← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فتنة القول بجواز الاختلاط (٢/ ٢) محمد بن عبدالله البقمي كنتُ قد سطّرتُ في مقالةٍ سالفةٍ؛ بعنوان " فتنة القول بجواز الاختلاط (١/ ٢) " مواقف النّاس إبّان فتنة القول بجواز الاختلاط، وما انقسمت إليه النُّخَبُ العلميَّةُ والفكريَّة والثقافيَّة في البلاد. ومن المُناسب لتكتمل صورة هذا المشهد؛ أن نُعْقِب هذه الصفحة بصفحةٍ أخرى، نُسوّد فيها الدروس والعبر التي اُستُفيدتْ من هذه الفتنة، لتكون موعظةً للعقلاء، ودرساً للأجيال، وعبرةً للمعتبرين .. لن أُطيل في التّقْدُمة والتّوطئة لهذه الدروس. وأشرع في ذكرها على وجه الإجمال، وأعتذر مقدّماً عن سهو اليراع أو الإغفال، لكونها عفو الخاطر، قريبة المأخذ، سريعة التسطير، وإن شئت فقل "رأيٌ فطير"!. فمن هذه العبر: أولاً: بُطْءُ المشاريع التغريبية التي يُراد تمريرها على أهل هذه البلاد؛ لا يعني عدم تنفيذها، وإنَّما القوم يمشون رويداً رويداً، حتى يصلون، ومن عجيب ما يُذكر أنّني وقعتُ على تعقيبٍ نشره سماحة الشيخ الإمام ابن باز في (مجلّة البحوث الإسلامية، عدد ١٥، ص ٦) على أحد "دعاة الاختلاط"، اقرأهُ ثَمّ - غيرَ مأمورٍ - لترى قِدم هذه الدعوات، فقد نُشر تعقيب سماحة الشيخ في ربيع الأول عام ١٤٠٦هـ، أي قبل خمسةٍ وعشرين عاماً بالضبط!! فتأمّل .. ولكأنّي بالقوم يسُوسُون مشاريعهم بقاعدة: (ليس المهم أن تكون الأسرع، بل المهمّ أن تصل!). ثانياً: أعادت هذه الفتنة لعلماء الأمّة الصادقين الناصحين (ولا أعني بالضرورة الرسميين) مكانَتَهم اللائقة بهم، فلقد اصطفَّ الشَّبَبة المحتسبون خلف شيوخهم، منْضَوين تحت رايتهم، مدافعين عنهم، صامدين معهم ضدّ هجمات الصحف "مبعثرة الولاء"، ولقد آذن فجرُ الفتنة بميلاد علماء وطلاب علمٍ وقفوا وقْفة صدقٍ مشكورةٍ، ضِدَّ تمرير هذه الفتنة .. أو حتّى إضفاء الشرعية عليها، ومحاولة التغاضي عنها، استجابةً للميثاق العظيم الغليظ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. ثالثاً: تبيّنت حقيقة "المناصب" في هذه الفتنة؛ حيث تابع الجميع، مداخلاتٍ "مدخولة" من ثلّةٍ معيّنة؛ كان الدافع وراء استجلاب حديثهم هو تلك: "المناصب الرسمية"، والتي يستوي فيها الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وكان حديثهم حينها إنشائيّاً بارداً اكتفى بتسويغ المنكر الحاصل، وتطعيمه بانتقاص العلماء المحتسبين، ومشايخنا الغيورين -وفقهم الله وسدّدهم-. ولقد نسيَ أولئك أو تناسَوا أن للحقِّ نوراً يُلبسه الله إيّاه، يراه أهل الإيمان ببصائرهم التي رزقهم الله - تعالى إيّاها. رابعاً: تجلّت في هذه الفتنة سنّة الله تعالى في أوليائه من علماء الصدق والنصيحة وحسن البيان، حيث جرت سنته، واقتضت حكمته؛ أن يبتلي عباده ويمحّص قلوبهم، فكان أنْ ضحّى بعضهم بمنصبه الذي أُبعِد عنه، أو عرضه الذين صار كلأً مباحاً لزوّار السفارات، ومراهقي الكتابات الورقية، وكان في هذا خير درسٍ وعبرةٍ للنّاس في سلوك سبيل أهل الإيمان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢]. خامساً: ظهور حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلقد استوعب النّاس بجلاء كُنْه هذه الشعيرة، وغايةُ مُراد الله تعالى منها، حيث المراد "الإعذار إلى الله تعالى" بالدرجة الأولى، ثمّ بعد ذلك: تغيير الواقع المُخالف - ما أمكن، وهو مصداق قول الحقّ ﵎ في محكم آي الكتاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٤].

стр. 667

قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: (وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرةً، وإقامة الحجة على المأمور والمنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي). سادساً: ظهور أَثَر المواقع الدعوية والإخبارية - على الشبكة العنكبوتية -، حيث وسّعت نطاق التأثير على الرأي العام وقادتْه؛ خلال هذه الفتنة، حيث كان الرأي قبلها حبيساً لصحائف الجرائد الورقية، وكان كتّابها هم لسان المجتمع النّاطق (والخائن في أغْلبِه للأسف)، ولكن بحمد الله سُحِب البساط من تحتها؛ بفضل الله تعالى ثمّ بفضل هذه المواقع الإخباريّة والدّعوية، فقد كانت نِعْم المتنفّس للمشايخ المحتسبين، والدعاة الغيورين. ولا أدلّ على تأثيرها من الحجب الذي تكرّر عليها من قبل بعض الجهات، وينضاف لذلك تلك الهجمة الشرسة من بعض كتّاب الصحف، ومن ساندهم من إخوانهم ورفاق ملّتهم من العاملين في بعض "القنوات الفضائية المشبوهة". سابعاً: تمايُزْ الخندقين، واِنجلاء الغطاء عن الوجه الحقيقي لأفراد الفريقين؛ وهما خندق أهل الإيمان والغيرة والاحتساب، وممانعة المنكرات، وصد الباطل المعاصر بكلّ وسيلةٍ مشروعة، من أهل العلم والدعوة. وخندق دعاة الشهوات؛ وأدعياء الإصلاح والتنوير - زعموا -، ومن وقف بصفّهم ممّن انتسب لأهل العلم، أو شَرُف بشمّ رائحته. فلقد كانت هذه الفتنة بطبيعة الحال؛ لم تدَعْ مجالاً لأنصاف الحلول، أو لذوي الألوان الرمادية. فليس ثَمَّة إلا لونٌ أبيضٌ ناصع، وآخر أسودٌ قاتم. ثامناً: اتّضاح الصورة الحقيقية التي صنعتْ من السّياسي "نبيّاً معصوماً" لا يُخطئ، ولا ينبغي له أن يفعل، فلا يُنال من قراره، أو يُراجع فيه، ولا ينبغي أن يوجّه له النصح، أو يبيّن له الخطأ. والطريف في الأمر: أنّ هذا الأمر هو في حقيقته مخالفٌ لما أراده رأس الهرم السياسي "خادم الحرمين الشريفين" حيث لا زال يستنصح العلماء، ويستشير العقلاء، ويستنير بآراء ذوي الخبرة .. وهذا ما ينبغي أن يعيَه النّاس ويدركونه جيّداً. تاسعاً: كشّر دعاة الليبرالية عن أنيابهم، وأماطوا اللثام عن وجوههم الحقيقية، وتبيّن إفلاس تلك المبادئ البرّاقة، وانكشف زيف الشعارات التي صمّوا بها آذاننا، ومجّوا بها أفئدتنا؛ فأين هم عن دعاوى الحرية، واحترام وجهات النّظر المخالفة، وتقبُّل الرأي الآخر؟! وغيرها من شعاراتهم الزائفة. لقد أثبتت هذه الأحداث بما لا يدعُ مجالاً للشكّ أن القوم مجرّد "أدعياء" لا وجود على أرض الواقع لداعاويهم: والدعاوى إنْ لم يُقيموا عليها .. بيّناتٍ؛ أصحابها أدعياء! عاشراً: انكشاف حقيقة الرّموز المزيّفة التي صُنِعتْ تحت ضغط الإعلام، والواقع، والاغترار بالمظاهر، وجمال المنطق، وسبْك العبارة، والمراوغة في الجواب، أو سمّه إن شئتْ "الدبلوماسيّة الدعوية". فهم مع الأسف الشديد لم يُرَ منهم منهم وقفةٌ تسرّ الصديق، وتغيظ العدا، ويشكرها الربّ تعالى. أضع اليراع عند هذا الحدّ، وأكتفي من القلادة بما أحاط بالعنق، والحرّ تكفيه الإشارة، وكم تغني الإشارة عن كثيرٍ من العبارة .. وأحسبُ أنّي كتبتُ على طاقتي وبذلتُ وُسْعي، في تسطير هذه العبر وقد جعلتها عشرة عبر ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ فأسأل الله - جلّت قدرته- أن ينفع بها، ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم. المصدر: شبكة القلم الفكرية

стр. 668

الصحوة والمناطقية إبراهيم بن عمر السكران ٢٦ ربيع الآخر ١٤٣١ الحمدلله وبعد، هذا موضوع حساس، ولا يمكن معالجته إلا بوضوح وشفافية، فأرجو أن ندخل إلى هذا الموضوع على هذا الأساس، ولذلك دعوني آخذ راحتي في عرض حيثيات هذا الموضوع. قبل عدة سنوات كنت أتحدث مع أحد الإخوة من طلاب علم الحديث، وكان يحدثني عن كتاب لأحد أشياخه لم يوافق حفاوة بين طلاب العلم، فكنت اسأله عن السبب؟ فقال لي إن شيخه يعتقد بأن ذلك بسبب أنه ليس من منطقة نجد، ولو كان من نجد لاحتفوا به، وهذا بسبب أن الصحوة الإسلامية مريضة بالمناطقية، اسنغربت كلياً هذا التفسير، وظلت القصة عالقة في ذهني. وبعد فترة معينة تكلم أحد الصوفية بمنطقة الحجاز بكلام تجاوز فيه الحدود الشرعية المقبولة، فكنت أتمنى أن يوضح أحد المتخصصين في العقيدة هذا الخطأ، لكن لاحظت أحد الأشخاص في المجلس يقول: لا، يجب أن يوضح الخطأ أحد طلبة العلم من نفس منطقة الحجاز، قلت له: لم؟، فقال لي: طلاب العلم في الحجاز متعصبون للحجاز، ولايقبلون نقداً لهم من الخارج، فاستغربت تماماً هذا التفسير، واستمرت القصة عالقة بذهني أيضاً. وقبل عدة أيام قال لي أحد الشباب: ألا تعتقد أن موقف الإسلاميين من الدكتور أحمد الغامدي (الذي أجاز الاختلاط والإرداف الخ) ليس بسبب خطئه الشرعي ولكن بسبب أنه من منطقة الجنوب؟ وأيضاً استغربت هذه النظرة، وتراكمت هذه القصة مع مثيلاتها في ذهني. وذكر لي أحد الإخوان أنه يعرف أحد المشتغلين بالحديث هذا ديدنه في مجالسه، لايمل من إثارة القضية المناطقية والإقليمية وتفسير الأحداث بها، والتذمر والنياحة أن طلاب العلم لم يعطوه وزنه اللائق بعلمه وعبقريته الحديثية بسبب أنه ليس من المنطقة الفلانية. ماقصة هذه القراءة التي تتهم الصحوة الإسلامية بأنها تتعامل مع الأشخاص والكتب والمشروعات والفتاوى باعتبار أنها تنطلق من معايير مناطقية؟ لماذا تفسر الأحداث بمثل هذه الخلفيات؟ مامدى صحة أن الإسلاميين متعصبين للسعودية؟ أو أن الإسلاميين في نجد متعصبين لنجد؟ أو أن الإسلاميين في الحجاز متعصبين للحجاز؟ أو أن الإسلاميين في بقية مناطق المملكة متعصبين لمناطقهم؟ أعتقد أنه يجب تفكيك هذه التهمة، ولنحاول أن نقرأها بموضوعية على ضوء واقع الصحوة الإسلامية ذاتها: كل من قرأ تاريخ الصحوة الاسلامية منذ أن تنامت وحتى اليوم فإنه سيكتشف بكل وضوح أن الصحوة الإسلامية هي التي ساهمت في محاربة المناطقية والإقليمية، ولم تكن مرتبطة بتاتاً بأي بعد إقليمي أو عرقي أو قبلي .. بل كان الرهان فيها دوماً على "العلم والديانة" .. ولم يكونوا متعصبين لا لجنسية سعودية، ولا لمنطقة نجد، ولا للحجاز، ولا للجنوب، ولا للأحساء، ولالغيرها. لنأخذ بعض الأمثلة التي نبرهن بها هذ الدحض لهذا التجني على معايير الصحوة:

стр. 669

الرمز رقم واحد في علم التفسير في الصحوة الإسلامية هو الشيخ "محمد الأمين الشنقيطي" صاحب أضواء البيان، وهو موريتاني الأصل، وقد كان مشايخنا يتنافسون في الأخذ عنه، فلازمه بكر ابوزيد عشر سنين، بل إن الشيخ حمود العقلا الشعيبي كان في وقت طلبه للعلم علماء كبار مثل الشيخ محمد بن ابراهيم وابن باز والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد والخليفي ونحوهم، ومع ذلك وبرغم أنه أخذ عنهم إلا أنه أقبل كلياً على الشيخ الشنقيطي وكان يدرس عليه في الكلية، ثم يذهب إلى بيته يومياً ويدرس عليه الأصول (الروضة) والمنطق (سلم الأخضري) وغيرها، ولذلك سئل الشيخ حمود (لماذا هذه العناية بالدراسة على الشيخ الشنقيطي بالذات؟) فكان جوابه (الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا) رحمهما الله كلاهما، بل إنه في كثير من البحوث العقدية التي ثارت مؤخراً حول الحاكمية والإرجاء وغيرها، كان كل من الطرفين يفرح إذا ظفر بنص للشيخ الشنقيطي، فإذا كان هؤلاء أبناء البلد يحتجون على بعضهم بنصوص لعالم موريتاني فكيف يقال أن الصحوة الإسلامية إقليمية أو مناطقية؟! خذ نماذج أخرى على سبيل الاختصار: هذا الشيخ عبدالرزاق عفيفي (مصري) وقد كان ركن اللجنة الدائمة، وهي أهم مؤسسة فتوية في السعودية، وكان الشيخ ابن باز يرتاح كثيراً لتحريراته، وافحص فتاوى اللجنة الدائمة لتجد هذا الحضور الكثيف للشيخ عبدالرزاق، واسأل طلاب العلم الذين أدركوه وكيف دهشتهم من ذكائه ﵀. وتأمل الدراسات الجامعية في السعودية في الحقبة السابقة ستجد أن أكثر شخصية معاصرة احتج الباحثون بأحكامه الحديثية هو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (وهو ألباني سوري)، بل إن بعض الباحثين الذين كتبوا في دراسة الظاهرة السلفية المعاصرة جعلوا الألباني أحد أهم ثلاثة مرجعيات شرعية للسلفية، فكيف توصم الصحوة بالقطرية وثالث ثلاثة فيها ليس سعودياً أصلاً؟ دعنا الآن من ذكر شخصيات ذات وزن مركزي وثقل عميق داخل وجدان الصحوة الإسلامية وهي خارج المناطق المزعوم تمييزها، ولننتقل إلى احتجاج أكثرة قوة من ذلك، وهو موقف الإسلاميين في حال المقارنة والموازنة والمواجهة بين طرفين من الشخصيات محل الدعوى: لقد كتب بعض أهل العلم في السعودية فتاوى ورسائل ضد كتب سيد قطب بسبب بعض الهنات فيها، ومع ذلك وقف جمهور الصحوة الإسلامية مع سيد قطب، لا مع شيوخهم، وسيد قطب مصري، واستمروا يتواصون بكتبه، فبالله عليكم أين القطرية المزعومة؟ تهجم محمد بن عبداللطيف آل الشيخ (وأسرة آل الشيخ معروف وزنها الديني والسياسي ومن منطقة نجد) على الشيخ محمد المنجد (وهو سوري الجنسية) ومع ذلك وقفت الصحوة الإسلامية عن بكرة أبيها مع الشيخ المنجد ضد محمد آل الشيخ، ليس ذلك فقط بل ليتك ترى الشباب السعودي من الحجاز ونجد والأحساء يثني ركبه في دروس الشيخ محمد المنجد، ويلتف حوله بعد صلاة الجمعة يستفتيه في دقائق أموره، لماذا؟ لأن معيار الصحوة الإسلامية هو (العلم والديانة) وليس النسب والإقليم كما يزعم الشانئون.

