← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كان ذلك الأخ مقتنعاً بأنَّ لديه اطلاع جيد بالعلوم الشرعية بحجَّة ما قام بدراسته سابقا، وأنا شخصياً لم أجده بالفعل كما يقول، وحاولت محاورته وإقناعه بمرادي، وقلت له إنَّ كل نفس يعتورها ما يعتورك من ضرورة مطالعة الكتابات والأطروحات الفلسفية والفكرية المنشورة قديماً وحديثاً وما بين الفينة والأخرى، وقد تسَوِّغ النفس لأجل ذلك أسباباً متعددة .... لكن أحسب أنَّ لكل زمن رجال، ولكلِّ مرحلة أهلها، واستباق الأحداث والوقت غير المناسب لفعل شيء ما يضير أكثر ممَّا ينفع. • قناعات بديلة: أعتقد أنَّ من الأهمية بمكان، الصيرورة إلى توجيه العقول إلى ما يمكن أن تنتفع به ويكون ركناً ركيناً، وأصلاً أصيلاً في عمليَّة التلقي، وهو التركيز على قضية أحسب أنَّها ذات أولوية في صياغة وتشكيل العقل العربي والمسلم وفي هذا الزمان خصوصاً تلك القناعة التربوية التي لازلت متشبِّثاً بها وصادحاً بها في مجامع الشباب المثقف، قائلاً: وأين نصيب القرآن والسنَّة وكلام الصحابة والتابعين من مطالعاتكم؟ وهل حاولتم أن تجمعوا مثلا أقوال الصحابة في طرق النهضة بأمتنا؟ وتستخرجوها من مظانها من كتب الآثار والمسانيد وإسقاط ذلك على الواقع المعاصر؟ أو قمتم بجمع آثار التابعين في ضرورة التنمية الاجتماعية والحراك العملي الخدوم في المجتمع؟ وهل فتَّشتم في كتب سلفنا وآثارنا وتراثنا عن مظاهر التفكير الإبداعي وخدمة الأمَّة المسلمة فيه وخصوصاً من فئة الشباب؟ وهل طالعتم كتب التأريخ والسير والمغازي وجمعتم الأسباب الحقيقيَّة لالتهاء الشعوب بأمر دنياها وقيام قلَّة قليلة منها بمقاومة النتوءات الفكريَّة، والخروقات الثقافات، وماذا كان دور عموم الناس في مناصرة علمائهم ومفكريهم حينما يصدعون بالحق، وما أسباب وقوفهم من عدمه؟ إلى غير ذلك ممَّا يخدم أمَّتنا وواقعها الفكري المعيش، وخصوصاً حينما ندرك أنَّ (العمل الجوهري للمفكر هو صناعة المفاهيم) (١)، وهي الطريقة الفعليَّة للاستنباط من تلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الكثير من المفاهيم التي تهمنا في مجتمعنا بشتَّى اهتماماته. وبالطبع كنت أجد الجواب مختلفاً بين ألسنة الشباب، ولكنّي وجدت إجماعاً واضحاً على التقصير بقراءة كتاب الله ومطالعة التفاسير لفهمه، وما في سنَّة رسوله ﷺ وما يمكن الاستعانة به من شروحات كتب الحديث لفهم معانيها. ووجدت بعضهم وكأنَّ الأمر لا يعنيه، فهو يفهم القرآن وقد قرأه سابقاً لمرة أو مرتين، وقرأ الأربعين النووية وشيئاً من رياض الصالحين، ولكنَّ الأهميَّة الكبرى لديه الآن في مطالعة الكتب الفلسفية وغيرها من المفاهيم التي تتحدث عن الديناميكية والحيوية والارستقراطية والأتوقراطية والثيوقراطية والبيوقراطية والمادية الجدلية ونشأة الحضارة، وقراءة تاريخ الصناعة والعمران المدني إلى غير ذلك من اهتمام هو أكبر وأوثق من اهتمامهم بقراءة القرآن والسنَّة.

стр. 562

وهذا بالفعل شيء حاصل فالكثير من هؤلاء باتوا يهربون من مطالعة النصوص الشرعية من كتاب الله وسنَّة رسوله ويستشهدون بها، ويحاولون أن يأتوا بآراء فلسفيَّة وحجج كلامية، وأحسنهم حالاً من لا يأبه بذكر النصوص الشرعيَّة بل يهتم بالمقاصد وفقه المقاصد، ويحاول أن يقفز على هذه النصوص بما يراه هو أنَّه من مقاصد الشريعة، وعندئذٍ تذكرت قول الفاروق عمر بن الخطَّاب ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم" (١). إنَّ ما ذكرته من حالة مأساوية وقع فيها الكثير ممَّن يعدون أنفسهم فلاسفة وأهل رأي حصيف وفكر مكين، لكنَّ إدبارهم وإعراضهم عن الاهتمام بنصوص الوحيين تأملا وتدبراً وتفكراً وإسقاط هذه النصوص على الواقع، ومعالجة الواقع بالأدلة الشرعية بات شيئاً ضعيفاً، وصار الكثير منهم يستروح للحديث الإنشائي أو لذكر حِكَمِ وتجارب الفلاسفة، ومن لطائف ما حصل أثناء كتابتي لهذا المقال أن أرسلته لأحد أصدقائي المصريين المثقفين والمتميزين في المجالات الفكرية والفلسفيَّة، وحينما قرأ المقال وانتهى منه أرسل لي رسالة يقول فيها: (لكني أوافقك تمام الموافقة فيما ذهبت إليه، ووالله إني لأعاني من ذلك في الجمعية الفلسفية التي أحضر ندوتها كل شهر والتي يرأسها الدكتور حسن حنفي؛ حيث لا كلام إلا عن الغرب وأعلامهم، ومذاهبهم من الكلاسيكية حتى الحداثة وما بعد الحداثة ... كلها أمور تقسي القلب إلى جانب أنها لا تقيم نهضة للأمة!) • فليكن الفكر منطلقاً من أساس متين: قد يقول قائل: وهل يُراد من عموم الشباب العربي المسلم المثقف أن يكونوا علماء في الشريعة، فإنَّ هذا لا يتأتَّى ولا يمكن، ونحن بالفعل بحاجة لشباب مثقف ومفكر؟ وبالطبع، فإنَّ الأمَّة الإسلاميَّة ليست بحاجة للعلماء الفقهاء فحسب، بل هي كذلك بحاجة للشباب المثقف الواعي والمفكر بقضايا أمَّته والذي يندمج في واقعها الحيوي ويناقش مشاكلها بعمق وموضوعية وشفافية، لكن مع وجوب المواظبة على ورد يومي من قراءة كتاب الله وشيء من تفسيره مع التدبر بما فيها، ومطالعة شيء من أحاديث المصطفى ﷺ وقراءة سيرته العطرة، فالمنتسبون لأمَّة الإسلام يجب عليهم أن يكون لديهم التصاق تام بهذا الإرث (كتاباً وسنة) فهو عصمة لهم من الفتن، ووقاية لهم من مضلات الأهواء، خصوصاً حينما يحسن القارئ لهما التعامل معهما. إنَّ الإشكالية الكبرى لدى هؤلاء أنَّهم يظنُّون أنَّ القرآن الكريم ما هو إلا حديث عن الغيبيات أو كما قال أحدهم عن الميتافيزيقيا فحسب، وأمَّا غير ذلك من الأجوبة التي تعنى بأمور تنظيم العبادة بين العبد وربه، وإعمار الكون بالإيمان والبنيان، والسير في الأرض، والأمر بالعدل وإنكار الظلم، وتزكية الأنفس، وتكوين الأسرة الصالحة، وإثبات كرامة الإنسان، والدعوة إلى التعاون على البر، ليست في وارد ذهنهم إطلاقا، فلا يظنَّون القرآن إلا مجرد بكائيات فحسب!

стр. 563

لأجل ذلك يقول بعضهم: انظروا في الكتب الأخرى والأفكار الأخرى، فهي التي تُفَتِّقُ الذهن، وتوسع مدارك العقل، وكأنَّ القرآن أغفل الحديث عن الكثير من الجوانب التي تصلح الكون والإنسان والحياة، وقد أحسن الإمام ابن القيم حين تحدث عن أمثال هؤلاء فقال عن القرآن ومن لا يعتنون به: " أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلو فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن كتناوله لأولئك " (١). • فكان للمهتم بالفكر أن يهتم بالذكر: أعجب ويحقُّ لي العجبُ من شدَّة هوس بعض الشباب العربي المسلم بقراءة كتب المفكرين الغربيين وأقوال الفلاسفة اليونانيين، وهم في الحقيقة خلو من مشاهدة وتأمل ما في الكتاب الكريم من آيات وعظات وحكم ومعاني عميقة، وما في السنَّة النبوية المطهَّرة من جوامع الكلم، وسامق الحكم، ورائق العبارات، وبديع المقالات. هذه مشكلة كبيرة نعيشها مع شباب اليوم المقبل على النوادي الفكرية والصالونات الثقافية ظانين أنَّ مصدر السعادة ومعين الرضا والسرور هو في مناقشة فكر أحد الكتاب أو الفلاسفة الغربيين، وتجد أنَّهم قد يتكلفون ببعض العبارات وحشد الجمل واللفظات وتكديس المصطلحات حينما يتحدثون لكي يقول عنهم القائل: إنَّهم فعلا فلاسفة وحكماء عباقرة! حتَّى إنني أتذكر واحداً من هؤلاء قال لي يوماً: إنَّ لديه دفترا قريباً منه كان يكتب فيه بعض المصطلحات والعبارات الرنانة التي تستهوي عقله؛ لكي يستخدمها في بعض مقالاته فتجد في المقال حشداً مصطلحياً لربما لو سئل كاتبه ما معنى ما قصدته بالضبط لحار جواباً وأطرق رأساً! وعلى كُلٍّ؛ فإنَّ من يظنُّ أنَّه في بداية مطالعاته سيهتم بعلوم فلسفيَّةٍ وقراءات في المنطق والفكر الغربي، ويغفل القرآن ويظنُّ نفسه أنَّه بالفعل يريد الجمع والدمج بين الإسلام عقيدة وشريعة وبين ما هو مسطور في كتب الفلاسفة ومزبور في تراثهم، فإنَّه سيكتشف بالفعل أنَّه لن يبلغ النتيجة التي قصدها وخصوصاً إن كان ذلك في بداية مطالعاته، بل يخشى عليه بالفعل من عقائد أولئك الفلاسفة والتي في أغلبها تجاهل لحكمة الرب، وتشكيك في كثير من الغيبيات، وإنكار علم الله الكامل، ونفي معاد الإنسان، فأي فكر فلسفي لرجل يريد أن يُنوِّر المسلمين بفلسفة أولئك الفلاسفة والمناطقة، وكأنَّ في القرآن والسنَّة نقصاً ليس موجوداً إلاَّ في كلامهم، وبعد هذا وذاك يريد ذلك الشخص أن يطلق عليه الناس أنَّه مفكر إسلامي، وهو لربما يكون إلى العلمنة والليبرالية أقرب منه إلى الإسلام، ولهؤلاء أقول وأذكرهم بما قاله المفكر الفرنسي المسلم فنساي مونتاي: (إنَّ مثل المفكر العربي الإسلامي المبعد عن تأثير القرآن كمثل رجل أفرغ من دمه!) (٢).

стр. 564

إنَّ المسلم يجب أن يكون على قناعة تامَّة بعظمة القرآن الكريم، وعظيم عِبَره وحكَمِهِ، وبالرجوع لكتاب المفكر والمؤرخ الإسلامي عماد الدين خليل بعنوان: (قالوا عن القرآن)، لكي يقرأ في هذا الكتاب أولئك الذين تعلَّقت قلوبهم بكلام الفلاسفة ويرى أنَّ كثيراً منهم يشهد بعظمة كتاب الله ، ومنهم من ساقه ذلك للإسلام، ومنهم من بقي على دينه الباطل، ولكنَّه شهد بما في هذا الكتاب الكريم من آيات ودلائل وإصلاح للواقع (والحق ما شهدت به الأعداء!)، وهو وإن كنَّا لسنا بحاجة لشهادة غير المسلمين على ما في كتاب رب العالمين، لكن لعلَّه يكون باعثاً لهم على عطف قلوبهم وأفئدتهم وأجسادهم للاعتناء بقراءة كتاب الله تعالى. نقول هذا لأنَّ هنالك الكثير ممَّن يستهويهم الفكر الفسلفي والقراءة في الكتب الفكرية الغربية، والاطلاع على فكر المدرسة الفرنكوفونية، والوله بالمصطلحات الفلسفيَّة، فهؤلاء في الغالب يبعدون النجعة كثيراً عن مطالعة كتاب الله ، وسنَّة رسول الله ﷺ . وقد يقول بعض الناس إنَّ هذا اتَّهام في غير محلَّه وكيف نبتعد عن الآيات القرآنية؟ ونحن نقرأها ونتعبَّد الله بها؟ إلاَّ أنَّ الشاهد يوضح أنَّ كثيراً ممن انتسبوا للفكر والفلسفة، نجد لديهم لوثة غربيَّة وقراءات فلسفيَّة في كتب الغربيين، مع أنَّهم قد لا يعقلون كثيراً مما جاء فيها، وقد يلوكون بعض العبارات ظناً أنَّهم فقهوها، وهم في المقابل لا يحسنون فهم آيات القرآن الكريم، بل يدخل بعضهم في قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظونها ويدرسونها. فضلاً عن أن يكون قد دخل كثير منهم في قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) فهجروا قراءته وتدبره وسماعه وتلاوته والعمل به والتحاكم إليه والاستدلال به، وهم بالفعل لو كان لديهم نهم وشغف بمعرفة أقوى الكلمات ذات الدلالات العميقة فإنَّهم لن يجدوها إلاَّ في كتاب الله، ولكنَّ كتاب الله لن يعطي للإنسان أسراره ومعانيه إلاَّ إذا أعطى المرء من نفسه لكتاب الله الشيء الكبير، والوقت الكثير من التأمُّل والتدبر، فتنهمر عليه الكنوز القرآنيَّة، والبدائع العرفانيَّة، وينطق لسانه بالحكمة. لقد ذكر المؤرخون لسيرة المفكر الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال، أنَّه دخل على ولده ذات مرَّة وهو يقرأ القرآن فقال له إقبال ناصحاً: أي بني! اقرأ القرآن وكأنَّه عليك أُنزِل. وقد صدق ﵀، فإنَّ القرآن تنهمر أسراره وتنفلق وتظهر معانيه وتنطق، لمن قرأه وهو يستشعر بالفعل أنَّ هذه الآيات تخاطبه وتتحدَّث إليه، لكي يقوم بالفعل بأدائها حق أداء، والتفكر في معانيها الباهرة، التي تستعلي على أقول وقيم الشرق والغرب، وصدق الله: (وإنَّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون). إنَّها دعوة للمراجعة الجادة القلبيَّة لجميع المنتسبين للفكر والفلسفة، بأن يبحثوا في سويداء قلوبهم، وهل لديهم شدَّة تعلُّق بآيات القرآن وما صحَّ من أحاديث النبي ﷺ أم لا؟ إنَّني على قناعة بأنَّ من تابع كتب ومقالات ومحاضرات فلان أو علان وهو يتحدث بفلسفة ويلوك الكلام لوكاً، فإنَّه ستظهر معه نقولاته لآراء الفلاسفة والغربيين ويدع جانباً الاستناد والاستشهاد بالآيات والأحاديث لمقولاته، فالاهتمام لأي شيء يظهر من خلال تعامل الشخص معه.

