشة الأمة كلها؛ إذ ليس المهذب إلا من يقوم بحقوق نفسه وحقوق غيره على صراط العدل المستقيم. وإذا كان انتظام أمر الحياة معلولًا لتهذيب الأخلاق، فبالضرورة يكون وجوده بوجود علته وعدمه لعدمها؛ إذ لا معنى لكونه معلولاً إلا هذا، ومن هنا نفهم السر في اختلال معيشة الأفراد وانتظامها، وانفصام عرى الاتحاد بين الجماعات والتئامها، وصعود بعض الأمم أعلى درج الارتقاء، وهبوط بعضها إلى أسفل درك الانحطاط، ووقوف البعض بين بين، تتنازعه عوامل العلتين، حتى يأتي أمر الله، واعتَبِرْ ذلك في سير الإنسان من يوم علم تاريخه إلى الآن تلقه صحيحًا مطردًا. ربما خفي على البعض الارتباط بين الأخلاق والأعمال، فلم يسلم بأن حسنها لحسنها، وقبحها لقبحها، مع تسليمه بأن سعادة الدارين إنما هي بالأعمال، وهذا الخفاء لا يكون إلا عن الجهل بمعنى لفظ الأخلاق وما هو المراد منه، فإذا فهم ما هو المعنى منه انجلى له ذلك الارتباط كالشمس ليس دونها سحاب. الأخلاق جمع خُلُق (بالضم)، وهو صفة النفس، كما أن الخَلْق (بالفتح) صفة الجسد، وقد عرفه علماء التهذيب بأنه: هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى روية ولا تفكر. وبيان ذلك أن مما يناجي الإنسان به وجدانه، ويوحي إليه إحساسه أنه لا يصدر عنه عمل اختياري، فعلًا كان أو تركًا، إلا عن داعية من النفس، وإن جميع جوارحه مسخرة لخدمة سلطان الروح، وإن إرادة هذا السلطان التي لا ترد مهما جاءت بالجزم إنما ينفذها إلى الجوارح بريد الفكر والخيال. وإذا دقق النظر رأى أن جميع إرادات السلطنة الروحية تصدر عن داعيتين: الأولى: انفعال وتأثر - كالجوع يدعو إلى الأكل - ومحلها الطبع. والثانية: إدراك وتصور - كتصور خطر المرض يدعو إلى تناول الدواء - ومستندها العقل. وهاتان الداعيتان آلتان لتحريك الأعضاء للعمل، والآلة لا تتحرك بنفسها، واليد المحركة لهاتين الآلتين: خلق حسن أو خلق سيئ؛ إذ لا تخلو الداعية للعمل من مصاحبة أحد أمرين: إما الجور بتفريط أو إفراط؛ كالأكل زيادة عن الشبع شرهًا وجشعًا، أو ترك الشبع وما يناسب المزاج من الطعام حرصًا وبخلًا، وكالامتناع عن شرب الدواء عند الاحتياج استبشاعًا لطعمه، أو تناوله مع الاستغناء عنه وسوسة ووهمًا. وإما العدل، بإمضاء ما فيه المصلحة مع التجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. والجور والعدل جنسان لأنواع الأخلاق الفاضلة والذميمة، فإذا أصيب ملك الروح برزيئة الجور فأمر بما لا ينبغي ونهى عما ينبغي، ورعية الجوارح لا مندوحة لها عن طاعته، لا تلبث مملكة البدن أن يسرع إليها الفساد ويحل بها الدمار. وهذا واضح في مملكة البدن، كما هو واضح في المملكة الظاهرية، بل هو في مملكة البدن أشد وضوحًا وظهورًا. وأما إذا تحلى بفضيلة العدل فيستقيم - ولا ريب - نظام المملكة، وتبلغ من الانتظام غاية الكمال. من فهم ما قلناه من أن جميع الأعمال إنما تصدر بإرادة الروح عن داعيتين، وأن الروح في ذلك لا تخلو عن العدل أو الجور، وعلم مع ذلك أن العدل هو غاية تهذيب الأخلاق، بل هو المحور الذي تدور عليه سيارات الفضائل، وأن الجور ضده، فهم وجه الارتباط بين الأخلاق والأعمال، وأذعن لتفاوتها بحسبها ضعةً وخسةً، ورفعة وشممًا، وإذا لاحظ بعد هذا ما قلناه أولاً من أن الحصول على رغائب الدنيا والآخرة موقوف على العمل لا على الأماني والتشهي، انكشف له مقدار تأثير الأخلاق في المجتمع الإنساني صلاحًا وفسادًا. كيف لا يكون الخلق المهذب أفضل الفضائل وغاية الكمال، وهو ثمرة الأديان السماوية والشرائع الإلهية، بدليل قوله ﷺ : (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وقد علمت أنه ثمرة العقل السليم أيضًا. نعم، أكثر آيات القرآن الكريم جاءت في الحث على مكارم الأخلاق (كالعدل، والقسط في الأمور كلها، والبر والإحسان لجميع الناس، والصبر، والحلم، والحياء، والرفق، والرحمة، والوفاء، والصدق، والتواضع، والعفو، والأمانة، وأمثالها)، وينهَى ويحذر من سفسافها (كالجور، والجزع، والغلظة، والبخل، والجبن، والكبر، والرياء، والكذب، والنفاق، والخيانة، والوقاحة، والسفه وأشباهها)، وفي حكاية أحوال المهذبين مع الثناء عليهم للاقتداء بهم، وحكاية أحوال فاسدي الأخلاق في معرض الذم والتقريع للاعتبار والتنفير، كما في قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم. وحسبك مع هذا قول عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤): كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلقه القرآن. وقد ورد في ذلك من الأحاديث النبوية ما لا يكاد يحصى. فإذا تبين أن خلق الإنسان هو دعامة سعادته وعمادها، وعليه مدار صلاح أموره الدينية والدنيوية وفسادها، فيجب على كل فرد من أفراد الأمة أن يوجه قواه العقلية والمالية للحصول على هذه المنقبة الكبرى والسعادة العظمى، وعلى العلماء أن ينبهوا الأغنياء، ويعقدوا معهم الجمعيات للقيام بهذا العمل الجليل، ولا عذر في التهاون والوَنَى تلقاء هذا المقصد الشريف، إلا لمن تخبطه شيطان الجهل، فأمسى لا يميز الكمال من النقص، ولا يزيِّل بين السعادة والشقاء، وكفاه عذره ذنبًا. وأما من كان صحيح الفكر، وتلا أو تلي عليه ما ذكرناه، ثم لم يعره أذنًا صاغية، ولا نفسًا واعية، رغبة في جمع الحطام، والتلذذ بالشراب والطعام، واشتغالاً بمفاخرة الأقران، وقهر الأخصام، فلتهنأ له الحياة الحيوانية في ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (المرسلات: ٣٠ - ٣١). والسلام على الإنسانية وذويها، والفضيلة ومحبيها، في كل زمان ومكان.

стр. 50

أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م) نُشر عام ١٣٧١هـ الموافق ١٩٥٢م وقد يبدو هذا العنوان مدهشًا وغريبًا، لتأثُّرات مختلفة، في كثير من النفوس المختلفة، ولشيء من السخرية من النفوس الساخرة. أما الدهشة فإنَّ صاحبها معذور مهما كان، وأما الغرابة فكل وارد جديد على السمع أو على الذهن يُسْتَغرَب، ولكنه إذا تكرّر وكثر ترداده أصبح مأنوسًا، وأما السخرية فلا تأتي هنا إلَّا من رجلين: رجل انطوت نفسه على بغض للإسلام وحقد على بنيه، واحتقار لتعاليمه، ورجل لم يفهم الإسلام إلاّ من حالة المسلمين اليوم، ولم يعلم أن بين حقائق الإسلام وبين حالة المسلمين اليوم بُعدَ المشرقين، والذي في العنوان إنما هو الإسلام لا المسلمون. العناوين لا ذنب لها دوالّ على ما وراءها، فاسمعوا ما وراء هذا العنوان، ثم ليندهش المندهشون إن لم يقتنعوا، وليسخر الساخرون إن شاءوا. تولّى الإسلام في أوَّل مراحله قيادة العالم الإنساني العامر للأقاليم المعتدلة، فقاده إلى السعادة والخير بأصلين من أصوله وهما القوة والرحمة، وبوسيلتين من وسائله في القيادة وهما العدل والإحسان، وبأحكامه المحققة لحكمة الله في عمارة هذا الكون. والقوة والرحمة صفتان موجودتان في كل زمان، ولكنهما متنابذتان لم تجتمعا قط في ماضٍ ولا حاضر، حتى جاء الإسلام فجمع بينهما وزاوج، وخلط بينهما ومازج، فجاء منهما ما يجيء من التقاء السالب بالموجب في عالم الكهرباء: حرارةٌ وضوءٌ وحركة. وما زال معروفًا عند العقلاء، قريبًا من مدارك البسطاء، أن القوة وحدها لا خير فيها؛ لأنها جبرية واستعلاء، وأن الرحمة وحدها لا خير فيها؛ لأنها ضعف وهُوَيْنا، وإن الخير كل الخير في اجتماعهما، ولكن الجمع بينهما ليس من مقدور الإنسان المسخّر للأهواء والعوائد، المنساق للأماني والمطامع، المنجدب إلى مركز الأنانية، فلا تجتمع بينهما على وجه نافع إلَّا قوة سماوية تتجلَّى في نبوَّة ووحي وخلافة راشدة واتِّباع صادق مشتق من هذه. ومن حكمة الإسلام العليا أنه وضع الموازين القسط للمتضادات فإذا هي متآلفة، والمتنافرات إذا تآلفت صلح عليها الكون؛ لأنها سرُّ الكون وملاكه، فوضع الحدود لهذه المتنافرات، وأعطى كل واحدة حقَّها، ووجَّهها إلى الخير في مدارها الطبيعي، فإذا هي أشياء في الاسم والذات والوظيفة، ولكنها شيء واحد في الغاية والفائدة والأثر، وكلها خير ونفع وصلاح وجمال. وضع الحدود بين المرأة والرجل فائتلفا، وأطفأ بالعدل والإحسان نار الخلاف بينهما، والخلاف بينهما هو أصل شقاء البشرية، ولا يتم إصلاح في المجتمع ما دام الخلاف قائمًا بين الجنسين، وما زالت الجمعيات البشرية من الرجال مختلفة النظر إلى المرأة، فبعضهم يرفعها إلى أعلى من مكانها فيُسقطها ويسقط معها، ويعطيها أكثر من حقِّها ومن مقتضيات طبيعتها فيفسدها ويفسد بها المجتمع، وبعضهم يحُطها عن منزلتها الإنسانية فيعدُّها إمَّا بهيمة وإما شيطاناً، حتى جاء الإسلام فأقرَّها في وضعها الطبيعي وأنصفها من الفريقين. كذلك وضع الحدود بين الآباء والأبناء، وكم أزاغت الشرائع والقوانين الوضعية هذه القضية عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط. كذلك وضع الحدود للسادة والعبيد، وللحاكمين والمحكومين، وللأغنياء والفقراء، وللجار وجاره، وللإنسان والحيوان، وللروح والجسم، فألّف بين السادة والعبيد بقانون الرفق، والترغيب المتناهي في العتق، وألَّف بين الحاكمين والمحكومين بقانون العدل والمساواة، وبين الأغنياء والفقراء بنظام الزكاة والإحسان، وبين الجيران بوجوب الارتفاق والحماية، حتى اعتبر الجيرة لحمة كلحمة النسب أو أشد، ومَحا من المجتمع نظام الطبقات والأجناس والعناصر، فلا فضل لعربي على أعجمي إلَّا بالتقوى، ولا عزَّة للكاثر، ولا تعظّم بالآباء، ولا عصبية بالقبيلة، ولا تفاضل بالجاه والمال، وجعل لليتيم حرمة تدفع عنه غضاضة اليتم، ولابن السبيل حقًّا يحفظه من الضياع وفساد الأخلاق، وللغريب حقًّا يُنسيه وحشة الاغتراب، وجعل ميزان التفاضل روحيًّا لا ماديًّا، فالغني أخو الفقير بالإسلام، وليس الغني أخًا للغنيِّ بالمال، وقرَّر للحيوان الأعجم حق الرفق والتربيب، وحماه من الإعنات والتعذيب، وأشركه مع الإنسان في الرحمة، ففي كل ذات كبدٍ حرَّى أجرٌ، وحلَّ مشكلة الروح والجسم، وعدل ما كان يتخبَّط فيه فلاسفة الأمم من أن العناية بأحدهما مضيعة للآخر، فوفَّق بين مطالب الروح والجسم، وحدَّد لكلٍّ غذاءه وقِوامَه، فإذا هما متآلفان متعاونان على الخير والنفع. ساس الإسلام الأرض بقانون السماء، فأشاع إشراقَه في غسقها، وأدخل نسَقَه في الإحكام على نسَقها، وقيّد الحيوانية العارمة في الإنسان بقيود الأوامر والنواهي الإلهية التي لا خيار معها ولا مراجعة فيها، وبذلك نقل الأمم التي دانت به من حال إلى حال، نقلها من الفوضى إلى النظام، ومن التنابذ إلى التآخي، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ومن نزعات نفسية متباينة إلى نزعة واحدة أقرَّها في الأرض بهم، ونقل الأمم المتبدية إلى حال وسط من الحضارة المتأنية المقتصدة، ونقل الأمم المتحضرة إلى حال من الحضارة العقلية تأخذ بالحُجّة، وتمنع من التضخّم والتهافت. ونقل الأمم المؤلهة للملوك والكبراء إلى حال من عرفان القدر وفهم الكرامة، جعلتهم هم الملوك. قاد الإسلام أهله بقانونه السماوي الشامل لأنواع التدابير المحيطة بمصالح البشر من حرب وسلم، وخوف وأمن، وسياسة وإدارة، وقضاء في الأموال والدماء والجنايات، وفي بناء الأسرة. قاد بهذا القانون أعقل سكّان الأرض إذ ذاك في أعمر بقاعها، فما شكا أحد ظلماً ولا هضماً، فإن وقع شيء من ذلك فهو من حاكم حادَ عن صراطهِ، أو شخص أخلَّ بأشراطه، وقد أخذت الأمم الخارجية منه كثيراً من قوانينه العادلة في فترات احتكامهم بالمسلمين محاربين أو معاهدين في الشام والأندلس وإفريقية، كما أخذوا كثيراً من العادات الصالحة في تدبير المعاش وفي الحياة المنزلية، وما زال كثير من تلك الأصول بارز العين أو ظاهر الأثر في المدينة الحالية. جاء الإسلام أوَّل ما جاء بإصلاح الأسرة وبنائها على الحب والبرِّ والطاعة: الحبّ المتبادل بين أفراد الأسرة، والبرّ من الأبناء للآباء، والطاعة في المعروف من الزوجة للزوج، وحاط ذلك كله بأحكام واجبة وتربية تكفل تلك الأحكام، وتجعل تنفيذها صادرًا من نفس الإنسان، والرقابة عليها من ضميره، فلا تحتاج إلى وازع خارجي، وجعل تقوى الله والخوف منه حارسين على النفس والضمير، فكلما هم الإنسان بالزيغ تنبّهاه إلى لزوم الجادّة. وإن يقظة الضمير الذي سمَّاه النبي ﵊ وازع الله في نفس المؤمن، ومراقبته لأعمال صاحبه لَهيَ أعلى وأسمى ما جاء به الإسلام من أصول التربية النفسية، وهي أقرب طريق لتعطيل غرائز الشرّ في الإنسان، وفرق عظيم بين من يمنعه من السرقة مثلاً خوف الله، وبين من لا يمنعه منها إلَّا خوف القانون: فالأوّل يعتقد أنه بعين من الله تراقبه من السرِّ والعلن، فهو لا يسرق في السرِّ ولا في العلن، والثاني لا يمنعه من السرقة إلَّا قانون يؤاخذ على الذنب بعد قيام البيّنات عليه، وفي قدرة الإنسان أن يتحاشى كلَّ أسباب المؤاخذة الظاهرة، فإذا أمن ذلك قارف الشر مُقدمًا غير محجم، فالخوف من الله يَجتَثُّ السرقة وجميع الشرور من النفس حتى لا تخطر على بال المؤمن الصادق، وبذلك يأمن النّاس على أعراضهم ودمائهم وأموالهم، أما الخوف من القانون فربّما زاد الناس ضراوة بالشرّ بما يتفنّنون فيه من الحِيل التي تجعلهم في مأمن من مؤاخذة القانون، فكأنَّ هذه القوانين الأرضية تقول للناس: لا سبيل لي عليكم ما دمتم مستترين منّي، غائبين عن عيني، ولذلك فهي لا تمنع الفساد في الأرض بل تزيده تمكّناً فيها، وانتشار الشرور في هذا العصر أصدق شاهد على ذلك. نقول ونعيد القول بأن أصلح نظام لقيادة العالم الإنساني هو الإسلام، ولا نلتفت لسخر الساخر، ولا نأبه لدهشة المندهش، ونأتي بالحجّة على لون آخر، وهو أن الإسلام عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وكل هذه الأجزاء رامية إلى غرض واحد، وهو إصلاح نفس الفرد الذي هو أصلح لإصلاح النفسية الاجتماعية، فعقائد الإسلام مبنية على التوحيد، والتوحيد أقرب لإدراك العقل الإنساني من التعدد، وأدعى لاطمئنانه وارتكازه وتسليمه، والعقل إذا اطمأن من هذه الجهة انصرف إلى أداء وظيفته مجموعاً غير مشتّت. والعبادات غذاء وتنمية لذلك التوحيد وعون تزكية النفس وتصفيتها من الكدورات الحيوانية، والأحكام- ومنها الحدود-ضمان للحقوق، وحسم للشرور، وزجر للثاني أن يتّبع الأوّل، ومَن تأمل القواعد التي بُنيت عليها أحكام المعاملات في الإسلام علم ما علمناه، وهي: لا ضَرَرَ ولا ضِرَار، الضرورات تُبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يُقدر بقدرها، درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الحدود زواجر وجوابر، القصاص حياة. والآداب تزرع المحبّة بين الناس، وترقق العواطف، فتقوي عاطفة الخير والتسامح والإيثار والكرم والشجاعة والصبر، وتضعف عاطفة الشر والتشدّد والأثرة والبخل والجبن والجزع. العالم اليوم في احتراب وحبله في اضطراب، وقد ملكت عليه المادة أمره، وقد جفّت الروحانية فيه فضؤلتْ، فلم يبق لها سلطانها الآمر الناهي، وانطمست فيه البصائر الهادية فهو يتخبط في ظلمات، وتجسّمت المطامع الشوهاء فتولت القيادة، وقد جر على نفسه في ثلاثة عقود من السنين حربين عاتيتين أهلكتا الحرث والنسل وهو يتحفَّز للثالثة، وقد كان قبل اليوم إذا اختلف اثنان وجد بينهما ثالث يدعو إلى الإصلاح أو ينتصر للمظلوم، فما زالت به المطامع وفشوّ الإلحاد، وشيوع الفلسفة المادية، والاغترار بالعقل، حتى أصبح مقسّما إلى كتلتين قويتين عظيمتين متضادتين، تدورُ كل واحدة على مبدإ اتخذته ديناً ودعت الناس إليه، فانضم كل ضعيف إلى واحدة مُكرهاً كطائع، وكلا المبدأين لا رحمة فيه ولا خير، وكلاهما ينطوي على شرور، وكلاهما يعتمد على الظفر والناب ذلك فيهم نشروا أحكامه وتعاليمه حتى نعم العالم، ويومئذ يشهدون انقلاباً فكرياً يقضي على هذا الجنون الذي ابتُليَ به العالم. والإسلام دين اقتناع، فلا أقول إنه يجب على العالَم أن يصبح مسلماً كاملاً يصلي ويصوم وإنما أقول: إن دواءه مما هو فيه هو الإسلام، فليأخذْ أو فليدَعْ. لا يضير الإسلام في حقائقه ومثله العليا أن لم ينتفع به أهله في تحسين حالهم، فما ذلك من طبيعته ولا من آثاره فيهم، وإنما ذاك نتيجة بُعدهم عن هدايته، وهو كدين سماوي محفوظ الأصول يهدي كل من استهداه، وينفع كل مستعدّ للانتفاع به، ولو أن أمة وثنية اعتنقته فأخذته بقوة فأقامتْه على حقيقته-من العقائد إلى الآداب-لسادت به هذه المآت من الملايين من أهله الأقدمين الذين أضاعوا روحه ولبابه، وأخذوا برسومه والنسبة إليه، ولم يزحزحها عن السيادة أنها جديدة في الإسلام، كما لا ينفع تلك المآت من الملايين أنها عريقة في الإسلام. ولا حجّة علينا ببعض الشعوب الإسلامية التي استبدلت القوانين الأوربية بأحكام القرآن، لأنَّ تلك الشعوب ما فعلت ذلك إلاّ بعد أن لم يبق فيها من الإسلام إلاّ اسمه، ومن لم ينتفع بقديمه لم ينتفع بجديد الناس، وأحوال تلك الشعوب المستبدِلة شاهدة عليها، فهي لم تزدد بهذا الاستبدال إلاّ شقاء وبلاء. وبعد، فلو أن علماء الإسلام أحسنوا الدعاية إلى دينهم، وعرفوا كيف يغزون بحقائقه الأذهان، لكان الإسلام اليوم هو الفيصل في المشكلة الكبرى التي قسّمت العالم إلى فريقين يختصمون، ولكانوا هم الحكم فيها، ولكنهم غائبون، فلا عجب إذا لم يُشاوَروا حاضرين، ولم يُنْتَظروا غائبين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 51

