← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أفلا يجد المروجون لمواقف ساسة الغرب الديمقراطي في تاريخ أمتهم شيئاً من مواقف النُّبْل المشرفة التي لم يُرِد بها مَن وقفها أيَّ دعاية انتخابية؟ والديمقراطية كغيرها من التيارات الأرضية لما كانت تعاني إشكالات مزمنة حار أطباؤها في علاجها، حتى تبرع بعض أنصارها - في المشرق الإسلامي - بحل نادر لها، وفق التصوير الآتي: علاج مشاكل الديمقراطية هو بالمزيد من الديمقراطية! فأضحى العلاج كعلاج صاحب الخمر الذي نُصِح بتركه، فأجاب بقوله: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء ولا يُعهَد في عرف العقلاء أن المشاكل تُحل بمزيد من المشاكل إلا وفق هذا المفهوم الأعوج الذي يُمثِّل حقيقة التيه التي تعانيها هذه التيارات الأرضية. ومعلوم أن تطبيق أي مبدأ أو نظام كفيل ببيان حسنه من سوئه، والمعاناة التي يُغض الطرف عنها من آثار تطبيق الديمقراطية هي من أوضح الأدلة على بيان ما فيها من عوار آخذٍ في الازدياد بمضي الوقت، إلى أن يصل أنصارها يوماً ما إلى ما وصل إليه أنصار الاشتراكية الذين أقسموا جهد أيمانهم أن تيارهم سيعُمُّ الأرض كلها، وستجد البشرية فيه ما يحقق العدالة المطلقة التي تنشدها. أما دين الإسلام فإن تطبيقه السليم قد أخضع المنصفين حتى من خصومه إلى الإقرار بأنه يمثل الرحمة الحقيقية التي جعلها الله لهذه البشرية، ولذا لم تزدد هذه الأمة بتطبيقه إلا عزة ومنعة، إلى أن دخلت الدواخل والرواسب على الأمة ورضي فئام من أبنائها باستبدال الذي هو أدنى - من تيارات الانحراف - بالذي هو خير، فتراكمت في الأمة مشاكل يجزم من كان له عقل يعي به الأمور أن مِن المحال أن ترتفع هذه المشاكل بغير الإسلام. وهنا تتضح المعادلة على حقيقتها بين الإسلام وبين الديمقراطية، فالإسلام إذا طُبِّق حُلَّت مشاكل الأمة، والديمقراطية إذا طبقت أفرز تطبيقها مشاكل تُحل بمثلها! - وفق مفهوم بعض أنصارها - فمن يستطيع من المنصفين أن يقارن حالاً كهذا بحال الإسلام حين يطبق؟ ولئن كانت الديمقراطية في المجتمعات الغربية حلماً منشوداً عقدوا عليه الآمال مدداً من حياتهم فما ذاك إلا لعدم وجود الإسلام بينهم، فلا غرابة أن يتنقلوا بين التيارات على مدى قرون متطاولة يترنحون بينها، فِعْل التائهين، أما من أكرمه الله بدين الإسلام فكيف يتطلع إلى تيارات التيه هذه، وكأنه لم يعرف تاريخ هذه الأمم التي أضحت هذه التيارات فيها بمثابة المَوْضات التي يتنقل بينها متابعوها، فتزدهر منها موضة في وقت، ثم تعود بالية قديمة، لوجود موضة أجَدّ منها في نظر من استحسنها. ولئن كان التنقل بين هذه التيارات يستغرق فترات أطول من التنقل بين الموضات فما ذاك إلا لمد الآمال في كل تيار، رجاء أن ينجح، ولإعطائه مزيداً من الوقت، ليتمكن من تحقيق الأحلام المنشودة، وإن أردت البرهان على هذا فتأمل في كتابات لمع نجمها في القرن الماضي حول تيارات وأفكار اضمحلت لاحقاً، وقارِنْها بكتابات اليوم، لتجد مصداق هذا الكلام، بل إن من كُتِب له عمر بعد عدد من السنين لو طالع ما سيُكتب في وقته وقارنَه بما يُكتب اليوم لوجد أن المحصلة النهائية لهذه التيارات - مهما تباينت - واحدة ترتفع أسهمها في وقت ثم تظل تنحدر إلى أن تعلن الإفلاس، وتلك طبيعة هذه المبادئ الأرضية المبتورة عن النور الرباني الذي سماه الله تعالى مِنّةً في قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وبعث به نبيه ﷺ رحمة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 72

فلماذا العدول عن مِنَّة الله ورحمته إلى نقمة تيارات التيه، وإلى متى لا نعتبر بقوم من بني جلدتنا أضاعوا شبيبتهم في الدعاية الفارغة لتيارات اجتلبوها من الشرق أو الغرب، وجاؤوا كالمبشرين بها، ثم لم يجنوا منها إلا الفشل الذي عم بلادهم والنكد الذي ختموا بها حياتهم - بعد أن انحنت في سبيلها ظهورهم واشتعلت شيباً لأجلها رؤوسهم - عائذاً بالله من سوء الختام. إذاً فخلْط ما بين الإسلام والديمقراطية ضرب من ضروب التضليل الذي يصدق عليه أنه كذب عليهما معاً، فليست حقيقة الديمقراطية بتلك التي تُصوَّر في أمتنا - مبتورة عن المنحى العقدي الضال الذي قامت عليه - ولا هي بالحل الحقيقي لبني الإنسان، كما يدّعيه أنصارها عندنا، مما لم يدَّعه للديمقراطية أهل الإنصاف في مواطنها التي جُلبت منها، كما أن الإسلام في عظمته وجلالة من كَمَّله تعالى ليس بالوضاعة التي يُجرّ من خلالها جرّاً ليتماشى مع تيار تائه سيرى الناس يوماً سقوطه كما سقط ما قبله. وإذا سقطت الديمقراطية فستتبين عند ذلك فظاعة الجناية التي ارتكبها من خلطوا الإسلام بالديمقراطية، حين عرَّضوا هذا الدين لأن يُنسب للفشل - وحاشاه - لاقترانه بتيار لفَظَه الناس بعد أن تبدَّى لهم أن آمالهم فيه كانت ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩]. وهذا بعينه ما عرَّض الإسلامَ له من خلطوه بالاشتراكية الفاشلة التي هَوَت في سلة مهملات التاريخ بعد أن لفظها الناس. وما تنبيه أهل العلم الشرعي على خطورة هذا الخلط بين الإسلام وتيارات التيه قبل سقوطها إلا إبانة للحقيقة من جهة، واستباق لكارثة وصم الإسلام بفشلٍ لم يتسبب فيه من جهة أخرى.

стр. 73

إذاً فليُحْسب فشل الديمقراطية الحاضر والقادم عليها هي، وليسلم دين الله من الصدِّ عنه، لسبب لا تعلق له به، وليرتقب ناصرو الديمقراطية سقوطاً قريباً لها، بعد أن صَمّوا آذانهم وأغمضوا أبصارهم عن وقائع فشلها الكثيرة، ومنها هذه الوقائع الراهنة في السياسات الظالمة خلال السنوات العشر الماضية، التي أزهق الغرب فيها من الأرواح، وأحل بها من الخسائر المادية ما لم يَخْفَ على أحد، كل ذلك بحجة فرض هذه الديمقراطية بالقوة على شعوب المنطقة. ولا عجب فقد أغمض مناصرو الديمقراطية أبصارهم من قبل عن المفاسد الخلقية المنتنة التي أوجدتها الديمقراطية في كل مجتمع حلت به، باسم الحرية الشخصية، فغدت أرقام الفواحش في تلك المجتمعات وصمة عار توضح لك معنى قلب الحقائق عند الحديث عن (حقوق الإنسان) حيث جُعِلَ هذا الإنسان - الذي كرمه الله - بمثابة السلعة الترويجية، تُنشَر الدعاية المخزية المتعلقة به كما تنشر لأي سلعة أخرى، وكان المتضرر الأكبر من ذلك هذه المرأة المسكينة التي بلغت رحمة النبي ﷺ أن قال فيها: (اللهم إني أُحرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم) (رواه أحمد ٣/ ٤٣٩) فقرنها باليتيم في الضعف، وحرج على من ظلمها حقها. فتأمل كيف جاوز الظالمون المدى في ظلمها والعبث بها باسم مناصرة حقوقها، حتى أزالوا من قاموسها في بلدانهم اسم (العِرْض الشريف) وسط ضحكاتهم الساخرة وغمزاتهم الفاجرة، فصار الوصول إليها سهل المنال، إلى الحد الذي أضحت المرأة فيه فقرة حاضرة ضمن كل تسلية وترفيه عابث منحط، وما هذه المسابقات المأساوية الظالمة، المسماة بمسابقات ملكات الجمال إلا شاهد سنوي مؤكد على مدى النظرة المتدنية للمرأة التي باتت تُعرض على ناظر الرجال كما تعرض الدواب من الخيول وغيرها لينظر في جمالها، تماماً كما ينظر إلى السلع الأخرى في مزادات السيارات عند خروج مايُعبر عنه بالموديلات الجديدة كل عام فوا أسفاً على هذا الإنسان كيف استذلته الديمقراطية!، والله لكأن المرأة غير داخلة ضمن حدود التكريم الذي شرف الله به الإنسان ورفع من قدره، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا! وهكذا أوصلت الديمقراطية شقائق الرجال إلى حال مزرية بعد أن تنوَّعت وجوه الانتهاك الوقح لشرفها، وكأن حق (عِرْض) كريم شريف للمرأة يدعو إلى إكبارها وتقديرها من قبل الرجل، بل ويرفع من مستوى العلاقة الإنسانية بينه وبينها، كأنه ليس من الحقوق التي يجب أن تكون من أبجديات هذه العلاقة! وهذه المسألة بعينها تبرز جانبا من الصورة المضللة حين يُخلط الإسلام بالديمقراطية، ففي الوقت الذي يُنتهك فيه (العِرض) البشري في ظلال الديمقراطية، وباسم حقوق الإنسان وحريته، يجعل الشرع الشريف حماية هذا العرض ضرورة عظمى من الضرورات الخمس التي إذا اختلت اختل البناء بأسره، ويجعل عقوبة العابثين بالأعراض أشد العقوبات، ثم يريد مزوِّرو الحقيقة أن يصدقهم الناس حين يخلطوا ديمقراطيتهم العابثة بدين الإسلام - الحامي الأكبر للعرض البشري - كما أرادوا أن يصدقهم الناس بدعواهم تطابق ما بين الإسلام وبين الديمقراطية في مفهوم (الحرية) وهم يرون أن ما يسمَّى بالحرية في الغرب بلغ من التسيُّب حدّاً سُمِح فيه لعُبَّاد الشيطان أن يمارسوا طقوس عبادتهم الهمجية المنحطة بلا نكير، لأن التعددية والأفق الديمقراطي لا يضيق عن السماح بممارسة هذا اللون من العبادة، ولو كانت للشيطان عدو الإنسان الأول، وبعد ذلك كله يقول المزوّرون: إن الإسلام كالديمقراطية قد جاءا بالحرية وبحقوق المرأة، فوجوه الألفة بينهما قوية! ويلوون كعادتهم نصوص الشرع الشريف لتثبيت أكذوبتهم المكشوفة.

стр. 74

وبكل حال فإن الإسلام - بحمد من أكمله - ليس شيئاً ضبابيّاً غامضا كالليبرالية مثلا الموصومة في الغرب دوماً بالغموض وعدم الوضوح، حتى قررت الموسوعة الشاملة أنها مصطلح غامض، لأن معناها يتبدل بمرور السنين! وقررت الموسوعة البريطانية أن من النادر أن توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، ولهذا انهارت بعض حركاتها لهذا الغموض المطبق (انظر حقيقة الليبرالية ص١٦) فأما دين الله فلم يكن قط خفيا غامضا، حتى يُنقِّله المتهوِّرون تبعاً لأهوائهم، بل هو جلي المنهج واضح المعالم، كما قال النبي ﷺ : (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) (رواه أحمد ٤/ ١٢٦)، فمن هَوِيَ تيارات التِّيه من ديمقراطية أو ليبرالية أو اشتراكية أو غيرها فليكن واضحاً، ولا يُجيِّر هواه على دين الله، لينشُره في الناس من خلال مَسْحة شرعية يضلل بها الناس، فإن هذا المسلك المغلوط هو عين ما سلكه الخوارج الغلاة، ولكن في اتجاه معاكس لاتِّجاه هؤلاء، حيث جعل الخوارج تشددهم وتهورهم وظلمهم منسوباً إلى دين الله، وهذا هو المفهوم الذي سعوا إلى نشره في الأمة، وأفهموه من سايرهم في باطلهم، ألا فقَاتَلَ الله الغلاة والجفاة معاً، ما أشد جنايتهم على أمة الإسلام!، ولِله ما أعدل وأصدق سنة رسول الله ﷺ التي وصفت أهل التفريط والإفراط معا بوصف واحد، وهو وصف (شِرار الأمة)! إذ جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في الخوارج الغلاة: (شرار أمتي) الحديث (رواه الآجري: ٥٦)، كما قال في الجفاة من حاملي الأمة على طرائق الزائغين قبلها: (ليَحْمِلنَّ شرارُ هذه الأمة على سنن الذين خَلَوا من قبلهم) الحديث (رواه الآجري: ٣٤). وما ذاك إلا لأن أهل الإفراط والتفريط جانبوا الوسطية الحقيقية التي جلّاها رسول الله ﷺ لأمّته، فمن جاوز هذه الوسطية غلوا أو جفاء فلا وصف أدق من وصفه بما وصفه به رسول الله ﷺ . وفي نهاية مقالي أدعو أهل العلم عموماً، والزملاء المختصين بدراسة العقيدة والمذاهب المعاصرة - ممن يتولون تدريسها في الجامعات الإسلامية - إلى مزيد من الكتابة العلمية الموثَّقة في هذه المسألة، وذلك من خلال مقارنة أوسع للقضايا المثارة بين الإسلام والديمقراطية، كالحرية، وعموم مسائل المرأة ونحوها من مواضع الممايزة والمباينة الكبيرة بين الإسلام والديمقراطية، مما تعمدت تجنب النقاش الموسع فيه خلال هذه المقالة، رغبة في عدم الإطالة، وعسى الله أن يجعل هذه المقالة متبوعة بمقالات علمية، تجلي للناس هذا الغبش الذي اشترك في إحداثه أكثر من طرف، حتى صار كثير من عوامّ المسلمين يتوهم أن الديمقراطية مصدر الأمل القادم الذي ستُستنقذ به بلادهم بعد أن أُوهموا أن دينهم العظيم لا يعارضها، إذاً فلنوضّح الحقيقة، لنُفهم فلذات أكبادنا من بنين وبنات أن كل أمر تُمدَح به الديمقراطية من جهة مروجيها يستحيل - إن كان محل مدح فعلاً - ألا يكون موجوداً في دين الله على أكمل وأتم ما يكون من الحسن والبهاء، ليعتز فلذات الأكباد بمصدر عزهم الوحيد، ويستغنوا به عما سواه من تيارات الشرق والغرب، وينأوا بأنفسهم عن إشكالات تلك التيارات المهلكة التي هي اليوم سرطان البشرية الأكبر. ومما يؤكد على أهل العلم ضرورة الكتابة المؤصلة في هذا الجانب الكبير مانجده من كتابات بعيدة عن المصداقية، عظيمة الزيف، فلا علاج لها إلا بالعلم المؤصل على وفق الشرع، ومن الله وحده نستمد التوفيق. مَسَّكَنا الله بما تركنا عليه رسوله ﷺ من المحجّة البيضاء، وسلَّمنا من الغلو والجفاء إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه.

стр. 75

تلميذ يحكي أحوال شيخه القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية ١١ صفر ١٤٣٣هـ قال ﵀: علِم الله، ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو-مع ذلك- من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه (١). وقد شاهدت من قوته، وكلامه، وإقدامه، وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً (٢). ورأيته في المنام؛ وكأني ذكرت له شيئاً من أعمال القلب؛ وأخذت في تعظيمه ومنفعته، فقال: أما أنا، فطريقتي: الفرح بالله، والسرور به. أو نحو هذا من العبارة، وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله (٣). وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها (٤). وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم. وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه. ونحو هذا من الكلام، فسُرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله، ورضي عنه (٥) وكان يقول كثيراً: ما لي شيء ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدِّي وابن المكدِّي وهكذا كان أبي وجدِّي وكان إذا أُثْني عليه في وجهه، يقول: والله! إني إلى الآن أُجدِّدُ إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً (٦). وقال: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس. وكان يتمثل كثيراً: عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ وكان يتمثل أيضاً: وأخرجُ من بين البيوتِ لعلني أُحدث عنك النفسَ في السر خاليا (٧). وحدثني شيخنا، قال: ابتدأني مرض؛ فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك؛ أليست النفس إذا فرحت وسرت، قويت الطبيعة، فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له: فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا (٨). وسمعت شيخنا ﵀ يقول - وقد عرض له بعض الألم - فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم، والفكر فيه، والتوجه، والذكر. فقال: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت؛ أوجب فرحها لها قوة، تعين بها الطبيعة على دفع العارض؛ فإنه عدوها، فإذا قويت عليه قهرته؟ فقال له الطبيب: بلى. فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر، والكلام في العلم، وظفرت بما يشكل عليها منه، فرحت به وقويت، فأوجب ذلك دفع العارض هذا. أو نحوه من الكلام (٩).