стр. 565

قال ابن تيمية ﵀: (تجد مَن أَكْثَرَ من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير) (١). وهذه مشكلة أخرى نجدها عن بعض المنتسبين للفكر الإسلامي من دهاقنة الفكر ورموزه في هذا الزمان، فقد يتطرق بعض المهتمين بالفكر بذكر بعض الجوانب الأخلاقية والسياسية والإنسانية والاجتماعية وغيرها في مقالاته وكتاباته وكتبه، وقد يذكر عشرات الأقوال من المفكرين الغربيين واليونانيين وغيرهم، ونجد من الضآلة بمكان أن يتذكر آية أو حديثاً يذكره في ثنايا بحثه وكتبه ومقاله، ولولا أنني لا أريد التسمية لسميت عدداً من هؤلاء يتقنون فنون ذكر أقوال الكفرة والملحدين من المحسوبين على الفلسفة والمنطق الكلامي، وقلَّما يذكرون آيات من كتاب الله أو سنَّة رسول الله ﷺ ؛ بدعوى أنّ الآية حمَّالة أوجه، وأنَّ الحديث قد يكون ضعيفاً! فيا سبحان الله! إن كانت الآيات حمَّالة أوجه والأحاديث قد تكون ضعيفة أو خبر آحاد (كما يزعم بعضهم) فلم الاستشهاد الكبير والغوص والتنقيب عن أقوال عدد من الكتاب والمفكرين اليونان، ورموز المدارس الكلامية والليبرالية الغربية، واستخراجها ومحاولة بعثها من جديد؟! أم أنَّ كلامهم ليس حمَّالاً لأوجه؟! وأقوالهم ليست إلاَّ من قبيل آحادهم وأفرادهم والتي قد يصيبون فيها ويخطئون! ومن العجائب والغرائب كذلك أن نجدهم يقولون إنَّ ذكرنا لكلام هؤلاء الغربيين والفلاسفة اليونانيين وغيرهم، لكي يعرف الغربيون أنَّنا نعرف واقعهم، ونتحدث بلغة مفكِّريهم، وما علموا وللأسف الشديد أنَّ كثيراً منهم ـ ولا أقول الكل ـ قد يستخدم أقوال هؤلاء بما قد يستدل به على مفهوم فهمه يكون خاطئاً أو معارضاً لكتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، ولأجل ذلك وجدنا الكثير من العبارات التي يقولها بعض الناس وما دروا خطورة قولها مع علمي أنَّ بعض من قالها من بعض الفضلاء ولكنَّهم يقولون كلاماً يحتاج لإعادة نظر حينما يتحدثون عن (ديموقراطية الإسلام، ليبراليَّة الإسلامية، اشتراكية الإسلام، الرومانسية الإسلامية) والإشكال الكبير أنَّ كثيراً من منطلقات هؤلاء بالفعل يرونها منطلقات إسلاميَّة ولكنَّهم ما علموا أنَّ هذه العبارات ما هي إلاَّ بعض مما تسلَّق على ذاكرتهم أثناء قراءتهم في أفكار الآخرين! بل وجدنا واحداً ممن يعتبرون أنفسهم من تيار التنوير الإسلامي، يقول في مقال له بعنوان: (وثنيون هم عبدة النصوص) ويزري على الناس وبعض المهتمين بالمجالات الكتابية والذين يقولون ليتنا نرى في بعض مقالات بعض المفكِّرين نصوصاً قرآنية أو أحاديث نبويَّة مذكورة في مقالاتهم، وبدلاً من أن يشكرهم على نصيحتهم له، يعدُّهم كالوثنيين الذين يعبدون القبور ويشركون بالله، فيتهمهم ويصمهم بأنَّهم وثنيون لأنَّهم على حد زعمه: (عبدة نصوص)!!

стр. 566

وهذا أحدهم يتحدث بأسلوب ملتوٍ، يريد منه النيل ممَّن يستند لقراءة النصوص القرآنية، حيث يقول: (فالأمرُ هنا هو السير في الأرض , وليس السير في الكتاب , أي قراءة الواقع , وليس قراءة النصوص , والظن بأنَّ الاستغناء بالكتاب عن الواقع هو الذي قاد العالم الإسلامي إلى كارثة ثقافية مروعة) (١). قلت: هذا وليس من مقصدي في هذا المقال إيعاب القول وحشد جميع ما قرأته في هذا الصدد فلو أردت جمع ما قيل لوجدته أكثر من (حِملُ بعير وأنا به زعيم)، ولكنَّ هذا دليل ومثال على أنَّ من تربَّى في جو مفعم بالفكر والفلسفة والصحافة والإعلام و (احترام الرأي والرأي الآخر) فإنَّ هذا سينشأ معه ولو كان في يوم ما مفكراً كبيراً أو فطحلاً بطلاً من أبطال الفكر في هذا الزمان .. إنَّ المتعاملين مع القرآن أصناف ونحن نقصد بالتعامل الصحيح هو ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في التقيد والانضباط بالأصول الكلية التي يرجع إليها لفهم آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الكريم ﷺ ، وإلاَّ فهنالك قوم يدَّعون أنَّهم (قرآنيون) مع أنهم في حقيقة أمرهم يخالفون القرآن الكريم فيما أمر به ونهى عنه، فما هم إلا (جهال متنطعون) لم يفهموا القرآن والسنة مع مجاهرتهم بضرورة الرجوع للقرآن، فهذا أمر لا يروج على العقلاء ولا يقصده الناصحون لأمتهم والأمناء على عقيدتها. ولقد قال معاذ بن جبل: (يقرأ القرآن رجلان: فرجل له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس، يلتمس أن يجد فيه أمرًا يخرج به على الناس، أولئك شرار أمتهم، أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى. ورجل يقرؤه ليس فيه هوى ولا نية يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به، وما اشتبه عليه وكله إلى الله، ليتفقهن فيه فقهًا ما فقهه قوم قط، حتى لو أن أحدهم مكث عشرين سنة، فليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه، أو يفهمه إياها من قبل نفسه) (٢). الشاهد أنَّ معرفة المرء بطريقة التعامل مع نصوص الوحي كتاباً وسنَّة تقيه بإذن الله من الانحراف الفكري، والتخبط العقلي، ولتكون نصوص الوحي منطلقاً وركيزة متينة لمناقشة الوقائع والحوادث المعاصرة، واستنباط ما يفيد لمعالجتها من كتاب الله وسنَّة رسول الله ﷺ وفق القواعد الشرعية والأصول الكبرى لفهم نصوص الوحيين. وبعدها فللمرء أن يتطلع ما يشاء ويريد ويفقه الواقع المعاصر، ويتأمل في حقائق هذا العالَم وما فيه من أفكار وقيم وتصورات. إنَّ اهتمام المتفكر بالذكر سبيل بإذن الله تعالى لأن ينال الفكر الصحيح والحكمة الحقيقية والحصافة في النظر، وفي هذا يقول الإمام الحسن البصري ﵀: (إنَّ أهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر والفكر على الذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة) (٣) ولكن أن يحسن التعامل مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفق قواعد ذكرها أهل العلم في طريقة التعامل مع كتاب الله وسنَّة رسول الله، وسيجد حتماً ما يغذي فكره ويحرك عضلات عقله من معين الحكمة الربانية وصفاء الكلمة النبوية.

стр. 567

لقد أورد الإمام الشوكاني في تفسيره لمطلع سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت ....... الآية)) قصة الفيلسوف العربي الشهير إسحاق بن يوسف الكندي وأصحابه نقلاً عن أبي بكر النقاش ﵀ أحد المفسرين في القرن الخامس الهجري، حيث قال: إن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلاَّ في أجلاد)! والمقصود مِمَّا ذكرته أنَّ عبارات القرآن الكريم، وكذلك ألفاظ الحديث النبوي فيها من دلائل الإعجاز وعلائم الإيضاح والحكم، ما يمكن أن نجابه به كلام فلاسفة الشرق الغرب، فالقرآن الكريم يقول تعالى عنه: (إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وهو كذلك نور: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) والقرآن على حد وصف الشاطبي ﵀: (كلية الشريعة، وعمدة الملَّة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، فلا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره) (١). بل هو المعجز في آياته: (وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد) (٢) كما قاله الإمام ابن عطية. فحق لأنصار القرآن والسنَّة أن يصيحوا بين عموم ومعشر المثقفين والقراء وخصوصاً من الشباب المتقدم للقراءة، بأن يبدؤوا القراءة بكتاب الله، فهي وصية الله تعالى لمحمد ﷺ التي علَّمه إياها جبريل قائلا له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علَّم بالقلم * علَّم الإنسان ما لم يعلم). فمن أراد أن يقرأ فليقرأ القرآن أولاً، وليقرأ باسم ربِّه ثانيا، وليقرأ سنَّة وسيرة رسوله ثالثاً، وليتمكَّن من فهم الوحيين كتاباً وسنَّة على الأقل إلى حد معقول، مع دوام الملازمة لهما إلى الممات: (فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين* لمن شاء منكم أن يستقيم)، فمن شاء الاستقامة الدينية والعقائدية فلا غنى له عن القرآن، ومن شاء الاستقامة السلوكية فعليه بالقرآن، ومن شاء أن يستقيم فكرياً فعليه بالقرآن، ومن لم يقنعه القرآن فلا استقام ولا أقام وما تفكر بل طبع على قلبه الران. والقرآن لأهل الفكر مرجع لا غنى عنه ففي القرآن الكريم أكثر من (١٣٠٠) آية كونية، وفي كتاب الله أكثر من (٧٠٠) آية تدعو للتفكر والتعقل والتدبر، فليس من جميع العلوم الإنسانية مثيل بعلوم القرآن وهو كلام الرحمن الذي: (يعطيك معانٍ غير محدودة في كلمات محدودة) (٣)، كما يقول الأديب الرافعي ﵀، لكنَّ الإشكال الكبير أنَّنا بتنا نقرأ القرآن (للتبرك لا للتحرك) كما كان يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي ﵀، وهو بهذا يشرح الحالة النفسية التي يتعامل بها كثير من المسلمين اليوم مع كتاب الله تعالى، فيهتمون به في حالة القراءة على الأموات! فصار الكتاب الذي جاء ليحيي الأحياء يقرأه الأحياء على الأموات ويكتفون بذلك! وهذه حالة عامة في كثير من بيوت العرب والمسلمين ويدخل فيهم الكثير من المنتسبين للفكر والثقافة والفلسفة! • بل تشمئز قلوب بعضهم من حفظة القرآن والسنَّة:

стр. 568

حينما يعلم بعض المحسوبين على الفلسفة والمنطق أنَّك قارئ للقرآن فإنَّه يراك شيخاً درويشاً وأمَّا إن قرأ قصَّة الحضارة لول ديورانت، أو قرأ كتابات فلان أو علان من المفكرين الكبار أو عمالقة الفلسفة الغربيَّة، سينظرون إلى ذلك الرجل أنَّه بالفعل شخص موسوعي، ولديه عمق معرفي وطول نظر، وخذ من هذه الأوصاف فهو الرجل المثقف والحصيف والذي ضرب من العلوم ضرباً واسعاً وقطع بها شوطاً كبيراً، فشابه بعضهم قول الله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولَّى مستكبراً كأن لم يسمعها كأنَّ في أذنيه وقراً). وقوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون). وقوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم* يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم). نقول هذا في زمن أدبر الناس فيه بل كثير منهم عن مطالعة آيات القرآن وأحاديث الرسول الكريم ﷺ وملازمة حلق الذكر، وتذكر الله تعلى من خلال مطالعة القرآن الكريم، والتفكر في هذا الكون الصامت والناطق بأنَّ له إلهاً حقاً هو الله تعالى ﵎ وتقدس من كلام الكفرة والفجرة. ولهذا نجد ضلال كثير من ضل بسبب الإدبار والإعراض عن قراءة كتاب الله تعالى، وقد نبَّه الإمام ابن تيمية ﵀ على ذلك فقال: (وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب، كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله ورسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلِّم صحَّة الحديث! وربما قال لقوله ﵇: كذا ... وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر) (١). ومع هذا كلِّه فإنَّا نجد لدى الكثير من المغرمين إلى حد الثمالة بقراءة كتب الفلاسفة والفلسفة، وليتهم يقرؤونها لتقييمها، وإنَّما يقرؤونها ثمَّ يكون مآلهم الأخذ ممَّا بها من أفكار، مع أنَّ هؤلاء الفلاسفة غربيين أو شرقيين ليس في كلامهم ما يفيد إيماناً بالله إلاَّ شيئاً نادراً، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله, بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير, لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية, وهذا بحر علمهم وله تفرغوا, وفيه ضيعوا زمانهم, وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة) (٢). • وأخيرا: إنَّه لم يخطر ببالي كما أرجو ألاَّ يخطر ببال أحد أنَّ ما قلته دعوة مطلقة لعدم الاهتمام بتراث الآخرين، وأفكارهم وقيمهم، ولكنَّ هذه الكتب والآراء لها رجالاتها المتخصِّصون، والذين يسبرون أغوار الكلام، ويعقلون مقاصد الآخرين، أو على الأقل لمن نال قسطاً كبيراً من مطالعة كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ وبشهادة أهل العلم الثقات له بذلك، أما أن يأتي لقراءة هذه الكتب كل من هبَّ ودبَّ ومشى ودرج، فإنَّ هذا أمر لا يستقيم بحال. نعم! على من أراد أن يكون يوماً ما صاحب فكر وتنظير، أن يدرك حتميَّة التلازم بين ضرورة الشرعي والاهتمام بطريقة فهم النصوص ومقاصدها من خلال القواعد المقرَّرة في ذلك، وبين فهم العالَم المحيط وسبر أغواره، والسير في آفاقه، والتأمل في كينونته، والتفكر في مخلوقات الرب ﵎.

стр. 569

ونحن بالفعل بحاجة ماسَّة لمن يستخدم عقله في الفكر الصحيح، وأن يكون على مستوى المسؤولية في مناقشة أفكار الآخرين من المستغربين والمتفرنجين، فضلاً عن دعاوى المفكرين الغربيين أو اليونانيين المتأثرين بالفلسفة اليونانيَّة ومنطق الإغريق! ولكن ليس بالإقبال الكبير على الفلسفة والفكر الغربي والتغريبي وضعف مطالعة كتاب الله والسنن والآثار، والتي تؤدي بالشخص في نهاية أمره إلى الشك والضعف في مناقشة أقوال الفلاسفة بل الوقوع في مخالفة السنَّة، لأجل ذلك يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي: (ما جهل الناس واختلفوا إلاَّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطليس) (١) ونحن بحاجة للفكرة التي تغرس لدينا المفاهيم، وتصنع لنا القيم، وتستنبط لنا من النصوص روافد فكريَّة منضبطة، فإنَّ (الفكرة قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكّر جولان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلاّ فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب) (٢) هكذا يقول الراغب الأصبهاني. ولَكَم شاهدنا في الحقيقة تأثير الكتابات الفكريَّة المعمَّقة والتي تأثَّر بها كثير من شباب الإسلام، وكان لها تأثير كبير على المفكرين المسلمين وغير المسلمين، لكنَّنا بحاجة ماسة إلى الشخصيات التي جمعت شيئاً كبيراً من العلم الشرعي وأوعبت منه مع حسن الفهم والهضم للمعلومات، وتنمية وتربية الملكات، ومن ثمَّ القيام بدراسات تأصيليَّة في مجال الفكر والفلسفة، مع ضرورة وضع خطَّة منهجيَّة علميَّة في التأصيل الفكري كما هو حاصل في التأصيل الشرعي، لكي يتوجَّه بعض الشباب المريد لمثل هذه التخصُّصات من خلال نصيحة خبراء أصحاب منهج وتربية وتوجيه، مع عناية ورعاية، لكي يختصروا عليهم الطريق، ولا يتخبطوا خبط عشواء وحتَّى لا يميلوا مع أخطاء بعض الفلاسفة والمفكرين، بل تكون بنيتهم الفكريَّة ذات أصل وعمق. وختاماً: فليس لدي مقصد من هذا المقال إلاَّ التنبيه على ضرورة العودة إلى كتاب الله وما صحَّ من سنَّة رسول الله ﷺ ووجوبها، للنهل منهما والارتواء من معينهما، ففيهما الشفاء لكل داء، وفيهما الصلاح لكل فساد، وبهما الحق لدحر كل باطل، وفيهما خطاب العقل، ومنظومة المفاهيم والقيم، فمن تربَّى عليهما وعلى مائدتهما ونال منهما قسطاً ونصيباً، فإنَّه ستنهمر على عقله منهما أفكار رائعة، ومعاني خلاَّقة. وبالله المستعان.