إلى علماء الأزهر علي الطنطاوي (ت ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩ م) نُشر عام ١٣٦٦هـ الموافق ١٩٤٧م ما عرفنا من عرفنا من علماء الأزهر إلا ملوكًا، لا أمر فوق أمرهم، ولا كلمة بعد كلمتهم، إذا قال واحدهم لبَّت الأمة، وإذا دعا هبَّ الشعب، وإذا أنكر على الحكومة منكراً أزالت الحكومة المنكر، وإذا أمرها بمعروف أطاعت بالمعروف، فكانوا هم السادة وهم القادة، وهم أولو الأمر: هذه حكومة مصطفى فهمي باشا تستجيب سنة ١٨٩٩م لرغبة الإنكليز في إضعاف القضاء الشرعي، فتضع مشروعها المشهور لتعديل اللائحة الشرعية، وضم اثنين من أعضاء الاستئناف الأهلي إلى المحكمة الشرعية العليا، ويبلغ من ثقتها بقوتها، وتأييد مجلس الشورى لها أن لا تبالي باحتجاج الحكومة العثمانية على المشروع، وتعرضه على المجلس، وكان من أعضائه الشيخ حسونة النواوي (الذي جمعت له مشيخة الأزهر وفتوى الديار المصرية) فيقول كلمة موجزة في إنكار المشروع، وينسحب من المجلس، ويتبعه القاضي التركي، فتكون هذه الكلمة كافية لقتل المشروع، فيردُّه المجلس كله، وتحاول الحكومة إنفاذه على رغمه فلا تجد عضوًا استئنافيًّا واحدًا يقبل الانضمام إلى المحكمة العليا، عرضت ذلك على الشيخ محمد عبده، وكان من أعضاء الاستئناف الأهلي وسعد زغلول وأحمد عفيفي ويوسف شوقي ويحيى إبراهيم، فأبوا جميعًا، وتمشي كلمة الشيخ في الناس مشي النار في يابس الحطب، فتهب الأمة كلها وتؤيده حتى ترضى الحكومة بالهزيمة وتسترد مشروعها. ولم يكونوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون غضبة ملك جبار: هذا حسين باشا الجزائري يصل مصر، فيفر منه أمراؤها إلى الوجه القبلي، فيأخذ أموالهم كلها، ولا يرضيه في عتوه وجبروته أن يستولي على عروضهم حتى يسطو على أعراضهم، فيقبض على نسائهم وأولادهم، ويسوقهم إلى السوق ليبيعهم زاعمًا أنهم أرقاء لبيت المال، وكانت الأحكام عرفية، وسيوف الظلم مصلتة، ولواء البغي مرفوعًا، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأزهر من إنكار هذا المنكر، ولم يرهبوا بطش الباشا، وهم يرون أن أفضل الشهداء رجل قال كلمة حق عند إمام جائر فقتله بها، فمضوا إليه وتكلم الشيخ محمد أبو الأنوار فقال له: (أنت أتيت إلى هذه البلدة، وأرسلك السلطان لإقامة العدل، ورفع الظلم كما تقول، أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم؟ فقال: هؤلاء أرقاء لبيت المال قال: هذا لا يجوز ولم يقل به أحد. فغضب أشد الغضب وطلب كاتب ديوانه، وقال: اكتب أسماء هؤلاء، وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره. فقال له الشيخ محمود البنوفري: اكتب ما تريد بل نحن نكتب أسماءنا بخطنا). وكانت النصرة لهم عليه، فأحقوا الحق وأبطلوا الباطل، ووضع الله في قلبه هيبتهم؛ لأن من خاف الله خافه كل شيء. فكانوا بذلك (أجلَّ من الملوك جلالة)، وكانت إشارتهم للحكام أمرًا، وطاعتهم عليهم فرضًا، حدَّث الشيخ محمد سليمان [في كتابه الجليل من أخلاق العلماء] أن أباه قدم لطلب العلم في الأزهر أواخر أيام الشيخ إبراهيم البيجوري، فشكا إليه ظلم تلك الأيام، وما كان فيها من السخرة والمعونة، فكتب له ورقة بمساحة إصبعين، هذا نص ما كان فيها: (ولدنا مدير الدقهلية، رافعه من طلبة العلم يجب إكرامه، خادم العلم والفقراء، الخاتم (إبراهيم البيجوري) فدفعها إلى المدير، فقبلها ووضعها على رأسه، ودفعت عنه هذه الورقة كل مظلمة، وأنالته كل مكرمة، ورفعت قدره عند المدير وعند الناس. وكان الشيخ الأزهري موقرًا في الجامع وفي البيت وفي السوق، ومبجلًا عند الطلبة والعامة والحكام، وكان أقصى أمل الطالب أن يخدم الشيخ، وأن يحمل له نعله، وإذا سبه عد سبه إكرامًا، وتحمَّله مسرورًا، ورآه من أسباب الفتوح. وكان الطالب الأزهري المجاور يذهب إلى بلده في العيد أو في الإجازة، فيقبل البلد كله عليه يقبل يده، ويتبرك به، ويشم فيه عبق الأزهر، ويكون المرجع لأهله في الجليل من شؤونهم والحقير، ويكون فقيههم، والحاكم بينهم، لا مرد لحكمه، ولا اعتراض عليه؛ لأنه يحكم بشرع الله، ويبين حكمه في فتواه. هذا ما عرفناه، فما الذي جرى حتى تبدلت الحال ... ؟ ما الذي نزع هيبة المشايخ من القلوب، وأنزلهم من مكانتهم عند الحكام؟ أقول: أنتم أيها الأزهريون فعلتم هذا كله! أنتم تنكبتم سبيل أسلافكم، فما الشيخ اليوم شيخ مسلك، ولكنه موظف محاضر، وما التلميذ مريد طيع ولكنه مشاكس مشاغب، وما يطلب علمًا ولكن يبتغي شهادة، أنتم ثُرتم على مشايخكم، وعلمتم الناس الثورة عليهم، أنتم أيها الطلاب، أنتم مددتم أيديكم إلى مدرسيكم فجرأتم هؤلاء أن يمدوا أيديهم ... ، أنتم أطلقتم ألسنتكم فيهم فشجعتم هذه الصحف أن تتطاول حزبية إلى الكلام على شيخ الأزهر، أنتم أيها الأزهريون جعلتموها جامعة فكان فيها ما يكون في الجامعات، وقد كانت جامعًا لا يكون فيه إلا ما يكون في الجامع، لقد كان الأزهر لله، فصار للناس، وكان للآخرة فغدا للدنيا، وكان يجيئه الطالب يبتغي العلم وحده، يتبلغ بخبز الجراية، وينام على حصير الرواق، ويقرأ على سراج الزيت، ولكنه لا ينقطع عن الدرس والتحصيل من مطلع الفجر إلى ما بعد العشاء، ينتقل من شيخ إلى شيخ، ففي كل ساعة درس، ولكل درس كتاب، ولكل كتاب ساعة للتحضير والمراجعة، لا يدع الدرس إلا للصلاة في المسجد، صلاة خشوع وتبتل، أو للأكل فيه، أكل قناعة وتقشف، أو لشرب العرقسوس أو الخرنوب، هذه ملذاتهم من دنياهم، لا يخرجون من المسجد إلا عصر الخميس، يؤمون الرياض والحياض للاستجمام والاستحمام لا يأملون من العلم مالًا، وقد كان أقصى مرتب الشيخ الأزهري إلى عهد قريب ثلاثة جنيهات في الشهر، ولا يبلغها إلا نفر قليل، فراضوا نفوسهم على القناعة، وعودوها الصبر وألزموها الرضا، هذا المرصفي يحدث عنه الأستاذ محمود حسن زناتي أنه كان في دار بالية، في حي قديم، وقد جلس على حصير ألقى عليه كتبه وأوراقه، ومن حوله خيط من عسل القصب، مرشوش على البلاط، يدرأ عنه هجوم البق، لم يمنعه هذا الحصير الخلق في هذا الدار البالية من أن يشرح عليه (الكامل)، وأورثهم هذا الفقر عزة في نفوسهم: أورثهم كبر العلم، وكل كبر مذموم إلا كبر العلم، فلم يكونوا يحفلون أحدًا من أبناء الدنيا؛ لأنهم لم يتذوقوا لذتها حتى يداجوا فيها، ولم يميلوا إليها حتى يتزلفوا إليهم من أجلها، كسروا قيودها وتخلصوا من رقها، وهانت عليهم وهان أهلها، هذا هو اللورد كرومر، وما أدراك ما اللورد كرومر؟! يدخل على الشيخ محمد الأنبابي شيخ الأزهر، ويسلم عليه، فيرد الشيخ التحية وهو قاعد، فيعظم اللورد قعوده، ويقعد إلى جنبه، فيقول له مغضبًا: (يا سيدنا الشيخ، ألست تقوم للخديوي؟ قال: نعم. قال: فلم لم تقم لي؟ قال: إن الخديوي ولي الأمر، وأما أنت فلست منا.) فيزيد ذلك اللورد إجلالًا له، ويكتبه في أحد تقريراته لحكومته. وهذا هو رياض باشا، وكان رئيس الحكومة، وناظر المالية يزور مدرسة دار العلوم، وكان الشيخ حسن الطويل مدرسًا فيها، فلا يسلم الرئيس ويدخل حتى يبتدره الشيخ من آخر القاعة، فيقول له: يا باشا، أما آن لكم أن تجعلوني معكم ناظرًا؟ فيدهش الباشا ويقول: ما هذا يا شيخ حسن؟ فيقول: ما تسمع يا باشا؟ قال: فأي نظارة تريد؟ قال: المالية. قال: لماذا؟ قال: لأستبيح أموالها. فذعر الباشا وخرج يرتجف، وقال لعلي مبارك باشا ناظر المعارف: لا بد أن تخرج هذه الرجل من خدمة الحكومة. قال: كيف وماذا أصنع مع علماء الأرض وهو عالم عالمي؟) كذلك كانوا، زهدوا في الدنيا فجاءتهم الدنيا، وأعرضوا عنها فأقبلت عليهم، وهابوا الله فهابهم الناس، فكيف حالكم اليوم يا إخواننا الأزهريين؟ يا إخواننا، إن هذا الأزهر المعمور، لبث خمسمائة سنة من عمره، وهو منار العلم المفرد في الدنيا لولاه لتاهت في ظلمات الجهل، وهو حارس الدين واللغة، فأدركوه لا ينطفئ المنار، ويهجع الحارس، وتترك الدنيا للظلام وللصوص. يا إخواننا، ما عاش الأزهر، ولا عز بالعلم وحده، وما العلم بلا عمل؟ ولكن عز بالتقوى وبالعمل وبالخلق المتين. لقد كانت لعلماء الأزهر أخلاق لا أقول ضاعت، ولكن اختفت عن الناس، تلك الأخلاق كانوا يجلون مشايخهم فيجلهم الناس كلهم، هذا هو الشيخ الباجوري شيخ الجامع كان يجلس بعد المغرب في الصحن فيقبل عليه العلماء والطلبة يقبلون يده، وكان الشيخ مصطفى المبلط وهو أكبر منه، ناظره في طلب المشيخة ولم ينلها، يندس فيهم ويقبل يد الشيخ، فانتبه إليه مرة، فأمسك به وبكى وقال: (حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا لا. فقال الشيخ مصطفى: نعم. وأنا! لقد خصك الله بفضل وجب أن نقره، وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك). وكانوا يقدمون العلم على المنصب، ويعرفون لأهله حقهم، هذا هو الشيخ الشربيني شيخ الجامع الأزهر يدخل مع الطلبة على الشيخ الأشموني حتى يلثم يده، وكان الأشموني ربما قال له: إزيك يا عبد الرحمن؟ فيكون الشيخ كأنما حيَّته من فرحته بذلك الملائكة. ولم يكونوا يدعون للعدو ثغرة يدخل منها إليهم، ويجعلون خلافهم إذا اختلفوا بينهم، هذا هو الشيخ الأمير كانت بينه وبين الشيخ القويسني جفوة بلغت الحاكم، وزاره الأمير فسأله عنها، وأوهمه أن القويسني أخبره بها، وكان يريد معرفة حقيقتها ليزيلها، فقال الشيخ الأمير: ليس بيننا إلا الخير، وما أظن الشيخ القويسني حدثك بشيء من هذا. وأثنى عليه ومدحه، ونزل من عند الحاكم فمر به على ما كان بينهما، وأنبأه بما كان فقال القويسني: صدقت في ظنك ما قلت للحاكم شيئًا. قال الشيخ الأمير: هكذا أهل العلم يسوون أمورهم بينهم. أما مظهرهم فيجب أن يكون قدوة في التآلف إمساكًا على عروة الإسلام، وحفظًا لكرامة العلم، وزال بذلك ما كان بينهما. فيا إخواننا الأزهريين، سألتكم بالله ارجعوا بالأزهر إلى سبيله التي درج عليها، أعيدوه سنته الأولى، أفيضوا عليه الدين والتقوى، والتقوى روح العلم، فإن فارقته كان جسمًا بلا روح، أحيوا فيه أخلاق الأسلاف، ليكن لكم تقاهم وزهدهم، فتكون لكم عزتهم ومكانتهم، يا إخواننا لم نجد والله خيرًا في الجامعة الأزهرية، فردوا علينا الجامع الأزهر!.

