← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اقتلني ومالكًا د. أحمد بن صالح الزهراني ٢٥جمادى الأولى١٤٣١هـ قبل أيّام دعاني صديق إلى مجلس فيه أحد المشايخ الفضلاء زار مدينتنا الصغيرة مؤخراً، سعدت بهذه الدّعوة، وذهبت مع الصديق العزيز، وقد كانت فرصة للشيخ الكريم أن يمسك بطرف الحديث متحدثاً عن قيمة العدل والإنصاف في المنهج السّلفي. العدل والإنصاف مع من يخالفنا سواء من كان خارج سياج أهل السنة أم داخلها. قيمة العدل والإنصاف هي الميزان الّذي يضبط أصلاً سلفياً كبيراً، ألا وهو أصل الرد على المخالف، فـ (الرد على المخالف والموقف منه) شريعة إسلامية، وأصل إسلامي كبير تأتي أهميته تابعة لأهمية الدين والمنهج؛ فالردّ على المخالف هو الحصن الذي حمت به الشريعة الدين من تأثير أصحابه عليه، أعني من أخطاء حامليه في تصوّره أو تصويره أو تطبيقه. إذ إنّ تقديس الأشخاص والإعجاب بهم والثقة في أحلامهم قد يجنح بالكثيرين إلى تقليدهم فيما زلّت به أقدامهم، وقد يعظم على البعض الردّ عليهم أو نقدهم وبيان أخطائهم، ولهذا كان السلف يردّون على بعضهم ويخطئون بعضهم، فضلاً عن غيرهم ممّن فارق منهج السلف. لكنّ هذه الشعيرة كسائر الشعائر لها أصولها وضوابطها الّتي يأتي العدل والإنصاف في مقدمتها. ومن أصولها كذلك خاصية التوازن في التطبيق، أعني القدرة على إعطاء كل مخالفة وكلّ مخالف وكلّ حالة وزنها الحقيقي دون مغالاة ولا إجحاف، وإلاّ ظللنا نتصادم بين الغلوّ والإجحاف حتى تضيع الشعيرة في خضم عراك المتعاركين. وقد أثار ذلك المجلس وما دار فيه عندي الرغبة في التذكير بأمرين: الأوّل: «تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج! وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه - أياً كانوا - وألا تُبَرّر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه. فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف؛ فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص» أ. هـ. قال هذا الكلام سيّد قطب ﵀: يا للجَمال!! نعم: «المنهج أكبر وأبقى من الأشخاص»، هذا الكلام الجميل يتغنّى به الكثيرون حين يكون (الأشخاص) هم الآخرون، لكنهم يتنكّرون له، ويضربون به عرض الحائط إذا جاء التطبيق إليهم. فكل المناهج غاليها ومتساهلها سلفيّها وخلفيّها تأخذ مداها، وتتأرجح بين التطبيق المتشدد، إلى التساهل حين يكون موضوعها ومحمولها هو الآخر، أمّا حين تقترب الشفرة إلى الذات فحينئذ تنتفض الذات، وتهتزّ النفس الحرون لتقرر بطلان أيّ منهج تخسر بتطبيقه بعض بريقها وزخمها الّذي تكتسب به جماهيريّتها .. إنّها الذات .. حين تصبح محور اجتهادات الفقيه، ودعوة الداعي، وجهاد المقاتل، وسياسة السياسي .. ولذا نلاحظ هذه الأيّام موجة من النكوص والعودة إلى التفتيش في قضايا المنهج لا من أجل تثبيتها والإشادة بها بل لنقضها وبيان خللها .. متى حدث هذا ومتى يحدث؟ يحدث كلّما تبيّن أنّ المنهج يقترب من حدود الذات ويلامس حماها .. قديما كان البعض يتترّس بمنهج توقير العلماء وحماية جنابهم .. وحين وجد أنّ العلماء عارضوه، وتكلّموا فيه إذا نفسه تصيح بين جنباتها أنّ تقديس العلماء ليس من أصول الإسلام .. كثيرون يتكلمون عن حاكمية الشريعة، ويكادون يسطون بمن يخالفهم في جزئيات من المسألة .. لكن حين يُراد تطبيق الشريعة عليهم سيكون في المسألة نظر! وبعضهم يترفع أصلاً عن أن يُحاكم إليها! كثيرون ينادون بإشاعة روح النقد والرد على المخالف في جوّ من الألفة والمودّة، لكن حين يكون النقد موجهاً لهم سيصبح كلّ من نقدهم عدواً لهم.

стр. 632

أصبح الناس يبيعون المنهج، ويتنكرون له مقابل سلامتهم وبقاء زخمهم .. أين من يقول كما قال ابن الزبير: اقتلوني ومالكاً .. واقتلوا مالكاً معي حين أقدّس المنهج، وأدافع عنه لن أضحي به مقابل سلامتي .. حتى وإن استُخدم المنهج ضدّي، حتّى وإن كان المنهج سيفاً يتسلّط به البغاة على أهل الحق، فإنّ الحق يظل حقاً وإن وظّفه الباطل. نعم .. إذا تيقنت أنّي سأكون ضحيّة تطبيق المنهج الحق والإشادة به والدعوة إليه فليكُن، ولتذهب حظوظ النفس إلى الجحيم .. لا يجوز أن يكون المنهج رهناً لرياح التغيير التي تهب علينا من هنا وهناك .. ورحم الله سفيان الثوري إذ قال: «إذا رأيتموني قد تغيرت عن الحال الذي أنا عليه اليوم، فاعلموا أني قد بَدّلتُ». الأمر الثاني: قيل: إنّ ذبابة سقطت على نخلة، فلما هَمّت الذبابة بالانصراف قالت للنخلة: أيتها النخلة تماسكي فإني راحلة عنك، فقالت النخلة: انصرفي أيتها الذبابة، فهل شعرت بك حينما سقطت عَلَيّ لأستعدّ لك وأنت راحلة عني؟! تذكرت هذا المثل حين أصرّ بعض من كان في المجلس على تضييق حدقة الحوار وتصويبها على من ابتُلي ببغضه، ودون تقليل من قدر الزميل المحتقن فإنّي أقول هذا متذكّراً حجم الخلل الواقع في فهمنا أو تطبيقنا لأصول شرعية عظيمة ومنها أصل هجر المخالف والكلام فيه؛ إذ كثيراً ما نمارس هذه الأصول بلا ضوابط، ممّا يفقدها أثرها، هذا إن لم تعُد بنتائج عكسية أصلاً. فهذا الأصل الشرعي العظيم دخله الخلل من جانبين: أحدهما أنّه كثيراً ما يوُظّف لتفريغ الشحن النفسي لدى الهاجر والمتكلّم؛ إذ يشعر بغيظ وحقد لشخص يخالفه فيفرّغ هذه العواطف السلبية تجاهه عبر هجره والقدح فيه، دون مراعاة لضوابط الهجر الشرعية، وهو في هذا غير مأجور إن لم يكن موزوراً، حتى لو فرض صحة موقفه، كما قال ابن تيمية ﵀: «الهجرة الشرعية لابد أن تكون خالصة لله، موافقة لأمره؛ فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً من هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانّة أنها تفعله طاعة لله». والجانب الآخر أنّ الهجر والكلام في المخالف لا يكون ذا فاعليّة إلاّ إذا كان الهاجر ذا مكانة عند المهجور والبيئة التي يعيش فيها، مكانة علميّة أو اجتماعية أو ولاية شرعية أو غير ذلك، ممّا يؤدي إلى تأثّر المهجور بالهجر فيراجع نفسه، أو تتأثر به البيئة فيتابعونه في الهجر، فمن المضحك حقاً أن يمارس الهجر فئات ليس لها في الساحة صدى، وهي تدّعي أنّها تقوم بحماية جناب الشريعة، والذي حصل في مثل هذه الحال أنّ أثر الهجر عاد على الهاجرين أنفسهم، فأصبحوا وحدهم فئة معزولة لا تأثير لهم في الآخرين؛ ففقدوا رافداً من روافد نفع الآخرين، وتركوا الساحة لمن يرونهم مبتدعة، وهذا خلاف مقتضى الفقه الصحيح؛ إذ كثيراً ما تكون المشاركة بالّتي هي أحسن أولى من الهجر والمنابذة دون تفريط في بيان كلمة الحق والإنكار على المخطئ. أخيراً فإنّه كثيراً ما يكون الهجر وممارسته نابعاً من إعجاب الشخص بنفسه وظنّه أنّ له من الوزن ما يحقق به هدفاً تربوياً رادعاً وزاجراً، وتراه يفعل ذلك متقمصاً قميصاً أكبر منه، مع أنّه في الحقيقة لو تدبّر في حقيقة نفسه ووزنه لعرف أنّه يرقص في الظلمة -كما يُقال- إذ ربّما يهجر ويعود عن هجره، ثم يهجر ثمّ يعود، ومع ذلك فإنّ أحداً لم يشعر به حين أقبلَ، كما لم يشعر به لمّا أدبَر.

стр. 633

كسوف العقل د. عبدالعزيز العبداللطيف ٢٥جمادى الأولى ١٤٣١هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: لو أن أهل الحساب والمشتغلين بالفلك والهيئة اقتصروا في تفسير كسوف الشمس أو خسوف القمر وَفْق ما يعرفونه من أسبابٍ ظاهرةٍ طبعيةٍ لهان الأمر؛ فقيمة المرء ما يحسنه، لكن أن يدَّعوا أن كسوف الشمس ليس سببه ذنوب العباد، ولا أثَر ولا صلة له بمعاصي بني آدم، فذاك ظن بلا علم، وتخرُّص بلا فهم، بل هو جهالة بالعلميات، وقساوة قلب بالعمليات والإرادات، كما هو مبيَّن في السطور التالية - مقولة الفلكيين السالفة قد تجد آذاناً صاغية في عصور غابرة، زمن الصراع بين الكنيسة والدين في أوروبا؛ فتأليه العلم التجريبي لا يتحقق إلا بمحاربة إله الكنيسة وخرافة الدين النصراني المحرَّف؛ فإن أردتَ العلم فانسلخ من تلك العبادة، وكذا العكس ... وهكذا ظل الصراع قائماً بين الدين المحرَّف والعلم في بلاد الغرب. وأما دين الإسلام - وعند مذهب أهل السُّنة والجماعة على سبيل الخصوص - فتصريح المعقولات موافق لصحيح المنقولات؛ فلا عداء مفتعلاً بين العلم والدين؛ فما أثبته العلم التجريبي من حقائقَ يستحيل أن تعارض هذا الشرع التامَّ والدين الخاتم؛ فالشرع أنزله الله - تعالى - والعقل خلقه الله، . والأدلة الشرعية والبراهين العقلية يصدق بعضها بعضاً. - قررتِ الأدلة النقلية أن للكسوف أسباباً شرعية في وقوعه وارتفاعه؛ فذنوب العباد من أسباب وقوعه وانعقاده، كما أن الصلاة والصدقة والدعاء والتوبة ... سبب في زواله وارتفاعه؛ فعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله " ﷺ " فانكسفت الشمس فقام النبي " ﷺ " يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال " ﷺ ": «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموها فصلُّوا وادعوا حتى يُكشف ما بكم». قال الحافظ ابن حجر: «قوله (آيتان) أي علامتان، (من آيات الله)؛ أي: الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٩٥]». وبيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ بطلان مزاعم أهل الهيئة (الفلك)، فقال: «قوله " ﷺ ": (يخوِّف بهما عباده) فيه ردٌّ على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتقدم ولا يتأخر؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجَزْر والمدِّ في البحر، وقد ردَّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الأشعري؛ حيث قال: «فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة».قالوا: إن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذُكِر من أنواع الطاعة يُرجَى أن يُدفَع به ما يُخشَى من أثر ذلك الكسوف». وقال العلامة العيني: «لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة: أما الكتاب فقوله - تعالى -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٩٥]، والكسوف آية من آيات الله المخوِّفة، والله - تعالى - يخوِّف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها فوزهم».

стр. 634

وأخرج الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي " ﷺ " قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصَلُّوا وتصدَّقوا. ثم قال: يا أمَّة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أَمَته، يا أُمَّة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً». قال الحافظ ابن حجر: «قال الطيبي وغيره: لَمَّا أُمِروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، ناسب ردعَهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصَّ منها الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك. وفي الحديث ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص؛ لِمَا في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جُبلَت عليه من الشهوة. والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها». - من أعظم الآفات أن يكذِّب أقوام بما لم يحيطوا بعلمه؛ فكون الكسوف والخسوف له أسباب ظاهرة طبعية قد تُعرَف بالحساب؛ فهذا لا ينفي ما سبق تقريره أن ذنوب العباد وتفريطهم من أسباب انعقاد الكسوف وحصوله؛ فلا مانع من ذلك كله، وأمَّا حصر هذه السببية فيما ادَّعاه أهل الهيئة فهذا قصور في العلم، وضيق في الأفق. فالعلماء المحققون من أهل الإسلام والسُّنة اتسعت عقولهم وأفهامهم؛ فأثبتوا السبب الطبعي والشرعي؛ فابن دقيق العيد يقول: «ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله " ﷺ ": «يخوِّف الله بهما عباده» وليس بشيء؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب؛ فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد؛ وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقَها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله، تعالى». وتحدث ابن القيم عن سببية الكسوف والخسوف قبل مئات السنين فأثبت السبب الطبعي المعتاد، فقال: «فأما سبب كسوف الشمس فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا، وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعاً من اكتساب النور من الشمس ... ». كما قرر السبب الشرعي قائلاً: «إن الله - سبحانه - يُحدِث عند الكسوفين من أقضيته وأقداره ما يكون بلاءً لقوم ومصيبة لهم، ويجعل الكسوف سبباً لذلك؛ ولهذا أمر النبي " ﷺ " عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والعتاقة والصيام؛ لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسوف الذي جعله الله سبباً لما جعله؛ فَلَولا انعقاد سبب التخويف، لما أمر بدفع موجبه بهذه العبادات. ولله - تعالى - في أيام دهره أوقات يُحْدِث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء، ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به، أو يقلله أو يخففه؛ فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها، اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سبباً له أو بعضه؛ ولهذا قلَّ ما يسلم أطراف الأرض؛ حيث يخفى الإيمان، وما جاءت به الرسل فيها من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف، وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوة، والقيام بما جاءت به الرسل، أو يقلُّ فيها جداً». كما قرر أيضاً أنه لا تناقض بين حساب الكسوف، وبين الفزع إلى الصلاة والدعاء والصدقة، والذي هو أنفع للأمة وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وحساب الكسوف.

стр. 635

- وإذا تقرر أن للكسوف سبباً يُعرف بالحساب، وحكمةً إلهية في تخويف العباد، فلا يُظَن أن ما جاءت به السنَّة في الكسوف يعارض معرفة وقت الحساب كما حرره ابن تيمية بقوله: «وما أخبر به النبي " ﷺ " لا ينافي كون الكسوف له وقت محدود يكون فيه؛ حيث لا يكون كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السرار، ولا يكون خسوف القمر إلا وسط الشهر وليالي الأبدار. ومن ادَّعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة؛ فلعدم علمه بالحساب». كما أن كسوف الشمس سبب في حوادث أرضية؛ فالكسوف سبب للشر وليس مجرد اقتران كما تقوله الجهمية ولا يسوغ أن يُدَّعى أنه لا أثر لشيء من الكواكب العُلْويَّات في السفليات مطلقاً، كما بيَّنه ابن تيمية في غير موطن وأخيراً: فإن معارضة الرسل ﵈ توجب فساداً في العقل، وسوءاً في الفهم، وكلما كان الرجل عن أتباع الرسول أبعد، كان عقله أقلَّ وأفسد. فدعوى أن كسوف الشمس مجرد أمر معتاد يُعرف بالحساب، لا تنفك عن جهالة بالعلم، وفظاظة في القلب؛ فما ينشره أهل الفلك من أخبار الكسوف هذه الأيام، قد أعقب بلادةً في الوجدان، وتهويناً لشأن هذه الحوادث العظام. ولئن كسفت الشمس لحِكَم إلهية، وأسباب قدرية، فلقد اعترى عقولَ أهل الفلك نوع من الكسوف؛ لضعف الاستجابة لله - تعالى - ورسوله " ﷺ "، وظهور الأهواء، وكما قال الشاعر: إنارة العقل مكسوفٌ بطوعِ هوى ** وعقلُ عاصي الهوى يزدادُ تنويرا

стр. 636

الموقف الشرعي الصحيح من وفاة أهل الضلال (محمد عابد الجابري، مثالاً) موقع الدرر السنية - قسم دراسات الواقع ١٩ جمادى الأولى ١٤٣١هـ إن المسلم الحق كما يحزن لموت العلماء والدعاة إلى الله، يفرح بهلاك أهل البدع والضلال، خاصة إن كانوا رؤوساً ورموزاً ومنظرين، يفرح لأن بهلاكهم تُكسر أقلامُهم، وتُحسر أفكارُهم التي يلبِّسون بها على الناس، ولم يكن السلف يقتصرون على التحذير من أمثال هؤلاء وهم أحياء فقط، فإذا ماتوا ترحموا عليهم وبكوا على فراقهم، بل كانوا يبيِّنون حالهم بعد موتهم، ويُظهرون الفرح بهلاكهم، ويبشر بعضهم بعضاً بذلك. ففي صحيح البخاري ومسلم يقول ﷺ عن موت أمثال هؤلاء: ((يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)) فكيف لا يفرح المسلم بموت من آذى وأفسد العباد والبلاد. لذلك لما جاء خبر موت المريسي الضال وبشر بن الحارث في السوق قال: لولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود، والحمد لله الذي أماته، .. (تاريخ بغداد: ٧/ ٦٦) (لسان الميزان: ٢/ ٣٠٨) وقيل للإمام أحمد بن حنبل: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟! (السنة للخلال: ٥/ ١٢١) وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق -يعني الصنعاني-، فجاءنا موت عبد المجيد، فقال: (الحمد لله الذي أراح أُمة محمد من عبد المجيد). (سير أعلام النبلاء: ٩/ ٤٣٥) وعبد المجيد هذا هو ابن عبد العزيز بن أبي رواد، وكان رأساً في الإرجاء. ولما جاء نعي وهب القرشي -وكان ضالاً مضلاً- لعبد الرحمن بن مهدي قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه. (لسان الميزان لابن حجر: ٨/ ٤٠٢) وقال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية ١٢/ ٣٣٨) عن أحد رؤوس أهل البدع: (أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة، وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله) هكذا كان موقف السلف ﵏ عندما يسمعون بموت رأسٍ من رؤوس أهل البدع والضلال، وقد يحتج بعض الناس بما نقله الحافظ ابن القيم في (مدارج السالكين: ٢/ ٣٤٥) عن موقف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه حيث قال: (وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ... ) ومن تأمل ذلك وجد أنه لا تعارض بين الأمرين فمن سماحة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا ينتقم لنفسه ولذلك عندما أتاه تلميذه يبشره بموت أحد خصومه وأشدهم عداوة وأذى له= نهره وأنكر عليه، فالتلميذ إنما أبدى لشيخه فرحه بموت خصمٍ من خصومه لا فرحه بموته لكونه أحد رؤوس البدع والضلال. وبالأمس توفي أستاذ الفلسفة ومنظر العقلنة محمد عابد الجابري، وفرح بوفاته أهلُ الإيمان، وكيف لا يفرحون بوفاة من هذه أفكاره: • جوَّز حدوث الخطأ والنقصان عند جمع القرآن بدعوى أن جامعيه غير معصومين وأنه تم تدارك بعض هذا النقص. (مدخل إلى القرآن الكريم: ص ٢٣٣) • يرى أن قطع يد السارق غير ملائم في الوقت الحاضر لردعه عن تكرار السرقة بل الملائم هو السجن. ويرى إسقاط حد الزنا وشرب الخمر والقذف والاكتفاء بالسجن. لأن الحدود ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة للردع والزجر. (وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر: ص ٦٠ و ٧٣) • وهو أحد رواد ورموز العقلنة ويدعو إلى: (الدفع بالفكر العربي في اتجاه العقلنة) (تكوين العقل العربي: ص ٥٢) • ويقول: (لأن موضوعنا هو العقل، ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية) (تكوين العقل العربي: ص٧)