стр. 570

فاضح القرّاء د. أحمد بن صالح الزهراني ١٢ رجب ١٤٣١هـ من نعمة الله على هذه الأمّة أنّه لا يُخلي الأرض من الشخصية الأنموذج، لا أقصد الرجل الأمّة، الذي تجتمع فيه خصال الخير، فليس ذلك ضرورياً في كل زمن، وإنّما لا تكاد تجد جانباً من جوانب شخصيّة النّبيّ ﷺ إلاّ وجدت من يقوم بها، ويثبت أركانها في الأرض. للأسف الشديد إنّ بعض هذه الجوانب يكاد يختفي في بيئات طلبة العلم، فضلاً عن غيرهم، وكثيراً ما يكون خفاؤها ناتجاً عن الإغراق في ضدّها تحت ذرائع شرعيّة أحياناً! ومن ذلك جانب الزّهد والمباعدة عن الدنيا ولذّاتها .. وهو من أميز جوانب شخصيّة النّبيّ ﷺ وأصحابه .. ومع هذا يكاد يتلاشى من واقعنا .. إذ أصبح ذلك شيئاً من الماضي، لم نعد نقابل ونرى زاهداً حقيقيّاً إلاّ ما ندر .. وقد رأينا وسمعنا عن بعض الأخيار من أهل الزهد الحقيقي، أعني ذلك الّذي يمارسه صاحبه بينما الدنيا قريبة منه، بل طيّعة في يديه .. بعض هؤلاء من أكابر أهل العلم .. رفضوا الملايين والقصور المنيفة والسيارات الفارهة، وفضلوا البقاء في طبقة الكادحين والمساكين .. وبين بعضهم وبين المال والجاه رمية حجر! إنّ هذه النماذج الّتي أقامها الله في الأرض شواهد على ما اندرس أو كاد من فضائل الشريعة يصحّ فيهم وصف ابن السمّاك لداود الطائي الزاهد المعروف .. عن حفص بن عمر الجعفي قال: اشتكى داود الطائي أياماً، وكان سبب علته أنه مَرّ بآية فيها ذكر النار، فكرّرها مراراً في ليلته فأصبح مريضاً فوجدوه قد مات، ورأسه على لَبِنَة، ففتحوا باب الدار، ودخل ناس من إخوانه وجيرانه ومعهم ابن السماك، فلما نظر إلى رأسه قال: يا داود فضحت القرّاء» .. يعني أنّه أبان عن حقيقة ما يعيشه العلماء في وقته من رغد العيش؛ إذ مات ابن السماك، ولم يجد وسادة يضع عليها رأسه .. وأيّ رغد يتحدث عنه ابن السمّاك، لو رأى ما نحن فيه من ترف، وليته كان من خالص الحلال، إذاً لرددْنا ما ردّده الليث في ردّه على مالك: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ .. فإذا نظرت إلى غالب مكاسبنا فإذا هي حرام خالص، أو شبهة غالبة، أو إسراف ومبالغة في الدنيا .. دعنا نعرض الآن عن حل الكسب، ونتكلم عن فضيلة كادت تُنسى في خضمّ جوّ مسموم غلب فيه الكلامُ العملَ والتزيّنُ الظاهرُ التزينَ الباطن .. إنّها فضيلة الزهد؛ فعلى الرغم من أنّ المنهج العلمي السلفي قد حارب الفكرة الصوفية التي تقوم على التعبد بترك الدنيا والتباعد عنها، ونجح في إقصائها، إلاّ أنّ واقع كثير منّا للأسف الشديد ينبي عن إفراط في جانب الحرص على الدنيا، والإغراق في الاستمتاع بها خارجاً عن حدّ المعقول، وأنا أتكلم عن القدوات من أهل العلم وطلبته والأخيار .. الذين يجب أن يراعوا من يراقبهم .. لا يجوز أن يصدّر الإنسان نفسه حتّى إذا كان رأساً في الناس تصرّف تصرفات الأخفياء؛ فإنّ للرئاسة ضريبة! عن زيد بن وهب الجهني قال: خرج علينا علي بن أبي طالب، ذات يوم عليه بردان متزر بأحدهما، مرتدٍ بالآخر، قد أرخى جانب إزاره، ورفع جانباً، قد رقع إزاره بخرقة، فمر به أعرابي، فقال: يا أيها الإنسان، البسْ من هذه الثياب فإنك ميت - أو مقتول - فقال: «أيها الأعرابي، إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزهو، وخيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن» وفي رواية: «وأجدر أن يقتدي به المسلم» .. وفي رواية ثالثة: «يتعزّى به الفقير» .. رضي الله عنك يا أبا الحسن! وقد سمعت شريطاً لأحد الفضلاء لا تملك دمعتك من شدّة تأثيره في السامع عن الله والدار الآخرة، ثمّ قُدّر أنّ أطلع على بيته فإذا هو قصر منيف لا يختلف عن قصور الأباطرة ..

стр. 571

أرجو أن تتذكر الآن أنّي لا أتكلم عن حلّ ولا حرام .. أتحدث عن فضيلة منسيّة .. لقد أصبحنا نشتاق لرؤية العالم أو الداعية الّذي يغنيك حاله عن قوله، قال مالك بن دينار: «إنما العالم أوالقاصّ الذي إذا أتيته فلم تجده في بيته قصّ عليك بيتُه، فترى حصيراً للصلاة، ترى مصحفاً، ترى إجانة للوضوء، ترى أثر الآخرة». وعن الأعمش أن رجلاً أعطاه مالاً يشترى به زعفراناً قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: «ما كانوا يطلبون الدنيا هذا الطلب». وعن عبيد بن عمير قال: «إن الله يبغض القاري - أي العالم - إذا كان لبّاساً ركّاباً ولاّجاً خرّاجاً». وعن عبيد الله بن شميط قال سمعت أبي يقول: «يعمد أحدهم فيقرأ القرآن، ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها». وكان أبي يقول فمثله كمثل الذي قال الله : ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾». وصدق ﵀؛ فالآن ترى حولك من يبالغ في زينة الدنيا من الناس حتى يقترض للسفر إلى السياحة، ويغيّر السيارة والأثاث مرات بلا حاجة، ويشتري من الثياب ما ينفق على أسرة فقيرة عاماً كاملاً، وإذا نصحته احتجّ لك بأسماء معروفة .. يا لبؤسنا حيت تصبح النصوص الشرعية حجة في التملّص من الشريعة .. !! ويا لبؤسنا مرة أخرى حين تصبح القدوات حججاً في ترك وهجر الفضائل .. !! وكثير من الشكوى من الفقر ليس الفقر الحقيقي، وإنّما أصبحنا نعدّ بعض الأمور من الضرورات وهي ليست كذلك، والسبب هو غياب القدوة الّتي تقول للناس بحالها قبل مقالها: إنّ ما يعدّه البعض فقراً هو بالنسبة لبلاد أخرى بذخ .. ولهذا كان السلّف آيات في هذا المجال، عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: «العالم طبيب الدين، والدراهم داء الدين فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره». عن سعيد بن محمد قال كان من دعاء طاووس: «اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل». وفي الأثر عن كعب قال: إنّ الرب تعالى قال لموسى ﵇: «يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلاً فقلْ ذنب عُجّلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقلْ مرحباً بشعار الصالحين». وكان قصدهم بذلك تركيز الهمّ في جهة الآخرة، فأودية الدنيا كثيرة، عن أبي إدريس قال: «من جعل همومه همّاً واحداً كفاه الله همومه، ومن كان له في كل واد همٌّ لم يبال الله في أيها هلك». ومن آثار ذلك أنّ الكثير منّا للأسف أصبح يحب مجالس الأغنياء والمترفين، ويحرص على مجالستهم، فضلاً عن أهل المناصب من أمراء وملوك ورؤساء، وهذا خلاف منهج السلف، عن أبي داود أنه سمع محمد بن علي يقول: «إذا رأيتم القارئ (العالم) يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، وإذا رأيتموه يلزم السلطان من غير ضرورة فهو لص». وقال سفيان الثوري: «لا خير في القارئ يعظم أهل الدنيا». وعن هشام قال: «سمعت الحسن يحلف بالله ما أعز أحد الدرهم إلاّ أذله الله». قال الزهري لسليمان بن هشام: «ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء» قال: «وما عسيت أن أقول في العلماء إلاّ خيراً. إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئاً .. إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة». ولهذا كان أئمة السلف والخلف يحرصون على الجلوس مع الفقراء والمساكين يتطلبون رقة القلوب وثبات الإيمان والأجر.

стр. 572

عن أبي هريرة قال: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته. إن كان ليخرج إلينا العُكّة فنشقها فنلعق ما فيها. وعن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يسميه "أبا المساكين". وعن ميمون بن مهران أن امرأة ابن عمر عوتبت فيه، فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ فقالت: فما أصنع به! لا نصنع له طعاماً إلاّ دعا عليه من يأكله، فأرسلت إلى قوم من المساكين كانوا يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فأطعمتهم، وقالت لهم: لا تجلسوا بطريقه، ثم جاء إلى بيته فقال: أرسلوا إلى فلان وإلى فلان، وكانت امرأته أرسلت إليهم بطعام وقالت: إن دعاكم فلا تأتوه، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أردتم أن لا أتعشى الليلة، فلم يتعشّ تلك الليلة. وعن أبي ذر قال: أوصاني خليلي ﷺ أن لا تأخذني في الله لومة لائم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنوّ منهم. ومن المعاصرين شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز ﵀ الذي تواتر عنه أنّه لم يأكل عشرات السنين إلاّ مع الفقراء والمساكين. فلا عجب إذن من ذلك الثبات وذلك الرسوخ؛ إذ أقفلوا في وجه الشيطان كلّ باب، وسدّوا عليه إلى قلوبهم كلّ سبيل؛ فرحم الله ميتهم وحفظ الله حيّهم. ومن مظاهر الترف كثرة الأكل والشرب، وتطلّبهما في كل مناسبة، حتّى مجالس العلم. عن بكر بن خنيس عن أبي عبد الله الشامي عن مكحول قال: «أفضل العبادة بعد الفرائض الجوع والظمأ». قال بكر: «وكان يُقال الجائع الظمآن أفهم للموعظة وقلبه إلى الرقة أسرع». وكان يُقال: «كثرة الطعام تدفع كثيراً من الخير». وعن عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي إذا وصف أهل الدنيا قال: «دائم البطنة، قليل الفطنة، إنما همّه بطنه وفرجه وجلده، يقول متى أصبح فآكل وأشرب وألهو وألعب، ومتى أمسي فأنام جيفة بالليل بطالاً بالنهار». وعن أبي بكر بن المنذر الهجيمي قال سمعت سهل بن عبد الله يقول: «البطنة أصل الغفلة». وقال سفيان الثوري: «إياكم والبطنة فإنها تقسّي القلب». عن عبد الواحد بن زيد قال: «من قوِيَ على بطنه قوِيَ على دينه، ومن قوِيَ على بطنه قوِيَ على الأخلاق الصالحة، ومن لم يعرف مضرّته في دينه من قبل بطنه فذاك رجل في العابدين أعمى». وعن عبيد الله بن محمد التيمي قال: قال رياح القيسي: «لا أجعل لبطني على عقلي سبيلاً أيام الدنيا». فكان لا يشبع، إنما كان يأكل بُلغة بقدر ما يمسك الرمق. وعن جعفر قال: كنا نأتي فرقداً السبخي ونحن شببة فيعلمنا فيقول: «إنّ من ورائكم زماناً شديداً شدّوا الإزار على أنصاف البطون، وصغّروا اللُّقَم وشدّوا المضغ، ومصّوا الماء، فإذا أكل أحدكم فلا يحلّنّ من إزاره فتتسع أمعاؤه، وإذا جلس ليأكل فليقعد على إلييه، وليلزق فخذيه ببطنه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجيء وليذهب». وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليّ سفيان الثوري: «إن أردت أن يصحّ جسمك، ويقلّ نومك فاقللْ من الأكل». آخر الكلام: الآثار كثيرة، وواحد منها يكفي، ولو نظر الواحد إلى حال النبيّ ﷺ وأصحابه عرف حقيقة الأمر، حتّى أغنياؤهم ممن يحتج البعض بحالهم كانت الأموال في أيديهم لا في قلوبهم، ينبيك عن ذلك إنفاقهم في سبيل الله، وطبيعة استمتاعهم بتلك الأموال. عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان الداراني: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف موسرين! قال: «اسكُت! إنّما كان عثمان وعبد الرحمن خازنين من خزّان الله في أرضه ينفقان في وجوه الخير». فانظر لحال من يحتجّ بحال عثمان وعبد الرحمن هل منهم من يفعل فعلهما؟ أم أنّ الاحتجاج بهما فقط في كسب المال وكنزه دون إنفاقه؟ اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

стр. 573

زجر أهل العلم والتقوى للمتساهلين بالفتوى سعد بن ضيدان السبيعي ٢٧جمادى الآخرة ١٤٣١ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد فقد روى يعقوب بن شيبة في [المعرفة والتاريخ] (١/ ٦٧٠)، والإمام ابن عبد البر في [جامع بيان العلم وفضله] (٢/ ٢٠١) أن رجلاً دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي المعروف بربيعة الرأي وهو يبكي فقال: ما يبكيك - وارتاع لبكائه - أدخلت عليك مصيبة؟ فقال: لا, ولكن "استفتي من لا علم له, وظهر في الإسلام أمر عظيم". أقول رحم الله شيخ إمام دار الهجرة فكيف لو أدرك زماننا ورأى الجرأة على الفتيا وكثرة الموقعين عن الله ؟! فكم سمعنا من فتاوى نشاز من هنا وهناك، طارت بها الركبان، ونشرت على صفحات الانترنت، وظهر أصحابها يتفوهون بها على شاشات الإعلام وتسارع إليها الجهال ومن في قلبه مرض ومن يتتبع الرخص! وهي أعني هذه الفتاوى ليس لها ذنوباً وحظاً من فقه وعلم وإنما صدرت باسم فقه التيسير، ومراعاة لضغط الجمهور، أو لأغراض فاسدة، كالتعلق بأذيال الشهرة، وحب الظهور من باب: (أنا أبو اعرفوني)! فهذا يفتي بجواز الغناء وآخر بإباحة الاختلاط وثالث بإباحة الفوائد البنكية! وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟ فيما قاله أبو الفرج ابن الجوزي ﵀، ينظر [إعلام الموقعين] (٤/ ٢٣٧). وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى وذلك قد يكون بأن لا يثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنقصة وذلك جهل ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل. ينظر [فتاوى ابن الصلاح] (١/ ٢١)، ونقله النووي في [أدب المفتي والمستفتي] (٧٢) وما أجمل قول الخطيب البغدادي في كتابه [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٣٥٠): "وقل من حرص على الفتوى, وسابق إليها, وثابر عليها إلا قل توفيقه, واضطرب في أمره, وإذا كان كارهاً لذلك غير مختار له, ما وجد مندوحة عنه, وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتواه وجوابه أغلب". فانظر الآن يا رعاك الله إلى بعض من يتصدرون للفتيا تجدهم سارعوا إليها واشرأبوا حتى لا ينكسر الجاه وأضاعوا "لا أدري" وقديما قيل: إذا أغفل العالم لا أدري، أصيبت مقاتله. وهذا مروي عن محمد بن عجلان بسند صحيح رواه الآجري في [أخلاق العلماء] (١٠٢) قال ابن جماعة الكناني في [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم] (٢٣) "واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته. وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فر منه ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر ﵉، حين لم يرد موسى ﵊ العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك". وقد كان أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقلون من الفتيا والكثير منهم لا يروى عنه في هذا الباب إلا المسألة والمسألتان!

стр. 574

قال الإمام ابن حزم [الأحكام] (٥/ ٦٦٦): "المكثرون من الصحابة ﵃ فيما روي عنهم من الفتيا عائشة أم المؤمنين، عمر بن الخطاب، ابنه عبد الله، علي بن أبي طالب، عبد الله ابن العباس، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا، وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا ﵃ أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق. فهم ثلاثة عشر فقط. يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جداً ويضاف أيضاً إليهم طلحة، الزبير، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان. والباقون منهم مقلون في الفتيا لا يروي الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث وهم ﵃ .. ". وذكر أسمائهم. أقول وكانوا أيضا يتدافعون الفتيا ورعاً وخوفاً من الله. عن البراء بن عازب ﵁ قال: "لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى " رواه الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٣٤٩) بسند صحيح. وروى الإمام ابن المبارك (١٩) في [الزهد] بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ أراه قال في هذا المسجد فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا". وروى أيضاً في [الزهد] (١٨) بسند صحيح أن ابن عمر ﵁، سئل عن شيء ", فقال: "لا أدري", ثم أتبعها، فقال: "أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم، أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا" هذا شأن الصحابة وكذلك من أتى من بعدهم من أهل العلم والفضل المشهود لهم بالإمامة في العلم والدين. فهذا الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة يقول: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك "رواه الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٣٢٤) بسند صحيح. وهذا إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قيل له: "يا أبا عبد الله: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟، قال: لا، قيل: مائتا ألف؟ قال: لا، قيل: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قيل: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو "الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٣٤٩) وهذا ابنه عبد الله يقول عنه: "كنت أسمع أبي كثيراً يسأل عن المسائل فيقول لا أدري وذلك إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثير مما كان يقول سل غيري فإن قيل له من نسأل يقول سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه" [مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله] (٤٣٨) وكثيراً ما كنت أسمع شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ إلى قبيل وفاته إذا سئل عن مسألة يقول:"محل نظر، محل بحث"! أقول وفي هذا رسالة لكل من تزبب قبل أن يحصرم، وطار قبل أن يريش فإلى الله المشتكى.