стр. 52

الاستبداد يشل القوى محمد الغزالي (ت ١٤١٦هـ - ١٩٩٦ م) الحكم الذي ساد بلاد الإسلام من بضعة قرون كان طرازاً منكراً من الاستبداد والفوضى. . انكمشت فيه الحريات الطبيعية، وخارت القوى المادية والأدبية، وسيطر على موازين الحياة العامة نفر من الجبابرة أمكنتهم الأيام العجاف أن يقلبوا الأمور رأساً على عقب، وأن ينشروا الفزع في القلوب، والقصر في الآمال، والوهن في العزائم. والحكم الاستبدادي تهديم للدين، وتخريب للدنيا، فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعاً. وهو دخان مشئوم الظل، تختنق الأرواح والأجسام في نطاقه حيث امتد. فلا سوق الفضائل والآداب تنشط، ولا سوق الزراعة والصناعة تروج. ومن هنا حكمنا بأن الوثنية السياسية حرب على الله وحرب على الناس. وأن الخلاص منها شيء لا مفر منه لصلاح الدنيا والآخرة. وقد أصيب الإسلام في مقاتله من استبداد الحاكمين باسمه. بل لقد ارتدت بعض القبائل، ولحقت بالروم فراراً من الجور. وعندما يوضع رأس فارغ على كيان كبير فلابد أن يفرض عليه تفاهته، وأثرته، وفراغه. . . ومن هنا تطرق الخلل إلى شئون الأمة كلها، فوقعت في براثن الاستعمار الأخير؛ لأن الخلفاء والملوك والرؤساء كانوا في واقع أمرهم حرباً على الأمة الإسلامية، أو كانوا في أحسن أحوالهم تراباً على نارها، وقتاماً على نورها. فلو خلوها وشأنها لاستطاعت الدفاع عن نفسها، متخففة من أعباء هؤلاء الحكام، ومن جنون العظمة الذي استولى عليهم. ثم إن الإسلام ينكر أساليب العسف التي يلجأ إليها أولئك المستبدون في استدامة حكمهم واستتباب الأمر لهم. إنه يحرم أن يضرب إنسان ظلماً، أو أن يسفك دمه ظلماً. فما تساوى الحياة كلها شيئا إذا استرخصت فيها حياة فرد. قال رسول الله ﷺ : "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق". فأشد الجرائم نكراً، أن يقتل امرؤ من الناس توطيداً لعزة ملك أو سيطرة حاكم. وفي حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "يجيء المقتول يوم القيامة آخذاً قاتله وأوداجه تشخب دماً عند ذي العزة جل شأنه، فيقول: يا رب، سل هذا، فيم قتلني؟ فيقول المولى : فيم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزة لفلان. . . قيل: هي لله". وفي التعذيب دون القتل، وهو ما ينتشر في سجون الظلمة، يروي أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من جرد ظهر مسلم بغير حق لقى الله وهو عليه غضبان". ويقول أيضا: "ظهر المسلم حمى، إلا بحقه". يعني أن المسلم لا يجوز أن يمس بسوء أبداً، إلا أن يرتكب ذنباً أو يصيب حدًّا، فعندئذ يؤخذ منه الحق الثابت في دين الله. إن الجو المليء بما يصون الكرامات، ويقدس الدماء والأموال والأعراض هو الجو الذي يصنعه الإسلام للناس كافة، وهو - بداهة - الجو الذي يحسنون فيه العمل والإنتاج. فحيث تسود الطمأنينة، ويختفي الرعب، ينصرف العامة إلى تثمير أموالهم، وتكثير ثرواتهم؛ لأنهم واثقون أن حصاد ما يغرسون لهم ولذراريهم، فهم غير مدخرين وسعاً في العمل والإنتاج. إلا أن هذه البيئة الوادعة الآمنة المشجعة على الكدح والكسب تقلصت رقعتها في الأمة الإسلامية خلال القرون الأخيرة!!. ووقع الفلاحون والصناع وأهل الحرف المختلفة في براثن أمراء يحكمون بأمرهم لا بأمر الله. فكانت عقبى الترويع المتجدد النازل على رؤوسهم أن أقفرت البلاد وصوَّح نبتها، وعمَّ الخراب أرجاءها. وتستطيع أن تلقي نظرة عجلى على تاريخ مصر خلال المائتي سنة الأخيرتين، فيما كتبه عبد الرحمن الجبرتي. إنك ترى من الأحداث ما لا ينفد عجبك له. حكام يطلبون من المال من الناس كلما تحركت رغبة الطلب في نفوسهم. فإذا الضرائب تفرض دون وعي، والأملاك تصادر دون حق. وخصومات على الحكم تشعل جذوتها عصابات طامعة من أصحاب الجاه وعشاق السلطة، وتسفك فيها الدماء بغزارة، ولا يفوز فيها إلا أقدر الفريقين على الفتك، وأطولهم يداً بالأذى. ما هذا؟ أمة انفرط عقدها فليس يمسكها شيء، وضاع أصلها فلا تستحي من سلوك. وتشبثت بها الفتن طولاً وعرضاً، فهي كحريق هائل كلما ظن أنه انطفأ في ناحية اندلع في ناحية أخرى.!! ومن البديهي أن تمحق أسباب العمران بله مظاهر الحضارة في أتون هذه الفوضى الضاربة. .!! البديهي أن تضطرب شئون الري، وأن يفر الفلاحون من زراعة الأرض، وأن يعيش أهل المدن وكأنهم يستعيرون أعمارهم يوماً بيوم. فإذا كان القُطر المصري البائس صورة لأقطار الأمة الإسلامية المنتشرة بين المحيطين، فأي مستقبل ترقبه لمثل هذه الأمة التي عزَّ فيها الداء واستفحل الخطب؟؟ إن سقوطها في مخالب المستعمرين الغزاة كان النتيجة الحتم!! وتخلفها في ميدان الحياة المتدفعة المتدفقة هنا وهناك أمر لم يكن منه بد. والمسئول عن هذه الجريمة النكراء هو الاستبداد السياسي الذي وقعت البلاد فريسة له، وكان دين الله بين ضحاياه الكثيرة. يجب أن نعلم أن الناس يتهيؤون للعمل العظيم، ويتجهون إليه بأفكار رتيبة مستريحة، حين يكون الشعور بالأمن مستولياً على أقطار أنفسهم. أما حيث تستخف الذئاب الحاكمة وراء جدران الدواوين، وتنقضُّ متى شاءت على أقرب فريسة لها، فهيهات أن يزدهر إنتاج، أو يستقيم سعى. الحريات الكاملة ضرورة لنشاط القوى الإنسانية وتفتح المواهب الرفيعة. إن النبات يذبل في الظل الدائم، ويموت في الظلام، ولن تتفتح براعمه، وتتكون أثماره إلا في وهج الشمس. كذلك الملكات الإنسانية، لا تنشق عن مكنونها من ذكاء واختراع، إلا في جو من الإرادة المطلقة، والحرية الميسرة. والعالم الإسلامي ـ ونقولها محزونين ـ نُكب بمن رد نهاره الضاحي ليلاً طويلاً. نكب ـ في العصر الماضيـ بحكام ظنوا البشر قطعاناً من الدواب، فهم لا يحملون في أيديهم إلا العصا. والحاكم الذي لا تألف رعيته منه إلا العصا جرثومة عبوديتها أولاً. وهو القنطرة التي تمهد للإذلال الخارجي أخيراً. ونحن موقنون بأن الاستعمار الذي نشر غيومه في ربوع الأمة الإسلامية كان ومازال لا علة له إلا هذا الضرب من الحكومات. ومما يقترن بالاستبداد السياسي ولا ينفك عنه، غمط الكفايات، وكسر حدتها، وطرحها في مهاوي النسيان ما أمكن. ذلك أن المستبد يغلب عليه أن يكون مصاباً بجنون العظمة. وربما اعتقد أن كل كفاية إلى جانب عبقريته الخارقة صفر لا تستحق تقديراً ولا تقديماً. . وإذا أكرهته الظروف على الاعتراف بكفاية ما، اجتهد في بعثرة الأشواك أمامها، واستغل سلطانه في إقصائها أو إطفائها. وفي رأيي أن حظوظ الأمم من الكفايات متساوية، أو متقاربة، وأن أولي النباهة والمقدرة عند أية دولة في الغرب، لا يزيدون كثيراً عن أمثالهم في أي شعب شرقي. كل ما هنالك أن قيادة الجماهير في أوروبا وأمريكا أخذ طريقه الطبيعي إلى أيدي الأذكياء الأكفاء. أما في الشرق الإسلامي مثلاً فإن القياد ـ بأسباب مفتعلة ـ ضلَّ طريقه عن أصحابه الأحقاء به، وسقط في أيدي التافهين والعجزة. وهذه الأسباب المفتعلة يقيمها ـ عن عمد ـ الاستبداد السياسي حيث يظهر ويسود. إن المستبد يؤمن بنفسه قبل أن يؤمن بالله. ويؤمن بمجده الخاص قبل أن يؤمن بمصلحة الأمة. ومن هنا يعول على الأتباع الفانين فيه، يحشدهم حوله، ويرفض الاستعانة بالكفايات التي لا تدين بالولاء له، ولا يبالي بحرمان الوطن، أو الدين من مهارتهم. وتأخر العالم الإسلامي في القرون الأخيرة مرجعه انتشار هذا الوباء! فإن منع الرجل القوي من القيام على الأمانات العامة تضييع له ولها، تضييع ينطق لسانه بهذه الشكاة: لم لا أُسَلُّ مِن القِراب وأُغمد * * * لم لا أُجرَّدُ والسيوف تُجرَّدُ؟ أو كما قال الآخر، كاشفاً عن عواقب حرمان الأمة فيما ينوبها من أزمات: أضاعوني وأي فتى أضاعوا * * * ليوم كريهة وسداد ثغر!! وطبيعة الرجل الكفء كراهية الهوان والتحقير. ألا ترى موقف عنترة بن شداد حين هوجمت قبيلته، وكان أبوه قد وظَّفه في الرعي والخدمة؟ لقد تطلعت إليه عند اشتداد الهجوم، وافتقاد الأبطال!! وجاء شداد مسرعاً يطلب من الابن المحقر المبعد أن يقود حركة المقاومة! وقال عنترة ـ مندداً بموقف أبيه منه: إن العبد لا يحسن الكر والفر، ولكنه يحسن الحلاب والصر! فقال الوالد المحرج: كر وأنت حر. واسترد الفارس مكانته، فاستعادت القبيلة كرامتها، وحسناً فعل شداد، وحسناً فعل ابنه! إن الملكات الإنسانية العالية في ندرة المعادن النفيسة من ذهب وماس ولؤلؤ ومرجان. وإضاعتها خسارة يعز معها العوض المكافئ. وانهيار التاريخ الإسلامي في القرون الأخيرة يرجع ـ كما أسلفنا ـ إلى ذوبان الكفايات وسط عواصف من الهوى والجحود. وإلى استعلاء نفر من الرجال الذين تقوم ملكاتهم النفسية على إحسان الخطف والتسخير، وربط الأتباع بهم على أساس المنفعة المعجلة! وشئوننا المادية والأدبية من عدة قرون تدور حول هذا المحور. فبينما كانت أوروبا تنتفض من خمولها، وتهب الرياح رخاء في أرضها، ويجد العباقرة الفرص مضاعفة أمامهم ليفكروا ويكتشفوا ويخترعوا. وبذلك تمهد الطريق أمام الذكاء الإنساني الرفيع كي يسير ويشد وراءه القافلة الحانية عليه المعجبة به، في ذلك الوقت نفسه، كان الشُّطار عندنا من الأمراء والعمد يتنازعون على حكم المدائن والقرى، ومؤهلاتهم للسيادة المنشودة لا تعدو القدرة على سحق الخصوم. فكيف تصلح أمة تتكتل أحزابها حول عصبية السلطان المسروق بدل أن تتجمع حول مثل عالية، ومبادئ نبيلة؟ لقد جنت علينا هذه الأحوال يقيناً، وجنينا من طول بقائها في بلادنا تأخراً في المظاهر الأولى للعمران، بله تأخراً في مجال الإجادة والابتكار. وفي أثناء مغيب الحرية عن بلد ما، يقل النقد للأغلاط الكبيرة، أو يختفون، وتضعف روح النقد عموما، أو تتوارى. وهذه حال تمكن للفساد، وتزيد جذوره تشبثاً بالبيئة العليلة. وحاجة الأمم للنقد ستظل ما بقي الإنسان عرضة للخطأ والإهمال، بل ستظل ما بقي الكملة من البشر يخشون ويخافون الحساب! ومادامت العصمة لا تعرف لكبير أو صغير، فيجب أن يترك باب النقد مفتوحاً على مصراعيه. ويجب أن يحس الحاكم والمحكومون بأن كل ما يفعلون أو يذرون موضع النظر الفاحص والبحث الحر. فإن كان خيرا شجعوا على استدامته. وإن كان شرًّا نبهوا إلى تركه، وحذروا من العودة إليه، بعد أن يرفع الغطاء عن موطن الزلل فيه. وقيمة النقد في إحسان الأعمال وضمان المصالح لا ينكرها عاقل. وإنما هلكت الأمم الهالكة لأن الأخطاء شاعت فيها دون نكير، فما زالت بها حتى أوردتها موارد التلف. ونحن لا نحب لأمتنا هذا المصير. إن أغلب الناس إذا أمن النقد لم يتورع عن التقصير في عمله، ولم يستح من إخراجه ناقصاً وهو قدير على إكماله! وقد كان خالد بن الوليد بصيراً بهذه الطبيعة عندما أعاد تنظيم الجيش الإسلامي في موقعة اليرموك على أساس تمتاز به كل قبيلة، وينكشف به صبرها وبلاؤها، وتحمل به تبعتها من النصر والهزيمة، تبعة غير عائمة ولا غامضة. . وكانت التعبئة الأولى للجيش تخلط بين الناس في كيان عام، وتتيح لأي متخاذل أن يفر من معرة التقصير، فلا يدرى بدقة: من المسئول؟ وعقل الألسنة عن الكلام في عمل الاستبداد والمستبدين ضيع على أمتنا مصالح عظيمة خلال الأعصار السابقة. إذ طمأن العجزة والمفسدين، وجعلهم يسترسلون في غيهم، فما يفكرون، في إطراح كسل، ولا ترك منقصة. . . أما الحريات التي تقدسها الأمم الديمقراطية فإنها مزقت الأغطية عن كل الأعمال العامة، وجعلت الزعماء ـ قبل الأذناب ـ يفكرون طويلا قبل إبرام حكم، أو إنفاق مال، أو إعلان حرب، أو ابتداء مشروع كبير. بل جعلتهم في مسالكهم الخاصة يوجلون من أي عمل يثير حولهم القيل والقال. . . ولا شك أن هذه الحريات حاجز قوي دون وقوع العبث بشئون الأمة، أو نذير بتقصير أجله إذا وقع، ومؤاخذة أصحابه بغير هوادة. ولو نظرنا إلى الحرب العالمية الثانية لوجدنا في أحداثها ما يستدعي العبرة، فقد انتصر الألمان في مراحلها الأولى انتصاراً خطيراً، بيد أن خصومهم سرعان ما شرعوا يستفيدون من أخطاء الحكم الفردي القائم ضدهم. وكانت هذه الأخطاء من الجسامة بحيث نستطيع اعتبارها السبب الأول في انكسار القوم. لقد حارب هتلر الروس ضارباً بآراء قواده عرض الحائط، فكانت هذه أولى مصائبه. تم رفض خطة أولئك القادة لمنع نزول الحلفاء بشواطئ فرنسا، ونفذ خطة من تفكيره هو وتفكير بعض متملقيه، فكان أن فتحت الجبهة الثانية. ثم وقع الألمان بين شقي الرحى. وتحول انتصارهم الأول اندحاراً من أبشع ما روى التاريخ. ذلك أن الأمور لا تصلح أبداً برجل واحد يدعي العلم بكل شيء، ويعتقد أن العناية حبته بما حرمت منه سائر الخلق. . .!! ويؤسفنا أن نقول: إن تاريخنا العلمي والاجتماعي والسياسي كان ينزل خلال القرون الأخيرة من مزالق إلى منحدرات، ومن منحدرات إلى هاويات؛ لأن أزمة النشاط المادي والأدبي كانت في أيدي أفراد يكرهون النقد، ولا يحبونه من أحد، ولا يسمحون بجو يوجده وينعشه. والغريب أن هؤلاء الرجال ـ عندما يوزنون بحساب النبوغ والقدرة ـ لا ترجح بهم كفة. فكيف يصلح بهم وضع، أو تقوم بهم نهضة، أو تنشط بهم قوة للبناء والإنتاج؟! حاجة المسلمين إلى الحريات البناءة ـ في تاريخهم الأخير ـ أزرت بهم، وحطت مكانتهم، على حين نعمت أجناس أخرى بتلك الحريات، فتحركت بقوة، ثم اطرد سيرها في كل مجال، فإذا هي تبلغ من الرفعة أوجاً يرد الطرف وهو حسير. وزاد الطين بلة شيء آخر، أننا عندما اتصلنا بالغرب في أثناء القرنين الماضيين، وشعرنا بضرورة الاقتباس منه والنقل عنه، كانت أفهامنا من الصغار ـ ولا أقول من الغفلة ـ بحيث لم تلتفت إلا للتوافه والملذات. فالحرية التي تشبثنا بها، ليست هي حرية العقل في أن يفكر ويجد ويكتشف، بل حرية الغريزة في أن تطيش، وتنزو، وتضطرم. وسرعان ما احتلت الملابس الأوروبية أجسامنا، والأثاث الأوروبي بيوتنا، والعادات الأوروبية ـ في الأكل والنوم ـ أحوالنا. . . أما تألق الذهن! وجودة التفكير، وإطلاق القوى البشرية من مرقدها تسعى وتربح فذاك شأن آخر. ومن السهل على القردة أن تقلد حركات إنسان ما، أفتظنها بهذا التقليد السخيف تتحول بشراً؟! ولقد رأينا المسنين من الرجال، والأحداث من العيال، يأخذون عن أوروبا الكثير من مظاهر المدنية الحديثة، وهي مظاهر نبتت خلال حضارة الغرب كما تنبت "الدنيبة" خلال حقول الأرز. إنها شيء آخر غير حضارة الغرب التي ارتفع بها واستفاد منها. فهل هذا الأخذ الغبي رفع خسيستهم، أو دعم مكانتهم؟ كلا، إنهم ما زادوا إلا خبالاً. والواقع أن اليابان نهضت نهضة كبرى في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد. والصين نهضت نهضة أشمل وأخطر في منتصف القرن العشرين. وكلتا الأمتين حرصت على تقاليدها الخاصة في اللباس والطعام وما إليهما، وعبت من مناهل المعرفة الحقيقية ما غيَّر حالتها تغييراً تامًّا. أما نحن فقد هجرنا الموضوع إلى الشكل، بل تخبطنا فيما ندع وننقل على حساب ديننا وتاريخنا، فلم نصنع شيئا. الحرية التي نريدها ليست في استطاعة إنسان ما، أن يلغو كيف شاء! فما قيمة صحافة تملأ أوراقها بهُراء لا يصلح فاسداً، ولا يقيم عوجاً؟! الحرية التي نريدها ليست في قدرة شاب على العبث متى أراد. فما قيمة أمة تصرف طاقات الأفراد في تيسير الخنا وإباحة الزنا؟ الحرية التي يحتاج إليها العالم الإسلامي تعني إزالة العوائق المفتعلة من أمام الفطرة الإنسانية، عندما تطلب حقوقها في الحياة الآمنة العادلة الكريمة، الحياة التي تتكافأ فيها الدماء، وتتساوى الفرص، وتكفل الحقوق، وينتفي منها البغي، ويمهد فيها طريق التنافس والسبق أمام الطامحين والأقوياء، ويمهد طريق الاندثار والاستخفاء أمام التافهين والسفهاء، فلا يكون لهم جاه، ولا يقدس لهم حمى.

стр. 53

الحرية مصطفى لطفي المنفلوطي (ت: ١٣٤٢هـ -١٩٢٤م) استيقظت فجر يوم من الأيام على صوت هرَّة تموء [المواء: صوت الهرة] بجانب فراشي وتتمسح بي، وتلح في ذلك إلحاحاً غريباً، فرابني أمرها، وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة. فنهضت، وأحضرت لها طعاماً فعافته، وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة. فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به، وأنشأت تنظر إليَّ نظرات تنطق بما تشتمل عليها نفسي من الآلام والأحزان؛ فأثَّر في نفسي منظرها تأثيراً شديداً، حتى تمنيت أن لو كنتُ سليمانَ أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها، وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مُرْتَجاً [أي: مقفلاً]، فرأيت أنها تطيل النظر إليه، وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه، فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه، فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهمٍّ إلى غبطة وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول: ليت شعري هل تفهم هذه الهرة معنى الحرية؛ فهي تحزن لفقدانها، وتفرح بلقياها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرُّعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعياً وراء بلوغها. وهنا ذكرت أن كثيراً من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصوص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من يفكر في وجهة الخلاص، أو يتلمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن، ويأنس به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه. من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها: أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميداناً في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيداً بحريته ... ؟! يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد. صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالاً، وسماها تارة ناموساً وأخرى قانوناً؛ ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام. صنع له هذه الآلة المخيفة، وتركه قلقاً حذراً، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراساً تراقب حركات يديه، وخطوات رجليه، وحركات لسانه، وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد، ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! وويح له ما أشد حمقه! وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه؟ أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟ ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها .. كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، وملؤوا قلبه خوفاً من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والمصطلحات. لا سبيل إلى السعادة في الحياة، إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا مطلقاً، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس. الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر. الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُّعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية. ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً، أو طارئاً غريباً، وإنما هي فطرته التي فُطر عليها إن الإنسان الذي يمدّ يديه لطلب الحرية ليس بمتسوِّل ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقًّا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.