стр. 637

• يدعو إلى تبني فكر أرسطو ومنهج الفارابي ويعتبره مؤسس العقلانية في الإسلام. (بنية العقل العربي: ص٣٨٤) • يثني على ابن رشد الفيلسوف ويعظمه (بنية العقل العربي: ص ٣٢٣) • ويثني على المعتزلة ويعتبرهم أصحاب رؤية عالمية في الفكر الإسلامي. (بنية العقل العربي: ص١٧٧) • وفي المقابل يلمز أهل السنة والمنهج السلفي بعبارات منها: النصيون، أصحاب سلطة الماضي وسلطة العادة، المقلدون .. (بنية العقل العربي: ص ٥٣،١٣٣، ٥٦٢) فمن هذا حاله، ألا يُفرح بموته؟! أوَ ليس في موته وهلاكه -على الأقل- توقف هذا السيل الجارف من البدع والضلال؟ وهو ما يحتاج من العلماء والدعاة والمفكرين الإسلاميين -بحق- الغيورين على دينهم ردحاً من الزمن لإزالة حثالة أفكاره التي خلفها في كثيرٍ من كتبه. وفي المقابل، ومما يؤسف له، أنك تجد من دعاة اليوم من يترحم عليه ويأسف ويحزن على موته بل من يدعو الله أن يخلف على المسلمين مفكراً مثله، ومن كان هذا حاله ويعرف فكر الرجل فوالله يُخشى على دينه، لأنه ما من مسلم يخشى الله ويغار على هذا الدين إلا ويفرح بهلاك من ببقائه هدم الإسلام، ومن بموته ينكسر معول من معاول هذا الهدم. نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يثبتنا على دينه وكتابه وسنة نبيه ﷺ .

стр. 638

توحيد (الإصلاحيين) أحمد عبد العزيز القايدي ٢٠ جمادى الأولى١٤٣١هـ من النادر أن تجد في خطاب (الإصلاحيين) حديثا عن الغاية التي لأجلها بعثت الرسل (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (التوحيد)، فلو أردت أن تحصي عدد ورود كلمة "التوحيد" "الإصلاح" "الحرية" "الديمقراطية" لكان نصيب "التوحيد" صفراً، والمفردات الأخرى تجدها بالمئات فهم موحدين في خدمة تلك القضايا والمفردات. (الإصلاحيون) أنواع في تعاملهم مع التوحيد، منهم من لديه مشكلة حقيقة مع الدعوة إلى التوحيد ولا يرى لها أهمية بل يراها مشكلة تفرق الناس، ومنهم من أشغله هذا الضجيج حول تلك المفردات وأخذه بريقها فنسي لماذا وجد على وجه الأرض، ومنهم من يظن الأمر مجرد تبادل أدوار في سد حاجات الأمة هذا اليوم واختار لنفسه أحدها وهذا الأخير أكثرهم غفلة وأقلهم فتنة. فهم مختلفون في المنطلق وأمور أخرى لكنهم متفقون في شيء واحد، هو تسفيه الشيوخ والدعاة، ويعدون أنفسهم أعقل وأفهم لدنيا الناس من غيرهم، ومؤخرا كتب أحدهم مقال ردا على الشيخ الدكتور عبد الرحيم السلمي كتب فيه واصفاً الشيخ (أي عقلية كهذه العقلية) (العقلية العجيبة). معالجة (الإصلاحيين) لمسألة الحريات معالجة معوجة؛ فهم لم يعالجوها كما عالجها الإسلام، وإنما نظروا في تعاطي الغرب مع مشاكل الظلم والفساد فوجدوه شيخ الحريات وإمامها، فاستنسخوا كثيراً من حلوله، وجعلوها خطابا لهم يقاتلون ويفارقون عليه، ومصطلحهم الأعظم (الديمقراطية) مصطلح مسروق لا ناقة لهم فيه ولا جمل، فهم عقول فارغة لم تستطع حل مشاكلها بنفسها فاستنسخت في عقولها أفكار قوم آخرين وصرفوا أوقاتهم في خدمة تلك الأفكار، منهم حصيف يقبض مقابل تلك الخدمة، ومنهم غافل يظنها له وفيها خلاصه فيناضل من أجلها بدون مقابل، وأكثرهم حمقا من أقنع نفسه بأنها أفكار إسلامية لابد أن يدافع عنها. لم يكن لدى الرعيل الأول نزاع في أولوية التوحيد على الإصلاح السياسي والمالي والحقوق فعندهم التوحيد وتعبيد الناس لله أهم من أي أمر آخر. عندما وقف الحبيب ﷺ في مكة صدعا بالدعوة لم يدعو إلى ديمقراطية أو حقوق مدنية وإنما دعا إلى التوحيد، وبلال وهو يعذب في بطحاء مكة لم يكن يصيح فيهم حريتي ... حريتي وإنما أحد ... أحد، وعمار عندما كان يعذبه مشركو قريش لم يكن يطالب بحقوق الطفل أو المراهق وإنما كان يدعوهم إلى التوحيد، وأمه لم تكن تذكرهم بحقوق المرأة وجرم الاعتداء عليها وإنما كانت تدعوهم إلى التوحيد. وعندما قدم ﷺ إلى المدينة لم يشكل مجلس وحكومة منتخبين - غاية مبتغى الإصلاحيين- وإنما بنى المسجد لأن كل إصلاح وخير ينطلق منه، وأبو بكر لم ينشغل بانتخابات مجلس تشريعي أو بلدي وإنما انشغل بالجهاد والممتنعين عن الزكاة. إن إفراغ الكثير من الوقت في الحديث عن قضايا الفساد المالي والسياسي وإعطاءها أكبر من حجمها لا فائدة منه، فالناس تعرف بفطرتها الظلم والاستبداد وحقوقها عندما تسلب منها أو لا تعطى لها فمجالس عامة الناس لا تكاد تخلو من الحديث عن هذه الأمور فهي ليست بحاجة لمن يخبرها بحقوقها، لكنها بحاجة إلى من يقودها في الوصول إلى تلك الحقوق وهذا بحاجة لرجال أصحاب نفس وروح قوية وهذا ما لا يملكه كثير من الإصلاحيين اليوم، فهم تركوا مدارسهم القديمة ضجرا من الصراع مع النفس والشهوة والناس فكيف بصراع سياسات وأنظمة. حقيقة الخلاف مع القوم ليست حول الحقوق المدينة والإصلاح السياسي والمالي فلو كان (الإصلاحيون) يدافعون عنها بمنهج إسلامي قويم ولا يحتقرون وينتقصون من يعتني بأبواب الشريعة الأخرى كالتوحيد وأبواب العبادة والمعاملات وقضايا المرأة لم يكن في الأمر إشكال وخلاف بل هو مما يدعى إليه ويحتسب فيه الأجر عند الله وغير خاف على أحد بأن من كسر الباب ودفع الناس للحديث عن هذه الحقوق هم رموز الصحوة فالناس عالة عليهم في هذا الباب، ولكن الأمر يصبح مشكلة عندما يحتقر غيرها وتكون العداوة والمخاصمة قائمة على فكرة مسروقة.

стр. 639

مقترح لصد الهجمة الليبرالية إبراهيم بن محمد الحقيل ١٧ جمادى الثانية١٤٣١هـ لا تخطيء عين المتابع للشأن السعودي الهجمة الليبرالية على الإسلام وحملته ودعاته ومؤسساته، مستخدمين كل الطرق والوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافهم التغريبية سواء كانت وسائلهم مشروعة أم غير مشروعة .. أخلاقية أم غير أخلاقية، فالافتراء والكذب والغش والتدليس والبهتان من الواجبات في الدين الليبرالي العربي -وخصوصاً السعودي- إذا كانت تحقق أهدافهم، والانقلاب على المبادئ الليبرالية المعلنة من نحو: مصادرة الرأي الآخر، وتكميم الأفواه، وإقصاء الخصوم، وتحريض القوى السياسية الداخلية والخارجية على استئصالهم يعد من الفروض إذا كان يحقق المقصود. وكل هذه الأخلاق الرذيلة، والقيم المنحطة التي تخلق بها الليبراليون السعوديون في معركتهم مع دين الإسلام وحملته ودعاته وعلمائه تصبح من فضائل الأخلاق، ومن أوجب الواجبات على طريقة مكيافيلي ونيتشة ووليم جيمس وجون ديوي وأمثالهم من رموز التسويغية والنفعية. ومن المتفق عليه عند الجميع -عدا الليبراليين وهم يكابرون- أن مجتمعنا السعودي ينحاز إلى أهل العلم والدعوة، ويثق بهم، ولا يقبل قول غيرهم، حتى أرباب الشهوات ممن لا يحملون فكراً منحرفاً تراهم يقفون مع أهل العلم والدعوة والحسبة ولو كانوا يضيقون عليهم في شهواتهم المحرمة. ومن الملاحظ أن الليبراليين ومن عاونهم في إفسادهم يراهنون على فئة الصامتين-وهي الأكثر- ويستغلون صمتها في الكذب عليها، ويستخدمون سلبيتها في تحقيق أهدافهم؛ وذلك حين يزعمون أن من يعارض مشروعاتهم التغريبية هم فئة قليلة من المتشددين فقط، مصورين للناس وللغربيين أن المجتمع كله يقف معهم، وأن إرهاب المؤسسات الدينية، وتطرف العلماء والدعاة والمحتسبين هو الحائل دون عجلة التحديث والتطوير على النمط الغربي المبيح للمحرمات، مدعين أنهم فئة قليلة لا تمثل المجتمع، ويستدلون على ذلك بصمت كثير من الناس، ووقوفهم من معركة الليبراليين مع الإسلام موقف المتفرجين. والمقترح الذي أرى أنه ناجع جداً ويضرب التيار الليبرالي في مقتل، ويؤجل مشروعاته التغريبية هو إنطاق الفئة الصامتة من المجتمع، وتحريكها من السلبية إلى الإيجابية؛ فإن الأمر يتعلق بدينهم وأخلاقهم وبيوتهم ونسائهم وبناتهم وأبنائهم، فكم عدد الأخيار والغيورين والمنحازين لهم من الرجال والنساء، وخصوصاً الموظفين والأكاديميين في الكليات الشرعية، وفي الكليات التجريبية، وفي التعليم العالي من طلاب الجامعات وفي التعليم العام من المدرسين والمدرسات، وكم سيكون عدد المقالات لو كتب كل واحد منهم مقالاً كل أسبوع أو كل شهر يرد فيه العدوان عن الدين وحملته والتزم بذلك؟! بحيث إذا نُشِر مقالٌ واحد للمفسدين من الليبراليين تنتهك فيه حرمة الشريعة، أو يُنال من حملتها، أو أَنطقوا من يحرف الأحكام ويبدلها لهم كُتبت مئات المقالات المنكرة عليه في حملة احتسابية تلقائية تتدفق عبر الإنترنت، منها ما يناقش فكرته عقلاً ويدحضها، ومنها ما يبين حكمها الشرعي، ومنها الوعظي الذي يعظ كاتبها ويعظ من يقرءون له، وأقلها من يتخذ موقفاً رافضاً لها, ولو أن يكون المقال في صفحة واحدة، ويذكر الكاتب اسمه الصريح وعمله أو مكان دراسته؛ لقطع الطريق على الليبراليين بادعاء الأسماء المجهولة؛ لأنهم تخلقوا بالكذب والافتراء، وكان بعضهم يكتبون بأسماء نسائية مستعارة، ويظنون أن الناس مثلهم فيرمونهم بدائهم. ولذلك فوائد عدة من أهمها:

стр. 640

١ - براءة الذمة بإنكار المنكر، والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان، وأي عدوان أعظم من عدوان الليبراليين على جلال الله تعالى وعلى شريعته الغراء، وحملتها الأخيار؟! ٢ - إعطاء صورة حقيقية عن المجتمع السعودي تظهر تدينه وانحيازه للعلماء والدعاة، وتعري الليبراليين الذين ملؤوا الدنيا ضجيجياً وكذباً مدعين أن الناس معهم. ٣ - إسقاط الرموز الليبرالية، وكسر معنوياتها؛ فإن المقالات الكثيرة إذا تواردت على الكاتب الذي قال منكراً أرهبته، وجعلته يعيد حساباته في مواجهة مجتمع كامل، ويكفي دليلاً على ذلك انزعاج الليبراليين من الإنترنت؛ لأنهم عاجزون عن السيطرة عليه، ويسمون من يناهضونهم فيه: خفافيش الظلام. مع محاولاتهم الدؤوبة لإغلاق المواقع الكاشفة لفكرهم، ولو أحصينا المقالات التي تنتقد الواحد منهم حينما يقول منكراً لوجدناها قليلة لا تبلغ في بعض الأحيان عشر مقالات، ومع ذلك تؤثر فيهم كثيراً، فكيف لو أُغِرقت شبكة الإنترنت بمئات المقالات بل بالآلاف على كل منكر يقولونه، وبأقلام متعددة ومتجددة، بأسماء صريحة؟! ٤ - تعطيل المشروعات التغريبية التخريبية للبلاد والعباد؛ ذلك أن التجاذب السياسي الداخلي ليس يخفى على متابع، وحجة التيار التغريبي أن الناس لا يمانعون من الإصلاح على الطريقة التغريبية، كما أن حجة الممانعين من التيار الآخر أن الوقت لا يناسب ذلك، أو أن بعض الخطوات التغريبية لا تناسب المجتمع. وإغراق الإنترنت بالمقالات المناهضة للتغريب، ولكتاب السوء في الصحافة يقوي تيار الممانعين، ويثبت نظريتهم، ويعطل المشروع التغريبي أو على الأقل يؤجله. ٥ - تخفيف ضغط القوى الخارجية، فمن المعلوم أن الليبراليين في دعوتهم للتغريب، وضغطهم على الحكومة في تمرير مشروعاتهم وتبنيها ينطلقون من توجيه المؤسسات الغربية ودعمها لهم ومتابعتها لمطالبهم، والليبراليون عملاء فيها إنْ بالأُجرة والوعود المعسولة بالتمكين لهم في البلاد، وإنْ بالتطوع لخدمة الباطل وتدمير البلاد وإفساد العباد. وهذه المؤسسات الغربية التي تدفع عملية التغريب في المملكة تتابع ما يجري في المجتمع السعودي من صراع فكري، وتجاذب سياسي، وترسم منهجيتها وخططها بناء على ذلك، وإغراق الإنترنت بالمقالات المناهضة للمشروع التغريبي يجعل هذه المؤسسات تعيد حساباتها، وتخفف الضغط، ولربما ضغطت بالاتجاه الآخر ضد الليبراليين؛ للمحافظة على المصالح الغربية وخاصة الأمريكية؛ ولئلا يؤدي تماديهم إلى انتحار مشروعهم. لا بد أن نعلم أن أمريكا بعد انفرادها بزعامة العالم تتعامل مع الدول الأخرى وفق خطين متوازيين: أولهما: تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية. ثانيهما: تسويق فكرها الرأسمالي الليبرالي، ومحاولة فرضه على الجميع. فإذا حصل تعارض بين هذين الركنين في السياسة الأمريكية فإن تحقيق مصالحها يقدم على تسويق فكرها، وهو ما كانت تتعامل به أمريكا مع المملكة قبل انفرادها بزعامة العالم. وبما أن العصابة الليبرالية في المملكة تستمد قوتها من المؤسسات الغربية وبالأخص الأمريكية فلا بد من الضغط الشعبي عبر الكتابة على التوجه التغريبي داخل المملكة؛ لتخفف أمريكا من ضغطها، ولتتخلى عن سياستها في دعم الأقلية الليبرالية المنحرفة على حساب الأكثرية، وأحسب أن إغراق الإنترنت بالمقالات المناهضة للمشروع التغريبي سيحقق الضغط الشعبي بشكل كبير، ويقنع الراصد الغربي والأمركي بكف عملائه.