стр. 670

خذ مقارنة تاريخية أخرى: كان جناحا الصحوة الإسلامية في حقبة التسعينات هما (العودة والحوالي)، والعودة من نجد (وبشكل أخص من القصيم)، والحوالي غامدي من منطقة الجنوب، وحين خرجا من مرحلة الاعتقال بدأ العودة في تدشين خطاب ديني جديد، ومع ذلك كله فقد رأينا كيف انسحب السلفيون عن العودة، حتى أن الدكتور العودة وضعهم في خانة الأعداء وكتب كتابه الأخير (شكراً أيها الأعداء)، وانجفلوا يتفانون في توقير الشيخ الحوالي، وهذا ليس خارج نجد، بل السلفيون في منطقة القصيم يجعلون الشيخ سفر رمز الصمود العقدي والدكتور سلمان رمز التراجع، فكيف بالله عليكم توصم الصحوة المسكينة بأنها إقليمية؟ أي جور أكثر من هذا الجور؟! (والحق أن الشيخ سفر الحوالي باقعة في الاطلاع على المذاهب العقدية والفكرية، مع دقته المنهجية). وحتى لو تأملت -أيضاً- في الكتب فمن أوسع كتب العقيدة وأجمعها ومن أكثرها حفاوة بين المتخصصين العقديين كتاب "معارج القبول" للشيخ العلامة حافظ الحكمي (وهو من منطقة جيزان) وهو مفخرة جازان بكل صراحة، فانظر كيف يتلقى شباب نجد والحجاز "العقيدة" من علم من أعلام جازان، ويستشهدون بنقوله. وكذلك أهم مصدر اتكأ عليه الإسلاميون منهجياً في معركة الحداثة محاضرات الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي ثم كتاب الشيخ عوض القرني (وكلاهما من منطقة الجنوب)، بل لم يتشكل تصور الإسلاميين عن الحداثة إلا من طريقهما. على أية حال .. لو ذهبت أستقصي الرموز الشرعية والدعوية والفكرية والتربوية من مناطق المملكة، ومن خارج المملكة، وكيف يتنافس شباب الصحوة الإسلامية في توقيرهم على أساس مراتبهم في العلم والديانة لما انتهيت، وآخر مايعني شباب الصحوة الإسلامية هو النسب والمنطقة والإقليم، ولكني فقط أردت التمثيل، وأجزم لو أن القارئ الآن أخذ يتذكر أسماء المتصدرين للفتيا وتدريس العلوم الشرعية والدعوة والتربية لرأى التنوع الذي يكشف أن الإسلاميين ولله الحمد هم أنضج شرائح المجتمع في التعالي على هذه المعايير الجاهلية. بل إننا نتعبد الله جل وعلا بأن البنجلاديشي الذي يوحد الله أنه أحق بموالاتنا وتوقيرنا من سعودي يستغيث بالحسين. أعتذر على هذه الصراحة في ذكر الخلفيات المناطقية لكن ضرورة معالجة هذه التهمة التي يتهامس بها البعض أحياناً، ويصرح بها البعض في أحيان أخرى، ويعول عليها بعض الفاشلين علمياً أو منهجياً؛ اقتضى مني أن أكون صريحاً في هذا العرض. حسناً .. أعرف أن البعض يقول: أنا أتذكر قصة وقعت هنا أو هناك قال فيها شيخ ما عبارة يفهم منها المناطقية والإقليمية ونحو ذلك؟ فالجواب أن إطلاق الحكم على الصحوة الإسلامية بأنها قطرية أو إقليمية أو غير ذلك يحتاج النظر إلى الظاهرة العامة وليس إلى حالات فردية، فإننا نحن نعلم أن بعض المنتسبين إلى العلم يقع في شهوة رياء أو شهوة مال أو شهوة تتبع للرخص فهل يصح أن نطلق على الظاهرة الشرعية والدعوية بأنها مرائية أو متساهلة في الفتيا بسبب هذه الحالات الفردية؟ بل خذ مثالاً أكثر دلالة من ذلك: أصحاب النبي ﷺ ، وهم أكمل تجربة بشرية عرفها التاريخ، وقع من بعضهم هنات في التنادي بدعوى الجاهلية، فهل يصح القول بأن الصحابة إقليميون أو عرقيون أو إثنيون بمثل ذلك؟ أم أن العبرة بالظاهرة العامة؟! وأعرف -أيضاً- أن البعض يحتج بمناصب معينة أعطيت بناءً على توزانات مناطقية، ولكن هذه ليست مسؤولية الصحوة الإسلامية، بل هذه يسأل عنها السياسي الذي يراعي هذه التوازنات المناطقية ويحسب لها حسابات خاصة. والمراد أن المعايير التي يتعامل بها الإسلاميون (كظاهرة) في تقييم الأشخاص والكتب أنها مبنية على التفاوت في العلم والديانة، وليس بناء على القطر والإقليم والنسب كما يزعم المتجنون على هذه الصحوة الإسلامية.

стр. 671

ماهي منجزات الصحوة ؟ إبراهيم السكران الحمدلله وبعد. كثيرون تعرضوا لمظالم .. كثيرون تعرضوا لنكران الجميل .. ومع ذلك كله فلم يتعرض أحد في هذا العصر للجور مثل ماتعرضت له "الصحوة الإسلامية" التي قامت على أكتاف علماء ودعاة ومفكري أهل السنة .. يتحمل المرء طعنات العلمانيين والليبراليين وأرباب الشهوات والشيعة .. لكن ما أصعب الأمر حين يكون الغدر من أبناء هذه الصحوة نفسها .. الواحد منهم إذا صادف معرض كتاب، أو زار ستاندرات مكتبة الكتاب، أو قرأ مجموعة روايات؛ جاء منتفخاً مزهواً يتوهم نفسه مفكراً اكتشف مالم يكتشفه الآخرون! مع أن كثيراً من هؤلاء المتنكرين كان جاهزاً للانقلاب قبل أن يقرأ أصلاً، لكن كان يبحث عن بطاقة دخول إلى نادي المنسلخين لا أكثر، ويريد أن يوهم نفسه ومن حوله بأنه تحول بسبب "قراءااات" واسعة، وأكثرها خلاصات انترنتية صادفها هنا أوهناك .. في الشهر الماضي فقط تلقيت على بريدي الإلكتروني الشخصي عدة رسائل تسأل: ماهي منجزات الصحوة؟ بعضهم يسأل مستفسراً، وبعضهم يسأل مساجلاً، وبعضهم يقول لي: دار نقاش في عدة مجالس حول هذه الأطروحة "الصحوة لم تقدم أية منجزات" .. ولقد علمتني التجارب الكثيرة مع أصناف المنحرفين أن (شحن الناس ضد الصحوة) هو أول خطوات الانزلاق .. وكلما رأيت شخصاً وقع في مصيدة "التجني على الصحوة" قلت لأصحابي هذا إن لم يلطف الله به فسترونه يوماً يردد مايردده الليبراليون والعلمانيون .. فالصحوة حلقة الباب من حركها اتهمناه على مافوقها .. أولئك المتسائلين والجاحدين الذين يقولون "ماهي منجزات الصحوة؟ " أحب أن أوضح لهم أن الإشكال ليس في قراءة "المخرجات" .. وإنما الإشكال يسبق ذلك، إنه إشكال في "المعايير" .. قبل أن تسأل الآخرين: ماهي منجزات الصحوة؟ فاسأل نفسك: ماهو معيار المنجزات؟ كل من اضطرب وارتبك في قراءة منجزات الصحوة فليس بسبب خفاء المرئي وإنما بسبب تبدل جوهري في عيون الرائي نفسه .. لوأعطيت الشيعي صحيح البخاري فسيقول لك الكتاب قصر في فضل آل البيت .. ولو أعطيت الناصبي نفس الكتاب لقال لك الكتاب غلا في آل البيت .. كيف اختلف التقييمان والكتاب واحد؟ ليس لاختلاف الأحاديث وإنما لاختلاف معايير القارئ .. قبل أن نسلط الضوء على منجزات الصحوة .. لنحاول تسليط الضوء أولاً على معايير هؤلاء الجاحدين لفضائل الصحوة .. يأتينا بعض هؤلاء وقد تشرب المعايير العلمانية أو الليبرالية أو التنويرية أو الديمقراطية أوبشكل عام (المعايير المستغربة) ثم يقول لنا: ماهي منجزات الصحوة؟ عقول تشبعت بالقيم الغربية في التعامل مع هذه الحياة وتأتي تسأل ماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟ يا عزيزي قبل أن تسأل عن منجزات الصحوة، صحح معاييرك أولاً، ولذلك تجد هؤلاء يتحاشون أن يطبقوا معاييرهم على القرون المفضلة، لأنهم يعلمون أنها ستؤول إلى إدانتهم بعضهم يجعل أولوية الإسلام ومركزه وقضيته الأساسية هي (العمران المادي) .. وبعضهم يجعل أولوية الإسلام هي (إطلاق الحريات الشخصية)، وبعضهم يجعل أولوية الإسلام (مقاومة الاستبداد السياسي) .. ثم يأتي ويقرأ الصحوة بهذه العين العوراء التي لاتبصر إلا قضية واحدة ..

стр. 672

لا يا عزيزي .. الصحوة تختلف كثيراً عنك في معاييرها، الصحوة الإسلامية لم تنطلق بمعايير تغريبية، الصحوة الإسلامية لم ترسم مسارها بمعايير علمانية، ولا بمعايير ليبرالية، ولا بمعايير تنويرية، ولا بمعايير الديمقراطيين، ولا بمعايير أدعياء الوسطية، ولا بمعايير أدعياء الإصلاح السياسي، ولا بمعايير الوطنية الجاهلية، .. ولكنها بمعايير (أهل السنة) .. أتعرف ما هو معيار أهل السنة؟ إنه (الإسلام الشامل) إنه أخذ الكتاب كله .. إنه الاستسلام والانقياد لكل مسائل الدين .. إنه الاعتزاز والفخر بكل حرف من حروف الشريعة .. إنه حمل رسالة الإسلام بكل تفاصيلها .. وليس بالأجزاء التي تهواها النفوس فقط .. كما قال تعالى في وصف أصحاب النبي ﷺ (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) [آل عمران:١١٩] .. أما هذه المدارس الفكرية المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح فمصدر الخلل في معاييرهم تبعيض الكتاب الذي قال الله عنه (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [البقرة:٨٥] .. وعبر عنه القرآن أيضاً بتعضين القرآن الذي قال الله عنه (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر: ٩١] أي أجزاءً مفرقة .. وعبر عنه القرآن أيضاً بقرطسة النص الذي قال الله عنه (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام:٩١]. إن كنت ياعزيزي لازلت متشرباً أهواءك في حصر الإسلام في (العمران المادي) .. أوحصر الإسلام في (الحرية السياسية) .. أوحصر الإسلام في (ماوافق الغرب من المفاهيم) .. فلا داعي أن تتعب نفسك وتتعبنا معك في البحث عن منجزات الصحوة .. لأن مشكلتك ليست مع "الصحوة" .. بل مشكلتك مع "القرآن" .. صحح علاقتك بكتاب الله أولاً، ثم تعال نتناقش في منجزات الصحوة .. الصحوة الإسلامية ياعزيزي حين استوعبت أن معيارها هو معيار أهل السنة وهو الأخذ بالكتاب كله .. أثمرت منجزات شرعية في زمن قياسي قصير .. نجاحات متوالية مذهلة في مدة استثنائية .. أعظم وأهم وأشرف منجزات الصحوة الإسلامية (ترسيخ التوحيد) الذي جعله الأنبياء والرسل رأس مشروعاتهم .. تأمل في البلدان العربية والإسلامية التي لم تنتعش فيها الصحوة السنية وابكِ -إن كانت دموعك يستثيرها التوحيد- على عدد الأضرحة والمزارات والقباب والمشاهد والمراقد المقدسة .. اسأل أي حركة قبورية في العالم عن أخطر توجه يهددهم وسيقولون لك "الصحوة السلفية" .. أي شرف أن يكون من يواصل مشروعات الأنبياء والرسل هم هذه الصحوة الإسلامية؟! هل تعلم أنه في مولد أبي الحسن الشاذلي في محافظة البحر الأحمر في مصر ينحر ذبائح تصل إلى (١٢٠) ألف رأس من الخراف والماعز والإبل (صحيفة المصري اليوم، ٢٨/ ١٢/٢٠٠٦) .. هل تعلم أن حصيلة النذور في مصر في الفترة (٢٠٠٥ - ٢٠٠٦) بلغت ٥٢ مليوناً و٦٧ ألف جنيه؟ (حوار لوزير الأوقاف المصري مع جريدة الأخبار) .. هل تعلم أنه في المنطقة الشرقية والجنوبية من السعودية لاتزال تقام شعائر الشرك والوثنية في الاستغاثة والذبائح للحسين ولعلي ولبقية آل البيت؟ هل تعلم أن واحداً من أضخم الرموز الدينية في الحجازكتب كتباً ورسائل وعقد الدروس والمجالس يدعوا فيها لألوان من قوادح التوحيد .. حتى أن الشيخ عبد الله بن منيع لم يستطع احتمال الأمر وكتب كتاباً حزيناً في مناقشته والتحذير منه ومما قاله الشيخ ابن منيع في الكتاب:

стр. 673

(تدعو حال مؤلفات محمد علوي مالكي إلى اعتباره في طليعة الدعاة إلى البدع والخرافات والشرك بالله في ألوهيته وربوبيته ; ذلك الرجل الذي آثر ممن غرر بهم وأضلهم وأعماهم: لحسهم يده، وركوعهم له، وتبركهم بآثاره وأعضائه وملابسه) [حوار مع المالكي، للشيخ ابن منيع، المقدمة] ورد عليه أيضاً صقر السنة سفر الحوالي -شفاه الله- بعدة رسائل وسماه (مجدد ملة عمرو بن لحي) في رسالة خاصة بهذا العنوان. وأنا شخصياً رأيت محمد علوي مالكي مرةً واحدة، ورأيت فيها مثقفين يقبلون يده، بعضهم كان يسارياً ثم الآن ليبرالي، ومع ذلك ينحني ويقبل يده أمامنا. وهل انتهى دعاة الشركيات اليوم؟ لا، ياعزيزي لم ينتهوا، فانظر الآن في النشاط الغريب للحبيب الجفري والفقيه صالح الأسمري والمحدث محمود سعيد ممدوح، وغيرهم ممن يروجون الشركيات، والحبيب الجفري رُد عليه بكتاب اسمه (إلى أين أيها الحبيب الجفري؟) للباحث خلدون مكي، وقدم للكتاب عالمان من أفاضل الأشاعرة، وهما مصطفى الخن ومحمد راجح, وتحاشى المؤلف كتب ابن تيمية وابن القيم, فضلاً عن كتب علماء الدعوة النجدية, والمشائخ السلفيين المعاصرين، ففي رده عليه بيان لأفكار الجفري الخطيرة في باب الألوهية، وإن كان المؤلف جرى على مذهب الأشاعرة في مسائل كالتسلسل وغيرها. بل الأمر الآن أشد، فقد كان دعاة الشرك في الجزيرة يتعيشون على حصيلة النذور التي يتبرع بها لهم الجهال، أما الآن فاختلف الحال، فقد صارت وزارة الشؤون الإسلامية في الإمارات تدعمهم وتمكن لهم، ظناً من بعض النافذين أنهم يقاومون نمط الإسلام التكفيري بدعم نمط الإسلام الصوفي المتسامح، فصار هؤلاء يدخلون الشركيات على الناس استغلالاً لظروف سبتمبر! وأهل الإمارات أخيار وفيهم طيبة لكن غلاة الصوفية استطاعوا النفاذ إلى مواقع مؤثرة سياسياً .. وأظن البلاء بدأ مع الخزرجي. والله أعلم. ولذلك فإن بعض الناس يتساءل كثيراً عن سبب فشل مشروع الصفار وأمثاله في التقارب بين السنة والشيعة، ويظن هو وغيره من التقاربيين أن المشكلة في "سب الصحابة"!، وإذا تحدثوا في الموضوع لم يذكروا إلا سب الصحابة، أبعد هذا غربة لحقائق القرآن؟! قضية سب الصحابة هي القضية رقم ٢ بيننا وبين الشيعة، وإنما القضية الأولى هي الشركيات التي يقوم عليها المذهب الشيعي، كالاستغاثة بالحسين وغيرها، والشركيات امتزج بها لحم المذهب الشيعي ودمه، حتى أن المفكر الشيعي (أحمد الكاتب) وهو مفكر مثقف ومتأثر بالفكر العقلاني المعاصر، ويفوق الصفار وأمثاله عشرات المرات في الاطلاع والعمق والجرأة على نقد المذهب الشيعي (الصفار رجل دبلوماسية محض وليس له في العلم بالمذهب ولا في الثقافة المعاصرة نقير ولاقطمير)، ومع ذلك كله يقول أحمد الكاتب في كتابه (الفكر السياسي الوهابي) مايلي: (ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تبعاً للشيخ ابن تيمية، كان يعتبر بعض الممارسات المختلف حولها بين المسلمين، مثل دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم، شركاً، وشركاً أكبر مخرجاً عن الملة والدين) [ص ١٦، ط٢، ٢٠٠٤م] وتبعاً لذلك فقد اعتبر أن "لا إله إلا الله" لاتعني إفراد الله بالألوهية والعبادة، بل تعني فقط إفراد الله بالربوبية! ولذلك يقول "أحمد الكاتب" في سياق انتقاده للشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ولذلك فقد أطلق الشيخ محمد بن عبد الوهاب كلمة "التوحيد" على "توحيد الألوهية" وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والنحر والرجاء والتوكل، وليس "توحيد الربوبية" الذي يعني الإيمان بالخالق الواحد) [الفكر السياسي الوهابي، ص ١٧، ط٢، ٢٠٠٤ م]