стр. 575

قال ابن حمدان في [صفة الفتوى] (١٤): "عظم أمر الفتوى وخطرها وقل أهلها ومن يخاف إثمها وخطرها وأقدم عليها الحمقى والجهال ورضوا فيها بالقيل والقال واغتروا بالإمهال والإهمال واكتفوا بزعمهم أنهم من العدد بلا عدد وليس معهم بأهليتهم خط أحد واحتجوا باستمرار حالهم في المدد بلا مدد وغرهم في الدنيا كثرة الأمن والسلامة وقلة الإنكار والملامة" وما أحوج هؤلاء لمن يأخذ على أيديهم ويحتسب في منعهم وزجرهم حتى لا يقولوا على الله بغير علم. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق".رواه الإمام ابن عبد البر في [جامع بيان العلم وفضله] (٢/ ٢٠١) وقد كان الإمام ابن تيمية ﵀ شديد الإنكار على من يفتي وهو ليس بأهل. قال الإمام ابن القيم في [إعلام الموقعين] (٤/ ٢٣٧) سمعته يقول قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ َ! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب. قال الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٣٢٤): "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة، إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم" وهناك من يفتي بفتاوى لها حظ من النظر والصواب وقال بها بعض أهل التحقيق من أهل العلم ولكن قد تفهم على غير فهمها وتحمل مالا تحتمل فيكون السكوت عنها به أجمل وأليق .. فليس كل ما يعلم يقال. وقد بوب الإمام البخاري في صحيحة باب "مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا". وروى عن عَلِيٌّ رضى الله عنه (١٢٧) أنه قال:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً". قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] لابن حجر (١/ ٢٠٣): "وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر عِنْد الْعَامَّة. وَمِثْله قَوْل اِبْن مَسْعُود: "مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة "رَوَاهُ مُسْلِم. وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان، وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن، وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي، وَضَابِط ذَلِكَ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْحَدِيث يُقَوِّي الْبِدْعَة وَظَاهِره فِي الْأَصْل غَيْر مُرَاد، فَالْإِمْسَاك عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوب". وقد كان السلف الصالح يمسكون عن الحديث والفتوى عند خشية اللبس أو عدم الفهم! قال ابن شبرمة: "إن من المسائل مسائل لا يجمل بالسائل أن يسأل عنها ولا بالمسئول أن يجيب ".رواه الخطيب في [الفقيه والمتفقه] (٢/ ٩١) وانظر في هذا التعليق النفيس للحافظ الذهبي عَلى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:"حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ". في [سير أعلام النبلاء] (٢/ ٥٩٧) (١٠/ ٦٠٣). وانظر لزاماً ترجمة الإمام وكيع بن الجراح في [سير أعلام النبلاء] (١٧/ ١٦٦) والمحنة التي حصلت له وكادت تذهب فيها نفسه! وختاماً أقول لقد تكلم في العلم، وأفتى الناس من لو أمسك عن الفتيا وعن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به، وأقرب لسلامة له، فا للهم إنا نشكوا إليك هذا الغثاء. وأمثال هؤلاء المتخبطون ينبغي منعهم بل يجب، فالحجر لاستصلاح الأديان, أولى من الحجر لاستصلاح الأموال والأبدان، والله المستعان.

стр. 576

شبهة حرية المنافقين إبراهيم بن عمر السكران ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ مدخل: الحمد لله وبعد،، تتمتع شبهة ترك الرسول للمنافقين بتاريخ متقدم نسبياً، حيث كانت تستعمل هذه الشبهة كواحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين. ومن أئمة الدين الذين تمت مواجهتهم بهذه الشبهة الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث كان هناك طالب علم يقال له (أحمد بن عبد الكريم) وهو من أهل الأحساء، وفي بداية أمره نصر التوحيد وعارض سدنة القبور، ثم إن عدداً من دعاة الشركيات أغروه بشئ من الدنيا فانتكس، ثم راسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يخبره بتراجعه عن مواقفه الأولى واحتج بجملة أمور منها أن النبي ترك المنافقين، فرد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب برسالة موجودة في الرسائل الشخصية للشيخ وهي الرسالة الثالثة والثلاثون، يقول الشيخ محمد ﵀: (ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي ﷺ ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم؛ فقد عرف الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمةً واحدة أو فعلاً واحداً من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد أنهم يقتلون أشر قتله، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي) [الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص٢١٥] وفي عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعداً آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أوشرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أوإنكار حد الردة، تحت ضغوط الآيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي للمنافقين، ولايمكن عرض كل من استعمل هذه الشبهة، لكن يمكن لنا أن نشير لبعض النماذج: من الواضح أن هذه الشبهة طرحت وراجت مبكراً منذ أيام مايسمى برموز النهضة الأوائل كالأفغاني وعبده، والعامل الذي يوحي بذلك أننا نجد الأستاذ رشيد رضا (ت١٩٣٥م) يرد على هذه الشبهة في مواضع من تفسيره، ومن نماذج ذلك قول الأستاذ رشيد رضا: (فإن قيل إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم؟ قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين، لهم ما لهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات؛ تناقض لا يقول به عاقل .. ، فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي ﷺ عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين؟ قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم .. ، وكان الذين عرف النبي وبعض أصحابه أشخاصهم قليلين جداً). [تفسير المنار، التوبة، ١٢٩] ومن أوائل من استعمل هذه الشبهة -أيضاً- الشخصية الأزهرية الجدلية عبد المتعال الصعيدي (ت١٩٦٦م) في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام)، وقد لاحظت أن عدداً من مؤرخي الفكر السياسي العربي اعتنوا بأطروحات الصعيدي، لكن اللافت أن الصعيدي نفسه في كتابه الآخر (السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين) المنشور ١٩٦١م دافع فيه دفاعاً مستميتاً عن حرب أبي بكر للمرتدين (ص٦٠)

стр. 577

وممن استعمل هذه الشبهة -أيضاً- الدكتور المصري المعروف أحمد صبحي منصور وهو من غلاة العلمانيين، وكان مدرساً بجامعة الأزهر، ثم طرح عدة كتب تضمنت إنكار السنة النبوية، فجرت بينه وبين علماء الأزهر سجالات انتهت بفصله من الوظيفة عام ١٩٨٧م، وكان لهذه الحادثة دوي وضجيج في الساحة الفكرية المصرية، فاستمر حانقاً على علماء الأزهر، وفي عام ١٩٩٤م نشر دراسة بعنوان (حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين) وحاول أن يؤسس فيها مفهوم الحرية بناء على آيات المنافقين، ويقول الدكتور في إشارة لمن انتقده: (رددت عليه باننى استشهد بآيات القرآن الكريم وهى التى تضمنت تقريراً كاملاً عن حرية المنافقين القوليه والفعليه، وأمر النبى والمؤمنيين بالإعراض عنهم). وقد استمر الدكتور أحمد صبحي منصور في عرض هذه الشبهة في كتبه الأخرى ومنها كتابه عن (الحسبة) الذي نشره عام ١٩٩٥م حيث يقول فيه: (كان تآمر المنافقين يبلغ درجة الخيانة العظمى حيث كانو يتحالفون مع أعداء الدولة، أو يتآمرون معهم ضد المسلمين وقت الحرب، أي أنه كانت للمنافقين كأفراد وجماعات حرية المعارضة للدين والدولة كيفما شاؤوا، وكان القرآن ينزل يحكم بكفرهم، ويفضح تآمرهم، ولكن يأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم، اكتفاء بما ينتظرهم من مصير بائس يوم القيامة) [الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د. أحمد صبحي منصور، ص٦١]. وفي عام (٢٠٠٣م) نشر الدكتورحاكم المطيري كتابه ذائع الصيت (الحرية أو الطوفان)، لكنه في سبيل شرعنته لمفهوم الحرية الغربي فإنه لم يشر إلا إشارة عابرة لكون النبي ﷺ لم يتعرض للمنافقين (الحرية أو الطوفان، ص٦١) بينما كثف تأصيله على ماذكره الفقهاء من الحالات التي لايقاتل فيها البغاة والخوارج، وبعج هذه الحالات ومططها وأخرجها عن سياقها ليركُز فوقها مفهوم الحرية الغربي، والحقيقة أن الدكتور حاكم بعد كتابه الأخير (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) المنشور في ٢٠١٠م اتضح فيه بشكل حاد مناقضته الجوهرية لتيار التنويريين والاصلاحيين في مسائل (التكفير والخروج) واقترابه من لغة عبد السلام فرج صاحب الفريضة الغائبة. وفي عام ٢٠٠٦م نشر الدكتور طه جابر العلواني بحثاً بعنوان (لا إكراه في الدين) احتج فيه على الحرية وتعطيل حد الردة بجملة أمور منها ترك النبي ﷺ قتل المنافقين. ثم إن الكاتب الانترنتي المعروف زائر الوسطية (=سعيد الكثيري) قام بتصميم كتاب نشره قبل عدة سنوات على شبكة الانترنت اسمه (تجديد فهم الوحي) ( www.tajdeedat.com) وقد رأيته أول مرة على الشبكة عام ٢٠٠٧م ولا أدري هل وجد قبل ذلك أم لا، وذكر فيه آيات النفاق محتجاً بها على الحرية، وكان يستل منه أجزاءً ويعيد حقنها في المنتديات الحوارية بشكل دوري، ويستغل غالباً أي جدل يثار هنا أوهناك في المنتديات الحوارية ليدخل في الجدل ويقحم أجزاءً من مادة كتابه (انظر مثلاً ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ ٢١/ ٤/٢٠٠٧م). ثم في فترة لاحقة قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بطباعة هذا الكتاب بنفس العنوان (تجديد فهم الوحي) لكن وضعوا للمؤلف اسماً مستعاراً آخر وهو (ابراهيم الخليفة). وسأعرض جزءاً مختصراً مما قاله الأستاذ ابراهيم الخليفة (=زائر الوسطية) في كتابه هذا حول دلالة آيات النفاق على الحرية، يقول المؤلف: (لقد قال المنافقون في عهد الرسول ﷺ وفعلوا أسوأ مما قاله وفعله الكثير من المخالفين للدين في عصرنا. ماذا كان يقول المنافقون في عهد الرسول عن أنفسهم وعن الصحابة؟!. كانوا يقولون إنهم مصلحون، ويصفون الصحابة بأنهم سفهاء:

стр. 578

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ) المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) المنافقون كانوا يدعمون أعداء مجتمعهم ولو بالأقوال والآراء والوعود: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ). كان المنافقون يكذبون على الرسول: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ) كانوا كافرين بالفعل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا). كانوا يرفضون استغفار الرسول لهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا). في قلب الأزمات كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا). كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا). بعض المنافقين لم يكونوا يشككون في نزاهة الصحابة أو العلماء والقضاة، بل كانوا يشككون في نزاهة الرسول: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ). بعض المنافقين كانوا يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)؟ هل يتحمل الموقف من قيمة الحرية أي اختلاف أو توقف أو تحفظ؟. وهل تكفي الآيات التي تم عرضها لإثبات مشروعية وضرورة إعادة ترتيب سلم القيم؟!.) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ص٤٤٧، مع حذف بعض الفقرات]. قصة المادة المستعارة: وممن تابع هذا الاتجاه الأستاذ نواف القديمي، حيث أعاد عرض ذات المادة التي صاغها زائر الوسطية -مع شئ من الاختصار- في ثلاثة مواضع: في كتابه أشواق الحرية (ص٥٦) حيث استعارها القديمي للرد على موقف السلفية من الديمقراطية، ثم استعار ذات المادة مرةً أخرى في مقالته (على هامش فتوى البراك) وكانت رداً على فضيلة الشيخ الإمام عبد الرحمن البراك، ثم استعارها مرةً ثالثة في مقالته (هامش الحرية والورطة أمام النص الشرعي) للرد على المشايخ الفضلاء (فهد العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبد اللطيف التويجري). وفي كل المواضع الثلاث لم يشِر الأستاذ القديمي للمصدر الذي استعار منه هذه المادة. وقد وقعت لي قصة طريفة مع هذه المادة، ذلك أنني حين قرأت كتاب الأستاذ القديمي (أشواق الحرية) فور صدوره مر بي قول الأستاذ: (وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: "وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ") [أشواق الحرية، القديمي، ٥٧]

стр. 579

وهي نفس العبارة التي أعادها في مقالته في الرد على البراك، فتوقفت محتاراً أمام هذا التفسير، حيث فسر الأستاذ القديمي قوله تعالى "هو أذن" بأنه اتهام للنبي بالتجسس، بينما كنت أتذكر أنه قد أشكل علي معنى الآية قبل سنوات فراجعت على عجل تفسير ابن كثير فوجدت المعنى أن العرب تقول للشخص "أُذُن" أي يقبل ويصدِّق كل مايقال له، لكني تهيبت أن أخطّئه وقلت في نفسي لعله اطلع على هذا المعنى في أحد كتب التفسير الموسعة. ثم بعد فترة راجعت التفاسير العشرين المشهورة: الطبري، وابن أبي حاتم، والبغوي، وابن كثير، وابن عطية، وابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور. وفي كل هذه التفاسير العشرين لم أجد أحداً من أهل العلم قال أن معنى "هو أذن" أي جاسوس، وإنما كلهم يؤكدون أن معناها أنه يصدق ويقبل ما يقال له، أي أرادو تنقصه ﷺ بالانخداع والاغترار والغفلة، وهذا معنى لا صلة له بالجاسوسية! ومع ذلك بقيت متحيراً من أين أتى الأستاذ القديمي بهذا التفسير لعبارة (هو أذن) بأنها التجسس؟ ولما أعدت قبل أمس مطالعة كتاب زائر الوسطية وجدت المفتاح، حيث وجدت زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) يقول في كتابه ذات العبارة: (كان بعض المنافقين يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن") [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ٤٥٢]. وكانت هذه الواقعة بالنسبة لي نموذجاً جديداً لمخاطر القص واللصق، سيما بلا عزو ولا نسبة. وظني أن سبب خطأ (زائر الوسطية) في هذا التفسير هو أنه رأى بعض أهل اللغة يقولون أن وصف من يسمع ويصدّق مايقال له بأنه (أذن)، يشبه وصف الجاسوس بأنه (عين)، فكلاهما سمي بالجارحة المناسبة، فاختلطت الأمور عند زائر الوسطية فسمى من يصدق ما يقال له جاسوساً، أي أنه سمى الأذن عيناً! والواقع أن هذا تشبيه للعلاقة بالعلاقة لا تشبيه للجارحة بالجارحة! ولما قرأت قول الأستاذ القديمي في كتابه ومقالته عن المنافقين: (وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: "قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ") توقفت أيضاً، لأن هذه الآية يذكرها أهل العلم في باب الولاء والبراء عن أهل الكتاب، وأول الآية "بطانة من دونكم" وأتبعها بقوله "وتؤمنون بالكتاب كله" بما يؤكد هذا المعنى أنها في أهل الكتاب، لكن قلت في نفسي لعل الأستاذ القديمي يجعل هذا الصنف من أهل الكتاب من المنافقين، سيما أن هناك من أهل العلم من ذهب لذلك. لكن لما طالعت كتاب زائر الوسطية ووجدت ذات العبارة فيه، استبان لي أن الأمر لايعدو كونه قص ولصق، يقول زائر الوسطية في كتابه: (المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ٤٤٧] ولما قرأت في كتاب الأستاذ القديمي ومقالته قوله: (وكانوا يتآمرون على رسول الله: "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا"). لم تتضح لي العلاقة! فالمنافقون يرفضون الإنفاق على "من عند رسول الله" وليس على "رسول الله"، فلا أدري لماذا جعلها مؤامرة على الرسول، ولم يجعلها مؤامرة على الصحابة الذين عند رسول الله؟ ولما قرأت كتاب زائر الوسطية تبين لي أن عملية الاختصار هذه المرة كانت عاجلة بالشكل الذي سبب هذا القفز في المعنى، حيث يقول زائر الوسطية:

стр. 580

(كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا") [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ٤٤٨]. ثم استمر الأستاذ القديمي في استعارة المادة، بذات آياتها، وبذات وجوه الاستدلال من كل آية، مع شئ من الاختصار والتصرف أحياناً، ومن ذلك مثلاً: يقول زائر الوسطية: (كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين "وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا") ويتابعه الأستاذ القديمي: (وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً). ويقول زائر الوسطية: (كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا") ويتابعه الأستاذ القديمي: (بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا") بل ومن الطريف أن الأستاذ القديمي حافظ على ترتيب أكثر الآيات كما رتب عرضها زائر الوسطية في كتابه المشار إليه. والحقيقة أنني لم أكن أستبعد أن يستفيد الأستاذ القديمي من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) المسمى تجديد فهم الوحي، لأن الأستاذ القديمي هو الذي قام على طبع الكتاب عبر مؤسسته الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومن الطبيعي أن يكون طالع الكتاب قبل نشره بمدة كافية، لكنني كنت آمل أن لاينسب هذه المادة لنفسه ويستعملها في ثلاثة معارك دون أن يشير ولو إشارة بسيطة إلى أنه نقل المادة من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة). ومن جانب آخر فإنني أعتب على الأستاذ القديمي كيف يخوض في تفسير القرآن بناء على قص ولصق من كتاب زائر الوسطية، والجميع يعرف أن زائر الوسطية صاحب تفكير غرائبي لا عقلاني، فهو مهجوس بتأويل النبوءات، مثل حماسه لإثبات أن المسيح الدجال هو الحضارة الغربية، وخوضه سجالات إلكترونية كثيرة لإثبات ذلك، ومن ذلك قوله (فإننا لا نتردد في الزعم بأن المسيح الدجال هو الغرب الحديث أو الحضارة الغربية) (انظر: موقع تجديد فهم الوحي). ومن أفكاره الخرافية أن فتنة قرن الشيطان هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما يقول في كتابه (في أفكار الشيخ وفي جهوده جوانب غلو حقيقية ومؤكدة تدور حول مسائل التكفير والعنف، وهذه في تقديرنا هي المقصودة بنبوءة قرن الشيطان) (تجديد فهم الوحي، ص٩١).