стр. 641

لقد كانت سياسة أمريكا قبل ثلاثة عقود تتجه إلى المصالحة مع الحكومات التي تتعامل معها، ولا تلتفت إلى الشعوب؛ لأن تعاملها مع الحكومات يحقق لها مصالحها، لكن بعد سقوط من لا يتوقع سقوطهم في ثورات شعبية عارمة -شاه إيران وتشاوشيسكو رومانيا- راجعت أمريكا حساباتها تجاه الشعوب، وكانت تحرص على الاستقرار في الدول التي لها فيها مصالح، وتحاول كسب شعوبها .. وتسويق القيم الأمريكي، وضخها لقنوات الترفيه المجانية، وإنشاء قنوات لها في المنطقة، ودعم القنوات العربية الموالية لها يدل على هذا التوجه؛ بقصد صياغة العقول من جديد، وإمالتها للثقافة الأمريكية أو على الأقل تحييدها عن معارضتها .. ولا يمكن أن تغامر أمريكا بمصالحها لحساب تسويق فكرها كما يدل على ذلك تاريخها وسياستها. وإذا كان ذلك كذلك فإن مؤسسات الرصد الغربية عامة والأمريكية خاصة إذا رأت الغضب الشعبي عن طريق إغراق الإنترنت بالمقالات المناهضة للتوجه التغريبي في المملكة، ستقدم مصالحها على تسويق فكرها، وتخفف من ضغوطها التغريبية، وتتخلى عن أتباعها، أو تأمرهم بتخفيف حملتهم على الإسلام وعلمائه ودعاته. فالضغط الشعبي عن طريق الكتابة له أثر كبير في تغيير القناعات، وتعطيل المشروعات التغريبية، ودحر من يقوم عليها من المفسدين. والملاحظ أن العصابة الصحفية حين تتآلب على عالم أو داعية، وتؤلب القوى السياسية الداخلية والخارجية عليه في عشرات المقالات بتنسيق تام، وحملات منظمة تستهدف فيها شخصيات مؤثرة في مقاومة المد التغريبي فإنها تُقدِّم هذا الافتراء للقوى المؤثرة داخلياً وخارجياً على أنه مطالب شعبية لتكميم أفواه المعارضين للمشروع التغريبي وإقصائهم واستئصالهم، وفي ضخ مئات المقالات المناهضة لذلك فضح للصحافة، وإثبات أنها لا تمثل إلا نفسها، بدليل أن الحملة المناهضة لها أقوى بكثير مما تنشره في صحفها .. إننا -يا معشر القراء والقارئات- نعيش في مرحلة مفصلية لها ما بعدها فإما أن ينجح الليبراليون في تمرير مشروعاتهم وفرضها على الناس بالقوة كما حاولوا في السينما والاختلاط -ولا يزالون- وإما أن يندحر مشروعهم ويسقط تحت الرايات الاحتسابية التي انبرى لها عدد من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين لدينهم وأمتهم وبلادهم، والأخيار الذين يؤيدونهم .. والليبراليون مستميتون في استغلال الأوضاع الداخلية والخارجية لتحقيق ما يريدون بأسرع وقت، والمسئولية ليست خاصة بفئة من الناس دون أخرى، بل يجب على المجتمع كله حماية بيضة الإسلام، والمحافظة على سمت المجتمع ومظهره الديني. ماذا سيقول الصامتون لله تعالى يوم القيامة وهم يستطيعون أن يذبوا عن الإسلام بأقلامهم وألسنتهم؟! وهل ينفعهم ندمهم وأسفهم وأساهم حين تخرج بناتهم عن طوعهم، فيُخلع حجابهن، ويُغرب عقلهن، ويُعتدى على عفافهن وهم لا يملكون حلية تجاههن؟! ولا يقولن أحد لن يقع ذلك؛ ففي مصر والشام ودول المغرب من المحافظة على الحجاب ومنع الاختلاط، وصلاح المجتمع قبل مئة سنة ما يوازي مجتمعنا الآن، بل ويفوقه، ثم ماذا كان حالهم حين خذل الناس علماءهم ودعاتهم في مقاومة المد التغريبي الذي أفسد دينهم وبيوتهم ونساءهم، ولم يصلح لهم دنياهم؟! فهم في الفقر والحاجة والتخلف يرسفون، وما أشد ضياع الدين والدنيا على الناس، وهو ما يسعى إليه الليبراليون. ويمكن أن يُعزى صمت الأكثرية إلى أسباب، أهمها: ١ - الخوف من الإرهاب الليبرالي الذي حول الصحافة إلى محارق نازية لمن يقف في وجوههم أو يناقش أفكارهم فيختار كثير من الناس السلامة على المواجهة.

стр. 642

٢ - أن من يقومون بالدفاع عن بيضة الإسلام، ويكشفون حقيقة المشروعات الليبرالية التغريبية من العلماء والدعاة والكتاب الغيورين قد أدوا فرض الكفاية، ورفعوا الحرج عن البقية. ٣ - عدم محبة كثير من الناس للكتابة، أو ضعفهم فيها، وبعضهم يريد أن يكتب شيئاً عالياً جداً أو لا يكتب أبداً، أو الكسل عن ذلك أو التسويف. ٤ - دعوى بعضهم أنه لو كتب لا تنشر الصحف والمجلات له. وكل هذه تعليلات عليلة، وأسباب لن ترفع الإثم عن أصحابها، ولن تعذرهم أمام الله تعالى وأمام أمتهم، وأمام التاريخ. ومن أهل الإسلام فئة الأحلام الوردية، ودعاة التقارب مع كل أحد إلا مع إخوانهم، والمحذرين من الاصطفاف مع أي الفريقين، وأكثر مواقفهم سلبية جداً، وتصب في مصلحة التيار الليبرالي في الغالب، وليتهم سكتوا حين لم يحسنوا أن ينطقوا بالحق. تفعيل الضغط الشعبي: قد يقتنع كثير من قراء هذا المقال بما فيه، ويريدون خطوات عملية في هذا السبيل، والذي أراه: ١ - أن يلتزم كل واحد من قرائه بكتابة مقال كل أسبوع مناهض للمشروع التغريبي، سواء كان تأصيلاً أم رداً، أم بياناً لخطر خطوة تغريبية، أم نصرة لعالم أو داعية ممن نالوا منه. ٢ - إذا جهر أحد الصحفيين بمنكر من القول يتطاول فيه على الشريعة أو حملتها فليسجل موقفاً بمقالة ولو قصيرة من صفحة واحدة أو أكثر وينشرها. ٣ - يلتزم كل واحد باستكتاب عشرة من معارفه سواء كانوا أكاديميين أم موظفين أم مدرسين أم طلاب جامعات رجالاً ونساء، ويفضل إن كان الموضوع المثار يخص المرأة أن يغلب جانب النساء في الكتابة فيه؛ لأن القضية تخصهن. وعليه أن يتابعهم في كتابة المقالات ويسعى في نشرها لهم، ويشجعهم بعد النشر بنقل التعليقات على مقاله وأصدائه. ومع الوقت ستنتقل مقاومة المد التغريبي من مرحلة الفردية إلى الجماعية، وتتحول من كونها عبئاً ملقى على عاتق قلة من العلماء والدعاة والمحتسبين لتصبح ثقافة مجتمع كامل. ٤ - تفعيل نشر المقالات في أكثر المنتديات الإسلامية والمنتديات العامة كالمنتديات الثقافية والنسائية والمجلات الألكترونية بل حتى منتديات الجامعات والمدارس والمدن والقبائل وغيرها، ولا سيما أن أكثر المنتديات لا يتطلب تنزيل الموضوع فيها سوى التسجيل المجاني، وبإمكان الواحد أن يسجل في مئة منتدى، وينزل مقالاته فيها، وحبذا لو ينبري لذلك طائفة ممن يتقنون التعامل مع الانترنت، ومن فوائد ذلك: أ- إطلاع أكبر عدد ممكن من القراء عليه، وحشدهم ضد التغريب والتخريب في بلادنا. ب- قطع الطريق على سياسة حجب المواقع التي تنشر المقالات المناهضة للمشروع التغريبي، أو اختراقها وتدميرها؛ لأن مواقع النشر إن كانت محدودة أمكن للمفسدين السيطرة عليها، وأما إن كانت كثيرة جداً فلا يمكن السيطرة عليها. ج- تعويد الناس على ثقافة الاحتساب؛ لأن المقالات المحتسبة على المفسدين إذا غزت كل المنتديات جرأت الخائفين، ونشطت المتثاقلين، وقوت عزم الخائرين على المشاركة والاحتساب. ٥ - عمل دعايات للمقالات المميزة والقوية، وذلك بنشر روابطها في المواقع التي لم تنشر فيها، وتوزيعها عن طريق القوائم البريدية على أوسع نطاق. وليصطف أهل الحق ضد أهل الباطل، وليعلنوا البراءة من مشروعاتهم التخريبية التي تُسرَّب للمجتمع باسم الإصلاح، ولنحذر من أن نكون غثاء كغثاء السيل. والله الموفق.

стр. 643

حديث: ((رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء)) القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية ومراجعة المشرف العام ٩ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ يتهم بعض المبتدعة شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه مجسِّم ويستشهدون بتصحيحه لحديث: ((رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء)) فهل حقاً صحح شيخ الإسلام هذا الحديث؟ وهل هو حديث صحيح؟ وللجواب على هذا السؤال أقول: هذا الحديث ورد من طريقين وبألفاظ مختلفة. الطريق الأول: من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً. ومن ألفاظه: ((أن محمداً رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ، قدميه، أو قال: رجليه في خضرة)) ((رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء)) ((رأيت ربي في صورة شاب أمرد جعد عليه حلة خضراء)) وهذا الحديث من هذا الطريق صححه جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد (المنتخب من علل الخلال: ص٢٨٢، وإبطال التأويلات لأبي يعلى ١/ ١٣٩) وأبو زرعة الرازي (إبطال التأويلات لأبي يعلى ١/ ١٤٤) والطبراني (إبطال التأويلات لأبي يعلى ١/ ١٤٣) وأبو الحسن بن بشار (إبطال التأويلات ١/ ١٤٢، ١٤٣، ٢٢٢) وأبو يعلى في (إبطال التأويلات ١/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٣) وابن صدقة (إبطال التأويلات ١/ ١٤٤) (تلبيس الجهمية ٧/ ٢٢٥) وابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية ٧/ ٢٩٠، ٣٥٦) (طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- ١٤٢٦هـ) وضعفه ابن الجوزي في (العلل المتناهية: ١/ ٣٦) واستنكره الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٣) وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣١٢): (موضوع مفترى على رسول الله ﷺ والطريق الآخر: من حديث مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب مرفوعاً. ومن ألفاظه: ١ - ((رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقَّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)). ٢ - ((يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب في رجليه نعلان من ذهب)). ٣ - ((أنه رأى ربه في النوم في صورة شاب ذي وفرة، قدماه في الخضرة، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب)). وهذا الحديث صححه الحسن بن بشار وأبو يعلى كما في (طبقات الحنابلة لأبي يعلى: ٢/ ٥٩). وضعفه واستنكره جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد (المنتخب من علل الخلال لابن قدامة ص٢٨٤) ويحي بن معين (تاريخ بغداد للخطيب: ١٣/ ٣١١) والنسائي (العلل المتناهية لابن الجوزي: ١/ ٣٠) وابن حبان في (الثقات: ٥/ ٢٤٥) والسبكي في (طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣١٢) وابن حجر في (تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٦) والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة ١/ ٣٠) والشوكاني في (الفوائد المجموعة ص٤٤٧). وكلُّ من صحح الحديث أثبت أنه رؤيا منام لا رؤيا عين، لذلك فلا إشكال ولا مطعن لأهل الأهواء فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية: ٧/ ٢٢٩): ((وكلها (يعني روايات الحديث) فيها ما يبين أن ذلك كان في المنام وأنه كان بالمدينة إلا حديث عكرمة عن ابن عباس وقد جعل أحمد أصلهما (أي حديث ابن عباس وأم الطفيل) واحداً وكذلك قال العلماء)) وقال في (بيان تلبيس الجهمية: ٧/ ١٩٤): (وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام) وله ﵀ كلامٌ صريحٌ في أنَّ الله لا يُرى في الدنيا بالأبصار فقال في (منهاج السنة: ٢/ ٣١٣) في معرض ردِّه على المجسِّمة: (أدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يُرى في الدنيا بالأبصار)

стр. 644

وقال في (الوصية الكبرى: ص٧٧): (وكل من قال من العُبَّاد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعين رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان) وشيخ الإسلام ابن تيمية ليس وحده الذي نفى أن يكون في الحديث إشكال لأنه رؤيا منام، بل ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم. ومن هؤلاء: ١ - الذهبي في (ميزان الاعتدال) (١/ ٥٩٤) قال: (وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت.) ٢ - السيوطي في (اللآلئ المصنوعة) (١/ ٣٤) قال: (وهذا الحديث إن حُمل على رؤية المنام فلا إشكال) ٣ - العجلوني في (كشف الخفاء) (١/ ٤٣٧) نقل كلام السيوطي ولم يتعقبه. ٤ - المعلِّمي كما في التنكيل (١/ ٢٥٣) قال: (إن لهذا الحديث طرقاً معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأساً) وغيرهم قال الإمام الدارمي في (النقض على المريسي: ٢/ ٧٣٨) عند كلامه على حديث: ((أتاني ربي في أحسن صورة)): (وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٢٥ - ٣٢٨): ((لفظ الرؤية وإن كان في الأصل مطابقاً فقد لا يكون مطابقاً كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ وقال: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وقد يكون التوهم والتخيل مطابقا من وجه دون وجه فهو حق في مرتبته وإن لم يكن مماثلا للحقيقة الخارجة مثل ما يراه الناس في منامهم وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه فإنه يرى صوراً وأفعالاً ويسمع أقوالا وتلك أمثال مضروبة لحقائق خارجية كما رأى يوسف سجود الكواكب والشمس والقمر له فلا ريب أن هذا تمثله وتصوره في نفسه وكانت حقيقته سجود أبويه وأخوته كما قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وكذلك رؤيا الملك التي عبرها يوسف حيث رأى السنبل بل والبقر فتلك رآها متخيلة متمثلة في نفسه وكانت حقيقتها وتأويلها من الخصب والجدب فهذا التمثل والتخيل حق وصدق في مرتبته بمعنى أن له تأويلاً صحيحاً يكون مناسباً له ومشابهاً له من بعض الوجوه فإن تأويل الرؤيا مبناها على القياس والاعتبار والمشابهة والمناسبة ولكن من اعتقد أن ما تمثل في نفسه وتخيل من الرؤيا هو مماثل لنفس الموجود في الخارج وأن تلك الأمور هي بعينها رآها فهو= مبطل، مثل من يعتقد أن نفس الشمس التي في السماء والقمر والكواكب انفصلت عن أماكنها وسجدت ليوسف وأن بقراً موجودة في الخارج سبعاً سماناً أكلت سبعاً عجافاً فهذا باطل.

стр. 645

وإذا كان كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه فهذا حق في الرؤيا ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك وإلا كان بالعكس قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابا بينه وبين الله وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم وما أظن عاقلا ينكر ذلك فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره وهذه مسألة معروفة وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام ولكن لعلهم قالوا لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده واستقامة حاله وانحرافه. وقول من يقول ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك إذا حمل على مثل هذا كان محملاً صحيحاً فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته وإن كان ما رآه مناسبا مشابها لها فالله تعالى أجل وأعظم)). انتهى كلامه فكون شيخ الإسلام أو غيره يصحح حديث: (رأيت ربي في صورة شاب أمرد ... ). لا يعني أنه يعتقد بأن الله حقيقة على صورة شاب أمرد بل كما قال: (فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته) فكيف يقال بعد ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية يشبِّه الله بالشاب الأمرد؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وحاشا لشيخ الإسلام -المنزِّه لله تعالى، والذي لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول ﷺ أن يقول أو يعتقد ذلك. وكلامه في تنزيه الله والرد على المجسِّمة كثيرٌ جداً، من ذلك قوله كما في (منهاج السنة: ٢/ ٣١٣): (والمثبتة [أي من المجسِّمة] أدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يُرى في الدنيا بالأبصار، ويصافَح، ويُعانق، ويَنزل إلى الأرض، وينزل عشية عرفة راكباً على جمل أورق يعانق المشاة ويصافح الركبان، وقال بعضهم: إنه يندم ويبكي ويحزن وعن بعضهم: أنه لحم ودم ونحو ذلك من المقالات التي تتضمن وصف الخالق ﷻ بخصائص المخلوقين والله سبحانه منزَّهٌ عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين، وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص، والله تعالى منزَّهٌ عن كل نقص ومستحق لغاية الكمال، وليس له مِثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزَّهٌ عن النقص مطلقاً، ومنزَّهٌ في الكمال أن يكون له مِثل ٌ) انتهى كلامه يرحمه الله. فهل من يردُّ على المجسِّمة بمثل هذا الرد يُنعت بالتجسيم، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾؟! والله تعالى أعلم.

стр. 646

إصلاح "الإصلاحيين "! عبدالله بن صالح العجيري ١٥ جمادى الثانية ١٤٣١هـ يُخيَّل إليَّ وأنا أقرأ هذا الهجوم التصاعدي الأعمى على اسم "السلفية" مؤخراً أنني أمام مشهد قتالي حامٍ مقصوده إيقاف مد "الاستبداد" بمقاومة حملته ومنظريه، المشرعين له ومقننيه، الفارضين له بقوة الرأي والسلاح، ممن لا همَّ لهم إلا سكب قصائد المديح في بلاط السلطان، والتسبيح باسمه المقدس صباح مساء، ولعن أعدائه بالعشي والإبكار. لو كنا نسمع حديثاً عن تخاذلٍ وتقصيرٍ في باب "الإصلاح السياسي" لهان الأمر، فمن الذي يكابر في نقصٍ حاصلٍ، أو يدعو لترك النصيحة في أمرٍ واجبٍ، غير أن طائفةً من منتحلي الإصلاح فقد بوصلة قلمه ولسانه، وربما عقله، فانتقل من هذا إلى الاتهام الجائر لمخالفيه بتشريع وتقنين ومباركة "الاستبداد" وممالأة ومساندة "المستبد". أن يكون ثمة تقصيرٌ وضعفٌ وعجزٌ فشيءٌ نفهمه، نعاني منه ونرجو إصلاحه ولكن نفهمه، أما الذي لا يمكنني فهمه ولا تستوعبه طاقات عقلي فجرأة أولئك بجعل ما نراه من تقصير وخلل ناشئاً عن "عقيدةٍ وإيمانٍ" بنظم "الاستبداد"، واستمتاعاً بصنوف "الكذب والنفاق"، وعشقاً لصراعات "كرتونية فارغة". والأسوأ، تلك اللغة المشبعة بصيغ التعميم الأهوج، الذي لا يتوقف عند حملة العلم والمصلحين القائمين بأمر الدعوة والإصلاح اليوم، بل ويشمل حتى أئمة الإسلام الماضين الذي هم مفاخر هذه الأمة وقدواتها، علماً وعملاً، وفقهاً وفهماً. كان الحديث أولاً عن "متسلفة زماننا"، ثم لم تزل الجهالة العمياء تتوسع وتتوسع، حتى أثمرت أن "ما عدا الرسالة وعهد الرشد، تراث وأفكارٌ وتاريخٌ من هجره فهو خير له". هكذا وبجرَّة قلم ألغى "الإصلاحي" جهود أعيان الأمة وعيونها من أئمة التابعين وتابعيهم، بل وقريباً من نصف قرن من عمر الصحابة ﵃. فلو تكلم بهذا الجهل عدو للتشريع الإسلامي لكان موقفه مفهوماً، أما أن يلفظه "إصلاحي"، "إسلامي"، فذاك هو النكوص المبين. النبي ﷺ يشهد لقرنين بعد قرن الصحابة بالخيرية، و"الإصلاحي العتيد" يرى الخير في هجر ذاك الخير، لمجرد أنه عاجز عن التعاطي معه، فصار يتوهمه قيداً على نهضة الأمة ونيلها حريتها. مشكلة بعض إخواننا أنهم يريدون تحرير عقولهم من نور القرون المفضلة، ليقعوا مباشرةً أسرى ظلمات الجاهلية العصرية التي كبلت عقولهم بأغلال المحاكاة، فمنعتها من التفكير الحر المتزن. أولئك الإخوة لديهم كما لدينا قضيةٌ عادلةٌ. وهم يعانون كما نعاني من واقعٍ مرٍّ يكتم الأنفاس. ظنناهم يريدون النهوض بتلك القضية بعدما عجز الكثيرون عن حملها، فإذا هم يلقونها وراء ظهورهم، ليحملوا قضيةً أخرى خاسرةً، قضية الهجوم على تاريخ الأمة وفقه المسلمين. فرقٌ عظيمٌ بين من يرى تقصيراً في أداء فرض كفائي فهو يسعى في إقامته، والدعوة إليه برحمةٍ وعدلٍ، مطالباً بإقامة الدين كله، ومن لا يرى من الإسلام إلا بعضاً، فهو يحاسب الناس على ما يعتقد أنه الإسلام كله، فيشتد ويقسو ويريد حمل الناس على ما يعتقده "الإسلام" وإنما هو يريد حمل الناس على بعضه. مشكلة إخواننا هؤلاء أنهم كثيراً ما يفسرون هذا الهجوم على كتاباتهم وأطروحاتهم بأنه معاداةٌ لمبادئ الحرية وترسيخٌ لقيم الاستبداد. المشكلة أنهم يتقدمون إلينا "برزمة" من قيم الإصلاح المشوَّه، ثم يستبدون برأيهم، ويريدون منا أن نقبل استبدادهم قسراً، فإذا ما أبدينا تحفظاً على مسألة هنا أو مشروعاً هناك أخذوا يتصايحون: قد علمنا تضجركم "أعداء الحرية" حين تسمعون أشواقنا إليها!

