أولاً: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتَبَس عن تشريعات أوروبة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه: أوافق شِرعَة الإسلام أم خالفها؟ ويصرحون - ولا يستحيون - أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين، وأنتم ترون ذلك وتعلمون ... أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا (الدين) الجديد؛ أعني: (التشريع) الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلُّم هذا واعتناقِه واعتقادِه والعملِ به، ذَكَراً كان الابن أو أنثى، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟
وثانياً: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره - سواء مما يجوز تعلُّمه ومما لا يجوز - وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله.
أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخُلُق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبََّاد الشهوات؟ يجب أن نجيب عن هذا أولاً، ثم نبحث بَعْدُ فيما وراءه؛ ألا فَلْيُجبِ العلماء وليقولوا عما يعرفون، وليبلِّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين.
سيقول عني عبيد (النسوان) الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: إني جامد، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فَلْيقولوا ما شاؤوا، فما عبَأْت يوماً مَّا بما يقال عنِّي، ولكني قلت ما يجب أن أقول» (١).
وإنما أطلت في هذا؛ لفشوِّه اليوم بين طلبة العلم، وموافقته لشهوة الرياسة وحبِّ الظهور، وما علم المسكين (صاحب الإرجاء الفكري) أن من كذا حاله رُمِي بعد إتمام الغرض منه، وكَثُر ذامُّوه وقلَّ حامدوه أو عُدِمُوا، وأعظم من هذا: أن الله هو الذي مَدْحُه زين وذمه شين، وإذا أحب الله عبداً أمر جبريل أن يحبه فيحبه، ثم ينادي في الملائكة: أن الله يحب فلان فأحبوه، فيحبونه (٢)، و «من ابتغى رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (٣).
ومن تمسك بالنص الشرعي، وأذعن له فكرُه، وخضع له عقلُه، نجا من هذا الإرجاء، مع تعلُّقٍ بفهم السلف الصالح لا سواه، والبعد عن المحدَثَات الفكرية، أو محاولة تطويع الدين بما لم يأذن به الله، والعلم النظري بأننا في زمن الفتن كما قال ﷺ : «فتن كقِطَع الليل المظلم، يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل» (٤)، ثم تطبيق هذا العلم النظري، مع دعاء الله الثبات؛ كما كان يفعل ﷺ حينما يُكثِر من قول: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» (٥)، ويسأل الله حُسْن الخاتمة.
أسأل الله لي ولك حُسْن الخاتمة.
المصدر: مجلة البيان
стр. 527
الضوابط الشرعية ... رؤية ليبرالية
محمد بن أحمد الزهراني
١٧ شعبان ١٤٣١
كنت شخصيا ممن يرى أن أهل الفضل والعلم - ممن شرفهم الله بالعكوف على البحث والتقصي في معرفة مراد كلام الله وكلام رسوله ﷺ قد يكونون وقعوا في شيء من المبالغة في قاعدة سد الذرائع حتى رأوا سيئا ما ليس بالضرورة يؤول إلى محذور شرعي.
وكنت أقول في نفسي: رحم الله علماءنا وعفا عنهم, إن حدبهم على هداية الأمة وصلتها بخالقها العظيم وهدي نبيها الكريم أدى بهم إلى التوجس من مآلات وهمية هي أبعد ما تكون عن مجتمعنا النقي الذي قد تضلع بكافة أطيافه بالعقيدة السليمة والرغبة فيتمثل هدي الرسول ﷺ مظهرا ومخبرا وإن تفاوت الناس بعد ذلك في هذا التمثل قلة واسكثارا, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والآن وبعد مرور عقد تقريبا على هذه الطفرة الجينية في الخريطة الوراثية لإعلامنا بكافة أجنحته, إلى أين وصلنا؟
تتبع معي أخي الكريم مسيرة طرحنا الإعلامي المحلي عبر العقد الماضي واضرب كفاً بكف حينما يتملكك العجب.
كانت أكثر المقالات الزئبقية تساق متدثرة بلافتات "حسب الضوابط الشرعية"!
كانت البداية الوجلة تبرز قرنها عل هيئة دعوة إلى قبول الآراء الفقهية الأخرى ما دامت حسب الضوابط الشرعية. نعم, فما المانع أن تترك للمرأة الحرية في كشف وجهها ما دام رأيا فقهيا معتبرا يقرها على ذلك؟
وما المانع أن يساهم الشعب في الشركات المساهمة المشتبهة ما دمنا لا نعدم من يفتينا بذلك؟
وما المانع أن نحاور الأديان الأخرى بغية تبيين الحق وإقامة الحجة؟
وما المانع أن يتعلم أفراد الشعب اللعبة الديموقراطية وصناديق الاقتراع ويختارون من يمثلهم في مؤسسات المجتمع المدني؟
اليوم لم نعد نسمع عبارة "حسب الضوابط الشرعية" فقد وسدت التراب إلى جانب العبارة الشهيرة " نشجب ونستنكر الانتهاكات الصارخة للعدو الصهيوني" ,فأحسن الله عزاء الجميع في العبارتين.
نعود إلى طرحنا الإعلامي لنرى عن ماذا تمخضت هذه الدعوات المتنسكة بالضوابط الشرعية؟
حرب شعواء ضد الجهة الوحيدة المخولة لوضع هذه الضوابط الشرعية, إسقاط لرموز أرباب المعرفة بالعلم الشرعي والدعاة إلى الاحتكام لشرع الله المطهر.
من منا ينسى تلك الليلة الليلاء التي تقاسم فيها القوم على أن يبيتوا أحد أعلام المعرفة بالضوابط الشرعية التي يتشدقون بها ثم بعد أن جاءوا على قميصه بدم كذب وتم لهم ما أرادوا, خرجوا بكل صفاقة ليقولوا "ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون"!!
لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء ليعرف مدى كذب دعوى الضوابط الشرعية, بل ليس الأمر أبعد من شخص قدم لك لحم خنزير وقال لك "تفضل, مذبوح بالضوابط الشرعية".
وإن أردت الدليل على ما أقول فعليك برصد الجناح المرئي لإعلامنا وكيف انه قد استحال في كثير من برامجه إلى عروض للأزياء ومتاجرة بهذه المشاهد , فقط لنرفع أسهمنا عند "الآخر" ويشهد لنا بالوسطية والاعتدال كما يراها هو.
رجل وامرأة قد لبسا وتزينا و"تمكيجا" ثم "انتصا" ليتحادثان ويتمازحان طوال ساعات الصباح وكأنهما في "صباحية مباركة" ... !! تدشين أول فيلم سينمائي احتشد فيه كل شيء .. إلا الضوابط الشرعية طبعا!!
دعوات لصرف قضايا اعتراض على بعض الكتابات والسلوكيات عن مسارها الشرعي إلى مسار خرج من عباءة ثقافة"الفيتو" الغارقة في الظلامية والجاهلية.
مهرجانات غنائية أدركتها حمى الطفرة الجينية لتطعم المهرجان الغنائي السنوي بأصوات ناعمة غابت صورها هذا العام , ولو حلفت ما حنثت أنها ستظهر في العام القادم .. وليس الذي يليه.
стр. 528
احتفالات صيفية على شرف "نجوم ونجمات" الفن الكوميدي في ليلة جنوبية رقصت طوال ساعات الليل على جثمان الضوابط الشرعية.
دعوات لحوار الأديان لم تكن إلا دعوة لإخاء الأديان , تبشر بها أجنحة إعلامنا المختطفة بعبارات لا تحتمل تأويلا " نريد الناس أن يتمسكوا بالأديان الإبراهيمية الثلاثة ففيها الخير للإنسانية جمعاء ... قرآن .. توراة .. إنجيل .. "
وإن شئت لقلت: إنها دعوة لا تهدف إلا إلى إحراز تقدم سياسي اتخذت من هذه الدعوة وسيلة لا غاية.
بل حتى التجربة الخداج لإشراك الشعب في اتخاذ القرار فيمن يمثله وئدت في مهدها والأسباب قيدت ضد مجهول لكن هناك أخبار تؤكد أن الشعب لايزال على قدر من الجهل والسطحية, فلم يكن قادرا على استيعاب التجربة الانتخابية ويؤيد ذلك نتائج الانتخابات!!
ولكنه قطعا سيكون أكثر نضجا بعد أن يروض إعلاميا وثقافيا و"ابتعاثيا!! " , وحينئذ ستطرح التجربة مرة أخرى لأن النتيجة ستكون مرضية كما يريدها المخرج!!
أيها الضوابطيون ومن مكّن لهم , قولوا لنا بربكم من قال من أهل العلم بهذه الصور التي تزعمون أنها لا تخرج من عباءة الشريعة؟
ثم هنا سؤال آخر يلح بشدة , لو استوردنا لكم أراء فقهية من الخارج , هل ستستوعب هذه الآراء تطلعاتكم ورؤاكم المستقبلة؟ أجزم أنكم ستقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.
وهل أجدت أراء علماء الشام ومصر فيما يتعلق بحجاب المراة وعملها وما يتعلق بالفن والتمثيل والحرية الدينية والعقدية, هل أجدت شيئا أمام المد الشرس الذي مارسه أسلاف هؤلاء "الضوابطيين"؟
ما عليك إلا أن تنظر بأم عينك إلى واقع تلك المجتمعات التي باتت تردد:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
والله لا على ضوابطكم وثوابتكم أبقيتم , ولا بالديموقراطية رضيتم!! ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾.
اللهم إني أبرأ إليك من هذه الانتهاكات التي ترتكب باسم الضوابط الشرعية.
اللهم إني أعتذر من عجز الثقات وأبرأ إليك من جلد الفاجر.
стр. 529
منع غطاء الوجه والتذرع بالذريعة !
إبراهيم الأزرق
١٧ شعبان ١٤٣١
من حجج الحكومات المستبدة بأكثريتها باسم الديمقراطية في منع النقاب أو غطاء الوجه ضرورة التعرف على الشخصية زعموا، وذلك لدواع أمنية.
ومن العجيب أن يبدي قناعته بهذه الدعوى أو يقرها صامتاً عنها بعض المغفلين الذين دأبوا يشنعون على أهل العلم الذين يعتبرون الذرائع الحقيقية، فينبذونهم بالنعوت والألقاب، ويتهمونهم بالتضييق والتعنيت، أما تصرفات الحكومات الغربية من نحو الفرنسية والبلجيكية فتلك هي الحكمة وذلك هو الفقه الذرائعي المعتبر!
مع أن أهل العلم المحققين لا يحرمون من الذرائع إلاّ ما كان قطعي الإفضاء إلى المحرم أو أغلبيه أو كان محتملاً لكن الطبع متقاض لإفضائه، وأما ما يفضي أحياناً فحكمه بحسب المصلحة من ذلك الفعل. أما هؤلاء المتبلجكون والمتفرنسون فيسدون من ذرائع العفة الغالبة أظهرها، ويمنعون من ذرائع المفسدة المتوهمة واحدة من أسمجها!
ولو تساءلنا كم من جريمة في فرنسا أو بلجيكا قد ارتكبت؟ وكم تلك التي كان النقاب سبباً فيها لعلمنا تفاهة الذريعة المدعاة!
إن من الطبعي أن يدعي خبيث أن النقاب أو غطاء الوجه يساعد على ارتكاب الجريمة، ويمنع من التعرف على الجاني، لكن من الغباوة أن نعتقد بأن المجرم إذا جاء يخطط لتنفيذ جريمته فسوف يُعِدُّ الغطوةَ ليعصب وجهه، والجلباب ليَشُلَّ حركته! ربما غاب هذا عن غربي لم يمارس هذا اللباس، وغاية ما يتخيله عنه ما يراه في أفلام النينجا! لكننا معاشر الشرقيين ندرك أن هذا اللباس يقيد حركة المرأة نوعاً ما بحيث لا يدع لها من المجال ما يحتاجه اللص أو المجرم في حركاته ووثباته وركضاته وانثناءاته! والاحتجاج لمنع غطاء الوجه بدعوى الدوافع الأمنية في نظري يشبه الاحتجاج بنفس الدعوى من أجل منع لبس الكعب العالي المُعيقِ عن الحركة! فمن يدري ربما أخرجته وضربت خصيمتها به في يافوخها فكان أمضى من سكين، وربما قذفت به في وجه آخر فكان أنفذ من رصاصة! نعم إنها ذريعة واردة بمنطق فقهاء فرنسا ومشرعي بلجيكا! وإني لا آمن أن تكون نهاية الخطوات المقبلة منع المرأة من الخروج بسوى البكيني في تلك الدول منعاً لذريعة ارتداء الحزام الناسف أدنى الثياب، وليتبين أمر الحوامل من الانتحاريات! إنه فقه مشرعي الكفر فلا عجب! وأعجب منه كلام بعض المستغربات وقالوا: لا تثيروا ضجة ومعركة في قضية لا تسوى -وقاتل الله التأويل الذي أداهم إلى أن بعض أوامر الله لا تسوى- فهؤلاء ربما أفاقوا إذا قررت تلك المجتمعات الخطوة التالية وهي منع الخمار أو غطاء الرأس مطلقاً!
وإذا بدت لك سخافة الذريعة التي يدافع عنها بعض مناهضي قاعدة سد الذرائع في الإسلام مع موافقتها المنقول والمعقول، فاعلم أن للقوم حجة أخرى وهي المنع من غطاء الوجه من أجل التعرف على المجرمين والفارين من وجه العدالة .. ومع أني أعتقد أن هذه مجرد مراوغة لا حقيقة لها، لأن هذا الزي في تلك البلاد مدعاة لاسترعاء الانتباه وتتبع صاحبه من أين يخرج وإلى أين يذهب، وماذا يفعل، لا صرف الأنظار عنه وغض البصر عند مروره! ولأن صويحباته قلة معروفة في مجتمعاتها، ولو أن مجرماً فرنسياً لبس العباية والنقاب ثم خرج لقفش عند عتبة بابه، ولأن التحقق عند الريبة من الشخصية المنقبة ممكن، ولأن الأجدر في التنكر استخدام أساليب أخرى يغير فيها المجرمون خلق الله، بل الأمر لا يستدعي ذلك فعندهم من المساحيق والأشعر المستعارة والأصباغ والأقنعة والنظارات الشمسية ما يباع مشاعاً وهو كفيل بأن يؤدي للمجرم تلك الوظيفة بكل يسر، مع كل ذلك فلو فرضناها دعوى هم صادقون فيها من جهة قصدهم، لحق لنا أن نُبَشِّع بمقصدهم ونيَّتهم المنطوية على اتهام الأبرياء، فعجباً لدولٍ ديمقراطيةٍ البريئةُ فيها متهمةٌ مطالبة بفعل ما يثبت براءتها! كأنهم يقولون لتلك المنقبة المحتجبة أنت متهمة بأنك (جاك مسيرين) فأثبتي خلاف ذلك! والأدهى أنها إذا أثبتت أنها فلانة بنت فلان فعليها حينئذ أن تدفع غرامة! فهل عهدتم دولةً مستبدةً في شرقنا البريئات المنقبات فيها متهمات حتى يدفعن بالبراءة ويبذلن بعد ذلك غرامة؟ لا جرم فقومنا أبرياء من ديكتاتورية الأكثرية في النظم الديمقراطية! كما أن شعوبنا برءاء من التسلط على الأقليات بالأهواء، أما في فرنسا فتوشك ألا تأمن منقبة بعد قليل إذا هي سارت في حدائق بولوني أن يقوم ثلة من العراة الذين يحق لهم نظاماً التسكع هنالك بالاحتساب النظامي عليها عبر الجوال، ليجيء مقلعاً (جيب) هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف الفرنسية - أو سمِّه ما شئت - متلافيا أجساد العراة، ليعتقل المنقبة!
стр. 530
الفتوى ومسألة الحرية
محمد السعيدي
١ شعبان١٤٣١هـ
الحرية بدلالتها المصطلحية ماسونية الأصل غربية الولادة والمنشأ، وقد وردت إلينا مثقلة بدلالاتها العقدية والاجتماعية والسياسية بحيث أصبح نقلها إلى دلالات أخر لم يجمعها بها أصل ولا منشأ شبه متعذر إلا إذا قبلنا تشويه المدلولات المعهودة لنا بحشرها تحت مظلة هذا المصطلح الغريب في دلالته على ثقافتنا، وإن لم يكن غريبا من حيث تكوينه اللغوي.
جاء إلينا هذا المصطلح كالزيت الساخن الذي يشوه كل ما يغمس فيه، ورغم ذلك فقد سارعنا إلى غمس أجمل ما لدينا داخله دون أن نلتفت إلى حجم ما يلحقه ذلك فيها من أضرار.
أصبحنا نكرر دون أن ندرك تماما ما نقول: حرية العقيدة، حرية الفكر, حرية التعبير, حرية الرأي، حرية المرأة، حرية الاقتصاد.
حاول بعض المفكرين منذ مطلع القرن الحديث استغلال هذا البريق المنطلق من هذا المصطلح للدعوة إلى الإسلام فنادوا لأجل ذلك بأن الإسلام دين الحرية أو أن الإسلام جاء بالحرية، لكن هذا النداء لم يكتب له الرواج كأسلوب للدعوة إلى الإسلام، لأن المستهدف بهذه الدعوة يفهم هذا المصطلح على وجه لا يمكن أن ينطبق على الإسلام أبدا.
لن ينطبق على الإسلام حتى لو أضفنا اشتراط الضوابط لتكون الحرية إسلامية، لأن تلك الضوابط سوف تكثر وتكثر حتى لا يمكننا أن نصدق إلا مجاملة لأنفسنا أن الحرية تتفق مع الإسلام.
وصل تشويه مصطلح الحرية إلى الفتوى التي هي في الأصل اجتهاد في الإخبار عن مراد الله تعالى من أحكام تكليفية على أفعال العباد، ومع ذلك أصابتها في أيامنا الأخيرة آفة الحرية، فأصبحنا نسمع عن حرية الفتوى، أي حرية القول على الله تعالى، وحرية التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكنت أسمع مثل هذه الدعوى من بعض الكتاب في صحافتنا والصحافة العربية ولم أكن أقابلها بأكثر من زم الشفتين والدعاء لهم بالهداية، لكنني اليوم أصبحت أقرؤها في بعض الكتابات التي تنحوا منحى العلمية والتأصيل، وفي كثير من تفاعلات القراء على ما يكتبه العديد ممن ينادون بضبط الفتوى في أيامنا هذه.
من هنا بدا لي أن مصطلح الحرية بحمولته الماسونية وصل في فكرنا المعاصر إلى حد ينبغي أن ينتبه إليه، فقد وصل إلى حيث لا ينبغي أن يصل.
إن الحرية لم ترد في مصادر الإسلام إلا في مقابل الرق ولم ترد أبدا في معناها الذي نروجه اليوم لها، بل إن هذا المعنى الذي ندعمه جميعا اليوم للحرية لا يمكن أن ينسجم مع ما جاء به الدين من تفاصيل تقيد حياة العبد من حين يستيقظ إلى أن ينام مرة أخرى، بل حتى في أثناء نومه ربما نقول إن أحكام الشريعة لا تفك مرتبطة به.
فالإنسان مستعبد لله تعالى اضطرارا والمسلم مستعبد له اختيارا، هذا هو المعنى الذي ينبغي أن نقرره وننطلق في فهمنا للحياة من خلاله، فالمسلم عبد لله في عقيدته وفكره ورأيه، رجلا كان أم امرأة، لا فكاك للرجل عن عبودية المولى كما لا فكاك للمرأة.