стр. 581

ومن أفكاره التي طرحها -أيضاً- القول بجواز إلغاء حد رجم الزاني المحصن وجلد شارب الخمر (تجديد فهم الوحي، ص١٤٩، ١٥٠)، بل والأكثر إضحاكاً من ذلك أنه يعتقد أن الصلوات المفروضة الواجبة إنما هي الصلوات الجهرية (المغرب، الفجر، العشاء) أما صلوات النهار (الظهر، العصر) فيرى أنها مستحبة فقط فيقول (إن الصلوات الجهرية تدخل في إطار الواجبات الثابتة والمستمرة، أما بقية الصلوات فتدخل ضمن قسم التزكية) (ص١٦٠) ثم شرح استنباطاته العجائبية التي أوصلته لهذه النتيجة، وله من أمثال هذه التقليعات اللاعقلانية الكثير فكتاباته تحمل على محمل الطرافة والتسلية والفكاهة وليست بحوثاً علمية! بل كنت أتساءل كيف تطبع (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) مثل هذا الكتاب الذي يجحد فرضين من الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام، ويجحد جملة من الحدود الجنائية الشرعية، ويجعل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قرن الشيطان؟! ثم يقولوا نحن من أهل السنة الحريصون عليها؟! هل رأيتم في حياتكم رجلاً ملتزماً بأصول أهل السنة يروج لكتاب ينكر صلاتين من الفرائض الخمسة ويجحد حدود الله ورسوله ويتهم أئمة الإسلام بأنهم قرون الشيطان؟! على أية حال .. كان من الخطأ الفادح أن يُعتمَد على صياغة مثل هذا الرجل الغريب الأطوار -أعني زائر الوسطية- وتفسيره لآيات النفاق ووجه دلالتها على هامش الحرية، ثم تستعمل هذه المادة المستعارة في ثلاث معارك ضد السلفية، والإمام عبد الرحمن البراك، وجملة من طلبة العلم! فهذا ما كان تحاشيه خير من تقحّمه، لكن قدر الله وماشاء فعل. سُنيّة نتائج الشبهة: قبل أن نناقش هذه الشبهة كما صاغها زائر الوسطية واستعارها الأستاذ القديمي، دعونا نسلط الضوء على هذه القضية من زاوية أخرى. كنت أسمع التنويريين والإصلاحيين يرددون بأنهم ملتزمون بأصول أهل السنة، ويبدون انزعاجهم وتبرمهم من أي رجل يضعهم في مواجهة أصول أهل السنة وجهاً لوجه. حسناً .. دعونا نختبر صحة دعوى تمسك التنويريين والإصلاحيين بأصول أهل السنة، لن نختبر هذه الدعوى بتمحيص جميع مقالاتهم وأفكارهم، بل سنختبرها على ضوء فكرة واحدة فقط من أفكارهم، وهي (شبهة حرية المنافقين)، ولاحظ معي أنها مجرد فكرة واحدة فقط من أفكارهم. اتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة ساب النبي ﷺ ، والجمهور يبلغون بالعقوبة القتل، قال ابن المنذر (أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل). بينما أصحاب شبهة (حرية المنافقين) يقولون لايعاقب ساب النبي ﷺ شرعاً. واتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة المرتد (وان اختلفو في بعض التفاصيل) [بداية المجتهد ٢/ ٤٥٩]، ولكن أصحاب شبهة حرية المنافقين يقولون لايعاقب المرتد شرعاً. وهكذا تأمل في العقوبات الشرعية التي ذكرها أهل السنة، مثل: عقوبة الداعية الى البدعة، وعقوبة الجاسوس، عقوبة من يقذف الصحابة، وعقوبة المفطر في نهار رمضان جهاراً، عقوبة أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام كالأذان، الخ وقارنها بمدرسة حرية المنافقين تجد أن أصحاب هذا المذهب يؤول كلامهم إلى جحد كل العقوبات من حيث أصل وضعها الشرعي، لأنهم أتاحو الحرية لأغلظ أنواع الكفر، وصارو يقولون أن مادون ذلك فهو أولى بالحرية، فآل هذا القول إلى إلغاء كافة العقوبات الشرعية من حيث أصل وضعها الشرعي، فهذا يعني أن أبواب الحدود في الفقه الإسلامي كانت تضييعاً للوقت!

стр. 582

هذا اللازم الذي تورطت به هذه المدرسة يقودنا إلى اكتشاف خطأ فرضيات هذه المدرسة في تفسيرها لآيات أفعال المنافقين، إذ لوكانت فرضيتهم التفسيرية لآيات أفعال المنافقين صحيحة لما أدت لهذه النتيجة الكارثية التي تلغي عشرات النصوص والتشريعات الأخرى. وهذه طريقة أهل السنة في تحليل تفسيرات النصوص، فإنهم يدرسون لوازم وآثار التفسيرات المطروحة، فإذا انسجمت مع بقية النصوص علموا صحتها، وإذا أدت للوازم فاسدة علموا بطلان هذا التفسير، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه: (فساد اللازم يستلزم فساد الملزوم) وهي آلية عقلية استعملها القرآن كثيراً، وأخبر الناس بها أهل السنة. وهذا اللازم (إلغاء العقوبات الشرعية) ليس لهم إلا أن يتراجعوا عنه، ويقروا بالعقوبات الشرعية التي قررها أهل السنة وينقضوا تفسيرهم الشاذ لآيات أفعال المنافقين، وإما أن يواصلوا تمسكهم بهذا اللازم، فعليهم هاهنا أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم ويعترفوا أنهم مفارقين لجملة من أصول أهل السنة، وعلى رأسها -في هذه المسألة- أصول أهل السنة في العقوبات والانكار والحسبة، وهي أصول كلية إجماعية وليست مسائل اجتهادية يغمض مأخذها ولايثرب فيها على المخالف. الجواب الإجمالي عن الشبهة: إذا كان تفسير آيات أفعال المنافقين بهذه الصورة يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، فما هو التفسير الصحيح لهذه الآيات التي سردها هؤلاء إذن؟ هذا السؤال يقودنا الآن إلى الجزء الرئيس أو العمود الفقري لهذه المقالة، والحقيقة أن تفسير آيات أفعال المنافقين يحتاج إلى مستويين من الجواب: الجواب الإجمالي، والجواب التفصيلي عن أفراد تلك الآيات التي استدلو بها آيةً آية. فأما الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة فهو أن أقوال وأفعال المنافقين، أو المخالفة للشرع بشكل عام، ليست على حال واحدة، فهي إما أن تكون سراً يتداولونها بينهم -وهذا هو الأصل والغالب- وإما أن تكون ظهرت ونقلت للرسول لكنهم أنكروها أو تابوا وتراجعوا عنها، وإما أن تكون نقلت للرسول ولم ينكروها ولم يتوبوا عنها لكن الرسول ﷺ ترك إيقاع العقوبة لمانع شرعي راجح، وإما أن تكون نقلت للرسول ﷺ ولم ينكروها ولم يقم مانع وتم إيقاع العقوبة. فأما المرتبة الأولى وهي كون أقوالهم وأفعالهم يسرون ويجتهدون في التستر بها فهي الغالب على المنافقين، ولذلك قال تعالى عنهم (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة١٠١] فبين أن النبي ﷺ لايعلمهم كلهم بأعيانهم وأن الأصل فيهم التستر بأفعالهم. وقال تعالى (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد٣٠]. فبين أن الله لم يره إياهم، وإنما يمكن التعرف إليهم بالقرائن لا صراحة. وقال تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) [التوبة٦٤] فأشارت هذه الآية إلى اجتهادهم في ستر نفاقهم في قلوبهم حتى خافوا أن تفضحه الآيات. ولو قيل لأي مسلم من أعلم أمة محمد بالمنافقين؟ لقال على الفور: حذيفة ﵁. فاسمع مايقول حذيفة في صحيح البخاري (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﷺ كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون) [البخاري ٧١١٣]. وبسبب كون الأصل فيهم الإسرار فلذلك استحقوا هذا اللقب (المنافقين) والذي تميزوا به عن عامة الكفار.

стр. 583

وأما الحالة الثانية وهي حالة إنكار المنافقين ماينسب إليهم، وحلفهم الأيمان بجحده، فهي كثيرة ومن ذلك قوله تعالى (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وقوله تعالى (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) بل أخبر الله عن هذه الوسيلة عندهم كقاعدة عامة في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أي ترساً ووقاية يستجنون بها، فيتفوهون بالعبارات المصادمة للشريعة فإذا بلغت الرسول حلفوا ماقالوا وأنكروا وجحدوا! والباحث الموضوعي الصادق في البحث عن الحقائق الشرعية يسأل نفسه: لماذا كان المنافقون يحلفون في إنكار ماينسب إليهم؟ لو كان الأمر متروكاً لهم على سبيل الحرية فهل كانو بحاجة إلى الحلف والإنكار؟ وكونهم يحلفون منكرين جاحدين هذا يعني أن هناك "حالة استدعاء ومساءلة وتحقيق" مسبقة اضطرتهم إلى الحلف والإنكار. وأما حالة الاقرار بالفعل والاعتذار عنه فهي كثيرة أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) وقوله تعالى (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) والباحث الموضوعي يسأل نفسه هاهنا -أيضاً- لماذا بعتذرون عن ما تثبت نسبته إليهم؟ هل لوكان الأمر على سبيل الحرية الشخصية الواسعة احتاجوا للاعتذار؟ وفي بعض الأحوال قد تتحقق شروط العقوبة لكن يمنع من إقامتها مانع شرعي راجح، وهو قيام فتنة أعظم، وهذا مما كان يراعيه رسول الله ﷺ مع ابن أبي خصوصاً، فإنه بقي في بعض القلوب حمية له لأجل مركزه السيادي السابق بين الأوس والخزرج. وأما إذا تحققت شروط العقوبة وانتفت موانعها الراجحة، فإن النبي ﷺ كان يأمر بإنفاذ العقوبة، ولذلك عاقب الثلاثة الذين خلفوا، ولما فتح النبي ﷺ مكة أمّن الناس جميعاً إلا تسعة نفر فإنه أراق دماءهم وكان منهم: عبد الله بن سعد بن ابي السرح، ومقيس بن صبابة، وهذين كانا مسلمين ثم ارتدا. فلم يقل النبي ﷺ لهم حرية الرأي! وكذلك أصحاب النبي حين قاتل أبوبكر المرتدين، وقتل أبوبكر أم قرفة لما ارتدت بمحضر الصحابة، وقتل ابوموسى ومعاذ بن جبل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد كما في الصحيحين. بل إن عمر جلد صبيغ لما سأل عن متشابه القرآن، ولم يقل هامش حرية الرأي! وفي صحيح البخاري عن (عكرمة قال أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله ﷺ ، ولقتلتهم لقول رسول الله: من بدل دينه فاقتلوه). فهل هذه الأقضية النبوية والراشدية كلها لم تفهم آيات أفعال المنافقين بينما فهمها مجموعة من المنتسبين للفكر المعاصر الذين ليس لهم عبودية الصحابة ولا عمق علمهم بالشريعة؟! أفهذا من العقل والعقلانية في شئ؟! وبعض هؤلاء يحتج ويقول: إن النبي ﷺ يعلم بعض أسماء المنافقين حيث أطلعه الله على ذلك؟ والحقيقة أن هذا المعترض لم يستوعب أن أحكام الإسلام يجريها النبي ﷺ على الظاهر، ولذلك يقول الإمام الشافعي في كتابه الأم (قد علم رسول الله ﷺ أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر) [الأم، الشافعي، ٤/ ٢٦٤]. الجواب التفصيلي عن الشبهة:

стр. 584

ما مضى هو الجواب الإجمالي عن الشبهة وهي تراوح حالاتهم بين الإسرار -وهو الأصل والغالب- وبين الإنكار أو الاعتذار أو ترك العقوبة لمانع راجح، أو الأمر بإنفاذها إذا استوفت شروطها وانتفت موانعها. دعونا الآن ننتقل للجواب التفصيلي عن الآيات التي استدلو بها آية آية، والحقيقة أن المادة المستعارة في الرد على الشيخ البراك تضمنت (١١) آية، وهي كالتالي: ١ - الآية الأولى: يقول الكاتب: كانوا يصفون الصحابة بالسفهاء (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ). الجواب: هذه الآية في سياقها ذاته نقيض ما احتجوا به، لنقرأ الآية في سياقها وننظر الآية التي تعقبها مباشرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ** وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). فبين الله أنهم إذا لقوا الذين آمنو لم يظهرو مقالتهم هذه، بل يظهرون ضد ذلك، ولم يظهروا ضد ذلك إلا لأن الأمر ليس على سبيل الحرية. ٢ - الآية الثانية: يقول الكاتب: وكانوا يحرِّضون الكفار على مُجتمعهم، ويدعونهم لحرب المُسلمين: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .. الجواب: قبل أن نقرأ سياق الآية كنت أقول في نفسي: ألم يتأمل هذا المحتج ماذا يعني احتجاجه هذا؟! هذا يعني أنه لو وجدنا رجلاً يحرض أمريكا على غزو ديارنا واحتلال حقول النفط، أو يحرض إيران على العبث بأمن الحجيج في بلادنا، أورجلاً يتعاون مع الحوثيين ضد جنودنا في الجنوب، أو وجد إخواننا في حماس رجلاً يحرض الصهاينة على أهل غزة ويدعوهم لحربهم، الخ فإنه في كل ذلك لايجوز شرعاً معاقبة هذا المحرض والمؤلب على حرب المسلمين، بل يجب أن تحفظ له حريته، وهذا حق له لايجوز الاعتداء عليه! أي شرع هذا؟! وماهذا الاستنباط الذي يكفي تصوره لإبطاله! يالله العجب كيف يذهل كثير من الكتبة عن نتائج خطيرة في سياق مشاحنتهم لأهل العلم والسنة، هذا الموضع فقط كافٍ لكشف التخبط العميق في تفسيرهم لآيات أفعال المنافقين. المهم .. دعونا نعود للآية، وقصة هذه الآية أن نفراً من المنافقين انطلقوا إلى بني النضير ووعدوهم بنصرتهم ضد المسلمين، ففضح الله المؤامرة دون تعيين القائل ولاتسميته بل بقيت في القرآن مكتومة مطوية، فغاية مافي الآية مؤامرة كشفت أوصافها وليست حرية رأي! ٣ - الآية الثالثة: يقول الكاتب: وكانوا يكذبون على الله ورسوله: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). الجواب: ماقاله الكاتب هاهنا هو عين مانريد إثباته، فقد كفانا إياه جزاه الله خيرا!، فنحن نقول أن المنافقين يظهرون بخلاف حقيقتهم، ويعتذرون لرسول الله أعذاراً يكذبون فيها، بل ويحلفون في هذه الأعذار كما ذكرت هذه الآية، فأذن لهم الرسول لما حلفوا له معاملةً لهم بظاهرهم، فبالله عليكم أي دلالة في اعتذار المنافقين على حرية الرأي المزعومة؟! بل هذا يفيد نقيض كلامهم وهو أن المنافقين لم يكونوا مجابهين بمصادمة الشرع بل يتدسسون ويعتذرون!

стр. 585

٤ - الآية الرابعة: يقول الكاتب: وكانوا يلمِزون الرسول ﵊: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). الجواب: أصل اللمز هو مايكون من التنقص في خفاء كما يقول ابن عطية في تفسيره (يلمزك: معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة)، وحكي في الآية أسباب نزول غاية مافيها أن بعضهم قال للنبي (اعدل)، وقيل في الآية أن (يلمزك) أي يسألك ويطلب منك إذا أتتك الصدقات. والمراد أن كون المنافقين غاية ما استطاعوا هو اللمز الذي فضح الله وصفه دون أعيان قائله هذا دليل على ضد مقصود أصحاب حرية الرأي. ٥ - الآية الخامسة: يقول الكاتب: وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ). الجواب: سبقت الإشارة إلى أن معنى "أذن" ليس هو التجسس، وإنما الاغترار بما يقال، وأن هذا التفسير الخاطئ انتقل مع المادة المستعارة كما هو. لكن لماذا قال المنافقون عن النبي ﷺ أنه أذن؟ يقول الإمام البغوي ﵀ (نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم "لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا" فقال الجلاس بن سويد منهم: "بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُن"). وهذا يعني أن المنافقين يعتذرون عن أقوالهم إذا بلغت النبي ﷺ ، وليسوا يمنحون عنها حرية الرأي! ولذلك عقب القرآن بعد هذه الآية مباشرة بقوله عنهم (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ). ٦ - الآية السادسة: يقول الكاتب: وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: "قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ"). الجواب: سبقت الإشارة إلى أن هذه الآية الأشبه أن تكون في أهل الكتاب، وهو ما مال إليه جماهير المفسرين، وأن صياغة الشبهة بهذا الشكل الأرجح عندي أنه مما تسرب مع عملية الترحيل الغامضة من كتاب زائر الوسطية. ٧ - الآية السابعة: يقول الكاتب: وكانوا يصدون عن رسول الله ويستكبرون عليه: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ") الجواب: يقول ابن كثير ﵀ عن سياق هذه الآيات (وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول). وقد أنكر ابن أبي مانقل عنه لرسول الله كما يقول قتادة (فدعاه رسول الله ﷺ فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك). وابن أبي عموماً كما جاء في الخبر (كان إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا). ثم إن سياق الآيات التي سبقت هذه الآية ذلك تشير لذلك حيث جاء فيها (قالوا نشهد إنك لرسول الله) (اتخذوا أيمانهم جنة) (وإن يقولوا تسمع لقولهم). ثم إن ابن أبي لما خشي النبي وقوع الفتنة بقتله بسبب كونه سيداً في قومه قبل الإسلام صار هذا مانعاً شرعياً راجحاً في ذلك الظرف الزمني المؤقت. والخلاصة أن هذه الواقعة التي حكاها القرآن لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل واقعة لها ملابساتها الخاصة المختلفة. ٨ - الآية الثامنة: يقول الكاتب (وكانوا يتآمرون على رسول الله: "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا").