стр. 76

وحضرتُه مرة، صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إلي، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء، سقطت قوتي. أو كلاماً قريباً من هذا (١). وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر (٢). ولقد شاهدت من فراسته أموراً عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سِفراً ضخماً (٣). وسمعته يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها، لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي، لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة (٤). وكان يقول- في محبسه في القلعة-: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً، ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. ونحو هذا (٥). وكان يقول- في سجوده وهو محبوس-: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك ما شاء الله (٦). وقال لي مرة: المحبوس: من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] (٧). وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروعَ، ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين (٨). وكان صغيراً عند بني المنجا، فبحث معهم، فادَّعوا شيئاً أنكره، فأحضروا النقل، فلما وقف عليه، ألقى المجلد من يده غيظاً، فقالوا له: ما أنت إلا جريء؛ ترمي المجلد من يدك، وهو كتاب علم؟! فقال سريعاً: أيما خير؛ أنا أو موسى؟ فقالوا: موسى. فقال: أيما خير؛ هذا الكتاب، أو ألواح الجوهر التي كان بها العشر كلمات؟ قالوا: الألواح. فقال: إن موسى لما غضب، ألقى الألواح من يده. أو كما قال (٩). وكان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قَدَر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته. وهذه فتاويه- ﵀ بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك. وكان خصومه يعيبونه بذلك؛ ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر- مثلاً- فيذكر له معها: طريق مكة والمدينة وخراسان والعراق والهند! وأي حاجة بالسائل إلى ذلك؟! ولعمر الله! ليس ذلك بعيب، وإنما العيب الجهل والكبر. ورأيت شيخنا يتحرى في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهراً فيها (١٠). وشهدته إذا أعيته المسائل، واستصعبت عليه؛ فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله، واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه، بأيتهن يبدأ. ولا ريب أن من وفق لهذا الافتقار علماً وحالاً، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق. ومن حُرِمَه، فقد منع الطريق والرفيق (١١). وكان إذا أشكلت عليه المسائل، يقول: يا معلم إبراهيم! علمني. ويكثر الاستعانة بذلك؛ اقتداء بمعاذ بن جبل ﵁؛ حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته؛ وقد رآه يبكي؛ فقال: والله! ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منها، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل ﵁: (إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما، وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء، فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم - صلوات الله عليه -) (١٢). قال ابن القيم ﵀: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). وكان شيخنا- يعني شيخ الإسلام ابن تيمية- كثير الدعاء بذلك (١٣). تم اقتباسه وتهذيبه والتصرف فيه من كتاب: (سماعات ابن القيم من شيخ الإسلام ابن تيمية) لسهيل بن عبد الله السردي، نشر: دار النوادر، ط١، ١٤٣١هـ، (ص ٣٤٣ - ٣٧٣)

стр. 77

سيادة القهر عايض الدوسري الأحد ٩ محرم ١٤٣٣هـ أطلقت إحدى الشخصيات العلمانية السعودية تغريدة على موقع (التوتير) قبل يومٍ تقريبًا قالت فيها: "أنا أرضى بالعدل والحرية والمساواة تحت أي مسمى". أجده من المناسب جدًا أن أفتتح مقالي بهذه المقولة الجوهرية التي تختصر مساحات شاسعة وصفحات عديدة للتعبير عما يريده الليبرالي المستلب أو التنويري المقهور. أعتقد أنَّ سيادة الواقع، المحكوم بالقهر والغلبة والظلم واستلاب الحقوق، هو العامل الأساس في الضغط على عقول فئة من العقول الشابة الذكية والنابهة للبحث عن مخرجٍ سريع من هذا الواقع، وربما لأن النماذج والأمثلة الدينية المعاصرة التي يعرفونها لا تسمح باستنباط ملامح ذلك المخرج، لذا وجدوا أنَّ الحرية هي الحل الناجع والمثالي للخروج من واقع القهر والغلبة والأثرة. ولأنَّ هذا الحل هو الحل الوحيد -في نظرهم- فكان ولا بد من إلتزام لوازمه ومقتضياته وفق مبدأ "تحت أي مسمى". ولا بد أن يتنبه المصلحون وعلى رأسهم علماء الشريعة أنَّ القهر يولد قناعات جديدة، واعتقادات حادثة، وهذه الاعتقادات تجر بدورها التزامات أخرى، وهكذا يجد الإنسان نفسه مضطرًا للالتزام بها حتى لا يخسر المبدأ الذي قرره، ليجد نفسه في نهاية المطاف محاطًا بتصورات مخالفة لما كان عليه في أول الأمر. وهذا التأثر ليس وليدة العصر الحاضر، بل هو وليدة كل عصر يكون فيه الإنسان تحت ضغطٍ ما. ففي القرنين الهجريين الأول والثاني نجد أنَّ جملة من الأذكياء والعقلاء، الذين كانوا مدفوعين بحمى النضال عن الإسلام تجاه خصومه من أبناء المِلَل والنِحَل الأخرى، وجدوا أنفسهم مُلزمين بمجموعة مبادئ لا بد لهم من التزامها إن أرادوا المضي قُدمًا في نضالهم "العظيم". فمن أجل إبطال معتقدات الخصوم لا بد وأن يبطلوا مجموعة من الأمور منها على سبيل المثال: "قضية التقليد"، حيث قرروا أنه لا يُعرف بالتقليد الحق أو الباطل، ولأجل إلزام الخصوم بذلك التزموا بهذا المبدأ، فآل أمرهم -كما يقول الحافظ ابن حجر- إلى تكفير من قلد الرسول في معرفة الله تعالى، ولزمهم القول بعدم إيمان أكثر المسلمين. ومن أخطر العوامل الواقعية التي يمكن أن تُولد عقائد جديدة "العامل السياسي"، حتى قيل إن "مذهب القدرية" كان أشبه بالمعارضة السياسية التي تشكلت كحركة مضادة للدولة المستبدة. ومثله قد يُقال عن "مذهب الجبرية" أو "المرجئة" أنها أيضًا حركات جاءت نتيجة ضغط الواقع لكن في اتجاهٍ عكسي. الخلاصة هنا هي أن العقول الذكيَّة المضطربة -على وجه الخصوص- تريد أن تتحرر من قهر الواقع بما تراه مناسبًا و"تحت أي مسمى". وإذا أردنا أن نذهب أبعد من ذلك، من باب "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، فسوف نجد أن التاريخ السياسي-الديني للمسيحية قد يُقارب ما حصل ويحصل بين المسلمين. فقد كانت "الكنيسة"، كممثلٍ رسمي وواجهة دينية للدين المسيحي، تخوض حرباً شرسةً مع الإلحاد والهرطقة التي أخذت في الانتشار في أرجاء أوروبا. لكن بسبب ممارسات خاطئة واعتقادات ضالة دخلت الكنيسة في عصر "الأزمات الداخلية" أي بين رجال الدين أنفسهم، وبشكل أدق بين طائفة الإصلاحيين الجدد، والحرس القديم للكنيسة!

стр. 78

لم يعد ممكنًا إنكار الخلل العقدي والمنهجي والسلوكي "للكنسية"، ليس من نظرة إسلامية بل من نظرة نقدية مسيحية داخلية، فبدأت تظهر حركات نقدية وتصحيحية تركز بشكل أساسي على الخلل السلوكي الذي كان يمارسه رجال الدين والباباوات. فكانت الاعتراضات تتركز على بيع وشراء ترقيات الكنيسة، ومناصبها، وغنى رجال الدين الفاحش، وإقطاعيات الكنيسة، وبقية المخازي السلوكية المادية والأخلاقية، فكان موقف الكنيسة واضحًا وهو الحرمان من حقوق الكنيسة لمن يتعرض لمخازيها بالنقد، ولم تكن "الكنيسة" راغبة في قبول دعوة التصحيح والإصلاح والتجديد، ولمواجهة الخطر قام تحالف بين "الكنيسة" و"الملوك"، أي تحالف بين الإقطاعيين لمواجهة حركة التمرد والنقد الديني والشعبي. ونتيجة طبيعة لذلك زاد النقد، وظهرت حركات تصحيحية كثيرة أخرى، منها المؤمن ومنها المتشكك ومنها الحركات الإلحادية. وما إن ظهر "مارتن لوثر" حتى تلقت الكنيسة الضربة الكبرى على يده وعلى يد "جون كالفن"، وحدث أن تحالفت الحركة الإصلاحية مع بعض الملوك ضد الكنيسة، وأراد هؤلاء الملوك أن يستقل بسيادته عن سيادة الكنيسة وعن سلطة بقية الملوك، ووجد بعض الإصلاحيين الأمر أسهل حينما تحالفوا من الملكيات ضد المرجعية الدينية، فمثل لهم ملاذً آمن وفرصة عظيمة لضرب الأسس الفلسفية والدينية للنظام الإقطاعي، وهذا ما لم تدركه الملكيات آنذاك. لم يكن بكل تأكيد "مارتن لوثر" ملحدًا أو مهرطقًا أو متشككًا، بل كان مؤمنًا قسيسًا متشددًا إلى أبعد الحدود، ولذا لم يكن يتخيل أن حركته الإصلاحية فيما بعد ستكون إحدى الأسس التي سوف تشيد العلمانية الملحدة صرحها عليها. وهذا ينسحب أيضًا على مجموعة من الأذكياء، الذين يمكن أن يحسبوا على المؤمنين مثل: "رينيه ديكارت" و"ليبتز" و"إيمانويل كانط"، الذين كانوا يراقبون بقلق هذا الصراع، بين القديم والجديد، فحاولوا التدخل للإصلاح، وصنع منهجٍ وسطي يصلح أن يكون جسراً يردم الهوة بين هؤلاء جميعاً، فحاول الجمع بين منهج العقلانيين والكنسيين، وذلك من أجل الحفاظ على الإيمان بصورة وسطية تنويرية! لكن محاولتهم الصادقة والبريئة تلك كانت بكل جدارة الضربة الأخيرة للكنيسة، فجاءت ضربة التغيير من داخل الكنيسة لا من خارجها. هذا التاريخ الكنسي يُحاول البعض جره إلى البيئة الإسلامية، ومن خلال محاولة صناعة أو تبني "عمائم ليبرالية" تنشط بفعاليَّة من داخل أسوار الدين، ولذا ليس من المستغرب أن يقول الدكتور "جورج طرابيشي": "ليس لنا أن نتصور فولتيراً عربياً بدون لوثر مسلم"!، فهو يربط -بشكل له مغزى خطير- بين التاريخ الكنسي وما يجب أن يُكرر في الدين الإسلامي. خصوصًا إذا عرفنا أن الدكتور "طرابيشي" دعاء بكل صراحة إلى علمنة الإسلام مثل المسيحية بواسطة إعادة قراءة التراث الإسلامي الديني من خلال عيون عَلمانية، أي من خلال "مذبحة التراث". فهؤلاء -كطرابيشي وأمثاله- يريدون بكل وضوح تطبيق المقولة المنسوبة "لجمال الدين الأفغاني" القائلة: "لن يقطع عنق الدين إلا بسيف الدين نفسه"! وهذا قد لا ينطبق على كثير من الأخوة الفضلاء الذين يُسمون بالتنويريين، حيث إن دافعهم هو الغيرة على الدين والشغف بالحرية والعقل والحقوق، لكن تضخمت قضية "الحرية" بشكل كبير ومفزع، بسبب تضخم القهر واستلاب الحقوق، حتى التزموا جعل الشريعة أو "تطبيق الشريعة" محكومة بـ "صندوق الاقتراع" وفق مبدأ "سيادة الأمة". فما هو مبدأ "سيادة الأمة" المقدم على "سيادة الشريعة"؟

стр. 79

هل يُمكن القول إن المقصود بـ"سيادة الأمة"، الذي يحكم "سيادة الشريعة"، هو اختيار الأمة بكاملها، أي توافق كل أفرادها على شيءٍ ما؟ لا أظن عاقلاً يمكنه أن يزعم ذلك، فلا يُمكن بحال أن تتفق أمة من الأمة بكل أفرادها على أمرٍ ما حتى ولو كان من أعظم الأصول، وهذا أمرٌ بدهي. وإنني أزعم أنه لو طرح موضوع "الإيمان وجود الله" في "صندوق الاقتراع" في السعودية على وجه التحديد فلا أظن أن تكون النتيجة ١٠٠%. إذن، المقصود من "سيادة الأمة"، وهو "سيادة الأكثرية" أي اختيار الأكثرية، وأن تقوم السيادة على مبدأ اعتبار الأكثرية في تقرير الشرعية، فالشرعية ذاتية في "الناس الأكثر"، و"الشريعة" هي الممنوحة الشرعية بواسطة "الأمة" أو بالأصح -علميًا وواقعيًا- بواسطة الأكثرية. وهذا حكم تقريري بانعدام الشرعية الذاتية "للشريعة" أو "لحكم الله"، وانتقلت "الشرعية" أو "السيادة" لمجموعة من الناس يُسمون "الأكثرية". و"مبدأ الأكثرية" مبدأ سياسي يُشير إلى فوز مجموعة أو تكتل "مهما كان" بأكثر من نصف أصوات الناخبين، أو بتعبير آخر، "مبدأ الأكثرية" أو "السيادة" هي نفس "مبدأ الغلبة" لكن بواسطة الاقتراع. وهو مبدأ قديم عرفه اليونان وأشار إليه "أرسطو"، ونصَّ "جان جاك روسو" أنَّ "الأكثرية" ملزمة للآخرين. هذا المبدأ "الأكثرية" يقوم على إدعاء الحق في إعطاء صفة الحق والصواب لمبدأ العدد؛ لمجرد أنه عدد، فما يقره العدد الأكثر يصبح هو الحق والصواب والحقيقة، وهذا بلا شك مخالفة صريح للإسلام الذي لا يعتبر بمسألة العدد أو "الأكثرية" في مسألة تحديد الأمور القطعية أو تحديد ماهية الحق أو الصواب والحقيقة، فضلا عن تقرير قبول الشريعة أو رفضها. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وإنه من الصعوبة -على الأقل بالنسبة إليَّ- فهم قول القائل الفاضل: "فإن اختارت الأمة منظومة القيم والمبادئ الإسلامية كمرجعية عليا وإطارا للتشريع والقوانين فلا يحق لأحد أن يفتئت عليها أو يفرض ما يناقض ويعارض مرجعيتها الدستورية. وإن اختارت شيئا آخر غير المرجعية الإسلامية؛ فيجب احترام خيارها ولا يجوز قهرها وإجبارها بشيء لا تؤمن به، لأنه لا خير في قيم ومبادئ لا تؤمن بها الشعوب ولا تتمثلها وتطبّقها إلا خوفا ونفاقا وتقيّة". ثم قوله بعد ذلك مباشرة: "لا يعني أن الشعب هو معيار المبادئ والقيم والأخلاق كما يتصور البعض. بل المعيار من حيث المنطق المعرفي هو المرجعية التي يؤمن بها الإنسان سواء كانت دينية عقدية/ أو فلسفية وضعية، ومعرفة الحلال والحرام في الإسلام لا يكون من خلال الاستفتاء الشعبي وإنما من خلال مصادر التشريع في الإسلام وعلى رأسها الكتاب والسنة". حقيقة أجد صعوبة بالغة في رؤية التوافق بين التقريرين السابقين، ففي الأول "الأكثرية" هي من تعطي الشرعية لمنظومة القيم الإسلامية بل للشريعة نفسها، أي بكل وضوح "الأكثرية" هي معيار شرعية الأخلاق والقوانين والقيم. لكن في التقرير الثاني "الأكثرية" ليست هي معيار المبادئ والقيم والأخلاق! حقيقة احتاج إلى مساعدة لفهم كيفية التوافق بين هذين التقريرين.

стр. 80

فإذا كانت الأمة لها الحرية والحق في اختيار الشريعة [منظومة القيم والمبادئ الإسلامية كمرجعية عليا وإطارا للتشريع والقوانين] أو نبذها، فكيف لا يكون "الشعب هو معيار المبادئ والقيم والأخلاق"؟! وهو نفسه المعيار في تحديد المرجعية نفسها، وهي مرجعية الأخلاق والقانون! وحينما يُقال: إن "معرفة الحلال والحرام في الإسلام لا تكون من خلال الاستفتاء الشعبي وإنما من خلال مصادر التشريع في الإسلام وعلى رأسها الكتاب والسنة". فما المقصود من هذا الكلام؟ نحن بين خيارين اثنين: الأول: أن يكون هذا الكلام مجرد محاولة تعريف القارئ أنَّ الحلال والحرام في الإسلام يكون من خلال الكتاب والسنة، وهذا في الحقيقة تعريف للمعروف لا فائدة منه. والثاني: أن يكون الكلام تقريرًا لكون الاستفتاء الشعبي ليس مصدرًا للحلال والحرام عند المسلمين أنفسهم، ومن ثمة فلا يجوز للأمة أن تختار منظومة القيم والمبادئ المخالفة للإسلام كمرجعية عليا وإطارا للتشريع والقوانين. فإذا تقرر هذا فقد نُقض الكلام كله ومن أساسه! إنَّ القوانين إنما تصدر في أغراضها وغاياتها عن القيم والمبادئ الأخلاقية، فمحيط القانون جزء من محيط الأخلاق، أو كما أوضح "مونتيسكيو" في كتابه "روح القوانين" أن الشرائع في كل مجتمع وليدة عاداته وهي مصدره. فالقوانين تأتي لتنقل القيمة أو الخلق إلى حيز التنفيذ أو الاحترام أو الاعتبار. وعليه، فإن من شرَّعَ قانوناً يحرِّمُ أمراً ما، فمن المفترض أنه يفعل هذا لأنه رأى هذا الأمر قبيحاً يستحق الحظر والمنع. فمن هنا صار الذي يعلق التشريعات على نتائج التصويت قد أعطى الناسِ حقَّ التحريم والتحليل، وجعلهم هم المرجع في تعيين الحلال والحرام على مستوى الجماعة. إن مبدأ "سيادة الأمة" ليس مبدأ إسلاميًا من الأساس، بل هو من مبادئ الأنظمة الوضعية التي أعطت "الحاكمية العليا" "للأمة = الأكثرية"، وهذا ما يتصادم مع الإسلام. ولما لم تكن أوروبا المسيحية محكومة "بسيادة الشريعة"، فقد كانت محكومة "بسيادة الكنيسة" أو"سيادة الملكيات"، والجميع يدعي الحكم باسم "الحق الإلهي"، فما كان من الشعوب الأوروبية إلا أن استبدلت ذلك بسيادتها على نفسها، وأعطت نفسها صفة الحاكمية المطلقة، فهم الذين يُقررون ويشرعون القوانين، وهم معيار ما هو خُلقي وما هو غير خُلقي، فالشذوذ مثلاً كان غير شرعي لكن الشعب قرر أن يجعله مباحًا فكان مُباحًا، فصار الشعب هو الشريعة. هذا الواقع الأوروبي المبهر صار له ضحايا من المسلمين، وأصبحوا مرتهنين لمنظمة المفاهيم الغربية، وأصبحت قراءة المراجع الدينية تتم بعيون غربية، حتى يُخيل إليك وأنت تقرأ ما سرد بعضهم من الآيات للتدليل على "سيادة الأمة" وكأنك تقرأ كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق وهو يُقرر أنه لا يوجد في الإسلام نظام سياسي للحكم! قهر الواقع بالإضافة إلى الانبهار بالغرب والنموذج الغربي "أدى إلى هزيمة عقل الأمة ومن العقول المهزومة ظهر فريق يحاول أن يتحد مع المنتصر ويتبنى حضارة الغرب ... كانت الصدمة سببا في الالتحاق بالغرب ونقل قيمه وأفكاره ونموذج حياته، وكانت الدعوة للحرية الغربية تجد طريقها لدى النخبة المثقفة"، كما يقول المفكر المسيحي المصري "رفيق حبيب".

стр. 81

إن أخشى ما أخشاه على هؤلاء الإخوة الفضلاء أن يكون الحق السياسي والإنساني دافعًا لهم، من حيث لا يشعر بعضهم، إلى تحطيم الشريعة، وتكرار ما حصل بشكل متكرر في تاريخنا الإسلامي بل والإنساني، وذلك من خلال لجوء الإنسان المقهور إلى تحطيم أقل العدوين خطرًا عليه، المرجعية الدينية لا السلطة السياسية. فهو لا يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة السلطة السياسية، فيتوجه بسهامه إلى المرجعية الدينية بل للشريعة نفسها، تحت أسماء مختلفة مثل: السلفية، أهل السنة والجماعة، تطبيق الشريعة. ثم يجعل هدفه الأول، أو سمه التكتيكي، نقض وتفكيك المرجعية الشرعية التي تُعطي -كما يزعم- السلطة السياسية القاهرة الشرعية الإلهية، ففي هذه المرحلة، كما صرح البعض، يجب التوجه لتفكيك ونقد ونقض السلفية كإطار مرجعي شرعي، أما السلطة السياسية فلا يشملها الآن التفكيك، لأنه كما يُقال فكك الإطار وسوف تسقط الصورة حتمًا. لكن ماذا لو كانت النتيجة تحطيم الإطار ثم بقاء الصورة منحوتة على الجدار! إن العاقل يفهم لماذا أصبحت "سيادة الأمة" هي السلطة العليا في الغرب، فالغرب يفصل بين الدين والدولة، فلا بد حينئذ من إقرار سيادة الشعب، إذ أن الدولة ليست دينية ولا محكومة بشريعة الله. لكن الدولة المسلمة مهمتها حراسة الدين وحراسة الشريعة، لا تخيير الشعب أو الاستناد إلى اختياره في تقرير شرعية أو عدم شرعية الشريعة. في مبدأ "سيادة الأمة" تكون الأمة أو "الأكثرية" هي السلطة العليا التي لا تعرف سلطة أعلى منها، حتى الشريعة نفسها، فلو قررت الأكثرية إباحة المحرمات وتحريم الحلال، بل نبذ الشريعة جملة وتفصيلاً فلها الحق في ذلك، فهي السلطة العليا ولا يوجد أعلى منها. أو كما عبر أحد الفضلاء من أنصار مبدأ "سيادة الأمة" بكل وضوح أنه إذا "اختارت الأمة غير المرجعية الإسلامية؛ فيجب احترام خيارها ولا يجوز قهرها وإجبارها". وفي الأنظمة السياسية الوضعية تكون الصفة الأصلية للسيادة هي سلطة وضع القوانين، أي التشريع، ولا يُمكن أن يُفرض عليها أي التزامات من قبل أي سلطة، ولذا لا يُمكن أن يكون هناك أكثر من سيادة، والسيادة لا تقبل التجزئة، فالسلطة العليا واحدة، وهي أيضًا غير قابلة للتنازل، فلا يحق لصاحبها أن يتنازل عنها. وأظن أن بعض الذين يرون "سيادة الأمة" خلطوا بين السيادة كسلطة عليا لا شيء فوقها، وبين بعض مهام الأمة السياسية في الإسلام، فطردوا سلطة "سيادة الأمة" حتى جعلوها-دون مبالغة- نفس سلطة الله في التشريع. إن الأمة ليست حرة بمجموعها أو بإفرادها بل الجميع مقيد بأحكام الشريعة لا يسعه الخروج عنها فضلا أن يجعل الشريعة محلا للاقتراع. فالشريعة حاكمة على المسلم فردًا أو دولة لا يسع أحد منهم سن قانون يُخالفها فضلاً عن أن يطرحها بالكلية! قال الحق : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] أي أن السلطة العليا والسيادة هي لحكم الله، وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) أي المرجع السيادي لله ولرسوله ﵌، ولم يقل سبحانه فحكمه إلى الشعب أو "سيادة الأمة"، ولم يقل ردوه إلى "سيادة الأمة"، فضلاً أن يقول إذا "اختارت أمتكم غير كتابي وسنة نبيي ﵌؛ فيجب احترام خيارها ولا يجوز قهرها وإجبارها". في الختام، هذه كلمة موجهة للعلماء وطلاب العلم للالتفات إلى أهمية هذه المواضيع وخطورة الواقع وما يفرزه على الشباب والنابهين، وهذا يحتم على العلماء وطلاب العلم أن يتصدر اهتمامهم هذا الموضوع دراسة وتحليلا وتقييماً ونقدًا، فأثمن ما لدى المسلم هو شريعة الإسلام، وهي مقدمة على أي مصلحة دنيوية، وإذا لم يوجد من العلماء وطلاب العلم من يتصدى بعلم وحكمة لمثل هذه المواضيع فإن الوضع خطر، وهو كما قال "ابن قيم الجوزية" أنه حينما تنزل بالأمة فتن عقائدية أو فكرية ولم يجدوا من العلماء فكرًا أو سيرة يتخذونه نموذجًا، فإن أذكياء الأمة قد يصبحون زنادقة. وحقيقة لا بد من الاعتراف بها هنا، وهي أنه بسبب قهر الواقع واستلاب الحقوق والظلم وعدم وجود نماذج دينية نزيهة كافية، فإنَّ أعداد الشباب الذين لديهم الاستعداد "لقبول العدل والحرية والمساواة تحت أي مسمى" تزداد، وأصبحت "الحرية" و"العدالة" و"المساواة" الثالوث المقدسة لدى بعضهم، وهي مقدمة على الشريعة نفسها، والله المستعان. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].