стр. 647

وهذا للأسف تزييف للحقيقة والواقع، فالنقد لم يتوجه قط لمطالبات إصلاح حقيقية سواءً كانت في شأن المال العام أو مجال السياسة أو توسيع دوائر الرقابة أو غيرها، وإنما توجه دوماً إلى ذلك الاستفزاز الأحمق بالتهوين من المعارف الشرعية، والإزراء بعلوم السلف، والاستخفاف بدعاة السنة. نحن نستطيع أن ندعي بطمأنينة أن "الصحوة" في الجملة ظلت وفيةً للشجعان في مجال "المناضلة السياسية" ما لم يتلوثوا باتخاذ جهادهم تكية للطعن المغلف في أصول السنة، وقواعد الدين. بالله عليكم كيف يطالب الشرعيون بالسكوت عن جنايات هؤلاء، وهم يعلنونها بشكل متتابع، وبلغة استفزازية، وبأسلوب عدائي سافر، ربما يعجز عن بعضه أهل الريب. مرةً يحدثوننا عن "السلفية العباسية" وأثرها السلبي في صياغة "المتون العقدية" لأهل السنة والجماعة. ومرةً يهونون من شأن "الطحاوية" و"الواسطية" و"التدمرية" ويلمزون من يسعى في شرحها وتدريسها، بل ويحدثونك عن "مؤامرة" تحاك لإشغال شبابنا بمباحث "الأسماء والصفات" ومعارك "الجهم والجعد والمريسي" عن ساحات الإصلاح الحقيقية. يطعنون -بجهلٍ عميقٍ- في مبحث "خلق القرآن" وأن ما جرى من جدل سني معتزلي لا يعدو أن يكون جدلاً بيزنطياً فارغاً في مسألةٍ غيبيةٍ اجتهاديةٍ، وأن قول أهل السنة فيها ليس إلا قولاً اجتهادياً جاء لتقرير مبدأ حرية الاجتهاد لا أن الأمر قطعي من القطعيات، فضلاً أن يكون مستنداً إلى شعار أهل السنة المعلن "ما أنا عليه اليوم وأصحابي". ثم يفترون علينا أننا نشغل الطلاب بمسألة خلق القرآن لمدة سنتين أو ثلاثة. يفاخرون بانتسابهم "لإسلام ما قبل التقسيم"، وهل الطريقة السلفية إلا هذه؟! غير أنك إذا فتشت في حقيقة انتسابهم وجدتهم في الحقيقة يدعون لتقسيم الإسلام وتقطيعه، فهم يريدون توزيع الحق بين الطوائف والأحزاب، ويؤكدون على أنه غير محصور في أصول "أهل السنة والجماعة". فلا بأس علينا إذن إن استفدنا من "عقلانيات المعتزلة" وشيئاً من "أطروحات الإباضية". بعضهم في زحمة حماسته لنيل حريته السياسية، يؤكد على ضرورة حرية التدين والاعتقاد والتعبير فإذا ما اعترضت بأحكام المرتد، أنكرها، وضعف أحاديثها وتعلق ولو بالقشة من أقوال أهل العلم، وقرَّر أن لا عقوبة إطلاقاً للمرتد في الفقه الإسلامي، وهذا خروج عن مذاهب المسلمين كافة بيقين. يسخرون من مدافعة "الشرعيين" لسيل "الإفساد الليبرالي" ويعدون ذلك مجرد "صراع كرتوني سخيف" "ومعارك وهمٍ" لا تغني ولا تسمن من جوع، وكأن التصدي لسيل الإفساد هذا خارج عن نطاق الإصلاح. يبدون تململاً وتضجراً من الانشغال بمشكلات طوائف المبتدعة صوفية وأشعرية ومعتزلية ورافضية، ويعدون هذا الانشغال حمقاً وسفهاً، وتبديداً للطاقات والجهود وتفريقاً للصف المسلم، ثم هم يدعون هذه الطوائف جميعاً، ويدعون معها المستبد، ليتفرغوا بعد ذلك لتوليف شتائمهم "الإصلاحية" الموجهة للشيطان الأكبر "السلفية"! يجادلونك في مسائل الشريعة والسياسة فإذا ما جادلتهم بالأدلة الشرعية رفعوا في وجهك لافتة "قطعي الثبوت قطعي الدلالة" وكأن أحكام الشريعة لا تبنى إلا على القطعيات. والقائمة تطول. دعونا من هذا كله ولنقترب أكثر من مشروعهم الإصلاحي المستورد "الديمقراطية"، مستحضرين تلك اللغة المغرقة في التقديس والتبجيل وحجم التهليل والتصفيق الذي يبدونه وهم يسوقون لمشروع الإنقاذ هذا، حتى وضعوا منتقدي "النظام الديمقراطي" من الشرعيين في خانة "السخفاء والضعفاء والجهلة والملبس عليهم".

стр. 648

حاججناهم بأنه نظام لا يتوافق مع "النظام السياسي الإسلامي"، فمرجعية الحكم فيها "لله وحده" بخلاف "النظم الديمقراطية" التي تجعل السيادة للخلق، إضافةً إلى جعل "المواطنة" أساساً للمشاركة الديمقراطية بعيداً عن اعتبارات الدين. قالوا: إنما ندعو لنظام ديمقراطي مهذب موافقٌ لأحكام الشريعة. وأن الديمقراطية حين تعمل في "فضاء مسلم" فستنتج نظاماً مسلماً. لا بأس إذن، ولنتجاوز أساس الإشكال الذي يصر أصحابنا على الهروب منه، بادعاء أن مُخرج "الديمقراطية المحلية" سيكون بمرجعية إسلامية، متغافلين عن مشكلة "المبتدأ" الذي يجعل الأمر كله بيد الناس. لنتجاوز ذلك، ولنتأمل في شيء من تفاصيل هذه "الديمقراطية المهذبة" التي يريدون منا قبولها، وترك التعرض لها بالنقد والتجريح. الديمقراطية كما يعرفون لا تعمل إلا في أجواء من الحرية الواسعة، فإذا ما حدثونا بالتفصيل عن "فضاءات الحرية الديمقراطية" وسعوها لتستوعب بزعمهم كافة تصرفات المنافقين في زمن النبوة من "لمز المؤمنين" و"إيذاء النبي ﷺ " و"التآمر على الدولة المسلمة"، فهل هم جادون فعلاً أن مثل هذه الحريات مكفولة في ضمن النظام السياسي الإسلامي؟! نحدثهم عن سيادة الشريعة وضرورة تحكيمها وخطورة تخيير الناس في ذلك، فيهونون من خطورة هذا الأمر، ويدعون أن تحكيمها راجعٌ لاختيار الشعب، وأن الإسلام أقر صوراً من "التحاكم للطاغوت"، فهذه بلاد الكفار في العهد الأول كانت تدفع الجزية وتُقر على أوضاعها الحكمية والدينية من غير تغيير، وهذه كذبةٌ كما يقال لها قرون، وجهلٌ فظيع. يتكلمون في دائرة "أهل الانتخاب" ومن يدخل في "إطار الشورى" ومن يمكنه المشاركة في "اللعبة الديمقراطية"، فإذا هي تضم أهل النفاق والزندقة، مدعين أن النبي ﷺ كان يستشيرهم ويسمع منهم (وإن يقولوا تسمع لقولهم)! وعليه جرى عمل من بعده من الصحابة فهذا ابن عوف استشار الناس وما فرز أهل النفاق من غيرهم! المعارضة السياسية الشاملة لمختلف الأطياف والتيارات حقٌ مكفولٌ في ظل نظامهم الديمقراطي فمعارضة "البغاة" في عهد عثمان حق مشروع، وكذا معارضة "الخوارج" لعلي كلها دلائل على اتساع دوائر التعددية والمعارضة في الحياة السياسية للدولة المسلمة، وكأن علياً ما بيّن سقف الحريات للخوارج في الحياة العامة (لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا). يحدثونك عن فضائل عهد الرسالة والخلافة، ومثالب ما بعده، ثم تراهم وقد ورمت أنوفهم واحمرت حين تضيق فهومهم عن استيعاب توجيه نبوي يقول: "اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك". ثم بعد هذا لا يتحرجون من الإعلان بوجوب الطاعة لمن كفر بالملة وكذب النبوة، إن جاء عبر صناديق الاقتراع المقدسة! إنهم ببساطة يريدون طمأنتنا أن مشروعهم الإصلاحي لا يخرج عن إطار "المباح الشرعي" وهم للأسف كاذبون، أو على الأقل واهمون، وجناياتهم الشرعية باديةٌ لكل ذي عينين. إنها انحرافات أملاها هذا اللهاث وراء نظام "لاإسلامي" لجعله "إسلامياً" ولو بالقسر ولو بإعادة تشكيل "القالب الإسلامي" نفسه ليتوافق مع شكل هذا النظام. يجب أن تعلموا إخواننا أن ديننا وعقيدتنا وثوابتنا أعز إلينا مما تدعوننا إليه، ولتذهب ديمقراطيتكم مع صنوف الاستبداد إلى الجحيم. * * * همسة: أخشى على بعض من يلبس ثوب "الإصلاح" أن يكون له نصيبٌ من قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون).

стр. 649

توقير الفلاسفة وتعظيم الحرية .. في صحافتنا الموقرة ماجد بن عبد الرحمن البلوشي ١٣ جمادى الأولى ١٤٣١هـ لمّا بُعث النبي ﷺ ، كان لكفّار قريش من الحرّية نوع شبيه بما لدى كفّار الغرب الآن، فهناك حرية للاعتقاد وحرية للتملك وحرية للسلوك، فالجميع حر فيما يفعل ويعتقد ويتملك. قالت عائشة ﵂ واصفة مشهدا مروعا تشمئز منه النفوس وتقشعر له الأبدان من تطبيقات تلك الحرية: كانت مناكح أهل الجاهلية على أربعة أقسام؛ أحدها: مناكح الرايات يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن, فإذا حملت أحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم الحقوا ولدها بالذي يرون، والثاني: أن الرهط من القبيلة أو الناحية كانوا يجتمعون على وطئ امرأة لا يخالطها غيرهم فإذا جاءت بولد أُلحق بأشبههم، والثالث: نكاح الاستخبار وهو أن المرأة إذا أرادت أن يكون ولدها كريما بذلت نفسها لعدة من فحول القبائل ليكون ولدها كأحدهم، والرابع النكاح المعروف يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته؛ فلما بعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. فهل تجدون فرقا بين هذا الذي ذكرته عائشة ﵂ مما حاربه الإسلام وأعلن الثورة عليه وهدمه هدما وبين واقع الحريات المطلقة في عوالم اليوم، والتي يتغنى بها المستغربون من الكتاب ويعدّونها جنة الدنيا وفردوس العالم؟ وهل أُقرَّ كفار قريش في جاهليتهم على ذلك حين جاء الإسلام أو سايرهم فيه وصانعهم عليه؟ وهذا السلوك الموغل في اعتناق الحرية، بعدّها قيمة مطلقة في ذاتها، لم يكن من صنيع كفار قريش دون بقية الأمم، فقد حكى الله عن أهل مدين أنهم عارضوا حكم الشريعة التي أتى بها نبي الله شعيب ﵇، وكان منطلق المعارضة عندهم أن شريعة شعيب تحول دونهم ودون حرية الفعل في أموالهم بما يشاؤون لا بما تُمليه شريعة شعيب ـ وهذا هو عماد فلسفة آدم سميث التي قامت عليها الرأسمالية الغربيّة فيما بعد ـ، فقالوا له قولتهم المشهورة: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، فعارض هؤلاء حكم الشريعة وقانونها بحكم الحرية وقانونها، فما أغنت عنهم حريتهم التي ينتحلون من الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحقت عليهم كلمة العذاب فحاق بهم من النكال والخزي ما تعددت صوره ولم يلحق نظيره بغيرهم من الأمم. والقرآن مملوء ـ بوضوح وصراحة وكثافة بيان يفهمه العيي قبل الفصيح ـ بما يقضي أن نظام الشرع في واد ونظام الحرية المطلقة في واد آخر، فلا يلتقيان حتى يتعانق القمران في كبد السماء. لقد جاء الإسلام وكفّار مكة يتنعّمون بتلك الحرية تنعّم المترف، وكانت الفلسفات بأنواعها قد عمّت الأرض في مصر والهند والصين وبلاد فارس واليونان، والله يعلم ما في السموات وما في الأرض ويعلم الغيب والشهادة ويعلم ما كان وما سوف يكون فحكم على جميع هذه الفلسفات بالبطلان وقضى على الحرية المطلقة بالفساد، كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: (إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب). فلو كانت لهذه الفلسفات مكانة عليّة في الإسلام، لأخذ منها الحجج والبراهين ولأحال على مباحثها ولجعلها معيارا للحقائق أو لبعضها، غير أن شيئا من ذلك لم يكن، فهاهو نور الإسلام يمحو ظلمات العلوم والمعارف الأخرى.

стр. 650

ولم تقف الشريعة عند هذا، فأتت بالقواعد والكليات التي تضبط العلوم وأسست نظريات البحث في الأمور الشرعية والمعرفية بأدوات تامة كاملة، فقد كان الصحابة والتابعون من كبار العلماء ومن أهل البحث والنظر والمعرفة، ولم يقرأ أحد منهم كتابا إلا ما جاءت به الشريعة من القرآن والسنة، وسار على طريقتهم من تبعهم من علماء السلف الصالح، فما عرفوا نظرا في كتب الفلاسفة ولا قرؤوا علوم المنطق أو درسوا مباحث الفلسفة، مع أنها ملأت الدنيا نشرا وشغلت العلماء بحثا، وطائفة كبيرة من علماء الأمة حرّمت النظر في كتب الفلسفة والمنطق، وبالرغم من كل ذلك فما اشتكى المسلمون يوما نقصا في أداة معرفية أو في طريقة لمعرفة الحق أو انقطعوا في مناقشة أو أفحهم مناظِر، بل ناظروا أهل الملل والنحل ومختلف الطوائف بمحكمات الحجج وقواطع البراهين ـ عقلا ونقلا ـ فردوا شبههم ونقضوا أصولهم وشردوا بهم من خلفهم وجعلوهم سلفا ومثلا للآخرين. فأين هم المعتزلة اليوم؟ أين الجهمية؟ أين الزيدية؟ أين الكرّامية؟ وأين البقية الباقية من أنصار الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وإخوان الصفا؟ هذه الجامعات في بلاد الدنيا تدرّس ما اندثر من علومهم وتطبع بوائد كتبهم وتبعث رميم أفكارهم من مراقدها وتقيم لهم الأيام وتحيي الموائد وتعطي الجوائز وتغدق الأعطيات، فما أغنت عنهم شيئا ولا بعثت لهم فكرا ولا أحيت منهم ميتا. واليوم يخرج في صحف المسلمين ومجلاتهم ومنتدياتهم من يعظّم الفلاسفة الغربيين، لا تعظيم جدّهم واجتهادهم، فهذا من مواقد العزم في النفوس البشرية، لكن تعظيم الفتنة بعلومهم والرضا بنتائجها، فما عادت الشريعة وأحكامها معيارا للعلوم والمعارف، وإنما طفق هؤلاء يستغيثون الفلاسفة، ابتداء بديكارت وسبينوزا وهيغل وكانت وانتهاء بنيتشه وفرويد وراسل وبوبر وقرونا بين أولئك كثيرا، وينظرون في فلسفاتهم نظر المعظّم لها والمبجّل لأصحابها، ويجعلون منها قوانين معياريّة لتصحيح الأقوال والحكم على العلوم وتهذيب سلوك الأفراد والمجتمعات، ويقرؤون لهم قراءة الصب الواله. أما كتب السنة، كصحيح البخاري ومسلم والسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد، وتفاسير كتاب الله تعالى لأئمة العلم والهدى كابن جرير الطبري والقرطبي والبغوي وابن عطية وابن كثير وغيرهم، وكتب العقائد والفقه وبقية علوم الشريعة فهي عندهم من كتب التراث فحسب، وكثير منها صار نسيا منسيا وسِفرا مهجورا، والباقي يقرؤونه ـ إن قرؤوه ـ كما يقرؤون كتاب ألف ليلة وليلة، يتفكهون به ويستظرفون نوادره ويستنكرون غريبه وينفرون من صرامة أحكامه ويحاكمون أئمته بقوانين أولئك الفلاسفة الذين كانوا يعيشون أحوالا عصيبة من تشظّي الذات وظلمة الروح واعوجاج السلوك، بل يرون العلماء على أنهم طائفة من الدراويش غاية أمرهم أن يعقلوا أحكام النقل المجرد لا العقل الناقد. فإذا ذُكر لدى هؤلاء علماء السلف ومفاخرهم العظيمة اشمأزت قلوبهم وأدبرت أرواحهم وإذا جرى ذكر الفلاسفة الغربيين ومناهجهم ومدارسهم إذا هم يستبشرون. فهل الزندقة إلا هذا؟ وهل قرأ هؤلاء ما دوّنه علماء أصول الفقه والبحث والنظر، ممن لم يخلطوا بين دقائق علوم الاستنباط بصفائها ونقائها وأصالتها وبين شوائب علم المنطق المستورد من تراث الإغريق؟