стр. 54

إباءة الضيم وأثرها في سيادة الأمم محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ) نُشر عام ١٣٦٤هـ الموافق ١٩٢٧م الضَّيْم: الظلم والاضطهاد، وإباءته: كراهته والنفور منه. والنفور الصادق من الضيم يستلزم الغضب عند وقوعه؛ كما قال مهيار الديلمي يمدح أبا سعيد بن عبد الرحيم: نفى الضيمَ عنه أنفُ غضبانَ ثائرٍ ... يَخِفُّ وقِسْطُ الحادثات ثقيلُ وإذا غضب الرجل من الضيم غضبة ملتهبة، بذل وسعه في التخلص منه، أو في التوقي منه قبل وقوعه، فمن لم يغضب لوقوع الضيم، أو لم يبذل وسعه في التخلص أو الحذر منه، فهو محروم من هذا الخلق المجيد. ولهذا الخُلُق صلة محكمة بخلقين عظيمين: عزة النفس، والبطولة، فمن لم يكن عزيز النفس، لم يتألم من أن يضام، ومن لم يكن بطلًا، احتمل الضيم رهبة أو حرصًا على الحياة. ومن طالع العرب في عهد جاهليتهم، عرف أنهم كانوا يأبون الضيم في حماسة وصلابة، ويعدُّونه في أول ما يفتخرون به من مكارم الأخلاق، وقد أخذ هذا الخُلُق في أشعارهم ومفاخراتهم مكانًا واسعًا، فنبهوا على أنَّ احتمال الضيم عجز، والعاجز لا يُرجَى لدفع مُلمَّة، ولا للنهوض بمهمة. قال المتلمس: ولا تقْبَلنْ ضيمًا مخافةَ مِيتةٍ ... وموتَنْ بها حرًّا وجِلدُك أمْلَسُ وضربوا لاحتمال الضيم أبشع الأمثال، وأشدها تنفيرا منه، فقال المتلمس أيضا: ولا يُقيم على ضيمٍ يُراد به ... إلَّا الأذلانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتَدُ هذا على الخَسْفِ مربوطٌ برُمَّتِه ... وذا يُشَجُّ فلا يَرثِي له أحدُ ونبهوا على أن حرية النفس والإقامة على ضيم لا يجتمعان أبداً، فقال الشنفرى: ولكنَّ نفسًا حرَّةً لا تُقيمُ بي ... على الضَّيْمِ إلا رَيْثما أتحوَّلُ وأشاروا في حكمهم إلى أن ذوي النفوس الزكية يتجافون عن مواطن الضيم، وينأون عنها، ولو إلى مواقع الخطوب الدامية، قال معن بن أوس: إذا أنت لم تُنصفْ أخاك وجَدْتَه ... على طَرَفِ الهجران إن كان يعقِلُ ويركبُ حدَّ السَّيفِ مَن أنْ تُضيمَه ... إذا لم يكنْ عن شَفْرةِ السَّيفِ مَزْحَلُ وإباءة العرب للضيم أيام جاهليتهم ملأت أعين الدول المجاورة لهم مهابة، فعاشوا ولم يكن لواحدة من تلك الدول عليهم من سبيل. قال النعمان بن المنذر يصف العرب في محادثة له مع كسرى: (وأما عزها ومنعتها (يعني: العرب)، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوَّخوا البلاد، ووطَّدوا الملك، ولم يطمع فيهم (أي: العرب) طامع، ولم ينلهم نائل). جاء الإسلام، فوجد العرب قد يتجاوزون في هذه الخصلة حدَّ الاعتدال، فهذَّبها، وأحاطها بحكمة حقَّقت فيها معنى ابتغاء العزة، وهيَّأتها لأن تلتقي بالعدل، وترافق الحلم، وتساير السياسة الرشيدة أينما سارت. ... هذَّب الإسلام إباءة الضيم، وجعلها من الخصال التي يقتضيها الإيمان الصادق، فأصبحت خلقًا إسلاميًّا، أينما وجد الإيمان الصادق، وجدت إباءة الضيم بجانبه، ألا تقرؤون فيما تقرؤون من الكتاب المجيد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ولا عزة لمن يسومه عدوه ضيماً، فيطأطئ له رأسه خاضعًا، وإنما قتل في نفسه الشعور بالمهانة الحرص على الحياة، أو على شيء من متاعها، وكل متاعها في جانب العزة حقير. يأبى الرجل الراسخ في مكارم الأخلاق أن يلحقه الضيم في نفسه، ويأبى بعد هذا أن يضام من يمتُّ إليه بصلة قرابة أو جوار أو استجارة؛ إذ اضطهاد أحد من أمثال هؤلاء يجرُّ إليه عارًا، ويلبسه صغارًا. ورجل الأخلاق يغضب لأن يضام المنتمي إليه بصلة قرابة، وإذا كان هذا القريب ممن يناوئه، ويضمر له سوءًا، قال المغيرة بن حنباء: وأغضبُ للمولَى فأمنعُ ضيمَه ... وإن كان غشًّا ما تَجِنُّ ضمائِرُه يغار الرجل على ذوي القرابة والصداقة والجوار، ويبذل في إنقاذهم من الضيم دمه، أو ماله، أو جاهه، فيعظم بهذه المزية في أعين من يقدرون المكارم قدرها. وأكبر أُباةِ الضيم همة، وأرقاهم في سماء السيادة مقامًا، من يغار على الأمة التي يجمع بينه وبينها دين أو وطن، ويأبى أن تمسها لفحة من ضيم، فيجاهد في سبيل سلامتها من أن يُهضَم حق من حقوقها، أو يُغتَصب شبر من أوطانها. ويصور لك إباءة الرجل لأن يضام قومه قول عتبان الشيباني حين نزلت ثقيف متغلبة على أرض قومه: فلا صُلحَ ما دامت منابرُ أرضِنا ... يقومُ عليها مِن ثَقيفَ خطيبُ ودفع الضيم عن الأمة حق على كل من يستطيع الاشتراك فيه بنفس، أو مال، أو تدبير، أو تحريض. وقد نص علماء الشريعة على أن العدو إذا أقبل مهاجمًا، كان فرضًا على كل شخص، حتى النساء أن يخرجوا لدفاعه بما استطاعوا. ووقاية الأمة من مهانة الضيم تستدعي العمل لأن تكون للأمة قوتان: مادية، ومعنوية. أما المادية، فبإعداد ما يتطلبه الدفاع من وسائل الانتصار على العدو، وهذا ما أشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأما المعنوية، فبتربية النشء على خلق الشجاعة، وصرامة العزم، والاستهانة بالموت. فالأمة التي تأبى الضيم بحق، هي الأمة التي تلد أبطالًا، وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، وتفاضل الأمم في التمتع بالحرية والسلامة من أرجاس الضيم، على قدر ما تلد من أبطال، وما تعده من أدوات الرمي والطعان: متى تَجْمعِ القلبَ الذَّكِيَّ وصارِمًا ... وأنفًا حميًّا تجتنِبْك المظالمُ إباءة الضيم خلق محمود أينما حلَّ، وأهم موقع له نفوس الرجال الموكول إليهم تدبير شؤون الأمة، وتنفيذ ما يحقق آمالها، وإنما تسقط الأمة في هاوية الاحتلال الأجنبي، إذا وقع زمام أمرها في يد من صغرت همته، فلا يغضب للضيم الذي يلقى على عنقه، ويسوق الأمة بعصاه إلى جهل وفقر وشقاق. ... ومن الحكمة أن يعمل الإنسان للتخلص من الضيم، بعد شيء من التدبر وإحكام الرأي، حتى لا تفضي به مكافحة الضيم الصغير إلى ضيم أفظع منه، أو تفوت على الجماعة مصلحة أو مصالح كبيرة، لا يعد ذلك الضيم في جانبها شيئاً مذكوراً، وأورد في بيان هذا مثلين: أحدهما: من السيرة النبوية، وثانيهما: من التاريخ الصحيح. أما السيرة، فقد جاء في قضية الحديبية: أن النبي ﷺ عقد مع المشركين صلحًا، قد يبدو في أول النظر أن فيه إجحافًا بحقوق المسلمين، حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النبي ﷺ ، وقال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى). قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! قال: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني). ومن نظر في الفوائد التي ترتبت على هذا الصلح، وجدها من العظم بحيث لا يعد الصلح وقبول ما تمسك به المشركون من الشروط إلا شيئًا لا يقام له وزن، وعرف أن السياسة التي سار عليها رسول الله ﷺ أقوم سبيلًا مما بدا لعمر بن الخطاب في نظرته الأولى. وأما التاريخ: فإن الإسبان لما طغوا على ملوك الطوائف بالأندلس، وشعر هؤلاء الملوك بضعفهم عن مقاومتهم، ظهر للمعتمد بن عباد ملك إشبيلية أن يستعين في دفاعهم بسلطان المغرب يوسف بن تاشفين، فقال له بعض أولئك الملوك: نخشى أن يدخل بلاد الأندلس، ويرد العدو، ثم يبسط سلطانه علينا، فقال المعتمد تلك المقالة الخالدة: (لأن أرعى الجمال خير من أن أرعى الخنازير!).

стр. 55

يوم البعث محمود بن محمد شاكر (ت:١٤١٨هـ) نُشر عام ١٣٥٦هـ الموافق ١٩٤٠م إن أحدنا لتستبد به في بعض عمره فترات يجد فيها الحياة قد وقفت في دمه كالجدار المصمت لا تميل، ولا تنثني، ولا تتحول، ويجد النفس متماوتة لا ترف رفة واحدة تُشْعِرُ العقل أن الحي الذي فيه لا يزال حياً يعمل، ويجد الدنيا كأنها بساط ممدود يمشي فيه بعينيه، ولكن البساط لا يمنحه حركة من هموده وسكونه وانعدام الحياة ذات الإشعاع فيه، ويتمنى أحدنا يومئذٍ أن تحل بأيامه قارعة تملأ عليه الزمن ضجيجاً ونزاعاً، عسى أن يتحول كل ما يجده من الفتور إلى نشاط ويقظة وخفة تبعث ميت نفسه من رمس الحياة الخاملة. وهذا العارض إذا ألمَّ جعل الأيام مقعدة تزحف في زمانه زحفاً بطيئاً مرهقاً كأنها أمسكت على مرفأ الحياة بسلسلة ربوض، ويجعل الحي يعيش في كذب وباطل وفراغ من الروح، أي في حيرة وقلق وملل، فإذا حار وقلق ومل، جاءت أعماله كلها جسداً لا ينبض نبض الحياة، وكذلك يختلف ما بين الحي وعمله، ويقف أحدهما من الآخر موقف المثَّال العاجز من تمثاله، يقول له: أين أنا فيك أيها التمثال الغبي؟ فيجيبه الصامت البغيض: أين أنت في نفسك أيها الأحمق؟. الحياة هي حركة الروح في العمل، فإذا خلا العمل، فلم تتمثل في كل أنحائه حركة الروح العاملة - فذلك دليل على أن الروح مضروبة بالموت أو ما يشبهه، وأنها قد فقدت شرطها ونعتها وحقيقتها، وأنها إن عاشت على ذلك فستعيش في قبر منصوب عليها في تمثال إنسان. وإذا بلغ الإنسان ذلك أريقت كل إنسانيته على أيامه المقفرة فلا يثمر، فإن يثمر فما يطيب له ثمر، وإنما هو حسَكٌ، وأشواك، وحطب، وكل ما لا نفع فيه إلا أذى وبلاءً عليه وعلى الناس. وكما يكون ذلك أمر الفرد الواحد، يكون هو أمر الأمة من الناس، والجيل من الأمم؛ فإن الفرد هو خلاصة الجماعة، وأصل الجماعة؛ فالأمة تصاب بمثل الفترة التي يصاب بها الواحد منها، ولا يمنع ذلك أن يكون في بعضها ما يخرج على ضرورة هذا العارض من الفتور الذي وصفناه. وعندئذٍ تتمنى الأمة أن تنزل القارعة لتهز الجو الذي تعيش فيه هزة مدوية مجلجلة، ترمي في سمع أبنائها الصوت الموقظ الذي يفزع عليه النائم ينفض عن نفسه الخمول والأحلام الهائمة، والأماني الباطلة المكذوبة. وقد عاش الشرق من قرون طويلة وهو يجد الحياة من حوله فاترة ساكنة بليدة ميتة الظلال عليه، وجاء بعض أبنائه من سراديب الفكر البعيدة يصرخون؛ ليوقظوا الأحياء الذين ضُرب على آذانهم بالأسداد، وغشاهم النعاس عجزاً وذلاً ومهانة، ولكن هؤلاء رجعوا وارتدوا، ولم يسمع الناس، وإنما سمعوا هم صدى أصواتهم وهي تتردد في قفر خراب موحش. أما اليوم الذي نحن فيه فقد جاءت الشرق القارعة التي حلت بديار الناس وبدياره، وهو يسمع صليل صواعقها بأعصابه كلها لا بآذانه وحدها، وهو يفيق من نومة طويلة على ما لا عهد له بمثله؛ فهل يحق لنا أن نؤمل أنَّ هذا الصليل المفزع سيجعل الشرق يَلُمُّ ما تشعث من حياته؛ ليستقبل حياته الجديدة قد جمع قواه للنهضة والوثبة والانقضاض على أوثان المظالم القديمة التي نُصبت، فَعَبَدها من عَبَدَ ممن خشعوا وذلوا، وطمعوا في رحمة الطواغيت فما نالوا -على أوهامهم - إلا فُتاتاً من موائد هذه الطواغيت المتوحشة المستبدة الطاغية؟. إن الشرق اليوم يجب أن يسأل سؤالًا واحداً يكون جوابه عملاً صارماً نافذاً لا يرعوي دون غايته، وهذا السؤال هو أول سؤال ينتزع إنسانية الحي من الموت الفادح، إذا كان الدافع إليه هو رغبة النفس في تحقيق إرادتها تحقيقاً لا يبطل. من أنا؟ هذا هو السؤال؛ فإذا أخذ الشرق يسأل يحاول أن يصل إلى حقيقته المضمرة في تاريخه - فهذا بدء النصر على الأيام الخاملة التي غط غطيطه في كهوفها المظلمة، ولكن البحث عن الحقيقة هو أبدًا أروع شيء وأخوف شيء، فإن السائل شاك حائر، فإذا لم يستعن في حيرته بالسداد في الرأي وطول التقليب وحسن الاختيار وبالله التوفيق - فإن السؤال سوف ينزع به وينبُثُ عليه ويأخذه ويدعه حتى تتحطم قوته على جبل شامخ قد انغرست فيه أشواك صخرية من الحصا المسنون، ويرجع مجرَّحاً تدمي جروحه، يتألم، ويتوجع، ويشتكي قد أعياه الصبر على الذي يلقاه من أوجاعه. فحاجتنا في البحث عن الحقائق التي يتطلبها هذا السؤال أن نتدرع بقوة اليقين مما نحن مقبلون عليه من مجاهله ومنكراته، وأن نستجيش للنفس كل ما يزعها، ويكفها عن الشك والتردد، وأن نقبل على دراسة أنفسنا بفضيلة المتعلم المتواضع، لا برذيلة المتعالم المتشامخ؛ فإن بلاء التعلم والدرس هو كبرياء الحمقى وغرور ذوي العناد والمكابرة. والأمر كله الآن بيد الشعب أفراداً أفراداً، فإن العادة المستقبحة في هذا الشرق أنه يَكِلُ كلَّ أمره إلى حكوماته التي أثبتت بوجودها إلى اليوم أنه لا وجود لها في حقيقة الحياة الشرقية. فالحكومات لا تستطيع أن تضع في روح الشعب هذا الإلهام الإلهي السامي الذي يشرق نوره على الإنسانية، فيجلي لها طريقها، وينفي عنها خبثها، ويغسلها بأضوائه المنهلة من أعراض البلادة، وجراثيم التفاني والانقراض. ليس لشرقيٍّ أو عربيٍّ بعد اليوم أن يقف مستكيناً يقول لحكومته: افعلي من أجلي يا حكومتي العزيزة! بل يجب أن تكون كلمته: اعملي يا حكومتي فإذا أسأتِ فأنا الذي سيصحح أخطاء أعمالك الرديئة! ويجعل كل أحد منَّا همه سامياً إلى غاية، وأمله معقوداً بغرض، ويبيت ليله ونهاره يَتَدَارس في نفسه، وفي أهله، وفي عشيرته، وفي شعبه، وفي التاريخ النبيل، وفي التراث المجيد - حقيقة ما يجب أن يتعرَّفه من شُعَب هذا السؤال الواحد: من أنا؟؟ والدعوة الجديدة إلى اليقظة الشرقية والعربية والإسلامية يجب أن تقوم على إثارة الشعب كله ليسأل كل أحد نفسه هذا السؤال: من أنا؟. فالعالم، والأديب، والشاعر، والفيلسوف، والعامل، والصانع، وأعضاء الأمة على اختلاف منازعهم، ونوازعهم - يجب أن يشعروا في قلوبهم بحاجتهم إلى هذا السؤال، وأنهم موكلون به لا يهدأون، وأنهم دائماً في طريقهم إلى جمع الحقائق للجواب عن هذا السؤال الواحد. أما قيام الدعوة على البحث عن طريق الإصلاح، وأساليب الإصلاح، وتحقيق ذلك بالطرق العلمية ... إلى آخر ما يقال في هذا الباب من القول، فما يجدي على الأمة شيئًا إلَّا ما أجدى قديم ما رددوه ولاكوه ومضغوه من الآراء التي عانوا وضعها، فلما وضعوها ماتت في المهد، وليس يمنع البحث عن مثل هذه الأشياء أن نكون أول ما نكون سباقين إلى الأصل الذي يجب أن تقوم عليه هذه الأشياء كلها. إن الأمم لا يُصلحها مشروع، ولا أسلوب من الحكم، ولا باب من الإصلاح، وإنما يحييها أن يكون كل فرد فيها دليلاً - بما فيه من الحركة النفسية - على أن الحياة التي يعيشها هي إثبات لوجوده، ولا يثبت الوجود للحي إلا بقدرته على الاحتفاظ بشخصيته، ولا يحتفظ المرء بشخصيته إلا أن يكون قد استوعب فهم ما يستطيع من حقيقة هذه الشخصية، وهو لا يفهم هذه الشخصية إلاَّ أن تكون كل أفكاره متنبهة لتحليل كل شيء يعرض له، وذلك حين يكون كل همه في البحث عن أشياء هذا السؤال الواحد: من أنا؟ فإذا استطعنا في هذه الساعة الهائلة من تاريخ العالم، وتاريخ الإنسانية أن نجعل طبقات الشعوب الشرقية تثور ثورتها على الفتور، والجهل، والغباء، والبلادة، وقلة الاحتفال بالحياة، وأن نجعل سلاح الثورة على أحسنه، وأجوده، وأمضاه في هذا السؤال، فقام كل أحد يسأل من أنا؟ فتجديد الحياة في الشرق حقيقة لا مناص للعالم بعدها من الاعتراف بأنها واجبة الوجود على الأرض. وأما إذا انطلقنا مع أحلام النوم، وفلسفة الأحلام، وجعلنا نلبس مسوح العلماء والمفكرين، وجلابيب الوقار والسمت .. أي البلادة! فقد هلك على أيدينا من كان حقه علينا أن نجعل هذه الأيدي خدماً في حاجاته ومرافقه. إنَّ من الهراء أن تأتي مجلس قوم من المهندسين قد اختلفوا في الأرض، هل تصلح لوضع الأساس أو لا تصلح؟ فتحدثهم أنت أن الرأي أن يتحوَّلوا إلى مكان آخر من صفته ومن نعته ... مما يصلح عليه البناء؛ فإن هؤلاء إذا بدأوا أمرهم بالاختلاف على ما يجدون عنه مندوحة فاعلم أنه لا فلاح لهم. وإنما الرأي أن تتحول أنت عن هؤلاء البلداء إلى من تجد عنده من الانبعاث إلى العمل ما لا يجد معه وقتاً يضيعه في ترجيح بعض ما يختلف عليه على بعض آخر. فالطريق الآن إلى الحياة الجديدة أن يتحول الشرق عن أصحاب الاختلاف، والمنابذة، وعلم الآراء التي يضرب بعضها وجوه بعض تناقضاً وتبايناً وافتراقاً، وأن يصغي إلى حنين النفوس المتألمة التي تحن وتئن من أشواقها، فيتجاوب حنينها نغماً روحياً فيه حركة الحياة، وحرارة الوجد، وأضواء الأمل. وعندئذٍ يستجيب القلب للقلب، وتستمد الروح من الروح، وتثور الأشواق الخالدة في القلوب الطامحة والأرواح السامية، وبذلك تستحث الحياةُ الحياةَ إلى الغاية التي يرمي إليها الشرق بأبصاره من تاريخه، ومن وراء التاريخ. إن عمل العامل في أول الطريق غير عمله في آخره، فنحن سوف نبدأ - وسنبدأ بإذن الله - فعملنا الآن هو إنقاذ أرواح الملايين من الموت ومن الفتور ومن الكسل، وليس عملنا أن نضع الأسس العلمية، أو السياسية، أو الأدبية لأرواح موات لا حركة فيها ولا انبعاث لها، وما جدوى علم لا روح فيه؟ أو سياسة لا نشاط فيها؟ أو أدب لا قلب له؟ إن عمل من يريد أن يعمل اليوم هو أن ينفخ في صُوْرٍ جديد يكون صوته فزعاً جديداً مع الفزع الأكبر الذي نحن فيه، حتى تنبعث الأمم الشرقية من أجداثها ثائرة حثيثة قد احتشدت في ساحة الجهاد تلمع قسماتها بذلك اللهيب المتضرم الذي يتوقد بالأشواق، وتلمح نظراتها لمحاً بالشعاع الظامئ المتوهج بالأماني المرهقة المستعرة، وتتجلى في كل عضو منها تلك القوة المعروفة في العضلات المفتولة، يخيل لمبصرها أنها تكاد تنفجر من ضغط الدم في أنهارها وأعصابها لولا ما يمسكها من جلدة البدن. يومئذٍ يكون جواب الشرق عن سؤاله: من أنا؟ عملاً صامتاً لا يتكلم؛ لأنه لا يضيع أيامه في إسماع الزمن الأصم أساطيره الباطلة التي يرويها عن أحلام البلادة، والجهل، والخمول.