والفتوى أخص من ذلك فهي في ذاتها عبادة لله كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي فرض عين على من تعينت عليه وفرض كفاية على من تأهل لها وحرام على من ليس كذلك.
إن شأن العبادات أن تستكمل شرائطها وهي لوازم صحتها التي تسبقها، وأركانها وهي لوازم صحتها التي تصاحبها، وواجباتها وهي أجزاؤها التي تتكون منها، ومن تعمد أداء العبادة دون تحصيل الشرائط وإقامة الأركان والواجبات فقد ارتكب إثما ووطئ حراما، كما أن للعبادة أيضا أوقاتها التي لا تصح في غيرها.
ولا تختلف الفتوى عن أخواتها من العبادات في شئ من ذلك أبدا، فلها شرائط وأركان وواجبات وسنن وآداب يعرفها كل من درس الفتوى واتقى الله في أدائها.
стр. 531
فمن أداها ولم يستكمل شرائطها فهو كالمصلي على غير طهارة أو الصائمة في وقت العذر لا يحصلان مما فعلا إلا معصية لا يلغيها عنهما إقامتهما لتلك العبادة صحيحة الظاهر في أعين الناظرين.
وكل تلك القيود تنافي مقالة اللاهجين بحرية الفتوى، المستطيلين عليها دون قيود أو حدود.
بل ثمة قيد مهم قد يخفى على بعض المحصلين لشيء من مقومات الفتوى، ألا وهو الحكمة في بيان العلم وحساب مآلات الخطاب ولوازمه، فإذا كان الناس على خير واجتماع على فتوى صحيحة فليس من الحكمة بل ليس من الدين أن تفرق جمعهم وتشيع الفوضى بينهم من أجل رأي رأيته يخالف ما انطوت عليه صدورهم وتقبله سائرهم إلا عند من اختصك بالسؤال وطلب منك المشورة فلك أن تحيله إلى رأي الكافة ولك أن تخبره بما توصل إليه اجتهادك إن كنت من أهل الاجتهاد، دون أن تتكلف إشاعة الفوضى ومصادمة الناس، هذا فيمن استكمل شرائط الفتوى وأركانها، وللسلف في ذلك أخبار عجيبة لعلي أفرد لسردها مقالا خاصا، وقد بلغ من عنايتهم بهذا الملحظ أن يقول علماؤهم: قد يكون من السنة ترك السنة، وقد شرح ذلك ابن تيمية ﵀ في القواعد النوارنية بأن ترك بعض السنن أولى من فعلها إن رأى المفتي أن في إظهارها شئ من مفاسد الفرقة والضوضاء، قال ﵀ عند حديثه عن خلاف العلماء في البسملة في الصلاة: (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي تغيير بناء البيت لمارأى في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما وقال: الخلاف شر).
وكما أن الخلاف شر في نص ابن مسعود ﵁، فإن استبدال الحديث عن تمحيض الاستعباد لله تعالى بالحديث عن الحرية والتغني بها شر أيضا والله المستعان.
стр. 532
الثورة الإصلاحية وكَشْفُ المُغَطَّى
ناصر العلي
جامعة أم القرى
١ شعبان ١٤٣١هـ
الإصلاحُ كلمةٌ لها بريقُها ورونقُها، ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾. والفساد ممقوتٌ ممجوجٌ، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وكفى بالإصلاح شرفًا ومطلبًا أن يدَّعيَه كلُّ أحد، ولو كان منافقًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾
ولأن مركبَ الإصلاح مُوَطَّأُ الأكناف، استوى على ظهره، وامتطى صهوةَ جوادِه كلُّ زاعم للإصلاح، سواء ممن في قلبه مرض، أو ممن حسنت سريرته، لكنه حاد عن جادَّة الطريق: "فكم من مُريدٍ للخير لا يصيبه! ".
فأما الذين في قلوبهم مرض، وفي منهجهم دَغَل، وفي تفكيرهم خلل، فبينهم وبين المؤمنين بُعْدُ المشرقين: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾.
لماذا؟؛ لأن مرجعية التحاكم متضادة، هم يحاكمون الناس إلى العقل والليبرالية والغربية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾، بينما علماء الشريعة يقولون لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾.
ولهذا فلا غَرْوَ أن ابتدع التغريبيون تصنيف المجتمع إلى: إصلاحيين (يعنون أنفسهم، ومن دار في فَلَكِهِم من الشرعيين المنفتحين المتساهلين المتلاينين)، ومحافظين (يعنون العلماء والدعاة الجامدين التقليديين المعوقين مسيرة الإصلاح في نظرهم).
وأَيْمُ الله! ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾؛ لأن وصفَ المؤمنين - من الأنبياء والعلماء والصالحين - بالفساد، ونَزْعَ صفةِ الصلاح عنهم غَدْرةٌ يهوديةٌ: ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾، وهي أيضا شِنْشِنَةٌ فرعونيةٌ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
لكنَّ اللهَ ﷻ الذي يعلمُ المصلحَ من المفسد - حدَّدَ معيارًا كاشفًا لحقيقة الإصلاح في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. ولهذا كان الأنبياء - والعلماء ورثة الأنبياء - هم الإصلاحيين الحقيقيين، قال شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
стр. 533
وفي غضون السنين الأخيرة تفاقمتْ حِدَّةُ الناقمين على العلماء عامَّةً والمفتين خاصَّةً المعروفين لدى كافَّة الناس أجمعين. فنبتت نابتةُ ثوارٍ إصلاحيين من: منافقين مفسدين (ممن في قلوبهم مرض). وشرعيين متعالمين ليس لهم في العمق العلمي وِرْدٌ ولا صَدْرٌ. وشرعيين عالِمِين مُسْتغفَلين، يُستكتبون ويُستفتون، فتقع منهم موبقات حين يقصدون مجرد الإفتاء، بينما مُسْتغفِلُهم يقصد التوظيف الفكري لخدمة مُبَيَّتَاتِه فحسب.
إن العجب ليأخذ منك كل مأخذ حينما ينبري من كان أَحَبَّهم الناسُ لحبهم سنة النبي ﷺ واشتغالهم بحديث المصطفى ﷺ ، ومن كان يترنَّم بآياتِ الذكر الحكيم، ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن كان يدعو الناس إلى الخير، ومن كان يخطب خطبة تسير بها الركبان، ومن كان يلقي درسًا أو محاضرة يحتشد لها الألوف ثم يعلن عن منهجِ حِقْبةٍ جديدةٍ، ومسلكِ إصلاحٍ قادمٍ وخطابٍ تجديديٍّ متناغمٍ مع ما يُراد عالميًّا ومحليًّا.
مَنْ مِنَ الناس لا يهوى الإصلاح والتجديد في زمن فُشُوِّ الفساد والركود!!. لكن بكل خيبة أمل، لم تكن أطروحاتهم الإصلاحية الثائرة سوى الهجوم على الفتاوى السائدة، والمنهجِ الذي ارتضع الناسُ لَبَانَه، واقتنعوا بصحته بالدليل والبرهان، عنوانه: "ما أنا عليه وأصحابي".
إنك لا تكاد تبصر في مقالاتهم نور الوحيين، ولا تقرأ فيها آيةً أو سنةً، بل يكررون ذات المضامين الليبرالية، لكنْ المتحدثُ الرسميُّ بها "شخصيةٌ ذاتُ صبغةٍ شرعيةٍ"؛ لعلها تحقق الغرض الذي عجز عنه أساطينُ الحرية والعلمنة.
إنني لست ألج باب النوايا، فلعلها حسنة، ولكني آسى على الاستغفال الكُبَّار لهؤلاء الشرعيين حينما يكونون أدواتٍ بأيدي المفسدين (الإصلاحيين زعموا)!.
إن المجتمع المحافظ على دينه، المستمسك بكتاب ربه، لما رفض الأفكارَ الفَجَّةَ التي تُسمّى "إصلاحية"، عمد المفسدون إلى أسلوب إلباسِها اللُّبوسَ الشرعي، بتسخير مَنْ يتَتَبع المتشابهاتِ ابتغاءَ الفتنة (منهج الذين في قلوبهم زيغ)، والإعراضِ عن المحكمات (منهج الراسخين في العلم).
إن المفسدين في الأرض باتوا ورقةً مُهْتَرِئَةً، صَكَّت الناسُ آذانَها عن سماع ضجيجهم وفحيحهم، فلجؤوا إلى التترس ببعض الشرعيين؛ لعل فتوىً شاذةً من هنا، أو هجومًا كاسحًا على العلماء من هناك، يجدي فتيلا في تزهيد الناس في تلقي ثوابته الدينية التي تقف صخرة شماء تنكسر عندها قرون الناطحين لها.
يا ناطحًا جبلاً يومًا لِيُوهِنَهُ أَشْفِقْ على الرأس لا تُشفق على الجبل
إن مما يبتهج به فريقُ حملة المشروع الإصلاحي المفسِد أو المستغفَل أن ثورة المعلومات أحدثت هِزَّةً بل زلْزلةً في القيم والعادات، أكانت هزةً حميدةً أم خبيثةً؟ ليس مُهمًّا عندهم، المهم الثورة على السائد. هؤلاء الثوّار أَرْغَوا وأزْبَدوا على الفتاوى السائدة، يا وَيْحَها!! لِمَ لا تحكي الخلافَ الفقهي؟! لماذا تُلْغِي الرأيَ الآخرَ بغير سبب يُوجب الإلغاء؟. وما أدراهم بأنه لا سبب يوجب الإلغاء؟!
عَجَبٌ ما ينقضي منه العجب!! يريدون عَرْضَ الفتاوى لعامة الناس على طريقة "الفقه المقارن"، تلك المادة التي يستصعبها كثيرٌ من طلاب الجامعات. وكأن المطلوبَ تعليمُ العوام وتدريبُ المستفتين وفق منهج "بداية المجتهد ونهاية المقتصد".
стр. 534
وراح الإصلاحيون الثائرون يراهنون على جمهور الناس بأنهم فقدوا الثقة في علماء الإفتاء الرسميين!. ولستُ أدري سرّ هذه المراهنة، ونحن نشاهد برامج الإفتاء في الإذاعة والتلفاز والمواقع الإلكترونية يتقاطر عليها الناسُ زُرافاتٍ ووِحْداناً من شتى بقاع الدنيا بالاستفتاءات، وليس ثمّة من المفتين - في الأعم الأغلب - سوى المحافظين على دينهم الراسخين الثابتين في خِضمّ الانقلاب الحاصل.
وربما تحجج الثائرون الناعون على العلماء باستقطاب الفتاوى الشاذةِ المسْتَغرَبةِ الجماهيرَ المسكينةَ المنْخَدِعةَ عبر السنين بالفتاوى السائدة!!
فوَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! ما جرى هذا الاستقطابُ - إن سُلِّمَ زَعْمُه - إلا لتلميعِ الإعلامِ الرؤوسَ الجُهَّالَ ذوي الأقوال الجاهلة الموافقة للأهواء، مصداقًا لحديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه.
إن ثوار الإصلاح يتخيلون أوهامًا، ويبنون عليها كلامًا. ويَنْسِجون تُهمًا ضدَّ علماءِ الفتوى المعروفين، فيصدّقونها، ويَقْسِرون الناس على تصديقها قسْرًا، وما هي إلا هُراءٌ جِزَافٌ.
تخيلوا إصلاحيًّا شرعيًّا يُلصق تهمةً - لا أساس لها من الصحة - بالمفتين من العلماء أنهم يتبعون سياسة كتمان الأقوال الفقهية المعتبرة، تمَّ الكشف عنها بوسيلة لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وبالنشر الصحفي للآراء الغريبة، والفتاوى الضالة، والأقوال المنحرفة.
والأغرب من ذلك - وهذا من غرائب المحاكمات الإصلاحية في زمن الديمقراطيات - الإلحاح بمطالبة العلماء بتصحيح مسيرتهم الإفتائية بالتوبة النصوح وفق شروطها الأربعة: الإقلاع عما هم فيه من التشنيع على الأقوال المعتبرة، والندم على ما بدر منهم من فتاوى لم يحكوا فيها خلافا، والعزم على ترك العودة إلى طَيِّ الخلاف وكتمانه مستقبلا، والاعتذار الجميل لكلِّ مفتٍ إصلاحيٍّ أُسِيء إليه يَتَّبِع سياسةَ بسط الخلاف الفقهي للمستفتين العوام.
أرأيتم حجم الشَّطَح، وعمق الهُوَّة، وفداحة الأوهام التي تُعَشْعِشُ في أفهام الثوار المصلحين الجدد.
وبميسورك الكشفُ عن فِرْيَةِ هذا الزعم الإصلاحي في ترميم الفتاوى بطرح هذا التساؤل: ما الذي طرأ على مشهد الفتاوى في غضون السنوات الأخيرة؟!
إننا لم نسمع أو نقرأ أقوالا وجيهة أو خلافا معتبرا أو آراءً لها حظُّها من النظر، وما دامت كذلك، فلا ضير من إغفالها، من بعد ما تبيَّن أنها أطروحاتٌ شاطَّة، وآراءٌ شاطحة، وفتاوى شاذة.
إن أدعياء الإصلاح مطالبون بحشدِ طائفةٍ من الأمثلة - ولا يكفي المثالُ ولا الاثنان ولا الثلاثة - التي باستقرائها وتتبعها يظهر المخبأ الذي كان يستبطنه العلماء حينًا من الدهر، فانكشف بضغطة زر.
وإلا فَلْيَصدقْ فيهم قولُ الشاعر:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياء
وحينئذٍ فليكشفوا هم مُغَطَّاهم، وأسرارَ ثوراتهم، وارتدائِهم سرابيل الإصلاح التي لن تقيهم من أوهامهم الفكرية، وهي أحوج ما تكون إلى الإصلاح.
وأخيرًا: لا يمكن القول بعصمة العلماء، ولا بقداسة اجتهاداتهم، ولَيْسَتْ مؤسساتُ الفتوى خاليةً تماما من الملاحظات. ولكن في نفس الأمر ليس من المسلك الرشيد انتهاجُ أسلوب الثوار الإصلاحيين، الذي ينعى على علماء الفتوى المشهودِ لهم من الخاصّ والعامّ، مع التشْكيك في مصداقيتهم، والطعن فيهم.
وإذا أشفق المصلحون المزعومون من سقوط الرموز العلمية لدى الناس، فليخشوا أيضًا على أنفسهم، فهم أول من سيحيق بهم السقوط، ولن يسلموا من نقاش الإصلاحيين الشرعيين الحقيقيين لهم، فضلاً عن هجمات الناس عليهم، لماذا؟
لأن الله تعالى يقول: ?إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ?.
وأعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، واسأل الله الهداية والثبات للجميع إلى سواء السبيل.
стр. 535
القول الشاذ في الفقه الإسلامي ودعوى اكتشاف الإسلام من جديد
د. هيثم بن جواد الحداد
٢٨ رجب ١٤٣١هـ
لم تكشف "زوبعة الفتاوى الفقهية الأخيرة" وما تلاها من انتصار البعض لها عن أزمة في التعاطي مع المسائل الفقهية بقدر ما كشفت عن خلل في رؤية البعض للعلاقة بين الشريعة والحياة، وأن عددًا من الإسلاميين لديهم "القابلية لللبرلة"، تشبه إلى حد ما قابلية رجال الدين النصارى للعلمنة في ما يعرف بعصر التنوير.
صحيح أنّ المسائل مدار البحث لا يعدوا أكثرها إلا أن يكون مسائل فقهية فرعية، لا تتحمل مثل هذا الضجيج، لكن الانحراف في منهج الاستدلال الذي يتسلل أصحابها من خلاله يعتبر أشد خطورة من ذات المسائل نفسها، وأشد خطرا منه الرؤية التي تحكم البعض، والتي تجعل من "قابلية بعض الإسلاميين لللبرلة" أو "قابليتهم للعلمنة المهذبة"، في ظل غياب مرجعية شرعية، واختطاف قوى ذات وجه عصراني إلى حد ما للمشهد السياسي الإسلامي، أمرًا يبعث على القلق.
تعالج هذه المقالة واحدة من تلك المخاوف؛ الانحراف في منهج الاستدلال، فلا يعنينا كثيرًا الموقف من القضية الفقيهة عين البحث، بقدر ما يعنينا المنهج الأصولي المتبع للخروج بالرأي الراجح المتبنى من قبل عدد من المنتسبين إلى العلم، فانحراف هذا المنهج سيولد أراءً منحرفة لا يخترمها ضابط ولا ينتظمها كتاب، وعليه فإن علاج الخلل في المنهج ذاته يتخذ أهمية أكبر من علاج المسألة الفقهية نفسها.
وقد ذكرت في مقال سابق أن هذا المنهج أصبح يتكئ على قضيتين رئيسيتين:
ـ العبث بمقاصد الشريعة، ومن ثم التستر بها.
ـ العبث بالتراث الفقهي، والتستر بالعمل بالدليل وترك التقليد، بحجة أن ثمة من قال بهذا القول أو عمل به.
هاتان القضيتان أفرزتا "زبدًا" كثيرًا وأخرجتا لنا قضية تتخذ لونًا جديدًا كلما بهت لونها السابق؛ إعادة قراءة النص، لكننا نحن اليوم بصدد ترهة أخرى؛ إنها عملية إعادة اكتشاف الإسلام.
وقد نتج عن ذلك تصدع في الصف الإسلامي في وقت المسلمون في أشد ما يكونون لتوحيد صفوفهم والتمسك بسبل النجاة.
وكثير من هذا الزبد، خبيث مردود، ومنه ظاهرة تبني الأقوال الشاذة، وعمل بعض المنتسبين إلى العلم وأصحاب الدعوى إلى الوسطية والانفتاح والإصلاح إلى حيز الخلاف المعتبر الذي لا يشنع على من قال به، بل على احترامه، فتخندق بذلك مع الأسف الشديد مع جمع من أعداء الإسلام،
ولا أظن أن هذه الظاهرة يمكن أن تعالج إلا بعمل متواز يجتمع فيه التركيز على منزلة الآخرة من الدنيا في نفوس العامة، بل وفي نفوس بعض المنتسبين إلى العلم، من ناحية، ثم بتأصيل شرعي لحقيقة القول الشاذ من ناحية أخرى ـ وهو موضوع مقالتنا هذه ـ، فإن متبني مثل هذه الأقوال يرى أن قوله قوي يؤيده الدليل، ومن ثم فإنّ مجرد اتهام صاحبه بأنه ليس من أهل الفتيا، أو ليس من أهل العلم، إن لم يسهم في التأصيل العكسي للقول الشاذ، وربما تعاطف البعض معه، فإنه لن يسهم في حل القضية من جذورها، لأن صاحب القول الشاذ ينظر إلى نفسه أنه من أهل الفتيا، وينظر إليه كذلك كثيرون، ثم ماذا لو كان فعلا من أهل الفتيا، أو ممن أشتهر اسمه كأحد أهل العلم، أو رموز الدعوة، فلن يكون وصمه بذلك مقبولا عند تلك الجماهير التي أقبلت عليه واعتادت على الأخذ منه.
وأما القول بأنه خالف كبار أهل العلم في بلده، فإنه في المقابل وافق بعضًا من كبار أهل العلم في بلد آخر، فهل يقال أن لكل بلد قولاً شاذًا، أم يقال بأن الشذوذ في القول أمر نسبي خاضع للحدود الاجتماعية والسياسية؟ وعليه فيبدوا لي أنه لا مناص من أمرين:
стр. 536
الأول: التقعيد الأصولي للقول الشاذ، والثاني أن يكون ذلك التقعيد مما يمكن أن يتفق عليه جمهور الأمة، أو في أقل الأحوال أن يسلم من النقض الموجه إليه من الطرف المقابل.