стр. 586

الجواب: واضح قطعاً أن الكاتب لم يراجع أي كتاب تفسير حين احتج بهذه الآية! ذلك أن النبي ﷺ لما نقلت له مقالة المنافقين هذه قام بعملية تحقيق، واستدعى الأطراف المبلغ عنهم، لكن المنافقين أنكروا وجحدوا، روى البخاري في صحيحه قال: (عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل" فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي "ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ "، فأنزل الله تعالى "إذا جاءك المنافقون" فبعث إلي النبي ﷺ فقرأ فقال: إن الله قد صدقك يا زيد) وكون النبي يستدعي الأطراف ويحقق معهم، فهذا يعني أن هذه الآية دليل على المساءلة والتحقيق في الأقوال المخالفة للشريعة، وليست دليلاً على حرية الكفر، ولكن النبي ﷺ لما أنكروا عاملهم بظاهرهم. ٩ - الآية التاسعة: يقول الكاتب: بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا") الجواب: هذه الواقعة لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل هي مجرد حالة خور في لحظة حرب مفزعة كما ينبئ عن ذلك سياق الآيات قال تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ** هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ** وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا). ومن الطبيعي أن لايتخذ النبي ﷺ أي إجراء عقابي في لحظة الحرب، وهذا نظير ترك الحدود في الغزو الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ثلاثة من الصحابة عمر وأبي الدرداء وحذيفة، فضلاً عن أنه لم يقم أي دليل على أن هذه العبارة بلغت النبي ﷺ عن قائل معين، والقرآن نقلها عن غير معين كما هي عادة القرآن في أفعال المنافقين. ١٠ - الآية العاشرة: يقول الكاتب (وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاّ يَسِيرا). الجواب: هذه الآية حكى الله فيها مقالتين، المقالة الأولى "يا أهل يثرب لامقام لكم فارجعو" وفيها وجهان أن أوس بن قيظي قالها لقومه، والثانية أن اليهود قالوها لعبد الله بن أبي، وعلى كلا الوجهين لم تستوف شروط العقوبة الشرعية، ومع ذلك فالقرآن حكى هذه المقالة عن غير معين. وأما المقالة الثانية فهي "ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة" وهذا استئذان للنبي لاصلة له بموضوع الحرية.

стр. 587

١١ - الآية الحادية عشرة: يقول الكاتب (وكانوا أشحة على الخير، ويقذفون الصحابة بألسنة حِداد: (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). الجواب: أكثر أهل التفسير على أن قوله تعالى "سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير" أي معناها الإلحاح بالكلام المستكره طلباً للغنيمة، وقيل في معناها أقوال أخرى، لكنها على كل الأحوال إذا وصلت إلى القذف، فالقذف له عقوبته الشرعية، فأما إن كان الكاتب يظن أن السلق هنا يصل للقذف وعطل الشارع حد القذف فهذا ضرب للنصوص ببعضها. هذا مايتعلق بالجواب عن أعيان الآيات التي احتجوا بها آيةً آية. والحقيقة أنني مكثت مرةً أتأمل: لماذا يفصل أصحاب هذا الطرح بين الحرية السلوكية والحرية العقدية؟ فتجد أكثر حديثهم عن الحرية العقدية، فيرون الحرية للكفر والزندقة والنفاق، لكن لو قلت لهم: هل هذه الحرية مكفولة لمن يزني ويشرب الخمر؟ قالوا لا!. فكنت أتساءل وأقول: كيف يصبح المرتد مكفول الحرية، والزاني وشارب الخمر يعاقب؟ إذا كان الرسول ﷺ أتاح الحرية للردة كما يقررون، فما دون الردة من الجرائم أولى بالحرية! فانظر كيف أن هذه الطوائف الفكرية المتعلقة بشبهة حرية المنافقين خالفت أهل السنة في أصول العقوبات الشرعية، كل ذلك في شبهة واحدة فقط من شبهاتهم، فكيف لو تتبع الباحث بقية شبهاتهم في أصول التلقي والاستدلال والموقف من المخالف ومنزلة الدنيا وأحكام المرأة ومنهج الفتيا وفقه السياسة الشرعية ونحو ذلك، ثم يأتونك مستغربين ويقولون: لماذا تجعلوننا مخالفين لأهل السنة؟ يالله العجب كيف لاتبصر العيون كل هذه الانشقاقات عن مذهب أهل السنة والجماعة؟! وكون هؤلاء وافقوا أهل السنة في بقية أصول السنة هذا لا يمنع كونهم من أصحاب المحدثات، فإن كثيراً من القدرية (المنكرين لكون الله يقدّر المعاصي كوناً) وافقوا أهل السنة في بقية أصول الإيمان كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وفي تقدير الطاعات والصحابة ونحو ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في جزء من القدر وهو تقدير المعاصي، ومع ذلك عدهم السلف من أهل الأهواء وأهل البدع وأهل المحدثات في دين الله، وهكذا فإن هذه الطوائف الفكرية برغم كونها وافقت أهل السنة في بعض أصول الدين، لكنها خالفت أهل السنة في عدة أصول من أصول التلقي والاستدلال وبعض الأصول التشريعية، وهذه العقوبات الشرعية التي أنكروها مجرد نموذج لذلك، فهم أهل إحداث وابتداع في دين الله، وأهل أهواء. وبعض هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهة يقولون إذا اختار المجتمع هذه العقوبات الشرعية فيجب تطبيقها، يظنون بذلك أنهم يتخلصون من شناعة قولهم، وماعلموا أن هذا أفظع شناعة، فإن هذه العقوبات الشرعية حين أتت بكتاب الله وسنة نبيه ردوها واستثقلوها ورأوا أن فيها تقييداً للحرية وضيق أفق، وحين أقرها المجتمع التزموا بها، فصار تشريع الشعب فوق تشريع الله ورسوله، وهذا هو مؤدى مفهوم الديمقراطية الذي حذر منه الربانيون من أهل العلم، وقد كان الديمقراطيون ينكرونه نظرياً لكنهم الآن يعلنونه عملياً، أعني كون مصدر التشريع هو الشعب وليس رب الشعوب .

стр. 588

ثم إنه من الغرائب أن يقال إن المجتمع إذا اختار حماية عقيدته فيجب الالتزام بخيار المجتمع، فكيف يضيّق المجتمع على الحريات التي كفلها الشرع في نظركم؟ أنتم ترون النبي كفل الحرية للكفر والقذف والزندقة والردة والتأليب على المسلمين، فكيف يسوغ للمجتمع أن يضيق هذه الحريات التي كفلها رسول الله؟! هل نحن أغير على العقيدة من رسول الله ﷺ ؟! وأما قول القائل "أنتم في ورطة مع النصوص الشرعية" فهذا قَلَب المشكلة، بل الذي في ورطة مع النصوص الشرعية هو من فسرها بما يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، وأما من فسرها بشكل يتسق مع بقية النصوص الأخرى، ويتسق مع فقه أصحاب النبي وأئمة أهل السنة؛ فهذا في راحة وانسجام، وليس في ورطة. ويشهد الله وحده أنه لما نشرت مجلة العصر المقالة التي تشوش على فتيا الشيخ الإمام عبد الرحمن البراك في خالص جلبي فإنه قد نازعتني نفسي في الرد، لكني توقفت لاعتبارات نفسية معينة كنت أداريها، ولكن لما صدرت الآن المقالة الثانية قبل أمس في مجلة العصر، فصار كتاب أشواق الحرية والمقالتان اللتان أعقبتاه كلها تكرر نفس الشبهة (حرية المنافقين) والمستعارة من دردشات زائر الوسطية بذات أخطائها؛ شعرت حينذاك بأن الشبهة بحاجة لتفكيك علمي وأنه لا مكان للمجاملات في دين الله، لكني لا أناقش إلا شيئاً منشوراً ولا أستغل -بإذن الله- ما أفضى به إلي صديق بشكل خاص في الرد عليه، فالعلاقات الشخصية شئ، والأقوال المنشورة شئ آخر، وهذا مبدأ من مبادئ المروءة أتمنى أن أبقى عليه ما حييت. والحقيقة أنه من أكثر ما آلمني أنني ألاحظ اليوم تقصير النظام السياسي الحالي في الأخذ على يد السفهاء لردعهم عن العبث بالأحكام الشرعية في قنواتنا وصحافتنا، فلا أعرف حكماً شرعياً يتعارض مع الثقافة الغربية إلا وقد كتبت صحافتنا المحلية في تنقصه وتسفيهه وتحريفه، ومع ذلك لايزال النظام السياسي المحلي لم يتخذ بحق هؤلاء الروادع الشرعية المطلوبة، ثم يأتينا الآن من يسمون أنفسهم التنويريين والاصلاحيين ويقدمون للسياسي شرعنة للمزيد من حرية الزندقة! وكأننا سننهض إذا أتحنا المزيد للكفر وسب الرسول وشتم الصحابة! هذه الكتابات التي تسميها نفسها تنويراً وإصلاحاً لم تصلح الخلل السياسي، ولم تدع الشريعة في حالها. والله أعلم

стр. 589

القصة من أوّلها د. أحمد بن صالح الزهراني ٢٥ جمادى الآخرة١٤٣١ من أشدّ أساليب الإدانة وقلب الحقائق حذف أوّل القصة والبدء بسردها من جزء معيّن، وهو ذلك الجزء الذّي يحكي مظلومية الجلاّد ومأساة المجرم، لينقلب الحق باطلاً والمحق مبطلاً والضحية جلاداً والبريء مُداناً. إنّه أشبه ما يكون بقصّ صورة من القصّة أو العبث بأجزائها تقديماً وتأخيراً .. مثل رجل قتل رجلاً فلحقه آخر، وأمسك به يضربه فيأتي من يصوّر مشهد القاتل وهو يُضرب، أو يحكي قصّة ضرب القاتل دون ذكر سبب ضربه. يحدث هذا أحياناً بدون قصد، وإنّما تأثراً بالنفسية الّتي تتحكم في رؤية الواقع .. وكثيراً ما يكون ذلك مقصوداً كأسلوب في الدعاية للباطل وترويجه والتنفير عن الحق ومحاصرته. ويساعد الإعلام كثيراً في بثّ الصورة الخاطئة والقصّة المبتورة .. في الجانب السياسي والعسكري كمثال عادة ما ترى المحتلّ يبرز قصص المقاومة ودمويّتها، وفي ضمن ذلك الأخطاء الّتي تقع فيها سواء في التأصيل أو التطبيق .. فيدخل الناس بتأثير هذا الأسلوب في دوّامة الجدل حول المقاومة بين من يصوّب خطأها وبين من يخطّئ صوابها .. وينسى الجميع أنّ المقاومة بكلّ أخطائها وصوابها هي الجزء التالي للقصّة .. القصّة بدأت قبل ذلك بالاحتلال .. وهو الذي يجب محاكمته قبل البدء بمحاكمة المقاومة .. مشركو قريش فعلوا شيئاً من ذلك فتولّى الله الرد: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ). قال ابن كثير: أي: «إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل» في الجانب الثقافي والفكري والدعوي -وهو الّذي يهمّني -انتهجت الأقلام المسمومة نفس المنهج .. إذا بدأنا بأوسع الدوائر وجدنا دائماً محاكمة للإسلام على أنّه دعوة قتال وأصر على الدين وأطر على العقيدة الواحدة .. وكثيراً ما رأينا هِمَم الرجال تتناقص أمام هذه المقولة الظالمة .. نعم، ظالمة؛ لأنّ دعوة الإسلام والتوحيد هي جزء تالٍ في القصّة، والقصّة من بدايتها ذكرها الله تعالى في كتابه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

стр. 590

فالمؤمن الواثق بالله وبدعوة الله يعلم أنّ دينه وسلاحه ليس أصلاً في القصة بل هو نتيجة تسبّب بها من خرجوا عن الأمّة والواحدة أمّة التوحيد، فهو سائر على طريق أنبياء الله وخاتمهم محمّد ﷺ ، يقول للناس ما قال البطل ربعي بن عامر لرستم: «الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر»، هذا كلام من عقل عن الله ورسوله حقيقة القصة الكاملة. وإذا ضيقنا الدائرة قليلاً لننظر إلى الداخل الإسلامي وجدنا ألسنة التغريب والشقاق والنفاق يرمون أهل الشريعة بالتشديد والتعسير، ويعدّون سدّ الذرائع عيباً، ويتخذون من ذلك حجة لهم في القدح في أهل العلم بالشريعة، وأنّهم حرّموا كثيراً مما أحلّه الله بسبب هواجسهم وشكوكهم .. ولو تأمّلنا لوجدنا أنّ الذّرائع إنّما كان السبب في سدّها فشوّ المنكر وغلبة أهل الفجور في استعمال المباحات وسيلة لإشاعة المنكر، فلو تتبّع المنصف حال المجتمعات، وما آل إليه الزمان من فساد أبنائه، وتغلّب الفجرة على مقاليد الأمور في كثير من البلاد وعلى أرفع المستويات، واستغلالهم كلّ ثغرة ومناسبة لفتح باب شرّ جديد على الأمّة لعرف أنّ خوف أهل العلم وحرصهم على سدّ الذرائع هو نتيجة طبيعية وليس أصلاً، فمن رأى كيف أصبحت استقلالية المرأة في العالم أغلبِه وسيلة لفجورها واستغلالها وتحطيم الأخلاق وقيم الأسرة، لا يتوقف لحظة في تصحيح وتصويب مواقف أهل الشريعة من العلماء وطلبة العلم السلفيين الذين يمانعون من مسائل قيادة المرأة للسيارة، وتولي المناصب، وإشاعة المسرح والسينما وغيرها من مسائل يدندن حولها التغريبيون. وإذا جئنا إلى مساحة أخرى في الداخل الإسلامي وجدنا بعض الناس يشتكون من ضيق عطن الشرعيين والعنف اللفظي في الردّ على المخالفين من التغريبيين والليبراليين، ويتبرم بعض الكبار من شدّة الشّرعيين في الردّ وعدم قبول الرأي الآخر كما قرأته مؤخراً لأحد المسؤولين في وزارة الإعلام، فتذكرت حينها المثل القائل: «قال الحائط للوتد: لِمَ تشقّني؟! فقال: سَلْ من يدقّني»! ففي ظنّي أنّ هذه الشكوى الّتي شكا منها هذا المسؤول هي نفس الأسلوب الّذي يتعامى عن سبب المشكلة، يتعامى عن المجرم ويلوم الضحيّة؛ إذ المنطق يقول إنّه حتّى لو أساء الضحيّة التصرّف فإنّ على الحكماء أن يتبصّروا - إن أرادوا إحقاق الحق - في سبب هذا التصرف، لا التوجّه لمعاقبة الضحيّة والسكوت عمّن تسبب في خروجه عن المنطق والقانون .. فالإقصاء الّذي تمارسه الصحف والعنف اللفظي والتهييج والتحريض الّذي يكتبه كتابها تجاه أهل الشريعة، كلّ هذا لم يره المسؤول بينما جحظت عيناه لبضعة مقالات أو فتاوى كانت مجرد ردّ فعل على ذلك الإجرام الذي مورس ضدّ المتديّنين ومؤسّساتهم. وآخر مثال ما يرمي به كثير من الناس أهل السنة بالتشغيب وإثارة النعرات والنزاعات بين الطوائف وتفريق الصف الإسلامي حين يتكلمون بما أمرهم الله به من إنكار المنكر الفكري وتسمية أهل البدع والتحذير من باطلهم؛ فتجد كثيراً من الناس يغترّ بالدعاية الّتي يروّجها المبتدعة ضدّهم من أنّهم يفرقون الأمّة، ويميل إليهم بعض فقهاء الاستنارة الجدد مؤيّدين أو ساكتين سكوت إقرار .. وهذا أيضاً جزء القصة الأخير، والقصة بدأت قبل ذلك حين أصرّ المبتدع أن يجاهر أو يدعو إليها بلسان حاله أو مقاله، سواء كان فرداً من فرقة مشهورة كالأشاعرة والمعتزلة أو الخوارج والمرجئة أو الشيعة أو غيرهم، أو كان رجلاً من أهل السنة لكنه اقترف مخالفة منهجية أو عقدية، فهو الذي فرق الأمّة حقيقة وليس من أنكر عليه، السلفيون الذين يتكلمون فيه ويحذّرون من بدعته يقومون بواجب شرعي، ألا وهو إنكار المنكر .. ورحم الله أبا إسحاق الشاطبي الّذي نبّه لهذا الملحظ من قديم حين قال في الاعتصام (٩٥ص): «إن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع والتشريد بهم والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم ... وقد حذّر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخوراج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقاً، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟» أ. هـ وهذا من دقيق فقهه ﵀ فالمبتدع هو الّذي أحدث الافتراق وليس من أنكر عليه، وعكس القضية هو تلاعب في سرد القصّة بالبتر أو الاجتزاء الذي يغيّر الحقائق ويصوّرها في صورة الباطل .. وهو ما نبّهنا إليه في لبّ المقال.