стр. 56

موت الأمم وحياتها محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م) نُشر عام ١٣٥٠هـ الموافق ١٩٣٤م إنَّ موت الأمم، وحياة الأمم لفظان مطروقان مستعملان في نصابهما من الوضع اللغوي، كموت الأرض بالقحط، وحياتها بالغيث، لا ينبو بهما ذوق ولا منطق ولا فهم، وإن معناهما لأوسع وأجل من معنى حياة الفرد، وموت الفرد، هذه حياة محدودة، وموت لا رجعة بعده إلاَّ في اليوم الآخر، وتلك حياة ممدودة الأسباب ينتابها الضعف فتعالج، ويُلِمّ بها المرض فتداوى، ويطرقها الوهن فتقوى، ويدركها الانحلال فتشد، ويعرض لها الانتقاض فترمم، وتظلم آفاقها بالجهل فتنار بالعلم. طالما قال القائلون عن أمتنا: إنها ماتت، وطالما فرح الشامتون بموتها، وطالما نعاها نعاة الاستعمار على مسمع منَّا، وأعلنوا البشائر بموتها في عيدهم المئوي فَعَدَّوه تشييعاً لجنازة الإسلام الذي هو مَسّاك حياة هذه الأمة في هذا الوطن، فقالوا: ماتت لا رحمها الله، وصدقهم ضعفاء الإيمان منَّا فقالوا: ماتت رحمها الله، وقلنا نحن: إنها مريضة مشفية، ولكن يرجى لها الشفاء إن حضر الطبيب، وأحسن استعمال الدواء؛ فحقق الله قولنا، وخيب أقوال المبطلين وكذب فألهم، فحضر الطبيب في حين الحاجة إليه، وأذن بالإصلاح في آذان المريض فانتفض انتفاضة تطايرت بها الأثقال، وانفصمت الأغلال، وكان من آثارها هذا اليوم الذي لا يصوره الخيال والوهم، وإنما يصوره العيان والواقع. فإذا بقي في الدنيا ممسوس، يكابر في المحسوس، ولا يصدق بوجود هذه الأمة، ولا يؤمن بحياتها - فقولوا له: تطلع من هذه الثنايا على قرية الحنايا، وقارن يومها بأمسها، يراجعك اليقين، ويعاودك الإيمان. قلنا في هذه الأمة ومازلنا نقول: إن عوارض الموت وأسبابه كلها موجودة فيها من الجهل، والفقر، والتخاذل، وفساد الأخلاق، واختلاف الرأي، وفقد القيادة الرشيدة. وقلنا - مع ذلك - ومازلنا نقول: إنها مرْجُوَّة الحياة ما دام مناط الرجاء فيها سالماً صحيحاً، ومناط الرجاء هو نقطة من الإيمان ما زالت لائطة بالقلوب وصِلَةٌ بالقرآن ما زالت مرعية في الألسنة، وإن هذا الرجاء معلق بخيط دقيق لا نقول إنه كخيط العنكبوت، ولكننا نقول: إنه أقوى من السلاسل الحديدية إذا أمده الاستعداد والتدبير الرشيد. هذه النقطة هي مبعث القوة ولو بعد حين، وهي مكمن السيادة والعزة ولو في الأخير، والسبق يعرف آخر المضمار. من أطوار هذه الأمة في التاريخ أن اختلف ملوكها وقادتها وساستها، وذاقت من خلافهم الشر والبلاء، واختلف علماؤها في الدين فكان خلافهم وبالاً على الأمة، وتشتيتاً لشملها، وصدعاً لجدار وحدتها، وقطعاً لما أمر الله به أن يوصل من أرحامها، ثم فَرَّ العلماء من الميدان، وتركوه للأمراء المستبدين، ثم ألقى الأمراء المقاليد في أيدي السفهاء من الأنصار والذرية والأتباع، وكل أولئك قد فعل في هذه الأمة ما لم يفعله (نيرون). وكل تلك الأعمال قد أثرت في أخلاق الأمة التأثير العميق، وسكت العلماء أذلة وهم صاغرون، يرون الحق مهضوماً فلا ينطقون، والمنكر فاشياً فلا يغيِّرون ولا ينكرون، وهيهات بعد أن تنازلوا عن حقهم طائعين. يقع ذلك كله في كل طور من الأطوار التاريخية حتى يبتلى المؤمنون، ويظنوا بالله الظنون، وإذا بذلك العرق يتحرك، وإذا بتلك الانتفاضة تعرو، وإذا بالأمة قائمة من كبوتها، تذود قادة السوء عن القيادة، وعلماء السوء عن الإمامة، وتنزل دخيل الشر بدار الغربة. جَرَّبنا فصحَّت التجربة، وبلونا فصدق الابتلاء، وامْتَحَنَّا فدل الامتحان على أن عرق الإيمان في قلوب هذه الأمة كعرق الذهب في المنجم كلاهما لا يبلى وإن تطاولت القرون، ثم جلونا هذا العرق في عمل ثلاثين سنة خلت فإذا خصائصه الطبيعية لم تتغير. هذه الأمة كَبَا بِها الزمن، وأدارها على غرائب من تصاريفه حتى أصبحت عوناً له على نفسها، وترصد لها العدو كل غائلة، ففتنها عن دنياها حتى سلمت له فيها، ثم فتنها عن دينها حتى كادت تتلقاه عنه مشوهاً ممسوخاً، وأحاطت بها خطيئاتها من كل جانب فجنت على نفسها بما كسبت أيديها من سوء الأقوال، وفساد الأعمال. ولكن ذلك العرق المخبوء في تلك المضغة يتحرك، فيأتي بالعجائب.

стр. 57

مقالات مميزة

стр. 58

السلفيون ليسوا وحدهم .. نقد المفكرين الغربيين للنظام الديمقراطي!! عبد الله الزهراني يصر الخطاب العلماني وبعض الأصوات في الخطاب التنويري في السعودية على تصوير الاتجاه المخالف للديمقراطية - وخاصة الاتجاه السلفي- بأنه اتجاه شاذ، متخلف، سطحي في تفكيره، مخالف لما هو معلوم في العالم المعاصر بالضرورة .. ونحن إذا رجعنا إلى العالم الغربي نفسه سنجد أن عدداً كبيراً من علمائه ومفكريه معارضون بشكل قاطع للنظام الديمقراطي .. وقاموا بتوجيه النقد إليه، ووجهوا إليه اعتراضات كثيرة من عدة جهات. والاطلاع على نقد المفكرين الغربيين للنظام الديمقراطي مفيد من عدة وجوه: الوجه الأول: أن ذلك يكشف عن أن الخلل في النظام الديمقراطي ليس راجعاً إلى مخالفته للأصول الشرعية فقط .. وإنما هو راجع أيضاً إلى بنية النظام نفسه، وإلى شروطه، وتطبيقاته المهنية. والوجه الثاني: أن الإطلاع على ذلك النقد يكشف أن رفض الديمقراطية ليس موقفاً خاصاً بالسلفيين ولا بالإسلاميين عموماً , وإنما هو موقفٌ شائعٌ في الأوساط الفكرية الغربية والإسلامية. وقد جمع الدكتور: سفر الحوالي قدراً من أسماء المفكرين الغربيين الرافضين للنظام الديمقراطي في كتابه العلمانية، ونقل نقدهم ومواقفهم من مؤلفاتهم .. وسأنقل كلامه الذي جمع فيه كلام المفكرين الغربيين الذين نقدوا الديمقراطية بنصه حيث يقول: ((الناس في الغرب يقبلون الحوار والنقاش حول أي موضوع ما عدا موضوع الديمقراطية، فالديمقراطية بمبادئها - كالحرية والمساواة - وحقوقها وضماناتها - كما أسلفنا - منطقة مقدسة لا ينبغي أن تكون موضع جدال، وما لها لا تكون كذلك وهم لا يعلمون لها بديلاً إلا الديكتاتورية ذلك الشبح الرهيب؟! ومع ذلك فقد كثرت اعتراضات المفكرين على هذا المبدأ، وانتقد من جوانب عديدة، ويتلخص نقد الكتاب الديمقراطيين للديمقراطية في أمور: ١ - ميوعة الاصطلاح، وصعوبة تحديده بدقة علمية يمكن بواسطتها التمييز بين الحقيقة وبين الادعاء المزيف. يقول صاحب كتاب نظم الحكم الحديثة: "كل محاولة تستهدف تحديد الاستعمال الصحيح لاصطلاح الديمقراطية، من شأنها أن تواجه مزيداً من التعقيدات، وليست البلاد التي تسمى بالديمقراطية تقليداً ... هي التي تظهر المتناقضات والعيوب فحسب؛ بل إن البلاد الشيوعية في العالم والتي تعتنق مفهوماً سياسياً مخالفاً تماماً تدعي بذات التأكيد أنها ديمقراطيات شعبية، وأن انتساب البلاد الأخرى إلى الديمقراطية إنما هو من قبيل الخداع". ويقول آرنولد توينبى: "أصبح استخدام اصطلاح الديمقراطية مجرد شعار من الدخان، لإخفاء الصراع الحقيقي بين مبدأي الحرية والمساواة". ويقول رسل عنها: "كانت تعنى حكم الأغلبية مع نصيب قليل غير محدود المعالم من الحرية الشخصية، ثم أصبحت تعني أهداف الحزب السياسي الذي يمثل مصالح الفقراء على أساس أن الفقراء في كل مكان هم الأغلبية، وفي المرحلة التالية أصبحت تمثل أهداف زعماء هذا الحزب، وها هي الآن في أوروبا الشرقية وجزء كبير من آسيا يصبح معناها الحكم المستبد لمن كانوا يوماً ما نصراء للفقراء، والذين أصبحوا يقصرون نصرتهم هذه للفقراء على إيقاع الخراب بالأغنياء، إلا إن كان هؤلاء الأغنياء من الديمقراطيين بالمعنى الجديد". صحيح أن لفظ الديمقراطية يعني عند إطلاقه حكم الشعب، لكن الآراء تتضارب كثيراً حول كيفية الحكم، ونوعية الاقتراع والتمثيل، وشروط المقترعين، وتحديد الفئات السياسية. ترى الشيوعية أن الدول الرأسمالية ليست ديمقراطية بالمعنى الصحيح؛ لأن الحكم فيها حقيقة بيد الطبقة الثرية، وأن المصطلح الحقيقي لها هو: (دكتاتورية رأس المال).

стр. 59

وفى الوقت نفسه تقول الرأسمالية: إن الدول الشيوعية ليست ديمقراطية، لأن كل سلطاتها تنحصر في قبضة قليلة واحدة من الشعب وهي الحزب الشيوعي؛ ولذلك لا تحسب الدول الشيوعية في عداد العالم الحر. هذا بالإضافة إلى الانقسامات داخل الدول الديمقراطية الليبرالية. ٢ - الأحزاب المتشاحنة التي لا تعبر عن إرادة الأمة: إن الواقع المحسوس لينطق بصراحة بأن النظام الديمقراطي يقضي على وحدة الأمة، ويفتتها إلى تكتلات متناحرة وأحزاب متطاحنة لأسباب لم تكن لتستدعي التكتل والتحزب لولا أن النظام نفسه يشجع على ذلك ويهيئه، ومع خطورة هذا التمزق على الأمة؛ فإنه ينبني عليه أثر خطر بالنسبة لتحقيق مصالح الشعب. وذلك أن الدول الديمقراطية الغربية يوجد بها نوعان من الأنظمة: - نظام الحزبين، ونظام الأحزاب المتنافسة، وندع الكلام حول عيوب النظامين كليهما لهارولد لاسكي المشار إليه: "في إنجلترا مثلاً إذا اقتصر الأمر على حزبي المحافظين والعمال، فسوف يضطر كثير من الموظفين لأن يختاروا بين بديلين، ليس بينهم وبين أحدهما تجاوب كامل خلاق، ولهذا السبب ينهض الادعاء بأن نظام الأحزاب المتعددة الذي يسمى عادة بنظام المجموعة يتلاءم مع انقسام الرأي بصورة أكثر فاعلية. ولكن بناء على خبرتنا بنظام المجموعة - كما في فرنسا وحكومة ويمار في ألمانيا - يبدو أنه مصحوب دائما بعيبين خطيرين، ويكمن أكثر هذين العيبين أهميةً في أن هذا النظام عندما يعمل تكون الطريق الوحيدة التي يتحكم بها في السلطة التشريعية هي تنظيم نوع من الائتلاف بين المجموعات ... ويكون من نتيجة ذلك أن يستعاض عن تحمل المسئولية بالمناورات وأن تصبح السياسة مجردة من التماسك وسعة الأفق والعيب الثاني الذي يظهر بدرجة ملحوظة في فرنسا هو أن نظام المجموعة يميل إلى تجميع السلطة حول الأشخاص أكثر من تجميعها حول المبادئ". ٣ - إيجاد طبقة ثرية مسيطرة دكتاتورية: هذا العيب الخطر ملازم للأنظمة الديمقراطية الغربية، وهو أجلى عيوبها وأبرزها، وبه تتذرع الشيوعية في هجومها على العالم الليبرالي، كما تستغله الأحزاب اليسارية داخل هذه الدول نفسها. من الحقائق المقررة عالمياً أن المصالح المادية هي الدافع الوحيد والمحرك الرئيسي للعمل السياسي، وكل دول العالم الديمقراطي لا تخفي حقيقة أنها تعمل جاهدة لحماية امتيازاتها، وضمان تفوقها الاقتصادي، وتوفير المجال الحيوي لشعبها، وهذا هو القناع الظاهري الذي تتستر به إمبراطوريات المال في هذه الدول، والتي تتحكم في السياسة الخارجية والداخلية مباشرة، أو بطريق الضغط على السلطة الحاكمة. وفيما يحسب الشعب أنه سيد نفسه ومقرر مصيره، تقوم الطبقة الرأسمالية المحتكرة بسن القوانين لحماية مصالحها، والزج بسياسة الدولة فيما يخدم أغراضها النفعية الخاصة. يقول لاسكى: إن الدولة الديمقراطية تبذل الكثير في سبيل تحقيق المساواة بين الموطنين فيما تمنحهم من ضمانات، كما تتجه أوامرها القانونية إلى حماية الملكية القائمة للامتيازات أكثر مما تعمل على توسيع نطاقها، فانقسام المجتمع إلى فقراء وأغنياء يجعل أوامر الدولة القانونية تعمل لصالح الأغنياء ... إذ أن نفوذهم يرغم نواب الدولة وذوي السلطة فيها على أن يكون لرغباتهم الاعتبار الأول. وتعبر الدولة عن رغبات أولئك الذين يسيطرون على النظام الاقتصادي، فالنظام القانوني بمثابة قناع تختفي وراءه مصلحة اقتصادية مسيطرة لتضمن الاستفادة من النفوذ السياسي، فالدولة أثناء ممارستها لسلطتها لا تعمد إلى تحقيق العدالة العامة أو المنفعة العامة، وإنما تعمل على تحقيق المصلحة للطبقة المسيطرة في المجتمع بأوسع معاني هذه المصلحة.

стр. 60

إن الحرية والمساواة اللتين حصلنا عليهما كانتا أولاً وقبل كل شئ حرية ومساواة لمالك الثروة. والأمثلة الواقعية على ذلك واضحة للعيان، ولعل في الحروب التي خاضتها وتخوضها الولايات المتحدة أصرح دليل على خضوع السياسة الديمقراطية لضغط الطبقة المحتكرة. فالحرب العالمية الأولى، وكذلك الحرب الثانية، ثم حرب فيتنام كلها دخلتها أمريكا دون أن يكون لها مصلحة مباشرة أو يتعرض أمنها القومي للخطر، وبغض النظر عن دوافعها ونتائجها كان الشعب الأميركي يرفض تدخل حكومته في هذه الحرب، وكانت المظاهرات الصاخبة تنظم باستمرار احتجاجاً على ضياع الأرواح والأموال فيما لا جدوى منه. لكن الطبقة الرأسمالية التي تملك مصانع السلاح وشركاتها الكبرى التي تتولى تسويقه تكمن مصلحتها في إشعال الحروب واستمرارها، والذي حصل ويحصل دوماً هو تنفيذ رغبة هذه الفئة القليلة مقابل تعطيل رغبات الشعب بكامله. ولما حاول الرئيس كنيدي تقديم المصلحة القومية، وعقد اتفاقية وفاق دولي تخلصت منه هذه الطبقة، فأزهقت روحه بعملية اغتيال غريبة لا تزال أسرارها في طي الكتمان إلى الآن. وليس هذا فحسب، بل إن إمبراطوريات المال لتملك المنظمات الإرهابية والعصابات المسلحة، إلى جانب عصابات الرقيق الأبيض والرشاوى، بالإضافة إلى سيطرتها على وسائل الإعلام، واستخدامها في الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية، وكلها شباك تنصبها للاقتناص بالقوة تارة، وبالإغراء تارة أخرى. والحقيقة التي يجب ألا تغرب عن بالنا في هذا الصدد؛ هي أن الطبقة الرأسمالية المسيطرة ليست سوى مجموع المنظمات الربوية الاحتكارية اليهودية التي تخطط للسيطرة على العالم أجمع؛ وفق أوامر التلمود والبروتوكولات. ٤ - تزييف وتطويع الرأي العام: هذا العيب متلازم والعيب الذي قبله؛ فوجود طبقة ثرية مسيطرة يجعل وقوع وسائل الأعلام - المكون الرئيسي للرأي العام - في قبضتها أمراً طبيعياً، كما أن خضوع وسائل الإعلام لفئة معينة تتيح لها القدرة على تقوية مركزها، ودعم نفوذها السياسي والمالي عن طريق تكوين الرأي العام أو تضليله، مما يضمن فوز المرشحين الموالين لها، ونجاح مخططاتها، يقول ميشيل ستيورات في معرض حديثه عن مشكلات الديمقراطية وعيوبها: "هناك نفوذ الثروة على تكوين الرأي العام، فالديمقراطية تتطلب فرصاً متكافئةً لجميع الذين يريدون الإقناع أو التعبير عن الرأي، ولقد حاولت الديمقراطية توفير ذلك بإزالة العقبات القانونية على حرية الكلام والكتابة. وثمة اتجاه معاصر يتمثل في ملكية فئة قليلة للصحافة، كما وأن النفقات الباهظة لإدارة صحيفة تجعل دخول ملاك جدد لميدان الصحافة أمراً عسيراً، ثم إن المصالح الصناعية والتجارية تؤثر على الإذاعة والتليفزيون، ومن الجائز مع تقدم الدراسات الخاصة بعلم النفس والدعاية والإعلام أن تزيد مقدرة القلة التي تستطيع أن تنفق بسخاء للتحكم في وسائل الإعلام على تكييف عقول الباقين مما ينال من حق الشخص وقدرته على التفكير، وهو الغرض الأساسي للديمقراطية، وهذه المشكلة هي أكثر المشاكل خطورة، لأنها ليست من مخلفات الماضي، وإنما هي قوة بلوتوقراطية (سيطرة رأس المال) جديدة ظهرت حديثاً". ويركز لاسكى اهتمامه على الصحافة ودورها في تزييف الرأي العام، فيقول: إن جمع الأخبار ونشرها عمل لا يراعى فيه العرض الموضوعي للوقائع، فالأخبار سرعان ما تصبح دعاية عندما تتمكن مادتها من التأثير في السياسة، كما يميل مضمون الأخبار في المجتمع المتفاوت إلى فائدة من بيدهم مقاليد السلطة الاقتصادية.