стр. 674

هذا أحمد الكاتب (عاقل المرة) بالتعبير العامي؟! فكيف بمن هو دونه؟! ومع ذلك فله كلام فيه تراجع مجمل عن هذا التقرير، ولايزال فيه إشكالات. والمراد أن جماهير رموز الشيعة اليوم مرتبتان: إما غارق في تحسين الاستغاثة بأئمة آل البيت، وإما يقول لك: لا نحن لانرى الاستغاثة بغير الله، وهي شئ غير جيد. هكذا فقط، أما أن تجد رمزاً دينياً للشيعة يقول لك: من استغاث بالحسين فهو مشرك، والاستغاثة بغير الله من نواقض الإسلام، فهذا من النادر، وماحال من يستنكر الاستغاثة بغير الله دون أن يقر بكونها شرك وناقض من نواقض الإسلام، إلا كمن يقول لك: (أنا لا أزني، ولا أحبذ الزنا، والزنا عموماً شئ غير جيد)! فمالفائدة إن لم يعتبرها كبيرة من كبائر الذنوب؟! بل من فعل الزنا مع إقراره بكونه كبيرة هو خير ممن ترك الزنا مع جحد تحريمه. وأتذكر أنه في أعوام ١٤١٥هـ ومابعدها نشط كثير من دعاة الصحوة في إلقاء المحاضرات التبي تبين للشباب أن هناك كثيراً من السعوديين في مناطق المملكة واقعون في ألوان من الشركيات بسبب البعد عن مراكز المدن الكبرى، فكان "شباب الصحوة" المباركين يهبون فرقاً وآحاداً يذرعون أرجاء المملكة يلقون الكلمات عن قوادح التوحيد، يستنقذون الناس من حبوط أعمالهم ومن المصير الأخروي البائس الذي ينتظر المشركين (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:٦٥] والحديث عن كارثة الشركيات في هذا العصر، وكيف استغل دعاتها بعض المؤسسات الحكومية في الخليج والمغرب العربي، وكيف صارت بعض النظم السياسية الفاسدة تدعمهم في مواجهة مايسمونه الإسلام السياسي (وليس هناك إسلام سياسي بل الإسلام شامل)، وكيف صارت لهم فضائيات يروجون بها أفكارهم الخطيرة في باب الألوهية؛ ليس هذا موضعه، وإنما أردت فقط أن أضع المتسائلين عن منجزات الصحوة أمام سؤال واضح وبسيط: بالله عليكم هل سبق لكم أن رأيتم علمانياً أو ليبرالياً أوتنويرياً أو ديمقراطياً أو إصلاحياً سياسياً يؤلف الرسائل في مناقشة شبهات الوثنية؟ ويتحرق في دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة؟ اسألوا أنفسكم وأجيبوا: من الذي قاد حملة إشعال الوعي المعاصر بأهمية التوحيد وخطر صور الشركيات؟ أليست الصحوة الإسلامية؟ أما إن كنتم ترون أن هذه القضية (التوحيد والشرك) قضية هامشية، وشغلات وعاظ، واهتمامات دراويش، وإشكاليات البسطاء من الناس، فإن هذا يعني بكل وضوح أن مشكلتكم ليست مع الصحوة، بل مشكلتكم مع الأنبياء والرسل، ومشروعات الرسل ليست قضية غامضة ولا موضوع يحتاج لتحليل، فقد كشف القرآن بشكل متكرر عن رأس أولويات الرسل، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:٢٥] وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦] بالله عليكم يامعاشر الطوائف الفكرية ألا تخجلون من الله حين تزهِّدون في الدعوة للتوحيد ومقاومة الشركيات، وأنتم ترون الله جل وعلا يظهر لنا في القرآن حبه للتوحيد وتعظيمه له، وتخصيصه أنبياءه بالدعوة إليه؟ حين أتأمل المدارس الفكرية اليوم ولا أجد فيها من يحمل راية التوحيد وتدريس الكتب الشرعية التي تقرره والرد على المبطلين فيه إلا "الصحوة الإسلامية"، فإني أتعجب من شدة توفيق الله لهذه الصحوة المباركة، ومن خذلان هذه المدارس الفكرية عن أعظم حقائق القرآن على الإطلاق.

стр. 675

وأنا أعرف جيداً لماذا خرجت قضية التوحيد والشرك من معاييركم، ولم تعد جزءاً من آلية القياس والتقييم لديكم؟ السبب بكل وضوح أنكم تشربتم "المفاهيم المادية الغربية"، ولذلك عجزتم عن قراءة منجزات التوحيد ومشكلة الشرك. ويشبه هذا الأمر مافعلته قريش حين احتجت على النبي وأصحابه بكونها خير منه لأنها تقدم نفعاً مادياً للناس وهو (تموين الحجاج وبناء الحرم) فرد الله عليهم مبيناً أن نفع التوحيد أعظم من النفع المادي حتى لوكان للحجاج وفي الحرمين، كما قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) [التوبة:١٩]. ويشبه هذا أيضاً أنه لما استنكر بعض الناس زمن النبوة أموراً فعلها النبي وأصحابه وعدوهاً إرهاباً وقتلاً، فبين الله أن "الفتنة الدينية" أشد وأخطر من "القتل"، كما قال تعالى في موضعين (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:١٩١] وقال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:٢١٧]. فجعل الفتنة في الدين أعظم من أمر الدماء، مما يدل على جعل العقيدة فوق المصالح المادية. فانظر الى منزلة جنس التوحيد والعقيدة ونفعها، حتى جعلها الله فوق منزلة النفع المادي للناس، وفوق منزلة الأمن، ومع ذلك كله حين تتحدث الطوائف الفكرية عن المنجزات فإن آخر شئ تفكر فيه هو (منجز ترسيخ التوحيد ومقاومة الشركيات). وقد شاهدت خارج المملكة أموراً عجيبة تدل على عظمة منجز الصحوة في نشر التوحيد، ذلك أنني أشاهد أحياناً شخصيات عربية فيها فضل وخير، لكنها نشأت في أجواء بعيدة عن الصحوة الإسلامية، ومع شدة تدين بعضهم وحرصهم على الخير إلا أنه يقع في قوادح خطيرة للتوحيد وهو لايعلم، ويجد من يناقشه صعوبة في توضيح الأمر له، وأقارن ذلك ببعض الشباب المبتعثين الذين ليس فيهم حرص على التدين، ولكن بسبب نشأتهم في أجواء الصحوة وانتفاعهم بجهودها في نشر التوحيد تجد لديهم حساسية شديدة منذ أن تقترب من حمى التوحيد وباب الألوهية. بل إن بعض الناس يرى أن "الأخلاق المهنية" كالأمانة في العمل أهم من "التوحيد"! وهذا بسبب جهلهم بأعظم المطالب القرآنية، ولذلك يقول ابن مسعود فيما رواه الطبراني وابن أبي شيبة وابن حزم: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا). قال ابوالعباس ابن تيمية في تعليق شهير على هذا الأثر (لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق) .. فكم فات على هذه التيارات الفكرية معرفة منزلة "حسنة التوحيد" وأنها تفوق كل الحسنات التي يعرفونها .. بث معاني التوحيد في الناس، وإصلاح قوادح التوحيد، منجز أعظم من مجلس العموم ووكالة ناسا وأبراج دبي .. لوكنا فعلاً ندرك مراتب الفضل في القرآن، ومحاب الله ومباغضه .. وأذكر مرة أنني ذكرت لأحد هؤلاء الشباب المتأثرين بهذه المدراس الفكرية ظاهرة عقدية خطيرة انتشرت، وهي انتعاش ظاهرة "تعطيل الصفات الإلهية" ونشاط بعض الرموز في الدعوة إليها، وأن هناك بعض الفضلاء احتسبوا في إعداد بعض البحوث لإصلاحها، فقال لي (وافترض أنهم قضوا على كل المعطلة على وجه الأرض فمالفائدة من ذلك ونحن نرى الاستبداد السياسي؟!) أو كلاماً هذا معناه! فانظر كيف صارت قضايا تنزيه الله وتوقير صفاته جل وعلا قضية هامشية لا تعنيه، بسبب تشرب قلبه القيم والمفاهيم المادية الغربية ..

стр. 676

ما سبق كله في محور واحد من محاور التوحيد وهو (توحيد الشعائر)، وأما المحور الثاني من محاور التوحيد والذي أنجزت فيه الصحوة مالم تنجز كل المدارس الفكرية الأخرى فهو (توحيد التشريع). فمع هيمنة القوانين الوضعية الغربية المناقضة لشريعة رب الأرض والسموات لم يقف في وجهها ويقاومها ويكتب المؤلفات حولها ويخطب عنها ويرد على الشبهات التي تهونها إلا "الصحوة الإسلامية" .. لقد ملئت ديار المسلمين من "شرك التشريع" ومع ذلك تجد المدارس الفكرية الأخرى في غاية البرود من إفراد الله في التشريع، ولاتجد إلا شباب الصحوة الإسلامية هم الذين حققوا منجزات في هذه القضية لم يحققها غيرهم، وابتدأت هذه الحملة المباركة برسالة الشيخ محمد ابن ابراهيم ﵀ (تحكيم القوانين) ثم شرحها الشيخ سفر الحوالي في عدة أشرطة، وكتب فيها الشيخ عبد الرحمن المحمود رسالة موسعة فند فيها شبهات مرجئة العصر في التهوين من هذه القضية، وغيرها، والمراد التمثيل. وكل تشريع يخالف تشريع الله ورسوله فهو شرك كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى:٢١] وتوحيد التشريع وإفراد الله بالطاعة ليس شيئاً هامشياً في مشروعات الرسل، بل قال الله تعالى عنهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:٦٤] فهذه الصحوة الإسلامية قامت بمنجز عظيم في نوعي التوحيد (توحيد الشعائر) ضد المتصوفة والشيعة وأضرابهم. و (توحيد التشريع) ضد النظم السياسية الفاسدة والمثقفين المروجين لها. فهاتوا لي حركة في العالم كله قامت بنوعي التوحيد خيراً مما قامت به الصحوة الإسلامية؟ هاتوا لي منجزاً واحداً في العالم يضارع أو حتى يقارب منجز ترسيخ توحيد الشعائر والتشريع؟ يأتوننا ويقولون: وماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟ بل أنتم ماهي منجزاتكم؟! ومن منجزات الصحوة الإسلامية نشر السنن وإماتة البدع، وكم للإسلاميين من جهود مشكورة في ملاحقة أعيان البدع وآحادها والصبر على تبيينها للناس، تخيلوا الناس بدون هذه الجهود؟! كيف سيكون حال عامة الناس؟ وكيف سيدخل في دين الله من المفاهيم الخاطئة المحدثة ما الله به عليم؟ ومن قرأ تاريخ السلف يستطيع بكل اختصار أن يقول عنه (تاريخ مقاومة البدع). على أية حال .. لايمكننا التوسع أكثر من ذلك، لكن سنعرض على سبيل الإشارة لبعض منجزات الصحوة الأخرى: فمن منجزات الصحوة إحياء الجهاد الشرعي المنضبط بأصول أهل السنة، والدفاع عن بلدان المسلمين في كل مكان، ولذلك فإن أكبر خسارة تعرض لها (غلاة التكفير والقتال) ليس حين واجهتهم أمريكا، ولاحين واجهتهم النظم العربية، وإنما حين نافرتهم "الصحوة الإسلامية" ورفعت يديها عنهم وحذرت منهم، بعد أن ظهرت انحرافاتهم عن أصول أهل السنة في باب الجهاد حين استهدفوا أمن البلدان الإسلامية، وقد كان هذا بالنسبة لأدعياء الجهاد بمثابة فصل أنبوب الأكسجين ..

стр. 677

ومن منجزات الصحوة الإسلامية مقاومة مشروع (تغريب الإسلام) وهو مشروع تأويل مفاهيم الإسلام لتتوافق مع الثقافة الغربية المنتصرة، إما بجحد ألفاظ النصوص، أو بجحد معاني النصوص، ومحاولة التفتيش في التراث عن أي سند تراثي للمفاهيم الغربية الجاهزة مسبقاً، وهو مشروع واسع وضخم وكتبت فيه مئات الكتب المعاصرة منذ لحظة الأفغاني وحتى لحظة الجابري، وأكثر مادة متأخريهم التفصيلية استمدوها من عمالقة الاستشراق التقليدي مثل جولدزيهر وشاخت وهنري كوربان ورينان (هؤلاء الأربعة بشكل خاص)، فهي إعادة إنتاج للاستشراق التقليدي بلغة جديدة، وابتلع نتائجهم كثير من هذه المدارس الفكرية ظناً منهم أنها أبحاث لهم، وأنها أبحاث علمية جادة! والحق يقال أن المستشرقين أكثر جدية في البحث من هؤلاء المروجين كالجابري ونصر ابوزيد وعبد الجواد ياسين (وهوينقل عن الاستشراق بالواسطة) ونحوهم. ومن أوائل الأطروحات التغريبية للاسلام التي واجهت الصحوة في السعودية أطروحات الترابي وهو يستمد سنده المعنوي بناء على تجربة سياسية نجحت مؤقتاً، وكانت أطروحاته تلك الأيام عن أصول الفقه مربكة، حتى أن أحد الفضلاء (وهو الآن خارج المنظومة الدعوية) ألقى محاضرة في الرياض عن تجديد أصول الفقه كانت إعادة عرض لأفكار الترابي (فكرة الاجماع الواسع، نفي السنة، اجتهاد العوام، العقل، رأي ولي الأمر، الخ). فشعر الشيخ سفر الحوالي بأن أصول أهل السنة مهددة، فألقى بعدها بزمن يسير في الرياض محاضرة بعنوان (العلمانية في طورها الجديد) وقد شعر كثير من المراقبين بالربط بين الحدثين، حتى أن الشيخ احتاج لاحقاً أن ينفي ذلك وقال في درس له بعد ذلك (ولقد تعرضت في محاضرة سابقة كان عنوانها العلمانية في طورها الجديد لهذا الاتجاه ولخطره، ففهمت على أننا نتعرض لبعض الدعاة، سبحان الله! يا قوم أنتم في وادٍ ونحن في واد) وبين أن المسألة ليست في أشخاص ولكنها في اتجاه بدأ يتنامى، وقد صدق حدس الشيخ شفاه الله، فإن إعادة تعليب المفاهيم العلمانية المادية في ثياب إسلامية صار سلعة رائجة الآن! وكتاب الإرجاء للشيخ سفر الحوالي فيه موضعان شكلا علامات تاريخية فارقة، الأول تحدث فيه عن الزندقة العصرية الجديدة (أي مشروع تغريب الإسلام)، والثاني عن ظاهرة الإرجاء بين بعض المنتسبين للسلفية الحديثية، وكلا الموضعين وضعا حداً لكثير من الانحرافات عن أصول أهل السنة. والمراد أنه في الوقت الذي ترى فيه كل المدارس الفكرية المعاصرة بلا استثناء استسلمت للضغط الثقافي الغربي وانكسرت أمام سطوته ووقعت في شئ من تغريب الإسلام (قل أو كثر على تفاوت بينها) تجد الصحوة الإسلامية هي الوحيدة التي احتفظت برباطة جأشها ونفخت في روع أبنائها الثقة بالشريعة وبمنهج أهل السنة، وأننا قادرون على إصلاح دنيانا دون الحاجة إلى العبث بالشريعة. ومن منجزات الصحوة الحفاظ على الفضيلة، ومقاومة مشروعات المنافقين لإخراج المرأة عن حشمتها وعفتها، وتقويض الحواجز بين الجنسين التي شرعها القرآن، وأنتجت الصحوة الإسلامية في هذا المنجز آلاف المواد الصوتية والمقروءة، وبعض الناس يحاول الالتفاف على المشكلة بالقول (لماذا يجعل الصحويون أكبر همهم مراهق في المنتديات، أوشاب طائش يعاكس) وهذا كله تزوير للواقع يعرف من يقوله أنه يكذب، فمشروع تغريب المرأة يتم عبر جيوش من كتاب الصحافة والبرامج التلفزيونية والروايات الماجنة، وخلف هؤلاء كلهم مسؤولون ليبراليون استطاعوا النفاذ إلى بعض مفاصل القرار ودعم هؤلاء العاملين في الميدان، وسوى الروم خلف ظهرك روم .. فمن لم ير من مشروع تغريب المرأة إلا مراهق ومعاكس؛ فهو إما كاذب وإما مغفل.