стр. 82

مقتطفات من مقال مفاتيح السياسة الشرعية إبراهيم بن عمر السكران ٣ محرم ١٤٣٣هـ مدخل: الحمد لله وبعد،، أثيرت في الأيام الماضية في الساحة الفكرية المحلية إشكالية العلاقة بين (سيادة الشعب) و (سيادة الشريعة)، وشارك فيها أطياف متعددة من خلفيات فكرية متنوعة، تنويرية وقومية وليبرالية، والحقيقة أنني هممت بالكتابة حول هذه الإشكالية وتاريخها وعلاقتها بقواعد السياسة الشرعية، إلا أنني حين بدأت بالكتابة فعلاً؛ بدأ يقاطعني السؤال المتكرر الذي صرت أسمعه من عدد من القراء الكرام، وهو قولهم: (إذا كنتم تنتقدون الديمقراطية وسيادة الشعب والحريات الليبرالية فما هو البديل السياسي الذي سيقدمه الإسلاميون إذن؟ ما الذي تريدون بالضبط؟). صرت أتعرض لِلكمات هذا السؤال في كل مرةٍ أستعرض فيها الموقف الشرعي النقدي تجاه المفاهيم السياسية الغربية. كنت سابقاً أجيب القارئ الكريم بكل اختصار أننا نطمح إلى (السياسة الشرعية) فيعاودني السؤال مرة أخرى (وماذا تقصدون بالسياسة الشرعية؟) وهكذا صرت محاصراً بهذا السؤال في كل مرةٍ أحاول فيها المشاركة بنقد المفاهيم السياسية الغربية. ولذلك تفاجأت بنفسي هاهنا مضطراً لتقديم تلخيصٍ مكثف لمفهوم (السياسة الشرعية) الذي يتطلع إليه الإسلاميون، على شكل مفاتيح، وبعدما أنتهي من عرض هذه المعالم العامة، والتخلص -ولو نسبياً- من ضغط سؤال (وما هي السياسة الشرعية التي تطالبون بها؟) سأعود -بإذن الله- بعد عدة أيام وسأطرح ورقة أخرى نتناقش فيها سوياً حول مفهوم (سيادة الشعب) وتطوره التاريخي وصولاً إلى الفكر السياسي العربي المعاصر. قطعية نصوص الصبر والطاعة ومنع الخروج: لاحظت في عدد من المجالس الفكرية، ومواقع التواصل الاجتماعي، أن بعض المعنيين بالتغيير السياسي الناقمين على الاستبداد، يرمون أحياناً ببعض العبارات التهكمية تجاه أحاديث (الصبر والطاعة ومنع الخروج)، وهذه المشاهد في الحقيقة من أكثر الانحرافات إزعاجاً للمؤمن المعظّم لرسول الله ﷺ ، وهؤلاء الأشخاص الذين يتهكمون بأحاديث الصبر والطاعة وتحريم الخروج هم في الواقع في غاية الحماقة، بل لا يستطيع العقل أن يتصور حماقة أطرف من ذلك، إذ كيف يهينهم المتغلب ويكبتهم، فيفرغون حنقهم في أحاديث رسول الله ﷺ ! هذا والله الخسارة والغبن بعينه. الأمر بطاعة أولي الأمر جاء في كتاب الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء:٥٩] فهو نص متواتر قطعي. وأما أحاديث (منع الخروج فيما دون الكفر) فقد جاءت بطرق كثيرة عن رسول الله ﷺ تبلغ حد التواتر، قال الشوكاني عنها (ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب، أي باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وذكرناها، متواترة المعنى كما يعرف ذلك من له أُنسةٌ بعلم السنة) [نيل الأوطار:١٣/ ٤٦٩، ت حلاق] كيف يعرف المؤمن أن نصوص (الصبر، والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، ومنع الخروج المسلح فيما دون الكفر البواح) كلها قطعية متواترة عن رسول الله، يجزم القلب بأن رسول الله قالها، ونطق بها، ثم يتهور المرء بمثل هذه العبارات في انتقاص هذه النصوص؟! لا أدري والله كيف يطاوعه قلبه ويستخف بها وهو يعلم أن رسول الله نطق بها؟ يسيء لك المتغلب فتقتص من نبيك؟!

стр. 83

والبعض يقول لأن هناك فريقاً يستغل هذه النصوص بتطبيقات سيئة، ولذلك نحن نتهكم بهذه الأحاديث، وما رأيت حجة أضل من هذه الحجة، إذن لتسخر بنصوص الحكم بما أنزل الله لأن هناك من يسيء تطبيقها، ولتسخر بنصوص النهي عن المنكر لأن هناك من يسيء تطبيقها، ولتسخر بأحاديث القتال في سبيل الله لأن هناك من يسيء تطبيقها، وهكذا، فهل هذا تفكير مؤمن يحترم نبيه؟! يجب أن نحاول الإصلاح السياسي من الداخل، وتكثير العدل الشرعي وتخفيف الظلم؛ دون أن نخسر علاقتنا بحبيبنا محمد ﷺ فماذا تساوي صناديق الاقتراع في العالم كله إذا أسأنا بنصف كلمة لرسول الله ﷺ ؟! يجب بناء حاجز نفسي عظيم بين هؤلاء المتهورين وبين نصوص (الطاعة والصبر ومنع الخروج) يجب أن لا تكون هذه الأحاديث كلأ مباحاً يُستهتر بها ونحن نشاهد، فأين الغيرة والحمية لرسول الله؟! انتشار الاستبداد والأثرة والمظالم السياسية ليس مبرراً بتاتاً لهذه الإساءات المتكررة لحديث رسول الله، بالله عليك تأمل هذه الآيات وانظر مقام رسول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات:١ - ٣] انظر كيف كان مجرد "رفع الصوت" بحضرة رسول الله يجعل المرء على حافة "حبوط العمل"! نعم تحبط أعمالك كلها من صلواتك وصدقاتك وذكرك لله كل ذلك بمجرد "رفع الصوت" بحضرة رسول الله، يهبط رصيد أعمالك إلى الصفر، وتفقد كل ما عملت، لمجرد جهر بالصوت على رسول الله، فكيف بالله عليكم بمن يستهتر وينتقص أحاديث رسول الله؟! وبعض الفضلاء يعتذر ويبرر لهذه الشريحة من المتهورين، بأنهم مستاؤون من التطبيقات الخاطئة للطاعة السياسية! وهذا خطأ خطير، أي مكسب لك في تسويغ الإساءة للسنة النبوية تحت أي ذريعة كانت، بالعكس، كان يفترض بك يا أخي الفاضل أن تكون في صف سنة رسول الله، لا في صف أقوام يعبدون الله على حرف، وتراهم إذا دعوا إلى النصوص معرضين، فإذا جاءت النصوص بما يهوون يأتون مذعنين، وما ذاك إلا بسبب مرض القلوب الذي غزاهم، قال الله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا) [النور:٤٨ - ٥٠]. أخيراً .. هذه معالم عامة، ولازال هناك الكثير من مسائل السياسة الشرعية، سأحاول استيفاءها في مناسبات قادمة، وما سبق كله ليس هو من الكليات القطعية المجمع عليها، بل بعضها ثوابت لا يختلف فيها الفقهاء، وبعضها مسائل اجتهادية لذلك عبرت فيها بلغة (الراجح والمرجوح) لا بلغة (الحق والباطل)، ويبقى للمخالف من أهل السنة فيها احترام اجتهاده، والله أعلم،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد،،

стр. 84

ليبرالية بقشرة إسلامية بندر بن عبدالله الشويقي الأربعاء ٥ محرم ١٤٣٣هـ (ماذا لو قرَّرُ الشعبُ تنحيةَ الشريعة؟). دعونا الآن نؤجِّل هذا التساؤل المفترَض رُغمَ أهميته شرعاً، وخطورته عقدياً. ولنتحدَّث عن أمثلةٍ واقعيةٍ، تشرحُ الخلل الجليَّ والانحراف الضَّخم، لدى من يطلقُ قاعدة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)، ومن يعُدُّ الحكمَ بشرعِ الله دون تصويتٍ واستفتاءٍ اعتداءً على الناسِ وانتهاكاً لحقوقهم، ومن يقولُ: إن اعتمادَ مرجعيَّة الشريعة دون تصويتٍ واستفتاءٍ سوف يحوِّلُ الناس إلى منافقين. وقبل الدخُول في التفصيل، أجدُ من الضروريِّ هنا التنبيهَ إلى الفرقِ الشاسع بين البحثِ في أصل الحكم الشرعي، وبين البحثِ في مشروعية الخروج عن هذا الحكم لاعتبارات الضرورة، أو عدم الاستطاعة. أقولُ هذا لأني رأيتُ من أبعد النجعة فاستدلَّ بحال النجاشيِّ في الحبشة، حين لم يحكم في بلده بشريعة الإسلام، فجعلَ ذلك دليلاً على قاعدة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة). مثلُ هذا الاستدلال يجعلك تتوقف كثيراً عند أهلية أصحابه لمناقشة مثل هذه المسائل؛ إذ من المعلومِ -عند من يعرف التأريخ- أن النجاشيَّ كان مستضعفاً لا نصيرَ له، فكان يخفي إسلامه عن قومه مداراةً لهم، وخوفاً منهم، فكيف يطلبُ من مثله الحكمُ بشريعة الإسلام؟! وكيف يصحُّ الاستدلال بحاله، على حالة الدولة المسلمة المستقرة. أعجبُ من هذا وأغربُ مسلك من يستدلُّ بأن النبي ﷺ لم يقم دولته بمكة، ولم يفرض على الناس حكمَ الشريعة! فكيف يمكن أن يخطر هذا الاستدلالِ ببال من يدركُ أن النبيَّ كان بمكةَ في بلاءٍ وشدةٍ، وكان أصحابه يؤذون أمامه، ويعذبون، ويفتنون عن دينهم، فلا يستطيع الدفعَ عنهم، ولا يملك إلا أن يأمرهم بالصبر. بل كان هو نفسه يؤذى ويوضع القذر على رأسه الشريفة وهو ساجدٌ عند الكعبة. فالحديثُ هنا عن إقامة دولة وعن تطبيق الشريعة يطرح علامات استفهام حول مصداقية المستدلِّ. وإن بالغنا في إحسان الظنِّ فسنقولُ: إننا أمامَ فقهٍ وفهمٍ يبلغ الغاية في الهشاشةِ والضَّعف. حسناً ... دعونا الآن نطوي مثل هذه الاستدلالات الهزيلة، ولنؤجل البحثَ في الصور والتساؤلات المفترضَة، ولنشرع في الحديثِ عن الآثار الواقعية لقاعدة (سيادة الأمة، قبل تطبيق الشريعة) ... فما الذي يعنيه هذا التقعيد؟ وهل يعي أصحابه مآلات قولهم؟ لنأخُذ مثالاً نعايشه هنا في السعودية يشرحُ الإشكال والخلل في مثل هذا التنظير: نحن لدينا مرجعية قضائية معلنة هي (شريعة الإسلام). وأدركُ -كما يدركُ غيري- أن ثمةَ خروقاتٍ واسعةً لتلك المرجعية المعلَنَة. وقد كنَّا إلى وقتٍ قريبٍ نحسبُ أن من أهمِّ واجبات المصلحين الإلحاح والمطالبة بتصحيح واستدراك ما نقصَ، كي يصحَّ لنا أن نقول بحقٍّ: (إن مرجعيتنا في الحكم شريعةُ الإسلام). لكن حسب نظرية (سيادة الأمة، قبل تطبيق الشريعة)، فإنَّ على المصلحين أن يعيدوا النظر في شرعية مطلبهم هذا. فمن الآن وصاعداً: سيكونُ من الخطأ ومن الإثم ومن الجُرم والاستبداد مطالبة الحكومة عندنا بالتزام شرع الله، لأنها لا تملك الحقَّ في ذلك أصلاً؛ إذ ليس لها إكراه الناس على حُكم الشرع دون عمل تصويتٍ واستفتاءٍ! فما دامت السلطةُ ترفُض إجراء هذا التصويتِ، وتأبى القيامَ به، فإنه لا يحقُّ لها إطلاقاً اعتمادُ الشريعة مرجعيةً للحُكم، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يطالبها بهذا!

стр. 85

ليس هذا فحسبُ ... بل إن من توابع تلك النظرية الجديدة أن من الواجب على المصلحين الصادقين الناصحين أن يقوموا بوظيفةٍ معاكسةٍ لوظيفتهم الحالية. فما دامت سيادة الأمة مغيبةً، وما دام هناك إصرارٌ على تغييبها، فإن على المصلحين أن يطالبوا بهدم وإلغاء القسم المتبقي لدينا من مرجعية شريعة الإسلام، بدل أن يسعوا في استكماله وتسديده! لأن هذا القسم في الواقع يمثل انتهاكاً لسيادة الأمة، وإكراهاً على الدين! أصحاب النظرية الجديدة يقولون: حكمُ الشريعة لا يجوز أن يأتي إلا عبر (سيادة الأمة) من خلال نظام التصويتِ الحرِّ. ولا يجوزُ الإتيان بالشريعة عبر الفَردِ المتغلِّب، أو الفئة المتغلِّبة. فما لم تتحقَّق سيادة الأمة، وما لم يُفسَح لها المجالُ لتعبِّرَ عن نفسها وتختارَ مرجعيتها، فليس لأحدٍ أن يستبدَّ فيفرض على الأمةِ الحكمَ بشريعَةِ الإسلامِ. لأن القرآن ينصُّ على أنه (لا إكراه في الدين)، ولأن فرضَ الشريعة دون تصويتٍ سوف يؤدي إلى تحويل السعوديين إلى منافقين! بل إن النظريةَ الجديدةَ تقتضي -وإن لم ينتبه أصحابها لذلك- أنَّ السعوديين تحوَّلواً منذ زمنٍ بعيدٍ إلى أبناء سَلولٍ؛ إذ من المعلوم أنه لم يُتَح لهم التصويت على مرجعية الشريعة، بل اتخذ هذا القرارُ وأُعلنَ دون الرجُوع إلى أصواتهم، فوجدوا أنفسهم يلتزمون أحكاماً لم يختاروها. فهم -إذن- منذ عقودٍ منغمسون في النفاق إلى آذانهم! إذا ذهبنا خارجَ السعودية، وأرَدْنا تصدير تلك النظرية المبدعةِ إلى الدُّعاة والمصلحين في الخارج، فجئنا -مثلاً- إلى إمارةِ (دبي). فيفترض أن نشرحَ للناسِ هناك أنه مع الإصرار على تغييب سيادة الأمة في بلدهم، فإن من الواجب عليهم ألا يتورَّطوا في المطالبة بسنِّ أيِّ قانونٍ يحدُّ من مظاهر انتهاك شرع الله هناك. لا بُدَّ أن يفهموا أنه لا يحقُّ لهم مطالبة حاكمهم المتغلِّب بحظر الخمور -مثلاً- أو منع التعري على الشواطئ. لأن الله قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .. ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ولأن الفردَ المتغلِّبَ ليس له فرضُ الشريعة دون تصويتٍ واستفتاءٍ، ولأن منع الخمور سيحوِّلُ السُّكارى إلى منافقين، والعرايا إلى منافقاتٍ. وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة! خلاصة النظرية أننا دائماً: ينبغي أن نطالبَ فقط بشيءٍ واحدٍ: (سيادة الأمة)، وما لم يُجَب مطلبنا، فإن واجبنا يقضي أن نجتهدَ جميعاً في نبذ الشريعة وإقصائها ما أمكن، لئلا نخالف أمر الله الذي قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ونحن -في فعلنا هذا- مأجورون عند الله، لأننا راعينا الأولويات الشرعية، فحرصنا على أن تكون (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)! تلك حقيقةُ ما يقرِّره ويدعو إليه -دون وعيٍ- أولئك المتصدون لتجديد النظرية السياسية الإسلامية بزعمهم. فهذا معنى قولهم إن الشريعة لا يجوز أن تُفرَضَ إلا عبر التصويت، وهذا معنى قولهم: (سيادة الأمة) قبل (تطبيق الشريعة). فتشريعات الإسلام-حسب تنظيراتهم- يجب أن يلتزمها الفردُ في نفسه فقط، أما على مستوى الدولة، فلا شريعةَ إلا بتصويتٍ، ومع غياب التصويت، لا بُد من تعطيل التشريعات الإسلامية كلها، إلى أن تستعيد الأمة سيادتها عبر صناديق الاقتراع! بين حكم المتغلب، وسيادة الأمة:

стр. 86

مشكلةُ أصحاب تلك النظرية الأخيرة أنهم حين يناقشون مسألة الإلزام بمرجعية الشريعة، يتحدَّثُ أحدُهم وكأنَّ لديه دولةً سوف يعيد تركيبها من الصِّفر. هو يتحدثُ وكأنه جالسٌ على كرسي، وبين يديه أرضٌ فضاءٌ لا يوجد فيها دولةٌ، ولا سكان، ولا سُلطة لأحدٍ عليها، وعن يمينه يجلس الشعب الذي سوف يسكن هذه الأرض بعد تشكيل نظامها، وعن يساره صندوقٌ فيه مفاتيح السلطة التشريعية. فيأتي أحدُهم ليفتح الصندوق، ويخرج منه مفاتيح السلطة بأطراف أصابعه، ثم يسأل من حوله بذكاءٍ وفطنهٍ: أيهما أحسن وأضمن أن نعطي مفتاحَ السلطة للشعب كلِّه، أو أن نختار فرداً واحداً نمنحه حقَّ فرض الشريعة؟ ترى أحدَهم يحدِّثُ من حوله مُفاخراً: أنا أرى منح سلطة التشريع للشعب. بينما أنتم ترون منحها لفَردٍ متغلبٍ. هذا هو الفرق بيني وبينكم. فكلُّنا نؤمن بمرجعية الشريعة. لكن نختلف في تحديد الطرف الذي سوف نمنحه حقَّ الحكم بالشرع! ما لم ينتبه له هذا القائلُ أن النقاشَ والبحثَ ليس عن دولةٍ سوف نبنيها على أرض المريخ أو زُحَلٍ. بل الكلامُ يتعلقُ بأوضاعٍ ودُوَلٍ قائمة لم تأتِ باختيار أحدٍ ولا مشورته. فحين يكون أمامك بلدٌ محكومٌ بنظامٍ فرديٍّ متغلبٍ مستأثر بالسلطة، ولا ينوي التنازل عنها، أو إشراك غيره فيها، والناسُ خاضعون له (طوعاً أو كرهاً)، وهو يحكمهم بقانونٍ وضعيٍّ لم يشاورهم فيه. فهل هناك إشكالٌ لو سعينا في إقناعه بتحويل نظامه، أو تقريبه -على الأقل- إلى المرجعية الإسلامية؟ حسب نظرية (سيادة الأمة) لا يجوز ذلك. لأن هذا من الإكراه في الدين. فإذا لم يقبل المتغلبُ الاحتكامَ لسيادة الأمة والتصويت على مرجعية الشرع، حرُم علينا السعيُ إلى تحكيم الشريعة من خلاله! ومن نصح هذا الحاكم المتنفِّذَ بالتزام شرع الله في حكمه، فإنه يكون آثماً عند الله ، لأن الشريعة لا يجوز أن تأتي إلا عبرَ سيادة الأمة! وقد تعب جملةٌ من الأفاضل كي يشرحوا: أنهم لا يؤمنون بصحة وجود فردٍ مُتغلِّبٍ يملك حقَّ نصب الشَّريعة ونزعها متى شاء. لكنَّهم يعالجونَ أوضاعاً قائمةً، ويجتهدون في الاقترابِ من حكم الشرع حسبَ السبُل المتاحَة. فإن كانوا يعملون في ظلِّ نظامٍ يحتكم للتصويت والانتخاب ويلتزم نتائجه، فسوف يسعون لمرجعية الشريعة من خلال هذا النظام إن رأوا المصلحةَ في ذلك. وإن كانوا يعملون في ظل نظام حكمٍ فرديٍّ يرفض التنازُل عن السلطة، فسوف يسعَون لتحقيق مرجعية الشريعة من خلاله أيضاً. ولو أن هذا الفردَ المتغلبَ سمع وأطاعَ لهم فالتزم شرعَ الله في قضائه وحُكمه وتشريعاته، فلا يعني هذا أن القصة انتهت، فتفرُّده بالسلطة المطلقة وإن كان واقعاً مفرُوضاً بالقوةِ، فليس هو الوضع الصحيح الذي ينشدونه، لكنَّه خيرٌ من وضعٍ يجمعُ بين تفرُّدٍ بالسلطةِ، وإقصاء لمرجعية الشرع. هذه النقطة ظلت عصيةً على فهم أصحاب تلك النظرية المتفرِّدة، فظلُّوا يردِّدُون ويتساءلون بذكاءٍ: أيهما أحسن أن يناط تطبيقُ الشريعة بالفَرد أم بالأمة؟ تناقضٌ غير مفهومٍ عزيزي القارئ حاول أن تجمع بين هاتين الفكرتين، علَّك تفلحُ فيما عجزتُ عنه. يقولُ أحدُهم: "وظيفة الاستفتاء هو الاحتكام إلى إرادة الناس حين تتصارع القيم والإرادات، فيتمُّ حسمُها بمسارٍ سلميٍّ وحضاريٍّ، لا بمسارِ الحرُوب والاقتتالِ والإرهابِ والقَمْعِ والإقصاء وسَفك الدِّماء وانتهاك الحرمات ... ". تأمَّل معي - أيها القارئ الكريم- كيف يتمُّ تصوير نتيجة إقرار مرجعية الشريعة دون تصويت: (اقتتالٍ)، (إرهابٍ)، (قمع)، (إقصاء)، (سفك دماءٍ)، (انتهاك حرماتٍ).

стр. 87

ففي رأي صاحب تلك النظرية، أن حكمَ الشريعة في بلاد المسلمين إذا لم يأتِ عبر صناديق الاقتراع، فالنتيجةُ شلالاتٌ منسكبةٌ من الدماء، وركامٌ من الجماجم والأشلاء، وليس هناك أيُّ فرصة لخيارٍ ثالثٍ. مع أن صاحبَ هذه المقولة هو نفسُه الذي كان يقول: إن الشعوبَ إذا خُيِّرت، فهي قطعاً لن تختارَ إلا الإسلام! هل هناك في التناقُضات أوضح من هذا؟! أين يمكنُ أن توجد هذا الصورة: شعبٌ نقطعُ ونوقنُ ونجزمُ أنه متى خُيِّر، فلن يختار مرجعيةً غير شريعة الإسلام، ولا يمكنُ أبداً أن يبتغي عنها بديلاً. لكنَّ هذا الشعب نفسه سوف يُشعل الأرض، ويزلزلُ الأرجاء، ويحوِّل البلاد إلى أنهارٍ وبحارٍ ومحيطاتٍ من الدماء، فيما لو أعلن حاكمه التزامه شريعة الإسلامِ دون استفتاءٍ وتصويتٍ! ألا يمكن أن يتصوَّر هؤلاء شعباً مسلماً يفرح ويستبشر لو سمعَ قراراً بالتزام حكومته المتغلِّبة بدين الله وشرعِه؟! هل الشريعة كائنٌ حيٌّ؟ أن يتبنى أحدٌ وجهة نظرٍ خاطئةٍ، فليس ثمة ما يستغربُ؛ إذ الجميع يخطئ. لكن البليَّة حين يكون الخطأ مبنياً على تصوُّرٍ بالغ السذاجة لمسألةٍ اقتحمها الكاتبُ بجُرأةٍ دون أن يفهم أبعادها وحدودها. وتزدادُ الصورةُ قُبحاً حين يُصَاغُ ذاك التصوُّر الساذج ثم يُطرَحُ بلغة الأستاذ الخبير، الذي سوفَ "يحرِّك المياه الراكدة"، ويعلِّمُ الآخرين كيفيَّة "إعادة تنظيم وترتيب النظرية السياسية في التصوُّر الإسلامي". يقولُ صاحبُ مقالة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة) معترِضاً على من حاول أن يشرح له سُوءَ فهمه: "تستغربُ أن يأتي بعضُ المعترضين ويقول: (السيادة لا تكونُ لأحدٍ من الخلق. السيادة للشريعة فقط). حسناً: أتعلمونَ ما معنى هذا الكلام؟ وأرجو أن يتحملَّني البعضُ، لأني سأبدأ بشَرح البدهيات العقليَّةِ ومآلات إنكارها. وشرحُ البدهيات ثقيلٌ على نُفوس العقلاء. ولكن ما الحلُّ مُكرَهٌ أخاك لا بطَل!! ". هو هنا وضع نفسه في صورة الأستاذ المحنَّك، والقانوني الخبير الذي وجد نفسه مكرهاً على ممارسة مهمةٍ ثقيلةٍ على نفسه؛ مهمة شرح البدهيات العقلية لمن لا يفهمها. وحين شرعَ الخبيرُ في الشرح قال: "إذا قلنا (السيادة للشريعة) فهذا يعني أن الشريعة كائنٌ حيٌّ يملك القدرة والإرادة. يأكلُ الطعامَ ويمشي في الأسواق، ويجلس على عرشه، ويأمُر وينهى! وبالتالي: الشريعة هي التي تطبقُ نفسها في الواقع! وهي التي تنقُل نفسها من كونها منظومةً من القيمِ والأحكام والمبادئ إلى كونها دستُوراً .. وليست بحاجةٍ إلى تصويت واستفتاء الأمة كما يقول التنويريون (هداهم الله). ثم يضيف شارحاً غباء المعترضين عليه: "بناءً على هذا المنطق، إذا أردْنا أن نطبقَ الشريعة في ولاية (لاس فيغاس) بأمريكا مثلاً. فيكفي أن نرسِل القرآن وصحيح البخاري -زادهما الله تشريفاً- إلى (لاس فيغاس)، ونضعهما في أحد البيوت الفخمة، وعلى أحد الرفوف المذهَّبة. وبإذن الله لن تمرَّ سنةٌ إلى ولاس فيغاس بدون ملاهي وفنادق للدعارة والقمار". هذا ما قاله صاحبُ النظرية. وسوف أعترفُ أن الرجُل بحقٍّ كان يشرحُ بدهيةً ومسلمةً عقليةً. وقد كان بإمكانه أن يريح نفسه من هذه المهمة الثقيلة عليه، لو أنه أعطى نفسه فرصةً لفهم معنى (السيادة) التي يتحدَّث عنها الجميعُ. واختصاراً للوقت سوف أشرح له المسألة بنفس طريقته، وأقول له:

стр. 88

إن كنت تظنُّ أن (سيادة الأمة) كائنٌ حيٌّ يأكل الطعامَ، ويمشي في الأسواق، ويجلس على العرش، ويفرِضُ نفسه بنفسه. فما عليك إلا أن تتصل هذه الليلة بسيادة الأمة، وتطلب منها أن تحجُز مقعداً على أقرب رحلةٍ، فتأتي إلينا، أو تذهب إلى أي بلدٍ يوجد فيه حكمٌ فرديُّ متغلِّبٌ. وبمجرَّد وصولها إلى هناك، تتغافل عين الرقيب، فتتسلل في ظلمة الليل، وتتربَّع في المادة الأولى من الدستور. وفي الصباح ينتهي الاستبداد، وتنكشف الغمة، وتنعم الأمة في ظلِّ حكمٍ ديمقراطيٍّ رشيدٍ! هل هذا منطقٌ مقبولٌ؟ أصلُ الإشكال هنا أن الكاتب عاجزٌ عن التمييز بين (السيادة العليا)، وبين من ينفِّذ مُستلزمات ومقتضيات هذه السيادة ويطبق القوانين الناشئة عنها. هو يظنُّ أن السيادة الشرعيَّة العليا هي لذاك يُنفِّذ القوانين ويطبقِّها، ويتصوَّر أن من يطبق الشريعة وينفِّذها في الواقع، لا بُدَّ أن يكون هو صاحبُ السيادة التشريعية! هو يقول: الشريعة لن تحكم بنفسها، ولا بُدَّ لها من عملٍ بشريٍّ يجسِّدُها على الأرض. فإذا لم ترضوا بأن تكون الأمةُ هي التي تختارُ مرجعيَّة الشريعة، فليس أمامكم إلا أن تقولوا: إن فرداً أو جماعةً يملكون ذلك الحقَّ. فأنتم تهربون من سيادة الأمة، إلى سيادة الفرد المتغلِّب. أنتم توهمون الناس أنكم تدعُون لسيادة الشريعة، بينما الواقع أنكم تنادون بسيادة الفرد. أنتم ترفضُون أن يصوِّت الشعبُ على اختيار حكم الشريعة، ثم تقبلون إسناد حقِّ الاختيار للحاكم المتغلِّبُ، فتجعلون حقَّ الحكم بالشريعة ونبذها منوطاً به. هكذا تمَّ تصوير المسألة ... وربما جاء الآن دوري لأمارس تلك العملية الثقيلة على العقلاء، عملية شرح البدهيات العقلية والمسلَّمات الشرعية: معنى سيادة الشريعة: حين يقولُ النبي ﷺ : "لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق". أو يقولُ "إنما الطاعة في المعروف". و"على المرءِ المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كرِهَ، إلا أن يؤمرَ بمعصيةٍ. فإن أُمِرَ بمعصيةٍ، فلا سمعَ ولا طاعةَ". حين يقول النبي ﷺ ذلك، فهو يؤسِّسُ لمبدأ سيادة الشريعة. لأنه في كلامه هذا لا يقرِّرُ حُكمَاً فَردياً والتزاماً شخصياً وحسب، بل قد أسَّسَ -أيضاً- لمعنى سيادة الشريعة سيادةً قانونيةً. فحين يأتي التشريعُ المناقضُ صراحةً لدين الله، فلا سمعَ ولا طاعةَ. سواءٌ جاء هذا التشريع عبر فردٍ متغلِّبٍ، أو عبر تصويتٍ عامٍ، أو بواسطةٍ برلمانٍ منتخَبٍ. فكلُّ هؤلاء مخلوقون، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. فليس لأحدٍ أن يلتزمَ التشريع المناقض صراحةً للدين إلا مع الإكراه. ولا يجوزُ للقاضي أن يحكُمَ بهذا التشريع، أو يعاقبَ من خالفه. وإن حكَم به القاضي، فليس لصاحب السلطة التنفيذية إنفاذ هذا الحكم. فإن فعلوا ذلك: فلن نقولَ أنهم آثمون شرعاً فقط. بل نقول -أيضاً-: أنهم مستحقُّون للعقوبة الدنيوية. فلو ذهبت تلك الحكومة ومجلسُها التشريعيُّ، فمن حقِّ المتضرِّر مقاضاة القاضي الذي حكم عليه بما يخالف الشرعَ، ومقاضاة من أنفذ الحكم مع معرفته بمناقضته للشرع. ولا يُعفي هؤلاء من المسؤولية استنادهم لقرار مجلسٍ تشريعيٍّ ناشيءٍ عن (سيادة الأمة). لأن تشريعاتِ الإسلام وتكاليفه لا تبطلها مجالسٌ ولا أصواتٌ. لكن حسبَ نظرية (سيادة الأمة)، فإنه لا مسؤولية على من أنفذ حكماً مخالفاً للشرع، فأراق دماً أو استباحَ مالاً أو عِرضاً. لأن هذا لم يزد على امتثال ما يجبُ عليه (شرعاً!). حسناً ... لقائلٍ أن يقول: هل يمكن أن تنجح دولةٌ بهذا الطريقة؟ يقرِّرُ المجلس التشريعي، فيرفض القضاةُ تنفيذَ قراره. ويحكم القاضي، فترفض السلطة تنفيذ حكمه؟

стр. 89

بالتأكيد: لا يمكنُ أبداً أن تنجحَ دولةٌ هذا نظامُها. لأجل ذلك قلنا: لا يسوغ شرعاً ولا يجوزُ -في حال الاختيار- طرح أحكام الشرع المطهَّر للتصويت. لأن ثمرة هذا التصويت لن يكون لها قيمة في حكم الإسلام، وليس لها أيةُ أثرٍ قانونيٍّ إلا بحُكم القوةِ والإكراه. وهذا كلُّه في التصويت على قانونٍ واحدٍ مناقضٍ للشرعِ. أما التصويت على نبذِ مرجعيَّة الشريعة كلِّها فذاك أمرٌ أنكَرُ وأبطَلُ. ومتى حصل هذا، فإن الدولة تفقِدُ شرعيَّتها أصلاً، والمجلس التشريعي يفقد شرعيَّته أيضاً. فلا فرقَ بين حاكمٍ فَرْدٍ ينبُذ الشرعَ، أو مجلس تشريعيٍّ يمارسُ العملية نفسها. وهذا مقتضى قول الله تعالى: (إن الحكمُ إلا لله). تلك هي البدهية الشرعية التي لم يدرك بعضُ الناسِ آثارها القانونية في نظام الإسلام. فالحكومات حين تنبذُ مرجعية الإسلام بالقوةِ أو بالتصويت، ثم تحولُ بين الناس وبين الاحتكام إلى دينهم، فالنتيجة سقوط شرعية الحكومة، لا سقوط سيادة الإسلام. ولمزيدٍ من التوضيح، دعونا نسأل أصحاب نظرية (سيادة الأمة): حين يأتي التشريع المناقض لدين الله من خلال تصويتٍ نزيهٍ يعبِّرُ عن ذاك الشيء الذي تسمُّونه (سيادة الأمة)، فما موقفكم منه؟ هم يقولون: سنسعى لإبطاله عبر تصويتٍ آخر. لكن ما موقفهم إذا لم يستطيعوا ذلك. هل سيتركون ما أمرهم الله به، ويلتزمون القانون الناشيء عن (سيادة الأمة)، فينتهكون به الدماء والأعراض والأموال المعصومة؟ وإذا كان أحدُهم في موقع السلطة التنفيذية، هل سيُلزِمُ الناسَ بهذا التشريع المناقض لدين الله والمستند إلى (سيادة الأمة)؟ وإذا كان في موقع القضاء: هل سيقضي بسجن ومعاقبة من اختار دينه، فأطاع الله وعصى القانون الصادر عن مجلسٍ تشريعيٍّ منتخَبٍ يمثِّلُ (سيادة الأمة)؟ هذه التساؤلات هي ما سيقرِّبُ ويشرحُ الخلل الضخم في فكرة (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة). وهذا المعنى هو ما قصدتُ تقريبه في مقالة (مهزلة العقل "التنويري"). مرجعية الشريعة وسيادتها، تعني أن شرعية الأفعال والتصرفات والدول، وحدود الحقوق والالتزامات تقاسُ بالشريعة، وليس بقرار بشرٍ، فرداً كان أو جماعةٍ. مرجعية الشريعة في الدولة المسلمة مادةٌ دستورية أو (فوق دستورية) كتبها الله في كتابه، فلا يغيرها تصويتٌ ولا اقتراعٌ. وتعطيل هذه المادة (بالقوَّةِ أو بالتصويت)، لا يعني أن آثارها القانونية انتهت. فالتشريع الذي يعطلُ عقوبة القصاص من قاتل العمدِ -مثلاً- ويكتفي بسجنِه، لن يكونَ له أثرٌ في إثبات عصمة دماء القتلة. فمتى سقط هذا التشريع، أو سقطت الدولة التي فرضته، وجاءت دولةٌ تلتزم مرجعيَّة الشرع، فحقُّ القصاص ثابتٌ، وليس لأحدٍ أن يقول: إن الجريمة وقعت قبل اعتماد الشريعة مرجعاً. وقس على ذلك سائر الأحكام والتشريعات الإسلامية. فتعطيلها عملياً، لا يعني أن آثارها في عصمة الدماء والأموال وإثبات الحقوق انتهت. نقطة أخرى حصل فيها خلطٌ كثيرٌ: أصحابُ فكرة (سيادة الأمة) يحسبون أنا إذا قلنا إن على الحاكم المتغلِّب أن يلتزم شرع الله في حكمه، فنحن نمنحه حقَّ اختيار الشريعة أو نبذها، فلذلك صاروا يقترحُون ويقولون: لماذا لا نجعل حقَّ اختيار الشرع ونبذه منوطاً بالأمة بدل أن نجعله لفردٍ متغلبٍ؟! ما لم يفهمه هؤلاء: أننا نحنُ حين نطالب المتغلِّب بالتزام شرع الله، فإنما نطلبُ منه التزام أمرٍ واجبٍ عليه ولازمٍ له، ولسنا نخيره كي يحكمَ بدين الله أو ينبذه. فلا يصلح أن يقارَن حالُنا بحالِ من يريدُ إقرار حقِّ رفض مرجعية الإسلام عبر التصويت.