* حقيقة الإجماع وروحه:
استقر في الشريعة أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وعلى هذا تواردت آيات وأحاديث عديدة، فمنها ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] و ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، و ((عليكم بالجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))، و ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب)).
وهذه الآيات والأحاديث هي الروح التي ولدت لدى المسلمين منذ العهد الأول قناعة بأن ما اجتمع عليه المسلمون هو الحق، فلا يجوز لأحد أن يخالفهم، ومن خالفهم فقد شذ، اتضح هذا جليًا في أمر الخلافة عامة وخلافة الصديق خاصة، لأنها هي الحدث الذي يمكن أن تتناقل الأمة في ذلك الوقت بما أوتيت من وسائل اتصال الاتفاق عليه، أما المسائل العلمية الأخرى فلم يكن لدى المسلمين الأوائل لا شبكة انترنت، ولا هواتف جوالة، ولا أجهزة تلفزة يطلعوا من خلالها على جميع آراء العلماء في آن واحد، فلم يتبلور الإجماع الأصولي بصورته التي تحدث عنها كثير من الأصوليين في كتبهم، إذ لا يتصور هذا قط، ولهذا قال الإمام أحمد (وما يدريك لعلهم اختلفوا).
ومع هذا كله، فثمة نصوص في عهد مبكر تشير إلى أن اجتماع الأمة على قول، بصرف النظر عن تقصي قول كل عالم أو من يقبل قوله في مثل هذه المسائل، فعن ضمرة عن أبي إسماعيل الكوفي قال سألت عطاء بن أبي رباح عن شيء فأجابني، فقلت له عمن ذا فقال ما اجتمعت عليه الأمة أقوى عندنا من الإسناد. إذ يبعد أن عطاء ابن أبي رباح الذي توفي ١١٤ هـ، قد استقصى قول كل من انتسب من أهل العلم، والغالب أنه قد اكتفى أنه بما اشتهر عن العلماء ممن سمع بهم.
ثم لما صنف الشافعي (ت ٢٠٤هـ) الرسالة، وهي أم الكتب في أصول الفقه، فطن لإبراز أدلة أخرى تدل على وجوب الانقياد للإجماع بصورة أصولية، فمن أشهر ما استدل به قول الله جل وعلا ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، ثم أخذت نظرية الإجماع الأصولي في التشكل والتبلور وبدأت تعريفات "نظرية تظهر له"، ولما كان معرفة اتفاق جميع العلماء في آن واحد غير متصور من الناحية العملية، أخذت تعريفاتهم تتباين تباينا صغيرًا أو كبيرًا حول ماهيته.
لكن الاتساع في حركة التصنيف وانتشار الكتابة في بداية القرن الثالث الهجري ساهم مساهمة فعالة في تدوين أقوال العلماء، لا سيما أقوال الصحابة والأجيال الأولى من الفقهاء والعلماء، وعزز من قابلية معرفة ما اجتمع علماء الأمة عليه، وما اختلفوا فيه ـ وإن كان لا يتصور أن يحدث ذلك كما نتصوره نحن وقد عشنا في عصر الاتصال وانتقال المعلومة في جزء من الثانية ـ بل وعزز من دور الإجماع كمصدر للتشريع بجانب الكتاب والسنة، بل ومصدر لفهم نصوص الوحي، ومن ثم قدمه بعض العلماء عند ترتيب أدلة بعض المسائل على الكتاب والسنة، كما فعل ابن قدامة في المغني وغيره.
هذا العرض المختصر يهوّن علينا قبول وجود بعض الآراء التي تبناها بعض أهل العلم في زمن من الأزمنة، لكن أحدًا من تلامذتهم المقربين لم يتابعهم عليها، ولم تصبح مذهبًا متبوعا في أي من بلاد المسلمين، وهذا من حفظ الله لهذا الدين.
стр. 537
هذه الآراء التي انفرد بها بعض أهل العلم، جعلت مدوني أصول الفقه يختلفون "نظريًا" إزاء العلاقة بينها وبين الإجماع، فبعض العلماء نظر إليها أنها مجرد آراء لا تؤثر في انعقاد الإجماع، كما فعل ابن جرير الطبري، وابن المنذر، والنووي وغيرهم، وبعضهم نظر إليها على أنها قادحة في انعقاد الإجماع، لكن معالم الخلاف بين الفريقين تكاد تتضح حقيقتها بتصور وضع "الاتصال بين البشر" في ذلك الوقت.
فمن قال بأن مخالفة الواحد أو الاثنين تضر بانعقاد الإجماع، تحدث عن انعقاد إجماع في وقت معين، كأن تبحث مسألة وجوب قراءة الفاتحة على المصلي أيًا كان إمامًا أو مأمومًا في عام ٣٠٠ هـ، فيرى الجميع أنها واجبة، إلا أن ابن جرير الطبري يخالف في ذلك فيرى أن المصلي لو قرأ من القرآن أحرفًا تساوي أحرف سورة الفاتحة صح ذلك له، فلا يتصور أحد عندئذ أن يُشنَّع على ابن جرير الطبري صاحب العلم الذي تحدثت الركبان بجلالته، ولا يجرؤ أحد أن يقول في ذلك الوقت "أجمعت الأمة على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة"، فأين هم من ابن جرير؟ لكن السنون تمضي، وهاهم تلامذة ابن جرير تهجر قول شيخها، ثم تتابع الأمة قرنا بعد قرنا على هجرانه، فعندئذ سيتضح لدى الرائي أن ابن جرير قد انفرد بهذا القول، وأن الأمة قد أجمعت على خلافه، ولن يتعذر على بعض العلماء أن يتصور أن الإجماع ينعقد حتى مع مخالفة واحد أو اثنين.
هذا ما نقوله تنظيرًا، لكنني حاولت ـ وما زلت أحاول ـ استقراء المسائل التي انفرد فيها بعض العلماء، وموقف الفقه الإسلامي منها، ووجدت أن ثمة مئات من الأقوال تروى عن عدد من التابعين، وأتباعهم، وجيل الأئمة الأربعة، لم تتبن الأمة شيئا منها، وإنما حفظت ودونت في الكتب الفقه ليس إلا، وبقيت في هذا الحيز، دون أن تتجاوزه لتصبح مذهبا يعتنقه عدد من علماء المسلمين في أي مصر من الأمصار، بل إن تدوينها يزيد من قناعتنا بصلابة مورثنا الفقهي الإسلامي، فإنه لم يخف علينا شيئا، كما أن تتابع إعراض الأمة عن قول انفرد به واحد أو اثنين يؤكد شذوذه، فقد علمت به الأمة، ومع ذلك فما عمل به منها أحد سوى هذا، أو هذين.
ثم إننا إذا تأملنا تحذير العلماء قاطبة من الأخذ برخص العلماء، كقول سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً. اهـ.
وأنهم أطلقوا الرخص على ما اجتمع فيه أمران:
أولها: انفراد واحد أو اثنين من العلماء به.
ثانيهما: أن هذا الأمر توسع في الإباحة، أو ترخيص في أمر حرّمه الجماهير.
إذا تأملنا هذا التحذير من هذا الذي أسموه رخصًا لوجدناه يؤيد هذا الاتجاه؛ أي أن مخالفة الواحد والاثنين من العلماء لا تضر الإجماع، ولا يجوز العمل بذلك الانفراد، خاصة وإن كان متعلقا بجانب التيسير ـ في مقابل جانب التشديد ـ.
وقد تتابع العلماء على عبارة مفادها (أجمع أهل العلم إلا من شذ)، وقد أكثر من استخدامها ابن المنذر، ورُمي بالتساهل في نقل الإجماع وبعدم اعتبار مخالفة الواحد والاثنين مناقضة للإجماع، إلا أن كثيرًا من العلماء تناقلوا بعض عباراته مستشهدين بها، وبعضهم قرر عبارات مثلها دون الرجوع إليه، ولولا أن إيراد الأمثلة يصرف ذهن القارئ لها لأوردت عددًا منها، ويمكن الاستعانة بالاسطوانات المدمجة لاستقراء جملة منها، وإلا فكثير منها معلوم لدى طلبة العلم.
ومثل هذا ما انفرد به بعض الصحابة ولم يتابعوا عليه، بل تتابع العمل على خلاف ما انفردوا به، مثل عمل ابن عمر وأبي هريرة في إسباغ الوضوء، ورأي ابن مسعود في ترتيب المصحف وبعض سور القرآن، وقد تأدب العلماء فلم يصموا هذه الآراء بالشذوذ، ولكن أحدًا من العلماء لم يجز متابعتهم عليها.
стр. 538
وهنا يبرز السؤال: كيف يقال أجمع العلماء إلا من شذ، أليست مخالفة الواحد أو الاثنين تقوض ـ على مذهب الجمهور ـ انعقاد الإجماع؟ ولا يقف جوابٌ على هذا الإشكال إلا أن نقول إن الأصوليين الذين ذهبوا إلى أن الإجماع لا ينعقد بمخالفة واحد أو اثنين؛ قد ذهبوا لذلك تنظيرًا، أما تطبيقًا فإن الجميع اتفق على أن ثمة شيئًا اسمه قول شاذ، وأنه لا يجوز العمل به، وأن ضابطه أنه ما انفرد به واحد أو اثنين (بل ربما ثلاثة)، وأنه يتعين قبول القول الآخر (أو الأقوال الأخرى)؛ يتعين ذلك سواء سمينا ذلك إجماعًا أم لم نسمه إجماعًا. فحقيقته أنه أخذ حكم الإجماع وإن لم يسمه بعض العلماء إجماعًا!
وخلاصة الأمر، أن القول الشاذ الذي لا يجوز الأخذ به ـ كما هو واضح من اسمه ـ أنه القول الذي ينفرد به واحد أو اثنان (بل ربما ثلاثة من العلماء)، وهذا القول يكون قولا لم تتبناه أحد المذاهب الفقهية الأربعة، أو لم يحك قولاً فيها.
وهنا لا بد لنا من التأكيد على أنه ثمة من تبنى بعض هذه الآراء من غير أهل الأهواء ألئك، إذ قد تبين لهم ما ظنوه دليلاً، إلا أننا لا بد أن نملك قدرًا من الشجاعة لنقول بأنهم قد أخطأوا مع ظننا بأنهم مخلصون، ولا بد لنا من شجاعة مماثلة كذلك لنقرّ بأن بعض من أغلظ في الرد عليهم من أهل المذاهب والتقليد ما حملهم على ذلك إلا غيرتهم على الإسلام وخشيتهم من ظهور مدرسة اكتشاف الإسلام هذه بحجة العمل بالدليل ونبذ التقليد.
لم لا نعمل بالقول الشاذ:
الجواب له أكثر من شق؛ أما أولها، فإن القول الشاذ مخالف إما للإجماع، أو لحكم الإجماع، وقد تقدم ذلك.
أما الشق الثاني، فإن العمل بالقول الشاذ يقتضي ترجيحه على قول أطبقت عليه الأمة جيلاً بعد جيل، خلا أفراد قلائل منهم، وهذا يتضمن أو يستلزم القول بخطأ الأمة، أو القول بتتابع علمائها جيلاً بعد جيل على الضلال، وترجيح الخطأ دون الصواب، وهذا محال عقلا وشرعًا، بل ويلزم منه أن الحق قد خلت الأرض منه مددًا من الزمن، وأن شيئا من دين الله لم يعمل به قرونًا من الزمن في أرض الله بعد بعثة رسول الله، وهذا مخالف لبدهيات دين الله الذي تكفل بحفظه!
ولا يقولن قائل إن الحقّ مع الدليل ولو قل من أخذ به، فإننا لا نتحدث عن قلة فيما يقابل الكثرة، ولكننا نتحدث عن شواذ مقابل جماهير عددها غالب ليس في طبقة واحدة ولا جيل واحد، ولكننا نتحدث عن جماهير العلماء جيلاً بعد جيل، ويبعد أن تتابع هذه الجماهير بأعدادها الغالبة على عدم الأخذ بالدليل الذي استند إليه الشاذ من الأقوال، بل إن الأقرب أن يقال بأن الجماهير الغفيرة من العلماء جيلاً بعد جيل تركت الأخذ بهذا الدليل إما لضعف فيه لم يتبين للمخالف، أو لعدم دلالة معناه على المقصود، أو لوجود معارض له قد خفي على المخالف أيضا.
وعلى هذا، فإن الثورة المعلوماتية، وإن أسهمت في إظهار المخبأ فلن تسهم في تغيير ديننا، ولن نصبح كأهل البدع والأهواء، كلما ظهر لهم من هو ألحن مِن سابقه تبعوه، فلم يبق لهم دين، ولن تساهم الاسطوانات المدمجة في اكتشاف معالم ديننا، أو في صناعة دين جديد لنا، والله حافظ دينه كله من قبل هذه التقنية، وسيحفظه بعدها، ودخول الجنة والنجاة من نار جهنم ليستا معلقة بأقوال في ديننا لم تكشفها إلا التقنية الحديثة.
وأما الشق الثالث: فهو ما تقدمت الإشارة إليه أن العمل بالقول الشاذ، مقارن للعمل برخص العلماء مجتمعة، وهو سبب للمروق من الدين، وطريق سهل إلى الجحيم، والله سيحاسبنا كما أراد، لا كما أردنا، وحسابه عسير، ونار جهنم يدخلها مع الكفار طوائف لا تحصى من المسلمين، لا يخلدون فيها، لكن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون، وصغائر الذنوب ليست حلالا ولا مباحة، وربما اجتمعت على المرء فأهلكته، ولذا حذر منها النبي ﷺ ، هذه أسس "فكرية، عقدية، إيمانية، وعظية" أهملها بعضنا بحجة إصلاح حال الأمة، فأخشى أن لا تصلح الأمة في الدنيا، وأهم من ذلك وأكثر خطرًا أن يدخل كثير من أهلها نار جنهم، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.
بقي لدينا أمور لا يتسع لها هذا المقال، بحثت في الكتاب الأصل، أسأل الله أن ييسر إخراجه عما قريب:
الأول: لمَ لا نقول بأن القول الشاذ هو ما خالف الدليل؟
الثاني: الفرق بين القول الشاذ والضعيف.
الثالث: هل تبنى شيخ الإسلام ابن تيمية أياً من الأقوال الشاذة؟
стр. 539
جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة
فهد بن صالح العجلان
٢٨ رجب ١٤٣١هـ
(هلع) و (ارتباك) و (تحفُّز) يصيب كثيراً من المؤلفين المعاصرين في موضوعات النظام السياسي حين يمرُّون على بحث (حدِّ الرِّدة) في الإسلام؛ فهو يشكل لهم إحراجاً لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع (الحرية الدينية) في قمة هرم الحقوق والحريات المدنية التي تحتضنها، وتقاتل في سبيل التزام جميع الأمم والحضارات بها على وَفْقِ التفسير والمعيار الغربيين.
فتوالت البحوث والدراسات التي تبحث في الدلائل الشرعية عمَّا يخفف من شدة نكير الأصوات المستغرِبة؛ ليَصِلُوا بهذا الحكم الشرعي إلى (النفي) أو (التأويل) أو (التكييف) الذي يجعله متلائماً مع الحالة المعاصرة؛ فهي وإن بحثته بطريقة النظر في دلائل الكتاب والسنَّة؛ إلا أنها تضمر في داخلها حقيقةَ أنها تسعى بأي طريقة للتخلص من هذا الحكم لضرورة الخروج بالمظهر اللائق أمام الآخر.
وهذا ما يفسر لك أن البحث في إشكالية الرِّدة وإثارة الخلاف حول حكم المرتد لم يكن له أيُّ حضور في المذاهب الفقهية السالفة؛ فمع أن الفقهاء يختلفون في كثيرٍ من المسائل، ويتنازعون حتى في المسائل التي وردت نصوص صريحة فيها؛ إلا أن حدَّ الرِّدة لم يكن مجالَ اختلاف بينهم؛ فقد أجمع عليه الفقهاء كافة، وحكى الإجماعَ عليه عشرات من الفقهاء من مختلف الأزمان (١)، بينما تجد هذا الحكم حاضراً ومُشْكِلاً في الدراسات المعاصرة؛ وهو ما يدلل على أن العامل المؤثر فيها ليس هو النظر في الاجتهاد الفقهي بِقَدْر ما هو تأثُّرٌ بروح الثقافة الغربية.
إن الملفت للانتباه أن (التخلص) من هذا الحكم الشرعي لم يَسِر على طريقة واحدة؛ فلئن اتفقت كلمة كثير من المعاصرين على (ضرورة) الانفكاك من تبعات هذا الحكم، إلا أن وسيلة تنفيذ ذلك قد تعددت فيما بينهم، فاجتمعت علينا طرائق عديدة نستخلص من كل واحدة منها مَنْزِعاً من منازع الانحراف الفكري، المتباينة في ما بينها تبايناً كبيراً؛ إلا أنها تجتمع في حالة (إشكالية الرَّدة):
فبعضهم: ينكر هذا الحكم لعدم ذِكْره في القرآن الكريم، وينظر في الآيات القرآنية التي تخاطب الكفار وتحكي مقولاتهم، فلا يجد فيها أي عقوبة لهم في الدنيا؛ وهو ما يعني أن الشريعة لا تُرتِّب أي عقابٍ دنيوي على من يمارس حريته الدينية في الدنيا، وهذا التفسير يستبطن الانحراف القائم على (إنكار) سُنة النبي ﷺ ورَفْضِ الإيمان بها؛ لأن حدَّ الرِّدة لم يثبت إلا في سُنة النبي ﷺ ؛ فالمطالبة بأن يُذكر الحكم في القرآن يعني أن السُّنة غيرُ كافية في هذا الباب.
ولا يصل الأمر بآخرين إلى هذا الحد؛ فهم يثبتون السُّنة النبوية، لكنهم يحكمون على حديث: «مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه» بأنه من قَبِيل أحاديث (الآحاد)، ولا يستقيم العمل بها؛ لأنها ظنية؛ وهذا انحراف في إنكار شيء من سُنة الرسول ﷺ يشكِّل عامة أحاديثه ﷺ .
وثمة آخرون: لا ينكرون العمل بخبر الآحاد لكنهم لا يرون العمل به في المجالات المهمة كمجال التشريع، وهذا انحراف في وضع شرائطَ معاصرة حاكمة على السُّنة النبوية؛ وكأن موضوعات التشريع هي المهمة دون موضوعات العبادة أو الاعتقاد أو الأخلاق.
стр. 540
في تقسيم السُّنة إلى (سُنة تشريعية) و (سُنة غير تشريعية)، وعلى سوء فهمهم لهذا التقسيم، إلا أن الإشكال الأبرز هنا أن المعيار لمعرفة (التشريعي) في السُّنة من (غير التشريعي) معيار مضطرب وغير محدَّد، وإنما يُستَخدَم عند كثيرين؛ لإزاحة بعض الأحكام.
ويأتي بعضهم بذريعة (الخلاف الفقهي)؛ ليزيح حضور هذا الحكم عن طريقه، مع أن المسألة ليس فيها خلاف أصلاً (١)، ولو كان ثَمَّ خلاف بين الفقهاء في أي حكم شرعي؛ فالخلاف لا يلغي العمل، وليس من شرط العمل بالأحكام الشرعية أن يتم الاتفاق عليها.