стр. 678

حسناً .. ما الذي يدفع بعض من لايزال فيهم خير من المدارس الفكرية المنحرفة إلى الكذب وتصوير الواقع على أنه مجرد مشكلة (مراهق منتديات، ومعاكس في سوق)؟! الحقيقة أن هؤلاء لو اعترفوا فعلاً بوجود مشروع خطير لتغريب المرأة؛ لأصبحت جهود الصحوة في حفظ الفضيلة مبررة، ولذلك سعياً منهم لتجريد جهود الصحوة في حفظ الفضيلة من حيثياتها الموضوعية، يصورون مشكلة تغريب المرأة على أنها مجرد (مراهق منتديات، ومعاكس طائش)، وهذا رهان سجالي فاشل بمجرد أن يستحضر القارئ الحملات المنظمة على الفضيلة ودعاتها. فيا لله العجب .. كيف يرون الجهود الجبارة لفرض نموذج (الاختلاط في التعليم والعمل) ثم يقولون المشكلة مشكلة مراهق وطائش؟! ومن منجزات الصحوة ربط الناس بالقرآن، ونشر دور حفظ القرآن، والتبرع لها، فبينما يدير المنتسبون للثقافة كؤوس الشاي بعد صلاة العصر يتسلون بالصحف تجد شباب الصحوة قد جلسوا بين سواري المساجد يسمّعون للشباب أنوار القرآن، ويلي جهود حفظ القرآن جهود حفظ السنة النبوية. ومن مآثر ومفاخر الصحوة الإسلامية نشر العلوم الشرعية وأنوار الوحي في الناس، وتصميم الدروس الأسبوعية، والدورات الصيفية، وتسجيلها للشباب، وبثها عبر الشبكة، بل وتوفير شقق سكنية لمن يسافرون لحضور الدورات. ومن منجزات الصحوة الإسلامية تعميق الإيمان وإنتاج الكتب والمحاضرات عن (التزكية) وكثرة الحديث عن الإخلاص والتقوى والمراقبة والانقياد واليقين الخ من أعمال القلوب التي هي محل نظر الرب من العبد، وهذا لا تعرفه المدارس الفكرية أصلاً، فضلاً عن أن تشارك فيه، والصحوة الإسلامية هي التي روجت كتب ابن القيم التزكوية (المدارج والجواب الكافي وحادي الأرواح وطريق الهجرتين الخ) ومن منجزات الصحوة الإسلامية المشاركة في المعرفة، وفي التصحيح الإسلامي للمعرفة، وظهور مايسمى أسلمة العلوم (انظر على سبيل المثال: في علم النفس: تمهيد في التأصيل الإسلامي لعلم النفس للدكتور عبد الله الصبيح، وفي الفلسفة: نظرية المعرفة للشيخ عبد الله القرني، وفي السياسة: أحكام الانتخابات في الفقه الإسلامي للشيخ فهد العجلان، وفي علم الإعلام: كيف تؤثر وسائل الإعلام في الناس؟ للدكتور محمد الحضيف، وفي العلاقات الدولية: فقه المتغيّرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين للشيخ سعد مطر العتيبي) وهذه فقط نماذج، ومن أراد المزيد من دراسات طلاب العلوم الشرعية في كافة الحقول في الاقتصاد والقانون والإدارة والاجتماع والعلاقات الدولية والقضايا الطبية والتكنولوجية والأفكار الحديثة فليراجع رسالة مختصرة سبق أن نشرت بعنوان (احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي). ومن منجزات الصحوة الحرص على الفقراء والمساكين وإنشاء المؤسسات الخيرية التي ترعى أحوالهم وتنظم إيصال المعونات لهم، والصحوة هي من طبق عملياً ومؤسسياً فكرة كفالة اليتيم، واستقبال وتوزيع فائض الأطعمة، ومشروع بطانية الشتاء، ومشروع توفير المستلزمات المدرسية للأسر الفقيرة بداية كل عام. وأما في المنكرات المالية فالصحوة الإسلامية هي التي خطبت وحاضرت وكتبت وأفتت في تحريم الربا والرشوة والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل .. والصحوة هي التي كتبت مذكرة النصيحة الشاملة، والصحوة هي التي كتبت بيان الغلاء الأخير .. ومن منجزات الصحوة المبادرة للاستفادة من الوسائل المعاصرة في حينها كالكاسيت وشبكة الانترنت والفضائيات الخ.

стр. 679

والكثير الكثير لو اراد المنصف أن يقرأ منجزات الصحوة، فقارن ذلك كله بمنجزات المدارس الفكرية الأخرى: العلمانيين، والليبراليين، والتنويريين، وأدعياء الوسطية، ومتفقهة التغريب، والديمقراطيين، وأدعياء الاصلاح السياسي، والوطنيين؟! أنتم الذين ماذا قدمتم بالميزان الشرعي؟! أنتم بتهكمكم بالقضايا العقدية والفقهية صرتم جزءاً من المشكلة بدل أن تكونوا جزءاً من الحل، تطالبوننا بأن نحتسب على السياسي، المفروض الآن هو الاحتساب عليكم من تحريفكم للشريعة قبل أن نحتسب على السياسي، فخطر أهل الأهواء أشنع وأفظع من خطر أئمة الجور، كما ذكره الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولذلك يصلى خلف أئمة الجور مع وقوع الخلاف في الصلاة خلف بعض أهل الأهواء، وأمر النبي بقتال الحرورية أهل الأهواء، ونهى عن قتال أئمة الجور. فتبديل كلام الله ونشر الفاحشة في الذين آمنوا أخطر شرعاً من فساد بعض العقود الحكومية واغتصاب بعض العقارات، وهذا لايعني التهوين من الجرائم المالية، ولكن لأبين أن كثيراً ممن يظنون أنفسهم يصلحون أنهم يفسدون أكثر من فساد السياسي، لأنهم يفسدون الأديان والسياسي يفسد الأموال، وفساد الأديان أشنع من فساد الأموال، وقد اتفق أهل السنة بجميع مذاهبهم على أنه في مقاصد الشريعة مقصد (حفظ الأعراض) مقدم على مقصد (حفظ الأموال)، وقد شرح ذلك الشاطبي في الموافقات في عدة مواضع. وأما قولهم: أين الصحوة عن الإصلاح السياسي؟ فالجواب بل أينكم أنتم؟ فالإصلاح السياسي رأسه وأسه جوهره (تحكيم الشريعة) فالمطلوب من ولي الأمر تحكيم الشريعة التي تشمل حفظ العقيدة وحفظ الأعراض وحفظ الأموال وتطبيق أحكام الله، وحديث الصحوة عن تحكيم الشريعة لايماثله كل الطوائف الفكرية المعاصرة. وأما قضية (الفساد المالي) فالحديث عن قضية الفساد المالي لم يعد مشكلة الآن، فلايوجد صحيفة سيارة إلا ويكتب فيها يومياً عن الفساد المالي، ولكن المشكلة أعمق بكثير من قضية الحديث عنها. وأما قولهم (العدل ونفي الظلم هو مركز الشريعة، والصحوة لم تقم به) فهذا من جهلهم بالمفاهيم الشرعية، فأعظم الظلم هو الشرك، والبدع ظلم، والفواحش ظلم، وليس الظلم فقط هو المظالم المالية للولاة. الخلاصة .. أن هذه الصحوة الإسلامية منة الله على هذا العصر .. ووالله العظيم لو كشفت ما بنفسي من التتيم بهذه الصحوة لظنني البعض أحد "الغلاة في الصحوة" .. ومن أحب المواضيع إلي في الكتابة إبراز محاسن هذه الصحوة الإسلامية والرد على التجنيات الموجهة إليها، ولولا خجلي من أن يقول الإخوان لقد أكثرت في هذا الموضوع لما توقفت .. ولعلي لا أذيع سراً إن قلت أنني كثيراً ما أقرأ في الصحافة الورقية والالكترونية موضوعات منحرفة .. صحيح أنني أنزعج منها، لكن الموضوع الذي لا أملك مشاعري حين أقرؤ عنه هو (التجني على الصحوة الإسلامية) .. ناقشني مرةً ليبرالي مبتدئ فقال لي على سبيل التهمة "أنت صحوي" فأطرقت وقلت له: هذا شرف لا أدعيه .. كل ما أردت أن أصل إليه في هذه المقالة هو شئ واحد: إذا سألك أي شخص من أهل الأهواء: ماهي منجزات الصحوة؟ فقال له: وماهو معيارك أنت للمنجزات؟ إن كان معيارك تحقيق مطالب القرآن والاقتداء بالنبي ﷺ ، فتعال نتباحث، وإن كان معيارك محصوراً في العمران المادي، أو مقاومة الاستبداد السياسي، أو إطلاق الحريات، فصحح معاييرك أولاً، ثم تعال نتباحث حول منجزات الصحوة. والله أعلم

стр. 680

الانتخابات أسقطت كل الأقنعة في العراق طلعت رميح لم يعد هناك من مستور في مشروع احتلال العراق منذ بدايته وحتى الآن. لقد ظهر الوجه الحقيقي لكل الأطراف التي شاركت في العدوان والاحتلال منذ بدايته وحتى الآن وتلك التي تعاونت مع المحتلين. سقطت كل الأقنعة عن الولايات المتحدة وإيران المتشاركين في العدوان والاحتلال، وعن كل الأطراف التي شاركت في اللعبة السياسية التي شكلها الاحتلال، إذ انكشفت تماما حكاية الديموقراطية وتداول السلطة عبر الانتخابات وظهر أن الانتخابات في العراق -مثلها مثل أفغانستان-ليست إلا تزييفا لإرادة العراقيين باستخدام كل طرق وأساليب التزوير لفرض الديكتاتورية على الشعب العراقى، وأنها ليست إلا أحد أشكال ممارسة الخلاف بين الاحتلالين الأمريكي والإيراني عبر عملاء كل طرف على الأرض العراقية، وأنها من الأساس ليست إلا آلية لإبعاد القوى الوطنية والقومية والإسلامية عن أداء دورها في تحرير العراق وإعادة بنائه، إذ هي موجهة لتحقيق هدف إعطاء الشرعية للمحتلين والمتعاونين كمحاولة للنيل من شرعية المقاومة. كل ذلك لم يعد كلاما مستنتجا من وقائع ما يجرى بل صار اعترافا مؤكدا على ألسنة الذين دخلوا في أضابير تلك الألاعيب. انفضح الكل، أو فضح الكل بعضه بعضه، أو فضح كل طرف الآخر، أو الكل وصل إلى مأزق، فقرر هدم المعبد عليه وعلى خصومه .. وقل ما شئت أيضا. لقد بدأت الانتخابات بألاعيب استقصائية لمرشحي طرف من أطراف اللعبة من قبل طرف مشارك آخر، باستخدام آليات لجنة غير قانونية بمقاييس الاحتلال نفسه، وبأوامر مباشرة معلنة من قبل إيران التي أعلن رئيسها بسفور أن لا مكان لمن سماهم البعثيين. وفي البداية أيضا، قال رئيس قائمة ائتلاف العراقية اياد علاوي -الفائز بأعلى نسبة أصوات بعد فرز ٩٥% من الأصوات -أنه يقبل بنسبة تزوير في حدود ٢٠% ليس أكثر -أى هو يقبل بإهدار أصوات خمس المصوتين -بما أكد أن التزوير عمل ملازم للعملية الانتخابية وأنه واقع لا محالة وأن الطرف المزور لا سبيل إلى ردعه عن إعمال سلاح التزوير، وربما قصد علاوي القياس على ما جرى في انتخابات عام ٢٠٠٥ التي شهدت تزويرا يكاد يكون كليا (هي الانتخابات التي أوصلته هو إلى رئاسة الوزراء). كانت البداية مليئة باشكاليات الصراع حول من له حق الترشيح نتج عنه، بما كشف أن مجموعات الحكم ترفض أحكام القضاء وتلغيها كيفما تشاء مصالحها وهو ما يؤكد على أن القضاء خاضع لتوجهات السلطة والاحتلال ويشدد على عدم مشروعية كل ما صدر من أحكام قضائية بعد الاحتلال. وما إن بدأت عمليات التصويت في الانتخابات وفق ما سمى بالتصويت الخاص الذى شمل العاملين بالجهاز العسكري للدولة والمرضى في المستشفيات وغيرها، حتى اكتشف الآلاف من غير المؤيدين لحكم المالكي الطائفي، استبعاد أسمائهم من قوائم الناخبين. كما بدأ التصويت في خارج العراق، وتكرر الأمر ذاته، إذ لم يجد الآلاف من المهجرين في الأردن وسوريا ومصر أسماءهم بينما وجد الموجودون في إيران أسماء المتوفين ومن لا جنسية عراقية لهم في كشوف التصويت بما أتاح ملء الصناديق بالأصوات المزورة.

стр. 681

ومن بعد، بدأت عملية التصويت العام، فجاءت آلاف الشكاوى من أولئك الذين لم يجدوا أسماءهم في كشوف الناخبين، ومن المسجلين في مناطق العراق التي لا تصوت لمصلحة الجماعات السياسية الشيعية الطائفية بتأخير فتح مقار التصويت لعدة ساعات لمنعهم من التصويت وعدم مد أجل وقت التصويت رغم وجودهم في المقار الانتخابية بما يتطلب استمرار العمل في المقار حتى انتهاء المصوتين من الإدلاء بأصواتهم. وجرت أعمال قصف مدفعي طائفي لمناطق السنة في بغداد لمنع الناخبين من التوجه للإدلاء بأصواتهم .. الخ. انتهى يوم التصويت بما جرى فيه لتبدأ أعمال فرز الاصوات بآلاف الشكاوى، حتى وصل الأمر بالمالكي إلى حد التهديد باستخدام القوة إذا لم تأت النتائج لمصلحته وقائمته ليبقى مجددا رئيسا للوزراء، بما فتح أبواب العنف الطائفي على مصراعيه، وكشف أصل لعبة الانتخابات والحرية والديمقراطية المزعومة. في البداية كان واضحا مما يعلن من نتائج -بالتقسيط-أن ائتلاف دولة القانون برئاسة نورى المالكي -رئيس الوزراء الحالي تحت الاحتلال-يقف في صدارة المشهد الانتخابي ولذلك أظهر المالكي إيمانه بالديمقراطية، في تصريحاته التي صدرت في هذا التوقيت، بل هو أكد على نزاهة الانتخابات وأعمال الرصد للاصوات مطالبا الآخرين باحترام نتائج الانتخابات، وزاد على ذلك أن اعترف بوجود أعمال تزوير-أو تأشير في أوراق التصويت-مؤكدا أنها بسيطة ولا تؤثر على النتائج الحقيقية أو النهائية. كان راضيا ومزايدا على الآخرين القلقين أو المحبطين أو الرافضين للنتائج المعلنة في تلك اللحظة. لكن كل ذلك تغير أو انقلب مع تقدم أعمال الفرز وإعلان النتائج بنسب أعلى من التصويت، أظهرت تقدم قائمة علاوي على قائمة المالكي، إذ دعا المالكي إلى إعادة فرز الأصوات في نحو ٥٠ ألف مركز انتخابى مشددا على ضرورة اجراء فرز يدوى لا آلي أو اليكتروني، بما دفع الآخرين للقلق من إجراء كهذا يعطل ظهور الانتخابات لعدة أشهر يظل المالكي فيها حاكما. وإذ تواصل تقدم قائمة علاوي مع ظهور تصريحات له وأقطاب قائمته بضرورة اعتماد نتائج المفوضية العليا، أطلق المالكي تهديدات صريحة بعودة العنف في الشارع وعدم شرعية أية حكومة تأتي عبر نتائج الانتخابات وفق النتائج الحالية، ومارس بالفعل لعبة تحريك الشارع ضد النتائج المعلنة. انكشف المالكي، ومن خلفه انكشفت إيران التي وقفت تدعم هذا الفريق (وغيره من المرتبطين بها أو الممثلين لها في احتلال العراق)،لكن علاوي هو الآخر قد انكشف، بما جعل اللعبة السياسية كلها بلا أقنعة. علاوي كان تحدث عن التزوير الجارى والأمور المقلقة جراء إعلان النتائج بالتقسيط، لكنه عاد والتزم الصمت وصار يتحدث عن تشكيله للوزارة الجديدة حين أظهرت النتائج المتوالية تقدم قائمته، مشيرا إلى أن المالكي مشروع ديكتاتور، بتشديده على خطورة تصريحات كان المالكي أدلى بها من قبل وقال فيها بأن لا أحد يقدر على أخذ السلطة منه، وفي ذلك صار أتباع المالكي يتحدثون مباشرة عن تدخل أمريكي لصالح علاوي. انكشفت لعبة التزوير في تلك الانتخابات وظهر أنها لم تكن إلا صراعا بين احتلالين للعراق، وأن الأمور جرت من أولها الى آخرها لتعميق حالة الاحتلال .. الخ، بما أعاد للأذهان كل ما جرى في الانتخابات الأفغانية تماما. أفغانستان والعراق