стр. 591

اليهود وجريمة البحر محمد صالح المنجد ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين: فمما يُدمي القلب، وتَدمع له العين، ما أصاب إخواننا شهداء النصرة ممن قامت بقلوبهم غيرة الإيمان والنخوة والمروءة، فهبوا لنصرة إخوانهم المظلومين ... ففاجأهم إخوانُ القردة والخنازير بهجوم مباغت في مشهد بشعٍ اختلطت فيها الدماء بالمياه. ١ - اليهود هم اليهود: أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، امتلأت قلوبهم بالحسد والحقد، يرتكبون المجازر تلو المجازر، (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا). وهذا الحدث من طبيعة النفس اليهودية الساعية للإفساد والقائمة بالإجرام، وقد فعلوا ما هو أكبر من ذلك، فهم قتلةُ الأنبياء، وسفكة الدماء، كذبوا على الله، وحرفوا كتبه، وأكلوا السحت، ونقضوا المواثيق والعهود. ٢ - ليست بأولى جرائمهم: وقد أخبرنا بجملة من كبائرهم فقال: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)، (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ). هذه بعض جرائم اليهود في القرآن، واليوم تلطخت أيديهم بدماء القتلى من مسلمين وغيرهم ممن جاء لنجدة المظلومين المحصورين. ٣ - اليهود لا يراعون في أحد ذمةً ولا عهداً: ولا يخافون الله في خلقه، كما أخبرنا تعالى بقوله: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً)، وقال: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً). وقد رأينا ذلك واضحاً في الوحشية اليهودية تجاه أناس عزَّل من بلدان مختلفة لا يملكون من أمرهم شيئاً، وهكذا اليهود (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً). ٤ - اليهود جبناء: ويتجلى خوفهم في تسترهم عن أي معلومات تتعلق بالقتلى أو الجرحى الذين تم نقلهم للمستشفيات. ٥ - اليهود قوم بهت: زعموا كذباً وزورا وجود أسلحة في السفن المحملة بالمساعدات الغذائية، وتحججوا بأن ركاب السفينة قاوموا بالسلاح، لتبرير جريمتهم. ٦ - (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ): وهذا واضح في استخدام الطائرات والسفن الحربية لمقاتلة أشخاص عزَّل. ٧ - الاستهداف الإسرائيلي رسالة موجهة إلى المسلمين جميعاً: وفحوى الرسالة: حذار ثم حذار من محاولة التفكير في نصرة أهل غزة!! ٨ - الأتراك المسلمون يعيدون إلى الأذهان الارتباط بين العثمانيين والأمة الإسلامية، ويوقظ في النفوس الحنين إلى الخلافة الإسلامية التي تحمي حمى المسلمين في كل أنحاء العالم. ٩ - كان واضحا في هذه العملية القصد اليهودي في الانتقام من اليقظة الإسلامية التركية، فقد ساءهم ما يقوم به الأتراك من دور فعال في الدفاع عن حقوق المستضعفين من المسلمين. ١٠ - المسلمون كالجسد الواحد: فالخليط الإسلامي في السفن البحرية (متطوعون من تركيا، الكويت، الجزائر، لبنان، الأردن ... ) يعكس تضامن المسلمين مع إخوانهم المستضعفين مع تباعد الديار.

стр. 592

١١ - بدا واضحاً للعيان الفرق بين الجهود الفعلية التي يقوم بها أهل السنة من قارات العالم، وبين أصحاب الادعاءات الفارغة من أهل البدع الذين يقومون بالتمثيل والعويل وإلقاء الخطب الرنانة في التباكي على القدس، والمتاجرة بقضية فلسطين. ١٢ - (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ): فالذين قتلوا في نصرة إخوانهم المسلمين شهداء خاطروا بأنفسهم لامداد إخوانهم. ١٣ - (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ): لا بد من الحذر من الأصابع الخفية من الذين يكتبون في الشبكة العالمية للتحريش بين الشعوب العربية والإسلامية في هذه الأزمة (ولَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، ويجب الكف عن الملاسنات وتبادل الاتهامات انطلاقا من العصبية البغيضة. ١٤ - الشجب والغضب مفيد، لكنه لا يكفي: فلا بد أن تكون ردة الفعل على قدر الحدث، فهناك دماء سفكت في البحر، ولا بد أن يأخذ الجاني جزاءه. ١٥ - (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): فمع فداحة الحدث إلا أننا ندعو للتفاؤل، وتلمس جوانب الخير في هذه المصيبة، ومن مظاهر الخير: تعاطف المسلمين من جاكرتا إلى طنجة مع إخوانهم في فلسطين، بالإضافة إلى تزايد الكره العالمي لليهود .. فدول تسحب سفراءها، وأخرى تلغي زيارات رسمية مقررة، وثالثة تستدعي سفراء اليهود احتجاجاً، ومؤتمرات هنا واجتماعات هناك، واحتجاجات واستنكارات. ١٦ - عدم اليأس من الدعاء: وقول البعض نحن ندعو من عشرات السنين، فماذا استفدنا .. يدل على انعدام الإيمان في القلب، وعدم معرفة قيمة الدعاء، فلقد أصيبت دولة اليهود بنكبات كثيرة، ومصائب بعض قادتهم فيها عبرة وعظة وما خبر شارون المجرم عنا ببعيد، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ). ١٧ - (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ): تقول إحدى النساء: لقد صرخت تلك المرأة وا معتصماه، ونحن المسلمات اليوم لا نعرف لمن نصرخ. ونقول: إننا نستنجد بالله وحده، ونناشده الفرج. ١٨ - تذكير بحصار شعب أبي طالب: نتذكر في هذه الحادثة أن من نقض حصار شعب أبي طالب كانوا كفاراً، شعروا بالظلم الواقع على المسلمين، فتنادوا فيما بينهم لتمزيق وثيقة الحصار، فيوجد من عقلاء الكفار من يقيضهم الله للوقوف مع المسلمين والاحتجاج على اليهود، وتحدث لتحركاتهم فوائد ومنافع. ١٩ - قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت: فالناشط الإنجليزي "بيتر فينر" البالغ من العمر ثلاثة وستين عاماً يعلن إسلامه من على ظهر سفينة مرمرة إحدى سفن أسطول الحرية، ثبته الله وجعله ممن أسلم على ما سلف من خير. ٢٠ - الوقف الإسلامي عبادة جليلة: ومن مظاهره وصوره الجديدة أن السفينة " بدر" المشاركة في الحملة تم شراؤها بصدقات المسلمين لتكون وقفاً على مهمات الإغاثة في الكوارث والنكبات. نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يكشف الغمة عن هذه الأمة، وأن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن ينصر أولياءه، ويخذل أعداءه، ويجعل كيدهم في نحورهم، ويكفى المسلمين شرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 593

الاختلاط بين الجنسين وظاهرتي السعار والشذوذ إبراهيم بن عبد الله الأزرق ١١ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ إذا قال بعضهم إن وضع إناء البنزين مفتح الجنبات مشقق الغطاء بقرب النار ليس سبباً طبيعياً للاشتعال، لاتهم الناس عقله أو رموه بالجهل الفاضح والمكابرة والإنكار لبعض مقتضيات الطبيعة، ومع ذلك يصر بعض منتسبي الثقافة والعقل! على أن خلط النساء بالرجال لا يقتضي إشاعة الفاحشة ولا استعار الشهوات! مع أن الميل بين الجنسين طبيعة أودعها الله سائر الثقلين وأنواع الحيوانات، وجعلها من القوة بمكان يناط به بقاء الأجناس الحيوانية والبشرية على ظهر البسيطة. إن إنكار أثر الخلطة على تأجيج الشهوات جهل ومكابرة وجحد لطبائع النفوس! تدعو المنصفين لازدراء قول ذلك الجاحد المكابر للمعلوم بالحس! لكن أقبح من هؤلاء الجهلة جهلة آخرون يزعمون أن الفصل بين الجنسين سبب لتأجيج الشهوات، والانحراف نحو الشذوذ، وربما تجرأ بعضهم فرما من استجاب لنداء الفطرة والعقل وطالب بالفصل بين الجنسين بسوء النية والقصد، وفساد الخواطر والقلب، وكل ذلك ضرب من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولقائل أن يقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنسَ المحرم، مَثَلُهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يأكلون لحم الخنزير. عجباً! وأين ذهب الحلال الطيب؟ ولك أن تعجب أيضاً من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل حقاً بلغت السذاجة بأناس مبلغاً يدفعهم لتصديق هذا الدّعي؟! ثم هل يعلم القائلون بهذه الدعوى السمجة أن بالولايات المتحدة وحدها نحواً من خمسين مليون شاذ (١)! وهل يعلم هؤلاء الأدعياء مَن الذين يحمون شذاذ الآفاق، مِنْ الذين انتكست فطرهم في الدول العربية والمسلمة؟ هل رأيتم شعباً مسلماً خرج في مظاهرة لحماية حقوق منتكسي الفطر والميول من أهل الشذوذ؟ اللهم لا؛ ولكنّا رأينا احتجاجات بمباني الأمم المتحدة في جنيف، وخارج المكتب الثقافي التابع للسفارة المصرية بواشنطن. وسمعنا بانتقدات جماعات حقوق الإنسان الدولية، لحادث قبض على بعض الشذاذ في أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم ومحاكمتهم (٢)!

стр. 594

حتى قال محرر الأهرام العربي: "بعد أن رفع الشواذ الأمريكيون شعار الحرية الشخصية الذي تبناه خمسة وثلاثون من أعضاء الكونجرس في رسالة مسمومة إلى الرئيس مبارك يلوحون فيها بورقة المعونة الأمريكية للضغط على مصر بهدف إلغاء محاكمة المتهمين الـ ٥٢ في قضية الشذوذ ومنح الحرية الكاملة لأي شاذ يمارس الجنس مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه. ولأن الحملة الأمريكية يقودها شاذ أمريكي يدعي "باري فرانك" عضو الكونجرس عن ولاية "ماستشوستس" ومعه "توم لانتس" المعروف بالمشاركة الدائمة والمنتظمة في أي حملة ضد مصر فقد جاء الرد سريعاً وفي نفس الاتجاه من أوروبا .. وبالتحديد من أمام السفارة المصرية في جنيفحيث وقف عشرات الشواذ يتظاهرون منددين بانتهاك الحكومة المصرية لحقوق الشواذ وحرمانهم من ممارستهم لحريتهم!! والمفارقة أن المظاهرة جاءت ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للشواذ والسحاقيات الذي أقيم الأسبوع الماضي في العاصمة السويسرية. ولم تسلم جمعيات حقوق الإنسان في مصر من الحرب الشرسة، إذ نالت مئات الهجمات العنيفة على مواقعها عبر الإنترنت بالإضافة إلي تهديدها بوقف التمويل مالم تنتفض لنجدة ونصرة الشواذ في مصر وتهيئ لهم أجواء الفجور والفسوق!! " (١). " لقد أضاف الدستور البريطاني مادة جديدة تتيح للموظف المسئول، حرية الإعلان عن ميوله الجنسية، فكانت النتيجة أن أعلن أربعة وزراء عن ميولهم الشاذة، وسكت آخرون، فصادف أن وقف (توني بلير) -رئيس الوزراء البريطاني السابق- في أحد المؤتمرات الصحفية بعد إعلان أحد الوزراء عن ميوله الجنسية الشاذة، فلم يجد سوى أن يقول: تلك ميول شخصية لا تؤثر على كفاءته في العمل كوزير! وعندما حاولت ملكة هولندا في السنوات الأخيرة الالتزام ببروتوكول القصر الملكي، فحرمت حوالي أربعة عشر سفيراً ودبلوماسياً هولندياً شاذاً -أعلنوا عن ميولهم في الملأ- من حضور حفلات ملكية، وجدت المتحدث الرسمي الأول لمجلس الدولة -الشاذ- يعرب عن اعتراضه على هذا الحرمان، وامتنع عن حضور المؤتمرات، التي تعقد في القصر لأنه لا يستطيع أن يصطحب صديقه! ولست أدري أين وصلت فرنسا في قانون (باكس) للتضامن الاجتماعي، وأهم البنود المطروحة في مشروع القانون مسألة السماح لأي زيجة بين الشواذ تمنحهم الحقوق المدنية المكفولة للأزواج الطبيعيين مثل حقوق الميراث، والاحتفاظ بالممتلكات بعد وفاة أحد الطرفين. وهناك مشروع مماثل جار بحثه في بلجيكا بعد ضغوط من بعض المنظمات الدولية الكبرى التي ترعى هؤلاء الشواذ (٢). وقبل أمد ليس بالبعيد وقف أمام الملأ نائب الرئيس الأمريكي السابق "ديك تشيني" ليدافع في مقابلة تلفزيونة أجرتها معه " إم إس إن بي سي" عن حقوق ابنته الشاذة في حماية حياتها الخاصة، معرباً عن حبه الشديد لها، وقد كان ناشطون شذاذ دعوا ابنته "ماري" للتنديد بمقترح الرئيس جورج بوش من أجل تعديل الدستور لحظر الزواج من نفس الجنس (٣)! وفي تقرير للسي إن إن جاء ما نصه: " ... في الدنمارك على سبيل المثال، فإن قوانين الزيجات المدنية لكلا الجنسين موجودةمنذ عام ١٩٨٩، فيما تبعت دول أخرى من الدول الاسكندينافية هذه التشريعات فيالتسعينات.

стр. 595

وكان الهولنديون أول الشعوب التي ألغت الحواجز بين الزيجات التي تربط بين رجلوامرأة والمثليين، وتبعتها لاحقاً بلجيكا. وفي أمريكا الشمالية كانت كندا سباقة في مضمار العفن والرذيلة هذا عندما أعلنت في يونيو/حزيران عن خطط تتعلق بتشريع زواج المثليين، حيث شهدت لاحقاً مدينة أوتاوا قدومالعديد من المثليين إليها لعقد زواجهم. كذلك فإن اللواط أو اشتهاء المماثل في دول إفريقية عدة يعتبر أمراً مخالفا للقوانين، فيما زواج المثليين يعتبر مسألة بعيدة كل البعد عن التفكير بها، لكن فيجنوب إفريقيا بدأت جماعات المثليين بالمطالبة بهذه الحقوق مؤخراً. أما في اليابان فإنه لم يعد ينظر إلى اللواط أو السحاق كمرض نفسي، إلا أن العديدمن المثليين لا يزالون يعيشون تحت ضغوط اجتماعية، مع أن اليابان تعتبر أقل اكتراثاً بخطر هذه المسالك من معظم الدول الآسيوية. أما الدول الكاثوليكية مثل إسبانيا وإيطاليا فإنها ترفض الاعتراف بحقوق المثليين، وذلك بعد الموقف الرافض من الفاتيكان لهذا الرباط، غير أن هناك استثناءاتمهمة. ففي البرتغال وإقليم الباسك في إسبانيا، فإن الأزواج المثليين الذين يقيمون مع بعضهما البعض منذ أمد ليس بالقصير يحصلون من المعونات الاجتماعية مثل ما يحصل عليها الأزواج العاديون، وفي العاصمة الأرجنتينية بوينس أيريس فإن الأزواج المثليينيمكنهم التسجيل لعقد رباط مدني. أما فرنسا وألمانيا فلديهما قوانين تشرع الرباط المدني، فيما بريطانيا بدأت الاستعدادات لتبني مثل هذه التشريعات" (١). وهكذا يستشري الشذوذ في تلك المجتمعات التي لاترعى للاختلاط حرمة، ويتقدم ليقتحم الكنائس والبيع، وقد أثارت الصحف الأمريكية قبل حوالي ستة أشهر، نبأ انتخاب "جين روبنسون" أول أسقف شاذ للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، التي تضم حوالي ٣.٢ مليون نصراني، ينتمون إلى الكنيسة الانجليكانية، يباركهم جميعاً هذا القس الشاذ (٢)! " ولن تعجب كثيراً إذا علمت أن اليهود كان لهم السبق في دعم مثل هذه التوجهات الشاذة في خطوة غير مسبوقة عندما صوت الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ وذلك في المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية حيث صرح رئيس المؤتمر [تشارلز كرولوف]:'إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم'،ومنذ عام ١٩٩٥، والحركة توافق على تعيين حاخامات مثليين" (٣).