وسادس هذه الانحرافات: من يفسِّر حدَّ الرِّدة بأنه (الخروج) على الدولة ونظامها؛ وهو ما يطلَق عليه في النُّظم المعاصرة: (الخيانة العظمى) وهي تبيح التعامل معه بالقتل: وهذا التفسير جميل، متلائم مع الفكر الغربي المعاصر، لكنه بعيد عن دلائل الشريعة وكلام الفقهاء؛ وهو من قبيل تطويع الشريعة لتستقيم مع الوضعية المعاصرة، ويبدو مقنعاً لكثيرٍ من الغربيين والمستغربين لكن أصحاب هذا التفسير سيقعون في (ورطة) مع عقلاء الغربيين وأتباعهم الذين يدركون حقيقة هذا الحكم الشرعي، وسيكون مثل هذا التفسير سبيلاً للاستطالة على الشريعة؛ من جهة أن هذا التفسير يتضمن (اعترافاً) من أصحابه بأن الحكم الشرعي على أساس التفسير الفقهي المعروف مرفوض عقلاً.
وسابع الانحرافات: الاستمساك بالمصلحة في كافة صورها لتعطيل العمل بالنص: وموضع الانحراف هنا ليس في ترك العمل بالحكم الشرعي في حال وجود مصلحة معيَّنة معتبرة، أو ضرورة أو حاجة ماسَّة، بل هذا اجتهاد شرعي وإن حصل اختلاف في تطبيقاته؛ وإنما الإشكال أن يعطَّل الحكم بكليَّته بدعوى المصلحة، وأن تكون المصلحة حاضرة عند النظر في ثبوت الحكم الشرعي ابتداءً؛ فبدلاً من تقرير ثبوت هذا (الحكم) مع عدم إمكانية تطبيقه أو وجود ضرر أو غياب مصلحة عند العمل به، يأتي (صاحب المصلحة) لينفي هذا الحكم من أساسه بدعوى المصلحة، وهذا خلل؛ لأن المصلحة (بشروطها) قد تُوقِف العمل بالحكم الشرعي، غير أنها لا تزيل وصف الشرعية عن الحكم تماماً.
стр. 541
من يتحدث عن ضرورة تقديم صورة حسنة للغربيين، وأن الحديث عن حدٍّ للمرتد في زمان شيوع ثقافة الحريات الدينية وقيام النظم السياسية الغربية على حمايتها، يقدم صورة مشوَّهة عن الإسلام ... إلخ. هذا هو الكلام الذي يقال في كثيرٍ من أحكامنا الشرعية، ومع ذلك ما تزال دعوة الإسلام تنتشر في الأوساط الغربية بشكل مذهل؛ وهو ما يعني أن وَهْمَ التشويه الذي يتحدث عنه هؤلاء الناس محض خيالٍ علمي، وهو قائم على تصوُّر غارقٍ في الوهم؛ بأن تحسين صورة الإسلام؛ ولو بإخفاء وتغيير الحقيقة سيوقف خصوم الإسلام عن مواصلة التشويه.
والتاسع: يشيع (الرعب) و (الذعر) من أن تقرير مثل هذا (الحكم) سيكون سبباً لاستغلال بعض النظم السياسية له في سبيل القضاء على مخالفيهم وخصوماتهم: فحين يأتي بعض الناس فيسيء تطبيق حكمٍ شرعيٍّ مَّا، فالحل في هذا النظر العقلي أن يُلغَى الحكم الشرعي كله.
ويأتي بعضهم: فينفي هذا الحكم لمعارضته لأصلٍ قطعي مُحكَم هو (الحريات)، وهذا الانحراف مركَّب من وجهين:
الأوَّل: أنه يضرب بالأصول الكلية على هامَة الأحكام الفرعية، مع أن الأصول إنما تثبت من خلال اجتماع الفروع؛ وإلا فعلى هذه العقلية من التفكير يمكن أن ننفي حكم الربا؛ لأنه معارض لأصل قطعي هو (حِلُّ البيع)، وننفي حكم شرب الخمر والميتة ولحم الخنزير؛ لأنه معارض لأصل قطعي هو (حِلُّ الطعام).
والثاني: أنه جاء بمفهوم غربي معاصر هو (الحريات) ليجعلَه أصلاً شرعياً، قطعياً أيضاً.
تلك عَشْرَة كاملة، هي أبرز وسائل البحوث المعاصرة (للتخلُّص) من هذا الحكم الشرعي، قد اجتمعت فيها منابت الانحراف المعاصرة من جذورِ بقاعٍ شتى، حضر فيها (منكِر) السُّنة، و (مضيِّق) العمل بها، و (مقطِّع أوصالها)، ومن يعطل الأحكام الشرعية بدعوى (الخلاف) أو (المصلحة)، ومن يعارض الأحكام الشرعية بأصول فكرية محدَثَة، ومن (يخاف) من الحكم الشرعي أو (يخاف عليه)؛ فأصبح النظر إلى هذا الحكم (جامعاً) للانحرافات الفكرية المعاصرة، وحين يأتي المسلم فيقرر هذا الحكم كما جاء في النصوص الشرعية وبما نقله كافة الفقهاء، فإنه يسجل شهادة خير لنفسه، ليحمد الله عليها لسلامته وبُعْدِه عن مثل هذه الانحرافات التي عم بها البلاء.
المصدر: مجلة البيان
стр. 542
أين أخطأ المقاصديّون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة (١/ ٢)
المقال الأول: الظاهرة
د. هيثم بن جواد الحداد
Haitham١٢٣٤@hotmail.com
٢٥ رجب ١٤٣١
الحمد لله والصلاة على رسول الله، أمَّا بعد
فلم يحظ موضوع أصولي في العشرين سنة الماضية ما حظيه موضوع مقاصد الشريعة، وقد ساهمت أحداث سبتمبر وما أعقبها مما يسمى بالحرب على الإرهاب في مزيد من الاهتمام بهذه الموضوع بشكل لم يسبق له مثيل.
السياسيون اهتموا به لتمرير "أجندتهم" السياسية، والإعلاميون تمسكوا بها، لتبرير مخالفت الإعلام للشريعة، وكثير من الدعاة تمسك بها من أجل المزيد من المكتسبات سواء لدى عامة الناس، أو لدى شرائح "الملء"، وتولت مقاصد الشريعة مع "ظاهرة الخروج عن مألوف الشريعة المعهود لدى المسلمين بحجة نبذ التقليد والعمل بالدليل" مهمة تمرير "لبرلة" الإسلام وعصرنته، وكان أخطر ما في الأمر تبني شرائح إسلامية عديدة لهذا الفكر الأصولي الفقهي فكانوا أخطر الجميع.
لقد اهتم الجميع بهذين الموضوعين؛ مقاصد الشريعة، عزل النص (الإلهي) القرآن والسنة، عن العمل البشري (اجتهاد الفقهاء)، حتى لم يعودا موضوعين أصوليين، بقدر ما أصبحا أداة خطاب، كل يستعملها كيف شاء، ولأي غرض شاء.
وقد أقبل جمع من بعض الدعاة وطلبة العلم وبدون تمحيص إلى مقاصد الشريعة من خلال منظور محدد، وتبنوها، وكتبوا فيها رسائل علمية، مما زاد الفهم الخاطئ لها تثبيتا وتقريرا، وعسر على بعض منهم الاعتراف بأن ثمة خطأ في هذه المنظومة الفكرية الأصولية التي نسجت بتوال على خطأ واحد، ووقف كثير من الدعاة وبعض طلبة العلم وأهله عاجزين عن مواجهة هذا الفكر باللغة نفسها، فعمد بعضهم إلى لغة عاطفية قد لا تكون مناسبة في مقام تأصيل وتقعيد، مما بدا لكثير أنه عجز في الحجة نفسها، لا في طريقة أدائها، الأمر الذي أكسب هذا الفهم القاصر والمغلوط زخمًا ومزيدًا من الرسوخ.
فمقاصد الشريعة بذلك الفهم ألغت المطالبة بوحدة المسلمين تحت خليفة واحد، إذ إنّ مقصود الشريعة الأعظم هو حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال والعرض وهذا يتحقق بهذه النظم الورقية المعاصرة، أما ما نعم به المسلمون في بعض أزمانهم من وحدة جعلتهم دولة مرهوبة الجانب، فتحت مشارق الأرض ومغاربها، إنما هو مجرد واقع تاريخي ومرحلة زمنية لا يجوز أن تفرض نفسها على نظرة المسلمين السياسية المعاصرة.
ومقاصد الشريعة ألغت جهاد الطلب، وقصرت الجهاد على الدفاع، فمواثيق الأمم المتحدة، وبنود التعايش السلمي تمنع الاعتداء، الذي هو قلب مقاصد الشريعة، وليت الأمر اقتصر على "وقف العمل بجهاد الطلب حتى تكتمل شروطه" بل تجاوزه إلى إلغاء جهاد الطلب وشطبه من القاموس الإسلامي بالكلية.
وقل مثل ذلك فيما أجمع عليه فقهاء المسلمين حتى قبل المائة سنة الماضية من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وما تبع ذلك من جعل الولاء السياسي في الإسلامي مبنيا على الولاء العقدي لا العكس.
وتسابقت الدول الإسلامية في فتح أراضيها للقوات الأجنبية الكافرة لضرب حركات أو دول إسلامية مجاورة وتذرع هؤلاء بدون حياء بمقاصد الشريعة التي توجب عليهم المحافظة على مكتسبات الدولة (وبعضهم أسماها الأمة)، ومصالحها العليا.
وأخمد أيٌ من الأصوات المعارضة لصوت بعض الأنظمة الحاكمة، ولو كانت معارضتها هادئة وديعة، وتكفلت مقاصد الشريعة المغلوطة بهذه المهمة متذرعة بسعي الشريعة لتحقيق وحدة الأمة وتجنب الصراعات المدنية التي تضيع حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وتكفل كبر ذلك أشياخ أو علماء، فعباءتهم أوسع العباءات، وهي الأكثر تأثيرًا في الحس الإسلامي، فلا أنسب منها رداءا وقت الحاجة!.
стр. 543
أما على الصعيد الإجتماعي، فقد فرضت علينا مقاصد الشريعة هذه تغيير وضع المرأة المسلمة ونظرة المجتمع لها، إذ لم تعد مهمتها الكبرى تربية الأولاد والعناية بالبيت، بل تجاوزته إلى مساهمتها في الحياة السياسية وربما العسكرية، وعليه فلا بد من تغيير المعهود من أحكام إختلاط النساء بالرجال، وصفة الحجاب وشروطه ..
وعند الأقليات، أباحت مقاصد الشريعة للزوجة التي أسلمت تحت زوج كافر، أن تبقى معه على كفره، مناقضة بذلك ما أجمع عليه العلماء أو اتفقت كلمة جلهم على انتهاء عقد الزوجية بدخولها في الإسلام.
ولن يتخيل بعض القراء بعض الأمثلة التي سأوردها، فكثير منها يتداول في الغرب، لكن الأخطر من ذلك أننا أصبحنا نرى ونسمع عن تداول الأمثلة نفسها في بلاد المسلمين، فمثلاً يكثر بعض الدعاة في الغرب الحديث عن ضرورة إعادة قراءة بعض أحكام الإسلام، وضرورة القيام بحركة تصحيحية تجاه نظرة الإسلام للملل الأخرى وأهلها، أو أحكام الأقليات في الإسلام، والحدود الشرعية، وقوامة الرجل على المرأة، وميراثها، ونظرة الإسلام لما يسمى بالمثلية الجنسية (الشذوذ الجنسي)،إذ أن هذه الأحكام بحسب زعمهم جاءت منسجمة مع واقع معين، فإذا ما تغير هذا الواقع واضطرب هذا الانسجام، وجب تغيير الأحكام محافظة على هذا الإنسجام الذي هو أحد مقاصد الشريعة!.
وفي الغرب كذلك يكثر الحديث بين الأوساط الإسلامية عن العلمانية، وأنها أصلح الأنظمة لحكم المجتمعات متعددة الثقافات، بل لحكم مجتمع ذي ثقافة واحدة لكنه مرتبط بمجتمعات متعددة الثقافات من خلال أدوات العولمة، ونرى الآن كثيرًا من بعض الإسلاميين في بلاد الإسلام يؤمنون بهذه الأفكار وربما روجوا لها بحماس يثير الدهشة.
البداية:
تكاد كلمة الباحثين تتفق على أن أول من أفرد مقاصد الشريعة بالذكر هو الغزالي (٥٠٥هـ)، فقد ذكر أن الشريعة جاءت لرعاية خمس مقاصد؛ حفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، وتابعه على هذه الطريقة جل من تحدث عنها خلا شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٠٨هـ)، وكما تقدم ذكره، فلم يأخذ هذا الموضوع حيزا من الاهتمام إلا في العقد السابقين، لكن أكبر خلل وقع فيه من تحدث عن مقاصد الشريعة هو قصرها على المصالح الدنيوية، ولا أظن أنه دار بخلد الغزالي ولا غيره من السابقين أن مقاصد الشريعة ستصبح دنيوية محضة، تغيب فيها المقاصد الأصلية الكبرى، إلى أن ينتهى الحال بمقارنة الشريعة بالنظم الوضعية، ونسي الجميع بما فيهم عدد من الأفاضل، أن أهم وأعلى مقاصد الشريعة التي جاءت من أجلها إنقاذ الناس من عذاب النار، وإدخالهم جنات عدن، من خلال التعبد للرب وحده لا شريك له، ذلك المقصد الذي تذوب فيه كل المقاصد الأخرى، ومن ثم فإنه يؤثر في رؤى الناس للكون والحياة؛ للسياسة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، لتنفيذ الحدود وتطبيقها، للعلاقة بين الدنيوي والأخروي، لهيمنة الشريعة وثباتها، للمقصود من الحضارات، لربط الفرد بعلاقة متزنة مع جميع من حوله بما فيهم الجماد.
إنّ المتتبع للقرآن الكريم والسنة المطهرة، يرى أن النصوص تحدثت عن "إرادة إلهية"، ولا شك أن هذه الإرادة هي العليا، وعليه فلا يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، إلا تبعا لهذه الإرادة، ومن خلال التتبع لهذه النصوص لا يصعب علينا أن نميز بين إرادات (مقاصد) أربع، يدل عليها كذلك الاستقراء العقلي:
ما أراده الله لنفسه من خلقه الخلق، وهو ما يُعبر عنه أحيانا بالإرادة الكونية.
ما أراده الله لعباده من خلقه لهم.
ما أراده الله لنفسه من شرعه الشرائع، وهو ما يعبر عنه أحيانا بالإرادة الشرعية.
وما أراد الله لعباده من شرعه الشرائع.
وهذه الأنواع كما ترون يمكن أن تدمج لتصبح اثنين:
ما أراد الله لعباده.
ما أراد الله لنفسه.
وإن أكبر خطأ وقع فيه المقاصديون الجدد هو إهمالهم لما أراد الرب لنفسه، ولما أراده لخلقه بعد مماتهم، مع أنهما الأهم في ما رمت إليه الشريعة.
أما ما قصدته الشريعة من حفظ الضروريات الخمس المذكورة، فإنه ثانوي ومكمل لهذين المقصدين، ومن أهم ما يترتب على ذلك ترتيب أولويات الشريعة، وأهلها، لا سيما عند التعارض بين الأدلة، أو الأحكام، أو عند محاولة تنزيل بعض الأدلة على بعض الوقائع المعاصرة، وما يعرف بالسياسة الشرعية.
стр. 544
أين أخطأ المقاصديّون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة (٢/ ٢)
المقال الثاني: مقاصد هم، ومقاصد القرآن الكريم
د. هيثم بن جواد الحداد
Haitham١٢٣٤@hotmail.com
٢٥ رجب ١٤٣١
فيما يلي عرض للمقصدين الأولين بحسب الاستقراء الكلي لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة:
أما المقصد الأول: وهو ما أراده الله لذاته العلية، بأن يعبد وحده لا شريك له، فيعظم، ويرهب من جانب، ويحب ويطلب من جانب آخر، وأدلته في القرآن الكريم أكثر من تحصى، لكني سأقتصر منها على يفيد العلية والسبب، أو الغاية والحكمة.
فمن أهم آيات القرآن الكريم (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)، و (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، وهذه الآيات وما في معناها تفيد الحصر، مما يقطع القول بأن هذا المقصد هو أعظم المقاصد وأهمها.
ومن أساليب القرآن الدالة على هذا المقصد، ما ورد في عدد من النصوص التي تفيد أنّ الله أراد من خلقه للخلق وشرعه للشرائع، وإرساله للرسل، وأفضلهم نبينا محمد ﷺ ، أن تظهر وحدانيته بالإلهية، والربوبية، ويظهر أمره فوق كل أمر، وسلطانه فوق سلطان، قال الله تعالى:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾) سورة التوبة.
وفي معناها آيتان أخريان، ومن أمثلة أدله هذا النوع من الأساليب أمر الله بالقتال من أجل أن يظهر دينه على الدين كله، قال الله تعالى:
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٣٩﴾) سورة الأنفال.
فالله جل وعلا أمر بالقتال في سبيل الله، وهو من أجلّ ما أمرت به الشريعة بعد التوحيد، وكذلك هو أشقّ ما أمرت به الشريعة، لتحقيق هذه المقصد العظيم
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٩﴾) سورة الفتح.
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿١٢﴾ سورة الطلاق.
(جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٩٧﴾) سورة المائدة.
ومن الأساليب الدالة على هذا المقصد كذلك تلك الآيات والأحاديث التي تدل على أنّ الله جل وعلا أراد أن يبتلي عباده بالتكاليف التي أهمها إظهارهم خوفهم له وأنه فوق كل خوف، وحبهم له وأنه فوق كل حب، وكذا الخضوع والذل والانكسار بين يديه، ثم الرغبة إليه، والتوجه والالتجاء إليه دون غيره، وبمعنى آخر عبادته وحده لا شريك له.
стр. 545
ويدخل في هذا النوع أيضا إرادته جل وعلا أن يبتلي عباده بالخير والشر وأنواع المصائب، حتى يظهروا الصبر على ما أصابهم منه، والرضى به، والفرار إليه، والربّ جل وعلا يحبّ أن يعظم، وكل ما ازداد تعظيمه جل وعلا، وتقديمه على كل شيء حبًا فيه، وخوفًا منه، وكلما ازداد إظهار الخضوع له، ازداد تقرب العبد من ربه، ورفعة عنده، وكل ما كانت العبادة أكثر في إظهار التعظيم للرب جل وعلا، كانت أكثر حبًا له، وأكثر قربًا منه، وانظر إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، كلها تعظيم له جل وعلا، ومن أهم أركانها التي تقرأ فيها الفاتحة التي يقول الله جل وعلا فيها قسمت الصلاة بيني وبين عبدين قسمين فإذا قال عبدي الحمد لله رب العالمين قال الله جل وعلا حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي.
ومن أمثلة أدلة هذا النوع ما يلي:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴿٣١﴾) سورة محمد.
قال ابن كثير أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي، وقال ابن عباس ﵄ في مثل هذا: إلا لنعلم أي لنرى.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿٧﴾) سورة هود.
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ سورة الملك.
(وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾) سورة المائدة.
ومن أمثلته كذلك:
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (١٤٣)) سورة البقرة.