стр. 90

نحن نقول للمتغلِّب: لا خيار لك سوى الحكم بشرع الله. وإن لم تفعل فلا شرعية لنظامك عندنا. بل إن الشرعية ستكون لمن يقدرُ على خلعك واقتلاعك من كرسيك، ومحاكمتك على جنايتك العُظمى حين حرمتَ المسلمين من الاحتكام لدينهم. فهل هذا التصوُّر الشرعيُّ الواضحُ، يماثلُ موقف الآخرين من ذلك الشيء الذي يسمونه (سيادة الأمة)، حين جعلوا له حقَّ اختيار الشريعة، وحقَّ رفضها ووطئها بالأقدام؟ هم يريدون مجلساً أو صناديقَ تملك الحقَّ في نبذ دين الإسلامِ، ثم يكون على الناس السمعُ والطاعة، بعدما يرتبون على قرار الصناديق الحقوق والالتزامات. فرقٌ كبيرٌ بين من يطالب الحاكمَ المتغلب بالتزام الشرع، وبين من ينصبُ -باختياره- مجلساً تشريعياً أو استفتاءً يملك الحقَّ القانوني في نبذ وإقصاء دين الله بطريقةٍ (حضارية!!). حسناً ... لقائلٍ أن يقول: لكن هذا الفرد المتغلِّب قد يحكم بالشريعة اليومَ، وينبذها غداً؟ نرجع لنقول ونكرِّر: ومن قالَ إننا منحناه الحقَّ في ذلك، أو فوضناه فيه ... فهل نسيتم أنكم تتحدثون عن (متغلِّب)؟ ... هل تفهمون ما معنى (متغلبٍ)؟ أنتم تتحدثون عن حاكمٍ فرضَ سلطانه بالقوَّةِ، ولم يكن لأحدٍ خيارٌ في نصبه وتمكينه. فإذا أمَرْناهُ بالتزام شرعِ الله في حكمه وقضائه وتشريعاته، فهل يعني هذا أنا منحناه تفويضاً بنبذ الشريعة متى شاء؟ هل يمكن لعاقلٍ أن يفكر بهذه الطريقة؟ إن قلتم: نريدُ ضمانات تقطع على هذا المتغلِّب السبيل كي لا يجعل الشرع ألعوبةً بيده، فيأخذ به متى شاء، وينبذه متى شاء؟ مرةً أخرى سنقول: تذكروا أنكم تتحدثون عن (متغلِّبٍ) لا يرى نفسه ملزماً بمطالباتكم. فإن استطعتم إقناعه أو إلزامهُ بضماناتٍ تحفظ شرع الله من عبثه، فنحن معكم، بل سنكون قبلكم في هذا الطريق ... لكن في الواقع أنتم لا تفعلون هذا. أنتم لو أطاعكم هذا المتغلِّبُ، فلن تطلبوا منه تصويتاً لتشكيل مجلسٍ يراقب التزامه بشرع الله. بل ستطلبون منه تصويتاً أو مجلساً يملك الحقَّ في نبذ شرع الله! أنتم تريدون نقلَ حقَّ العبث بالشرع، من قصر الرئاسة إلى قبة البرلمان! أما نحنُ فلو أطاعنا هذا المتغلِّب، أو قدرنا على إلزامه، فسوف ننصبُ فوقه مجلساً يراقب التزامه بالشرع، ويملك حقَّ عزله ومحاسبته لو نبذ مرجعية الإسلامِ ورفض الاحتكام إليه. فهل أدركتُم الفرقَ بيننا وبينكم الآن؟ نحن مرجعية الشرع لدينا محسومةٌ، وإنما نبحثُ عمَّن يحولها إلى واقعٍ عمليٍّ. أما أنتم فمرجعية الشريعة عندكم محلُّ بحثٍ ونظرٍ، وتصويتٍ واقتراعٍ. نحن نريدُ مرجعية الإسلام. وأنتم تريدون مرجعية صناديق الاقتراع. نحن نريدُ (كلمةَ الله) هي العليا. وأنتم تريدون (الحرية) هي العليا. بكلمةٍ أوضح: أنتم شربتم الكأس الليبرالية دون شعورٍ، فأسكرت عقولكم وقلوبكم، فصرتم تطالبون بحرية (نبذ الشرع)، تحت شعار (المحافظة على الشرع)! فإن أردتم برهاناً إضافياً بشرحُ الإشكال لديكم، فاقرأوا معي الفقرة الآتية: أنتم تستدلون بآية: (لا إكراه في الدين) كي تسندوا رأيكم في عدم جواز الحكم بشريعة الإسلام دون تصويتٍ واستفتاءٍ. فهلا أخبرتمونا من أين تسرَّب إليكم هذا الفهمُ للآية؟ تلك الآيةُ الكريمةُ إنما يستدلُّ بها في هذا الموضع ذاك الليبرالي والعلماني الذي يأبى أن يستندَ نظامُ الدولة لمرجعية دينيةٍ، سواءٌ جاءت هذه المرجعيَّة عبر فردٍ متغلِّبٍ، أو عبر صناديق الاقتراع، لأنه يرى الدين التزاماً شخصياً لا يجوز إقحامه في مرجعيَّة الحكم بأي طريقٍ. تلك هي الرؤية الليبرالية العلمانية المعروفة، ومنها انطلق أصحابها في تفسير خاطئ لآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .. ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، كي يثبتوا أنه لا يجوز أن يستند نظامُ الحكم لمرجعية دينيةٍ. لكن ماذا عنكم أنتم يا من تريدون فرضَ مرجعيةِ الدين عبرَ صناديق الاقتراع؟ هل يصلح لكم أن يستندَ لمثل هذه الآية؟ أصحاب نظرية (سيادة الأمة) متى حصلوا على أغلبية الثلثين مثلاً، ونجحوا في تثبيت مرجعية الشريعة في الدستور، فهم - في النهاية - سوف يُلزِمُون الثلث المتبقي بمرجعية الشريعة الإسلامية. أي أنهم سيمارسون (الإكراه في الدين)! ولا مفرَّ لهم من هذه الحقيقة إلا أن يراجعوا فهمهم للآية الكريمة، فيكفُّوا عن قراءتها بأعينٍ ليبراليةٍ علمانيةٍ. تلك الآية الشريفة لا علاقة لها بنصب الشريعة مرجعيةً لنظام الحكم. فهي إنما تتحدثُ عن إكراه الكافر على اعتناق دين الإسلام. وأما اعتمادُ مرجعية الشرعِ، فليس هذا من الإكراه الممنوع في الآية. ومن أصرَّ على هذا الفهم، فإن عليه ألا يحكم بشريعة الإسلام حتى يحصل على تأييدٍ كليٍّ يبلغ نسبة (١٠٠%) من الأصوات! وحتى بعد الحصول على هذه النسبة الخرافية، فليس للقاضي في المحكمة أن ينزل أيَّ عقوبةٍ شرعيةٍ إلا بعد إقناع الجاني بقبُولها، كي لا يمارس عليه الإكراه في الدين باسم سيادة الأمة!

стр. 91

سيادة الشريعة: من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة (١) سعد بن مطر العتيبي السبت ١ محرم ١٤٣٣هـ ١ - لعلّ من حكمة العليم الحكيم: أنَّ ثمة أخطاء ترتكب، أو شبهات تقذف في بحر الشريعة، فتكون سبباً في الانتباه إلى المبادئ والأصول كلّما ابتعد النّاس عنها، أو خفت ذكرها بينهم .. وكم من مسائل أثيرت على خلاف الأصول والمبادئ، كان أثرها ظاهرا في إشعال جذوة الأصول وتجديد قوة المبادئ في النفوس، وتحريك حالة التبلّد التي قد تصيب الحراك الفكري، الذي يُنتظر منه الإصلاح والتصحيح. وقد دونتُ أمثلة عصرية لذلك في موضع آخر .. نعم كان لها ضحايا .. لكنهم قلَّة في جانب ما يُحقِّقُه الانتباه للأصول وحمايتها من نجاة واسعة، وبقاء الحق متوارثا بصفاء، ولو خلى الزمان ممن يطبقه. ولذلك لا أجدني قلقاً حين يثار شيءُ من هذا القبيل، لا حباً لإثارته - معاذ الله - ولكن طمعاً في نفع مآله فيما يحدثه من حراك نافع، إذا ما هبّت له القلوب الحيّة، فأحيته في النّاس على جميع المستويات. يقول جوستاف لوبون: "إنَّ الأخطاء التي تُظنّ من الحقائق - تلعب في دفع عجلة التاريخ دوراً أكبر من الدور الذي تلعبه الحقائق ذاتها " (٢). ومن ذلك موضوعات تثار - عاطفة حيناً، ومناكفة أحياناً - دون تمحيص ودراسة، غاية ما توصف به أنَّها: أفكار وحديث نفس عارض، وقد يصحبه - في أحسن الأحوال- استدلال لا يخلو من سطحية، في سياق تقعّر - لا تعمّق - في الطرح، وتكلف في التقسيم؛ تسوق من ينساق لها بعيداً عن الأصول والثوابت، ومن ثمّ تقذف أمامه شبهة لتوهِمه أنَّها قدمت له شيئاً ذا بال! والشبهات التي تنطلق ممن لديه ثقافة إسلامية، لا تكاد تخلو من تلبيس - قد لا يكون مقصودا - بذكر آية أو حديث أو أثر .. ومن هنا ينبغي التعامل معها بمنهج التعامل مع الشبهات، ومن أصول ذلك: الردّ إلى المحكمات، وهو ما لخصته في عنوان هذه المقالة المقتضبة .. وقبل بضعة عقود، طُرحت في العالم الإسلامي بضعة أفكار، ورميت في بحره الطهور الطاهر بضعة أحجار، كان من بينها: فكرة غربية غريبة يعبّر عنها بمبدأ أو نظرية (سيادة الأمَّة)؛ زُعِم أنَّها من الإسلام، وليست منه في شيءٍ! وقد تصدَّى لتفنيد هذه الشبهة آنذاك وبعده، عددٌ من علماء الشريعة، وأهل السياسة من عربٍ وعجم، وشرق وغرب، وأساتذة قانون من أهل الإسلام؛ في عشرات المصادر، وما لا أحصي من المراجع، والمقالات. وقد بيّن أستاذ أساتذتنا في القانون الدستوري الدكتور/عبد الحميد متولي ﵀ وعفى عنه، أنَّ جرثومة تسلل تلك الأفكار تكمن في: نزعة " التقليد لدول الغرب (ونحن إنما نعني بداهة بوجه خاص دوله الكبرى) وذلك فيما يتعلق بالمبادئ أو النظريات والمذاهب والأنظمة الدستورية (أو السياسية) " (٣)؛ وبيّن أنَّهم يقلّدون في الظواهر، دون أن يعرفوا الحقائق؛ كما سأشير إن شاء الله.

стр. 92

وهذه الجرثومة عينها، هي التي وصفها (شيخ الإسلام) مصطفى صبري ﵀ بالتطفَّل للأمم، الذي يورث الوهن في العقيدة! ٢ - وإذا ما عدنا إلى أصل الموضوع، ابتغاء ردّ ومحاكمة مفهوم السيادة إلى الكتاب والسنّة؛ فإنَّ مما ينبغي بيانه بين يدي ذلك: التفريق بين مسألتين: الأولى: معنى السيادة. والثانية: نظريات السيادة. وفي كلِّ منها مؤلفات عديدة، ودراسات كثيرة. غير أنَّ الذي يعنينا منها هنا، هو الأول، أعني: معنى السيادة. فما معنى السيادة؟ وما الموقف الشرعي من معناها؟ وقبل الجواب على هذا السؤال ينبغي -أيضاً- أن نفرق بين مصطلحين دارجين (١): الأول: سيادة الدولة والثاني: السيادة في الدولة. فسيادة الدولة: صفة تنفرد بها السلطة السياسية في نشاطها الداخلي بحيث تكون آمرة على الأفراد والجماعات؛ والخارجي بحيث تدير علائقها الخارجية دون خضوع لإرادة دولة أخرى، وإن التزمت المواثيق الدولية فبالتزامها. وهذا ظاهر؛ فلكل دولة حرية في ممارسة سلطاتها وعلاقاتها. وليست هذه محل الحديث هنا. وأمَّا السيادة في الدولة: فهي التي تعنينا، وهي محل الحديث في موضوعنا. وأول من استخدم مصطلح السيادة هذه في الفكر السياسي الأجنبي المعاصر، هو المفكّر الفرنسي جان بودان Jean Bodin (٢) . فقد ألف كتاباً بعنوان: "ستة كتب عن الجمهورية" نشره عام١٥٧٦م، عرّف فيه السيادة بأنَّها: " سلطة عليا على المواطنين والرعايا لا يحدّها القانون ". وفي توضيحه لمعنى السيادة، فرّق بودان بين السيد (صاحب السيادة) وبين الحاكم؛ " فالسيد أو صاحب السيادة، هو من كانت سلطته دائمة. أمَّا الحاكم فسلطته مؤقتة؛ ولذلك فلا يمكن وصفه بأنَّه صاحب السيادة؛ وإنَّما هو مجرد أمين عليها" (٣). ومن خصائص السيادة لديه: أنَّها مطلقة، لا تخضع للقانون. وأنَّها تُمكِّن سلطة التقنين من وضع القوانين، دون موافقة الرعايا (٤). ومن خصائصها: أنَّه لا يمكن أن يفرض عليها أيّ إرادة من قبل إرادة أخرى (٥). وممن تحدث عن حقيقة معنى السيادة العميد دوجي Duguit فيما عُرف بالقانون الأعلى وسيادة القاعدة القانونية الأعلى. حيث بيّن أنَّها سلطة حاكمة للسلطات. وقد أفاد منه د. عبد الحميد حيث أشار إلى أنَّ السيادة هي: " السلطة العليا التي لا نعرف فيما تنظّم من علاقات سلطة عليا أخرى إلى جانبها " (٦).

стр. 93

وممن بيّن مفهوم السيادة هوبز، إذ وضح أنَّها: " سلطة عليا متميزة وسامية، ليست في القمة بل فوق القمة، فوق كل الشعب وتحكم من مكانها ذاك المجتمع السياسي كلّه؛ ولهذا السبب فإنَّ هذه السلطة تكون مطلقة، وبالتالي غير محدودة لا في مداها ولا في مدتها، وبدون مسؤولية أمام أي إنسان على الأرض " (١). ومع أنَّ بودان بيّن فكرة السيادة، لكن بيانه لها قد خلا من بيان أساس لهذه السيادة، ولاسيما مع استبعاده للتأسيس على نظرية التفويض الإلهي في المفهوم الكنسي، وهو ما جعل فكرة السيادة لديه لا ترقى إلى مستوى النظرية؛ مما فتح المجال لتدخل غيره في استكمال بناء نظرية السيادة وفق الفلسفة الوضعية (٢)؛ ثم شاع هذا المصطلح في الفكر الديمقراطي بعد كتاب " العقد الاجتماعي" للفيلسوف الفرنسي جان جاك رسو، حين شارك في استكمال النظرية وفق فلسفته؛ فطبق معنى السيادة الوضعي من خلال نظريتي: سيادة الأمّة، وسيادة الشعب. والذي يهمنا هنا كما أسلفت، هو معنى السيادة وحقيقته المؤثرة في الحكم المتعلق بديننا ونظامنا الإسلامي، لا بغيره؛ إذْ هو المعيار والحكم على غيره لا العكس؛ لأنَّ الشرعي حين يُبيِّن حكم مصطلح ما، من المصطلحات المحدثة أو الوافدة، فإنَّه يبحث عن معنى المصطلح وحقيقته، سواء وجد في الواقع أو لم يوجد، وهو لا يرهن الحكم باللفظ والنشأة على حساب المعنى، ولا برؤية من حاول تطبيقه وفق فلسفته. وبعبارة أخرى: أن يفرق بين البحث في نشأة المصطلح بوصفه مصطلحا بلفظه ومعناه، فهنا في الأمر سعة. وبين البحث في حقيقة المصطلح ومعناه بغض النظر عن لفظه ونشأته وتاريخه، وهنا لابد من بيان الحكم الشرعي فيه. وعليه فخلاصة القول هنا: أنَّ السيادة في نظرية الدولة ونظام الحكم، تعني في أصل فكرتها: السلطة العليا المطلقة التي تقيٍّد سلطة الأمّة، وسلطة الحكومة بسلطاتها، ومن ثمّ تقيد تبعاً لذلك القواعد القانونية التي يتشكل منها الدستور، والذي تقوم بوضعه سلطة عليا تمثل المجتمع. وممن عرفها بلغة الشرعيين، الدكتور صلاح الصاوي، إذ قال: " السيادة هي: السلطة العليا المطلقة التي تفرّدت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال " (٣). ٣ - وبناء على هذا البيان لحقيقة السيادة الذي خلاصته وجود سلطة عليا مطلقة لا تحكمها سلطة أخرى لا بجانبها ولا أعلى منها؛ فإنَّنا نستطيع أن نقول بكل ثقة ووضوح: تلك حقيقة لا توجد في غير نظام الإسلام، وهي ظاهرة في نظام الحكم الإسلامي على وجه الخصوص؛ فإنَّه محكوم باتفاق المسلمين بسلطة عليا مطلقة حقا، تتمثل في: كتاب الله تعالى وسنة رسوله. يوضح ذلك الدكتور فتحي عبد الكريم في رسالته العلمية (الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة) حين يبين ذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة:

стр. 94

الأول: أنَّ السيادة ونظريات السيادة، لم تستطع تقديم أساسٍ قانونيٍ أعلى للسلطة، سوء كان ذلك في الفكرة الأولى للسيادة، أو بعد انتقالها إلى الأمَّة أو الشعب؛ وهذا ما دفع بعض كبار أساتذة القانون الفرنسيين (دوجي) إلى أن يقرِّر أنَّ فكرة السيادة بمفهومها الحقيقي، " غير قابلة لأي حلّ بشري! لأنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يُفسِّر من الناحية الإنسانية - أن إرادة إنسانية يمكن أن تسمو أو تعلو على إرادة إنسانية أخرى " (١). ولهذا يقرّر أستاذ آخر هو (لافاريير) أنَّه: " إذا كانت النية تتجه إلى تقديم السيادة على أنَّها حق في الأمر، فإنَّه لا يوجد سوى نظرية واحدة منطقية ومقبولة، وهي: النظرية الدينية، تلك التي تُقرِّر أنَّ السلطة السياسية ترجع في مصدرها إلى الله؛ وفي هذه الحالة إذا ما وجد في السيادة عنصر إلهي، فإنَّ الإرادات البشرية سوف تخضع لقرارات صاحب السيادة؛ لأنَّ هذه السيادة سوف تكون إعلاناً عن سلطة تعلو سلطة البشر " (٢). الثاني: أنَّ سلطة السيادة مطلقة؛ وهذا يعني أنَّه لا يصح أن ترد عليها قيود؛ لأنَّ ورود القيود عليها يخالف جوهر النظرية، ولا تتفق مع طبيعتها كما يقول د. فتحي عبد الكريم، الذي يقول " ولهذا السبب وجدنا أحد كبار المفكرين (جورج سل) يقرر بحق أنّ نظرية السيادة غير مفهومة في ظل شخصية الدولة القانونية التي تحيا في ظل نظام قانوني؛ لأنَّ السيادة تعني قدرة العمل الإرادي المطلق في حين أنَّ الدولة كشخصية قانونية- تعني قدرة العمل الإرادي المحدّد وفق النظام القانوني، ويرى سل أنَّ فكرة السيادة تؤدي إلى هدم فكرة الدولة القانونية ومبدأ سيادة القانون. أمَّا طبقاً للنظرية الإسلامية، فإنَّ السلطة مقيدة بأحكام القرآن والسنة، والتي تُشكِّل نوعاً سامياً من القانون الدستوري الذي يعلو على القانون الدستوري الوضعي؛ لأنَّ الأمَّة كلّها لو اجتمعت لا تملك أن تغيّر أو تعدّل فيه. وبذلك كانت دولة الإسلام أول دولة قانونية في التاريخ، يَخضع فيها الحكّام للقانون ويمارسون سلطانهم وفقاً لقواعد عليا تُقيدهم ولا يستطيعون الخروج عليها". الثالث: من حيث ضمانات تقييد السلطة بالسيادة؛ فإنَّ " نظرية السيادة حسب مفهومها الأصلي الصحيح، تأبى أي تقييد للسلطة، ولا تعرفه، وأنَّ السلطة فيها مطلقة من أيّ قيود؛ لذلك فإنَّه يكون من المنطقي أن لا تعرف هذه النظرية فكرة الضمانات اللازمة لتقييد السلطة؛ وبالتالي فلا يمكن القول بوجود أيّة ضمانات لهذا التقييد. أمَّا بالنسبة للنظرية الإسلامية، فإنَّ الوضع مختلف، ذلك أنَّ رسالة الإسلام لم تكتف بوضع نظام الحكم المقيد؛ وإنَّما عنيت أيضاً بوضع ضمانات لهذا التقييد ... ولقد رأينا من من دراسة النظرية الإسلامية أنَّ هذه الضمانات على نوعين: يتمثل أولهما في الشورى، وما تمثله من ضرورة رجوع الحكّام إلى الأمَّة في الأمور الهامّة. ويتمثل الثاني في رقابة الأمّة نفسها على تصرفات الحكّام، وحقّها في عزلهم إن صدر منهم ما يُبرِّر ذلك " (٣) قلت كما ورد في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه؛ فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا. وأن لا ننازع الأمر أهله. قال ((إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)) (رواه الشيخان).