стр. 651

وهل وقفوا على ردود الإمام أحمد على شُبه المعتزلة بقض عقولهم وقضيضها وكيف أفحمهم وقطع دابر شبههم وهم المعروفون بشراسة البحث وصرامة النظر وحدّة الرأي ومعهم جيش الدولة بدءا من رأسها المأمون وانتهاء بالعساكر والجنود المجندة فضلا عن علماء السوء ووعاظ السلاطين وخذلان المقربين وسكوت الصالحين فصيّر جبال حججهم كثيبا مهيلا، وردوده على الجهمية ورد عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي ورد عبد العزيز الكناني على المريسي أيضا في كتاب الحيدة، وغيرها من الكتب والمصنفات التي خطها أولئك الهداة المتقون المتسلحون بسلاح النص الشرعي وملؤوها بالحجج والبراهين وخاضوا في البحث خوض المناظر العارف بدقائق الأقيسة ولطائف القوانين؟ وانظروا إلى مشارق الأرض ومغاربها التي عمّها نور الشرع وحكَمها دين الإسلام، هل دخلت في دين الله إلا بالقرآن الكريم وبكتب السنة المشرّفة؟ أوَلم يكن أولئك المرابطون في الثغور والمجاهدون في سبيل الله إلا من العلماء الذين قرنوا العلم بالعمل؟ وهل تسمّى الهنود والسنود والفرس والخراسانيّون والترك والفطانيّون والملاويّون والقوقازيّون والشراكسة والبلقانيّون ـ بعد خروج الفاتحين عنهم وقد تركوا فيها بقيّة من نفوسهم وبضعة من قلوبهم وأجداثا ضمّت أطهر الأجساد التي مشت على وجه الأرض ـ إلا بأسماء العلماء الربانيين الذين بذلوا النفوس وأرخصوا المهج وأراقوا الدماء ليُخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ولتعلوا كلمة الحق وينتشر الدين في كل فج عميق؟ إن العلماء الربانيين أقاموا بناءً مشيدا من صروح العلم المبني على توقير أمر الله وتعظيم شرعه وتلقيه بالقبول والتسليم والإذعان في مئة عام منتظما مئات المدائن والأقاليم والأمصار والنواحي وأعدادا لا يعلمهم إلا الله من البشر مختلفي العادات ومتبايني الثقافات ومتعددي الأمزجة، وبقي هذا البناء مشيدا مهيبا يزداد رسوخا بجذوره في الأرض وسموّا بفروعه إلى السماء على الرغم من مرور القرون إثر القرون، بينما عجز نظّار الشرق والغرب من خلخلة ذلك البناء أو هزّ متين عماده في ١٣٠٠ تصرمت من الأعوام. لقد أخمدت أسماء هذه الثلة المباركة من علماء الأمة جميع المعارف من الفلاسفة ودهاقنة النظّار وأرْبت سيرهم وحياتهم ـ في روعتها وجلالها وسموّها ـ على سير أولئك وحياتهم، فسلوا المسلمين وطوّفوا في الآفاق حتى يتبيّن لكم أنه الحق. هل كان الإمام أحمد مرتشيا خائنا خبيث النفس، مثل فيلسوف المادية التجريبية فرانسيس بيكون ذي القبائح المخزية؟ أم كان الإمام البخاري متشككا متوهّما لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، مثل فيلسوف الشك رينيه ديكارت؟ أوليس الإمام المجاهد البطل ابن تيمية الذي مات في سجنه تاليا للقرآن عاكفا على التهجد قائما بالحق فخرج في جنازته خلق لا يحصيهم العد ولا ينفذهم البصر ولا يُسمعهم الداعي أشرف وأنقى وأتقى من فيلسوف الأشر والبطر والطغيان فريدريك نيتشه الذي مات منتحرا؟ دونكم سير الفلاسفة وأخبارهم وأحوالهم، فهل تجدون منها شيئا تشع به نور الهداية في نفوسكم، أو تنشرح معه صدوركم، أو تحيى به قلوبكم كما تفعل ذلك بكم سير الصالحين من علماء الأمة العارفين بالله وبشرعه والقائمين بدينه؟ لقد قرأت سيرهم ووقفت على أخبارهم فما وجدت فيها ما يصلح أن نقرأه على الناشئة أو نهذب به أخلاق الشباب فهي ظلمات بعضها فوق بعض. فإذا كانت جنبات الصحف الغربية تضيق بذكر أئمتنا وأعلام ديننا، فلمْ نجد يوما صحفيا منهم أتى بالثناء الجميل والذكر النبيل على أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وبقية الأئمة، فعلام نجعل من صحفنا ومجلاتنا أبوابا مشرعة لفلاسفتهم ومفكريهم، نقدم لهم فيها دعايات بالمجان ونخدع بذكر أخبارهم وعرض فلسفاتهم الجيل الناشئ؟ إن صحفنا التي تتبرّم من ذكر أعلامنا من سادات أولياء الله الصالحين وأئمة العلم من المتقين، ثم تُفسح المجال لتعظيم فلاسفة الشرق والغرب، لهي صحف وظيفية وإن تكلمت بألسنتنا وكتبت بلغتنا.

стр. 652

صيانة الدين والمجتمع من تعديات أهل الأهواء (١) عبد الله بن ناصر الصبيح ١٣ جمادى الأولى ١٤٣١هـ في الإعلام، سواء كان محليا أو فضائيا، هجوم مطرد على مظاهر التدين في مجتمعنا ومواطن الجمال فيه. ومن أجمل الجمال في بلادنا، الاجتماع الحاشد للصلاة. وبعضهم كتب يهون من شأن الصلاة جماعة، وآخر صرح بأن من المنكر الإنكار على من تخلف عن صلاة الجماعة وثالث كتب يستنكر على الدولة أمرها بإغلاق المحلات التجارية وقت الصلاة، وقد رأيت مقالا لأحدهم عنوانه "إغلاق المحلات التجارية للصلاة مخالف للشريعة من سبعة أوجه"، وقال فيه إن إغلاق المحلات التجارية لا أساس له من دين أو عقل، وكان مما سطره هذا المجتهد أن الاجتماع إلى الصلاة سبيل للجريمة ويدعو إلى الفحشاء والمنكر، هذا ما قرره هذا المجتهد، أما ما قرره الله ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأن نقوم له سبحانه قانتين أي في جماعات، فأيهما نصدق! العليم الخبير أم الجاهل البليد؟! ومن مظاهر التدين التي وجهوا إليها سهام نقدهم، الفصل بين الرجال والنساء في أماكن العمل العامة والدراسة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وستر وجه المرأة، وحلق تحفيظ القرآن، وعقيدة الولاء والبراء، والدعاة والعلماء. والهجوم على هذه القضايا ليس خاصا بها، بل هو في الحقيقة هجوم على التدين في المجتمع وعلى رموزه ومفاهيمه، فهؤلاء يريدون مجتمعا بلا دين ويريدون أن يكون التدين شأنا فرديا وليس نظاما اجتماعيا. فهم قد يقبلون أفرادا متدينين، ولكنهم لا يقبلون مجتمعا ذا دين. وهؤلاء محجوجون بقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة:٤٤]، وقوله: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات:٥٦] "، وبقوله: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة:٢١] "، وبقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء:٦٥]، وبقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [سورة المائدة:٣]. ومن معاني الدين النظام العام الذي يخضع له جماعة من الناس أو الحكم والشريعة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [سورة يوسف:٧٦]، أي في حكمه وشريعته. وأستدل عليهم بالآيات، لأنهم ينازعون في طبيعة الدين، والأعلم بطبيعته من نزله وشرعه للناس، فوجب المصير إلى ما قرره عن ما شرعه للناس. وقد تولى كبر الهجوم على معالم الدين، فئة شرقت بالدين ورفعت شعار الليبرالية واحتجت بحرية التفكير، وأقرب وصف لها هو اللادينية. والتفلت من الدين ومعارضته صفة عامة في دعاتها، سواء كانوا في الشرق أو الغرب، وسواء كانوا في بلاد المسلمين أو في غيرها. ولا يستعظمن ذلك أحد، فالليبرالية في أقصى درجاتها كفر بالدين كله، لأنها تقصيه عن الحياة وتتحاكم إلى غير ما شرعه الله، وهي في أقل درجاتها، إيمان ببعضه وكفر ببعضه، وهذا يفعله أغرار الليبراليين ممن لم يفهموا الليبرالية وأرادوا أن يجمعوا بينها وبين الإسلام.

стр. 653

وهؤلاء الكتاب قد دخل فيهم من خدع بهم ممن خفي عليه مقصدهم، فسعى معهم في حرب دينه ومعارضة شرع ربه جهلا منه وظانا أنه محسن. وبعض من كتب منهم طاعنا في الشريعة يصدق عليه حديث الرسول ﷺ الذي رواه عمر بن الخطاب وعمران بن الحصين وأخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ"، فهو عليم اللسان يجادل بالباطل فاسد القلب ينكر شرع الله، ويستدل على باطله بالآية والحديث ويضرب بعض النصوص ببعض، ويورد أقوال العلماء منزوعة من سياقها، ويلبس على الناس دينهم ليفتنهم فيه. وهو ربما استدل بالخلاف الفقهي، وما قصده نصرة الشريعة ولكن غايته إسقاط هيبتها من القلوب وزوال مظاهر التدين من المجتمع بالشغب على ما عرفه الناس من شريعة ربهم وما أفتى به علماؤهم وسنده الدليل الصحيح. وهؤلاء ليسوا أهلا أن يؤخذ منهم علم أو فتوى، لأن العلم دين كما ورد عن مالك بن أنس ومحمد بن سيرين رحمهما الله، فلا يؤخذ العلم عمن لا دين له. وإن من علامات الدين تعظيم حرمات الله قال تعالى:" ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [سورة الحج:٣٠] " ومنها تعظيم شعائر الدين، قال تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج:٣٢] "ومن علامات الدين، تعظيم الله وتعظيم ما أنزل على رسوله ﷺ من القرآن والسنة، والتعبد لله والإخبات له سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الأنفال:٢ - ٤]. وأما احتجاجهم بحرية الفكر في عبثهم بالشريعة، فهذا من الغرائب ولولا أن البعض يبثه ويدعو إليه ويحتج به لما أوردته. وهو أصبح عند البعض بابا من أبواب الكفر المأذون بها عندهم، سواء كان في قضايا الفكر أو قضايا الأدب والفن: في الشعر والرواية والقصة. وكي يعلم القارئ أن هذا من الباطل الذي يلبس به على الناس عليه أن ينظر في العلوم المنضبطة كالفيزياء والكيمياء والطب فإنه يجد أن المعتبر التفكير الذي يصيب الحق أو المستند إلى دليل تجريبي صحيح، وكل تفكير ليس له دليل يثبت صحته فلا اعتبار له. ولو نظرنا في تاريخ هذه العلوم لوجدنا أنها مرت بمرحلة صراع طويلة للاستقلال من الفلسفة واعتماد المنهج التجريبي في إثبات قضاياها. وهروبها من الفلسفة إلى المنهج التجريبي هو هروب من التفكير الذي لا ضابط له إلى تفكير منضبط يمكن تقويمه، ومحاكمته إلى مرجعية ثابتة. ومما استقر في مناهج البحث أن طريقة التفكير والبحث في قضايا العلم تختلف عن طريقة التفكير في قضايا الأدب والفن، وهذه القضايا يعبرون عنها بمجالات الإبداع لأنها أقل التزاما بالقيود العلمية والمحكات العقلية، ولكنها ليست خالية منها، فمثلا من القيود في الجانب الحقوقي ألا يتضمن النص تعديا على حقوق الآخرين. وإذا تضمن اعتداء أصبح جناية يحق للمتضرر منه أن يتقدم ببلاغ يطالب فيه حقوقه. ومن التعدي على حقوق الآخرين التعدي على دينهم ومقدساتهم.

стр. 654

وإذا نظرنا في القرآن فإننا نجد أن التفكير ليس محمودا لذاته بل بإصابته الحق وربما كان مذموما إذا كان جدلا بالباطل وإتباعا للهوى، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [سورة الزخرف:٥٧] ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف:٥٨]. وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة:٢٥٨]، وقال: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [سورة الأعراف:٧١]. ومن الحالات التي يكون التفكير فيها محمودا إذا صدر من أهل للاجتهاد وبذل صاحبه وسعه في ذلك وسعى لإصابة الحق ولكنه لم يوفق، فهذا مجتهد له أجر واحد لاجتهاده، وخطؤه مغفور. وكما ترى ففي هذا الحالة وفيما قبلها من حالات يكون صاحب التفكير ملتزما في تفكيره بضوابط متصلة بموضوع التفكير وليس تفكيرا منفلتا لا ضوابط له، أو تفكيرا حرا كما يزعمون. وهذا النوع من التفكير ربما حمد من صاحبه في الفكر الغربي في بعض أنواع الأدب والفن كما سبق، وقضايا الشريعة ليست من هذا الباب وإنما هي من مسائل العلم التي ينبغي أن ينضبط فيها البحث والتفكير بمناهجها اللائقة بها. وهؤلاء الزاعمون حرية التفكير المنتقدون للشريعة المبدلون لأحكامها، ليسوا في الحقيقة أحرارا في تفكيرهم، وإنما هم مقلدون لسواهم ويحتكمون لمرجعيات قررها غيرهم. فهم يريدون تحكيم واقعهم أو بعض أوليات الفكر الغربي، كحقوق الإنسان أو الليبرالية والديمقراطية، وإدراجها في أحكام الشريعة. وهذا ليس حرية في الفكر وليس تجديدا ولا إبداعا، بل هو تحريف ومسخ.

стр. 655

(حاصروا غزة وبلاد المسلمين، فحاصرهم الله ببركان أيسلندا) موقع الدرر السنية - قسم دراسات الواقع ٧ جمادى الأولى ١٤٣١هـ أيسلندا إحدى الجزر الإسكندنافية الصغيرة، وهي من الجزر الأوروبية القريبة من أمريكا الشمالية، عدد سكانها لا يتجاوز ٣٥٠ ألف نسمة أغلبهم من النصارى البروتستانت، وهي من أكثر دول العالم ثراء وتقدماً. احتلت المرتبة الأولى عام ٢٠٠٧م بوصفها البلد الأكثر تطورا في العالم من قبل الأمم المتحدة، ثار في هذه الدويلة الصغيرة قبل أيام بركان من تحت نهرٍ جليديٍّ، زفر زفرات، ونفث نفثات، من السحب الغبارية، فأحدث فزعاً عارماً في قارة أوروبا بأسرها، وارتباكاً عالمياً للرحلات الجوية الدولية. فسبحان الله .. في لحظاتٍ معدودات، انقلب الأمن خوفاً، والسرور حزناً، والحركة سكوناً، فالسحب البركانية أدت إلى توقَّف الطائرات، وإغلاق المطارات, وتعليق الرحلات، واحتجاز ملايين المسافرين والمسافرات. أغلقَ أكثر من ١٠٠ مطار أوروبي أبوابه الجوية وألغيت عشرات الآلاف من الرحلات الجوية وبلغت خسائر شركات الطيران مئات الملايين من الدولارت يومياً، فضلاً عن خسائر المصدرين والمستوردين. أوربا بأكملها، بأحدث تقنياتها، وقوتها وجبروتها وغطرستها، تقف عاجزةً أمام بركان من نهر صغير، في جزيرة صغيرة من مجموعة جزر، في دولة صغيرة. غزة اليوم محاصرة ......... وأوروبا اليوم محاصرة غزة اليوم لا يستطيع أهلها أن يسافروا ...... وأوروبا اليوم لا يستطيع أهلها السفر أظلموا ليل غزة ..... فأظلم الله نهارهم وسماءهم بركام من السحب الغبارية غزة اليوم تعطل مطارها ...... وأوروبا اليوم والغرب تعطلت كثيرٌ من مطاراتها ضُربت غزة قبل عام، وتُضرب اليوم مناطق من أفغانستان بغازات سامة ....... فأنزل الله على الغرب الرماد البركاني الذي وُصِفَ بالقاتل؛ لأن استنشاقه يمزق النسيج الرئوي. إن ما تخسره غزة في عام بسبب الحصار تخسره أوروبا في أيام فقط﴾ إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد ﴿. إنَّ بركان (أيسلندا) ليس عبرة لأوروبا فحسب، بل وللولايات المتحدة التي تتزعم سياسة الحصار والتجويع لبلادٍ شتى في أنحاء العالم. فأمريكا تحاصر غزة بمساندتها للكيان الصهيوني، وتخوض حروباً دامية في العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، فأذاقها الله مرارة الحصار وخسائره رغم بعدها عنه. وصدق الله القائل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴾ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]

стр. 656

العقيدة أولاً: مراجعات نقدية للخطاب المدني الديمقراطي عبدالرحيم بن صمايل السلمي ٦ جمادى الأولى ١٤٣١هـ من المقدمات المنهجية الأساسية التي ينبغي التنبه لها في البدء أن قضايا النهضة والإصلاح والتغيير يجب أن يكون منطلقها منطلقاً إسلامياً شرعياً، وإذا كان المنطلق غير إسلامي ولا شرعي فإنه لن يتحقق شيء من ثمراتها بمعناها الشامل والمشروع والمرضي لله تعالى، وربما تتحقق بعض المكاسب الدنيوية، والانتصارات المؤقتة لكنها ليست النهضة والإصلاح المطلوبة من المسلم. وبناء على ذلك فإن قضايا النهضة والإصلاح والتغيير هي قضايا داخلة ضمن الأحكام الشرعية، والتسميات (المصطلحات) الشرعية لها هي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والجهاد ونحوها، والكلام فيها يجب أن يكون بمنهج علماء الشريعة، وأدواتهم، وآلياتهم في التلقي والاستدلال، والكلام فيها بالآراء الشخصية، والتحسينات الذوقية هو من القول على الله بغير علم؛ إلا ما كان في الإطار العام الذي ليس فيه تحليل للحرام، وتحريم للحلال. وعليه فإن الباحث الشرعي عند دراسته للأولويات والبدايات في الدعوة إلى الله تعالى يجد أن أول ما يجب البدء به هو الدعوة إلى التوحيد والعقيدة (أركان الإيمان)، ويدل على هذه الحقيقة الشرعية كثير من النصوص منها قوله تعالى " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك"، وحديث معاذ بن جبل ﵁ الشهير لما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن مصلحاً وداعياً إلى الله تعالى قال له: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... )) والحديث رواه البخاري ومسلم. والمتتبع لأولويات الأنبياء ﵈ في الدعوة والإصلاح والتغيير يجد أنهم يبدءون بالدعوة إلى التوحيد والعقيدة، ومن ذلك قوله تعالى" ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، وفي قصص الأنبياء في سورة الأعراف نجد أن كل رسول يبدأ قومه بقوله " اعبدوا الله مالكم من إله غيره"، وهذا متكرر مع كافة الأنبياء، وهو من الدين المشترك بين الأنبياء فبهذا تكون أولوية العقيدة والتوحيد من المحكمات الشرعية في مجال الدعوة والإصلاح. وأولوية العقيدة في الإصلاح من موارد الإجماع التي لم يخالف فيها أحد من علماء الإسلام في القديم أو الحديث، وهي تعود إلى قضية منهجية هي التفاوت في مراتب الأحكام والأعمال، فالواجبات أولى من المستحبات، والإيمان بالله تعالى أعظم من الصلاة ... وهكذا. ولهذا أجمع علماء أهل السنة والجماعة على أن أول واجب على المكلف: " توحيد الإلوهية "، وردوا على أهل الكلام الذين قالوا أن أول واجب المعرفة، أو النظر، أو القصد إلى النظر، واعتبروا مقالتهم من المقالات البدعية، وقد ترتب عليها كثير من الأفكار والمواقف التي لا يزال يعاني منها المسلمون إلى اليوم، ومن أبرزها التبرير لشركيات التصوف والتشيع التي أعادت الوثنية، وعبادة الأوثان إلى الأمة الإسلامية. (أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية الجزء السابع والثامن والتاسع من درء التعارض لمسألة أولوية العقيدة وتوحيد الإلوهية فليراجع) ومما يوضح أولوية العقيدة ما يترتب على حقيقتها أو مناقضتها، فهي أصل الدين وأساس الملة، ولا يكون للعبد إسلام بدونها، وهذا المقام من أوضح ما يدل على أولويتها وتقديمها على كل شيء.