ويدخل في هذا النوع كذلك تلك الآيات الكثيرة التي تدل على أن الله وعد من استجاب لأمره بالنعيم المقيم، وأوعد من تمرد على سلطانه بالعذاب المقيم، وكذلك الآيات التي تشير إلى أن الله أراد من خلقه للخلق أن يعذب العاصي وأن يثيب المطيع، ومنها:
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المنافقين وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٧٣﴾) سورة الأحزاب.
وإذا تأملنا هذه الآية وما قيل في تفسيرها، لوجدنا أن الله خلق الخلائق كلها من أجل أن يعذب ذك ويثيب هذا، واللام هنا للتعليل كما نص عليه جماعة من المفسرين.
وإذا كان هذا أهم مقاصد الشريعة الدنيوية، وهو مرافق للمقاصد الشريعة الأخروية، فإن مواقف المسلمين وحراكهم السياسي يجب أن يراعي منزلة هذا المقصد بين المقاصد الأخرى، وأي مناورة سياسية تغفل هذا فإن الله لن يكتب لها نجاحًا، لأنها أهملت إرادة الله جل وعلا، ومحبوبه، فأنى يكتب الله لها التوفيق.
стр. 546
وقد تتابع العلماء منذ العهد الأول حتى قبيل عصر الانحطاط الأخير هذا على فهم حقيقة واحدة قررها القرآن والسنة، أنّ الإسلام يعلو ولا يعلى، وأن دين الله يجب أن يسود الأرض ويحكمها، فالأرض لله، فكيف يسود فيها غير حكمه، ومن هذا فمن البديهي العقدي أنّ أي حكم غير حكم الإسلام إنما هو منازعة للملك في ملكه، لا يمكن أن يرضاه أو يقر به، ولذا كان من أكبر الكفر.
ففهم مقاصد الشريعة بهذه الطريقة، يعين على وضع التصور السياسي الصحيح الذي أراده الله من المسلمين، وقد تكون هذه القضية من أشد القضايا حساسية لكثير من الإسلاميين، وقد يكون فيها نوع حرج للبعض، لكن البحث هنا في تقرير الحقيقة، أما مجال التطبيق فقد يسعنا نوع من الاختلاف فيه، لكن يجب أن يحدونا كلنا البحث عن الحق، لا مجرد تقرير ما يجد قبولا عند شرائح واسعة من المجتمع.
وآثار مراعاة هذا المقصد على النظرة الفقهية لكثير من المسائل المعاصرة واضح جدًا.
فالمرأة الكافرة التي تسلم، فتفارق زوجها الكافر، حبًا لله وتعظيما لمراده على مرادها، موافق لأعظم مقاصد الشريعة، إذ فيه تقديم محبة الله على محبة من سواه، ولو كان أقرب الناس إليها، فكيف يقال إنّ مقاصد الشريعة تؤيد أن تبقى المرأة مع زوجها بعد إسلامها وبقائه على كفره.
وقطع يد السارق فيه تحقيق للأمن، لكن فيه ما هو أعظم من ذلك، وهو الاستجابة لأمر الرب في هذا الأمر الشاق على النفس، الأمر الذي يحقق تعظيم الرب، وبه يفرح الرب جل وعلا، وأي مقصد أعظم من هذا.
فإذا ما توهم أحد بأن قطع اليد السارق فيه مفسدة تعارض مصلحة تحقيق الأمن، فطالب بإلغاء تطبيق الحد، فأنى له أن يعرف رضى الرب من سخطه يوم يرى أن أمره في أرضه لا ينفذ!!
وإيقاف التعامل بالربا فيه مصالح دنيوية وأخرى أخروية، فإن زعم أن المصالح الدنيوية قد ألغيت فأنى له أن يزعم أن المصالح الأخروية قد ألغيت أيضا!.
والمفاصلة العقدية، وما يتلوها من تبعات سياسية لمن يسب الربّ، أو يسب أنبياءه، وأخصهم نبينا محمد ﷺ ، أو صحابته، هي في أصلها موقف صحيح لأنه يأتي موافق لأهم مصالح الشريعة، وهو تعظيم جناب الربّ، فوق ما يمكن أن نحصل عليه من مصلحة سياسية، ولا يمكن تغليب المصلحة السياسية على هذه المصلحة العقدية، إلا إن كان المقصود تحصيل مصلحة عقدية أخرى أكبر.
المقصد الثاني: ما أراده الله لعباده، وهو نوعان:
النوع الأول: النصوص التي تقرر أن الشريعة أرادت من ضمن ما أرادت تحقيقه حفظ ضروريات الحياة، أي أنّ مقصد الشريعة هنا دنيوي، ويشمل الضروريات الخمس التي نص عليها الغزالي الأول في إفرادها بالذكر، ثم تبعه على ذلك جل من جاء بعده، والنصوص التي وردت بهذا النوع كثيرة ومتنوعة، تجدها في كل كتاب، ومقالة، ومحاضرة تحدثت عن مقاصد الشريعة.
وهذه النصوص تقرر أنّ الله أراد حفظ هذه الضروريات لعباده، لكنّ الخطأ الذي وقع فيه عدد من الباحثين ناهيك عن المقاصديّن الجدد الحديث عن هذه المقاصد بمعزل عن المقصد ين الآخرين الأهم في المقاصد كلها؛ ما أراده الله لنفسه، وما أراده الله لعباده في الدنيا من غير الدنيوي المحسوس وما أراداه لهم في الآخرة، مع أنك لا تكاد تجد آية أو حديثًا تحدث عن أي من هذه الضروريات إلا وقد تحدث صراحة أو ضمنًا على أن تحقيق هذا المقصد مجرد أمر مؤقت، الأمر الذي يقطع بأنه مقصد ثانوي بجانب المقصدين الآخرين، ولا تكاد ترى مقصدًا من هذه المقاصد الثانوية إلا وهو وسيلة لتحقيق المقصدين الكليين الآخرين.
стр. 547
وقد اجتهد عدد من العلماء والباحثين فزادوا مقاصد دنيوية أخرى، منها أن الشريعة ترمي للتيسير على العباد، قال الله وجل وعلا (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
ومنها كذلك أن الشريعة جاءت لنشر الرحمة بين الخلق، إذ أن الله يقول (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
أما نشر العدل بين الناس فيمكن أن يقال إنه من مقاصد الشريعة الدنيوية لكن لم يذكره العلماء ضمن المقاصد الخمسة الثانوية، وقد يكون السبب عدم ظهور الحاجة الماسة لإفراده بالذكر.
وبكل حال فهذه المقاصد الخمسة أو الستة مع ما زيد عليها لم يكن أمرًا قد أجمع عليه العلماء منذ عهد الأئمة الأربعة وحتى هذه العصور المتأخرة حتى يتعذر أو يشق علينا أن نخالفها، ولهذا فلا مانع من الزيادة عليها كما فعل جماعة من المعاصرين، لكنّ الأمر الذي لا يسعنا السكوت عليه هو قصر مقاصد الشريعة على هذه الدنيوية، أو في أحسن الأحوال عزلها، أو عزل العمل بها عن المقاصد الكلية الأخرى للشريعة، ومن تأمل القرآن الكريم يعجب من هذا الخطأ الذي وقع فيه عدد كبير ممن انتسب إلى العلم والباحثين، والأكاديميين، وغيرهم.
فالنبي أرسل رحمة للعالمين، والصواب في معنى ذلك أنه جاء لينقذهم من نار جنهم، ويدخلهم الجنة، فرحمة الآخرة أولى، وأعظم، وأهم، من رحمة الدنيا، وقصر المقاصديّن الجدد، وأصحاب الخطاب الدنيوي هذه الرحمة على الدنيا، انتقاص للشريعة، وإهدار لحق الله جل وعلا، وقد جاء النبي بالتوحيد، والأمر به، حتى ينقذ الناس من عذاب الله أولا قبل كل شيء، وآخرًا وأهم من كل شيء، والله جل وعلا قال في ثاني سورة أنزلها على محمد (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾) وسيأتي مزيد تقرير لهذا.
والشريعة أرادت اليسر بالعباد، ومع هذا اليسر فإن الشريعة كلفت العباد، والتكليف كما تقرر عند الجميع، إلزام ما فيه مشقة، فكيف أرادت الشريعة اليسر، وقد ألزمت العباد بما فيه مشقة؟!
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾) سورة البقرة.
الجواب هو أن الشريعة ألزمت الناس بشيء من المشقة، ابتلاء وامتحانًا كما قرره الأصوليون، والله جل وعلا جعل جزاء الصبر على هذا البلاء النجاة من مشقة نار جنهم، فكانت بذلك مريدة لليسر بهم، وهو أمر يحتاج إلى تأمل.
ومثل هذا أو قريب منه يقال في العدل والقسط وأضرابها كمقاصد رمت إليها الشريعة وأرادتها.
ولهذا، فيحسن بنا أن نسمي هذه المقاصد، بمقاصد ثانوية بجانب المقصد الكلي؛ ما أراده الله لنفسه العلية في الدنيا والآخرة.
أما النوع الثاني: فإنه تلك الآيات والأحاديث التي تقرر أن الشريعة أرادت مصلحة العباد في الآخرة، أي بعد مماتهم، فالمقصد هنا راجع للعبد، ولكن في الآخرة:
وقد يكون هذا المقصد ما أراده بعض من تحدث في المقاصد من الأوائل ومن مشى على طريقتهم يوم أن جعلوا حفظ الدين أول الضروريات، لكن كلام بعضهم أوهم أنه مقصود للعبد فقط، وليس مقصودًا لله، فإن كان هذا الذي فهمناه من كلام السابقين صواب، فقد أخطأ منهم من قال بذلك، وإن كان غير ذلك، فالصواب ما تضافرت عليه الأدلة مؤيدًا بإجماع علماء القرون الثلاثة وأئمة المذاهب - وهو ما ورد في النوع الأول - أن الغاية من الخلق أن يفرد الرب جل وعلا بأي نوع من أنواع العبادة التي هي في أصلها إظهار غاية الرهبة والرغبة للرب جل وعلا وحده لا شريك له، ومن ثم يثيب من يحقق هذا بجنة عرضها السموات والأرض، ويعذب من تمرد على هذا بنار تلظى، لا يموت من دخلها ولا يحيي، فالمقاصد إما راجعة للرب، وإما للعبد لكن في الآخرة وليس في الدنيا، وما يرجع منها إلى الدنيا ثانوي فرعي.
ولا أظن أحدًا يقرأ هذا البحث بحاجة إلي إيراد الأدلة على منزلة هذا المقصد؛ أعني المقصد الراجع لمصلحة العبد في الآخرة، لا سيما إذا ما قورن بالمقاصد والمصالح الدنيوية.
ولعل الله ييسر إخراج كامل البحث عما قريب.
стр. 548
عنيف القول ولطيفه تجاه السلف
د. عبد العزيز العبد اللطيف
١٧ رجب ١٤٣١هـ
لا يُنْتَظر من الغرب إلا مزيداً من العداء الجلي، أو المكر الخفي لدين الإسلام وأهله، لا سيما مذهب أهل السُّنة والجماعة؛ فقد جاهر ساركوزي فرنسا بأن الحجاب ناشئ عن السلفية، وأما أهل البدع المغلَّظة: كالرافضة وغلاة الصوفية؛ فلا يزالون في كيدٍ دائمٍ، وعداء متلاحق لمذهب السلف الصالح.
لكن البلية أن ينساق بعض متسنِّنة هذا العصر إلى نقد السلفية، وتقويم أهل السُّنة عبر قنوات مأبونة، ومحافل مشبوهة، وربما تدثَّروا بالموضوعية وروح النقد والصدع بالحق. وأما أهل الأهواء والزندقة فهم في عافية من نقد أولئك «الشجعان»، بل صار الطعن في السلفية حِمَىً مستباحاً، واهتماماً راتباً، وقضية مكرورة مألوفة.
ومع ذلك فإن التطاول على مذهب أهل السُّنة هو علامة الإرث الصحيح، والاتباع التام لسيِّد الأنام ﷺ ؛ فإن قريشاً كانت تسمي نبينا محمداً ﷺ تارة مجنوناً، وتارةً شاعراً، وتارةً كاهناً، والروافض يلقِّبون أهل السُّنة بالنواصب، وأهلُ الكلام يسمونهم حشوية ونوابت، وأهل التعطيل ينبزونهم بالمشبهة والمجسمة ... إلخ (١). وهذا الطعن والهجوم على مذهب السلف قد يكون في غاية النزق والبغي؛ فيكون حافلاً بالكذب الرخيص، والإفك المبين.
ولئن كان هذا البغي والفجور في الخصومة مُوجِعَاً لأوَّل وهلة؛ إلا أنه سرعان ما يعتريه الزوال والانحسار؛ فهو أشبه بقعقعة الصبيان، وهذيان نزلاء المارستان. إضافة إلى أن العداء الصارخ، والحرب المكشوفة قد تبعث يقظة وتحفُّزاً، وتهيُّؤاً للمنازلة والمجالدة؛ فسبحان من قدَّر المقادير وأحكمها؛ فجعل في المحن مِنَحَاً وألطافاً! فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد يسلك الخصوم مسلكاً هادئاً في مكايدة مذهب السلف، فيحرصون على التلطف والمراوغة من أجل تطويع مذهب السلف للتبديل والتحريف، والعصرنة والتنوير؛ فهو مسلك خفيٌّ يكمن مَكْرُه الخفي بإثارة الأغلوطات، وتكلُّف التأويلات، واتباع المتشابهات ابتغاء الفتنة، وقد يتظاهرون بمدح السلفية والاحتفاء بها، فَتَعْظُم الرزية بهؤلاء أشد ممن قبلهم.
وقد يستغرب القارئ الكريم إذا علم أن هذا الكيد الخفي هو سبيل قديم لأهل البدع الذين مردوا على النفاق؛ كما كشفه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠هـ) ﵀ قائلاً: «بلغنا أن بعض أصحاب بشر المريسي قال: كيف تصنعون بهذه الأسانيد التي يحتجون بها علينا في ردِّ مذهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؟ قال: لا تردُّوه فتفضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل، فتكونوا قد رددتم بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردٌّ بعنف» (٢).
وأظهر مثال على ذاك الهجوم بشقَّيه (العنيف واللطيف) هو الهجوم على شيخ الإسلام ابن تيمية وتراثه النفيس؛ فقد شَرِق الخصوم قديماً وحديثاً بهذا الإمام الرباني ومؤلفاته، وتكالبوا عليه، وأجلبوا بخيلهم ورَجِلِهِم، فما زاده ذلك إلا رِفعة وقَبولاً، وأضحت مؤلفاته ملء السمع والبصر، وفي شتى الأصقاع والبلدان.
فأقرأ تصانيفَ الإمامِ حقيقةً ... شيخِ الوجودِ العالمِ الربانِي
أعني أبا العباس أحمدَ ذلك الـ ... ـبحرُ المحيطُ بسائرِ الخُلْجَانِ
هي في الورى مبثوثةٌ معلومةٌ ... تُبْتَاعُ بالغالي من الأثمانِ (٣)
فمن الكذبات الصلعاء أن ابن تيمية رجع إلى عقيدة الأشاعرة، وآخر يزعم أن ابن تيمية ليس سلفياً. ومن ركام ذاك الإفك الرخيص ما سوَّده أحد المعتوهين المنتكسين من أن ابن تيمية «المتشدد» يعاني أزمة روحية!!.
стр. 549
ثم يغالط ذاك المأفون هذيانه السابق فيزعم أن ابن تيمية يقرر أن جميع البشر إلى الجنة (١).
وكذا ما ادَّعاه أحد المتعثرين المتقهقرين من أن ابن تيمية ليس له أي دراسة لكتب المنطق والفلسفة (٢).
والحال المذكور آنفاً وإن كان يحكي سفهاً وحمقاً، وجهلاً كثيفاً، إلا أنه يكشف نوعاً من عوارض «الإسقاط»، أو كما في المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلَّتِ».
ومن المغالطات الخفية ما تفوَّه به أحد المشايخ «العصريين» قائلاً:
«شيخ الإسلام متسامح جداً؛ يقول بتهنئة أهل الكتاب وتعزيتهم، وعيادتهم إذا كانوا مرضىً، وهذا اختيار شيخ الإسلام، كما قال البعلي» (٣).
وادَّعى أيضاً أن الجهاد عند ابن تيمية لأجل العدوان وليس لأجل الكفر (٤).
إن العبارة الأُولَى لا تنفك عن إيهام ومغالطة، وبالرجوع إلى الاختيارات الفقهية للبعلي، نجد أن المقام بشأن أهل الذمة خصوصاً، الذين تجري عليهم الشروط العُمَرِية وما تحويه من الذل والصغار و «الغيار» على أهل الذمة، وليس جميع أهل الكتاب مطلقاً؛ فالكافر قد يكون ذمياً، أو معاهَداً، أو مستَأمَناً، أو محاربِاً، كما أن عيادتهم وتعزيتهم جائزة إن كان يُرجى إسلامهم، ثم إن البعلي حكى اختلاف كلام ابن تيمية في ردِّ تحية الذمي، وهاك العبارة بتمامها «واختلف كلام أبي العباس (ابن تيمية) في ردِّ تحية الذمي، هل تُردُّ بمثلها أو: وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلاً وسهلاً. ويجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة؛ كرجاء الإسلام. قال العلماء: يعادُ الذمي، ويُعرَض عليه الإسلام» (٥).
والشيخ المذكور يقول: (مشكلة الناس أنهم يقرؤون «اقتضاء الصراط المستقيم» ولا يقرؤون «الاختيارات الفقهية»).
ولا موجب لهذا الامتعاض، وافتعال هذه الإشكال؛ فالجميع كلام ابن تيمية، والمتعيَّن أن يُنظَر في جميع تقريراته، بل إن تقريراته في «الاقتضاء» أوثق وآكد من تقريرات واختيارات يكتنفها فَهْمُ من جَمَعَها وصنَّفها، كالبعلي.
وبالجملة فإن بتر النصوص، وإهمال بعضها ليس «ترشيداً» - كما يقصد الشيخ المذكور - بل هو «تشريد»، وبعثرة للنصوص، وتفريق لها.
стр. 550
ومجاراةً للشيخ ومريديه في الاحتفاء بالبعلي؛ فإن البعلي اختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، واختصر اقتضاء الصراط المستقيم، وأسوق بعض ما جاء في مختصر الفتاوى المصرية: «وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعار دينهم في ديار المسلمين، وليس للمسلمين أن يُعِينُوهم على أعيادهم، لا ببيع ما يستعينون به على عيدهم، ولا بإجارة دوابهم ليركبوها في عيدهم؛ لأن أعيادهم مما حرَّمه الرسول ﷺ . وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم مثل صبغ البيض، وبخور، وتوسيع النفقات، فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال، بل قد نصَّ طائفة من العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك على كفر من يفعل ذلك، ولو تشبَّه المسلم باليهود أو النصارى في شيء من الأمور المختصة بهم، لَنُهِي عن ذلك باتفاق العلماء، بل ليس لأحد من المسلمين أن يخصَّ مواسمهم بشيء مما يخصونها به؛ ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرُّب به، فإنه يُعرَّف دين الإسلام، وأن هذا ليس منه، بل هو ضده، ويستتاب منه، فإن تاب وإلا قُتِل. وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة، ولا يحل له أن يأكل من ذلك» (١).