стр. 95

ومن له معرفة بالنظام الإسلامي، لن يجد معاناة في تحديد حقيقة السيادة العليا في النظام الإسلامي كلِّه بما فيه النظام السياسي، فما هي إلا تلك التي يعبّر عنها العلماء والمفكرون المسلمون المعاصرون بتعبيرات من مثل: مبدأ المشروعية العليا، والحاكمية، والشرعية العليا، والحكم بما أنزل الله؛ ونحوها من التعبيرات المألوفة لدى الشرعيين والمتخصصين، بل ولدى عموم المسلمين. ٤ - ومن هنا فلا غرابة في اتفاق العلماء والباحثين المعاصرين - ولا سيما من لهم عناية بالسياسة الشرعية - على أنَّ السيادة العليا في الإسلام للشريعة ممثلة في نصوص القرآن والسنة؛ لأنَّ هذه الحقيقة مما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة؛ فلا سيادة تعلو سيادة الكتاب والسنة وهيمنتهما على غيرهما من الكتب والشرائع السابقة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] فضلاً عن آراء عموم الناس وأقوالهم ونظرياتهم البشرية. والحقيقة أنَّك عندما تضطر لتوضيح الواضحات، ستجد معاناة تشبه معاناتك عندما تحاول إثبات أنّ الشمس هي الشمس لمن لا يمكنه التعرف عليها! وهكذا الشأن عندما يتحدث المسلم عن قضية قطعية؛ ولذلك فمن المنهج العلمي العملي معرفة موقع الحقيقة المتفق عليها من عقيدة أهل الإسلام، وليس بالضرورة تعداد أدلتها النصية وغيرها لكثرتها (١)، ولكون الاشتغال بها قد يوحي بأنَّ في المسألة خلافا مع أنَّه لا خلاف فيها. وهنا أكتفي بعبارات كافية شافية - لمريد الحق دون مكابرة - في تأكيد حقيقة أنَّ سيادة الشريعة من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة؛ بعضها للمتقدمين، وبعضها للمعاصرين. فمن عبارات المتقدمين الممزوجة بالاستدلال: قول أبي العباس ابن تيمية ﵀ منبها إلى دليل الإجماع هنا في أقوى صوره: " قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ رسالة محمد ﷺ لجميع النّاس: عربهم وعجمهم، ملوكهم وزهادهم، وعلمائهم وعامتهم؛ بل عامّة إلى الثقلين الجنّ والإنس. وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، وأنَّه ليس لأحدٍ من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين، وما سنّه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات؛ بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته وطاعته .. بل ثبت أنَّ المسيح عيسى ابن مريم إذا نزل من السماء يكون متبعا لشريعة محمد بن عبد الله ﷺ ... فكيف بمن دونهم، بل مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أنَّه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره كموسى وعيسى؛ فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة غيره، فكيف بالخروج عنه وعن الرسل؟! " (٢). ومنها قول ابن القيم ﵀: " والصحيح أنَّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم؛ فإنَّه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنَّه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنَّه غير واجب، وأنَّه مخيّر فيه مع تيقنه أنَّه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ، له حكم المخطئين " (٣).

стр. 96

وقال ابن أبي العز الحنفي: " ... إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنَّه مخير فيه، أو استهان به بعد تيقنه أنَّه حكم الله، فهذا كفر أكبر " (١). ولاحظ التصريح بنفي التخيير في العبارات السابقة. ومن عبارات المعاصرين الممزوجة بالاستدلال: قول الشيخ محمد شلتوت ﵀: "العقيدة في الوضع الإسلامي هي الأصل الذي تبنى عليه الشريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثم فلا وجود للشريعة في الإسلام إلا بوجود العقيدة، كما لا ازدهار للشريعة إلا في ظل العقيدة؛ ذلك أن الشريعة بدون العقيدة عُلُوٌ ليس له أساس، فهي لا تستند إلى تلك القوة المعنوية، والتي توحي باحترام الشريعة، ومراعاة قوانينها، والعمل بموجبها دون حاجة إلى معونة أي قوة من خارج النفس. وإذاً فالإسلام يحتم تعانق الشريعة والعقيدة، بحيث لا تنفرد إحداهما عن الأخرى، على أن تكون العقيدة أصلا يدفع إلى الشريعة، والشريعة تلبية لانفعال القلب بالعقيدة، وقد كان هذا التعلق طريق النجاة والفوز بما أعد الله للمؤمنين. وعليه فمن آمن بالعقيدة، وألغى الشريعة، أو أخذ بالشريعة وأهدر العقيدة، لا يكون مسلماً عند الله، ولا سالكا في حكم الإسلام سبيل النجاة " (٢). ومن العبارات الأكثر دقة في وصف الواقع بحكم المعاصرة، قول الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله: "هناك أشياء أطلق عليها علماء أمتنا الكبار اسم (المعلوم من الدين بالضرورة)، ويقصدون بها الأمور التي يستوي في العلم بها الخاص والعام، ولا تحتاج إلى نظر واستدلال عليها، لشيوع المعرفة بها بين أجيال الأمة وثبوتها بالتواتر واليقين التاريخي. وهذه الأشياء تمثل الركائز أو (الثوابت) التي تجسّد إجماع الأمَّة، ووحدتها الفكرية والشعورية والعلمية. ولهذا لا تخضع للنقاش والحوار أساساً بين المسلمين، إلا إذا راجعوا أصل الإسلام ذاته! وأعتقد أنَّ من هذه الأمور: أنَّ الله تعالى لم ينزل أحكامه في كتابه، وعلى لسان رسوله، للتبرك بها، أو لقراءتها على الموتى! أو لتعليقها لافتات تزيّن بها الجدران؛ وإنَّما أنزلها لتُتَّبع وتنفّذ، وتحكم علاقات الناس، وتضبط مسيرة الحياة وفق أمر الله ونهيه، وحكمه وشرعه. وكان يكفي هذا القدر عند من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً، وبالقرآن منهاجا؛ لأن يقول أمام حكم الله ورسوله: سمعنا وأطعنا، دون حاجة إلى بحث عن دليل جزئي من النصوص المحكمة والقواعد الثابتة " (٣)؛ ثم سرد جملة من الأدلة التي جعلت لزومية الحكم بما أنزل من الأحكام المعلومة بالضرورة من دين الإسلام تحت عنوان تالٍ: " كثرة الأدلة على فرضية الحكم بما أنزل الله". والعجيب أن من يتأمّل أصول أدلة هذا الأصل العظيم يجدها مشبَّعة بمعاني اللزومية! فمن يتدبر قول الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠]-على سبيل المثال- يجد ذلك فيه ظاهراً؛ فمن يتدبر هذه الآية كما يقول شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: " يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله أُكِّد بمؤكدات ثمانية:

стр. 97

الأوّل: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال [قلت: لا في صورة انتخابات ولا استفتاء وتخيير ولا غيره]؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، يقول سبحانه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. (قلت: فكيف بمن يقبل - فضلاً عن أن يروّج - الفتنة عن لزوم حكم الشريعة كلها؟!). الرابع: إنَّ التولي عن حكم الله وعدم قبول شيءٍ منه، ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله؛ فإنَّ الشكور من عباد الله قليل، يقول الله تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنَّه حكم الجاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]؟! السابع: تقرير معنى عظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها يقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]. الثامن: إنَّ مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها وأتمها وأعدلها؛ وأنَّ الواجب الانقياد له مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. وهذه المعاني موجودة في آيات كثيرة من القرآن، وتدل عليها أقوال الرسول ﷺ وأفعاله " (١). وهذا أصل من الأصول التي لا تقبل الاستثناء مع القدرة، بل هي لازمة التطبيق، لا خيار لأحدٍ في تطبيقها؛ وفي هذا يقول الشيخ محمد مصطفى الزحيلي: " إنَّ المسلمين عامّة، وحكّام المسلمين خاصّة ليس لهم الخيار في تطبيق الشريعة أو عدم تطبيقها؛ بل هي إلزامية من الله تعالى الذي تفرد وحده بالخلق، وتفرد وحده بالأمر والتشريع، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. ومن ترك حكم الله تعالى وهو قادر على تطبيقه، أو قصّر في تنفيذه بدون عذر ولا ضرورة، فإنَّه مؤاخذ ومسؤول أشدّ المسؤولية أمام الله تعالى. وهذا ما سبق بيانه في وجوب تحكيم الشريعة، والانضواء تحت لوائها، والتقيد بأحكامها، وعدم الخروج عنها، أو الخيرة في تطبيقها " (٢). وقال الشيخ يوسف القرضاوي تحت عنوان: الثوابت لا يتدخل فيها التصويت: " إنَّ هناك أموراً لا تدخل مجال التصويت، ولا تُعرض لأخذ الأصوات عليها؛ لأنَّها من الثوابت التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلماً. فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع، وأساسيات الدين، وما عُلِم منه بالضرورة " (٣).

стр. 98

وقال الدكتور عبد العزيز عزت الخياط: " والسيادة للشرع موضع إجماع المسلمين قاطبة، لا يشذّ عن ذلك واحد ... فأهل السنة يرون أنَّ الإمام يستمد سلطته من الأمّة، سواء أكان المختارون له هم أهل الحل والعقد، أو من الأمّة بمجموعها إذا تيسر ذلك، وسلطته تستمد من الشعب، وإن كانت السيادة للشرع. وهذا فرق آخر بين الديمقراطية والإسلام؛ فالسيادة والسلطة في الحكم الديمقراطي هي للشعب، بينما السيادة في الإسلام للشرع، والسلطان للأمّة " (١). فالسيادة في دين الإسلام لشريعة الإسلام باتفاق أهل الإسلام؛ وما يذكره بعضهم من وجود خلاف، فهو خلاف لفظي ليس إلا. إذ هناك من يقول: السيادة للأمّة، ولكنه في حقيقة الأمر يعني أنَّ السلطة في تحقيق السيادة للأمّة؛ لأنَّه يعود ليؤكد أنَّ الأمّة محكومة بالشريعة الإسلامية ممثلة في الكتاب والسنّة. وسبب هذا الفهم: الخلط بين مصطلح السيادة والسلطة؛ ولهذا فرَّق أهل الشأن بينهما. وفي هذا يقول الدكتور عبد الجليل محمد علي: "بالنظرة المتعمِّقة في النظريات السالفة للوقوف على ما اختلفت فيه وما اتفقت عليه، نجد أنَّ الخلاف ما هو إلا خلاف في الصياغة دون المضمون؛ وآية ذلك: أنّ النظريات قد اتفقت فيما بينها على أنَّ السيادة للأحكام الإلهية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ وهذا ليس محل جدال أو نقاش مع أصحاب نظرية السيادة الإلهية. أمَّا أصحاب النظرية الثانية فإنَّهم بعد أن ذكروا لنا أنَّ السيادة للأمَّة، عادوا فقالوا: إن هذه الأخيرة - وأقصد الأمَّة - يجب أن لا تبرم أمراً بموجب ما لها من سيادة، يخالف نصاً وارداً في أحكام التشريع الإلهي؛ وبذلك تكون سيادة الأمَّة مقيدة بهذا التشريع الإلهي، فإذا تجاوزته فقدت مشروعيتها. وفي التحليل النهائي فإنَّنا نجد أنفسنا أمام سيادة للأمّة الإسلامية مقيدة لصالح سيادة أسمى وأعلى منها مرتبة، وهي: سيادة التشريع المنزّل من عند الله، ... وبذلك لا يكون هناك خلاف في الحقيقة بين هذه النظريات المختلفة " (٢). وواضح أنَّ تقييد سيادة الشعب يخرجها عن معنى السيادة الأصلي الذي يعني: السلطة العليا المطلقة التي لا يقيدها شيء أو التي لا توجد سلطة أخرى إلى جانبها كما يقول دوجي. وجاء في كتاب: السيادة وثبات الأحكام في النظرية السياسية الإسلامية: "الإسلام جاء بقواعد تبيّن السيادة للشرع، وأنَّ حقّ السلطان للأمّة؛ وأنَّ الإمام نائب عن الأمّة في ممارسة ومباشرة هذا السلطان. ولقد خفي هذا المعنى على كثير ممن نسب السيادة أو بعضها للأمّة، حيث اختلط عليهم ممارسة السلطان ومباشرة الحكم مع واقع السيادة، فجعلوها أمراً واحداً! مع اختلافهما شرعاً وعقلاً " (٣). وجاء فيه: " وما جعله الله من سلطان للأمّة بالاستخلاف وللإمام بالبيعة، ليس تفويضاً ولا منحاً للسيادة بحال من الأحوال، بل هو تكليف وابتلاء للقيام بواجبات الدين وأحكامه " (٤).

стр. 99

وهذه السيادة لا يخرمها ظلم ظالم، ولا استبداد أحدٍ باسم الشريعة؛ فالشريعة ما شرع الله، لا ما نسبه أهل الأهواء والظلم إلى شريعة الله؛ ولذلك جاءت النصوص الصريحة في تجريم الجور، وتحريم الظلم، ومن ذلك الوعيد لبعض القضاة من أهل الإسلام بالنار، لتجاوزهم سيادة الشريعة، وحكمهم بالجهل فضلاً عن تعمد الظلم. حيث تقاس شرعية أعمال الدولة بمدى التزامها بسيادة الشريعة. ولا تكون أخطاء الدولة العارضة فضلاً عن جورها المتعمد، حكماً على الإسلام وسيادة شريعته. ٥ - ولمَّا كانت طريقة أهل الإسلام في نظر المسائل المحدثات تنطلق من منهج الإسلام ذاته؛ وذلك من خلال: ردّ ومحاكمة كل مسألةٍ، إلى الكتاب والسنة وفق أصول الاستنباط الصحيح؛ فما لم يتنازع المسلمون في حكمه قبولاً أو ردّاً، فهو الإجماع الشرعي المعتبر؛ وما تنازع المؤهّلون للاجتهاد في حكمه فهي التعددية الفقهية السائغة، تكون محلّ مناقشة وتدارس بين أهل العلم لا محل تجريم؛ وما كان محلّ تفصيل فصّلوا فيه. لمّا كان ذلك كذلك، تمت محاكمة الديمقراطيات الحديثة، المتفرعة عن نظرية سيادة الأمّة ثم نظرية سيادة الشعب؛ إذ اتفق المؤهّلون من أهل العلم بالشريعة على رفض فلسفتها وأيديولوجيتها المخالفة للشريعة؛ ورأى جمهورهم التفصيل في آلياتها، لإمكان الفصل بين الأمرين. وبناء على رأي جمهور فقهاء العصر في مشروعية التدرج في تطبيق العدل الإسلامي (الشريعة الإسلامية)، تمت مشاركة الحركات الإسلامية بالدول العلمانية في العمل السياسي ببلادهم، مفيدين من آليات الديمقراطية فيها؛ إذ لا خيار مستطاعٍ لهم فيها إلا سلوك هذه الطريق، التي تساهم في تخفيف منكر الحكم بغير ما أنزل الله شيئاً فشيئاً بالأدوات السلمية الممكنة. وللأسف أن ثمة من عكس العملية في عالمنا العربي والإسلامي؛ فعمل على ما يؤدي إلى استخدام آليات الديمقراطية في ترسيخ فلسفتها المتفق على بطلانها شرعا. وهذا ظاهر في تقديم فلسفة الديمقراطية المناقضة للإسلام، على الإسلام ذاته، من خلال عزل الشريعة عن العقيدة، وتجاوز تلازمهما المتقرِّر شرعاً بادعاء عدم لزوم الحكم بها في حالةٍ ما، والتعامل مع الشريعة كما لو كانت قوانين بشرية مدنية تقبل الاستفتاء عليها بنعم أو لا؟! وقد بيّن الشيخ مصطفى صبري ﵀ أنَّ ادعاء عدم لزوم الشريعة فرع عن القول بمبدأ (فصل الدين عن السياسة) العلماني، إذ قال ﵀: "القول بفصل الدين عن السياسة معناه: ادِّعاء عدم لزوم الدين للحكومة ... ومعنى عدم لزومه للحكومة: ألا يكون له - أي للدين - سلطة عليها، ورقابة على أعمالها كما كانت للحكومة سلطة على الأمّة، ورقابة على أعمالها " (١). بل وصفها في الحالة الإسلامية: " إعلان استقلال من الحكومة التي كانت تابعة في أحكامها لأحكام الإسلام ضدّ متبوعها، وهو لا يقلّ في المعنى عن إعلان الحرب؛ لتمرّدها على متبوعها وخروجها عن طاعته " (٢). ٦ - وقبل ختام هذه المقالة أذكر ما دوّنه بحرقة أحد شهود الحقبة التي أثيرت فيها شبهة سيادة الأمّة، وهو أستاذ أساتذتنا في القانون الدستوري الدكتور/عبد الحميد متولي ﵀، إذ يقول، منتقداً من ينسبون (مبدأ سيادة الأمَّة) إلى الإسلام:

стр. 100

"ما درى أولئك أنَّ هذا المبدأ هو في حقيقته نظرية فرنسية - شأنه شأن مبدأ السيادة - استنبطه الفقهاء [يعني شراح القانون] الفرنسيون قبيل عصر الثورة الفرنسية، لظروف خاصّة بفرنسا في ذلك الحين، وأنَّ هذه النظرية إنَّما كانت بمثابة سلاح من أسلحة الكفاح ضد مبدأ (سيادة المَلِك) الذي كان سائداً في ذلك الزمان، وكان يستند إلى نظرية (الحق الإلهي) [يعني المفهوم الكنسي] التي لم يعد لها في زماننا هذا مكان، اللهم إلا في متحف آثار تاريخ المذاهب والنظريات السياسية. وما دروا أنَّ مبدأ سيادة الأمَّة - كما قررته الثورة الفرنسية في دساتير الديمقراطيات الغربية - لم تعد بنا حاجة إليه في هذا العصر؛ لأنَّه لم يعد هناك وجود لمبدأ سيادة الملك ونظرية الحق الإلهي اللذين من أجل محاربتهما استنبط الفقهاء الفرنسيون مبدأ سيادة الأمَّة. وفضلاً عن ذلك فإنَّ هذا المبدأ - كما أثبتت حوادث التاريخ حتى في البلد التي أنشأته (وهي فرنسا) - كان خطراً على الحريات، وأقوى سناد للاستبداد " (١). ولارتباط فكرة التقليد في (سيادة الأمَّة) عند أولئك بالتقليد في (نظام الاقتراع العام)، علق ﵀ وعفى عنه على ذلك بقوله: " ليس هناك فيما أعتقد كارثة نكبتنا بها نزعة التقليد الأعمى والأعرج للأنظمة الغربية أفدح من تلك التي نكبتنا بها حين قلدنا الغرب ونقلنا عنه نظام الانتخاب (أو الاقتراع) العام. لقد وصفتُ هذا التقليد في هذا المقام (بالأعمى والأعرج)؛ لأنّنا أخذنا بهذا النظام في بداية عهدنا بالنظام النيابي البرلماني - طبقا لدستور عام ١٩٢٣م- حين كانت نسبة الأميّة لدينا في مصر تبلغ نحو ٨٠% من عدد السكان، بينما كانت انجلترا التي تعدّ مهد النظام النيابي البرلماني وموطنه الأول، والتي سبقتنا في الأخذ به بعدة قرون، لم يتقرر فيها نظام الانتخاب العام إلا عام ١٩١٨م، أي قبل أن نأخذ به بخمسين سنة! (٢). وبذلك أغفلنا السُنَّة السليمة القويمة التي يجب أن تسير عليها أنظمة الحكم في طريق تطورها، وهي: سنّة التدرج. كما أغفلنا النظر إلى النتائج العملية للأخذ بذلك النظام الانتخابي في البلاد التي سبقت لها تجربته، وإلى آراء رجال الفكر السياسي بصدده، واقتصرنا على النظر إلى النصوص الدستورية دون التفات إلى النتائج العملية، وفي ذلك خطأ مبين فاحش مألوف لدى كثير من المقلدين " (٣). ثم أورد شاهداً تاريخياً إذْ قال: "حين تقرّر في فرنسا لأوّل مرّة نظام الانتخاب العامّ، سنة ١٨٤٨م عدّ ذلك كما يقول الأستاذ بارتملي -: خطئاً كبيراً، إذ أدّى ذلك الخطأ إلى سقوط الجمهورية، وقيام نظام الامبراطورية (ذي الصبغة الدكتاتورية)؛ فمن الخطر (كما يقول ذلك العالم الفرنسي الكبير) أن ندعو عامّة الشعب إلى الاشتراك في الشؤون العامّة، إذا كان أفراده لم يحرزوا بعد قسطاً من النضوج السياسي ومن روح الجماعة le sens collectif " (٤) . قلت: كل هذا في من زعم أنَّ لمبدأ سيادة الأمَّة صلة بالإسلام!