стр. 657

وأولوية العقيدة تشمل الإصلاح في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، كما أنها تشمل كافة الأحوال والظروف، وهي أصل محكم لا يعارض بغيره، فمتى ما وجدت قضية عقدية وأخرى غيرها فإن التقديم يكون للعقيدة، وهذا ما يمكن الوصول إليه بقراءة يسيرة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ . أولويات الخطاب المدني الديمقراطي: مصطلح " المدني والديمقراطي" كان إلى وقت قريب مستعمل في الأدبيات الفكرية العلمانية، وقد استعمله تقرير راند الشهير الذي عنوانه " نحو إسلام مدني ديمقراطي"، فالمدني يقابل الديني التعبدي في الاصطلاح التداولي العام، ولم يتم تداوله في الخطاب الإسلامي إلاّ مؤخراً عند فئة معينة ترى الأولوية للحرية المدنية من خلال الديمقراطية، وأخذت بربط هذا المفهوم بالشريعة الإسلامية مع أن الممارسات الواقعية تدل على أن المنطلق الذي تنطلق منه هو منطلق مدني محض. وقبل الدخول في مناقشة هذا الاتجاه أود تحديد محل الإشكال، واستبعاد القضايا المتفق عليها؛ ففي أحيان كثيرة يكثر الكلام في أمور متفق عليها وليست هي محل المناقشة والمراجعة. فأهمية الحرية، ومخاطر الاستبداد، وأهمية وجود حاكم مختار من الأمة، والحاجة إلى بناء مدنية وتنمية حضارية شاملة ليست هي محل الإشكال، ولا أظن منصفاً يزايد على الخطاب الشرعي السلفي في بيان هذه القضايا، فقد اهتم بالفكر السياسي في غاياته الكبرى وهي تحكيم الشريعة بمعناها الشامل، وهو معنى يزيد على مجرد القضاء في الخصومات ليدخل فيه تربية الأمة على قيم الإسلام وأحكامه وتطبيقها داخلياً، وخارجياً، وكذلك في وسائل الفكر السياسي فقد كان موقف المنهج السلفي واضحاً من التغلب والاستبداد وسرقة المال العام ونحو ذلك، بل إن أتباع الخطاب السلفي هم ضحايا الاستبداد السياسي، وفقدان الحريات. وأنا شخصياً تحدثت في كتابي (حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها) عن الحرية في سياقاتها المختلفة التي تشمل التحرر من رق المخلوقين، وقدرة العبد على فعله، والحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومخاطر الاستبداد، ورجحت أن تكون الشورى ملزمة، مع أنني أعتبر القول بأنها معلمة قول فقهي معتبر لا يسخر منه إلا من فقد الفقه في الدين، ولم يعرف حقوق المسلمين، فلا يزايد أحد علينا في الكلام حول أهمية الحرية. ولكن القضية التي محل الإشكال هي قضية الأولوية للحرية في الإصلاح، والأولوية للاستبداد في المقاومة، وما يتبع ذلك من تهوين الدعوة إلى العقيدة واحتقار منجزاتها، واتهام الداعين إليها بترسيخ التخلف والاستبداد وغيرها من التهم الظالمة، وتصوير المجتمع النبوي على أنه مجتمع ديمقراطي يسعى للمدنية كهدف أصلي له، وجمع النصوص المتعلقة بالاهتمام بالأحوال الدنيوية ووضعها في الصدارة كأنها غاية هذا المجتمع، وإهمال آلاف النصوص الشرعية المخالفة لذلك، وهذه الطريقة هي مسلك من مسالك أهل البدع نبه عليه الشاطبي في الاعتصام، فالخوارج يحتجون بنصوص الوعيد، والمرجئة بنصوص الوعد، والمعطلة بنصوص التنزيه، والمشبهة بنصوص الإثبات للصفات، والقدرية بنصوص الشرع، والجبرية بنصوص القدر، ويضربون كتاب الله بعضه ببعض، ويتذرعون بذلك إلى إنكار شيء من الدين. إذن الخلاف ليس في أهمية الحرية، ولا في مخاطر الاستبداد ولكنه في الأولوية: أهي للعقيدة والتوحيد أم للحرية؟، وهل الأولوية في الإنكار للشرك أم للاستبداد؟ من خلال النصوص المتقدمة، وترتيب الأولويات في الشريعة نجد أن الأولوية بالإجماع للبدء بالدعوة إلى العقيدة والتوحيد، والتحذير من الشرك والبدع.

стр. 658

وإذا جئت إلى مراتب الدين فإن أركان الإيمان هي الأهم والأعظم في دين الله تعالى، من تحقيق الحرية السياسية والاختيار الحر للحاكم، وكذلك نجد أن مصيبة الشرك وخطره أكبر بكثير من الاستبداد، لان التوصيف الشرعي للاستبداد هو (الظلم)، وهذا هو اسمه الشرعي، والظلم الواقع على العباد أقل من الظلم الواقع في عبادة غير الله تعالى. والحرية التي يتحدث عنها هذا الخطاب هي الحرية السياسية ولهذا يقرنها مع ضدها وهو الاستبداد، وبعض الإخوة من المتأثرين بهذا الخطاب الذين لا تزال للعقيدة مكانة عندهم يزعمون أنهم يقصدون بالحرية التحرر من رق المخلوقين وهذا عين التوحيد، ومع أن السائد في كتابات هذا الخطاب المعنى الأول إلاّ أن هذا الزعم لبعضهم يدل على الاضطراب في خطابهم، ولهذا نقول لإخواننا هؤلاء إذا كنتم تقصدون بالحرية عين التوحيد فلماذا لا تسمون الأمور بأسمائها الشرعية وتتكلمون بما تكلم به الله ورسوله وهو التوحيد؟ ولماذا لم تفكروا في سبب ترك الشرع للفظ الحرية والاستغناء عنه بالتوحيد؟ ثم إن الإشكال ليس هنا فحسب بل يتجاوزه إلى أن الحرية مفهوم عام يشمل ما يكون حقاً وباطلاً، ولا يتميز الإّ بنية القلب، وهذه النية القلبية - إذا كانت مخلصة لله تعالى - هي التوحيد، ولهذا استعمل الشرع لفظ التوحيد ولم يستعمل لفظ الحرية لهذا الغرض التعبدي الإيماني الذي هو مقصود الشرع. وهذا الخطاب المدني يستند في إطلاق أولوية الحرية السياسية إلى أهمية الحرية وفوائدها، ومخاطر الاستبداد، وقد تقدم أن الكلام في الأهمية متفق عليه، ولكن الخلاف في الأولوية على العقيدة، وهو مالم يأتوا بدليل شرعي صحيح عليها، ولا يمكن لهم ذلك، لأنها مخالفة للإجماع، فلم يقل أي عالم معتبر بأولوية الحرية في اختيار الحاكم على العقيدة والتوحيد، كما لم يوجد من يقول بأن الاستبداد أكبر عند الله تعالى من الشرك والبدع. ومن أكبر الأخطاء المنهجية لدى هذا الخطاب بعد دعوى أولوية الحرية على العقيدة هو أنه جعل الحرية - التي لها كل هذه القيمة على العقيدة - وسيلة إجرائية معينة في اختيار الحاكم وهي الديمقراطية، فقد زعم هذا الخطاب أن الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا بالديمقراطية، وهو يقصد الديمقراطية كآليات إدارية إجرائية تتيح الحريات ويتم اختيار الحاكم فيها من الشعب، ومع أنني أختلف معهم في الديمقراطية كآليات تحقق الحرية ولكن محور نقدي ليس في هذه القضية بل يتجاوزها إلى اعتبار كلامهم هذا من المجازفة والتهور الغريب؛ إذ كيف يجوز أن تجعل وسيلة إجرائية - مهما كانت مهمة - ذات أولوية على العقيدة والتوحيد، يا سبحان الله أين ذهبت عقول هؤلاء الإخوة فضلاً عن ديانتهم؟!. إن أكبر ما يستدل به من أباح الديمقراطية عند من شم رائحة العلم الشرعي هو أن الشريعة الإسلامية تركت الوسائل الإجرائية في اختيار الحاكم للأمة، فهي عندهم من الامور الدنيوية وليست من الأمور الدينية، فهل يليق بالمسلم أن يجعل اختراعاً إدارياً دنيوياً مثل الأمور التي أمر الله تعالى بها، ورتب النجاة في الدنيا والآخرة عليها؟ لو كانت وسائل اختيار الحاكم لها هذه المنزلة العظيمة في دين الإسلام لما تركها رسول الله ﷺ ولبين أولويتها على التوحيد الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام!! إنني لا أقلل من أهمية الحرية ومخاطر الاستبداد ومشاكله الكبرى في الأمة لكن أن يجعل ذلك مبرراً لدعوى الأولوية على العقيدة، فهذا هو الانحراف الذي يجب نصح هؤلاء عنه.

стр. 659

إن هذه الحالة والمحنة التي يعيشها هذا الخطاب تشابه إلى درجة كبيرة حالة المتكلمين الذين عظموا العقل (وأهمية العقل لا تخفى!!) كما عظم هؤلاء الحرية، ثم زعموا أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر العقلي، ولا يتحقق النظر إلا بدليل حدوث الأجسام، تماما كما قال هذا الخطاب أن الحرية لا تتحقق إلا بالديمقراطية، فالمتكلمون جعلوا دليل حدوث الأجسام هو العقل الذي يعارضون به النصوص، والخطاب المدني جعل الديمقراطية هي الحرية يعارضون بها الشرع فيما يظنون انه يقيد الحرية، والطائفتان قدمت ما تعظمه على التوحيد، وجعلته أول واجب على المكلف. إن الحرية وحدها لا تتضمن طاعة إلاّ إذا قصد الإنسان بها وجه الله تعالى، وهذا مفترق الطرق بين الخطاب المدني الدنيوي، والخطاب الديني التعبدي، وبدون هذا القصد فإنه لا يوجد فرق بين الشخصيات المسلمة وغير المسلمة، فشخصية ثائرة مثل غيفارا كان يشدوا الحرية، وكذلك ثوار الثورة الفرنسية ولكنها حرية مدنية ديمقراطية مشركة مهما حققت من المصالح الدنيوية، ولهذا ما لم يمحص هذا الخطاب منطلقه ويراجع مرجعيته وينفذها في الواقع ويستعمل المفاهيم والمصطلحات الشرعية فإنه سيظل سائراً في طريق العلمنة مهما زعم أنه ذو مرجعية إسلامية، فالدعاوى لا بد لها من إثبات، وإثباتها يتبين من خلال الكلام التفصيلي، فبعض الحكومات العربية تدعي أنها ديمقراطية ولم يقبل هذا الخطاب دعواها. لقد حوّل هذا الخطاب الحرية والمدنية من وسيلة لتحقيق المقاصد التعبدية إلى غاية في ذاتها، بل جعلوا لها الأولوية على العقيدة والتوحيد، ولهذا أصبح بعض الإخوة يهيم بالحرية أيّاً كان مقصدها وهدفها فتجد الإشادة والإعجاب والفرح بأحرار فرنسا وحركة التنوير فلا تفارقهم عبارات فولتير وغيره من ملاحدة الثورة الفرنسية، بل تجاوزوها إلى أقوال غيفارا والزعماء الشيوعيين، بل ربما يتمنى الموت في سبيل الحرية!!. إن القارئ لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ سوف يجد أن الغاية من الوجود الإنساني على الأرض هو التعبد لله بمعناه الشامل، وكل ما يتعلق بالبناء الدنيوي بكل أشكاله هو وسيلة لتحقيق هذه الغاية، ولهذا قارن الله تعالى بينهما في قوله: " يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"، وتعظيم المدنية على حساب الدين لم يكن هذا الخطاب هو السابق له، فقد سبقت المدرسة العصرانية له من فترة طويلة، وأذكر أني قرأت لكاتب إسلامي يقول كيف يجوز أن نعتقد أن أديسون المخترع للكهرباء ونفع الإنسانية سوف يدخل النار لأنه لم يسلم، وفلاح مصري أحمق يدخل الجنة لأنه مسلم، فهذا الكاتب الإسلامي!! لم يدرك عقله ذلك لأن ميزان الأولويات في ذهنه مختل، وعلى كتب هؤلاء يعتمد بعض كتاب الخطاب المدني الديمقراطي. إنني ناصح لهؤلاء الإخوة أن يراجعوا أفكارهم، وأن لا تنسيهم السكرة خطورة الفكرة، وأن يتجاوزوا المراهقة والاستفزاز، وأن يعلموا أن المحافظة على حقائق الدين أهم من أي مكاسب مظنونة فهي المكسب الأعلى، وأن يبحثوا المسائل بطريقة شرعية سليمة، واذا كانوا لا يمتلكون أدوات البحث الشرعي فإن السكوت خير لهم من النطق الآثم. إنني أتعجب من هؤلاء الإخوة الذين يتكلمون عن النهضة وسننها الكونية ثم يمارسون دوراً سلبياً في الساحة لن يحقق إلا الاستفزاز والصخب الذي يزول دون أي أثر نهضوي. فما يقومون به من استفزاز ونقد سلبي لن يوصل إلى نهضة أو حرية أو ديمقراطية بل يكرس التفرق والفوضى والمخالفة للأحكام الشرعية، والكلام في الدين بغير علم، ونحو ذلك من السلبيات. الغريب حقاً أنهم يسعون إلى التقارب مع التيارات الفكرية الأخرى بحجة الوحدة الوطنية في الوقت الذي يكرسون التفرق والاختلاف مع المنهج السلفي الأقوى علما، ً ودعوة، وصدقاً بالأفكار المخالفة للشرع، والأساليب البعيدة عن روح النصح.

стр. 660

وقفات مع مؤتمر (ماردين دار السلام) موقع الدرر السنية - قسم دراسات الواقع ٤ جمادى الأولى ١٤٣١هـ إنه في يومي السبت والأحد (١١ - ١٢/ ٤/١٤٣١هـ) الموافق (٢٧ - ٢٨/ ٣/٢٠١٠م) عُقد في مدينة ماردين جنوب شرق تركيا مؤتمر بعنوان: (ماردين دار السلام) نظمه المركز العالمي للتجديد والترشيد بلندن بالتعاون مع مؤسسة كانبوس الإسلامية للاستشارات بلندن وجامعة أرتوكلو بماردين حضره جمع من العلماء وطلاب العلم والمفكرين من عددٍ من الدول العربية والإسلامية ناقشوا فيه فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية الشهيرة والتي جعل فيها بلد ماردين - والتي كان أهلها مسلمين ويحكمهم آنذاك المغول- بلداً مركباً لا هو دار حرب ولا دار سلم، وكان هذا اجتهاداً منه موفقاً عصم الله به دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، حيث كان التقسيم الشائع بين الفقهاء أن البلد إما أن تكون دار حرب (كفر) أو دار سلم (إسلام) فجاء شيخ الإسلام ﵀ وقال ما نصه عن ماردين: (وأما كونها دار حرب أو سلم فهى مركبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجرى عليها أحكام الإسلام؛ لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث)؛ اجتمع المؤتمرون وناقشوا هذه الفتوى وأصدروا بياناً ختاميًّا وقَّعه عددٌ منهم وتحفظ عليه بعضهم. ولنا مع هذا المؤتمر وبيانه وقفات: الوقفة الأولى: حضر المؤتمر عددٌ من المبتدعة وأهل الأهواء، كالرافضة وبعض غلاة الصوفية، وعددٌ ممن يطلقون على أنفسهم التنويريين، كما حضره عددٌ من أهل السنة والجماعة، المشهود لهم بالمعتقد الصحيح؛ اجتهاداً منهم بضرورة المشاركة في كل المؤتمرات لإسماع العالم صوت الحق، وقد رفض بعضهم التوقيع على البيان، ومع ذلك أدرجت أسماؤهم، فلا يُظَنُّ بهم إلا خيراً. الوقفة الثانية: فرح بهذا المؤتمر: العلمانيون والليبراليون والغرب بكل أطيافه وأشكاله من خلال وسائل إعلامه، ولم نر عالماً سنيًّا معتبراً أشاد به أو أثنى عليه، وإليكم بعض العبارت التي أُضفيت على المؤتمر: • علماء بارزون: (فتوى ماردين) لابن تيمية لا تصلح لهذا العصر. (الحوار نت) • فقهاء ينقضون فتوى «قديمة» لابن تيمية ... ويقرِّون «فضاء السلام» بديلاً عنها. (صحيفة الحياة) • مؤتمر (ماردين) يتَّهم أتباع شيخ الإسلام ابن تيمية بتحريف فتواه. (جريدة بر مصر) • المؤتمر الذي عقد في تركيا اعتبر جميع دول العالم «فضاء سلام». (إيلاف) • إعلان وفاة فتاوى ابن تيمية في تركيا. (الأخبار) • المؤتمر مجرد خطوة واحدة ضمن مجموعة مساعي أخرى، لتعزيز المراجعات الفقهية الشرعية. (إذاعة هولندا) • أعاد علماء دين مسلمون بارزون صياغة فتوى تعود إلى القرون الوسطى. (رويترز) الوقفة الثالثة: بعيداً عن تفسير فتوى ابن تيمية تفسيراً خاطئاً والتدثر بها لدى فئامٍ من الناس واستغلالها في فهم خاطئ للجهاد، فإنه لا يصح توجيهها توجيهاً خاطئاً لم يُرده شيخ الإسلام نفسه لتمييع قضايا الجهاد والولاء والبراء. الوقفة الرابعة: أصاب أصحاب البيان في الثناء على شيخ الإسلام ابن تيمية -رغم وجود من يعاديه بل ربما من يُكفِّره بينهم- وكما قيل: (الحق ما شهدت به الأعداء)، وذلك بقولهم في البيان: (ذلك أن ابن تيمية بما ألهمه الله من فهم للشريعة وفقه للواقع ... ) فرحم الله شيخ الإسلام الذي أنطق الله الحق على لسان أعدائه - فضلاً عن محبيه- وجعلهم يثنون عليه ويعترفون أن الله ألهمه فهم الشريعة وفقه الواقع. الوقفة الخامسة:

стр. 661

أخطأ أصحاب البيان في قولهم: (إن تصنيف الديار في الفقه الإسلامي تصنيف اجتهادي، أملته ظروف الأمة الإسلامية وطبيعة العلاقات الدولية القائمة حينئذ. إلا أن تغير الأوضاع الآن ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها، وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان، ومقاومة الاحتلال، وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان- استلزم جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس) ذلك أن تصنيف الديار إلى دار حرب ودار سلم وإن كان تصنيفاً اجتهادياً إلا أنه مما أطبقت عليه كتب الفقه الإسلامي من المذاهب الأربعة بل حتى المذاهب: الشيعية والزيدية والإباضية، فهو ليس من مفردات السلفية ولا الوهابية، ولا من اختراعات ابن تيمية، وهي مصطلحات باقية إلى قيام الساعة ما بقي إسلامٌ وكفرٌ، ويمكن أن تكون بعض الديار مركبة فتكون دار حرب من وجه، ودار سلام من وجه آخر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا كافٍ في الرد على من كفَّر المجتمعات الإسلامية، أو استباح أعراض المسلمين بحجة أنها دار حرب، فلا حاجة لإلغاء ما اتفق عليه فقهاء الأمة، بحجة وجود معاهدات دولية، ونشوء عالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف، زعموا. الوقفة السادسة: وأخطؤوا أيضاً في قولهم: (وأصل مشروعية الجهاد ما كان دفعاً لعدوان ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أو نصرة للمستضعفين ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ أو دفاعاً عن التدين ﴿أذن للذين يُقاتَلون ... ﴾ وليس ناشئاً عن اختلاف في الدين أو بحثاً عن المغانم) فإنه وإن كان جهاد الدفع مقدماً على جهاد الطلب، إلا أنَّ الجهاد إنما شُرع لإعلاء كلمة الله ولإظهار التوحيد وطمس الشرك وأن يدين الناس بدين الإسلام، والله يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فكيف يقول هؤلاء: (وليس ناشئاً عن اختلاف في الدين)، ولو تأمل أصحاب البيان قولهم: (أصل مشروعية الجهاد ما كان دفعاً لعدوان) لوجدوا أنه يعزز اجتهاد من يرى مشروعية أعمال العنف في البلدان الإسلامية بحجة أنه دفعٌ لعدوان، فجاء البيان ليؤكد لهم ذلك ويقول لهم: إنَّ هذا هو أصل مشروعية الجهاد. وكان يكفيهم أن يستنكروا ويجرِّموا أعمال العنف في البلدان الإسلامية مع بقاء فرضية جهاد الدفع ومشروعية جهاد الطلب عند القدرة وتحت راية إسلامية واضحة. الوقفة السابعة: وأخطؤوا أيضاً في قولهم: (إن مفهوم الولاء والبراء لا يكون مُخرجاً من الملة ما لم يكن مرتبطاً بعقيدة كفرية) وهذه لوثة إرجائية، فإن الولاء بمعنى المحبة والنصرة للكافرين من الأعمال المكفرة التي لا يُشترط فيها الاعتقاد، كما نص على ذلك علماء الإسلام قديماً وحديثاً. الوقفة الثامنة:

стр. 662

بعد أن أثنى البيان على فتوى ابن تيمية المشار إليها ووصفها بأنها: (فتوى متميزة في طرحها مشابهة في واقعها إلى حد كبير لعصرنا) (لما تختزنه من دلالات علمية وحضارية ورمزية متميزة) دعا المؤتمر بعد ذلك إلى إعادة النظر في تقسيم الفقهاء -وابن تيمية واحد منهم- فقالوا: (يقتضي أن يعيد الفقهاء المعاصرون النظر في هذا التقسيم لاختلاف الواقع المعاصر الذي ارتبط فيه المسلمون بمعاهدات دولية يتحقق بها الأمن والسلام لجميع البشرية وتأمن فيه على أموالها وأعراضها وأوطانها) وكان يسعهم ما وسع ابن تيمية- الذي أثنوا عليه وعلى فتواه- من تقسيم الديار إلى دار حرب ودار سلم ودار مركبة فيها المعنيان، وكل هذه الأنواع موجودٌ في هذا العصر، مع الإنكار على مَن عامل دار السلم أو الدار المركبة معاملة دار الحرب، أما جعل المعاهدات الدولية سبباً في إلغاء التقسيم، فهذا مما يعجب منه المرء! خاصة ونحن نرى أن دول الكفر- وعلى رأسها إسرائيل ومن عاونها- أول من يخرق هذه المعاهدات. الوقفة التاسعة: ليحذر العلماء والدعاة والمفكرون من أن يكونوا أداة يستخدمها الغرب في ضرب ثوابت الإسلام، ويحققوا بذلك - من حيث شعروا أو لم يشعروا- استراتيجياتهم، ومخططات مراكز دراساتهم واستشاراتهم، كمؤسسة راند وغيرها، بحجة بناء شبكات معتدلة في العالم الإسلامي، كما هو أحد عناوين فصول تقرير مؤسسة راند. الوقفة العاشرة: وليحذر المسلم من المؤتمرات والمراكز الإسلامية المستَغْفَلة أو المشبوهة، وليعرض بياناتها وتوصياتها على الكتاب والسنة، وليستعن بالعلماء الراسخين في العلم، والدعاة الربانيين الذين لم يتأثروا بضغوط الواقع وما بدَّلوا تبديلاً. نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته والحمد لله رب العالمين

стр. 663

ماذا يريد السلفيون من منتقديهم ؟ عبد اللطيف التويجري ٢٦ ربيع الآخر ١٤٣١ المتابع لما يُطرح في الساحة الفكرية والإعلامية اليوم حول الهجوم على منهج السلف؛ يجد أن الهجوم متعدد الأطياف، متنوع الأهداف ـ ولكل من هؤلاء وجه هو موليها، والله حسيبه عليها ـ وفي هذه القضية جال في نفسي خطرات وإشارات سريعة، وقد انتظمت في القضايا التالية: أولاً: قضية العلم والمعرفة أكبر مشكلة تواجه الكثير من السلفيين في أثناء نقاشهم مع منتقديهم هي: ضعف التكوين الشرعي لدى الطرف المنتقد، فتجد استدلالاً بالعموميات، أو بأحاديث ضعيفة، أو رمي التُّهم جُزافاً على الجميع، أو تضخيم خطأ عين، أو الاعتراض بأدلة وأقيسة فاسدة لا تصلح للاحتجاج والقياس العلمي، ونحو ذلك من الحجج والبراهين السائبة! والمتأمل في المنتديات والحوارات يجد في ذلك كيل بعير في عدة مسائل: سواء في القضايا الفقهية: كالاختلاط والغناء والحجاب .. أو القضايا العقدية: كمحبة الكافر غير المحارب، والتقارب مع الطوائف المبتدعة، والأعياد الوافدة، والنزعة الإنسانية .. أوقضايا السياسة الشرعية: كتصور نظام الحكم في الإسلام أو مفهوم العدل والمساواة والحريات، وغيرها. وغاية المراد في ذلك: أن تراعى في هذه القضية الأصول العلمية للنقد؛ وأن لا تكون التُّهم ملقاة بلا زمام، وأن يبني الناقد فكرته على أدلة صحيحة معتبرة؛ ليعرف الآخر كيف يجيبه، فهذا أدعى للإنصاف والموضوعية، هذا إذا كان الناقد صادقاً يريد أن يبني بنقده، أمَّا إذا أراد هدم المشروع السلفي وإزالته؛ فهذا له كلام آخر، حيث إن لهم في ذلك مشاريع وأفكار تجدونها مفصَّلة في تقارير مؤسسة راند الأمريكية، وفي كتابات بعض السطحيين من بني جلدتنا! ثانياً: قضية الأصول والقواعد من المعلوم أن لكل منهج ومذهب أصولاً وقواعد يبني عليها منهجه ومذهبه، وقواعد وأصول المنهج السلفي واضحة ومعلومة، لكن كثيراً من المنتقدين لا تعرف كيف تحاجه وكيف تجادله؛ لأن أصوله وقواعده مضطربة، ومنهجه ((مطاطي)) فإلى ماذا تحاكمه؟ وكيف تحاوره وتناقشه؟ فإذا كانت أصوله الكتاب والسنة، فما أدواته المعرفية لفهم نصوصهما؟! وما ضوابطهما؟! وكيف نعرف أنه أصاب أم أخطأ؟! وهل يعرف النصوص بمحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها؟! إلى غيرها من الأصول العلمية المعتبرة، ومن أمثلة هذه القضية: بعض المنتقدين قد يحتج عليك بكلام الإمام أحمد، أو ابن تيمية أو ابن القيم .. إلخ، ثم تُسلم له، فإذا اعترضت على رأي آخر له، بكلام لنفس العلماء الذين احتج بهم، غاض وفاض، وقال أنتم أيها السلفيون تعتبرون أحمد بن حنبل هو الإسلام! وابن تيمية السنة! وهكذا دواليك .. فلا تعرف كيف تحاجه؟ وكيف تحتكم معه في اختلاف فهم نص؟! أو تضعيف حديث؟! أو اعتراض على قياس؟! أو نحوهما من القواعد والأصول العلمية لفهم الكتاب والسنة! ومن المفارقات، أن علماء السلف السابقين عندما ناقشوا مخالفيهم ومنتقديهم، نقدوهم من خلال أصولهم وقواعدهم، واحتجوا بكلام رجالهم وأهل مذهبهم، مثل أقوال الباقلاني والفخر الرازي والجويني بالنسبة للأشاعرة، وأقوال أرسطو وسقراط وأفلاطون بالنسبة إلى الفلاسفة وهلم جرَّا. ثالثاً: قضية التحدث باسم السلفية

стр. 664

لا أحد يزعم من السلفيين أنه متحدث باسمها، يدخل من شاء في السلفية ويخرج من شاء؛ وذلك لأن السلفية هي الإسلام الصافي النقي الذي جاء به محمد ﷺ بكافة تعاليمه بغير ابتداع ولا غلو ولا جفاء، ومن سمات المنهج السلفي ومميزاته، أنه واضح مطرد يستطيع كل متبع له، عالم بأصوله وقواعده وضوابطه، أن يعرف المنهج المخالف له، سواء في العقيدة أو المعاملة أو السلوك، أمَّا بما يتعلق بتنزيل ذلك على الأعيان، فالمنهج السلفي هو المنهج الأكثر عذراً واحتياطاً في هذه المسألة، كما هو مقرَّر في أبجدياته وأدبياته من كثير من المذاهب والاتجاهات الأخرى، فهل ترك لنا المتحامل من رباع أو دور؟! رابعاً: قضية الممارسات الخاطئة من بعض السلفيين لمنهج السلف هذه القضية بالذات لو تأملها المنتقد لوجدها ميزة لهذا المنهج، كيف يكون ذلك؟ أولاً: يدل هذا على أن منهج السلف واضح معروف، فإذا شذ فيه من شذ أو خالفه أحد وعُرِفَ، صار المخالف ـ ولو كان متبعاً لمنهج السلف ـ يستوجب النصح والرَّد حسب قواعد وأصول المنهج السلفي. ثانياً: إن من الظلم والإجحاف أن يعمم خطأ الفرد على المنهج نفسه، وهذا أمر بدهي قرَّره كثيرٌ من أهل العلم والمعرفة في القديم والحديث، فليس من المقبول شرعاً أن تعمم بعض الممارسات الفردية الخاطئة على المنهج ورجاله وأتباعه، وهذا للأسف مطروح من بعض المنتقدين حتى إنهم في كل مرحلة يقفزون أعلى، فالتشنيع أولاً على خطأ فردي من شيخ، ثم إذا تبين أنه متبع لرأي لعالم معتبر مثل ابن تيمية، شنع على ابن تيمية، ثم إذا تبين أنه إجماع من السلف شنع على الإجماع وأنه غير معتبر، وهكذا في سلسلة فجَّة من التعميم والإجحاف والظلم، وما قضية الاختلاط عنا ببعيد! خامساً: معرفة الدليل قبل الاعتقاد وإصدار الأحكام وأحسب أن هذه القضية مهمة جداً؛ فالاعتقاد قبل الاستدلال منهج للهوى، فالسلفيون يريدون من منتقديهم ومخالفيهم أن ينظروا أولاً في الأدلة ثم يعتقدوا ويستدلوا، ووالله ما وقع من وقع في بعض الإشكالات الفكرية والأخطاء العقدية إلا بهذا السبب؛ حيث تجد أن الرأي أو الفكرة تبلورت لديه وفق تصورات معينة فبدأ يبحث لها من النصوص والأقوال والآراء ما يوافقها ثم وقع في خطأ علمي فادح، أو منهج جديد قادح! وأجدني قبل انتهاء هذه النقطة مضطراً إلى سوق كلام لأبي إسحاق الشاطبي المالكي (ت: ٧٩) في كتابه الاعتصام: (٢/ ٤٢) حيث يقول: (ولذلك سمى أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك، وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح ومن مال إلى الفلاسفة .. ). أ. هـ أخيراً: اعتقد أن الهجوم على منهج السلف يمرُّ وفق مؤامرة كبرى لا يدرك أبعادها كثير ممن ينتقد التيار السلفي من الداخل!

стр. 665

والمتأمل في نتيجة تصويت الحلقة الماضية من برنامج البيان التالي: (ظاهرة الهجوم على منهج السلف)، يجد أن التصويت حسم مسألة المؤامرة، وقد سمعنا كثيراً من يقرِّر أنكم دائماً تعيشون فكرة المؤامرة، وأقول: صحيح! المبالغة في ذلك غير مبررة، وفي المقابل أيضاً فإن إغفال ذلك من السطحية والتغافل، وينبغي التنبه إلى أن المؤامرة لا تأتي من عدو خارجي فقط، مثل المنظمات والهيئات الصهيوصليبية ونحوها؛ بل هناك عدو أخطر من ذلك، وهو ماكر مخادع له حيل كثيرة، ومصائده ومكائده لا ينجو منها أحد إلا من رحمه ربه، تأمل معي قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوًا) وقوله: (إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينًا) فهذا الشيطان الرجيم قد يوحي للمرء بشبه وحجج يزينها ويحسنها له فيوقعه في المزالق المهلكة، حمانا الله وإياكم من همزات شياطين الإنس والجن! وفي الختام: لا شك أن باب النقد والتصويب مفتوح لكل أحد، والحق ضالة المسلم أينما وجده فهو أحق به، ولكن ينبغي أن يكون هذا النقد موضوعياً، وأن يكون صاحب هذا النقد يقظاً؛ بحيث لا يوظف هذا النقد توظيفاً سيئاً يفرح به الأعداء والشامتون؛ وقد يكون بعض النقد مثل بيع السلاح في زمن الفتنة، والله المستعان! ومن باب الحق والإنصاف، فإن هناك شخصيات نقدوا واختلف معهم، ولكنهم فعلاً يستحقون الاحترام والتقدير؛ لأن نقدهم موضوعي منصف، تحسُّ فيه النصح والغيرة واليقظة، وفعلاً تستفيد منهم، فهنيئاً لهم هذه الخصلة العزيزة. أدرك أن هذه الإشارات قد لا "تروق" للكثيرين، وأحسب أني في هذا المقال السريع لم أقصد أحداً بعينه، لكنها خطرات وإشارات دونت من خلال متابعه الساحة الفكرية والإعلامية وما يحصل أيضاً في أثناء اللقاءات من حديث حول هذه القضية، ولكن أتمنى ممن لا يوافقني الرأي أن يتأمل هذا المقال ويقرأه بعيداً عن الشحن النفسي، والتصورات الصادرة مسبقاً، وما كتبت هذا المقال إلا أرادة التوضيح والنصح، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والله أعلم.

стр. 666

فتنة القول بجواز الاختلاط (٢/ ٢) محمد بن عبدالله البقمي كنتُ قد سطّرتُ في مقالةٍ سالفةٍ؛ بعنوان " فتنة القول بجواز الاختلاط (١/ ٢) " مواقف النّاس إبّان فتنة القول بجواز الاختلاط، وما انقسمت إليه النُّخَبُ العلميَّةُ والفكريَّة والثقافيَّة في البلاد. ومن المُناسب لتكتمل صورة هذا المشهد؛ أن نُعْقِب هذه الصفحة بصفحةٍ أخرى، نُسوّد فيها الدروس والعبر التي اُستُفيدتْ من هذه الفتنة، لتكون موعظةً للعقلاء، ودرساً للأجيال، وعبرةً للمعتبرين .. لن أُطيل في التّقْدُمة والتّوطئة لهذه الدروس. وأشرع في ذكرها على وجه الإجمال، وأعتذر مقدّماً عن سهو اليراع أو الإغفال، لكونها عفو الخاطر، قريبة المأخذ، سريعة التسطير، وإن شئت فقل "رأيٌ فطير"!. فمن هذه العبر: أولاً: بُطْءُ المشاريع التغريبية التي يُراد تمريرها على أهل هذه البلاد؛ لا يعني عدم تنفيذها، وإنَّما القوم يمشون رويداً رويداً، حتى يصلون، ومن عجيب ما يُذكر أنّني وقعتُ على تعقيبٍ نشره سماحة الشيخ الإمام ابن باز في (مجلّة البحوث الإسلامية، عدد ١٥، ص ٦) على أحد "دعاة الاختلاط"، اقرأهُ ثَمّ - غيرَ مأمورٍ - لترى قِدم هذه الدعوات، فقد نُشر تعقيب سماحة الشيخ في ربيع الأول عام ١٤٠٦هـ، أي قبل خمسةٍ وعشرين عاماً بالضبط!! فتأمّل .. ولكأنّي بالقوم يسُوسُون مشاريعهم بقاعدة: (ليس المهم أن تكون الأسرع، بل المهمّ أن تصل!). ثانياً: أعادت هذه الفتنة لعلماء الأمّة الصادقين الناصحين (ولا أعني بالضرورة الرسميين) مكانَتَهم اللائقة بهم، فلقد اصطفَّ الشَّبَبة المحتسبون خلف شيوخهم، منْضَوين تحت رايتهم، مدافعين عنهم، صامدين معهم ضدّ هجمات الصحف "مبعثرة الولاء"، ولقد آذن فجرُ الفتنة بميلاد علماء وطلاب علمٍ وقفوا وقْفة صدقٍ مشكورةٍ، ضِدَّ تمرير هذه الفتنة .. أو حتّى إضفاء الشرعية عليها، ومحاولة التغاضي عنها، استجابةً للميثاق العظيم الغليظ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. ثالثاً: تبيّنت حقيقة "المناصب" في هذه الفتنة؛ حيث تابع الجميع، مداخلاتٍ "مدخولة" من ثلّةٍ معيّنة؛ كان الدافع وراء استجلاب حديثهم هو تلك: "المناصب الرسمية"، والتي يستوي فيها الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وكان حديثهم حينها إنشائيّاً بارداً اكتفى بتسويغ المنكر الحاصل، وتطعيمه بانتقاص العلماء المحتسبين، ومشايخنا الغيورين -وفقهم الله وسدّدهم-. ولقد نسيَ أولئك أو تناسَوا أن للحقِّ نوراً يُلبسه الله إيّاه، يراه أهل الإيمان ببصائرهم التي رزقهم الله - تعالى إيّاها. رابعاً: تجلّت في هذه الفتنة سنّة الله تعالى في أوليائه من علماء الصدق والنصيحة وحسن البيان، حيث جرت سنته، واقتضت حكمته؛ أن يبتلي عباده ويمحّص قلوبهم، فكان أنْ ضحّى بعضهم بمنصبه الذي أُبعِد عنه، أو عرضه الذين صار كلأً مباحاً لزوّار السفارات، ومراهقي الكتابات الورقية، وكان في هذا خير درسٍ وعبرةٍ للنّاس في سلوك سبيل أهل الإيمان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢]. خامساً: ظهور حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلقد استوعب النّاس بجلاء كُنْه هذه الشعيرة، وغايةُ مُراد الله تعالى منها، حيث المراد "الإعذار إلى الله تعالى" بالدرجة الأولى، ثمّ بعد ذلك: تغيير الواقع المُخالف - ما أمكن، وهو مصداق قول الحقّ ﵎ في محكم آي الكتاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٤].