وأمر آخر فيما يخص التهنئة - التي هي محل خلاف - فيما ليس متعلقاً بأعيادهم وشعائرهم المختصة بهم؛ فتهنئة الكفار بأعيادهم حرام بالاتفاق، بل قد لا يسلم صاحبها من الكفر كما قرره ابن القيم تلميذ ابن تيمية (٢)، بل قال العلاَّمة ابن عثيمين: «التهنئة بالأعياد؛ فهذا حرام بلا شك، وربما لا يَسْلَم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضاً بها، والرضا بالكفر كفرٌ، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى عيد «الكريسمس» أو عيد «الفصح» أو ما أشبه ذلك» (٣).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: «لا يجوز للمسلم تهنئة النصارى بأعيادهم؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم، وقد نهينا عنه، قال - تعالى -: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، كما أن فيه تودداً إليهم، وطلباً لمحبتهم .. وهذا لا يجوز، بل الواجب إظهار عداوتهم» (٤).
ودعوى أن الجهاد عند ابن تيمية لأجل المحاربة والعداون، وليس لمجرد الكفر، فهذه دعوى مردودة مكذوبة، والرسالة المنحولة لابن تيمية في ذلك لا تصح ولا تثبت، كما حرره جملة من العلماء والمحققين كابن قاسم (٥)، وابن مانع في رسالة خطية بعثها إلى الشيخ ابن سحمان سنة ١٣٤٠هـ (٦)، بل صنَّف الشيخ سليمان بن حمدان سنة ١٣٨٢هـ كتاباً مستقلاً يزيد على مائة صفحة في الردِّ على هذه الرسالة المزعومة، وسمى كتابه بـ: «دلالة النصوص والإجماع على فرض القتال للكفر والدفاع»، كما أن الذين سردوا مؤلفات ابن تيمية: كابن رشيق وابن عبد الهادي ونحوهما، لم يذكروا تلك الرسالة، بل إن هذه الدعوى منقوضة بتقريرات ابن تيمية في كتبه المعتمدة، ورسائله الشهيرة، كما في «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» (٧)، و «الصارم المسلول» (٨)، والصفدية (٩)، ومجوع الفتاوى ونحوها (١٠).
стр. 551
قال ابن تيمية ﵀: «كل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ... » (١).
وأخيراً: فإن على القارئ أن يستصحب أن تراث ابن تيمية يحوي مجاميع متنوعة، ومجلدات كثيرة، بل هو أشبه بالموسوعات المتعددة؛ فلا غرو أن يقع اشتباه وإشكال في مواطن من هذه المؤلفات، أو تَرِدَ عبارات محتملة أو موهمة؛ ومسلك العلم والعدل يقتضي أن يؤخذ بكلام المؤلِّف كله، ويردَّ ما كان مشتبهاً ومجملاً إلى ما كان واضحاً مفصَّلاً؛ فلا يُحتَجُّ بالأغرب منها علي الأغلب، ولا يُشغَب بالمغمور على كلامه المشهور (٢).
كما يتعيَّن على أهل السُّنة أن يحققوا الرسوخ في العلم الشرعي، وإحكام منهج السلف، وتحرير مسائل الاعتقاد، والتهيؤ التام لمدافعة الشغب على مذهب السلف، وإبراز القواعد الكلية والأجوبة المتينة تجاه شبهات وأغاليط المخالفين؛ فإن هذا الحِجاج والجدال من أعظم القربات وآكد الحاجات. «قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣]. قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم؛ فالعلم بحُسْنِ المحاجَّة مما يرفع الله - تعالى - به الدرجات» (٣).
«فقصة إبراهيم في العلم بالحجة، والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين، والمقصِّرون عن علم الحُجَجِ والدلالات مقهورون مع هذا الصنف، تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد الدين بالجدل، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شرِّ بعضٍ في الدين، وتارة يعيشون في ظلِّهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم، وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدافعة لأهل البدع» (٤).
стр. 552
التسامح العقابي مع المبتدع وضرورة الإتقان المعرفي
سلطان العميري
١٣ رجب ١٤٣١هـ
تعد مسألة التعامل مع المخالف من القضايا الشائكة على مر التاريخ، فالخلاف فيها ضارب في أعماق تاريخ الفكر الإسلامي، ومن يتتبع مراحل ذلك التاريخ يجد تباينات واسعة بين أتباع المذاهب في تحديد القول الصحيح فيها، وتحرير الضوابط الموافقة لمقتضيات الدلالات الشرعية المتقنة.
وها هو اليوم .. واقعنا المعاصر يشهد التباينات نفسها، ويعود فيه التاريخ من جديد، ليجعل هذه المسألة محل بحث ومثار جدل طويل.
وبلا شك يلحظ المراقب في خطابنا السائد ميلا إلى الجانب التشددي في الموقف من المخالف في مجالات عديدة، ومن مظاهر ذلك التشدد: الانطلاق من سوء الظن بالمخالف، وشيوع القدح في ديانته, والاتهام بسوء الطوية، وإغفال ماله من حقوق وتغليب الجانب النافي لها.
وهذه المظاهر تحتاج إلى إصلاح ومراجعة ومحاكمة إلى دلالات النصوص الشرعية وما كان عليه الصحابة ﵃.
وقد أراد عدد من المهتمين بهذه القضية التخلص من الصورة الخاطئة في التعامل مع المخالفين، وكان من أظهر القضايا التي أرادوا مزاولة التصحيح فيها: قضية العقاب الدنيوي للمبتدع، وحسنا قصدوا، ولكنهم حين أرادوا ممارسة هذه العملية التصحيحية لم تكن ممارستهم خالية مما يقدح في انضباطها أو ما يعرقل مسيرتها، وإنما وقعت في ممارسات استدلالية ووصفية وتحليلية خاطئة أدت بها إلى نتائج مخالفة أو غير متسقة مع المستندات الشرعية الصحيحة، فغدت طريقة التصحيح محتاجة إلى تصحيح، وعملية النقد تتطلب النقد.
وتبرز أعمق تلك الممارسات الخاطئة في الأمور التالية:
الأمر الأول: شيوع التوصيف المخالف للواقع، فقد عمد كثير من المتبنين للتسامح العقابي إلى بناء توصيفات شرعية وتاريخية خاطئة مخالفة للواقع، وأخذ يستند إليها في تقرير ما يريد أن ينتهي إليه، وهي غير صحيحة في نفسها، وبالتالي وقع في بناءات خاطئة.
والأمر الثاني: اختفاء المناطات الشرعية المؤثرة في الحكم، ومزاحمة المناطات الأخرى التي ليس لها تأثير في بناء أي حكم شرعي، فمن البدهيات الاستدلالية في المسائل الشرعية أن الواجب على الناظر في دلالات النصوص الشرعية التحرر من كل غرض نفسي أو واقعي أو مصلحي، ويتجرد لتحرير المناط الذي اعتبرته الشريعة في بناء الحكم الشرعي، ولكن الملاحظ في قضية التسامح العقابي عدم تحرير تلك المناطات المؤثرة، واختلاطها بمناطات أخرى لا تأثير لها، مما أوقع البحث فيها في صور عديدة تنافي الانضباط المعرفي والاستدلالي
وهذا البحث يريد أن يسلط الأضواء على هذين الخطأين المنهجيين ويبين آثارهما على طريقة البحث والتداول في قضية التسامح العقابي مع المخالف، ويدرس مدى ربط التسامح مع المبتدعة مثلا بعدم إجراء العقاب الدنيوي معهم.
... ... ...
أما الأمر الأول، وهو: التوصيف الخاطئ، فتتخلى أمثلته في القضايا التالية:
القضية الأولى: القول بأن المنافقين كانوا يعلنون كفرهم بحضرة النبي ﷺ والصحابة من غير إنزال عقوبة دنيوية بهم، ليتم التوصل بعد ذلك إلى أن ثمة تسامحا عقابيا كان مع المنافقين.
وقد استند هذا القول على نوعين من الأدلة:
النوع الأول: أن الله تعالى كثيرا ما يذكر عن المنافقين أقوالهم ومناقضتهم لما كان عليه المؤمنون وأنهم يتحدثون في مجالسهم بذلك، ووجه إلى المؤمنين التوجيه مباشرة ولم يذكر أي إجراء عقابي، وإنما كان يأمر بالإعراض وعدم الإلتفات إليهم ونحو ذلك، وهذا يدل على أن المنافقين كانوا يعلنون أقوالهم وإلا كيف توجه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة.
стр. 553
والنوع الثاني: انسحاب المنافقين بثلث الجيش يوم أحد، وهذا من أظهر الأدلة على إعلان المنافقين لكفرهم في زمن النبي ﷺ .
ونحن حين نرجع إلى واقع المنافقين في عصر النبي ﷺ لنتأكد من هذا التوصيف (إعلان الكفر) لا نجد ما يدل عليه، بل هو مخالف للواقع الذي كانوا يعيشونه، والشواهد على هذا عديدة، ومنها: وصف النفاق نفسه، فإن النفاق في الأصل يعني الخفاء والاستتار، فلوا كان المنافقون يعلنون كفرهم بين المسلمين فكيف يصح وصفهم بالنفاق إذن؟! ولهذا لما بين القرآن ما كانوا عليه من الكفر وسوء الطوية في سورة التوبة سمي هذا التبيان فضيحة، وسميت سورة التوبة بالفاضحة، والفضيحة تعني كشف المساوئ وإظهارها، فلو كان المنافقون يظهرون كفرهم فأي فضيحة حصلت إذن؟!
ومن يطالع القرآن يجده يحكي عن المنافقين الخوف والاستتار وعدم إظهار ما يكتمونه في صدروهم، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ [التوبة:١٠١] , فهذه الآية دالة على أن المنافقين يخفون كفرهم بحيث لا يعلمهم الرسول ومن معه، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم * وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، فهذه الآية تدل على أن كفرهم غير ظاهر وإنما يمكن أن يعرف بالقرائن.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون﴾ [التوبة:٦٤] , فهذه الآية غخبار من الله تعالى عن خذر المنافقين من إظهار القرآن لحقيقة ما هم عليه، فلو كانوا يظهرون الكفر علنا فبما مبرر هذا الحذر؟!
ومما يدل على ذلك: أنه نقل عن عمر بن الخطاب أنه لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة خشية أن يكون الميت منافقا، فلو كان المنافقون يعلنون كفرهم جهارا لما خفي على عمر، وهو الرجل القريب من النبي ﷺ ، ولو كانوا يظهروا كفرهم لما كان العلم بأسماء بعضهم سرا خاصا بحذيفة ﵁.
وإذا طالعنا حال المنافقين وجدنا أنهم يتحملون مشاقا كبيرة، فقد كانوا يخرجون إلى الغزوات ويحضرون الصلوات وهي ثقيلة عليهم جدا كما ذكر النبي ﷺ ، فلو كانوا يظهرون كفرهم فلماذا ها التحمل كله؟!
والذي تدل عليه الأدلة الشرعية والتاريخية أن المنافقين حصل منهم إظهار لفكرهم، ولو لم يظهروا قولهم الكفري لما كانوا منافقين، ولكن هذا الإظهار لا يصل إلى درجة الإعلان به في وسط المجتمع، وإنما كان إظهارا خاصا في مجالسهم الخاصة وفي حوادث متفرقة، وكان يشهد هذه المجالس بعض المسلمين ممن لم يعلم بحالهم، ثم يخبر بعضهم النبي ﷺ بما يقولوا، وهذا لا يسوغ لنا أن نقول إن ثمة إعلانا للكفر في زمن النبي ﷺ في المدينة.
стр. 554
وأما ما حكاه القرآن من أقوال المنافقين، فإنه لا يصح الاعتماد عليه في القول بأنهم يمارسون إعلانا للكفر بين يدي النبي ﷺ ، فإن غاية ما فيه إثبات حدوث تلك الكفريات من المنافقين، وليس فيها ما يدل على شيوع هذا القول وإعلانه، ومن عادة القرآن الغالبة استعمال الأسلوب العام في التوجيهات حتى ولو كانت متعلقة بأسباب جزئية، فترى القرآن يخاطب عموم المؤمنين في الأمر والنهي النازل بسبب خاص، وهذا لا يدل على أن ما نزل بسببه الأمر أمرا شائعا في المجتمع المدني، فكلك الحال في حكاية قول المنافقين، فاستعمال الأسلوب العام لا يعني أن هذا الفعل شائع في ذلك المجتمع.
وأما انسحابهم من غزوة أحد، فإن الذي يحاول أن يتعرف حقيقة ما وقع من المنافقين يدرك بأن ما وقع منهم لم يكن كفرا ونفاقا، فإنهم أثاروا شبهة ضعيفة، وهي أنهم لا يتوقعون وقوع القتال بين المسلمين والكفار، ولهذا رجعوا إلى المدينة، وافتتن عدد من المسلمين بشبهتهم فرجعوا معهم، وهذا في حد ذاته ليس إعلانا للكفر، حتى يصح الاعتماد عليه.
القضية الثانية: موقف ابن عمر من القدرية، فإنه أنكر قولهم ولم يطالب بمنعهم أو ملاحقتهم، فموقفه هذا دال على أنه يرى أن المخالف لا يعاقب على مخالفته، وهذا يدل على التسامح العقابي كما يقول بعضهم.
وإذا رجعنا لنتحقق من موقف ابن عمر وغيره من الصحابة من طائفة القدرية في زمنهم، فإنا نجد الأمر مختلفا عن هذا التوصيف، ولا بد لنا ابتداءً أن نبين المراد بالقدرية في زمن الصحابة، فإن المقصود بهم من ينكر علم الله السابق للأشياء، فالله حين أمر ونهى لم يكن يعلم من يطيعه ومن يعصيه حتى وقعت الأفعال من المكلفين.
وحين ظهر هؤلاء، وكان عددهم قليلا، أخذ الناس يسألون من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين وواثلة وغيرهم، وسألوا أيضا كبار علماء التابعين الذي تتلمذوا على الصحابة.
وظاهر فتوى ابن عمر أنه يرى كفر القدرية الأولى؛ لأنه بين أن الله لا يقبل منهم علمهم حتى يؤمنوا بالقدر، واستدل بحديث جبريل الطويل، ليثبت أن القدرية أنكروا أصلا من أصول الإيمان الستة، وكان ابن عباس يرى قتل القدرية الأولى، فعن أبي الزبير أنه:" كان مع طاوس يطوف بالبيت، فمر معبد الجهني، فقال قائل لطاوس: هذا معبد الجهني، فعدل إليه، فقال: أنت المفتري على الله؟ القائل: ما لا يعلم؟ قال: إنه يكذب علي، قال أبو الزبير: فعدل مع طاوس حتى دخلنا على ابن عباس، فقال طاوس: يا أبا عباس الذين يقولون في القدر؟ قال: «أروني بعضهم، قلنا: صانع ماذا؟ قال: إذا أضع يدي في رأسه فأدق عنقه» (الشريعة، الاجري رقم ٤٥٨).
وهذا هو القول المنقول عن كبار علماء التابعين، كمحمد بن سيرين وإياس بن معاوية وزيد ابن أسلم ومحمد القرظي وإبراهيم النخعي ووكيع بن الجراح والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وسالم ابن عبدالله ابن عمر، (انظر في أقوالهم: الشريعة، الاجري ٢/ ٩١٧ و ٩١٨ و ٩٢٢و٩٢٣).
فكل هؤلاء تواردوا على الإفتاء بقتل القدرية الأولى، وهم أعلم بفقه الصحابة وأقرب إلى منهجيتهم في الاستدلال، أولى بفهم أقوالهم.
وكون ابن عمر لم يفت بقتل القدرية الأولى لا يعني أنه لا يرى إلحاق العقوبة بهم، خاصة إذا علمنا أنه يرى كفرهم.
القضية الثالثة: موقف علي من الخوارج، فإنه لما ناظرهم هو وابن عباس قال لهم: "لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا "، هذا يدل على أن عليا يرى أن المبتدعة لا يتخذ فيهم إجراءً عقابيا كما يقول بعض الباحثين.
стр. 555
وقبل أن نبين حقيقة موقف علي ﵁ لا بد أن ننبه على أن النصوص الشرعية دلت على مشروعية قتال الخوارج وقتلهم، وقد جاء ذلك في نصوص كثيرة، منها: قوله ﷺ :" يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» (أخرجه البخاري رقم ٣٦١١).
ومنها: قوله ﷺ :" «إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (البخاري رقم ٧٤٣٢).
فهذه النصوص كلها تدل على مشروعية اتخاذ الإجراءات العقابية ضد الخوارج، ولهذا استند عدد من علماء المذاهب إليها في تقرير مشروعية قتل الخوارج ولو لم يبدؤوا بالقتال، وهي دلالة قوية على خطأ إطلاق القول بالتسامح العقابي بدون قيد.
وأما عدم تطبيق علي ﵁ لهذه العقوبة في بداية الأمر فليس فيها دليل على أنه يرى عدم مشروعية العقوبة الدنيوية للمخالف، فإنه حرق من غلا فيه من الشيعة ولم يتسامح معهم، فموقفه من الخوارج في ابتداء الأمر يحمل على أن عليا لم يكن يقصد إلى تشتيت جهوده في محاربة الخارجين عن حكمه والمنازعين له في إمامته، وعلى ان الخوارج كان عددهم كبير جدا فلا مصلحة من قتلهم في تلك المرحلة، فلما اعتدى الخوارج وانتشر شرهم بادرهم بالقتال والقتل.
القضية الرابعة: القول بأن واصل بن عطاء كان له مجلس في مسجد الكوفة يدرس فيه مذهبه المخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون، وهذا يدل على مدى التسامح العقابي الذي كان يزاوله الصحابة والتابعون كما يقول بعض الباحثين.
ونحن حين نرجع إلى المراجع التاريخية لنتحقق من هذا الأمر نجدها مختلفة في حكاية ما كان عليه واصل مع الحسن البصري، ولكن كل الحكايات ليس فيها ما يدل على أن واصلا كان له مجلس مستقر في المسجد يشرح فيه قوله، وإنما غاية ما فيها أنه لما انعزل عن مجلس الحسن البصري جلس إلى سارية من سواري المسجد واجتمع إليه عدد من أصحابه وأخذ يتحدث إليهم بفكرته، ولم يرد أنه أنشأ مجلسا ظاهرا في المسجد أو في غيره يشرح فيه قوله, بل الظاهر في التاريخ أن قوله كان غير مشهور ولا معلن به.
القضية الخامسة: موقف عمر بن عبدالعزيز من غيلان، فإنه - كما قرر بعض الباحثين - ناظر غيلان الدمشقي ولم يتخذ ضده إجراءً عقابيا، فلما مات عمر قتله هشام بن عبدالملك، وبلا شك أن عمر أفضل من هشام، وهذا دليل على أن الإجراءات العقابية كان منشاؤها السياسية لا الدين.
ولكن هذا التوصيف غير دقيق، فإن الناظر في الكتب المسندة يجد أن عمر لم يتسامح مع غيلان، فإنه حين بلغه عن غيلان القول بالبدعة دعاه وحبسه أياما ثم ناظره وبين له خطأه واستتابه، فأظهر غيلان التوبة والرجوع عن مقالته فخلى سبيله، وهذا يدل على أنه لو لم يعلن توبته لاتخذ منه موقفا آخر.
ثم لما مات عمر رجع غيلان إلى مقالته وقتله هشام ابن عبدالملك بعدما ناظره الأوزاعي وأفتى بقتله، فقتل، وأيد عدد كبير من كبار العلماء هذا الفعل.