стр. 101

وفي هذا المعنى يقول فرانك بيلي: " قد يبدو لأوّل وهلة أنَّ التصويت ثم قبول قرار الأكثرية شيء منطقي ... لكن المسألة ليست بهذه البساطة! لأنَّه كثيراً ما يكون هناك أكثر من خيارين يتعين انتقاء واحد منهما، وعلاوة على ذلك فإنَّه لا يتبع أن يضع كل مقترع عدداً من الخيارات بالترتيب نفسه الذي يفضله. لنفترض أنَّه توجد ثلاثة خيارات أوب وج، فقد لا توجد أكثرية ٥٠بالمائة + ١ لأي منها؛ وإذ طلب إلينا ترتيبها فقد تكون احتمالات الترتيب كما يلي: أ, ب، ج، - أ، ج، ب - ب، أ, ج - ب، ج، أ -ج، أ، ب - ج، ب، أ - ومع ذلك قد لا تظهر أكثرية واضحة في الترتيب. ومن البديهي أنَّ الأمر يزداد صعوبة حين تكون لدينا أربعة خيارات للحصول على أكثرية واضحة لخيار ما؛ ولذلك قد يتم استنباط قواعد غير قاعدة ٥٠ بالمائة +١ " (١). ومع إشكاليات محددات الأغلبية ومن ثم محددات الأقلية - يقول أستاذنا الشيخ الدكتور منير البياتي حفظه الله: " في النظام الديمقراطي لا توجد ضمانات ضد طغيان الأغلبية في البرلمان، وهي تمتلك حق التشريع، من أن تعصف بحقوق الأقلية، وتستبيح لنفسها تدميرها متبجحة بأنَّها منتخبة من قبل الشعب، وأنَّها تمثله! وأنَّ إرادتها مطلقة؛ لأنَّها تمثل إرادة الأمَّة صاحبة السيادة!؛ والنتيجة الطبيعية لذلك، هي الاستبداد والطغيان " (٢)؛ وقد استشهد بأقوال لعدد من الأساتذة الغربيين وغيرهم في باب مهم بعنوان: تطبيق النظام الديمقراطي، من أطروحته القيمة: (النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية - دراسة دستورية شرعية وقانونية مقارنة)، والذي أمضى في تأليفها ما يقارب عقداً من الزمن. ٧ - وأخيراً فإنَّ حالات الضرورة الاستثنائية، لا تخرم مبدأ سيادة الشريعة بحال؛ وإنّما قد ترفع الإثم عن التأخر الاضطراري في إعلان تحكيم الشريعة أو التدرج في تطبيقها؛ وهذه مسألة خارجة عن محل الإشكال، ومع ذلك فإنَّ العاجز عن تطبيق الشريعة يجب عليه وجوباً: التزام ما يمكنه تطبيقه منها في نفسه ومن حوله ومن تحت ولايته مع اعتقاد لزوم تحكيمها فيما يتطلب سلطانا، عند الاستطاعة على ذلك، دون أن يكون لأحدٍ في ذلك خيرة. وقد نبَّهت - وغيري - إلى قاعدة الاستثناء للضرورة في بدايات ما يُعرف بالربيع العربي، إثر سقوط رأس النظام التونسي السابق، وذلك في خاطرة بعنوان: نحو وعي فقهي سياسي خاطرة من وحي الثورة التونسية، ومما جاء فيها: "ولعل من أهم وظائف العلماء في مثل هذه الحال في هذه العصر: أن يبادروا إلى درء الفتن، وبناء الوحدة الوطنية الأصلح في تحقيق المصالح ودرء المفاسد منطلقين من أصول الإسلام ومبادئه وموازنته الشرعية. وعليه؛ ففي مجتمعات تعمقت فيها الأحزاب غير الإسلامية فكرا، ينبغي أن يتم التعاون في المشترك الوطني الذي حفظ للأمة كيانها، ويُعملوا قواعد التدرج في بناء دولة تدرأ المفاسد، وتحقق ما أمكن من المصالح. وليس من المناسب طرح ما تقتضي السياسة الشرعية التأني في طرحه. ففرق بين تقرير الأحكام الشرعية الثابتة والمتغيرة، الذي يجب أن يستمر وتتوارثه الأجيال، وخاصة ما كان من قبيل (فقه المُنْسَأ أي: المؤخر لحينه)، وبين ظروف تطبيق ذلك وآليات تنزيله في الواقع، التي تحكمها ظروف المرحلة وفق أسس شرعية معروفة عند علماء الشريعة " (٣). هذا ما تيسر تدوينه عرضاً، في بيان قضية مهمّة، قد تخفى على بعض أهل الإسلام تفاصيلها لارتباطها بمصطلح أجنبي النشأة؛ ولكثرة ترويج الديمقراطية من خصوم الإسلام وغيرهم، دون وعيٍّ للفروق الجوهرية في النظر إلى الديمقراطية بين فلسفتها المناقضة للإسلام في جعلها السيادة للبشر أمة أو شعبا أو برلمانا، وبين آلياتها التي يمكن الإفادة منها بعد إخضاعها للسيادة الإسلامية وضبطها بضوابط النظام الإسلامي. أسأل الله تعالى أن يوفق أهل الإسلام للحكم بشريعته في كل بلادهم، حتى يذوق النّاس طعم العدالة الإسلامية ورحمة الله في أرضه، دون تدخل طاغية مستبدّ متجاوز لحدود الله، فرداً كان أو جماعة. وصلى اللهم على خاتم الأنبياء، وقدوة الحكّام الأوفياء، نبينا محمد وآله.

стр. 102

على هامش سجال "السيادة " عبد الله بن صالح العجيري الثلاثاء ٢٦ ذي الحجة ١٤٣٢هـ صدقاً، ما كنت أرغب في الدخول في هذا السجال، خصوصاً وأنه قد بدأ يطول، وبدأت بوادر السقوط في نكسة التكرار تلوح، وأخشى أن ندخل جميعاً في حلقة مفرغة، يكون فيها التعويل على مجرد المكاثرة والتكرار، وتكون الغلبة لمن يكتب أخيراً، وتضحى فيها العصبيات الشخصية والمجاملات هي المسيطرة على المشهد، دون محاولة جادة لتفهم أطروحات المخالف، والتنزل قبولاً أو رفضاً في مناقشة ما يطرحه من اعتراضات. حين ترى فصيلاً يطرح إشكالية وتأتيه الاعتراضات مفصلة عن اليمين والشمال ثم تجده يعرض تماماً عن مناقشة تفاصيل هذه الاعتراضات فاعلم أن ثمة مشكلة حقيقية، وليس ينفعه إظهار الابتهاج والفرح بتحريك المياه الساكنة وإثارة النقاش، ثم هو يتمنع عن أداء واجب النقاش بالسماع والجواب. ليس القصد هنا بطبيعة الحال المطالبة بالتسليم باحتجاجات هذه الطائفة أو تلك لكن الحديث عن ضرورة مناقشة هذه الاحتجاجات والتعاطي معها على الأقل كشبهات تعكر صفو القضية المطروحة، وبالتالي فهي تحتاج لوقفات تجلي الموقف منها صحةً وفساداً، وليس من المعقول أن يعيد طرفٌ استجلاب اجتجاجاته القديمة ليقوم بإعادة طرحها من غير توقفٍ عند الاعتراضات التي قدمت حيالها ليطور من طبيعة الاحتجاج القديم مجيباً عن إشكال الخصم عند طرحها. حين أقرأ مثلاً استدلال أحدهم (بأحكام الجزية) وما يترتب عليها من آثار ليخرج لنا بفكرة (سماح الشريعة بعدم تطبيقها)، فإنني لا أستطيع أن أخفي عجبي الشديد من هذا الاستدلال، تعظم حالة العجب طبعاً حين يعيد ذات الشخص تكرار ذات الاحتجاج مرة بعد مرة مع توارد الاعتراضات، هذا التصور الغريب لأحكام الجزية والذي يختزلها في ضريبة مالية تدفعها الأمم لقاء إبقاء دارهم على ما هي عليه وإقرار شريعتهم وسيادتهم كما هي هو تصور شديد الغرابة لمن قرأ ولو قليلاً في أحكام الجزية، بل لمن قرأ خاتمة آية الجزية ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فالجزية إنما تؤخذ على أهل الذمة ليعيشوا في كنف الأمة المسلمة وفي ذمتهم أما الدار والشريعة فهي للمسلمين، الدار دار إسلام والشريعة الظاهرة شريعته، فلا أقل مع غرابة هذا الاستدلال وقيام المعارض من تثبيت هذا الاستدلال بالبرهنة والتدليل، لا أن يعاد مرة بعد أخرى وكأن شيئاً لم يكن. هذا مثال واحدٍ فقط من أمثلة كثيرة تعصف بهذا السجال وكأن الحوار إنما هو من طرف واحد، عليه واجبات التدليل وتقديم الإجابات أما الطرف الآخر فلديه كلام يريد أن يقوله ولا يهمه بعد ذلك ماذا قال أو سيقول الطرف المقابل، وراجع تفاصيل مشهد السجال وما قدمه كل طرف من أدلة وجوابات تعلم حجم الإشكال.

стр. 103

إن عملية الاستدلال لا تكون بمجرد تكثير سواد الأدلة بل لا بد أن تكون منهجية الاستدلال بهذه الأدلة صحيحة أولاً ولا بد من دفع الاعتراضات عنها ثانياً، وليس من المعقول أن يأتي المستدل ليناقش فكرة هيمنة الشريعة وإلزاميتها فيقتصر على سوق طائفة من أدلة (عدم الإكراه) من جنس (لا إكراه في الدين) (لست عليهم بمصيطر) ويعرض تماماً عن الطائفة الأخرى من صور الإكراه بحق (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) والسيرة العملية للنبي ﷺ وصحابته في فتوحاتهم، ومحال الإجماع من كلام الفقهاء في تقرير العقوبات على فعل المعاصي وترك الواجبات حتى على مستوى التعبدات الشخصية كإجماعهم على عقوبة تارك الصلاة مثلاً، فإن تغييب الدلائل المضادة للفكرة والإعراض عن مناقشتها ستشكل ولا بد ثغرة كبيرة في تقرير هذه الفكرة خصوصاً إذا كانت هذه الأدلة مبسوطة على لسان الطرف الآخر. أما الاستكثار (بالأدلة المضروبة) من جنس (تولد النفاق من ظاهرة الإلزام) فهي في الحقيقة تزيد القول وهناً بدل تقويته، وقد أحسن الشيخ فهد العجلان في تفكيك هذه الإشكالية وبيان أوجه الاعتراض عليها عبر مقاله الماتع (هل الإلزام بأحكام الإسلام يؤدي إلى النفاق؟) ومع ذلك فلم نجد ممن استدل بهذا الدليل اعتراضاً على ما طرحه الشيخ أو اعترافاً بخطأ هذا الجنس من الاستدلال، وإنما ساد منطق الإعراض، وكأن منطق الصمت كفيل بإبطال اعتراضات الخصم أو هو ضمانة لنسيانها في خضم السجال، وهذا الاستدلال المليء بالثغرات يعبر عن حالة التكثر والتعجل والتشوه في منهجية الاستدلال الذي يمارسها هذا الفصيل في معالجته لقضية كلية خطيرة تتعلق بسيادة الشريعة. الأكثر إيلاماً حين تمتد حالة التشوه من مجال الاستدلال لتصل إلى نقطة البحث ذاتها فيتشوه البحث كله بسبب محاولات إعادة تعريف محل الإشكال وتطويره بحسب ظروف السجال، ولتتشوه في الطريق أقوال المعترضين حين يصورون -بحسن نية أو سوء نية- وكأنهم جماعة من المغفلين الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، بل ويسجلون اعتراضاتهم على البدهيات والقضايا الواضحة. نعم، تزداد المشكلة حين تتكاثر حالات الاتهام (بسوء الفهم) للطرف المستقبل للخطاب مع ما معه من علمٍ وذكاءٍ وزكاءٍ ثم لا تجد اعترافاً حقيقياً من مصدر الخطاب بأن المشكلة قد تكون من عنده في شكل الخطاب وهيئته على الأقل، أو الاعتراف بأن ثمة نقطة اختلاف عميقة تستحق المعالجة. دعونا نعيد ترتيب المسألة باختصار، ولنحاول قدر الإمكان تحرير محل الخلاف الحقيقي بعد أن زاده طول السجال غموضاً بدل أن يكون سبباً في تنقيحه وتحريره، ثم نعلق بعدها على جملة من الإشكالات. ليست المشكلة أبداً في اعتقاد حل الحلال شرعاً أو حرمة المحرم. وليست المشكلة في أن الالتزام الفردي بهذه الأحكام الشرعية واجب شرعي، وأن تارك الالتزام محل للمؤاخذة الأخروية. وليست المشكلة أيضاً في وجوب الدعوة لتحكيم الشريعة، وأن ثمة خيارات متعددة في فرض الهيمنة الشرعية في الواقع، وأن الأمر قد يستدعي أناةً وطول نفسٍ وتدرجٍ لفرض هذه الهيمنة في الواقع. ليس شيءٌ من ذلك مثيراً للإشكال، ولا هو محل للخلاف، غير أن المخالف لسببٍ غير مفهومٍ يعيد ويكرر نفي هذه المعاني عن كلامه، موهماً أن جلّ مخالفيه فهموه خطأً. موضع الإشكال والخلاف من البداية، في مسألة: هل يصلح أن يخير المسلمون بين أن يحكموا بدينهم، وبين أن يُحكموا بغيره؟

стр. 104

هذا ببساطة هو محل النزاع الذي انطلق منه هذا السجال، وهو المحل الذي تتجاذبه جملة من الإشكالات، وليس بخافٍ أن بواعث هذا السجال وذيوله إنما جاءت تعليقاً على مشهد الربيع العربي، وثورة الشعوب المسلمة، ولأجله طرحت مسألة حرية هذه الشعوب المسلمة في قبول أو رفض تحكيم الشريعة، والموقف الشرعي الصحيح من هذا القبول والرفض، ما بين طرف يرفض مبدأ التخيير أصلاً، وآخر يراه حقاً من حقوق الأمة وخياراً يجب احترامه. (١) الإشكالية الأولى التي تقفز إلى ذهني حين التأمل في مشهد تخيير المسلمين بأحكام الشريعة هو أنها تنطلق من فرضية مفادها أن كون الشعوب مسلمة لا يصح أن يكون تعبيراً كافياً عن رغبتها في تحكيم الإسلام، فكون الشعوب موصوفة بالإسلام شيء ورغبة تلك الشعوب بحكم الشريعة شيء آخر، الأمر الذي يجعل من مسألة التخيير بين الشريعة وغيرها عملية واقعية مشروعة، ومن بدهيات التدين بالإسلام أنه يحتوي في طياته الرغبة في تحكيمه فهذا التحاكم والالتزام ليس مجرد لازم من لوازم الإيمان بل هو واحد من مكوناته الصميمية، فلا معنى إذن في تخيير المسلمين بالتحاكم لشريعتهم إلا أن يكون تخييراً لهم في إسلامهم قبولاً ورفضاً وهو خيار لا معنى له إطلاقاً حين يكون الحديث عن شعوب مسلمة .. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ .. (٢) تَفهُّم هذه الإشكالية يقود إلى إشكالية أخرى تتصل بمسألة التخيير بين الشريعة وما يضادها، فحين تكون قابلاً بمبدأ التخيير بين الشريعة وضدها، فستلتزم إتاحة المجال لحرية الاختيار ليكون خياراً فاعلاً في الساحة، وبالتالي فلا بأس في مشهد النظام المقبول إسلامياً من إتاحة المجال للدعاية للإسلام والدعاية المضادة له، وإقامة الأحزاب بكافة صورها وأشكالها، وإعطاء المجال لمادح الشريعة وللقادح فيها بالكلام والحديث والدعوة، بل بذل حق إعلان الطعن في الله ونبيه ودينه، كل ذلك لتكون صادقاً في إتاحة المجال للشعوب المسلمة للاختيار الحر وفق معطيات ينصف فيها الباطل من الحق، ويأخذ فيها الباطل حصته من حق الدعوة كحق الحق من غير فرق، ولأجل هذا سبق وأن دارت رحى السجال حول مجال الحريات في ظل النظام السياسي الإسلامي بالنظر إلى "حرية المنافقين"، والكل يعلم نتائج ذاك السجال وما ترتب على الاستدلال بأحوال المنافقين من لوازم باطلة، كفتح المجال للطعن في النبي ﷺ وشريعة الإسلام والسخرية والهزء بالمسلمين والتآمر على الدولة المسلمة .. الخ، فإن كان المخالف يؤمن بأن الإسلام يُؤمِّن هذا الفضاء الفسيح من الحريات المنفلته، ولا يرى بأساً في فتح المجال للقادحين في الشريعة، فعليه أن يدلل على مشروعية رأيه أولاً، ثم عليه تقديم الإجابات على سلسلة طويلة من الإشكالات، لا أن يتجاوز واجبات الاستدلال هذه بفرض رؤية غير مدللة ولا مبرهنة، وإن أذعن إلى واجب التضييق والحد من هذا اللون من الحريات، فهل التضييق عنده ناتج عن هيمنة القيم الشرعية؟ أم هو ناتج عن حكم الصندوق؟ فإن قبل بهيمنة الشريعة فقد أقر بعلو الشريعة ذاتياً على كل نظام وعدم افتقار تحكيمه في الواقع إلى شرعية بشرية، وإلا فقد جوّز تمدد هذا المجال من الحريات، وعاد على قوله بالتضييق بالنقض.

стр. 105

(٣) وهذا يؤكد الإشكالية الثالثة وهي تتصل بمنطق الحق والباطل وأحكام كلٍ منهما وآثاره، فالإسلام جاء بمنظومة من التشريعات العقدية والعملية انطلاقاً من حقيقة كونه حقاً، فجاءت هذه الشريعة فرقاناً بين الحق والباطل لا على مستوى التنظير والحكم الأخروي فحسب بل على المستوى العملي وفق منظومة تشريعية يتم من خلالها التفريق بين قيم الحق وقيم الباطل، ولتلغى كافة صور المساواة بينهما، (فماذا بعد الحق إلا الضلال)، بل لتمتد حالة نفي المساواة إلى حملة الحق وحملة الباطل، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾. أما الأمثلة والشواهد على هذه الحقيقية الشرعية في تفاصيل التشريعات العملية فأكثر من أن تُذكر في أبواب العبادات والجنايات والحدود والتوارث والأنكحة والأطعمة والشهادة والولاية والحضانة والقتال وحرية التعبد الخ الخ .. وخذ هذه الشواهد مختصرة للتدليل على سعة الشبكة التي تشملها هذه المنظومة التشريعية العملية، والتي تؤكد بدهية نفي المساواة بين حق الحق وحق الباطل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾، ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، (لا يقتل مسلم بكافر)، (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، (من تشبه بقوم فهو منهم) .. الخ الخ. هذه بعض الشواهد فقط مما خطر في بالي الآن، وأظنها كافية في التأكيد على هذه الحقيقة الشرعية وهي تغني عن الاستطراد والاستغراق في ذكر الفروع الفقهية الناشئة عن هذه الشواهد في مختلف الأبواب الشرعية.