стр. 682

يبدو مهما إعادة التذكير بما جرى في انتخابات أفغانستان، باعتبارها نموذج مكتمل لذات المشهد المتفاعل في العراق وكاشفة له وأطرافه. في الانتخابات الأفغانية كان هناك عديد من المرشحين لمنصب الرئاسة، اجتمعوا كلهم على الطعن في كرازاى بالفساد واتهم وشقيقه المسئول التنفيذى بجهاز الحكم بالاتجار في المخدرات، وهو ما جاء ارتكانا لذات الاتهامات التي أطلقت من قبل مسئوليين أمريكيين وأمميين وأوروبيين. ومن بعد جرى اتهام كرازاى بتزوير الانتخابات بما عطل الإعلان عن نتائجها وعلق اللعبة برمتها. عاشت السلطة مرحلة مريرة خلال فترة الاستعداد للاعادة بين كرازاى ومنافسه عبد الله عبد الله، الذى هدد باللجوء للعنف بما دفع البلاد للوقوف على حافة الحرب الأهلية والعرقية والقبلية. وقتها قيل إن الصراع قبلي وجهوي وقيل إن كرازاى يلقى مساندة من بعض دول الاحتلال بينما يلقى عبد الله عبد الله دعما من قوى دولية محتلة أخرى. لكن الأمور انتهت إلى فوز كرازاى، بعد تخفيض نسبة فوزه، وهو ما جاء نتيجة وصول وزيري خارجية أمريكا وفرنسا إلى أفغانستان في وقت واحد، وإجراء مفاوضات مع الأطراف المختلفة لتحسم نتائج الانتخابات بالمفاوضات لا بأعمال التصويت، وليصبح كرازاى رئيسا رغم كل الاتهامات التي سيقت ضده، وفي ذلك كان العامل الحاسم هو رؤية القادة العسكريين الامريكيين والأطلسيين على الأرض، بأن نكسة الانتخابات أخطر على قوات الاحتلال من الهزيمة العسكرية. تلك الصورة الكاملة هى نموذج مقابل للانتخابات العراقية، وهى تعطى نموذجا عمليا لتصرفات المجموعات المرتبطة بالاحتلال ولسلوك المحتلين، غير أن الجاري في العراق يحمل عمقا للتصرفات والسلوك على نحو أخطر، إذ المعركة في العراق تجرى لتعديل التوازنات داخل النخب المتعاونة مع إحتلالين لا إحتلال واحد، وكلاهما يصارع الآخر على تحقيق حصة أوسع من النفوذ داخل السلطة. ولهذا الفارق ستطول الامور وتتعقد أكثر مما حدث في أفغانستان، وفي الأغلب ستكون هناك أعمال عنف بين الطرفين، إذ نحن أمام انتخابات ستتحدد نتائجها على أساس صراع اقليمى واسع وضمن تسويات لملفات عديدة ومتضاربة في الإقليم. انكشف الكل لقد كشفت الانتخابات العراقية-وقبلها الافغانية أن حكاية الديمقراطية التي ادعتها الولايات المتحدة سببا لاحتلال العراق، لم تكن إلا قناعا كاذبا عند بداية الاحتلال، وأنها ظلت كذلك خلال الاحتلال كوسيلة لإيصال المواليين للاحتلال إلى الحكم وطريقة لتزييف إرادة العراقيين، وأن وظيفتها تنحصر في تعديل التوازنات بين المجموعات المتعاونة مع الاحتلال، وأنها طريقة وآلية لتنظيم الصراع بين الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وأن الهدف الأعلى منها ولكل الأطراف الداخلة فيها هو وضع أطر داخلية في العراق لاستبعاد الوطنيين والقوميين والإسلاميين في العراق من الوصول للسلطة. وكشفت الانتخابات كيف أن إيران لم تتعاون مع الولايات المتحدة خلال التحضيرات وإنفاذ أعمال احتلال العراق، فقط، بل هي وجدت في لعبة الانتخابات آلية لتعميق نفوذها ودورها من خلال دعم وتقوية المتعاونين معها في داخل العراق، والمعنى أن إيران لم تستهدف فقط إطاحة نظام معادى لها في العراق -نظام الرئيس صدام حسين-بل كانت خطتها وما تزال احتلال العراق وتغيير هويته وضرب قواه الوطنية .. الخ، وهنا يبرز الوجه الواضح للمأزق الراهن في العراق، إذ القوى المتعاونة مع إيران تقف بوضوح معلنة عدم تسليمها للسلطة طواعية وأنها ستقاتل من أجل استمرار سيطرتها على العراق.

стр. 683

وإذ كشفت الانتخابات عن طبيعة الولاءات الخارجية للنخب أو المجموعات التي تصارعت في العملية السياسية، فإنها كشفت عن اتخاذ كل منها لعبة الانتخابات وفكرة الديموقراطية وسيلة للوصول للحكم دون تركه إلا بالقوة، والمعنى أن لا أحد منهم على قناعة لا بالديموقراطية ولا بالحرية. وواقع الحال أن مثل تلك الحقيقة لم تكن بحاجة إلى تأكيد من الانتخابات والتصريحات والصراع الجارى حاليا، إذ من وافق على إطاحة حكم بلاده بالقوة العسكرية للمحتل، لا يمكن له أن يؤمن لا بالديموقراطية ولا بالوطنية وبأى مبادىء أيا كانت، وكذا لأن مسيرة تلك الجماعات منذ وصولها للحكم -على ظهور الدبابات الأمريكية والدعم المالي والاستخبارى الإيراني -وحتى الآن هي مسيرة تطهير عرقى وقتل على الهوية وتهجير للسكان من منازلهم والاستيلاء عليها وتشكيل ميليشيات القتل والارهاب. والأهم في كل ذلك هو أن تلك الانتخابات، جرت مثلها مثل انتخابات عام ٢٠٠٥ على صعد التزوير والتزييف، بما ثبت أن العملية السياسية التي شكلها الاحتلال، هي لعبة لتزييف الوعى وإنهاك المجتمع العراقي وفرضا للصراع الطائفي والعرقي وآلية لتفتيت المجتمع العراقى لا لتوحيده، ووسيلة لتغيير التوازنات بين مجموعات وعصابات جاءت مع الاحتلال -إذ الوجوه هى نفسها-وأنها وسيلة لتعميق التغلغل الخارجي في البلاد على كل الصعد، وآلية لتشكيل حكم معزول لا يلقى دعمه إلا من قبل المحتل أو المحتلين، وذلك كله هو ذات النمط الذي جرى في أفغانستان من قبل، وهو ذاته الذي جرى في كل الدول المحتلة عبر التاريخ الحديث والمعاصر. المصدر: موقع المسلم

стр. 684

(قلب الأدلة على الطوائف المخالفة) للقاضي د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف قد لا يعاني البحث العلمي في هذا الوقت مِنْ تعذُّر الوصول إلى المعلومة أو تعسُّرها، بل المعلومة يمكن العثور عليها بأيسر طريق، وأكبر قَدْر؛ لا سيما مع التقنيات الحديثة: من الحاسب وشبكات المعلومات ومحرِّكات البحث ... ونحوها. كما أن الباحث لا يَلقى عَنَتاً ولا شحّاً في تعدُّد القضايا، وتنوُّع النوازل، وتتابُع المستجدات التي يجدر بحثها ومعالجتها؛ إذ لا تزال هذه الإشكالات والوقائع ميداناً رحباً لمن عزم على بحثها، وجدَّ في تحريرها وتحقيقها. لكنْ على الرغم من وفرة المعلومات وضخامتها، والسهولة المُفْرطة في مطالعتها، وأيضاً تكاثر المستجدات والحوادث؛ إلا أن الفاحص والناظر في جملة من البحوث العلمية - سواء كانت رسائل علمية أو بحوث مجلات محكَّمة أو مؤتمرات - ليجدُ الهشاشة والهزال فيها، والرتابة المُمِلَّة، والتكرار والاجترار، ولسان الحال يقول: ما أرانا نقولُ إلا مُعاراً ... أو مُعاداً من قولنا مكرورا إضافة إلى الإغراق في النواحي الشكلية والفنية، والاستطراد في المقدمات المعروفة، وأما القضايا العلمية المشْكِلة والمعْنيَّة بالبحث، فإن الباحث قد يختزلها أو يسوق كلاماً عائماً، أو يتنصَّل منها ... دعك من حال البحوث التي يتشبَّع أصحابها بما لم يُعطَوْا، أو الذين يحمدون بما لم يفعلوا. ولمَّا سئل الخريشي (ت ١٠٠١ هـ) أن يؤلف كتاباً، فقال: (التأليف في زماننا هذا هو تسويد الورق، والتحلي بحلية السرق) (١). ومهما كان الواقع قاتماً ومتردياً جرَّاء تلك البحوث، إلا أن ثمة بحوثاً على النقيض من ذلك؛ إذ تجد في هذه البحوث الجادة عمقاً علمياً، وتحريراً متيناً، وسَعة في الاطلاع، وابتكاراً في التصنيف، وجزالة في الأسلوب، ورسوخاً في التحقيق، ودراية فائقة في التخصص. ومن خير النماذج وأروع الأمثلة على ذلك رسالة: «قلب الأدلة على الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات» للشيخ تميم بن عبد العزيز القاضي (٢). ومع أن كثرة الصفحات، ووفرة المراجع ليست أهم المعايير - في نظري - لإضافة تزكية على البحث، وتحقيق إيجابيته؛ إلا أن الباحث سطَّر ما يزيد على ستمائة وألف صفحة، ورجع إلى أكثر من ثماني مئة مرجع، ولم تكن هذه الصفحات المئات حشواً ولا استطراداً، كما لم تكن مراجعه تكثُّراً وتعسفاً؛ فالباحث قد رجع إليها فعلاً، وتحرَّى المراجع الأصلية، والمصادر العميقة، وجانب ما كان هشّاً وما ليس مرجعاً معتبراً. ويستوقفك في البحث ابتداءً حُسْن اختيار الموضوع وجدَّته وبكارته، ومفارقته للبحوث المكرورة الرتيبة. وأحسب أن هذا البحث النفيس من واجبات الوقت، ويسدُّ حاجة ملحَّة في الآونة الأخيرة؛ إذ يسهم البحث في مدافعة انهزاميةٍ واضطرابٍ قد عرضا لبعض المتسنِّنة؛ فقَلْبُ الأدلة على أهل البدع يبعث تمام الثقة بالمنهج السلفي، والاعتزاز والاعتصام بطريقة أهل السُّنة والجماعة، بل هذا سبيل المرسلين وأتباعهم؛ فإبراهيم ﵇ حين عارضه قومه، وخوَّفوه من أصنامهم، قال قالباً عليهم حجتهم وتخويفهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٨].

стр. 685

قال ابن القيم: «وهذا من أحسن قلب الحجة، وجَعْل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه» (١). فما يشغب به أهل البدع من أدلة يحتجون بها على أهل السُّنة، فإننا معشرَ أهل السُّنة نوقن أن كل دليل (نقلي أو عقلي) يتشبث به أهل الأهواء ضد أهل السُّنة، هو حُجَّة لنا ودليل على أهل الزيغ والبدعة، وهذا القَلْب من دلائل صِدْق المرسلين ﵈ وبراهين أهل السُّنة في صحة معتقدهم وسلامة منهجهم طوال القرون الماضية وما يُستَقبَل من أيام حتى يأتي أمر الله. يقول ابن تيمية: « ... فهؤلاء كل ما احتجوا به من دليل صحيح؛ فإنه لا يدل على مطلوبهم، بل إنما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسل؛ فتبيَّن أن الأدلة العقلية الصحيحة من جميع الطوائف إنما تدلُّ على تصديق الرسول، وتحقيق ما أخبر به، لا على خلاف قوله، وهي من آيات الله الدالة على تصديق الرسول التي قال الله فيها: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٣٥]، وهي من الميزان الذي أنزله الله، تعالى» (٢). لا عجب أن يعكف الباحث في هذه الرسالة سبع سنين؛ فهو قد اشتغل بمسائل عميقة ومباحث شائكة، هي من مَحَارات العقول، ودقائق المطالب، وخاصة أن الرسالة تجمع بين تخصصين مهمين وعميقين، وهما: أصول الفقه ومسائل الاعتقاد، وهذه مزية أخرى للرسالة؛ فإن من آفات التخصص الدقيق أن يفوِّت دراسة موضوعات مهمة تشتمل على أكثر من فن؛ إذ إن الموضوعات المشتركة والمشتملة على أكثر من تخصص قد تتقاذفها الأقسام بدعوى «عدم التخصص»، وخاصة أن هذا النوع من الموضوعات لا ينفك عن تبعات وأعباء على الباحث ... وصاحبنا قد أحكم موضوع قلب الأدلة من خلال مطالعة كتب أصول الفقه، ومدارسة أهل هذا الفن، وأعدَّ باباً مستقلاً عن قلب الأدلة، وحقيقة الاعتراض بالقلب وأقسامه، وحجية الاعتراض بالقلب وضوابطه. عقد الباحث باباً بعنوان: «قلب الأدلة الإجمالية التي استدلَّت بها الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات»: ففي الفصل الأول: قَلَب الباحثُ أدلة المخالفين في توحيد الربوبية، سواء التي استدل بها أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، أو أدلة مسألة حلول الحوادث. وفي الفصل الثاني: قَلَب الباحثُ أدلة المخالفين في مبحث أسماء الله الحسنى. ثم في الفصل الثالث: ساق الباحث أدلة المخالفين من نفاة الصفات الإلهية وتعقَّبَها بالقلب عليهم، مثل: استدلالهم بالتنزيه، وتقديمهم العقل عند توهُّم تعارض العقل بالنقل، ومسألة دليل التركيب والتجسيم ومثال ذلك أن المتكلمين استدلوا بحلول الحوادث ونفيها عن الله - تعالى - على إثبات أن الله هو الصانع، وهو في الحقيقة نفي للصانع؛ فإن الذي يصح أن تنفى عنه الصفات، أو يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ فمن كان كذلك فهو ممتنع الوجود؛ ولذا قال بعض السلف: المعطِّل يعبد عدماً (٣).

стр. 686

وأما الباب الثالث: فعنوانه: «قلب الأدلة التفصيلية التي استدلَّت بها الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات»: استوعب الباحثُ فيه القلب والاعتراض على المخالفين في مسألة: أول واجب على المكلَّف، ودليل التمانع، ومقالة قِدَم العالم عند الفلاسفة، كما قلب الأدلة على نفاة صفات الله - تعالى - الذاتية والفعلية، وساق أمثلة تفصيلية في هذا الشأن، ومثال ذلك: دعوى المتكلمين بوجوب النظر، وعدم صحة إيمان العوام، احتجاجاً بعدم التقليد. يقول الباحث تميم: «وحين ننظر إلى حال ومقال المتكلمين وأهل النظر، فإننا نجد أنهم قد نالوا من التقليد المذموم أوفر الحظ وأجزل النصيب؛ فالذم بالتقليد ينقلب عليهم؛ ذلك أن القواعد النظرية التي أوجبوها لم تدل عليها حجة معتبرة ... وإنما تلقَّوها عن أسلافهم الفلاسفة والمعتزلة؛ فحين يأتي الكلام عن الاستدلال بنصوص الوحي المعصوم في أبواب الإلهيات تجد الردَّ والتزهيد وأنها تحتمل التأويل، لكن حينما يكون الكلام على القواعد الكلامية والفلسفية، فإنك ترى التمجيد تجاهها والتقديس وأنها قد صقلتها الأذهان على تطاول الأزمان!» (١). أما الباب الرابع: فهو في قلب الألقاب التي أطلقها المبتدعة على أنفسهم، أو على أهل السُّنة: ففي الفصل الأول من هذا الباب: قَلْبُ ألقاب الذم التي أطلقها المبتدعة على أهل السُّنة، وبيانُ أنهم هم الأحق بها، مثل تسميتهم أهل السُّنة بالمشبهة والمجسمة، ونَبْزِهم أهل السُّنة بالحشوية والنابتة والجهلة وأما الفصل الثاني: فهو قلب ألقاب المدح التي أطلقها المبتدعة على أنفسهم، مثل دعواهم أنهم أهل العدل والتوحيد، وأهل الحق والبرهان، وأهل السُّنة ومن ذلك: إطلاق لقب المشبِّهة على أهل السُّنة، والحقيقة أن لقب التشبيه والتمثيل ينقلب على طوائف المعطلة؛ إذ إنهم شبَّهوا أولاً ثم دفعوا ذلك بالتعطيل ونفي الصفات، وكذا شبهوا الخالق بالناقصات والمعدومات؛ «ولهذا قال بعض أهل العلم: إن كل معطِّل مشبِّه، ولا يستقيم له التعطيل إلا بعد التشبيه» (٢). «كما أن لقب المشبهة ينقلب على كثير من متأخري الأشاعرة والماتريدية ممن وقع في تشبيه المخلوق بالخالق، وذلك من جهة ما دخل عليهم من التصوف الغالي، والذي لم يُعهد مثله عن أسلافهم؛ حيث أضافوا إلى أوليائهم وأقطابهم كثيراً من خصائص الربوبية: كعلم الغيب أو التصرُّف في الكون، كما أضافوا إليهم بعض مقامات العبودية التي تفرَّد الله - سبحانه - باستحقاقها: كالاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله ... ونحو ذلك، فكانوا أحق بلقب المشبهة؛ إذ شبَّهوا المخلوق بالخالق في ألوهيته» (٣). وكذا دعوى الأشاعرة والماتريدية أنهم أهل السُّنة والجماعة؛ فقد قلَبَها الباحث عليهم من عدة وجوه؛ حيث لم يحققوا ضابط أهل السُّنة فيهم، بل تحقق نقيضه؛ فقد فرَّطوا في مصادر التلقي (الكتاب والسُّنة والإجماع)، فسلَّطوا على القرآن طاغوت التأويل، وطاغوت المجاز، وطاغوت تقديم العقل على النقل ... وأن نصوص الكتاب والسُّنة ظنية الدلالة .. وعدم الاحتجاج بأحاديث الأحاد، كما أن الأشاعرة خالفوا إجماعات السلف في غالب أبواب الاعتقاد؛ فخالفوا أهل السُّنة في قواعد الشريعة وأصول الدين؛ ثم ساق الباحث شهادة أئمة السُّنة بخروج الأشاعرة من أهل السُّنة، ومن ذلك ما أخرجه ابن عبد البر عن ابن خويز منداد (ت ٣٩٠هـ): «أهل الأهواء عند مالك وأصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلِّم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تُقْبَل له شهادة في الإسلام أبداً ويُهجَر ويؤدَّب على بدعته ... » (٤). وبعد أن خاض الباحث غمار مسائل عويصة، وحرر مباحث معضلة، واستوعب وأحكم كتب السلف، وغاص في أعماق مراجع أهل البدع (الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والفلاسفة)، وأجاد فهمها وأحكم نقضها، عندئذٍ ختم بحثه بهذه الكلمات: «وبعدُ: فهذا ما اقتضاه الخاطر المكدود، على عُجَرِه وبُجَرهِ، وعَلاَّته وهنَّاته، وعجزه وضعفه، فما كان فيه من صواب، فمِنَ الكريم الوهاب، وما فيه من زلل ونقصان، فمِنَ النفس الأمارة والشيطان، وأسأل الله منه الصفح والغفران» (٥). وهكذا فالبحث الجاد والعلم النافع يورث تواضعاً وإخباتاً، وعلى هذا جرت مناقشة هذه «الموسوعة» بهدوء وخمول، وفي قاعة صغيرة، لم يحضرها إلا أربعة: الباحث ولجنة المناقشة. المصدر: موقع الشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