وقد حاول عدد من الباحثين التشكيك في نزاهة هذا القتل وربطه بالأغراض السياسية، وقد بينت في التفسير السياسي الخلل المنهجي في هذا الربط الخاطئ.
... ... ...
وأما الأمر الثاني، وهو: اختفاء المناطات المؤثرة في بحث التسامح العقابي، فتتجلى هذه الإشكالية في القضايا التالية:
القضية الأولى: الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه:
стр. 556
من العلوم أن النظر في نصوص الكتاب والسنة يتطلب أن يفرق الناظر فيها بين أمرين هامين:
أما الأمر الأول: فهو حقيقة الحكم الشرعي في نفسه وكيفية بنائه،
وأما الأمر الثاني: فهو تنزيل الحكم الشرعي على المعين وتطبيقه في الواقع.
وهذان أمران مفترقان في الحقيقة وفي المناطات المؤثرة وفي الشروط، فالواجب على الباحثين في الشريعة أولا بناء الحكم الشرعي في نفسه وتحرير الدلالات الصحيحة فيه وتبيان المناطات المعتبرة، وأما تنزيل الحكم على المعينين وتطبيقاته المختلفة فهذا شأن آخر له شروط واعتبارات أخرى، ويجب أن يراعى فيه ظروف زمانية ومكانية وحالية لا تراعى في بناء الحكم الشرعي نفسه.
وهذا التفريق تدل عليه تطبيقات كثيرة في عهد الصحابة وغيرهم، فمما لا شك فيه أن الشريعة ثبت فيها حد السرقة ثبوتا قطعيا، ومع هذا لم يطبق عمر هذا الحكم على بعض المعينين لظروف خاصة راعاها عمر، فعدم تطبيق عمر لا لأن الحكم ليس ثبتا عنده، إنما لأنه يفرق بين الحكم الشرعي ومناطاته وبين تطبيقاته العملية، وكذلك لم يقم عثمان حد الزانى على المرأة الجاهلة في زمنه, لا لأن عثمان لا يرى حد الزانى وإنما لأنه راعى أحوالا خاصة قامت في المعين.
وعلى هذا فانتفاء العقاب عن المعين ليس دليلا على انتفاء وجود العقوبة الشرعية نفسها، ولما لم يدرك بعض المتبنين للتسامح العقابي هذه الحقيقة أخذ يستدل على انتفاء مشروعية العقوبة بانتفاء تطبيقها، فجعل يقول: إن المنافقين لا يشرع في حقهم إجراء عقابي في الدينا؛ لأن النبي ﷺ لم يتخذ في حقهم ذلك الإجراء العقابي.
وهذا التصور مبني على مقدمة خاطئة في الاستدلال كما سبق تبيانه، وفضلا عن ذلك فإن ثمة دلالات شرعية عديدة دالة على ثبوت العقوبة الدينوية شرعا في حق المنافقين.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [التوبة:٧٣]، فالأمر بالجهاد والإغلاظ أمر بعقوبة دنيوية بلا شك، وقد اختلف المفسرون من الصحابة وغيرهم في معنى الأمر بالجهاد هنا، فمنهم من ذهب إلى أن المراد به الجهاد باليد واللسان، وهو تفسير ابن مسعود وغيره من السلف، واختاره ابن جرير وغيره، ومنهم من قال: إن المراد بالجهاد هنا الجهاد باللسان فقط، كما قال ابن عباس، وعموم اللفظ يقوي القول الأول، وأما الأمر بالإغلاظ فهو أمر بعدم الرفق بهم والشدة عليهم، وهذا أمر يشمل أحكاما عملية عقابية عديدة.
ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١]، وهذه الآية واضح فيها التهديد العقابي بالقتل والتشريد، وقد أخذ عدد من العلماء مشروعية قتل المنافقين إذا أظهر نفاقه من هذه الآية.
ومما يدل على ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على عمر ابن الخطاب تعليق القتل بالمنافق حين قال عن حاطب:" دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال النبي ﷺ :" وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال عملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "، فالنبي ﷺ لم ينكر على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، فهو لم يقل: وما يدريك إن المنافق يقتل، وإنما بين أن حاطبا ليس منافقا.
стр. 557
ومما يدل على ذلك: هدم النبي ﷺ لمسجد الضرار، وهذا الهرم من الأصول الكبرى التي يبنى عليها التعزير بالمال، وقد استدل به كثير من العلماء على هذه القضية، وليس خافيا أن التعزير بالمال إجراء عقابي دنيوي.
هذه كلها دلالات شرعية على مشروعية العقاب الدينيوي في حق المنافق.
ومن صور الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه: القدح في الحكم الشرعي بناءً على التطبيقات السيئة له، وبناءً على استغلال أصحاب النفوس الضعيفة له، فإن بعض الباحثين في التسامح العقابي لما رأى أن الإجراء العقابي للمخالف طبق تطبيقات سيئة في التاريخ الإسلامي واستغله بعض الحكام أخذ يقدح في الحكم الشرعي نفسه، وهذا كله غير صحيح ولا مبرر فيه للقدح في الحكم الشرعي، لأنه لا علاقة للحكم الشرعي بالتطبيقات الخاطئة، ولو طردنا هذه الطريقة لأبطلنا عددا كبيرا من الشرائع الإسلامية، نتيجة التطبيقات الخاطئة من بعض المسلمين لها.
ثم إن عبث المستغلين للأحكام الشرعية يمكن أن يقع حتى في العقوبات الأخرى التي هي دون القتل كالعقوبات المالية والجسدية الأخرى، فهل ننكر حتى هذه الأحكام لأنه تم استغلالها من بعض ضعفاء النفوس؟!
القضية الثانية: اختفاء المناط المؤثر في قتل المبتدع:
من القضايا الهامة التي تساعد على ضبط وإتقان البحث في مسألة التسامح العقابي تحرير المناط المؤثر في إجراء العقوبة الدنيوية في حق المبتدع، فقد شاع في التاريخ الإسلامي أن عددا من غلاة المبتدعة قتلوا، كمعبد الجهني وغيلان الدمشقي والجهم ابن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم، وقتل هؤلاء تتعلق به بحوث عديدة، ومن تلك البحوث: السبب الحقيقي الذي كان وراء قتلهم، فقد ذهب عدد من المعاصرين إلى ذلك السبب كانا سياسيا بالدرجة الأولى، وأن العلماء الذي أفتوا بقتلهم انخرطوا مع هذا الغرض المادي البحت، وهذا خطأ تاريخي ظاهر، وقد بينت الدلائل على خطائه في كتاب " التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر " وتوصلت إلى أن السبب وراء ذلك كان سببا دينيا بالدرجة الأولى.
وقد استشكل بعض الباحثين هذه النتيجة وأخذ يقول: إذا السبب وراء قتل أولئك المبتدعة كان دينيا فإنه يلزم منه الحكم بجواز قتل الأشاعرة، لأنهم قالوا بأغلظ مما قال مبعد الجهني وغيلان الدمشقي، بل هم أكثر ابتداعا منهما.
وإذا أردنا أن نحلل هذا الاستشكال ونفكك مقدماته نجد أنه مبني على مقدمتين خاطئتين:
أما المقدمة الأولى: فهي أن بدع الأشاعرة أغلظ من بدع القدرية، وهذا غير صحيح؛ فإن قول معبد الجهني أعظم جرما ومخالفة للنصوص الشرعية والأدلة العقلية من جميع أقوال الأشاعرة، فإن قوله راجع إلى إنكار العلم الإلهي السابق، وهذا قول شنيع لم يقل به الأشاعرة ولا حتى المعتزلة.
ومنشأ الغلط في ذلك الاستشكال راجع إلى عدم التفريق بين اطلاقات لفظ القدرية في التاريخ الإسلامي، فإن هذا اللفظ يطلق على ثلاث طوائف كما بينته في التفسير السياسي:
الإطلاق الأول: يطلق على نفاة العلم الإلهي، ويسمى هؤلاء بالقدرية الأولى، وهم من يقول إن الله لا يعلم بأفعال العباد حتى تقع منهم وأما قبل وقوعها فهو سبحانه لا يعلم من يطيعه ولا من يعصيه، وقد أنكر عليهم من بقي من الصحابة وأفتوا بقتلهم وكذلك فعل كبار علماء التابعين، وهذه الطائفة انقرضت في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي، والإطلاق الثاني: يطلق على الذين يقولون إن الله لا يخلق الشر فقط، وهذا القول شاع في المحدثين حتى قال الإمام أحمد:" ثلث رواة البصرة من القدرية " ويريد بهم هذا النصف، والإطلاق الثالث: يطلق على المعتزلة، الذين أثبتوا العلم الإلهي، ولكنهم نفوا خلق الله تعالى لكل أفعال العباد.
стр. 558
وهذا الإطلاق هو الذي يقابل بينه وبين قول الأشاعرة غالبا, فإن قال العلماء عن قول الأشاعرة أغلظ من قول القدرية وأقبح، فالمراد بالقدرية هنا المعتزلة لا القدرية الأولى، ولا شك في صحة هذا الحكم، لأن قول المعتزلة يؤدي إلى تعظيم الأمر والنهي والتكليف أكثر من قول الأشاعرة.
وإذا ظهرت لنا هذه التفصيلات الهامة فسندرك أن ذلك الاستشكال لا مبرر له، وإنما هو ناتج عن عدم إدراك لهذه الأمور الهامة.
وأما المقدمة الثانية: وهي: أن المناط في قتل القدرية كان الابتداع في الدين، وهذه المقدمة وقعت فيها تجاذبات عديدة، وتباينات مختلفة في توصيف المناط الحقيقي فيها، فمن الباحثين من يقول أن المناط هو الابتداع في الدين، ومنهم من يقول أنه الوقوع في البدعة المكفرة، ومنهم من يقول أنه الدعوة إلى البدعة.
وكل هذه الأقوال غير دقيقة في تحديد المناط الحقيقي لقتل المبتدع، وقبل أن نذكر المناط الصحيح المؤثر لا بد أن ننبه على أن هذه القضية تعد من المسائل الاجتهادية التي هي محل للاختلاف السائغ الذي يقتضي الإغلاظ أو التثريب، وليست من معاقد الإجماع التي يضلل فيها المخالف، وهذا لا يعني عدم الحرص على تحرير الدلالة الشرعية فيها وعدم بيان الخطأ الواقع فيها من الأقوال المخالفة.
وثمة أمر هام لا بد من التنبيه عليه أيضا، وهو أن الإجراء العقابي بالقتل وغيره مبني على إباحة التعزير بالقتل، وهذا الأصل مختلف فيه بين أتباع المذاهب الفقهية، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء جواز التعزير بالقتل كما سيأتي ذكر بعض أدلته.
وبناءً على هذا الأصل ذهب عدد من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الإجراء العقابي على المبتدع الداعية إلى بدعته بالقتل، وهو الذي كان عليه أكثر علماء السلف المتقدمين من أهل الحديث وغيرهم كما حكاه ابن تيمية.
وإذا أردنا أن نحلل القول بجواز الإجراء العقابي على المبتدع بالقتل ونحوه ونفتت منظومته الاستدلالية ونجزئ مكوناته المعرفية نجد أن المناط المؤثر في بنائه مناط مركب من أمرين:
الأول: حصول الضرر الديني بسبب البدعة.
والثاني: انحصار دفع الضرر في القتل فقط، ولا بد من توفر هذين الأمرين حتى يصح قيام المناط المؤثر، فإذا لم يحصل الضرر الديني بالبدعة فلا يجوز المصير إلى القتل، والمراد بالضرر هنا قدر زائد على مجرد المخالفة للشرع، وإلا جاز قتل كل من وقع في المعصية وكل من وقع في بدعة ولو لم تكن غالية، وكذلك إذا أمكن إزالة الضرر بغير القتل فإنه لا يجوز المصير إليه، وكذلك إذا لم يزل الضرر بالقتل فإنه لا يجوز المصير إليه.
وتحديد تحقق هذا المناط المركب في الواقع مما يحصل فيه الاجتهاد، ويقع الاختلاف في تحديد الظروف التي يتحقق فيها، ومن الظروف التي لا يتحقق فيها - في تصوري- أن تكون البدعة شائعة ومنتشرة ويتبناها عدد كثير، ففي هذه الحالة لا يحقق القتل اندفاع المفسدة، وكذلك إذا كان انتشار السنة التي كان عليها الصحابة ﵃ ضعيفا، فالقتل لا تندفع به المفسدة والحالة هذه.
ويمكن لنا أن ندرك هذه المناط المركب من تقريرات كثير من الفقهاء، وفي هذا يقول ابن عابدين من الحنفية:" والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجرا لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين" (ابن عابدين ٤/ ٢٤٣).
ويقول ابن فرحون من المالكية:" وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (تبصرة الحكام ٢/ ٢٩٧)
стр. 559
وهذا المناط المركب ظاهر في تقريرات ابن تيمية، وهو يعد من أوضح العلماء الذين حرروا وجه التركيب فيه، وفي هذا يقول ": ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين" (الفتاوى ٢٨/ ١٠٨).
يقول أيضا:" وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس، كما يقتل المحارب، وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه" (الفتاوى ٢٣/ ٣٥١).
ومن أجمع تقريرات ابن تيمية في هذه القضية قوله:" فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد فإن النبي ﷺ قال: ﴿أينما لقيتموهم فاقتلوهم﴾ وقال: ﴿لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ وقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك. ولأن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض. فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي ﷺ قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام؛ ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ولم يكن يتبين له أنهم هم " (الفتاوى ٢٨/ ٤٩٩).
وهذه التقريرات من ابن تيمية تدل على أنه لا يعتمد على قصة عمر مع صبيغ فقط، ولا على موقف علي من السبئية فقط، وإنما ينطلق من أصل كلي في الشريعة وهو أن الشرع جاء فيه إباحة دم المسلم لأجل أمور تتعلق بالشؤون الدنيوية، فما يتعلق بالدين يكون من باب أولى، كما سيأتي بيانه.
والملاحظ أن عددا من المعاصرين لم يهتم بتحرير وتعيين الأدلة الشرعية التي استُنبِط منها ذلك المناط المركب، ولأجل هذا أخذ بعضهم يقول: إن دليل هذا القول ضعيف؛ لأنه مبني على الاستدلال بفعل الحجاج أو هشام ابن عبدالملك أو مبني على كون أكثر السلف قال به.
وإذا مارسنا مزيدا من التحليل لتقريرات المحققين من العلماء الذين تبنون هذا الموقف نستطيع الكشف عن الأدلة الشرعية التي كانت وراء بناء هذا القول، وتتحصل هذه الدلالة في قياس الأولى.
وصورة هذا القياس: أن الشريعة أباحت دم المسلم المعصوم بأمور عديدة ترجع إلى الفساد في الأموال والمصالح الدنيوية، والمبتدع الذي يتبنى بدعة غالية ويدعوا إليها يؤدي إلى إحداث ضرر كبير في دين الناس، والدين أعظم من المصالح الدنيوية، فإباحة القتل فيه من باب أولى.
والأصل المقيس عليه في هذا القياس أصل كلي قطعي، كما جاء قي قتل الزاني المحصن وقتل المفارق للجماعة الشاق لعصى الطاعة وقتل الصائل وقتل المحارب وقتل الخوارج وقتل الساحر وقتل من أتى ذات المحارم وقتل تارك الصلاة وغيرهم
والعلة في أباحة الدم في هذه الأمور تحقق الفساد في دين الناس ودنياهم، وهذه العلة متحققة بصورة أكبر في صاحب البدعة الغالية الذي يسعى إلى الدعوة لبدعته، فإباحة دمه بناءً على ما سبق تكون من باب الأولى.
وهذا الأصل القطعي كان معتمد عدد من العلماء في الافتاء بالقتل في أمور لم ترد في النص الشرعي، ومن تلك الأمور: الإفتاء بفتل فاعل اللواط، ومن الأمور: الإفتاء بقتل الجاسوس، من تلك الأمور: الإفتاء بقتل شارب الخمر في المرة الخامسة، فهذه القضايا أفتى فيها عدد من العلماء بالقتل، قياسا على ذلك الأصل الكلي.
стр. 560
خبراء في الفكر والفلسفة ولكن !
خباب بن مروان الحمد
١٣ رجب ١٤٣١هـ
Khabab١٤٠٣@hotmail.com
نجتمع أحياناً في بعض النوادي الثقافية واللقاءات الفكرية، أو من خلال اللقاءات على الشبكة العنكبوتيَّة، نتطارح مع بعض الشباب أحاديث فكرية، وطروحات معرفيَّة، وهموماً نهضوية وتنمويَّة، فأجد لدى الكثير من الشباب إقبالاً كبيراً على المطالعة والمباحثة ومحبَّة الحوار، حتَّى ويكأنَّ المرء يشعر أنَّ مثل هذه النقاشات صار كثير منها متكلفاً، فالمهم أن نتحدث ونتناقش ونتبادل الآراء، ثمَّ بعد ذلك نمضي في أعمالنا وهمومنا الحياتيَّة مع قلَّة تطبيق وحسن عمل، وهذه مشكلة، يمكن أن نطلق عليها بإشكالية الترف الفكري، والغثاء الثقافي الذي يعيشه بعض الشباب المثقف والطامح لأن يكون يوماً ما مفكراً أو مثقفاً.
وعلى أيَّة حال فإنَّني ألحظ ساعة مناقشاتي مع بعض الشباب العربي والمسلم، والمتحمس للقراءة في المجالات الثقافية والفكرية والفلسفيَّة أنَّهم يعدُّون كمَّاً هائلاً من كتب ومدونات الكثير من مفكري الشرق والغرب، ولا يُعجزهم أن يتحدَّثوا حول جماليات منطق أرسطو، وتعريفات سقراط، ونظريات أفلاطون، وعبارات فيثاغورس، وقوانين دور كايم، وحكم فولتير، ويحشد لك عدداً من الأسماء كسبينوزا، جون لوك، ايراسموس، جان جاك روسو، مونتسيكو، ديكارت، توماس هوبز، جون ستيوارت ميل، ديدرو، لبطليموس، ابكتيتوس، مارتن لوثر، غاندي، والقائمة تطول بأسمائهم، فلها في قلوبهم بهجة كبيرة، حتَّى بتُّ أشعر حالة نطقهم لأسماء أولئك القوم بأنَّهم يعيشون حالة من الزهو والخيلاء، التي تُشعرهم بأنَّهم قوم مثقفون قد نالوا قسطاً كبيراً من الثقافة والقراءة في أفكار الغير.
هاتفني أحدهم قائلاً: أحب المطالعة في هذه الكتب الفكرية والفلسفيَّة، وكتب النظريات الغربية.
فقلت له: وما سر هذا التركيز وأنت شاب يافع؟
فأجاب: إنَّه لابدَّ لنا أن نتعلم نظريات الغرب لكي ننقدهم وننتبه من خطورتها، ويستدل بالحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها كان أحق الناس بها) (١) وأنَّ الشاعر العربي أبو فراس الحمداني قال:
عرفت الشر* لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الخير* من الشر يقع فيه!
وأنَّه رُويَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال "تُنقض عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية" (٢).
إلى غير ذلك من الاستدلالات والرؤى التجميعيَّة بحشد النصوص بكليتها لمناصرة القناعة المدموغة في عقليَّته التنويريَّة!
فنصحته وقلت له: يمكنك أن تهتم الآن بمطالعة كتاب الله وأحاديث المصطفى ﷺ ، وسيأتي اليوم الذي يمكنك أن تطالع فيه هذه الكتب بعد برهة من الزمن، للاستفادة ممَّا بها من جوانب تراها خيِّرة، ولنقدها فكرياً ومنهجياً، شرط أن تكون لديك حصانة ذاتية ومناعة فكرية.