стр. 61

ومعظم الأفراد يعتمدون على الصحف في استقاء معلوماتهم، وهذه الصحف تعتمد في بقائها على الإعلانات التي تستطيع أن تحصل عليها، كما أن إصدار الصحف عموماً باهظ التكاليف، بحيث لا يستطيع أن يؤسسها إلا الأغنياء فقط. ونظراً لأنها تعتمد على المعلن فيتحتم عليها غالباً أن تنشر تلك الأخبار والتعليقات التي ترضي أولئك. وبذلك تكون النتيجة تحيزاً واضحاً في نقل الأخبار للحوادث الصحيحة التي قد تقلق الطبقة الغنية أو تحرجها. ٥ - الفتور في تجاوب المواطنين مع العملية الانتخابية: تدعي الديمقراطية أنها حكم الشعب، وأن النواب وأعضاء الحكومة إنما يختارون وفقاً لإرادة الشعب، وأنهم تبعاً لذلك يمثلون الشعب تمثيلاً صادقاً. ولكن هذه الدعوى تناهضها أمور عدة منها: الدول التي تقصر حق الانتخاب على فئة معينة لأسباب عنصرية أو جنسية أو طائفية لا يمكن أن تعد نسبتها إلى الديمقراطية صادقة، كما يرى ستيورات ويمثل لذلك بسويسرا التي لم تعط للنساء حق الانتخاب، وبالدول التي لا يحظى الملونون أو الطوائف الدينية فيها بذلك كبعض الولايات المتحدة وإيرلندة. بالنسبة للدول التي لا تضع مثل هذه الحواجز، بل تحفز المواطنين بكل وسائل الإعلام على الإدلاء بأصواتهم، يلاحظ بوضوح عزوف نسبة ليست قليلة من الشعب عن الاشتراك في العملية الانتخابية، وتكون النتيجة أن الذي يفوز في الانتخابات، حزباً أو فرداً - يفوز لأنه حصل لا على أصوات أغلبية الشعب، بل على أصوات أغلبية المشتركين فعلاً في الاقتراع. فإذا أضفنا الرافضين للانتخابات إلى الذين دخلوها معارضين، فسنجد غالباً أن الأغلبية الفائزة في الانتخابات ليست سوى أقلية بالنسبة لمجموع الشعب. وبذلك لا يصح بحال القول بأن الحكومة تمثل الشعب تمثيلاً كاملاً أو صادقاً، وهذا العيب تعترف به الدول الديمقراطية نفسها، وليس من دولة تستطيع نفيه، وإنما تتباهى فيما بينها بانخفاض نسبة الرافضين، وتحقيق أرقام قياسية في عدد المشتركين. وعلى سبيل المثال يذكر مؤلفو كتاب نظام الحكم والسياسة في الولايات المتحدة أنه لم تزد نسبة الناخبين عن (٦٦%) من عدد الأشخاص الذين بلغوا سن الانتخاب، وفي بعض الأحيان أقل من (٥٥%)، وفي سنة (١٩٥٦) (٦٠.٥%) فقط. ٦ - القضاء على الميزات الفردية: على الرغم من أن الديمقراطية - في جوهرها - نظام فردي، كان وجوده أصلاً بمثابة رد فعل لإهدار الحقوق الفردية في ظل النظام الإقطاعي، فإن الفرد الممتاز في الديمقراطية مهضوم الحق بالنسبة لمشاركته في صياغة القرارات التي تتخذها الحكومة. هذا العيب لفت نظر بعض النقاد إلى آفة تعانى منها الديمقراطية، ومنهم أليكسيس كاريل، فالدكتور كاريل يعجب كيف رضيت البشرية أن ترزح تحت نير نظام يقضي على المميزات الفردية، ولا يقيم للصفوة الممتازة أي وزن في التأثير على سير الأحداث، عدا ما يتمتع به سائر الناس، ويقول: هناك غلطة أخرى تعزى إلى اضطراب الآراء فيما يتعلق بالإنسان والفرد، وتلك هي المساواة الديمقراطية. إن هذا المذهب يتهاوى الآن تحت ضربات تجارب الشعوب، ومن ثَمَّ فإنه ليس من الضروري التمسك بزيفه، إلا أن نجاح الديمقراطية قد جعل عمرها يطول إلى أن يدعو للدهشة، فكيف استطاعت الإنسانية أن تقبل مثل هذا المذهب لمثل هذه السنوات الطويلة؟! إن مذهب الديمقراطية لا يحفل بتكوين أجسامنا وشعورنا، إنه لا يصلح للتطبيق على المادة الصلبة وهى الفرد.

стр. 62

صحيح أن الناس متساوون، ولكن الأفراد ليسوا متساوين، فتساوي حقوقهم وهمٌ من الأوهام، ومن ثم لا يجب أن يتساوى ضعيف العقل مع الرجل العبقري أمام القانون ... ومن خطل الرأي أن يعطوا (أي: الأغبياء) قوة الانتخاب نفسها التي تعطى للأفراد مكتملي النمو، كذلك فإن الجنسين لا يتساويان، فإهمال انعدام المساواة أمر خطير جداً، لقد ساهم مبدأ الديمقراطية في انهيار الحضارة بمعارضة نمو الشخص الممتاز ... ولما كان من المستحيل الارتفاع بالطبقات الدنيا، فقد كانت الوسيلة الوحيدة لتحقيق المساواة الديمقراطية بين الناس هي الانخفاض بالجميع إلى المستوى الأدنى، وهكذا اختفت الشخصية. ويؤيد رأيه هذا ما يقع فعلاً في الدول الديمقراطية عند الاقتراع على قضية اقتصادية مثلاً، حيث يكون نصيب عالم الاقتصاد الضليع صوتاً واحداً فقط، وهو ما يحصل عليه الفرد المتوسط أو الجاهل، وغالباً ما تكون النتيجة في غير صالح الأفراد الممتازين بسبب انسياق عامة الشعب وراء عواطفهم وخضوهم للتضليل الدعائي. ٧ - تعارض المصلحة الذاتية للفرد والجماعة: هذا العيب يلقي ضوءاً على المحك الذي يظهر حقيقة أي نظام أرضي بشري، فالديمقراطية تدعى أنها النظام الأمثل لتحقيق المصلحة الفردية والجماعية بإتاحتها الفرصة للحصول عليها بطريقة قانونية. لكن المشكلة تكمن في تعارض مصلحة الفرد ذاته - وكذلك الجماعة - بين اتخاذ هذا القرار أو ضده، إذ هو لا يستطيع التوفيق بين مطالبه الخاصة، كما أنه لا يستطيع التيقن من كون نتيجة القرار ستحقق هذه المطالب أو تنفيها. ولنأخذ مسألة رفع الأجور مثلاً لذلك: تطالب نقابات العمال دائماً برفع الأجور - لكي تكسب أصواتهم - وهي إذ تطالب بذلك تعلم يقيناً أن رفعها يحقق للعمال مصلحة من جهة، لكنه يفوتها من جهة أخرى؛ لأنه يكون مصحوباً بارتفاع الأسعار. ومن ناحية أخرى يقول بيكر في سياق نقده لأسلوب التمثيل: إن الناس جميعاً لهم مصالح كثيرة متعددة، حيث لا يمكن لجانب منها أن ينمو ويطرد إلا بسن تشريع يحقق هذا الغرض، ولكن هذا التشريع يسن على حساب الآخرين، فالزراع والعمال مثلاً هم المنتجون والمستهلكون في وقت معاً، فهم كمنتجين يتطلعون إلى أسعار أعلى من تلك التي يبيعون بها منتجاتهم، ولكنهم كمستهلكين يتطلعون إلى أسعار أقل من تلك التي يشترون بها حاجياتهم. هذه بعض العيوب التي لاحظها بعض الكتاب الديمقراطيون على الديمقراطية في المبدأ والتطبيق، وقد حاول كاتبان فرنسيان صياغتها في عبارات موجزة فكان مما استنتجاه: ١ - الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها. ٢ - الحكومات التي لم يتجاوز متوسط بقائها في الحكم طيلة نصف قرن ثمانية أشهر. ٣ - المنافسات الحمقاء بين المواطنين. ٤ - عدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل. ٥ - البطء الشديد في تقدم مستوى حياة الجماهير، سياسة الإسكان، عدم كفاية التربية المدنية والاقتصادية والاجتماعية. وملاحظة هذه المساوئ هي التي دفعت بالكاتب الإنجليزي أ. د لندساس إلى القول: "إن هناك دائماً هوةً رهيبةً بين النظريات الرفيعة عن الديمقراطية التي نقرأ عنها في كتب النظريات السياسية، وبين وقائع السياسة الفعلية". ومع أن كل هذه الانتقادات لم تنفذ إلى لب المشكلة وأساسها المتمثل في الحكم بغير ما أنزل الله وعبادة الأهواء والشهوات من دونه؛ فإنها ترشد إلى فداحة الخطب وشناعة الغلطة التي وقع فيها المجتمع الغربي بتنكره للحق وتمرده على الله استكباراً وغروراً) انتهى وفي تصوري أن هناك عدداً من العلماء والمفكرين الآخرين - لم يذكرهم الدكتور سفر- ممن اعترض على النظام الديمقراطي وبيبنوا عيوبه النظامية والمهيمنة .. ويجد القارئ عدداً من النقود في كتاب (نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية , محمد أحمد مفتي) ولو جُمعت في مؤلف واحد لكشفت لنا الصورة بشكل كبير .. وبينت أن المبالغة في مدح النظام الديمقراطي بصورته الغربية هو الذي يمثل حالة الشذوذ الفكري!!. ومن المتوقع أن يعترض بعض المتحمسين للنظام الديمقراطي الغربي .. فيقول: إن كان بعض المفكرين الغربيين نقدوا الديمقراطية فهناك عشرات غيرهم مدحوها وأثنوا عليها؟!! وهذا صحيح .. ولكن هذا لا ينفع؛ لأن قضية الحوار منحصرة في نقد من يصور الاتجاه الناقد للديمقراطية بأنه اتجاه شاذ مخالف للضرورة العالمية، ويصوره بأنه ناتج عن جهل وسطحية في التفكير .. فهذا التصوير ينكشف خطؤه بإثبات أن نقد الديمقراطية ليس موقفاً خاصا بالاتجاه السلفي فقط .. بل هو موقف وقفه كثير من المفكرين الإسلاميين والغربيين, فلماذا يصور بأنه موقف شاذ سطحي بسيط؟!!.

стр. 63

خلط الإسلام بالديمقراطية إساءة كبيرة للإسلام عبد الله بن عبد العزيز العنقري كم يحار العاقل حين يقف على ممارسات مُضلِّلة في مشرقنا الإسلامي تتميز بأنها مكشوفة، لا تنطلي على من أمعن النظر فيها، لا لمصادمتها للجوانب العلمية فحسب، بل لمصادمتها للواقع الذي يراه كل ذي عينين لم يُصِبْهما الغَبَش. ومن أسوأ هذه الممارسات ما انتدب إليه فئام نصّبوا أنفسهم وكلاء بالقوة عن عدد من التيارات المعاصرة ذات المناحي الفلسفية المكشوفة والرموز العالمية المشهورة، ليقربوا شُقَّة الخلاف بينها وبين الإسلام، بل ويعلنوا بلا تردد أن الإسلام - في شموخه وعليائه وعظمة مصادره - متماشٍ تماماً مع تلك التيارات التائهة، مع أن تلك التيارات - في كتبها ومقالاتها، وجميع مؤتمراتها وملتقياتها عبر تاريخها الطويل - قد حددت حقيقة موقفها من الكون والحياة والإنسان، بما يبرهن على بطلان ادعاء قرب ما بينها وبين أي دين، لأنها قد قامت في أصل فلسفتها على ضرورة إقصاء الدين عن الحياة وإزالة سلطانه عنها بالكُليّة، وتنشئة إنسان غير مكترث بتاتاً بأمر الإيمان بالله، ليتجه بكل طاقاته إلى أمرحياته الماديّة الصِّرفة، ولا سِرَّ يُفشى بهذا، لأن ظروف نشأة التيارات التي نتحدث عنها - بوضعها الماثل أمامنا - معروفة تاريخيّاً، من جهة نشأتها على خلفية صراع طويل مرير بين المتسلطين من رجالات الكنيسة وبين خصومهم في أوروبا، مما مهَّد هناك لظهور تيارات جعلت من أولويّات مهامّها إقصاء أي دين عن طريقها، فنشْأتُها - بلا ريب - نشأة مضطربة قلقة، وفي إثر صراع متهوِّر ولَّد رغبة متزايدة في انتهاج مسلك ردة الفعل ضد كل دين، وبخاصة بعد انتصار الثورة الفرنسية التي حاربت الدين بكل عنف. والبراهين الدالة على هذا أوسع من أن يحاط بها، سواء من واقع التاريخ الأوروبي أو الشواهد المقررة لذلك في أدبيات رموز هذه التيارات ومنظِّريها. ومع كل هذا ظل الترويج لهذه التيارات - داخل أمتنا - يُمارِس أسلوب التضليل في عرضها، وبطريقة لا يرتضيها حتى مُنظِّرو تلك التيارات الذين صدّروها، إذ أخذ المروِّجون لها على عواتقهم أن يعرضوها بصورة تخالف حقيقتها التي هي عليها. ومن هنا أُقْحِم الإسلام في أكثر من تيار وفد إلى الأمة من الشرق أو الغرب، لا بدعوى عدم التعارض بين ذاك التيار وبين الإسلام فحسب، بل بدعوى الالتقاء التام، فلذا روَّجوا لأسماء مُهجَّنة، كاسم: (اشتراكية الإسلام) و (ديمقراطية الإسلام) و (ليبرالية الإسلام) وأمثالها من الأسماء التي يصدق عليها قول الشاعر: أيها المُنكِح الثُّرَيَّا سُهَيلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شاميَّة إذا ما استقلَّت وسهيل إذا استقلَّ يمان وقد تصدى لمهمة المزج المزوَّرة ثُلّة برزت مشاريعها المضلِّلة بقوة في القرن الماضي، وانتهجت سلوك مسارين متوازيين في هذا السبيل. الأول: يعتمد إخفاء جوانب خطيرة تجلي حقيقة هذه التيارات الوافدة، ولذا عرضوها بأسلوب يراعي طمس ما يوضح أهم ما فيها، من أسسها الحقيقية المبنية على ما قرره أساتذة كل تيار، من الجانب المؤكِّد على إقصاء الدين عن الحياة، وربما المعلِن حربَه عليه. الثاني: العمل - بعد ذلك - على تقريب أو دمج ما بين الإسلام وبين التيار المختار، من خلال التركيز على مصطلحات عامة، كالحرية والإخاء والعدالة والمساواة، والدفعُ بأن هذه الأمور مشتركة بين دين الله وبين التيار المروَّج له، رغم التفاوت الهائل بين الوجهة الشرعية حيال هذه المصطلحات وبين ما تقرره بشأنها جميع التيارات التي رفعتها بلا استثناء.

стр. 64

والمقال يتضح بالمثال: فالاشتراكية حين طبَّقَتْ أفكارها البائدة عدد من البلدان، ورفعت شعاراتها الرنّانة، وظهر لها ألوف الدعاة في العالم قابَلَ هذه الأفكارَ الضالة عددٌ من المروِّجين لها داخل بلداننا يزعمون أنها متماشية مع الإسلام، وتداولوا في حينه عبارة: (الإسلام نظام اشتراكي)، ووصموا رموزاً كباراً من سلف الأمة بالاشتراكيين، كما هو الحال مع عمر بن الخطاب ﵁، حيث جعله أنصار هذا التيار (الخليفة الاشتراكي). ومِثْلُ ذلك الديمقراطية، فإن عدداً روَّج لها - ولا يزال - بنفس الأسلوب، فكتبوا عن ديمقراطية الإسلام، وسمَّوا عدداً من أحكام الشرع الشريف باسم النظم الديمقراطية، حتى مزج بعضهم بين الشورى والديمقراطية تحت اسم (شوروقراطية)، ومرة أخرى لم يسلم عمر ﵂ من إقحامه في التيار الذي ارتضوه، فصار عندهم (الخليفة الديمقراطي). والذي لا ينقضي منه العجب أن بعض الذين روّجوا للاشتراكية قبل انهيارها بدعوى تآخيها مع الإسلام قد أعادوا الكَرَّة بالترويج للديمقراطية - خصم الاشتراكية - بدعوى تآخيها أيضاً مع الإسلام!! فليت شعري كيف الْتَقَى الإسلام مع الاشتراكية ومع الديمقراطية على حدٍّ سواء!؟ إن الداء هنا يكمن في وجود من يسايرون هذه التيارات، على حساب الإسلام، مُدّعين أن ذلك مما يجعل الإسلام ديناً مقبولاً في الأوساط العالمية، إذ لا مصادمة فيه لديهم لأي اتجاه! وبناء عليه فإن بروز أي مبدأ على أنقاض الديمقراطية - كما سيرى الناس يوماً ما - سيُقابَل بهذا اللون من التعامل، لأن الإشكال عائد إلى ترسُّخ منهج عقيم في خلط الحق بالباطل، وطمس معالم الحقيقة، سواء في دين الله، أو في تيارات التِّيه والضياع الوافدة. ولا يَغِيب عن القارئ الكريم أن هذا اللون من التعامل مع هذه التيارات إنما يحدث بكل مرارة داخل أمتنا فقط؛ لأن مُروِّجي تلك التيارات يستيقنون صعوبة، بل واستحالة المناداة العامة بهذه التيارات لدينا بالوجه الحقيقي الذي هي عليه في بلادها، ولذا سعوا إلى عمليات التهجين الفاشلة تلك، لا ليظهروا تلك التيارات في صورة التيار الذي لا يعارضه الإسلام؛ بل في صورة التيار الذي يشهد له الإسلام ويزكّيه. والأمر المؤكَّد أن التعرف الدقيق على حقيقة أي تيار قديم أو حديث له مسار محدَّد يعيه كل ذي منهج علمي في دراسة المذاهب والأديا ن، لأن كل تيار له - كما قدّمت - أساتذة ومُنظِّرون معتبرون، فهم المصادر التي عنهم صدرت هذه التيارات، كما أنهم المظاهر الذين بهم ظهرت، فالتعرف على حقيقة تلك التيارات إنما يكون من خلال ما سطره هؤلاء بأقلامهم وفاهوا به بألسنتهم، أما المستوردون المتلقُّون لها فهم مجرد تلامذة لأولئك، منهم يتعلمون، ولهم يتبعون، وعلى خُطاهم يسيرون، فهم كما قيل: نقَّطتموا لهمُ وهم خطُّوا على نُقَط لكم كمعلِّم الصبيان ومن هنا فإن الحقيقة الكبيرة التي يجب أن نستحضرها دائماً هي أن ما ينفيه أولئك التلامذة المُرِيدون - مما قد أثبته الأساتذة المنظِّرون - ما هو إلا نوع تدليس وتَعْمِية على الناس من قِبَلِ المريدين، كما فعلوها مع الاشتراكية عندما روّجوا لها بأسلوب مضلِّل، ولم يُجَلُّوها للجماهير المستغفَلة بوجهها الكالح الذي يوضح حقيقتها في بلادها التي وفدت منها، حيث الصراحة، بل الوقاحة في عرضها بأسلوب لا يمكن أن يقبله حتى أجهل المسلمين، لو صدق الناقلون في عرضها.