стр. 687

ساعة وفاء إبراهيم السكران الحمدلله وبعد. فتحنا عيوننا نحن أبناء هذا الجيل على الدنيا ونحن نشاهد زخم الصحوة الإسلامية قبيل أزمة الخليج ومابعدها .. دروس هنا .. ومحاضرات هناك .. وإقبال شبابي عجيب على تزكية الإيمان وبناء الشخصية الإسلامية .. ومحافل أدبية اشتعل فيها مايسمى الأدب الإسلامي .. وتنامي تيار أسلمة العلوم .. ومؤسسات خيرية وغوثية .. والتفاف حول أهل العلم وتواصل معهم فيما يخص المنكرات والمخالفات الشرعية .. الفتى الصغير يفكر في معاناة أطفال المسلمين في أصقاع الأرض .. وشغف لاينضب بمفهوم الدولة الإسلامية والتطبيق المتكامل لـ"تحكيم الشريعة" بكل مايشمله من اصلاح عقدي وتشريعي وسياسي .. إنه بكل اختصار: مجتمع يلتهب بشئ اسمه "حمل هم الإسلام" .. ثم جاءت عاصفة سبتمبر، وتسلط الامبراطورية الأمريكية في ملاحقة وتهديد الأنشطة الاسلامية وتوجيه الأنظمة العربية لتطويق منابع التدين، وثورة نظم الاتصالات الحديثة، وتمكن فريق ليبرالي/تكنوقراطي من صناعة الضباب حول رأس الهرم .. كل هذه المتغيرات الداخلية والخارجية في سنيات قلائل .. محنة من أمرّ المحن والصعوبات .. زلت فيها اقدام كثيرة .. وانسحبت أقدام أخرى .. مشاعل هدى صاروا سموم ضلالة .. استبدلوا الانتماءات الشرعية كأهل السنة والاسلاميين بالوطنية، وصاروا ينفخون في اتباعهم تعظيم الدنيا وتعليق القلوب بها، والتزهيد في علوم الوحي واستعظام حطام الكفار، وتهوين الأمر والنهي الإلهي بكثرة التذرع بالخلاف، وتذويب الحواجز العقدية وتهتيك وهجها ووضوحها: السني/المبتدع، الاسلامي/العلماني، المسلم/الكافر، المؤمن/المنافق، الخ وتوهين الذرائع بين الجنسين، وتقويض اليقين بمقصود الشريعة في التحوط بين الجنسين، وكثرة تقزيم المحتسبين ولمزهم وتصويرهم في صورة البسطاء والمتهورين .. الخ الخ وبين كل هذا الركام من الانكسارات والانهيارات وجفاف الإيمان والجريان مع الاهواء .. بقي بين الظلام "دعاة" من الجيل السابق يتلامعون في ليالي الفتن، ثبتوا في هذه المحن، لم ترعبهم التضييقات، ولم تطمعهم المكتسبات الإعلامية والدبلوماسية الرخيصة، لم يرضوا أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، صحيح أن كثيراً منهم اضطر في الساعات الصعبة أن يكظموا صمتهم على تغيظ، لكن لهم الشرف أنهم لم يبدلوا تبديلا، دعاة من طلاب علم ومفكرين ومربين وأدباء إسلاميين .. لازالوا على العهد .. لم ينكسروا أمام الاستطالة اللغوية والارهاب المصطلحي للخطاب الفكري الجديد، لا زالوا على أصول أهل السنة في العقيدة، وفي منهج الفتيا، وفي منهج الدعوة، وأسأل الله أن يثبتهم على ذلك حتى يجتمعوا بأئمة أهل السنة في الفردوس الأعلى من الجنة بإذن الله .. صحيح أننا يجب أن نوقر أهل العلم الكبار، لكن كلي أمل من إخواني طلبة العلم والدعاة من هذا الجيل أن لاننسى واجب الوفاء لهؤلاء الدعاة الذين سبقونا بالإيمان، فلهم والله علينا حقوق كثيرة، وبمجرد أن يرى المرء نفسه يعرف لهؤلاء فضلهم فهو علامة خير، وبمجرد أن يمتلئ قلب الشاب زهواً وجحوداً لفضل هؤلاء الرواد فهذه أمارة خذلان .. الله الله يا إخواني بأن نقدر هؤلاء الدعاة وطلبة العلم الذين يكبروننا، والذين ثبتوا في الفتن السابقة، وأن نعرف لهم فضلهم ومنزلتهم، وأن نستشيرهم في دقائق الأمور الدعوية، فثباتهم في السنوات العجاف السابقة مؤشر عميق على توفيق الله لهم، وقرينة قوية على صدق نياتهم ونظافة مقاصدهم من أن ترديها أمراض حب الظهور، ونزوات الشهرة، وغريزة التصدر، ولذائذ الرياسة .. كلما رأيت طالب علم، أو داعية، أو مفكراً إسلامياً، أو أديباً إسلامياً، يكبرني بسنيات، وكان ممن ثبت في محنة سبتمبر الهوجاء؛ فإنني والله أشعر برغبة دفينة تتدفق في داخلي لأن أظهر له الوفاء بفضله وريادته، وحاجتنا لحكمته ومشورته ونصيحته .. ولولا أن يشعروا أنني أبالغ لقبلت رأس كل واحد من هؤلاء حين ألقاه، وأعرف أن هذا لايمثل لهم شيئاً، لكنه إحساس داخلي بحبهم لا أعرف كيف أعبر عنه .. وحب أجيال المؤمنين اللاحقة لأجيال المؤمنين السابقة من أعظم خصال الإيمان التي نبه عليها كتاب الله كما قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:١٠] كما أن "تفاوت" الدعاة بحسب "ريادتهم" الدعوية من أعظم المعايير التي نبه عليها كتاب الله كما قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد:١٠]

стр. 688

الاحتجاج بالخلاف ديانة أم مخادعة لله ؟! سعد بن مطر العتيبي سألني أحد الأشخاص عن حكم مسألة ما، فأجبته بما يقتضيه الدليل وقرنت الجواب بدليله، فبادرني سائلا: هل المسألة متفق عليها أو أن فيها خلافاً؟ قلت وقد أدركت مبتغاه: وماذا يفيدك الجواب؟ قال: إن كان فيها خلاف سيكون أسهل عليّ! وبالتأكيد ليس هذا الشخص فريداً في فكرته هذه، بل قد ظهرت بين صفوف المنتسبين للاستقامة الظاهرة فكرة البحث عن آراء الفقهاء التي فيها تسهيل في الأحكام الشرعية بغض النظر عن مدى ثبوتها بالأدلة الشرعية، بل ومع العلم أحياناً بكونها مصنَّفة ضمن الشذوذ الفقهي الصارخ، والمؤسف حقاً أن يتبنى بعض هؤلاء العمل بها وإن جاءت على خلاف الدليل الصحيح الصريح؛ بل وتطبيعها والدفاع عنها، كلّ ذلك استناداً إلى وجود خلاف في المسألة! ومن هنا فتن هؤلاء بعضَ العوام، لظهور الترخص في بعض الأحكام الظاهرة لدى المطبقين لهذه الفكرة التبريرية من الرجال والنساء .. فتسبب هؤلاء في ارتكاب المخالفة بغير دليل من الشرع، وبين صدّ المتبعين للدليل الشرعي من العوام عنه. وتكمن الخطورة المنهجية في هذا المسلك في ابتغاء الآراء بمعزل عن أدلتها، وجعل الخلاف ذاته دليلاً على المشروعية! وهذا - لا شكّ - انحراف منهجي، يقع فيه بعض المتفقهة فضلا عن غيرهم من الباحثين عن التخفيف من أي طريق كان. فمما لا يخفى على صغار طلبة العلم أنَّ الخلاف ليس معدوداً في الأدلة الشرعية، لا المتفق عليها، ولا ما يعبّر عنها بالمختلف فيها. بل النصّ الشرعي ظاهر واضح صريح في حصر الرجوع في حال النزاع إلى الكتاب والسنة، في مثل قول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). بل إنَّ مما اختصّ به العلماء في النصيحة لهم، الواردة في قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) كما يقول ابن رجب ﵀: " ردّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلِّها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلاّت العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردّها " (١).

стр. 689

وهذا الانحراف بجعل الخلاف في منزلة الدليل الذي أخذ يستشرى اليوم بين بعض المتفقهة، ليس انحرافاً جديداً؛ بل قد نبّه إلى خطورته ومنافاته للشريعة الربانية، عدد من المحققين من أهل العلم؛ فقد قال العلامة الباجي المالكي ﵀ منكراً تكرر مثل هذا الانحراف لدى المستفتِين بسبب ضعف إنكاره: " وكثيراً ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعلّ فيها رواية؟ أو لعلّ فيها رخصة؟ وهم يرون أنَّ هذا من الأمور الشائعة الجائزة! ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي؛ وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتدّ به في الإجماع أنَّه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحلّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنَّه حقّ، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنَّما المفتي مخبر عن الله في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنّه حكَم به وأوجبه، والله تعالى يقول: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) المائدة ٤٩. فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي! أو يفتي زيداً بما لا يفتي به عمراً لصداقة بينهما، أو غير ذلك من الأغراض؟! " (١). وقال العلامة الشاطبي ﵀، في فصل عقده في الموضوع بعد تعقيبه على كلام الباجي: " وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً في حُجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان: الاعتمادُ في جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم! لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإنَّ له نظراً آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع؟ والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حُجَّة في الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل يدلّ على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع؛ وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمدٍ معتمداً، وما ليس بحجّة حجّة " (٢). ثم أورد نقلاً عن الخطابي جاء فيه: " وليس الاختلاف حُجّة. وبيان السنّة حُجّةٌ على المختلفين [يعني فيما أورده من المسائل التي اختلف فيها] من الأولين والآخرين " ثم قال الشاطبي ﵀: " والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ به عن نفسه؛ فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتّباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلاً لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه " (٣). وقال الشاطبي ﵀ مبيناً بعض دعاوى هؤلاء: ((ويقول: إن الاختلاف رحمة، وربما صرّح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر، أو الذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجَّرت واسعاً، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كلّه، وجهل بما وضعت له الشريعة، والتوفيق بيد الله " (٤) وقد قسّم ﵀ الآخذين بهذا المنهج المنحرف إلى ثلاثة أقسام: الأول: الحاكم به، والثاني: المفتي به، والثالث: المقلّد العامل بما أفتاه به المفتي. ثم بين حكم كل قسم إذ قال: " أمَّا الأول؛ فلا يصح على الإطلاق؛ لأنَّه كان متخيراً بلا دليل، لم يكن أحد الخصمين بالحكم أولى من الآخر، إذ لا مرجح عنده بالفرض إلا التشهي

стр. 690

وأمَّا الثاني؛ فإنَّه إذا أفتى بالقولين معاً على التخيير فقد أفتى في النازلة على الإباحة، وإطلاق العنان، وهو قول ثالث خارج عن القولين، وهذا لا يجوز إن لم يكن يبلغ درجة الاجتهاد بالاتفاق، وإن بلغها لم يصح له القولان في وقتٍ واحد ونازلة واحدة أيضاً حسبما بسطه أهل الأصول. وأيضاً؛ فإنَّ المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا أنه لا يلزمه المفتي ما أفتاه، فكما لا يجوز للحاكم التخيير، كذلك هذا. وأمَّا إن كان عاميَّاً؛ فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتّباع الهوى عين مخالفة الشرع، ولأنَّ العامي إنَّما حكَّم العالِمَ على نفسه، ليخرج عن اتّباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب؛ فإنَّ العبد في تقلباته دائر بين لَمَّتين: لمّة ملَك، ولمّة شيطان؛ فهو مخيّر بحكم الابتلاء في الميل إلى أحد الجانبين، وقد قال تعالى: (ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها) (إنَّا هديناه السبيل إمَّا شاكراً وإمَّا كفورا) (وهدينه النجدين) ثمة قضية أخرى ينبغي مراعاتها في هذا الموضوع، حتى لا تختلط به؛ وهي الفرق بين الطرائق الشرعية في الفتوى، التي يسلكها المفتي الناصح، مراعياً فهمه للوقائع الخاطئة وطبيعة انتشارها، والآليات التي تؤدي إلى الحكم الصحيح؛ وأعني بذلك فقه التدرج في التطبيق، لا التدرج في التشريع، إذ إن التدرج في التشريع قد انتهى زمنه بانقطاع الوحي، فالحلال حلال والحرام حرام منذ نزل به الوحي، إلا أنَّ الحرام قد يحتاج إلى تدرج في سبيل الخلاص منه، كالفتوى لمن ابتلي بالتدخين بأن يقلل منه في بداية عزمه على التخلص منه، حتى لا يثقل عليه تركه، فيفشل في تركه والانقطاع عنه؛ فهذه السبيل في الفتوى تبقي المحرم محرما، وتسعى في الخلاص منه بالتدرج في التخلي عنه، لسبب يخص المسألة محلّ الفتوى؛ ويشهد للتدرج في التطبيق: نصوص التدرج في التشريع، مع بقية أدلة الأمر بالمستطاع من مثل قول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)، ومن السنة من مثل قول النبي ﵊ في الصحيح: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). نسأل الله تعالى الثبات على الحق، مهما خالفه الخلق .. والله تعالى أعلم وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وآله.