стр. 106

حين أستحضر هذا المعنى فلا أستطيع إخفاء استغرابي الشديد حين أجد تلك المقابلة التي تضفي شرعية للباطل متى ما أعطيت تلك الشرعية للحق، فإذا أعطيت للحق حق الدعوة فيجب أن تقبل ذلك من الباطل، وإذا سمحت بفرض هيمنة الشريعة فاقبل من العلماني أن يفرض هيمنة العلمانية، إنه من المهم جداً الانطلاق بالإسلام باعتباره حقاً والتعاطي مع الأفكار المخالفة له على أساس أنها باطل لا تتمتع بالشرعية، وأنه لا تناقض إطلاقاً حين أفسح المجال للحق ليعمل في الواقع وأجهد في منع جيوب الباطل، وأخشى صادقاً أن يكون محل السجال القادم في حقوق الباطل في المجتمعات المسلمة. (٤) آخر ما أحب إبداؤه من ملاحظات يتصل بحالة الخلط الشديد بين سؤالين شديدي التباين، حالة الخلط هذه أفرزت قدراً من الإشكال في معالجة فكرة سيادة الأمة وتطبيق الشريعة السؤالان ببساطة شديدة هما: - من يطبق الشريعة؟ - لماذا نطبق الشريعة؟ والوعي بالفارق بين السؤالين يحل مشكلة سؤال السيادة لمن؟ فالذي يطبق الشريعة -في الأصل- ويخرجها إلى حيز التنفيذ هم حملة النظام السياسي الإسلامي المنبثق عن الأمة. أما لماذا تطبق الشريعة فلأن تطبيقها هو مراد الله تعالى. فشرعية التطبيق ليست ناشئةً عن إرادة الأمة وإنما الشرعية مكتسبة من واضع هذه الشريعة وهو الله تعالى، وفرق عظيم بين هذا التصور وبين من يجعل شرعية التطبيق راجعاً إلى إرادة الناس، فرق بين من ينفذ أحكام الشريعة في الواقع لأنها حكم الله وبين من ينفذها لأنها حكم الصندوق. فالأمة إذن هي من تحمل الشريعة، أما لماذا تحملها؟ فلتحقيق مراد الله تعالى الذي أمر بالالتزام والإلزام بها. فإن قيل: الشريعة لا تطبق نفسها بنفسها، وإنما تحتاج إلى إرادةٍ وأناسٍ يطبقونها، وبغير هذه الإرادة لا يمكن أن تتمثل الشريعة في الواقع. فيقال: نعم، وليس هذا محل الإشكال ولا مجال البحث، فإن جميع الأعمال البشرية والتكاليف الشرعية لا تتحقق وجوداً في الواقع إلا بإرادة الامتثال، فالصلاة مثلاً لن تحصل ما لم يرد المصلي إيقاعها ولكن هذا لا يعني أن شرعية تحقيق الصلاة في الواقع ناشئةٌ عن هذا الإرادة هذا أولاً، وثانياً .. ليت من يطرح هذا الاستشكال لمنع هيمنة الشريعة إلا بالاختيار الحر، يستحضر إشكاله عند فرض هيمنة الديمقراطية في الواقع، فهي الأخرى كرةٌ في ملعب النظام السياسي تفتقر إلى تحريك الإرادة لتتحقق في الواقع، وهي الأخرى ليست كائناً يمشي على قدمين بل هي تحتاج إلى جملةٍ من الضمانات لتصح الممارسة الديمقراطية، ليتم حماية الأقليات من دكتاتورية الأكثرية، ولتتحقق قيم العدالة والمساواة، فما ستقدمه من معالجات لضمان تطبيق نظام صحي ديمقراطي في واقع (ما قبل النظام الديمقراطي) فالتزمه عند إرادة فرض الشريعة في واقع (ما قبل الشريعة)، وإذا كنت ترى أن أي نظام سياسي يجب أن يكون محكوماً بقيم العدل والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص، وأن الدولة يجب أن تكون دولة حقوق ومؤسسات وأن لهذه المعاني هيمنة واجبةً لذاتها عندك، فليكن هذا مدخلاً لتصور إمكانية إقامة نظامٍ محكومٍ بالإطار الإسلامي تكون السيادة فيها للشريعة، خصوصاً ونحن نتحدث عن شعوب مسلمة لا يتصور أن يُطرح عليها سؤال الهوية الدينية، فما بالنا نصر على طرحه، ونلتزم في سبيله بتلك اللوازم الفاسدة.

стр. 107

ونحن نتفهم تماماً أن فرض هيمنة الشريعة في الواقع يحتاج إلى حكمةٍ وعقلٍ وتصورٍ لأحكام الشريعةِ ومعطيات الواقعِ، فالذي حطم الأصنام بمكة يوم الفتح هو من كان يصلي عند الكعبة والأصنام تحيط بها من كل جانب. كما تنفهم أيضاً أن كثيراً من العاملين في الشأن السياسي من الإسلاميين اليوم يعملون في مناخ يستدعي قدراً من المرونة والمناورة واستحضار أحكام الضرورة والحاجة، ومعرفةً بحدود فقه الممكن والمتاح، وهم مطالبون بتقديم خطابٍ سياسيٍ مقبولٍ يلتزم حدود الاستطاعة شرعاً فلا يتجاوزون حكماً شرعياً ممكن التطبيق في ضوء معطيات الواقع، ولا يُلزمون أنفسهم ما لا يطيقون، ويجب على الشباب المسلم أيضاً أن يتفهم طبيعة هذا الخطاب السياسي والحاجة الماسة إليه تحقيقاً للمصالح وتخفيفاً للشر، وأنه لا يلزم أن يكون معبراً عن حكم الشريعة الأصلي، وأن ثمة مجالاً للاجتهاد في مساحات فقه الممكن، المهم أن لا يتم تحريف أحكام الإسلام تحت أي ذريعة وأي مبرر، بل الإبقاء على صفاء الإسلام ونقاء شريعته من التحريف واجبٌ شرعيٌ مقدسٌ. وإذا كان السياسي المجتهد في إصابة حكم الشريعة الأصلي في غير القطعيات منهياً عن ادعاء أنه يطبق حكم الله، ومأموراً بالتصريح بأنه إنما يعمل باجتهاده، فكيف الظن بمن يجتهد في إصابة حكم الشريعة المتعلق بحال الضرورة والاستطاعة، (وإذا أنت حاصرت أهل حصن، أو أهل قرية، فأرادوا أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك). نعم قد نتفهم ضروباً من الاجتهاد في العمل السياسي وما يكتنفه من أحكام الضرورة والاستطاعة، لكننا لن نتفهم بحال الإغارة على أحكام الشريعة، وجعل أحكام الاستثناء أصلاً، وفقه الممكن هو صورة الشريعة المثلى. ختاماً .. ما أبعد المسافة التي كانت تفصل بين موقع الشريعة من ديمقراطية الأمس، والمسافة التي تفصلها عن ديمقراطية اليوم، فبالأمس كانت الشريعة تمثل مرجعية عليا للمشاركة الديمقراطية، واليوم أضحت مجرد خيار من زمرة خيارات في هذه اللعبة.

стр. 108

من ربقة الحرية إلى نعمة العبودية محمد بن إبراهيم السعيدي السبت ٢٣ ذي الحجة ١٤٣٢هـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: السلفية وأسلمة المصطلحات: النهضة الإسلامية السلفية الأخيرة والتي بدأت على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى ولا نزال نعيشها حتى هذا اليوم، تعرضت منذ النشأة للكثير من التحديات الفكرية في مواضيع هامة ومفصلية في الفكر الإسلامي من أمثال توحيد العبادة (الألوهية) وتوحيد الأسماء والصفات ومفهوم البدعة وطرق الاستنباط من النصوص الشرعية وحدود المسلم والعلاقة مع الآخرين، كل هذه التحديات الفكرية خاضتها الحركة السلفية في كل مكان وُجِدت فيه ابتداءً من الدرعية في وسط الجزيرة العربية وانتهاء بكانوا في وسط الغرب الإفريقي ومندناو في وسط جزائر الفلبين مرورا بكل ما تعرفه من عواصم وبقاع نزل الفكر السلفي بساحتها. وفي الغالب فإن الحركة السلفية تخرج من تلك النزاعات منتصرة ومتماسكة وجالبة إليها المزيد من الأتباع من علية القوم ودهمائهم، ومن أسباب ذلك أن الحركة كانت ترجع في كل ما يرد عليها من أسئلة حول تلك القضايا إلى رصيد رصين من النصوص الشرعية الواضحة والتي تسقط أمام بيانها جميع الحجج العقلية والأبعاد التأويلية للمحكمات، كما ترجع إلى رصيد وافر من أقوال أعلام الأمة من السلف ومن مشى على نهجهم من الخلف ﵃ ورحمهم أجمعين. ولا يخفى على باحثٍ: ما لمدونات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من البركة على هذه الحركة حيث حررت تلك المدونات مذهب السلف في أكثر القضايا التي تواجه السلفيين تعقيدا في كل مكان يصل إليه فكرهم. ومع بوادر ما يُعرف بالنهضة الحديثة، جاء مع الفكر الأوربي مصطلحات وقضايا جديدة نشأت في محاضن الغرب وتاريخه الاجتماعي والاقتصادي والفكري، من مثل: الاقتصاد، الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، النظام السياسي، الحرية، المساواة، الوطنية، القومية، الدولة المدنية. تعامل أكثر المعنيين بالقضايا المعاصرة في ذلك الوقت مع أكثر هذه القضايا بمبدأ الأسلمة، وهو مبدأ ناشيء عن مقدمتين ونتيجة، وهي: أن هذه الدعوات خير، وأن الإسلام سباق إلى كل خير، والنتيجة أن أكثر هذه المباديء موجودة في الإسلام وإن لم يكن ذلك بأسمائها التي اصطلح عليها الغربيون، ولذلك بذلوا وسعهم في سبيل استخراجها من تعاليم الدين ومقاصده. وقد أصاب هؤلاء العلماء في كثير من الأشياء، لكن الاستطراد، في هذا المنطلق أوقع البعض منهم في مشكلات كبرى تستحق الكثير من المراجعة. لم يكن السلفيون بمعزل عن هذه المشكلة لكنهم كانوا أقل الناس إقبالا على أسلمة المصطلحات، ولعل المشكلة الأكبر عندهم تكمن في أنهم لم يجدوا في رصيدهم الفكري الذي نوهنا عنه قبل قليل ما يمكن الاعتماد عليه كثيرا في مواجهة نُظرائهم من الإسلاميين الذين أصبحت عندهم هذه القضايا المؤسلمة مسلمات لا تقبل النقاش ولا تحتمل إلا قولاً واحداً، أدى هذا إلى دفعٍ عظيم في اتجاه القول بإسلامية هذه القضايا عند الكثير من السلفيين أنفسهم بالرغم من عدم توفر رصيدٍ من أقوال السلف يوضح المنهج الصحيح تجاهها، وإخال أن تبنيهم، لمشروع الأسلمة جاء لكونهم وقعوا بين خيارين: إما أن يقبلوا بها بثوبها المؤسلم وإما أن يوصموا بعدم وضوح الرؤية والبعد عن الواقع والافتقار إلى المشروع السلفي، ومن أبرز ما وقع فيه الحديث من هذه القضايا: مسألتا الحرية والديمقراطية. التدرج في شرح الحرية:

стр. 109

في التراث الإسلامي لا تعرف الحرية إلا في مقابل الرق، ويطلق الحر حقيقة على غير المُستَرَقِ من الناس، ويطلق مجازاً أو نقلا على المتخلق، بالإباء والشمم على اعتبار أنها، بعيدة من صفات الأرقاء لكنها لم تعرف كمصطلح حقوقي إلا في الفلسفة الأوربية، ورثها فلاسفة التنوير في مطلع العصر الحديث عن فلاسفة اليونان الأقدمين. ولا يغض من ذلك ذكرها في بعض كتب علماء المسلمين كالقشيري في رسالته وابن تيمية في رسالة العبودية والسخاوي في فتح المغيث، فإنهم يعنون بها الانفلات من استرقاق الخلق إلى عبودية الله تعالى وهذا بعيد عن المعنى المصطلحي لهذه الكلمة. أما في الفكر الإسلامي المعصر، فلم أجد مصطلحاً من المصطلحات التي اشتهر القول بأسلمتها أكثر شؤماً على الفكر الإسلامي من هذا المصطلح، فقد بدأت علاقة المفكرين المسلمين معه في الدعوة إلى نبذ الاستبداد السياسي على يد عبدالرحمن الكواكبي. ثم انتقلت إلى أن تُعتبر مقصداً من مقاصد التشريع الإسلامي على يد الشيخ الطاهر بن عاشور، ثم هو يُستخدم الآن كوسيلة من وسائل انتهاك التشريع الإسلامي. ومن تتبع أقوال المتحدثين عن الحرية من العلماء والمفكرين الإسلاميين المعتدلين في استخدامه, يجد أنهم يعنون بها: ما يذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن للإنسان إرادة وقدرة، فيما يختاره من معتقدات وما يقوم به من أعمال وأن ذلك لا يخرج عن قدرة الله تعالى ومشيئته سبحانه وعلمه، على ما فصله علماء الإسلام في حديثهم عن القدر. كما يعنون بها: ما من الله تعالى به على المسلمين من رفع الحرج عن الأمة والتيسير عليها في التشريع وكثرة المباحات في مقابل قلة المناهي. فهم يقولون إن الإسلام جاء بالحرية المنضبظة بضوابط الشريعة الإسلامية، وضوابطُها: كل ما نهى الله تعالى عنه، فمن عمل في نطاق الواجبات والمستحبات والمباحات والمكروهات فهو مستمتع بالحرية التي جاء بها الإسلام قبل الحضارة الغربية والمواثيق الدولية بأكثر من ألف عام. هذا ما يريده المعتدلون من الكتاب والمفكرين حين يتحدثون عن الحرية المنضبطة وعند عرض هذه النظرة على الفكر الغربي فإننا لا نجد هناك ما يقاربها فضلا عن أن يتطابق معها. فالحرية هناك لا تحمل معنى واحداً بل ليس لها مفهوم محدد عند فلاسفتهم ابتداء من سقراط وانتهاء بسارتر، وهذا ما يجعل استخدامها كمصطلح للتعبير عن قيمة إسلامية استخداما خطراً لكونها كسائر المصطلحات الناشئة في بيئة مختلفة تأتينا بكامل أعبائها التي تحملتها عبر تاريخها الطويل الذي لا ينتمي إلينا ولا يمكن أن ننتمي إليه ولا يمكن أيضا أن نفصلها عنه بحال من الأحوال. ولهذا التباين بين مُراد المفكرين المسلمين المعتدلين من الحرية المنضبطة, وبين مرادات مفكري وطن منشأ هذا المصطلح, لم يتوقف الواقع الثقافي في عالمنا الإسلامي عند استخدام هذا المصطلح كتعبير غير معقد عن قيمة إسلامية، بل تجاوز ذلك إلى انتهاك القيمة الإسلامية لصالح المصطلح الوافد، حيث أدى القول بكونها مقصداً من مقاصد الشرع إلى اعتبار أن لها أحكام المقاصد من حفظ الدين والنفس والمال والعرض والنسل الثابتة باستقراء جميع أحكام الشريعة، ولا يخفى أن مراعاة المقاصد يستعملها الفقيه في فهم النصوص، وتأويلها وصرفها عن حقائقها إلى مجازاتها، كما تستخدم المقاصد في الاجتهاد في أحكام النوازل عند تعذر النصوص على اعتبار أن المقاصد ثابتة بالنص، وأصل الاجتهاد هو إعطاء غير المنصوص حكم ما فيه نص، بل ربما يستخدمها أهل صناعة الحديث في رد بعض الأحاديث دراية. الحرية ومقاصد الشريعة:

стр. 110

فإذا وصلنا إلى أن نجعل الحرية مقصداً من مقاصد الشرع تعين أن نعطيَهَا كل هذه المكانة، فنستعين بها على فهم النصوص أو تأويلها، ونجعلها بمثابة الدليل في أحكام النوازل، ونرد بها ما لا يتفق معها من أحاديث كجزء من علم الحديث دراية. وهذا ما لا يمكن لأمرين: أحدهما: أن اعتبار الحرية مقصداً للشارع كما يُقدمها عدد من المفكرين الإسلاميين يعني: أن الله أنزل الشريعة كي يكون الإنسان مريداً، أو كي يتمتع بالمباحات، وهذا مالا يمكن أن يستقيم، لأن الشريعة إنما اختص بها الإنسان من بين سائر الكائنات لكونه أهلاً لحمل أمانة التكليف وإنما أهَّله لذلك العقل والإرادة، فكيف تكون الإرادة التي هي مقتضى التكليف بالشرائع مقصداً لها أي للإرادة أيضا؟ فهذا دور لا يستقيم في المنطق بحال من الأحوال. الثاني: أن المقاصد لابد عليها من أدلة خاصة صريحة قاطعة في دلالتها وهذا ما لا يوجد للحرية في الكتاب والسنة، وسوف يأتي الكلام عن ذلك قريبا. المهم أن نمضي إلى أن القول بمقصدية الحرية للتشريع أنموذج للإشكالات التي لا يمكن الانفكاك عنها حين نُصِر على أسلمة مصطلح مُعَبَّأ بأثقالٍ لا تمت لنا بصلة. قمة الخطل في فهم الحرية: وقد بلغ الخطل بالبعض إلى أن قال إن تحقيق الحرية مُقَدَّم على تطبيق الشريعة، ووجه الخطل في هذا القول مع اجلالنا الكبير لعين قائله ولعلمه: أنه بقوله هذا لن يستطيع تعريف الحرية التي يرى أنها مقدمةٌ على تطبيق الشريعة، لأنه إن عرَّفها بكونها ما قررته الشريعة من إرادة للإنسان وما شرعته من مباحات، فهذه لا يمكن أن تكون إلا مع الشريعة ولا يُمكن أن تكون سابقة لها، وإن أراد بها: الاختيار المطلق غير المنضبط بضوابط الشريعة فالإقرار عليه كفر باتفاق، وإن أراد بها رفع الظلم وتحقيق العدل وإعادة توزيع الثروة فهذه قيم نبيلة أخرى غير الحرية. والحاصل: أن كلمة: تحقيقُ الحريةِ مقدمٌ على تطبيق الشريعة كلمة أنتجها غلوٌ في هذا المصطلح ولم ينتجها تحقيق علمي، بدليل أن قائل هذه الكلمة قال بعدها: لا طاعة لحاكم يتجاهل مرجعية القرآن، هكذا قال، وعليه يكون الحاكم الذي يحقق الحرية كأولوية مقدمة على الشريعة لا طاعة له، وهذا تناقض يؤكد ما قدمته من أن الغلو في المصطلح هو الذي أنتج مثل هذه الكلمة وليس الرصيد العلمي. يؤكد ذلك: أن صاحب هذا القول أورده في سياق من الكلمات الاستبدادية والمسيئة لمخالفيه، كوصفه مخالفيه من السلفيين، بأنهم يروجون لثقافة سامة ومسمومة ومضللة ومحرفة تربط الفتنة بالخروج على الحاكم, وأنهم أصحاب ثقافات ميتة، وهذا يعني فشلا ذريعاً في أول اختبار له في تطبيق الحرية التي يدعوا إليها. ومظاهر الغلو في مصطلح الحرية كثيرة لن أتتبعها هنا لكنني اخترت أقربها عهداً لكونه مثالاً حاضراً في الأذهان، وسوف أنتقل منه إلى الموقف الذي أراه صواباً من هذا المصطلح. الحرية بين فلاسفة الغرب ودعاة الإسلام: وبداية القول إن فلاسفة الغرب لا يتفقون في مرادهم بالحرية بل لا يتفقون في مدى إمكانية تطبيقها، لكنهم لا يختلفون في أبرز سماتها عندهم، وهي: - أن الفرد ليس مسؤولا في أفكاره أو تصرفاته إلا أمام القانون. - ليس من حق القانون أن يقف في وجه الفرد إلا لمنع الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع. - ضوابط الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع لا تحددها اعتبارات شخصية أو عرفية، بل تحددها قواعد قانونية تنطلق من أن الأصل عدم مسؤولية الفرد.
следующие страницы →