стр. 561
كان ذلك الأخ مقتنعاً بأنَّ لديه اطلاع جيد بالعلوم الشرعية بحجَّة ما قام بدراسته سابقا، وأنا شخصياً لم أجده بالفعل كما يقول، وحاولت محاورته وإقناعه بمرادي، وقلت له إنَّ كل نفس يعتورها ما يعتورك من ضرورة مطالعة الكتابات والأطروحات الفلسفية والفكرية المنشورة قديماً وحديثاً وما بين الفينة والأخرى، وقد تسَوِّغ النفس لأجل ذلك أسباباً متعددة .... لكن أحسب أنَّ لكل زمن رجال، ولكلِّ مرحلة أهلها، واستباق الأحداث والوقت غير المناسب لفعل شيء ما يضير أكثر ممَّا ينفع.
• قناعات بديلة:
أعتقد أنَّ من الأهمية بمكان، الصيرورة إلى توجيه العقول إلى ما يمكن أن تنتفع به ويكون ركناً ركيناً، وأصلاً أصيلاً في عمليَّة التلقي، وهو التركيز على قضية أحسب أنَّها ذات أولوية في صياغة وتشكيل العقل العربي والمسلم وفي هذا الزمان خصوصاً
تلك القناعة التربوية التي لازلت متشبِّثاً بها وصادحاً بها في مجامع الشباب المثقف، قائلاً:
وأين نصيب القرآن والسنَّة وكلام الصحابة والتابعين من مطالعاتكم؟
وهل حاولتم أن تجمعوا مثلا أقوال الصحابة في طرق النهضة بأمتنا؟ وتستخرجوها من مظانها من كتب الآثار والمسانيد وإسقاط ذلك على الواقع المعاصر؟
أو قمتم بجمع آثار التابعين في ضرورة التنمية الاجتماعية والحراك العملي الخدوم في المجتمع؟
وهل فتَّشتم في كتب سلفنا وآثارنا وتراثنا عن مظاهر التفكير الإبداعي وخدمة الأمَّة المسلمة فيه وخصوصاً من فئة الشباب؟
وهل طالعتم كتب التأريخ والسير والمغازي وجمعتم الأسباب الحقيقيَّة لالتهاء الشعوب بأمر دنياها وقيام قلَّة قليلة منها بمقاومة النتوءات الفكريَّة، والخروقات الثقافات، وماذا كان دور عموم الناس في مناصرة علمائهم ومفكريهم حينما يصدعون بالحق، وما أسباب وقوفهم من عدمه؟
إلى غير ذلك ممَّا يخدم أمَّتنا وواقعها الفكري المعيش، وخصوصاً حينما ندرك أنَّ (العمل الجوهري للمفكر هو صناعة المفاهيم) (١)، وهي الطريقة الفعليَّة للاستنباط من تلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الكثير من المفاهيم التي تهمنا في مجتمعنا بشتَّى اهتماماته.
وبالطبع كنت أجد الجواب مختلفاً بين ألسنة الشباب، ولكنّي وجدت إجماعاً واضحاً على التقصير بقراءة كتاب الله ومطالعة التفاسير لفهمه، وما في سنَّة رسوله ﷺ وما يمكن الاستعانة به من شروحات كتب الحديث لفهم معانيها.
ووجدت بعضهم وكأنَّ الأمر لا يعنيه، فهو يفهم القرآن وقد قرأه سابقاً لمرة أو مرتين، وقرأ الأربعين النووية وشيئاً من رياض الصالحين، ولكنَّ الأهميَّة الكبرى لديه الآن في مطالعة الكتب الفلسفية وغيرها من المفاهيم التي تتحدث عن الديناميكية والحيوية والارستقراطية والأتوقراطية والثيوقراطية والبيوقراطية والمادية الجدلية ونشأة الحضارة، وقراءة تاريخ الصناعة والعمران المدني إلى غير ذلك من اهتمام هو أكبر وأوثق من اهتمامهم بقراءة القرآن والسنَّة.
стр. 562
وهذا بالفعل شيء حاصل فالكثير من هؤلاء باتوا يهربون من مطالعة النصوص الشرعية من كتاب الله وسنَّة رسوله ويستشهدون بها، ويحاولون أن يأتوا بآراء فلسفيَّة وحجج كلامية، وأحسنهم حالاً من لا يأبه بذكر النصوص الشرعيَّة بل يهتم بالمقاصد وفقه المقاصد، ويحاول أن يقفز على هذه النصوص بما يراه هو أنَّه من مقاصد الشريعة، وعندئذٍ تذكرت قول الفاروق عمر بن الخطَّاب ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم" (١).
إنَّ ما ذكرته من حالة مأساوية وقع فيها الكثير ممَّن يعدون أنفسهم فلاسفة وأهل رأي حصيف وفكر مكين، لكنَّ إدبارهم وإعراضهم عن الاهتمام بنصوص الوحيين تأملا وتدبراً وتفكراً وإسقاط هذه النصوص على الواقع، ومعالجة الواقع بالأدلة الشرعية بات شيئاً ضعيفاً، وصار الكثير منهم يستروح للحديث الإنشائي أو لذكر حِكَمِ وتجارب الفلاسفة، ومن لطائف ما حصل أثناء كتابتي لهذا المقال أن أرسلته لأحد أصدقائي المصريين المثقفين والمتميزين في المجالات الفكرية والفلسفيَّة، وحينما قرأ المقال وانتهى منه أرسل لي رسالة يقول فيها: (لكني أوافقك تمام الموافقة فيما ذهبت إليه، ووالله إني لأعاني من ذلك في الجمعية الفلسفية التي أحضر ندوتها كل شهر والتي يرأسها الدكتور حسن حنفي؛ حيث لا كلام إلا عن الغرب وأعلامهم، ومذاهبهم من الكلاسيكية حتى الحداثة وما بعد الحداثة ... كلها أمور تقسي القلب إلى جانب أنها لا تقيم نهضة للأمة!)
• فليكن الفكر منطلقاً من أساس متين:
قد يقول قائل: وهل يُراد من عموم الشباب العربي المسلم المثقف أن يكونوا علماء في الشريعة، فإنَّ هذا لا يتأتَّى ولا يمكن، ونحن بالفعل بحاجة لشباب مثقف ومفكر؟
وبالطبع، فإنَّ الأمَّة الإسلاميَّة ليست بحاجة للعلماء الفقهاء فحسب، بل هي كذلك بحاجة للشباب المثقف الواعي والمفكر بقضايا أمَّته والذي يندمج في واقعها الحيوي ويناقش مشاكلها بعمق وموضوعية وشفافية، لكن مع وجوب المواظبة على ورد يومي من قراءة كتاب الله وشيء من تفسيره مع التدبر بما فيها، ومطالعة شيء من أحاديث المصطفى ﷺ وقراءة سيرته العطرة، فالمنتسبون لأمَّة الإسلام يجب عليهم أن يكون لديهم التصاق تام بهذا الإرث (كتاباً وسنة) فهو عصمة لهم من الفتن، ووقاية لهم من مضلات الأهواء، خصوصاً حينما يحسن القارئ لهما التعامل معهما.
إنَّ الإشكالية الكبرى لدى هؤلاء أنَّهم يظنُّون أنَّ القرآن الكريم ما هو إلا حديث عن الغيبيات أو كما قال أحدهم عن الميتافيزيقيا فحسب، وأمَّا غير ذلك من الأجوبة التي تعنى بأمور تنظيم العبادة بين العبد وربه، وإعمار الكون بالإيمان والبنيان، والسير في الأرض، والأمر بالعدل وإنكار الظلم، وتزكية الأنفس، وتكوين الأسرة الصالحة، وإثبات كرامة الإنسان، والدعوة إلى التعاون على البر، ليست في وارد ذهنهم إطلاقا، فلا يظنَّون القرآن إلا مجرد بكائيات فحسب!
стр. 563
لأجل ذلك يقول بعضهم: انظروا في الكتب الأخرى والأفكار الأخرى، فهي التي تُفَتِّقُ الذهن، وتوسع مدارك العقل، وكأنَّ القرآن أغفل الحديث عن الكثير من الجوانب التي تصلح الكون والإنسان والحياة، وقد أحسن الإمام ابن القيم حين تحدث عن أمثال هؤلاء فقال عن القرآن ومن لا يعتنون به: " أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلو فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن كتناوله لأولئك " (١).
• فكان للمهتم بالفكر أن يهتم بالذكر:
أعجب ويحقُّ لي العجبُ من شدَّة هوس بعض الشباب العربي المسلم بقراءة كتب المفكرين الغربيين وأقوال الفلاسفة اليونانيين، وهم في الحقيقة خلو من مشاهدة وتأمل ما في الكتاب الكريم من آيات وعظات وحكم ومعاني عميقة، وما في السنَّة النبوية المطهَّرة من جوامع الكلم، وسامق الحكم، ورائق العبارات، وبديع المقالات.
هذه مشكلة كبيرة نعيشها مع شباب اليوم المقبل على النوادي الفكرية والصالونات الثقافية ظانين أنَّ مصدر السعادة ومعين الرضا والسرور هو في مناقشة فكر أحد الكتاب أو الفلاسفة الغربيين، وتجد أنَّهم قد يتكلفون ببعض العبارات وحشد الجمل واللفظات وتكديس المصطلحات حينما يتحدثون لكي يقول عنهم القائل: إنَّهم فعلا فلاسفة وحكماء عباقرة!
حتَّى إنني أتذكر واحداً من هؤلاء قال لي يوماً: إنَّ لديه دفترا قريباً منه كان يكتب فيه بعض المصطلحات والعبارات الرنانة التي تستهوي عقله؛ لكي يستخدمها في بعض مقالاته فتجد في المقال حشداً مصطلحياً لربما لو سئل كاتبه ما معنى ما قصدته بالضبط لحار جواباً وأطرق رأساً!
وعلى كُلٍّ؛ فإنَّ من يظنُّ أنَّه في بداية مطالعاته سيهتم بعلوم فلسفيَّةٍ وقراءات في المنطق والفكر الغربي، ويغفل القرآن ويظنُّ نفسه أنَّه بالفعل يريد الجمع والدمج بين الإسلام عقيدة وشريعة وبين ما هو مسطور في كتب الفلاسفة ومزبور في تراثهم، فإنَّه سيكتشف بالفعل أنَّه لن يبلغ النتيجة التي قصدها وخصوصاً إن كان ذلك في بداية مطالعاته، بل يخشى عليه بالفعل من عقائد أولئك الفلاسفة والتي في أغلبها تجاهل لحكمة الرب، وتشكيك في كثير من الغيبيات، وإنكار علم الله الكامل، ونفي معاد الإنسان، فأي فكر فلسفي لرجل يريد أن يُنوِّر المسلمين بفلسفة أولئك الفلاسفة والمناطقة، وكأنَّ في القرآن والسنَّة نقصاً ليس موجوداً إلاَّ في كلامهم، وبعد هذا وذاك يريد ذلك الشخص أن يطلق عليه الناس أنَّه مفكر إسلامي، وهو لربما يكون إلى العلمنة والليبرالية أقرب منه إلى الإسلام، ولهؤلاء أقول وأذكرهم بما قاله المفكر الفرنسي المسلم فنساي مونتاي: (إنَّ مثل المفكر العربي الإسلامي المبعد عن تأثير القرآن كمثل رجل أفرغ من دمه!) (٢).
стр. 564
إنَّ المسلم يجب أن يكون على قناعة تامَّة بعظمة القرآن الكريم، وعظيم عِبَره وحكَمِهِ، وبالرجوع لكتاب المفكر والمؤرخ الإسلامي عماد الدين خليل بعنوان: (قالوا عن القرآن)، لكي يقرأ في هذا الكتاب أولئك الذين تعلَّقت قلوبهم بكلام الفلاسفة ويرى أنَّ كثيراً منهم يشهد بعظمة كتاب الله ، ومنهم من ساقه ذلك للإسلام، ومنهم من بقي على دينه الباطل، ولكنَّه شهد بما في هذا الكتاب الكريم من آيات ودلائل وإصلاح للواقع (والحق ما شهدت به الأعداء!)، وهو وإن كنَّا لسنا بحاجة لشهادة غير المسلمين على ما في كتاب رب العالمين، لكن لعلَّه يكون باعثاً لهم على عطف قلوبهم وأفئدتهم وأجسادهم للاعتناء بقراءة كتاب الله تعالى.
نقول هذا لأنَّ هنالك الكثير ممَّن يستهويهم الفكر الفسلفي والقراءة في الكتب الفكرية الغربية، والاطلاع على فكر المدرسة الفرنكوفونية، والوله بالمصطلحات الفلسفيَّة، فهؤلاء في الغالب يبعدون النجعة كثيراً عن مطالعة كتاب الله ، وسنَّة رسول الله ﷺ .
وقد يقول بعض الناس إنَّ هذا اتَّهام في غير محلَّه وكيف نبتعد عن الآيات القرآنية؟ ونحن نقرأها ونتعبَّد الله بها؟
إلاَّ أنَّ الشاهد يوضح أنَّ كثيراً ممن انتسبوا للفكر والفلسفة، نجد لديهم لوثة غربيَّة وقراءات فلسفيَّة في كتب الغربيين، مع أنَّهم قد لا يعقلون كثيراً مما جاء فيها، وقد يلوكون بعض العبارات ظناً أنَّهم فقهوها، وهم في المقابل لا يحسنون فهم آيات القرآن الكريم، بل يدخل بعضهم في قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظونها ويدرسونها.
فضلاً عن أن يكون قد دخل كثير منهم في قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) فهجروا قراءته وتدبره وسماعه وتلاوته والعمل به والتحاكم إليه والاستدلال به، وهم بالفعل لو كان لديهم نهم وشغف بمعرفة أقوى الكلمات ذات الدلالات العميقة فإنَّهم لن يجدوها إلاَّ في كتاب الله، ولكنَّ كتاب الله لن يعطي للإنسان أسراره ومعانيه إلاَّ إذا أعطى المرء من نفسه لكتاب الله الشيء الكبير، والوقت الكثير من التأمُّل والتدبر، فتنهمر عليه الكنوز القرآنيَّة، والبدائع العرفانيَّة، وينطق لسانه بالحكمة.
لقد ذكر المؤرخون لسيرة المفكر الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال، أنَّه دخل على ولده ذات مرَّة وهو يقرأ القرآن فقال له إقبال ناصحاً: أي بني! اقرأ القرآن وكأنَّه عليك أُنزِل.
وقد صدق ﵀، فإنَّ القرآن تنهمر أسراره وتنفلق وتظهر معانيه وتنطق، لمن قرأه وهو يستشعر بالفعل أنَّ هذه الآيات تخاطبه وتتحدَّث إليه، لكي يقوم بالفعل بأدائها حق أداء، والتفكر في معانيها الباهرة، التي تستعلي على أقول وقيم الشرق والغرب، وصدق الله: (وإنَّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون).
إنَّها دعوة للمراجعة الجادة القلبيَّة لجميع المنتسبين للفكر والفلسفة، بأن يبحثوا في سويداء قلوبهم، وهل لديهم شدَّة تعلُّق بآيات القرآن وما صحَّ من أحاديث النبي ﷺ أم لا؟
إنَّني على قناعة بأنَّ من تابع كتب ومقالات ومحاضرات فلان أو علان وهو يتحدث بفلسفة ويلوك الكلام لوكاً، فإنَّه ستظهر معه نقولاته لآراء الفلاسفة والغربيين ويدع جانباً الاستناد والاستشهاد بالآيات والأحاديث لمقولاته، فالاهتمام لأي شيء يظهر من خلال تعامل الشخص معه.
стр. 565
قال ابن تيمية ﵀: (تجد مَن أَكْثَرَ من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير) (١).
وهذه مشكلة أخرى نجدها عن بعض المنتسبين للفكر الإسلامي من دهاقنة الفكر ورموزه في هذا الزمان، فقد يتطرق بعض المهتمين بالفكر بذكر بعض الجوانب الأخلاقية والسياسية والإنسانية والاجتماعية وغيرها في مقالاته وكتاباته وكتبه، وقد يذكر عشرات الأقوال من المفكرين الغربيين واليونانيين وغيرهم، ونجد من الضآلة بمكان أن يتذكر آية أو حديثاً يذكره في ثنايا بحثه وكتبه ومقاله، ولولا أنني لا أريد التسمية لسميت عدداً من هؤلاء يتقنون فنون ذكر أقوال الكفرة والملحدين من المحسوبين على الفلسفة والمنطق الكلامي، وقلَّما يذكرون آيات من كتاب الله أو سنَّة رسول الله ﷺ ؛ بدعوى أنّ الآية حمَّالة أوجه، وأنَّ الحديث قد يكون ضعيفاً!
فيا سبحان الله! إن كانت الآيات حمَّالة أوجه والأحاديث قد تكون ضعيفة أو خبر آحاد (كما يزعم بعضهم) فلم الاستشهاد الكبير والغوص والتنقيب عن أقوال عدد من الكتاب والمفكرين اليونان، ورموز المدارس الكلامية والليبرالية الغربية، واستخراجها ومحاولة بعثها من جديد؟! أم أنَّ كلامهم ليس حمَّالاً لأوجه؟! وأقوالهم ليست إلاَّ من قبيل آحادهم وأفرادهم والتي قد يصيبون فيها ويخطئون!
ومن العجائب والغرائب كذلك أن نجدهم يقولون إنَّ ذكرنا لكلام هؤلاء الغربيين والفلاسفة اليونانيين وغيرهم، لكي يعرف الغربيون أنَّنا نعرف واقعهم، ونتحدث بلغة مفكِّريهم، وما علموا وللأسف الشديد أنَّ كثيراً منهم ـ ولا أقول الكل ـ قد يستخدم أقوال هؤلاء بما قد يستدل به على مفهوم فهمه يكون خاطئاً أو معارضاً لكتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، ولأجل ذلك وجدنا الكثير من العبارات التي يقولها بعض الناس وما دروا خطورة قولها مع علمي أنَّ بعض من قالها من بعض الفضلاء ولكنَّهم يقولون كلاماً يحتاج لإعادة نظر حينما يتحدثون عن (ديموقراطية الإسلام، ليبراليَّة الإسلامية، اشتراكية الإسلام، الرومانسية الإسلامية) والإشكال الكبير أنَّ كثيراً من منطلقات هؤلاء بالفعل يرونها منطلقات إسلاميَّة ولكنَّهم ما علموا أنَّ هذه العبارات ما هي إلاَّ بعض مما تسلَّق على ذاكرتهم أثناء قراءتهم في أفكار الآخرين!
بل وجدنا واحداً ممن يعتبرون أنفسهم من تيار التنوير الإسلامي، يقول في مقال له بعنوان: (وثنيون هم عبدة النصوص) ويزري على الناس وبعض المهتمين بالمجالات الكتابية والذين يقولون ليتنا نرى في بعض مقالات بعض المفكِّرين نصوصاً قرآنية أو أحاديث نبويَّة مذكورة في مقالاتهم، وبدلاً من أن يشكرهم على نصيحتهم له، يعدُّهم كالوثنيين الذين يعبدون القبور ويشركون بالله، فيتهمهم ويصمهم بأنَّهم وثنيون لأنَّهم على حد زعمه: (عبدة نصوص)!!