стр. 691

إيجابيات الخطاب السلفي د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي كل من يقرأ التاريخ المعاصر ويرصد الأحداث لا تخطئ عينه الفضائل الكبرى التي كانت للخطاب السلفي على الأمة الإسلامية اليوم، ففي سنوات لا تتجاوز الخمسين سنة انتشر هذا الخطاب انتشارا مذهلا في الأمة شرقا وغربا، وأصبحت المؤلفات والفتاوى والمؤسسات السلفية تنتقل من بلد لآخر نشرا للعقيدة الصحيحة، وتعليما لحقائق الدين وربطا للأمة بالكتاب والسنة. ومن أبرز إيجابيات هذا الخطاب المبارك: تصحيح العقيدة من الشركيات والبدع والمحدثات والخرافات التي انتشرت في الأمة بسبب التصوف والتشيع وبقية الفرق الضالة التي أضرت بعقائد المسلمين ضررا بالغا، فقد نقدوا وكشفوا حقيقة الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة والمعتزلة والأشاعرة والصوفية والشيعة والباطنية في الوقت الذي كان بعض المنتسبين إلى الدعوة يرى أن هذه الفرق لا وجود لها الآن وأنها انقرضت وأصبحت أحداثا تاريخية، ومقاومة الخطاب السلفي لهذه الشركيات والبدع دليل على الوعي العميق بالواقع الذي لا يمكن إصلاحه بذر الرماد في العيون ونسيان الحقائق الموضوعية على الأرض، ولكن إصلاحه يكون بمواجهة المشكلة بالمنهج الشرعي الراشد. وهذا العمل التجديدي الكبير كان له آثار عظيمة في إضعاف الفرق الضالة، وتحذير الأمة من مخاطرها وعقائدها الباطلة، وإبراز علماء السلف كقدوات للأمة، فقد انتشرت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء السلف في أرجاء الأرض، واطلع عليها كثير من العلماء والمفكرين والمثقفين وكان لها أثر كبير في تصحيح المفاهيم العقدية والمنهجية التي أفسدتها الفرق الضالة في باب المسائل والدلائل. وقد قام الخطاب السلفي بعمل جبار في حماية شباب الأمة من المذاهب الفكرية المعاصرة، فكتبوا وحاضروا عن العلمانية والقومية والشيوعية والحداثة والليبرالية وغيرها من المذاهب الهدامة، وبينوا منافاتها لأصل الدين، وقواعده الأساسية، ومقاصده الكلية. فقد أزال السلفيون الركام الفكري والعقدي الهائل من التصورات الباطلة والتفسيرات الخاطئة والتأويلات الضالة للقرآن والسنة، وكان للخطاب السلفي المعاصر مزيد عناية بمناهج الاستدلال وآلياته ليتميز المنهج الشرعي عن المنهج البدعي، وخصوصا بعد ظهور التيارات التنويرية والعصرانية التي تسوق أفكارها من خلال النص الشرعي. ومن أبرز ما يميز الخطاب السلفي أنه خطاب ذو منطلق إيماني تعبدي يربط كل مناحي الحياة بالعقيدة والإيمان والتعبد والخضوع لله سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو الأخلاق وسائر أحوال الاجتماع البشري بكافة صوره وأشكاله، وهذا هو منهج القرآن وآياته شاهدة بذلك. وإذا أراد المراقب إنصاف هذا الخطاب فإنه لن يتجاهل دوره في نشر العلم والثقافة والوعي السياسي قبل ظهور الانترنت والفضائيات وبعدها، ودوره في إحداث حركة فكرية وثقافية قوية في المجتمع، فقد شجع على الإطلاع والقراءة والنقد والاستقلال الفكري المرتبط بالنص الشرعي، ووضع منهجية شرعية في تفسير الأحداث وربطها بالعقيدة والسنن الكونية والإلهية.

стр. 692

وكان للخطاب الشرعي دور بارز في الجامعات والتشجيع على الدراسات العليا، ولو رجع الباحث المحايد إلى الجامعات السعودية وأراد أن يحدد بداية الثورة المعرفية والثقافية فيها، واتجاه الشباب لإكمال دراساتهم العليا وتابع بدايات هذا النشاط العلمي لوجد أن الخطاب السلفي هو الذي قاد الجامعات السعودية إلى ذلك، وعند النظر إلى الرصيد العلمي الهائل الذي تم في الأقسام الشرعية والعربية ونوعيته لوجد تراثا باذخا وفكرا نيرا، كما أن الأقسام الطبيعية بكافة أنواعها وتخصصاتها المعرفية توجه لها أتباع هذا الخطاب حتى أصبح يطلق البعض على كلية الطب في جامعة الملك سعود كلية الشريعة لكثرة المتدينين من أتباع هذا الخطاب فيها. بل إن هذه الجامعة التي أراد لها البعض أن تكون منبرا لنشر العلمانية كما كانت جامعة القاهرة أصبحت منبرا لهذا الخطاب في كافة التخصصات الأدبية والطبيعية المتنوعة. ولو أن البعض درس باستقلالية وإنصاف الدور الريادي للخطاب السلفي من خلال التعليم والجامعات لوجد نتائج مذهلة تحققت في فترة زمنية محدودة، ولم يكن لهم القرار بصورة مستقلة ولكنهم شاركوا في هذه الجهات وقاموا بعملية الإصلاح حسب المتاح والمقدور عليه. وقد كان الخطاب الشرعي هو المحرك الأساسي لمؤسسات المجتمع التطوعية، وحرك الناس في بذل أوقاتهم لخدمة المجتمع قربة إلى الله تعالى، فهذه أبرز المؤسسات الاغاثية والشبابية والاجتماعية والنسائية يقودها هذا الخطاب. ومن ايجابيات هذا الخطاب التركيز على أهم قضية في الفكر السياسي الإسلامي وهي قضية تحكيم الشريعة الإسلامية وبيَّن ارتباطها بأصل الدين والإيمان وأن تحكيم القانون الوضعي كفر بالله رب العالمين، وقضية تحكيم الشريعة هي أهم نقطة مركزية في الفكر السياسي الإسلامي (انظر مثلا فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم وابن باز والكتب المؤلفة في الحكم بغير ما أنزل الله ونواقض الإسلام والإيمان وغيرها) وكان لهذا الخطاب المبارك دور إصلاحي كبير في نشر التدين والتعبد والتقوى في صفوف الشباب وانتشال أعداد كبيرة من الشباب من الشهوات المحرمة والمخدرات والضياع وغياب الهدف وجعل لهم رسالة ورؤية يسعون لتحقيقها ابتغاء مرضاة الله تعالى، فتجد الشاب في عمر الزهور يخفق قلبه بمحبة الله وتعظيمه والشوق إليه وإبعاد النفس عن الشهوات والمغريات المحرمة، وتجد هؤلاء الشباب يحرصون على تعرف حال أمتهم لإنقاذها من تخلفها في عزيمة لا تجدها عند بقية الشباب الذين لم يستوعبهم هذا الخطاب لقلة الإمكانات وكثرة الاحتياج. إن المراقب صاحب النية الصادقة سوف يذهل للخدمات والتضحيات والبذل الرهيب الذي قدمه هذا الخطاب ولا يزال يقدمه خدمة لأمته في زمن ليس زمنهم، ولا هم قادته بل الأمر والقيادة بيد غيرهم. ولو نظرت إلى فترة أزمة الخليج في التسعينيات ودور هذا الخطاب في إحداث حركة الوعي السياسي والمطالبة بالحقوق العليا للأمة من منطلق إيماني تعبدي والتضحيات التي قدمت لعرفت الايجابية الكبرى التي أفاد بها هذا الخطاب أمته ودينه. وهكذا الحال في مجال الوعظ والنصح، والتربية، والقضاء، والفتيا، وتصحيح العلوم من شوائب الانحرافات التي لحقتها، وتمييز صحيح الحديث من سقيمه (دور الشيخ الألباني كان معلما معاصرا بارزا في هذا المجال)،والمشاركة في الجهاد الصحيح ودعمه، وإحياء روح الإباء والاستبسال في الأمة، وعدم الخضوع للمستعمر.

стр. 693

وقد حذر علماء هذا الخطاب من فتنة العصرنة قبل ظهورها على المستوى المحلي بفترة طويلة من خلال تضمين نقد أفكارها في الرسائل الجامعية في مسائل الولاء والبراء والجهاد والإرجاء المعاصر والعلاقة مع الكفار والمذاهب الفكرية، والموقف من الفرق، ومفاهيم التجديد والتطوير وغيرها (يمكن الرجوع مثلا إلى بحوث العلمانية للحوالي، والولاء والبراء للقحطاني، وأهمية الجهاد للعلياني، والثبات والشمول للسفياني وغيرها كثير جدا, وهي كتب مطبوعة ومتداولة على أوسع نطاق)، وكذلك حذروا من هذه الفتنة من خلال دروس ومحاضرات كثيرة من أبرزها محاضرة الشيخ سفر الحوالي شافاه الله وعافاه: العلمانية في طورها الجديد، التي ذكر فها جملة كبيرة من الأفكار العلمانية لدى بعض الإسلاميين التنويريين: إما بسبب التخليط في مصادر التلقي والاستدلال أو بسبب روح الهزيمة التي تحصل لبعض النفوس الضعيفة أمام الآخر!! وقراءة هذا الإنتاج الضخم (كتب ومقالات ومحاضرات ودروس وخطب ومجلات وبيانات وفعاليات مختلفة .... ) وتحليل أجزائه وآثاره يحتاج إلى جهد كبير وعمل طويل، وفيه جوانب في غاية الإشراق والوضاءة فضلا عن الأحداث والمواقف والحركة الاجتماعية التي هي أكبر وأغزر. إن الإحصاء والاستقصاء للدور الايجابي لهذا الخطاب متعذر في مقالة مختصرة، ولكن من فكّر بنفس نظيفة هادئة مستقرة فإنه سيجد أضعاف ما تمت الإشارة إليه، والهدف إثارة التفكير في الموضوع والعناية به. ومن الطبيعي أن يوجد في أي عمل بشري أخطاء وقصور لكن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ولم يؤثر فيه، ولا ينبغي أن يكون النقد هو الهاجس الوحيد مع الإعراض التام عن ايجابيات الفكر السلفي المعاصر التي هي بكل تأكيد أكثر وارسخ وهي الأصل الأصيل فيه، وأن الخطأ عند وجوده إنما يكون في الأفراد وليس في المجموع. ويؤسفني جدا عندما أرى شبابا ممن يعتبرون أنفسهم من أهل هذا الخطاب ديدنهم ذكر المثالب والعيوب والنقد الدائم لمؤسساته وشيوخه وأفكاره مع ميل للطوائف والتيارات الفكرية المناوئة له، إن هذه النفسية التي تجعل من هؤلاء الإخوة يلتمسون المعاذير ويتفهمون لهذه الطوائف والتيارات أقوالهم ومواقفهم في الوقت الذي جعلوا من نقد الخطاب السلفي مشروعا لهم دون أي إشارة تذكر للايجابيات، هذه النفسية تدل على هوى متبع خفي يلبس لبوس النصح وإرادة الإصلاح، وتدعي أن النقد موجه إلى الخطاب وليس للمنهج مع أن المآل يوصل إلى نقد المنهج متذرعا بان المقصود هو الخطاب الزمني وليس المنهج المحكم الثابت. إنني أتفهم أن يقوم طالب علم شرعي يعرف لإخوانه حقوقهم ويدافع عنهم، ويواجه الطوائف والتيارات الفكرية بما عندهم من الباطل ثم يقوم بتقويم خطأ وتسديد ثغرة وتصويب قول أو موقف فهذا بلا ريب أن دافعه النصيحة الواجبة. ولكنني لا يمكن أن أفهم من يصادق ويصاحب ويصافي إتباع التيارات الفكرية ويتلمس الأعذار ويجد نفرة وعدم ارتياح لإخوانه من دعاة أهل السنة والجماعة ومع ذلك يقول أنني أريد النصح والتقويم عندما أنتقد الخطاب السلفي!! هذا الركام والضجيج النقدي للخطاب السلفي لا ينبغي أن يشغل شيوخه وشبابه عن رسالتهم الربانية وهي تعبيد الناس لرب العالمين ونشر الدعوة والإصلاح في كل مكان، والاشتغال بالنافع من الأفكار وعدم الإصغاء للأفكار السلبية التشكيكية التي يرددها نقاد هذا الخطاب.

стр. 694

لقد انشغل بعض طلاب العلم بالتفكير في هذه السلبيات التي يتم طرحها على الخطاب السلفي وصدقها البعض الآخر دون روية، وكان الأولى الاشتغال بالدعوة والإصلاح والعلم النافع فهو أجدى وانفع، وهذا لا يعني قبول الأخطاء والسكوت عنها لكنه يعني أن هذه الدعاوى لم تقم على أساس صحيح بل قامت لمشاغلة المصلحين عن رسالتهم الأساسية. ولهذا يلاحظ أن المشككين في ايجابيات الخطاب السلفي تضيق صدورهم عند إبرازها والتذكير بها، ويحاولون تشويه هذه الايجابيات بدعوى أننا بحاجة لإصلاح الأخطاء وليس لمدح النفس، أو بدعوى أن ذكر الايجابيات سوف ينسينا معرفة الإشكاليات لمعالجتها، وهي دعاوى ساقطة لان ذكر الايجابيات محفز ومشجع على المضي فيها، ولا يلزم منه تناسي الخطأ وتصويبه، ولا أعرف أحدا من شيوخ هذا الخطاب ادعى العصمة لكلامه أو لبعض شيوخه، ولكن العصمة للنصوص الشرعية وللإجماع. ومن ظن أن الدفاع عن العلماء والدعوة ضد الهجوم الجائر الظالم سوف ينسينا التصويب والتصحيح فهو واهم في أحسن الأحوال، فالدفاع هنا هو أمام ظلم وعدوان وكذب وافتراء لا يجوز السكوت عليه بأي حال من الأحوال. ولا أشك أن الممارسات التي تتم في نقد الخطاب السلفي الموجودة الآن هي ممارسات سلبية تحطيمية أكثر منها ممارسات ناصحة مشفقة، فالنصيحة لها أسلوبها وطريقتها والتحطيم له أسلوبه وطريقته، وعندما يصدر هذا النقد السلبي من خصم لدود سواء من الفرق أو التيارات الفكرية فإن هذا طبيعي من خصم حاقد أغاظه ظهور السنة وأهلها، ولكن المأساة عندما يصدر من إخوة من ذات الخطاب أثرت فيهم الأجواء الموبوءة فأصبحوا يرفقون بالفرق والطوائف الفكرية تحت دعوى التسامح والتوافق على المشتركات في الوقت الذي يمارسون الردح والنقد الدائم المستمر للخطاب السلفي، وكأنه لا توجد مشتركات ولا تسامح معه!!. وهذا يؤكد أن هناك تأثرات ولوثات فكرية أصابت بعض المنتسبين لهذا الخطاب بدرجات متفاوتة، وقد كان الواجب عليهم أن يراجعوا أنفسهم وينقدوها ويصححوا ما أصابها من خلل قبل الحديث عن نقد الخطاب السلفي، لأن العليل الذي يعجز عن علاج نفسه سيكون أكثر عجزا عن إصلاح غيره، فعندما ترى شابا بدت تظهر عليه علامات التغير في تدينه فأصبح يمارس المحرمات ويتساهل في أداء الواجبات، ويتقرب إلى التيارات الفكرية والفرق الضالة، ويتعب نفسه في المقاربات والتماس ايجابياتها بحجة أن الصواب نقبله مهما كان قائله، ثم تجده ناقدا دائما للخطاب السلفي إلى درجة أنه يمكن أن تتوقع موقفه من أي حدث يخص الخطاب السلفي قبل إبداء رأيه فيه لأنه أصبح يسير على نسق وقاعدة فكرية نقدية للخطاب السلفي ... ثم بعد هذا كله يزعم أنه يريد التجديد داخل الخطاب السلفي، عندما ترى ذلك تدرك دون عناء أن المسألة ليس مجرد تصحيح للأخطاء، فهذا تسطيح للموضوع واختزال لعمق المشكلة، وهروب من مواجهتها ومعرفة مخاطرها ونتائجها السلبية. بالله عليكم هل هذه هي صفة المجددين؟ وهل هذا أسلوبهم ومنهجهم؟ وهل ما يقوم به هؤلاء تجديد أم هدم وتحطيم؟ وهل من التجديد النقد المستمر للخطاب السلفي وترك الفرق والتيارات الفكرية، والحياد أمام مشاريعها وأطروحاتها؟ إنني أطالب هذه المجموعة من الإخوة الكرام بمراجعة الذات ونقدها وتصحيح ما أصابها، والتفكير الهادئ الصادق للمنهجية التي هم عليها، والنظرة الكلية للحالة التي وصلوا إليها فإن هذا أكثر نفعا من الاشتغال بالغير، وقولي هذا هو إشفاق وحدب ونصح لإخواني فإن التمادي في هذا الحال سوف تكون عواقبه وخيمة، وقد بدت نذرها في بعض الآراء والأفكار الغريبة. إن الحديث الدائم عن نقد الخطاب السلفي من فئة لا تعمل على نشره، ولا تدافع عنه أمام خصومه وأعدائه، وتظهر دائما الحياد في معركة المسلمين مع المنافقين، هو حديث البطالين الفارغين الذين تركوا الجهاد ومنازلة التيارات الفكرية المفسدة لعقائد المسلمين واشتغلوا بالكلام السلبي. إنني أعلم أنه سيخرج لي من يعطيني الموشحات الطويلة في فائدة العقلية النقدية المتسائلة، أو يفهم كلامي على أنني ضد النقد بالمطلق، وينسى كل ما تقدم ذكره في أن العصمة تكون للنصوص والإجماع وليس للأفراد، وأنني أتكلم عن حالة احترفت النقد ولها سمات معينة يمكن اكتشافها من خلال متابعة بسيطة للساحة الفكرية. على أية حال فنحن بحاجة إلى إبراز الايجابيات في الخطاب السلفي لإعادة الثقة في النفوس التي استسلمت للنقد الجائر مما جعل البعض محبطا أو مذبذبا او حائرا مما يسمعه ويراه، ولو رجع إلى الواقع لوجد خيرا عميما وكبيرا أحدثه هذا الخطاب المبارك في المجتمع على أصعدة متعددة. المصدر: شبكة القلم الفكرية