стр. 65

وما يُروَّج له اليوم في أوساط أمتنا عن الديمقراطية يصدق عليه ما ذكرنا عن التجربة الاشتراكية البائسة، فإن جوانب كثيرة من الديمقراطية لم تُوضَّح للأمة، لا من جهة حقيقتها ومفهومها الذي هي عليه بالفعل، ولا من جهة تداعياتها بعد التطبيق، تلك التداعيات التي أثمرت إشكالات كبيرة لم تزل المجتمعات التي انتشرت فيها تعاني آثارها، كما سترى في هذه المقالة موجزاً بعون الله، وبشهادة الشهود من أهلها. ولنعرض للديمقراطية من هذين الجانبين: (حقيقتها، وآثارها بعد التطبيق) بإنصاف ومصداقية، لنقف على واقع الديمقراطية البعيد عن الدعاية المضللة، وصيحات الحاجبين للحقيقة. فعن الجانب الأول المتعلق بحقيقة الديمقراطية يقال: الديمقراطية لما كانت تعني باختصارٍ (حُكْم الشعب) - سواء في وضعها البدائي عند اليونان أو في تطبيقاتها المعاصرة - صار الشعب عندهم هو مَصْدَر السلطات. بما فيها أهم وأكبر السلطات، وهي السلطة التشريعية، التي تعد في الإسلام خالص حق الله وحده لاشريك له، وبذلك أصبح الشعب في الوضع الديمقراطي المرجع الوحيد في التحليل والتحريم، فالمحَرَّم ما حرمه الشعب، والمباح ما أباحه، بقطع النظر عن وجود حكم شرعي مغاير بالكُلّيّة لاختيار الشعب في القرآن والسنة وإجماع الأمة عبر القرون. فكما أن من بدهيات المسلمين أن ماحرمه الله فهو الحرام المرفوض وما أباحه فهو المباح، فإن منطق الديمقراطية يقول: ما أباحه الشعب فهو المباح وإن حرمه الله، وما منعه الشعب فهو المرفوض، وإن أباحه الله! لما كانت الديمقراطية تعني هذا بكل وضوح سعى كثير من الخالطين لها بالإسلام إلى إخفاء هذا الجانب الخطير منها، وركزوا على جوانب يرون أنها مشرقة في الديمقراطية، مصحوبة بعرض أوضاع مغلوطة - ومرفوضة شرعاً- في ممارسات الأفراد أو الحكومات داخل أمّتنا اليوم، لتكون محل مقارنة بين مجتمعاتنا وبين المجتمعات الغربية، هكذا - بكل سهولة - تُصوَّر الأمور بهذا التصوير غير الأمين، وكأن الديمقراطية جملة من الأخلاقيات الجميلة البعيدة عن أي منحى عقدي ضال أُسِّست عليه، مع أن هذا خلاف الواقع تماماً، فإن المعرِّفين للديمقراطية المعاصرة في البلاد الغربية من أصحاب التوجّه الأيديولوجي - الذي يمثل الوجه الحقيقي للديمقراطية - يؤكدون أنها تنبثق من إطار ذهني مبني على افتراضات، منها الإحساس الدائم بالرغبة في التغيير. وهذا التغيير الذي ينبغي أن يكون عليه الديمقراطي لابد أن يشمل عندهم (القيم والمبادئ)! والسبب في هذه الوجهة المروِّعة لا يقل خطورة عنها، إذ صرّح أصحاب هذا التوجه أن السبب هو أن البِنَى الاجتماعية لا تُبنَى على قواعد ثابتة أصلاً حتى تستقر عليها المبادئ والقيم، ولذا فإن الأفراد عندما يقررون أن شيئاً ما هو الحق والعدل فهو الحق والعدل، وهذا يعني أن الحق والعدل الذي يشيع في المجتمع الديمقراطي في وقت ما يمكن بكل سهولة أن يتغير لاحقاً، إذ لا يوجد ما يقبل الثبات، بل الأمر خاضع للمتغيرات الاجتماعية المحيطة بالديمقراطي؛ وبناء عليه فإن المجتمع ذا المنظور العقدي الأخلاقي - كالمجتمع المسلم زمن النبوة - يستحيل عندهم وبلا أدنى تردد أن يُصنَّف ضمن المجتمعات الديمقراطية. وذلك عائد إلى أن الديمقراطية إنما تُبنَى على المنظور العلماني التعدُّدِيّ للمجتمع، كما أوضح (ميشيل نوفاك) في كتابه: (روح الديمقراطية) ومِثلُه (كرن شيلدز) الذي أكّد أن الديمقراطية نظام سياسي علماني، فالدين لا علاقة له بالديمقراطية.

стр. 66

ومن أخطر ما يترتب على هذا ما نبه عليه (داريوش شيغان) من أن الديمقراطية تتطلب «عَلْمَنة العقول والمؤسسات» أي أن تُبنَى على أساس علماني، وذلك يستلزم بكل تأكيد قيامَ المجتمع الديمقراطي بتكريس المفاهيم العلمانية لتتشرَّبَها العقول والأفكار، كما يستلزم صبغ المؤسسات الكبار في الدولة بالصبغة العلمانية. وهذا سبب تركيزهم على ما سمّوه (الروح الرياضية) بتقبل الرأي الآخر وعدم منعه، مهما كان بالغاً في الضلال، على حد قول (توماس جيفرسون): «لا يضيرني إن قال جاري: إن هناك عشرين إلهاً، أو لا إله» (انظر لما تقدم من تعريف الديمقراطية والنقول كتاب نقض الجذور الفكرية للديمقراطية ص٢٠ - ٢٤، ٨٨). فتأمل تهميش الخلاف مع الملحد والوثني من جهة، وتأمل شدة ربط الديمقراطية بالعلمانية لدى المصدِّرين لها، لتعرف درجة الزيف الذي سلكه المدَّعون وجود تطابق بين الديمقراطية والإسلام، بدعوى الْتِقاء الإسلام مع الديمقراطية في كذا وكذا من المظاهر العامة التي دندن حولها أولئك المدَّعون، وكأن الإسلام يقررها على النحو الذي تقرره الديمقراطية، والتي أخفيت كثير من جوانبها الرابطة لها بالعلمانية كما نقلنا هنا. هذا من جهة توضيح حقيقة الديمقراطية بأسسها التي لا قوام لها إلا بها، كما يقرره أهلها. أما من جهة التطبيق - وهو الجانب الثاني - فلابد قبل تفصيله من التنبيه إلى أن دعاة الديمقراطية في مشرقنا الإسلامي يصوِّرون مَن نقدها في مظهر بغيض جداً، إذ يُصور على أنه يؤيد البطش والظلم، حتى صاركثيرون يخشون التعرض للديمقراطية بالنقد، لأنهم سيُحْسبون في عداد الداعمين لما يسمى بالدكتاتورية، وصارت التهمة بمجانبة المفاهيم الديمقراطية مقارِنة للتهمة بالتعدي والإجرام، وكأنما أضحت الديمقراطية وحياً منزلاً لا يتطرق إليه الخطأ! والحق أن عدداً من المناصرين المتطرفين للديمقراطية - وإن ادعوا سعة الأفق وتقبل الرأي المضاد - يجعلون الديمقراطية في المقام الذي يتعالى عن النقد، كما أوضح جانباً من ذلك صاحب بحث (النقد الغربي للفكرة الديمقراطية) الذي أبان أن هذا ليس هو مفهوم المفكرين الغربيين أنفسهم عن الديمقراطية، لأنهم يقررون أنها مجرد شكل من أشكال الحكم، لها سلبياتها وإيجابياتها، وأنها ليست النظام الأمثل في كل حالة، بل قرروا بصريح العبارة أنها قد لا تناسب مجتمعاً ما أو وقتاً ما - وإن كان واقع الساسة المتسلطين في الغرب منذ عهد نابليون إلى يومنا هذا هو الذي يكرّس أن الديمقراطية يجب نشرها، مهما ارتُكِب في سبيل ذلك من تجاوزات مدمرة- زد على هذا أن الناظر لنقد الديمقراطية عند اليونان حيث كان مهدها الأول يجد أن أكثر مشاهير فلاسفتهم ومفكريهم قد ذموا الديمقراطية منذ البداية، ونوهوا إلى السلبيات الكبيرة التي تتضمنها، بل اشتهر عن بعضهم شدة العداء لها، وتصنيفُها ضمن أنظمة الحكم الفاسدة التي لا تسعى أساساً لتحقيق المنفعة العامة. ولم يزل نقد الديمقراطية حاضراً وواقعاً حتى في تطبيقاتها المعاصرة، حيث وُوْجِهت بنقد مركَّز عاصف من قِبَل عدد من المفكرين الغربيين، ومن أهم ما ركزوا عليه في نقدهم ما خلَّفه تطبيقها من سلبيات شائكة، من أبرزها ما يأتي (والكلام لا يزال مستفاداً عن البحث الذي أشرت إليه):

стр. 67

١ - أن الديمقراطية رسَّخت حُكْمَ الأقلية - تحت اسم خيار الشعب - فخالف التطبيق على الأرض التنظير المقرر في الكتب، وذلك أن قلة من محترفي السياسة هي التي تضطلع بالمهمة في واقع الأمر، والشعبُ - الذي ادعوا أنه يحكم - بعيدا عن سُدَّة الحكم، وإنما مهمته التوجه لصناديق الاقتراع مرة كل عدد من السنين، ليضفي ما يسمونه الشرعية على حكم هذه الأقلية، ومن هنا ركَّز ناقدو الديمقراطية في الغرب على حقيقة بالغة الغرابة، هي أن الديمقراطية أشبه ما تكون بالشيء الخيالي، والأمر الموهوم البعيد عن الواقع، وعليه فلا تعجب إذا علمت أن نسبة كبيرة تبلغ ثلث المحرِّرين الغربيين لا يقبلون الديمقراطية أصلاً، فضلاً عن الترويج لها في كتاباتهم! لأن الديمقراطية إنما استمدت قوتها من تلك المفردات التي جذبت إليها كثيراً من الأنصار، كمفردة الكرامة الإنسانية وضمان الحقوق ونحوهما، لكن الواقع التطبيقي قد أثبت انتهاكات شديدة لهذه المفردات على يد الديمقراطية نفسها، كما سترى في الفقرتين الآتيتين إن شاء الله. ٢ - من أهم ما وُجِّه للديمقراطية من النقد ذلك الواقع الفاسد الذي خلَّفته، من جهة أن كل شيء في ظل الحكم الديمقراطي أصبح ممكن الشراء، سواء المناصب السياسية أو القرارات السياسية، أو الدعم الخارجي لِقُوى يكون دعمها على حساب الجبهة الداخلية، بل وصل الأمر إلى إثارة حروب طاحنة لا هدف لها، إلا مجرد التسويق لمنتجات شركات الأسلحة، ومثله التغاضي عن النشاطات المدمِّرة للبيئة من قِبَل شركات الطاقة، ونقل صاحب البحث نموذج ذلك عن (جريج بالاست) صاحب كتاب (أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها)، حيث أوضح أنه رغم حظر القانون الأمريكي على الشركات دفع أموال لمساندة الحملات الانتخابية، إلا أن الواقع كان بخلاف هذا تماماً، حيث دعمت شركات الطاقة حملة الرئيس الأمريكي السابق، مقابل ألا تتعقب حكومته أنشطتها المدمرة للبيئة، لأن هذه الشركات تستخدم - حسب تعبير صاحب الكتاب - «أقذر وقود» مما أدى إلى نشر الأمراض وقتل الأطفال في المناطق المحيطة بتلك الشركات، أو بمناطق دفن نفاياتها الكيمائية الخطيرة، وذلك نموذج واحد من بين نماذج كثيرة تدل على حقيقة انتهاك الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية في المعقل الأكبر للديمقراطية! ٣ - وجود آثار مدمرة لتطبيق الديمقراطية تتعلق بالجوانب الاقتصادية التي عليها مدار اهتمام أولئك القوم، وقد أعطى (جريج بالاست) إحصائية مَهُولة من خلال التركيز على النمو في أمريكا بين عامي ١٩٨٣ - ١٩٩٧م ففي هذه الحقبة الزمنية الطويلة اتضح أن (٨٥.٥%) من نسبة النمو قد استولى عليها أغنى الأمريكيين، ويُمثِّلون نسبة (١%) فقط، ورغم ارتفاع الدخل ذلك الوقت إلا أن (٨٠%) من العائلات الأمريكية لم تتلق منه شيئاً، بينما ربحت (طبقة الواحد في المائة) (٢.٩ ترليون) من أصل (٣.٥ ترليون) دولار، فاتضح بذلك أخي القارئ حقيقة نكبة الشعب بالديمقراطية التي سموها حكم الشعب، واتضح معنى كون الديمقراطية تُرسِّخ حكم الأقلية وتُغلِّب مصالحها على حساب الشعب المستغفل الذي أوهموه بأنه يحكم، وقد خلص صاحب بحث (النقد الغربي) إلى نتيجة كبيرة الأهمية، وهي أن الواقع الغربي قد لفظ الديمقراطية، بسبب المشكلات الشائكة التي ترتبت على تطبيقها، فإن الديمقراطية قد وُجدت في الواقع الغربي لظروف تاريخية معيَّنة، ثم صار واقع الغرب المعاصر يتنكر لها الآن بعد اختلاف هذا الواقع في طبيعته وخصائصه عن ذلك الواقع الذي أفرزها.

стр. 68

والبحث رغم قلة أوراقه قد مُلِئ بعدة مقولات للمفكرين الغربيين الناقدين للديمقراطية، مصحوباً بوقائع وإحصائيات ذات مدلول مخيف، يدعو بعضها إلى الذهول، بل إلى الاشمئزاز. فهذا جانب من حقيقة الديمقراطية في الغرب، من الناحية التنظيرية ومن الناحية الواقعية يثبت للمنصف أنها في سبيلها إلى أن تبلى وتضمحل هناك، ولاسيما مع تنامي الهزات الاقتصادية الشديدة بين الحين والآخر، ولهذا طرح خصوم الديمقراطية في الغرب سؤالاً محرجاً لأنصارها، وهو أن الشعب - في ظل فشل الديمقراطية - لو قرر بأكثريته أن يتخلى عن الديمقراطية، فهل سيُطبَّق خيار الشعب الذي تدعي الديمقراطية أن الحكم راجع إليه، أم ستنقلب الديمقراطية على الشعب وتلزم الأكثرية بالخيار الذي لا يريد؟ وعلى كلا التقديرين فالديمقراطية بين أمرين أحلاهما مُرٌّ، ومع كل هذه الوقائع المزلزلة في الغرب فالمبشرون بالديمقراطية في المشرق الإسلامي لا يزالون إلى اليوم يهتفون بها، كأنما عثروا على كنز لم يُسبَقُوا إليه، بما سيورطون به الأمة في البدء من حيث فشل الآخرون، وتلك حالة مزرية لهم تكررت مع أفكار ونظريات سقطت في معاقلها، لكنهم أبوا إلا مناصرتها في مشرقنا، وإن دخلت في بلدانها ضمن خبر (كان). ولا تعجب أخي القارئ من مصادمة هؤلاء للحقيقة، فإن المكابرة وصلت بصاحب كتاب (التراث والتجديد ص٦٩) حدّاً زعم فيه أن العلمانية البغيضة هي أساس الوحي، وأن الوحي علماني في جوهره! فإذا ادعى أن وحي الله العظيم ليس إلا علمانياً في جوهره فماذا أبقى من منابذة الحقيقة ومجانبتها؟ وقد علم من له اهتمام ولو محدود بالعلمانية أنها - كما ينص معجم أكسفورد - عقيدة قائمة على استبعاد أي اعتبار مستمد من الإيمان بالإله أو الحياة الآخرة، كما أنها تقرر أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية. ومع ذلك يصل الاستخفاف بعقول الناس حدّاً يدعي فيه صاحب التجديد المصطنع أن العلمانية العازلة للدين عن الحياة هي أساس هذا الوحي، الذي نزل لجعل الحياة كلها قائمة على أحكام الشرع بإجماع المسلمين وهذا الاستخفاف بالحقائق لا يرفضه من له أدنى غيرة على الإسلام فحسب، بل يرفضه حتى العلماني الذي يؤمن بمبدئه هذا، مما يؤكد على شدة استغفال عدد من الكُتَّاب لقرائهم وبلوغهم في الاستخفاف بهم مبلغاً عاملوهم معه معاملة لا تليق بالإنسان، من حيث هو إنسان. واللهُ يعلم أن هذا الخلط الفوضوي للإسلام بتيارات التيه الوافدة لا يمكن أن يخفى على ذي وعي بشموخ هذا الدين وعظمته، وأن من المحال الذي لا يقبل الرفع أن تُخلط فوضى التائهين الشرقيين أو الغربيين بدين الله ذي المصادر المضبوطة والنصوص المحفوظة، سواء تَسمَّت هذه التيارات باسم الديمقراطية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو أي اسم في الطريق لم يصل بعد، وسواء تبنَّى هذا الخلط أفراد أو مجموعات تتحايل على شباب الأمة وشاباتها لإقناعهم بقبول الزيف في ثوب إسلامي، فإن دين الله أرفع وأسمى مما يظنون، وقد قيَّض الله لهم على الدوام من يكشف زيفهم، حفظاً لدين ارتضاه تعالى لبني الإنسان أجمعين، ولئن وُجِد في ديانات أخرى خلط وتسيُّب وصل إلى حد وجود (قس ملحد) يمارس عمله الوعظي في الكنيسة الهولندية! فإن دين الإسلام أعصى على المتسيبين مما يظنون، ولا يلين لهم: (حتى يلين لضِرْس الماضِغ الحَجَر)، إذ كيف يُخلَط دين ينص كتابه العظيم على جعل المحيا بل والممات لله رب العالمين بتيارات تقرر في أول ما تقرر وجوب عزل هذا الدين بالكُليَّة عن الحياة!

стр. 69

وكيف يُخلط أسمى مبدأ أكرم الله به الإنسان، فعرف به ربه، وعرف من خلاله الهدف السامي الذي لأجله خلقه الله، كيف يخلط بأشد التيارات تسبّباً في تيه البشرية عن ربها وغياب الهدف من خَلْقها عن واقعها! ويكفيك أن تستحضر حقيقة أن أساتذة هذه التيارات قد خرجوا من الدنيا ولم يعلموا أعظم حقيقة فيها، وهي الهدف الذي لأجله خُلِقوا، ولأجله أقام الله سماواته وأرضه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ذلك الهدف الذي لم يلتبس يوماً ما على صبيان المسلمين وعجائزهم، فضلاً عن علمائهم بحمد الله. أفلا يخجل العابثون بالحقائق من سماجة عبثهم، حينما يخلطون دين الله بتيارات الضياع والتِّيه هذه؟ ومن أسوأ ما في خلط الإسلام بالديمقراطية أن يظهر الإسلام بمظهر القاصر الذي لا يتم قصوره إلا بترقيعه من غيره، إذ من المؤكد أن الديمقراطية ذات منحى أجنبي عن الإسلام، لها تاريخها وبيئتها التي ظهرت فيها وتطبيقاتها القديمة والمعاصرة التي رسمها منظِّروها بعيداً عن الإسلام، فإذا خلطنا الإسلام بها فكأنما وجدنا فيه قصوراً احتجنا معه إلى سدِّه من الديمقراطية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يُظْهِر هذا الخلط الباطل الديمقراطيةَ بمظهر مضلِّل، حاصِلُه أنها الحلم المنشود الذي إذا لجأت إليه المجتمعات الإسلامية حُلَّت مشاكلها واستقامت أحوالها، مع أن الديمقراطية تعاني كما رأيت إشكالات كثيرة خلَّفتها في المجتمعات التي طبقتها، لكن تجاهل الحقيقة عند أنصار الديمقراطية حملهم على إظهارها بمظهر مضلل، يعتمد الانتقائية في عرضها لهذه الأمة التي كمَّل الله تعالى بنفسه لها دينها، فلم ولن يبقى بعد إكمال الحكيم الخبير مجال لوجود نقص تحتاج معه الأمة إلى تكميل. وأعجب لمن يزايد في دعايته للديمقراطية عندنا بمواقف تقع في البلاد الغربية لعدد من الساسة مع شعوبهم، يدلل بها على مدى رعايتهم لهم وشدة حدبهم عليهم، وكأنه لا يجد ما هو أنبل وأشرف في تاريخ أمته من مواقف لم يكن يراد بها إلا وجه الله، لا الدعاية الانتخابية التي أخذت بألباب الساسة في الغرب، فاصطنعوا مواقف وأقوالاً جذابة، رغبة في جني ثمارها عند أول سباق انتخابي قادم. ألا يجد أبناؤنا المروِّجون للديمقراطية في سِيَر خلفاء الأمة الراشدين مواقف شامخة، تقصر دونها بمراحل مواقف من يزايدون بعرض مواقفهم؟