стр. 596

وعلى صعيد آخر ضرب آخر من الشذوذ تراه يستشري في تلك المجتمعات ألا وهو اقتراف الفاحشة مع المحارم وقد قال بعض باحثي تلك الأمم منذ قرابة الثلاثة عقود: "إن هذا الأمر لم يعد نادر الحدوث، وإنما هو لدرجة يصعب تصديقها، فهناك عائلة من كل عشر عائلات يمارس فيها هذا الشذوذ" (١). "فهذههي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسيالشاذانتشاراً ذريعاً. بغير ما مسوغ إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح، وعن منهجالحياةالذي يقوم عليه. وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياةالإنسانيةلغير اليهود، بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي .. كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجابالمرأة هو الذي ينشر هذهالفاحشةالشاذة في المجتمعات! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون. ففي أوروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى -كما في عالمالبهائم! وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص! ولايقتصرعلى الشذوذ بين الرجال؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء. . ومن لا تخرقعينيههذه الشهادة فليقرأ: (السلوك الجنسي عند الرجال) و (السلوك الجنسي عند النساء) فيتقرير (كنزي) الأمريكي. . ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها إلى حجاب المرأة. لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون، ووصايا مؤتمراتالمبشرين! " (٢). إن من أعظم أسباب الشذوذ اضطراب الأسرة، وانشغالها عن رعاية بنيها، ولهذا كان من البدهي استشراء الشذوذ في الغرب الذي بات مصير الأسرة فيه مهدداً بالانقراض إثر الانحلال المتفشي. فعندما تهمل الأسرة أبناءها، تكون النتيجة المرتقبة انحرافهم بأشكال مختلفة، قد يمثل الشذوذ أحدها، خاصة عندما ينشأ الأولاد في أسر استرجلت فيها النساء، أو في مجتمع سُلب ذكوره الرجولة. يقول صاحب الظلال: "إحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف. لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة .. شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ. شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! -وبخاصة نظرية فرويد- ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس.

стр. 597

نعم .. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها. إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوما أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد؛ وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء! وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة. وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود. إنالميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قدناطبه امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها، فهو ميلدائميسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته؛ وتدفع به إلى الإفضاءالماديللحصول على الراحة، فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة " (١). وبعد ذلك كله فإننا لاننكر أن يكون الشذوذ ظاهرة ربما عرضت لنفر منبوذ -لا يراعي للاختلاط حرمة- في مجتمع عربي! أما دعاة الفصل والنأي عن أسباب الفتنة فهم أبعد الناس عنه وأسلمهم منه، لكن ما نستهجنه محاولات تسويغ الدعوة إلى الاختلاط بدعاوى سمجة، بالإضافة إلى تحليل أسباب ظاهرة الشذوذ في المجتمعات العربية تحليلاً سطحياً ساذجاً، يضحك به على البسطاء، ثم اقتراح عقار آخر يضاعف الداء، بهدمهم لتدابير الإسلام الإيجابية كحضه على الزواج، وترخيصه -كالأديان قبله- في الإماء، وأمره بالصيام، وهتكهم لتدابير الإسلام الوقائية، كالسُتُر الحائلة دون اختلاط الرجال بالنساء. وأخيراً إذا كان إنكار نحو دوران الأرض حول الشمس مثلاً يعد عند بعض المثقفين جهلاً يستدعي منهم نوع ازدراء لقائله باسم العلم والعقل مع أن كثيراً منهم لايملك التدليل عليه لجهله! فإن إنكار بعض المثقفين لأثر الاختلاط بين الجنسين على تأجيج الشهوات والإصابة بداء السعار الجنسي أمر يدعو للاشمئزاز من تلك العقول، المنكرة للفطرة والشعور الإنساني والواقع المشاهد!

стр. 598

الضوابط الشرعية بين الثوري والمهدي د. أحمد بن صالح الزهراني ١٠جمادى الآخرة١٤٣١هـ لا يكاد يمرّ يوم دون أن يخرج صوت جديد يردّ على من يحرم الاختلاط، ويجلب علينا بخيله ورجله، ويحشد الأدلة والبراهين التي يرى أنّها ترد على من قال بتحريم الاختلاط في التعليم وأماكن العمل ونحوها بإطلاق، ويبدأ في سرد الضوابط والقيود الشرعية الّتي يمكن معها تشريع الاختلاط، ومثل ذلك القول بجواز قيادة المرأة للسيارة، ومثله السماح بوجود السينما، وغير ذلك حزمة المسائل المُستحدَثة. أكثر ما يثير العجب في حال هؤلاء المتفقّهة هو الغرور المتناهي، فهل يظنّ هؤلاء أنّ كبار أهل العلم والديانة والعلم بالشريعة وفقه مصالحها ومفاسدها على غفلة وجهل بهذه الضوابط والقيود التي يستطيلون بها على غيرهم؟ دعوني أنقل لكم هذا الموقف: لما استُخلف الخليفة المهدي بعث إلى أبي عبد الله سفيان الثوري الإمام المشهور، فلما دخل خلع المهدي خاتمه فرمى به إليه، فقال: يا أبا عبد الله، هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، فأخذ الخاتم بيده، وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: أتكلّم على أنّي آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني شيئاً حتى أسألك، قال: فغضب من ذلك وهمّ به، فقال له كاتبه: أليس قد أمّنتَه يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى، فلما خرج حفّ به أصحابه، فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمرك أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة؟ قال: فاستصغر عقولهم، ثم خرج هارباً إلى البصرة). أ. هـ بطبيعة الحال أيّ واحد منّا قد يعجب لهذا الموقف من سفيان، الخليفة يفتح له المجال ليعمل بالكتاب والسنّة وهو يأبى ويمتنع؟ أيّ سلبيّة هذه؟ وهذا كان موضوع احتجاج من أصحاب سفيان عليه .. لكن سفيان استصغر عقولهم؛ لأنّه يعلم أنّ الخليفة إنّما أراد أن يتخذ من وجود سفيان في بطانته حجّة على غيره من أهل العلم حين ينكرون عليه، وكان يعرف أنّ مخالطتهم تغيّر القلوب، فكان يقول: إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة والسرج أو اللجام فيتغيّر قلبه لهم. قال ابن المبارك: قيل لسفيان الثوري: لو دخلتَ عليهم، قال: إني أخشى أن يسألني الله عن مقامي ما قلت فيه، قيل له: تقول وتتحفظ، قال: (تأمروني أن أسبح في البحر ولا تبتل ثيابي، ليس أخاف ضربهم، ولكني أخاف أن يميلوا علَيّ بدنياهم، ثم لا أرى سيئتهم سيئة). نعم هذه هي الطّامة وهي ما نعاني منه اليوم: أنّ بعض فقهائنا ودعاتنا للأسف لم يعد يرى السيّئة سيّئة، وأصبح يتأوّل للسيئات بأقبح ما يكون من تأويل. نعود لسفيان: لماذا لم يقتنع بدعوة الخليفة، سأله رجل عن ذلك فقال: لأي شيء تهرب من الرجل - أي الخليفة - والرجل يقول: لو جاء لخرجت معه إلى السوق فأمرنا ونهينا، فقال له سفيان: "يا ناعس! حتى يعمل بما يعلم فإذا عمل بما يعلم لم يسعنا إلاّ أن ننصَب فنعلّمه ما لا يعلم".أ. هـ أي أنّه مفرط في كثير مما يعلم أنّه مخالف فيه للشريعة ويصرّ على مخالفته، فلو صدق في نيته استكمال تطبيق الكتاب والسنة لبدأ بما يعلمه، فعند ذلك يجب علينا أن ننصب ونتكلّف تعليمه ما يجب من الأحكام التي يجب تطبيقها على الناس. عرف سفيان بنور البصيرة الّتي وهبه الله إيّاها أنّه من الخير للعالم الذي يحترم علمه، ويحترم مبادئه ألاّ يشارك في تزكية الباطل، ولو كان بالتضحية في المشاركة في شيء من الإصلاح.

стр. 599

وهنا تتجلّى لنا ميزة يتميّز بها فقهاء السلف هو الفطنة والبصيرة في الدين، فإنّ الواحد منهم لشدّة تعلّقه بالله وتديّنه بدين الله وشدّة اقتفائه الأثر نوّر الله بصائرهم، وأمر آخر لا يقل عمّا مضى وهو تطلبهم الآخرة وشدّة احتقارهم للدنيا، سواء كانت منصباً أم مالاً، أم زوجة، أم غير ذلك من متاعها. العبرة من قصة سفيان: كثيراً ما نسمع اليوم مطالبات من هنا وهناك بأمور تدخل تحت ما حُرّم لأنّه ذريعة للحرام، وأصبحنا نرى تسارع بعض المتفقّهة في تلقّي ما يُلقى إليهم من مطالبات تستظهر الحق وتستبطن الباطل، ويخرج علينا كثير منهم وقد تمّ تلميعهم وتزويقهم ليحتجّوا بظواهر النصوص وعموماتها منزوعة من سياقاتها وسباقاتها على بعض ما يسمّونه حقوقاً، وأكثرها سوءاً وخبثاً ما تم طيّه تحت عنوان حقوق المرأة .. لا ينكر عاقل أنّ المرأة مثلها مثل كل ضعيف تُنتهك حقوقها، وأهل الشريعة هم أوّل من يقف في صفها وصف كل ضعيف مادام المطلب شرعياً لصيقاً بضرورات الحياة وحاجاتها دون أن يكون معبراً للتغريب، وجسراً للعلمنة، وأداة لأهل المنكر. (الضوابط الشرعية) .. هذه العبارة اعتدنا سماعها عند الحديث عن قيادة المرأة للسيارة ووجود المسرح والسينما والاختلاط -وهو حديث الساعة - يردّدها المتفقهة والسياسيون والمثقفون، بل إنّ من ابتذالها أن يحتجّ بها الليبراليون، وهم أكثر الناس كفراً بها، وتمرّداً عليها .. وكلّ فقيه حقيقي نوّر الله بصيرته وألقى عن عينه غشاوة الدنيا، أو غفلة الصالحين وإفراطهم في إحسان الظنّ يعرف أنّ الضوابط الشرعية على الرغم من كثرة من يدافع عنها، ويطالب بتطبيقها من أكثر الضوابط انتهاكاً بلا رادع .. نحن نعيش في حياتنا حالات كثيرة لا يُراعى فيها ضوابط القانون، ولا النظام، ولا الشرع، وفي أمور في غاية اليسر وفيها أصول مسطورة وقواعد مقدورة، ومع هذا فلا راعي لها. خُذ على سبيل المثال الضوابط الشرعية في نظام المواد الإعلامية، فإنّك إذا تتبعتها وجدت غالبها في حكم المهجور أو الملغى .. فعندما يغترّ بعض المتحدثين عن حقيقة ما يُراد تمريره تحت عباءة الضوابط الشرعية فهو بعيد جداً عن حكمة وحنكة فقهاء السلف الذين لم يكونوا يغترون بالكلام والشعارات .. لا ينبغي للعالم والفقيه والداعية أن يجعل من جاهه وصِيته عند الناس وسيلة لتزكية مشاريع التغريب وتسليسها وتليينها لتمر بلا نكير حتى تصبح واقعاً يصعب الانفكاك منه. الموقف الصحيح عند معايشة واقع مثل واقعنا أن نترك التغريب والتغيير عارياً مفضوح النزعة والدوافع والأهداف؛ لأنّ ذلك أجدر وأحرى أن يُغيّر .. أمّا إذا حاول الفقيه المشاركة فيما هو أكبر منه فإنّه لن يمكنه أكثر من يكون بطاقة مرور للمشروع وشهادة تزكية مزوّرة. عندما قال ميمون بن مهران - وغيره من السلف-: ثلاث لا تبلون نفسك بهن وذكر منها: (لا تدخل على السلطان وإن قلتَ آمرُه بطاعة الله) لم يكن غافلاً عن فقه المقاصد وفقه المفاسد والمصالح، كما يظن بعضنا أنّه يتقن هذا الفن أكثر منهم، ولهذا لم يختلفوا في القرب من عمر بن عبد العزيز؛ لأنّهم يعرفون منه الصدق في تطبيق الكتاب والسنة، لا الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، كما يفعل بعض أهل السياسة في عصورنا هذه، ومن الحماقة أنّ يظنّ شخص أنّهم أكثر قرباً إلى الله ورسوله، وأكثر رغبة في تطبيق الشريعة من خلفاء بني أمية. وعوداً على بدء فإنّ توظيف الضوابط الشرعية في الاستدلال لجواز هذه المطالبات هو كلام لا معنى له؛ إذ نظرة واحدة فيما حولنا ندرك أنّ كثيراً من الأمور تسير في حياتنا دون اهتمام ولا مراعاة للضوابط الشرعية، فكيف يمكن لعاقل أن يصدق واقعية أو حقيقة التعهّد بمراعاة الضوابط الشرعية في قيادة المرأة أو السينما أو الاختلاط البريء أو غير ذلك من شعارات أهل الباطل لمرحلة جديدة وخطيرة تمر بها بلادنا؟ مرحلة إن لم نتنبّه لها ونعي خطورة المشروع التغريبي الذي يُبنى فيها، ويُؤسّس له على أرضنا، وندرك أبعاده فستكون نقلة كبيرة واسعة تزيد من عرض البرزخ الذي يفصلنا عن الكتاب والسنة. والله المستعان.

стр. 600

عصر دبلجة الواقع إبراهيم بن عمر السكران ٩ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ الحمدلله وبعد،، تستحق هذه المرحلة التي نعيش فيها أن تسمى حقبة (دبلجة الواقع) .. فكتابات الطوائف الفكرية المعاصرة اليوم هي أشبه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاب نزيه يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو .. ولذلك فالصور التي ترسمها الطوائف الفكرية عن الواقع الإسلامي كلها -تقريباً- صورٌ قد تمت معالجتها بالفوتوشوب الفكري .. وتدهشني للغاية قدرات الخداع التصويري الذي تمتهنه هذه الطوائف الفكرية في مقالاتها الصحفية وحواراتها الفضائية. دعونا نقف سوياً على نماذج طريفة من هذه الفبركات التي أنتجتها استديوهات الفكر العربي والمحلي المعاصر: - تحدثنا الطوائف الفكرية كثيراً عن أن الفتوى المحلية عندنا لديها مغالاة في (سد الذرائع) وأن مشايخنا يسدون كل ذريعة، وأنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع، وبعضهم يقول: كل ذريعة تتصل بالمرأة فإن الفتوى المحلية تبادر لسدها وتحريمها، فهل هذا التصوير صحيح؟ عدت لواقع الفتوى المحلية فوجدت الذرائع التي فتحها مشايخنا أضعاف أضعاف الذرائع التي سدوها، فكل ذريعة لم تتحقق فيها شروط سد الذريعة فتحوها، خذ فقط بعض الأمثلة: السفر لبلاد الكفار لعلم أو تجارة فيه ذريعة إلى التأثر بالكفار والنظر المحرم وغير ذلك، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا لأنه عارضته مصلحة راجحة. إدخال الانترنت إلى المنزل فيه ذريعة إلى دخول المواقع الفاسدة، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة. ركوب الطالبات في حافلة يقودها رجل فيه ذريعة لفتنته بهن، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة، وهكذا أيضاً: اتصال النساء بالبرامج الفضائية والإذاعية للسؤال والاستشارة بأصواتهن علناً فيه ذريعة إلى الفتنة، اتصال العوائل بمطاعم التوصيل السريع وتوصيف البيت لهم وإيصال الطلبات فيه ذريعة للفتنة، ويوجد في كثير من المشاغل النسائية غرف لتبديل الملابس وفيها ذرائع كبيرة لأن يستغلها بعض ضعاف النفوس ولكن مشايخنا لم يجزموا بالتحريم لأنه لم يتبين لهم إلى الآن كثرة إفضائها إلى المفسدة. ومن الأمثلة العامة أيضاً: السهر في الولائم فيه ذريعة قوية للنوم عن فريضة صلاة الفجر، تأجير الناس الاستراحات وفيها ذريعة لأن يستخدمها بعض المستأجرين في اجتماعات غير مقبولة شرعاً، شراء السيارة للمراهق وفيها ذريعة لأن يستعملها في أغراض مضرة، الخ الخ. وكل هذه الذرائع السابقة لم يحرمها أهل العلم عندنا، وهكذا لو تتبعت احتمالات الذرائع في تصرفات الناس فإنك لن تنتهي، ومع ذلك فإن فقهاءنا الشرعيين لم يحرموا إلا نزراً يسيراً من الذرائع التي تحققت فيها شروط سد الذريعة، وأما هذه الذرائع التي لاتخلو منها تصرفات الناس وأحوالهم الاجتماعية فإنهم لم يسدوها إما لندرة إفضائها إلى المفسدة، أو لأنه عارضتها مصلحة شرعية راجحة، أو ترتب عليها مشقة على الناس تفوق مايتخوف فيها من الفساد، كما قال ابوالعباس ابن تيمية وهو من أشهر الفقهاء الذين احتفو بقاعدة سد الذرائع (الذريعة إلى الفساد يجب سدها؛ إذا لم يعارضها مصلحة راجحة) [الفتاوى ١٥/ ٤١٩]
следующие страницы →