стр. 667

قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: (وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرةً، وإقامة الحجة على المأمور والمنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي). سادساً: ظهور أَثَر المواقع الدعوية والإخبارية - على الشبكة العنكبوتية -، حيث وسّعت نطاق التأثير على الرأي العام وقادتْه؛ خلال هذه الفتنة، حيث كان الرأي قبلها حبيساً لصحائف الجرائد الورقية، وكان كتّابها هم لسان المجتمع النّاطق (والخائن في أغْلبِه للأسف)، ولكن بحمد الله سُحِب البساط من تحتها؛ بفضل الله تعالى ثمّ بفضل هذه المواقع الإخباريّة والدّعوية، فقد كانت نِعْم المتنفّس للمشايخ المحتسبين، والدعاة الغيورين. ولا أدلّ على تأثيرها من الحجب الذي تكرّر عليها من قبل بعض الجهات، وينضاف لذلك تلك الهجمة الشرسة من بعض كتّاب الصحف، ومن ساندهم من إخوانهم ورفاق ملّتهم من العاملين في بعض "القنوات الفضائية المشبوهة". سابعاً: تمايُزْ الخندقين، واِنجلاء الغطاء عن الوجه الحقيقي لأفراد الفريقين؛ وهما خندق أهل الإيمان والغيرة والاحتساب، وممانعة المنكرات، وصد الباطل المعاصر بكلّ وسيلةٍ مشروعة، من أهل العلم والدعوة. وخندق دعاة الشهوات؛ وأدعياء الإصلاح والتنوير - زعموا -، ومن وقف بصفّهم ممّن انتسب لأهل العلم، أو شَرُف بشمّ رائحته. فلقد كانت هذه الفتنة بطبيعة الحال؛ لم تدَعْ مجالاً لأنصاف الحلول، أو لذوي الألوان الرمادية. فليس ثَمَّة إلا لونٌ أبيضٌ ناصع، وآخر أسودٌ قاتم. ثامناً: اتّضاح الصورة الحقيقية التي صنعتْ من السّياسي "نبيّاً معصوماً" لا يُخطئ، ولا ينبغي له أن يفعل، فلا يُنال من قراره، أو يُراجع فيه، ولا ينبغي أن يوجّه له النصح، أو يبيّن له الخطأ. والطريف في الأمر: أنّ هذا الأمر هو في حقيقته مخالفٌ لما أراده رأس الهرم السياسي "خادم الحرمين الشريفين" حيث لا زال يستنصح العلماء، ويستشير العقلاء، ويستنير بآراء ذوي الخبرة .. وهذا ما ينبغي أن يعيَه النّاس ويدركونه جيّداً. تاسعاً: كشّر دعاة الليبرالية عن أنيابهم، وأماطوا اللثام عن وجوههم الحقيقية، وتبيّن إفلاس تلك المبادئ البرّاقة، وانكشف زيف الشعارات التي صمّوا بها آذاننا، ومجّوا بها أفئدتنا؛ فأين هم عن دعاوى الحرية، واحترام وجهات النّظر المخالفة، وتقبُّل الرأي الآخر؟! وغيرها من شعاراتهم الزائفة. لقد أثبتت هذه الأحداث بما لا يدعُ مجالاً للشكّ أن القوم مجرّد "أدعياء" لا وجود على أرض الواقع لداعاويهم: والدعاوى إنْ لم يُقيموا عليها .. بيّناتٍ؛ أصحابها أدعياء! عاشراً: انكشاف حقيقة الرّموز المزيّفة التي صُنِعتْ تحت ضغط الإعلام، والواقع، والاغترار بالمظاهر، وجمال المنطق، وسبْك العبارة، والمراوغة في الجواب، أو سمّه إن شئتْ "الدبلوماسيّة الدعوية". فهم مع الأسف الشديد لم يُرَ منهم منهم وقفةٌ تسرّ الصديق، وتغيظ العدا، ويشكرها الربّ تعالى. أضع اليراع عند هذا الحدّ، وأكتفي من القلادة بما أحاط بالعنق، والحرّ تكفيه الإشارة، وكم تغني الإشارة عن كثيرٍ من العبارة .. وأحسبُ أنّي كتبتُ على طاقتي وبذلتُ وُسْعي، في تسطير هذه العبر وقد جعلتها عشرة عبر ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ فأسأل الله - جلّت قدرته- أن ينفع بها، ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم. المصدر: شبكة القلم الفكرية

стр. 668

الصحوة والمناطقية إبراهيم بن عمر السكران ٢٦ ربيع الآخر ١٤٣١ الحمدلله وبعد، هذا موضوع حساس، ولا يمكن معالجته إلا بوضوح وشفافية، فأرجو أن ندخل إلى هذا الموضوع على هذا الأساس، ولذلك دعوني آخذ راحتي في عرض حيثيات هذا الموضوع. قبل عدة سنوات كنت أتحدث مع أحد الإخوة من طلاب علم الحديث، وكان يحدثني عن كتاب لأحد أشياخه لم يوافق حفاوة بين طلاب العلم، فكنت اسأله عن السبب؟ فقال لي إن شيخه يعتقد بأن ذلك بسبب أنه ليس من منطقة نجد، ولو كان من نجد لاحتفوا به، وهذا بسبب أن الصحوة الإسلامية مريضة بالمناطقية، اسنغربت كلياً هذا التفسير، وظلت القصة عالقة في ذهني. وبعد فترة معينة تكلم أحد الصوفية بمنطقة الحجاز بكلام تجاوز فيه الحدود الشرعية المقبولة، فكنت أتمنى أن يوضح أحد المتخصصين في العقيدة هذا الخطأ، لكن لاحظت أحد الأشخاص في المجلس يقول: لا، يجب أن يوضح الخطأ أحد طلبة العلم من نفس منطقة الحجاز، قلت له: لم؟، فقال لي: طلاب العلم في الحجاز متعصبون للحجاز، ولايقبلون نقداً لهم من الخارج، فاستغربت تماماً هذا التفسير، واستمرت القصة عالقة بذهني أيضاً. وقبل عدة أيام قال لي أحد الشباب: ألا تعتقد أن موقف الإسلاميين من الدكتور أحمد الغامدي (الذي أجاز الاختلاط والإرداف الخ) ليس بسبب خطئه الشرعي ولكن بسبب أنه من منطقة الجنوب؟ وأيضاً استغربت هذه النظرة، وتراكمت هذه القصة مع مثيلاتها في ذهني. وذكر لي أحد الإخوان أنه يعرف أحد المشتغلين بالحديث هذا ديدنه في مجالسه، لايمل من إثارة القضية المناطقية والإقليمية وتفسير الأحداث بها، والتذمر والنياحة أن طلاب العلم لم يعطوه وزنه اللائق بعلمه وعبقريته الحديثية بسبب أنه ليس من المنطقة الفلانية. ماقصة هذه القراءة التي تتهم الصحوة الإسلامية بأنها تتعامل مع الأشخاص والكتب والمشروعات والفتاوى باعتبار أنها تنطلق من معايير مناطقية؟ لماذا تفسر الأحداث بمثل هذه الخلفيات؟ مامدى صحة أن الإسلاميين متعصبين للسعودية؟ أو أن الإسلاميين في نجد متعصبين لنجد؟ أو أن الإسلاميين في الحجاز متعصبين للحجاز؟ أو أن الإسلاميين في بقية مناطق المملكة متعصبين لمناطقهم؟ أعتقد أنه يجب تفكيك هذه التهمة، ولنحاول أن نقرأها بموضوعية على ضوء واقع الصحوة الإسلامية ذاتها: كل من قرأ تاريخ الصحوة الاسلامية منذ أن تنامت وحتى اليوم فإنه سيكتشف بكل وضوح أن الصحوة الإسلامية هي التي ساهمت في محاربة المناطقية والإقليمية، ولم تكن مرتبطة بتاتاً بأي بعد إقليمي أو عرقي أو قبلي .. بل كان الرهان فيها دوماً على "العلم والديانة" .. ولم يكونوا متعصبين لا لجنسية سعودية، ولا لمنطقة نجد، ولا للحجاز، ولا للجنوب، ولا للأحساء، ولالغيرها. لنأخذ بعض الأمثلة التي نبرهن بها هذ الدحض لهذا التجني على معايير الصحوة:

стр. 669

الرمز رقم واحد في علم التفسير في الصحوة الإسلامية هو الشيخ "محمد الأمين الشنقيطي" صاحب أضواء البيان، وهو موريتاني الأصل، وقد كان مشايخنا يتنافسون في الأخذ عنه، فلازمه بكر ابوزيد عشر سنين، بل إن الشيخ حمود العقلا الشعيبي كان في وقت طلبه للعلم علماء كبار مثل الشيخ محمد بن ابراهيم وابن باز والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد والخليفي ونحوهم، ومع ذلك وبرغم أنه أخذ عنهم إلا أنه أقبل كلياً على الشيخ الشنقيطي وكان يدرس عليه في الكلية، ثم يذهب إلى بيته يومياً ويدرس عليه الأصول (الروضة) والمنطق (سلم الأخضري) وغيرها، ولذلك سئل الشيخ حمود (لماذا هذه العناية بالدراسة على الشيخ الشنقيطي بالذات؟) فكان جوابه (الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا) رحمهما الله كلاهما، بل إنه في كثير من البحوث العقدية التي ثارت مؤخراً حول الحاكمية والإرجاء وغيرها، كان كل من الطرفين يفرح إذا ظفر بنص للشيخ الشنقيطي، فإذا كان هؤلاء أبناء البلد يحتجون على بعضهم بنصوص لعالم موريتاني فكيف يقال أن الصحوة الإسلامية إقليمية أو مناطقية؟! خذ نماذج أخرى على سبيل الاختصار: هذا الشيخ عبدالرزاق عفيفي (مصري) وقد كان ركن اللجنة الدائمة، وهي أهم مؤسسة فتوية في السعودية، وكان الشيخ ابن باز يرتاح كثيراً لتحريراته، وافحص فتاوى اللجنة الدائمة لتجد هذا الحضور الكثيف للشيخ عبدالرزاق، واسأل طلاب العلم الذين أدركوه وكيف دهشتهم من ذكائه ﵀. وتأمل الدراسات الجامعية في السعودية في الحقبة السابقة ستجد أن أكثر شخصية معاصرة احتج الباحثون بأحكامه الحديثية هو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (وهو ألباني سوري)، بل إن بعض الباحثين الذين كتبوا في دراسة الظاهرة السلفية المعاصرة جعلوا الألباني أحد أهم ثلاثة مرجعيات شرعية للسلفية، فكيف توصم الصحوة بالقطرية وثالث ثلاثة فيها ليس سعودياً أصلاً؟ دعنا الآن من ذكر شخصيات ذات وزن مركزي وثقل عميق داخل وجدان الصحوة الإسلامية وهي خارج المناطق المزعوم تمييزها، ولننتقل إلى احتجاج أكثرة قوة من ذلك، وهو موقف الإسلاميين في حال المقارنة والموازنة والمواجهة بين طرفين من الشخصيات محل الدعوى: لقد كتب بعض أهل العلم في السعودية فتاوى ورسائل ضد كتب سيد قطب بسبب بعض الهنات فيها، ومع ذلك وقف جمهور الصحوة الإسلامية مع سيد قطب، لا مع شيوخهم، وسيد قطب مصري، واستمروا يتواصون بكتبه، فبالله عليكم أين القطرية المزعومة؟ تهجم محمد بن عبداللطيف آل الشيخ (وأسرة آل الشيخ معروف وزنها الديني والسياسي ومن منطقة نجد) على الشيخ محمد المنجد (وهو سوري الجنسية) ومع ذلك وقفت الصحوة الإسلامية عن بكرة أبيها مع الشيخ المنجد ضد محمد آل الشيخ، ليس ذلك فقط بل ليتك ترى الشباب السعودي من الحجاز ونجد والأحساء يثني ركبه في دروس الشيخ محمد المنجد، ويلتف حوله بعد صلاة الجمعة يستفتيه في دقائق أموره، لماذا؟ لأن معيار الصحوة الإسلامية هو (العلم والديانة) وليس النسب والإقليم كما يزعم الشانئون.

стр. 670

خذ مقارنة تاريخية أخرى: كان جناحا الصحوة الإسلامية في حقبة التسعينات هما (العودة والحوالي)، والعودة من نجد (وبشكل أخص من القصيم)، والحوالي غامدي من منطقة الجنوب، وحين خرجا من مرحلة الاعتقال بدأ العودة في تدشين خطاب ديني جديد، ومع ذلك كله فقد رأينا كيف انسحب السلفيون عن العودة، حتى أن الدكتور العودة وضعهم في خانة الأعداء وكتب كتابه الأخير (شكراً أيها الأعداء)، وانجفلوا يتفانون في توقير الشيخ الحوالي، وهذا ليس خارج نجد، بل السلفيون في منطقة القصيم يجعلون الشيخ سفر رمز الصمود العقدي والدكتور سلمان رمز التراجع، فكيف بالله عليكم توصم الصحوة المسكينة بأنها إقليمية؟ أي جور أكثر من هذا الجور؟! (والحق أن الشيخ سفر الحوالي باقعة في الاطلاع على المذاهب العقدية والفكرية، مع دقته المنهجية). وحتى لو تأملت -أيضاً- في الكتب فمن أوسع كتب العقيدة وأجمعها ومن أكثرها حفاوة بين المتخصصين العقديين كتاب "معارج القبول" للشيخ العلامة حافظ الحكمي (وهو من منطقة جيزان) وهو مفخرة جازان بكل صراحة، فانظر كيف يتلقى شباب نجد والحجاز "العقيدة" من علم من أعلام جازان، ويستشهدون بنقوله. وكذلك أهم مصدر اتكأ عليه الإسلاميون منهجياً في معركة الحداثة محاضرات الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي ثم كتاب الشيخ عوض القرني (وكلاهما من منطقة الجنوب)، بل لم يتشكل تصور الإسلاميين عن الحداثة إلا من طريقهما. على أية حال .. لو ذهبت أستقصي الرموز الشرعية والدعوية والفكرية والتربوية من مناطق المملكة، ومن خارج المملكة، وكيف يتنافس شباب الصحوة الإسلامية في توقيرهم على أساس مراتبهم في العلم والديانة لما انتهيت، وآخر مايعني شباب الصحوة الإسلامية هو النسب والمنطقة والإقليم، ولكني فقط أردت التمثيل، وأجزم لو أن القارئ الآن أخذ يتذكر أسماء المتصدرين للفتيا وتدريس العلوم الشرعية والدعوة والتربية لرأى التنوع الذي يكشف أن الإسلاميين ولله الحمد هم أنضج شرائح المجتمع في التعالي على هذه المعايير الجاهلية. بل إننا نتعبد الله جل وعلا بأن البنجلاديشي الذي يوحد الله أنه أحق بموالاتنا وتوقيرنا من سعودي يستغيث بالحسين. أعتذر على هذه الصراحة في ذكر الخلفيات المناطقية لكن ضرورة معالجة هذه التهمة التي يتهامس بها البعض أحياناً، ويصرح بها البعض في أحيان أخرى، ويعول عليها بعض الفاشلين علمياً أو منهجياً؛ اقتضى مني أن أكون صريحاً في هذا العرض. حسناً .. أعرف أن البعض يقول: أنا أتذكر قصة وقعت هنا أو هناك قال فيها شيخ ما عبارة يفهم منها المناطقية والإقليمية ونحو ذلك؟ فالجواب أن إطلاق الحكم على الصحوة الإسلامية بأنها قطرية أو إقليمية أو غير ذلك يحتاج النظر إلى الظاهرة العامة وليس إلى حالات فردية، فإننا نحن نعلم أن بعض المنتسبين إلى العلم يقع في شهوة رياء أو شهوة مال أو شهوة تتبع للرخص فهل يصح أن نطلق على الظاهرة الشرعية والدعوية بأنها مرائية أو متساهلة في الفتيا بسبب هذه الحالات الفردية؟ بل خذ مثالاً أكثر دلالة من ذلك: أصحاب النبي ﷺ ، وهم أكمل تجربة بشرية عرفها التاريخ، وقع من بعضهم هنات في التنادي بدعوى الجاهلية، فهل يصح القول بأن الصحابة إقليميون أو عرقيون أو إثنيون بمثل ذلك؟ أم أن العبرة بالظاهرة العامة؟! وأعرف -أيضاً- أن البعض يحتج بمناصب معينة أعطيت بناءً على توزانات مناطقية، ولكن هذه ليست مسؤولية الصحوة الإسلامية، بل هذه يسأل عنها السياسي الذي يراعي هذه التوازنات المناطقية ويحسب لها حسابات خاصة. والمراد أن المعايير التي يتعامل بها الإسلاميون (كظاهرة) في تقييم الأشخاص والكتب أنها مبنية على التفاوت في العلم والديانة، وليس بناء على القطر والإقليم والنسب كما يزعم المتجنون على هذه الصحوة الإسلامية.
следующие страницы →