стр. 70

ألا يجدون أن عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد - لا الديمقراطي - كان يقول لرعيته: (إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي، ليرفعها إلي حتى أقصّه منه)، وطبق ذلك على أحد ولاته حين ضرب رجلا مائة سوط ظلماً، فقال للذي ضُرِب: قم فاقتص منه، حتى اضطُرّ الوالي إلى أن يصطلح مع الرجل على أن يفتدي منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين، ولما قدمت رفقة من التجار ليلا فنزلوا المسجد قال - وهو أعظم حاكم في الأرض إذ ذاك - لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ فباتا يحرسانهم، فسمع عمر تلك الليلة بكاء صبي فتوجه لأمه، وقال: اتقي الله وأحسني إلى صبيك، ثم تكرر هذا منه أكثر من مرة، فلما كان في المرة الأخيرة قالت له: قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبى، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفُطُم، فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، ثم أمر مناديا: «لا تُعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام» وكتب بذلك - لأجل هذا الموقف - إلى الآفاق، فصار العطاء في بيت المال لكل من وُلِد، بعد أن كان لمن تم فطامه، ولما تقرقر بطنه عام الرمادة - حين وقعت المجاعة وكان قد اقتصر على الزيت، دون السَّمن - قال قولته المشهورة: «تَقَرْقَرْ تقرقُرَكَ، إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيى الناس». ولئن روَّج أنصار الديمقراطية لها، بدعوى أنها شديدة المحاسبة للمسؤولين في الغرب، من جهة أن كل مسؤول لا يستطيع أن يمتلك أكثر مما في رصيده قبل تعيينه، فليعلموا - رغم مافي هذه الدعوى من إشكال تبين بما تقدم - ليعلموا أن عمر ﵁ قد سبقهم إلى هذا النوع من المحاسبة فكان إذا استعمل والياً كتب ماله، بل إنه أمر بعض ولاته فكتبوا أموالهم فشاطرهم أموالهم، فأخذ منهم نصفاً لبيت المال وأعطاهم نصفا، وبلغت به الأمور حدّاً رعى فيه حق الحيوان - فضلا عن الإنسان - حتى إنه كان مرة في سفر فعدل بمن معه إلى راعي غنم ليقول له: «إني قد مررت بمكان هو أخصب من مكانك، وإن كل راع مسؤول عن رعيته» وقال - وهو في المدينة كما هو معلوم -: «لو مات جَمَلٌ ضَياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه». (انظر لهذه الأخبار: طبقات ابن سعد ٣ /،٢٨١، ٢٨٦، ٢٩٢، ٢٩٤، ٣٠١، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣١٣). وبعد الخلفاء من الصحابة ألا يجدون في سيرة عمر بن عبد العزيز أن والياً كتب إليه: إنه رُفع لي رجل يسبك فهممت أن أضرب عنقه! فكتب إليه عمر: لو قتلته لأقدْتُك به، إنه لا يُقتل أحد بسَبّ أحد إلا من سبّ النبي ﷺ ، فاسبُبْه إن شئت أو خل سبيله. ولما كتب إليه وال آخر: إن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية كتب إليه عمر: إن الله قد بعث محمداً داعيا، ولم يبعثه جابيا، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطْوِ كتابك وأَقْبِل. ولما دخل المسجد ليلاً عثر في رجل نائم فقال الرجل بجرأة وغضب: أمجنون أنت!؟ فقال الخليفة الحليم الوقور بكل سهولة: (لا)، فهمَّ الجندي بالرجل ليعاقبه، فزجره عمر قائلاً: مَهْ، إنما سألني أمجنون أنت فقلت: لا. (انظر أيضاً طبقات ابن سعد ٥/ ٣٦٩، ٣٨٤، ٤٠٢). والأمثلة بحمد الله في تاريخ الأمة لا تحصى، تجدها في كل وقت يُطبَّق فيه شرع الله، كما ينبغي أن يطبق، بما تبين به لكل ذي إنصاف أن مجرد مقارنة الإسلام بغيره مما يصدق عليه قول الأول: إذا أنت فضلت امرأً ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص

стр. 71

أفلا يجد المروجون لمواقف ساسة الغرب الديمقراطي في تاريخ أمتهم شيئاً من مواقف النُّبْل المشرفة التي لم يُرِد بها مَن وقفها أيَّ دعاية انتخابية؟ والديمقراطية كغيرها من التيارات الأرضية لما كانت تعاني إشكالات مزمنة حار أطباؤها في علاجها، حتى تبرع بعض أنصارها - في المشرق الإسلامي - بحل نادر لها، وفق التصوير الآتي: علاج مشاكل الديمقراطية هو بالمزيد من الديمقراطية! فأضحى العلاج كعلاج صاحب الخمر الذي نُصِح بتركه، فأجاب بقوله: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء ولا يُعهَد في عرف العقلاء أن المشاكل تُحل بمزيد من المشاكل إلا وفق هذا المفهوم الأعوج الذي يُمثِّل حقيقة التيه التي تعانيها هذه التيارات الأرضية. ومعلوم أن تطبيق أي مبدأ أو نظام كفيل ببيان حسنه من سوئه، والمعاناة التي يُغض الطرف عنها من آثار تطبيق الديمقراطية هي من أوضح الأدلة على بيان ما فيها من عوار آخذٍ في الازدياد بمضي الوقت، إلى أن يصل أنصارها يوماً ما إلى ما وصل إليه أنصار الاشتراكية الذين أقسموا جهد أيمانهم أن تيارهم سيعُمُّ الأرض كلها، وستجد البشرية فيه ما يحقق العدالة المطلقة التي تنشدها. أما دين الإسلام فإن تطبيقه السليم قد أخضع المنصفين حتى من خصومه إلى الإقرار بأنه يمثل الرحمة الحقيقية التي جعلها الله لهذه البشرية، ولذا لم تزدد هذه الأمة بتطبيقه إلا عزة ومنعة، إلى أن دخلت الدواخل والرواسب على الأمة ورضي فئام من أبنائها باستبدال الذي هو أدنى - من تيارات الانحراف - بالذي هو خير، فتراكمت في الأمة مشاكل يجزم من كان له عقل يعي به الأمور أن مِن المحال أن ترتفع هذه المشاكل بغير الإسلام. وهنا تتضح المعادلة على حقيقتها بين الإسلام وبين الديمقراطية، فالإسلام إذا طُبِّق حُلَّت مشاكل الأمة، والديمقراطية إذا طبقت أفرز تطبيقها مشاكل تُحل بمثلها! - وفق مفهوم بعض أنصارها - فمن يستطيع من المنصفين أن يقارن حالاً كهذا بحال الإسلام حين يطبق؟ ولئن كانت الديمقراطية في المجتمعات الغربية حلماً منشوداً عقدوا عليه الآمال مدداً من حياتهم فما ذاك إلا لعدم وجود الإسلام بينهم، فلا غرابة أن يتنقلوا بين التيارات على مدى قرون متطاولة يترنحون بينها، فِعْل التائهين، أما من أكرمه الله بدين الإسلام فكيف يتطلع إلى تيارات التيه هذه، وكأنه لم يعرف تاريخ هذه الأمم التي أضحت هذه التيارات فيها بمثابة المَوْضات التي يتنقل بينها متابعوها، فتزدهر منها موضة في وقت، ثم تعود بالية قديمة، لوجود موضة أجَدّ منها في نظر من استحسنها. ولئن كان التنقل بين هذه التيارات يستغرق فترات أطول من التنقل بين الموضات فما ذاك إلا لمد الآمال في كل تيار، رجاء أن ينجح، ولإعطائه مزيداً من الوقت، ليتمكن من تحقيق الأحلام المنشودة، وإن أردت البرهان على هذا فتأمل في كتابات لمع نجمها في القرن الماضي حول تيارات وأفكار اضمحلت لاحقاً، وقارِنْها بكتابات اليوم، لتجد مصداق هذا الكلام، بل إن من كُتِب له عمر بعد عدد من السنين لو طالع ما سيُكتب في وقته وقارنَه بما يُكتب اليوم لوجد أن المحصلة النهائية لهذه التيارات - مهما تباينت - واحدة ترتفع أسهمها في وقت ثم تظل تنحدر إلى أن تعلن الإفلاس، وتلك طبيعة هذه المبادئ الأرضية المبتورة عن النور الرباني الذي سماه الله تعالى مِنّةً في قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وبعث به نبيه ﷺ رحمة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 72

فلماذا العدول عن مِنَّة الله ورحمته إلى نقمة تيارات التيه، وإلى متى لا نعتبر بقوم من بني جلدتنا أضاعوا شبيبتهم في الدعاية الفارغة لتيارات اجتلبوها من الشرق أو الغرب، وجاؤوا كالمبشرين بها، ثم لم يجنوا منها إلا الفشل الذي عم بلادهم والنكد الذي ختموا بها حياتهم - بعد أن انحنت في سبيلها ظهورهم واشتعلت شيباً لأجلها رؤوسهم - عائذاً بالله من سوء الختام. إذاً فخلْط ما بين الإسلام والديمقراطية ضرب من ضروب التضليل الذي يصدق عليه أنه كذب عليهما معاً، فليست حقيقة الديمقراطية بتلك التي تُصوَّر في أمتنا - مبتورة عن المنحى العقدي الضال الذي قامت عليه - ولا هي بالحل الحقيقي لبني الإنسان، كما يدّعيه أنصارها عندنا، مما لم يدَّعه للديمقراطية أهل الإنصاف في مواطنها التي جُلبت منها، كما أن الإسلام في عظمته وجلالة من كَمَّله تعالى ليس بالوضاعة التي يُجرّ من خلالها جرّاً ليتماشى مع تيار تائه سيرى الناس يوماً سقوطه كما سقط ما قبله. وإذا سقطت الديمقراطية فستتبين عند ذلك فظاعة الجناية التي ارتكبها من خلطوا الإسلام بالديمقراطية، حين عرَّضوا هذا الدين لأن يُنسب للفشل - وحاشاه - لاقترانه بتيار لفَظَه الناس بعد أن تبدَّى لهم أن آمالهم فيه كانت ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩]. وهذا بعينه ما عرَّض الإسلامَ له من خلطوه بالاشتراكية الفاشلة التي هَوَت في سلة مهملات التاريخ بعد أن لفظها الناس. وما تنبيه أهل العلم الشرعي على خطورة هذا الخلط بين الإسلام وتيارات التيه قبل سقوطها إلا إبانة للحقيقة من جهة، واستباق لكارثة وصم الإسلام بفشلٍ لم يتسبب فيه من جهة أخرى.

стр. 73

إذاً فليُحْسب فشل الديمقراطية الحاضر والقادم عليها هي، وليسلم دين الله من الصدِّ عنه، لسبب لا تعلق له به، وليرتقب ناصرو الديمقراطية سقوطاً قريباً لها، بعد أن صَمّوا آذانهم وأغمضوا أبصارهم عن وقائع فشلها الكثيرة، ومنها هذه الوقائع الراهنة في السياسات الظالمة خلال السنوات العشر الماضية، التي أزهق الغرب فيها من الأرواح، وأحل بها من الخسائر المادية ما لم يَخْفَ على أحد، كل ذلك بحجة فرض هذه الديمقراطية بالقوة على شعوب المنطقة. ولا عجب فقد أغمض مناصرو الديمقراطية أبصارهم من قبل عن المفاسد الخلقية المنتنة التي أوجدتها الديمقراطية في كل مجتمع حلت به، باسم الحرية الشخصية، فغدت أرقام الفواحش في تلك المجتمعات وصمة عار توضح لك معنى قلب الحقائق عند الحديث عن (حقوق الإنسان) حيث جُعِلَ هذا الإنسان - الذي كرمه الله - بمثابة السلعة الترويجية، تُنشَر الدعاية المخزية المتعلقة به كما تنشر لأي سلعة أخرى، وكان المتضرر الأكبر من ذلك هذه المرأة المسكينة التي بلغت رحمة النبي ﷺ أن قال فيها: (اللهم إني أُحرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم) (رواه أحمد ٣/ ٤٣٩) فقرنها باليتيم في الضعف، وحرج على من ظلمها حقها. فتأمل كيف جاوز الظالمون المدى في ظلمها والعبث بها باسم مناصرة حقوقها، حتى أزالوا من قاموسها في بلدانهم اسم (العِرْض الشريف) وسط ضحكاتهم الساخرة وغمزاتهم الفاجرة، فصار الوصول إليها سهل المنال، إلى الحد الذي أضحت المرأة فيه فقرة حاضرة ضمن كل تسلية وترفيه عابث منحط، وما هذه المسابقات المأساوية الظالمة، المسماة بمسابقات ملكات الجمال إلا شاهد سنوي مؤكد على مدى النظرة المتدنية للمرأة التي باتت تُعرض على ناظر الرجال كما تعرض الدواب من الخيول وغيرها لينظر في جمالها، تماماً كما ينظر إلى السلع الأخرى في مزادات السيارات عند خروج مايُعبر عنه بالموديلات الجديدة كل عام فوا أسفاً على هذا الإنسان كيف استذلته الديمقراطية!، والله لكأن المرأة غير داخلة ضمن حدود التكريم الذي شرف الله به الإنسان ورفع من قدره، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا! وهكذا أوصلت الديمقراطية شقائق الرجال إلى حال مزرية بعد أن تنوَّعت وجوه الانتهاك الوقح لشرفها، وكأن حق (عِرْض) كريم شريف للمرأة يدعو إلى إكبارها وتقديرها من قبل الرجل، بل ويرفع من مستوى العلاقة الإنسانية بينه وبينها، كأنه ليس من الحقوق التي يجب أن تكون من أبجديات هذه العلاقة! وهذه المسألة بعينها تبرز جانبا من الصورة المضللة حين يُخلط الإسلام بالديمقراطية، ففي الوقت الذي يُنتهك فيه (العِرض) البشري في ظلال الديمقراطية، وباسم حقوق الإنسان وحريته، يجعل الشرع الشريف حماية هذا العرض ضرورة عظمى من الضرورات الخمس التي إذا اختلت اختل البناء بأسره، ويجعل عقوبة العابثين بالأعراض أشد العقوبات، ثم يريد مزوِّرو الحقيقة أن يصدقهم الناس حين يخلطوا ديمقراطيتهم العابثة بدين الإسلام - الحامي الأكبر للعرض البشري - كما أرادوا أن يصدقهم الناس بدعواهم تطابق ما بين الإسلام وبين الديمقراطية في مفهوم (الحرية) وهم يرون أن ما يسمَّى بالحرية في الغرب بلغ من التسيُّب حدّاً سُمِح فيه لعُبَّاد الشيطان أن يمارسوا طقوس عبادتهم الهمجية المنحطة بلا نكير، لأن التعددية والأفق الديمقراطي لا يضيق عن السماح بممارسة هذا اللون من العبادة، ولو كانت للشيطان عدو الإنسان الأول، وبعد ذلك كله يقول المزوّرون: إن الإسلام كالديمقراطية قد جاءا بالحرية وبحقوق المرأة، فوجوه الألفة بينهما قوية! ويلوون كعادتهم نصوص الشرع الشريف لتثبيت أكذوبتهم المكشوفة.

стр. 74

وبكل حال فإن الإسلام - بحمد من أكمله - ليس شيئاً ضبابيّاً غامضا كالليبرالية مثلا الموصومة في الغرب دوماً بالغموض وعدم الوضوح، حتى قررت الموسوعة الشاملة أنها مصطلح غامض، لأن معناها يتبدل بمرور السنين! وقررت الموسوعة البريطانية أن من النادر أن توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، ولهذا انهارت بعض حركاتها لهذا الغموض المطبق (انظر حقيقة الليبرالية ص١٦) فأما دين الله فلم يكن قط خفيا غامضا، حتى يُنقِّله المتهوِّرون تبعاً لأهوائهم، بل هو جلي المنهج واضح المعالم، كما قال النبي ﷺ : (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) (رواه أحمد ٤/ ١٢٦)، فمن هَوِيَ تيارات التِّيه من ديمقراطية أو ليبرالية أو اشتراكية أو غيرها فليكن واضحاً، ولا يُجيِّر هواه على دين الله، لينشُره في الناس من خلال مَسْحة شرعية يضلل بها الناس، فإن هذا المسلك المغلوط هو عين ما سلكه الخوارج الغلاة، ولكن في اتجاه معاكس لاتِّجاه هؤلاء، حيث جعل الخوارج تشددهم وتهورهم وظلمهم منسوباً إلى دين الله، وهذا هو المفهوم الذي سعوا إلى نشره في الأمة، وأفهموه من سايرهم في باطلهم، ألا فقَاتَلَ الله الغلاة والجفاة معاً، ما أشد جنايتهم على أمة الإسلام!، ولِله ما أعدل وأصدق سنة رسول الله ﷺ التي وصفت أهل التفريط والإفراط معا بوصف واحد، وهو وصف (شِرار الأمة)! إذ جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في الخوارج الغلاة: (شرار أمتي) الحديث (رواه الآجري: ٥٦)، كما قال في الجفاة من حاملي الأمة على طرائق الزائغين قبلها: (ليَحْمِلنَّ شرارُ هذه الأمة على سنن الذين خَلَوا من قبلهم) الحديث (رواه الآجري: ٣٤). وما ذاك إلا لأن أهل الإفراط والتفريط جانبوا الوسطية الحقيقية التي جلّاها رسول الله ﷺ لأمّته، فمن جاوز هذه الوسطية غلوا أو جفاء فلا وصف أدق من وصفه بما وصفه به رسول الله ﷺ . وفي نهاية مقالي أدعو أهل العلم عموماً، والزملاء المختصين بدراسة العقيدة والمذاهب المعاصرة - ممن يتولون تدريسها في الجامعات الإسلامية - إلى مزيد من الكتابة العلمية الموثَّقة في هذه المسألة، وذلك من خلال مقارنة أوسع للقضايا المثارة بين الإسلام والديمقراطية، كالحرية، وعموم مسائل المرأة ونحوها من مواضع الممايزة والمباينة الكبيرة بين الإسلام والديمقراطية، مما تعمدت تجنب النقاش الموسع فيه خلال هذه المقالة، رغبة في عدم الإطالة، وعسى الله أن يجعل هذه المقالة متبوعة بمقالات علمية، تجلي للناس هذا الغبش الذي اشترك في إحداثه أكثر من طرف، حتى صار كثير من عوامّ المسلمين يتوهم أن الديمقراطية مصدر الأمل القادم الذي ستُستنقذ به بلادهم بعد أن أُوهموا أن دينهم العظيم لا يعارضها، إذاً فلنوضّح الحقيقة، لنُفهم فلذات أكبادنا من بنين وبنات أن كل أمر تُمدَح به الديمقراطية من جهة مروجيها يستحيل - إن كان محل مدح فعلاً - ألا يكون موجوداً في دين الله على أكمل وأتم ما يكون من الحسن والبهاء، ليعتز فلذات الأكباد بمصدر عزهم الوحيد، ويستغنوا به عما سواه من تيارات الشرق والغرب، وينأوا بأنفسهم عن إشكالات تلك التيارات المهلكة التي هي اليوم سرطان البشرية الأكبر. ومما يؤكد على أهل العلم ضرورة الكتابة المؤصلة في هذا الجانب الكبير مانجده من كتابات بعيدة عن المصداقية، عظيمة الزيف، فلا علاج لها إلا بالعلم المؤصل على وفق الشرع، ومن الله وحده نستمد التوفيق. مَسَّكَنا الله بما تركنا عليه رسوله ﷺ من المحجّة البيضاء، وسلَّمنا من الغلو والجفاء إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه.

стр. 75

تلميذ يحكي أحوال شيخه القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية ١١ صفر ١٤٣٣هـ قال ﵀: علِم الله، ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو-مع ذلك- من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه (١). وقد شاهدت من قوته، وكلامه، وإقدامه، وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً (٢). ورأيته في المنام؛ وكأني ذكرت له شيئاً من أعمال القلب؛ وأخذت في تعظيمه ومنفعته، فقال: أما أنا، فطريقتي: الفرح بالله، والسرور به. أو نحو هذا من العبارة، وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله (٣). وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها (٤). وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم. وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه. ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله، ورضي عنه (٥) وكان يقول كثيراً: ما لي شيء ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدِّي وابن المكدِّي وهكذا كان أبي وجدِّي وكان إذا أُثْني عليه في وجهه، يقول: والله! إني إلى الآن أُجدِّدُ إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً (٦). وقال: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس. وكان يتمثل كثيراً: عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ وكان يتمثل أيضاً: وأخرجُ من بين البيوتِ لعلني أُحدث عنك النفسَ في السر خاليا (٧). وحدثني شيخنا، قال: ابتدأني مرض؛ فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك؛ أليست النفس إذا فرحت وسرت، قويت الطبيعة، فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له: فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا (٨). وسمعت شيخنا ﵀ يقول - وقد عرض له بعض الألم - فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم، والفكر فيه، والتوجه، والذكر. فقال: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت؛ أوجب فرحها لها قوة، تعين بها الطبيعة على دفع العارض؛ فإنه عدوها، فإذا قويت عليه قهرته؟ فقال له الطبيب: بلى. فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر، والكلام في العلم، وظفرت بما يشكل عليها منه، فرحت به وقويت، فأوجب ذلك دفع العارض هذا. أو نحوه من الكلام (٩).
следующие страницы →