стр. 695

في إعمار دارفور .. نزرع ويحصد غيرنا ! يسعد المسلم عموماً كلما بلغته خبر عن ملف شائك في حاضره يوشك أن يغلق، أو أزمة قد تؤدي إلى فساد التفكيك أو غيره من الأضرار المتوقعة في أي بقعة من حوضهم الإسلامي الرحيب تمضي في طريقها إلى الزوال. وتكون السعادة حقيقية متى كان الحل لتلك الأزمة من داخل البيت الإسلامي، وتساوره الشكوك حين تصبح مفاتيح الحلول بيد "دولية"، لاسيما إذا كانت دول معروفة بعدائها للعالم الإسلامي في مقدمة الباحثين عن "الحل" لمشكلة إسلامية خاصة. في المشكلة اليمنية هذا العام، كانت لندن حاضنة لمؤتمر يخص تنميتها الاقتصادية للحؤول دون انفلات الوضع فيها، أو هكذا كان الأمر معلناً، وصارت تعهدات بتدفقات مالية ضخمة تصرف من أجل منع الإرهاب، استناداً إلى فكرة تتعلق بكون الفقر إحدى المناخات المهيئة لنمو الإرهاب، وفي المشكلة الأفغانية التي أوجدها الاحتلال الغربي منذ ما يقارب عشر سنوات، أصبحت قضية "الإعمار" لافتة تجري من تحتها كل آليات التغريب، وفي الصومال، كانت عملية "إعادة الأمل" أوائل التسعينات عنواناً للتدخل الغربي، وهلم جرا. اللافت في كل هذا أن ما يُسمى بالإعمار لم يكن إلا خادماً لمخططات الهيمنة والتغريب، أو على الأقل إخراج هذا البلد أو ذاك من دائرة التهديد للمصالح الغربية إن لم يكن في وارد الاستيلاء على ثرواته المخبوءة بعد إفقاره المتعمد من قبل في الجانب الظاهر من تلك الثروات، واللافت أكثر أن الغرب جد بخيل فيما يتعلق بتلك الإمدادات المالية. وإن تعهد بتمويل الإعمار إلى جانب دول أخرى؛ فإنه لا يوفي، وإن أوفى فببعض النزر القليل الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. الأخطر في المشكلة ليس في ذلك فحسب، بل في أنه عادة ما يكون قاطرة يجر دولاً إسلامية وعربية لتمويل بعض المشروعات في مناطق صراعاته أو تطلعاته، ثم لا نجده معهم إلا قتوراً!! وإذ نعتقد جازمين أن مشكلة بسيطة كدارفور انفجرت بسبب تحريش غربي، وبيئة مهيئة للصراع بين الأعراق على مناطق الرعي والزراعة وما إلى ذلك - إلى جانب أمور أخرى يمكن حلها بهدوء - قد كان بوسع الدول الإسلامية الثرية أن تحلها بما يوازي ما تنفقه في دورة رياضية أو عيد استقلال وما شابه ذلك؛ فإن من حقنا أن نتساءل ونحن نرى تعهدات محمودة من أجل إعمار دارفور، ألم يكُ ممكناً أن يتم ذلك دون تدخل أجنبي بخيل، وفي داخل البيت الإسلامي والعربي الدافئ؟! نعود للتأكيد بأن تلقي منظمة المؤتمر الإسلامي لتعهدات إسلامية وعربية بقيمة تبلغ نحو ٨٥٠ مليون دولار لإعمار دارفور هو أمر يبهج كل مسلم راغب في اندمال هذا الجرح، وجهد مشكور قامت به إلى جانب المنظمة تركيا ومصر، كما أن رغبة قطر في وصول هذا المبلغ إلى ملياري دولار مطمح جيد، لكننا مع ذلك نقول بعد أن عدم تعهد دول من بينها الولايات المتحدة وكندا والنرويج وبريطانيا في الاجتماع بتقديم أموال، قائلة أن "المنطقة ليست آمنة بما يكفي للقيام بالأعمال المقترحة"، هو مما يبرهن على عدم جدية الدول الغربية في تمويل الإعمار في مناطق تنبعث اضطراباتها في الأساس من أزمات اقتصادية، ويدعونا إلى مطالبة الدول الإسلامية والعربية بإعادة تقييم مواقفها السياسية التي تزرع فيها ويحصد غيرها، وأن تبوأ مكانتها الطبيعية في حل مشاكل العالم الإسلامي، وتفرغ المخططات المستهدفة لها من مبرراتها، وتسحب الأوراق من أيدي خصومها. المصدر: موقع المسلم

стр. 696

نقد الخطاب السلفي ... وغياب القيم سلطان بن عبد الرحمن العميري الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فمن الظواهر الفكرية البينة في ساحتنا المعاصرة: التوجه إلى نقد الخطاب السلفي، وتقييم تجربته في قيادة المجتمع فقد توالت من هنا وهناك كتابات عديدة تقصد إلى فحص ذلك الخطاب، وتحديد ما تلبس به من أخطاء معرفية ومنهجية في تصور الناقدين حتى غدا الخطاب السلفي متهما بقائمة طويلة من التهم يصعب على المرء متابعتها فضلا عن البحث في تحديد قيمتها المعرفية والواقعية. وقبل أن نلج في تفاصيل ما يتعلق بتلك الموجة الناقدة لا بد لنا أن نعطي تعريفًا مختصرًا للخطاب السلفي ونحن نقصد به هنا الخطاب الذي يعتمد على الانطلاق من الكتاب والسنة، ويقوم على مركزية اعتبار فهم السلف الصالح في التعاطي مع القضايا الدينية ويبني مواقفه على ما تقتضيه تلك المنطلقات ويكون المقابل للخطاب السلفي بهذا التصور كل خطاب لا يجعل الكتاب والسنة وفهم السلف منطلقًا أوليًّا له كالخطاب الاعتزالي والأشعري والصوفي والشيعي والعصراني فضلا عمن جعل العقلانية الغربية منطلقا له. وقد اتسمت الانتقادات الموجهة إلى الخطاب السلفي بتنوع ظاهر في مسميات من تستهدفه بالاحتجاج عليه فتارة يوجه النقد إلى الصحوة الإسلامية وتارة يوجه إلى الخطاب السلفي مباشرة وتارة يوسع التوجه فيكون شاملا للاتجاه الشرعي بجملته ومحصل تلك المسميات راجع فيما يخص الحالة الداخلية إلى الخطاب السلفي؛ لأنه الخطاب الأصل الذي قامت عليه الصحوة المعاصرة وهو الذي يمثل الاتجاه الشرعي المتعمد فيها. كما اتسمت بسمة أخرى وهي تنوع الممارسين لها فقد اشترك في توجيه التهم طوائف عديدة مختلفة في اهتماماتها واجتهاداتها من ثم مقاصدها. فمن الحقائق الواقعية التي يجب علينا التسليم بها، وعدم التنكر لها أو التعالي عليها: أن المنتقدين للخطاب السلفي ليسوا سواءً بل هم متنوعون تنوعات تصل إلى درجة التنافر والتناقض أحيانا ويمكن أن نصنفهم إلى صنفين: الصنف الأول: من ينقد من الخارج فلا شك أن عددًا من المشاركين في الاحتجاج على الخطاب السلفي ليسوا من المتبنين إليه وإنما هم ينطلقون من مناهج أخرى يسيرون في مجالها وهؤلاء أيضا منقسمون فمنهم من ينتمي إلى خطابات شرعية لها أصولها الدينية والعلمية المعروفة ومنهم من ينتمي إلى خطابات مادية لها أصولها الفلسفية المعروفة. الصنف الثاني: من ينقد من الداخل بمعنى أنه مسلم بصحة الأصول التي قامت عليها المدرسة السلفية ومتبن لها في الجملة فمن البين أن عددًا من أبناء الخطاب السلفي ممن تربى في أحضانه بدا له مواطن في خطابه تحتاج إلى مراجعة النظر فيها وتستلزم التقويم والتصحيح وهؤلاء الأتباع ليسوا سواءً فإذا شئنا أن نوغل قليلا في فحصهم فإنه يمكن لنا أن نقف في الواقع على تنوعات عديدة فيهم فمنهم من يظهر في سبب نقده التسليم لضغوط الواقع وتغيراته أو التأثر بأطروحات فكرية خارجية أو داخلية ومنهم من لم يكن من هذا النوع ولا ذاك، وإنما ينطلق في نقده من محض البحث عن الحقيقة، وضرورة التسليم بها ووجوب النصح للمنهج والحرص على بلوغ النموذج الأمثل.

стр. 697

ولا بد لنا أن نفرق بوضوح بين تلك التنوعات فمن المتحتم أن نفرق بين الناقد من الداخل، وبين الناقد من الخارج، وبين الناقد المناوئ، وبين الناقد المحب الصادق ولو كان من الخارج وبين الناقد الباحث عن الحقيقة والناقد الهاوي التابع للموضة فليس كل من نقد الخطاب السلفي يلزم بالضرورة أن يكون مناوئا أو معاديًا أو حاسدًا أو عميلا أو خارجًا عن الخطاب أو متأثرًا بالمعادي أو مستسلمًا لضغوط الواقع أو قليل الديانة أو له مقاصد ومآرب خفية فهذه المعاني ليست ملازمة لكل نقد موجَّه إلى الخطاب السلفي. وإذا كان الأمر كذلك فإنه ليس عدلاً ولا حقًّا أن نأتي إلى كل من مارس النقد للخطاب السلفي، ونجمعهم في سلة واحدة، ونحشرهم في خندق واحد ونصدر عليهم أحكامًا متَّحدة أو حتى متقاربة. وحين نقرر هذا الكلام لا نريد أن نصل إلى نفي أن يكون في قائمة النقاد من هو حاقد على الخطاب السلفي، أو مناوئ له، أو من يريد تصفية حسابات سابقة ولا نريد أن ننفي وجود من لديه مشكلة مع النص الشرعي نفسه ولكن غاية ما نربوا إليه الوصول إلى رؤية واضحة في التفريق بين أصناف المحتجين على الخطاب السلفي. ومن السمات التي اتسمت بها ظاهرة النقد للخطاب السلفي: التنوع في مجالات النقد والتعدد في موضوعات الاحتجاج فقد توسعت ساحة النقد حتى شملت قطاعات واسعة من الأفكار التي يتبناها الخطاب السلفي فاندرج في قائمة التهم مسائل عقدية وفقهية وأصولية وسلوكية وتربوية وسياسية واجتماعية وغيرها. وقد أثارت تلك الموجة النقادة حراكًا فكريًّا عارمًا في الساحة الداخلية أدت إلى ترتيب الصفوف، وتجميع المشجعين، وحدوث معارك صاخبة لا تسمع فيها إلا الضجيج حتى إن بعض المتابعين من الخارج وصف تلك الحالة بالمراهقة الفكرية وتناولت أقلام عديدة تلك الظاهرة بالتحليل والتفكيك، وخاضت فيها من جهات متنوعة: من جهة البحث في أسبابها وعللها ومن جهة تحديد أصناف الممارسين لذلك النقد وتحديد هويتهم ومن جهة الموقف من تَقَبّل ما وجِّه من احتجاج وبيان قيمته المعرفية ومن جهة استشراف مآلات وأبعاد ذلك النقد. والمراقب المنصف يدرك بوضوح أن قدرًا كبيرًا من تلك الخطابات الناقدة تعاني من غياب الانطلاق من القيم المنهجية التي تبنى عليها الاحتجاجات البناءة فالمطالع يدرك أنه غاب عنها البحث في الأسئلة المركزية التي تسهم في بيان القيم التي يجب مراعاتها في تقييم المشاريع المعرفية والعلمية والسلوكية وتسهم في الوصول إلى الحالة الفكرية المشرقة فلم يعد للأسس المنهجية التي يقوم عليها النقد الموضوعي تأثيرها في تلك الموجة النقدية فهي بالتالي تعاني من فقدان البنية التحتية التي تقام عليها المنهجيات النقدية البناءة. وحين نقرر أن الخطابات الناقدة تعاني من أزمة غياب القيم لا يعني هذا تبرئة ساحة الخطاب السلفي من التلبس بالآفة فلا شك أن أصواتاً عديدة من الأصوات المعبرة عن الخطاب السلفي والمدافعة عنه تعاني بالفعل من أزمة غياب القيم فقد اشتركت تلك الأصوات مع الخطابات الأخرى في جريمة التعدي على قيم الحوار والنقاش ومع هذا فالبحث لا يقصد إلى الموازنة بين تلك الخطابات المتعددة وإنما يقصد إلى رفع الظلم عن الخطاب السلفي بالخصوص، وتسليط الأضواء على مواطن الخلل في الخطابات المحتجة عليه وهو- في تصوري- حق مشروع تقر به منهجية كتابة البحوث والمقالات. العدل بوصفه القيمة الأم:

стр. 698

لا يكاد يتنازع اثنان في أن القيمة الكبرى التي تقوم عليها منهجيات البحث والمناظرة والتعاطي مع مقالات الناس وتصرفاتهم -تقييما ووصفا ومدحا وقدحا- ترجع إلى قيمة العدل فهذه القيمة - بلا شك- معتبرة في كل شيء فالعدل نظام كل حدث في هذا الوجود وهي قيمة أصيلة في الشرع المطهر فالكتاب والعدل متلازمان وقد كرر ربنا الأمر بها والتأكيد عليها، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ... ) وقد بلغ من تجذر هذه القيمة في الشريعة أن جاء الأمر بها حتى مع المخالفين لنا في أصل الدين كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فالمسلم مأمور بالعدل في كل شيء، ومع كل أحد وكلما ازداد المسلم امتثالا لهذه القيمة الشرعية ازداد عبادة لله تعالى، وقربا منه سبحانه وكلما انتقص منها افتقد عبادة من أشرف العبادات وكم في النصوص الشرعية من تأكيد على هذه القيمة وكم لعلماء الإسلام من بيان لفضلها وشرف منزلتها فالله سبحانه يحب الاتصاف بها وهي من أفضل الحُلل التي يتحلى بها المسلم خصوصا إذا نصب نفسه حاكمًا على مقالات الناس وأديانهم وأفكارهم فإن الحكم بين الناس في مقالاتهم أعظم من الحكم بينهم في شؤون دنياهم. فهذه المؤكدات تستوجب على الناقد المسلم أن يبذل جهده الواسع في الاستمساك بقيمة العدل وعدم الخروج عنها؛ لأنه بذلك يتعبد الله تعالى بعبادة من أجل العبادات وهو بذلك يحقق أصلا كبيرًا من الأصول التي تقوم عليها المنهجيات الفكرية البناءة التي توصل إلى الغد المشرق الذي يحقق للناس استقرارهم الفكري والديني والعملي. ومن مؤكدات الاستمساك بهذه القيمة ما نسمعه صباح مساء من الخطابات المتنوعة المهتمة بنقد الخطاب السلفي في تبرير نقدهم: أن المستوى المعرفي للناس لم يعد كما كان من قبل، وأن إدراكهم للأمور ارتقى بمراحل عما كان عليه فهذا الوعي والارتقاء لدى الناس يستلزم أيضا الإتقان العلمي والانضباط المعرفي والاتساق المنهجي في سجالاتنا الفكرية ويوجب علينا احترام منهجيات النقد وأصول الحوار الصحيح وإلا غدونا في محرقة التناقض الفكري التي لا نتكسب منها إلا الاختناقات والضبابية. وإن المسلم الحريص على الالتزام بالقيم المنهجية التي جاءت الشريعة بالدعوة إليها وتأكيد منزلتها والحريص أيضا على أن يبدو بمظهر الملتزم بأصول المنهج الراقي ليعتريه الحزن على ما يشهده من خفوت الالتزام بمستلزمات قيمة العدل بل واختفائها أحيانا كثيرة في قدر من الخطابات المحتجة على الخطاب السلفي. وهذا الغياب له مظاهر عديدة من أبينها: المظهر الأول: انعدام المطابقة: فالعدل يستلزم بالضرورة ألا ينسب المرء شيئا إلى من يحتج عليه إلا إذا كان متأكدًا من مطابقة ما ينتقده لحال المنقود وإلا وقع في الخلل المنهجي فضلا عن وقوعه في مستنقعات الظلم المحرم وقد عانى الخطاب السلفي من هذا الظلم كثيرًا فكم نسبت إليه من مقالة بصورة ليست على الصورة التي يقولها وكم أضيف إليه من قول ليس موافقا لقوله فإنك تجد في قائمة التهم أن الخطاب السلفي يشرع الاستبداد السياسي ويدافع عنه وتكتشف أن هذا القول ليس على ما صُور وتقف فيها على أن الخطاب السلفي يجرم دراسة العلوم الخارجة عن دائرة العلوم الشرعية وتكتشف غير ذلك

стр. 699

وتجد فيها أن الشغل الشاغل للخطاب السلفي هو مسائل الصفات وبدع القبور والموالد وتكتشف أن الأمر ليس كذلك وتقف فيها على أن الخطاب السلفي منشغل بالجزئيات التاريخية على حساب القضايا الواقعية التي تهم الأمة وتكتشف غير ذلك ويبرز لناظريك أن الخطاب السلفي محارب للعقل ومعاد للتجديد وتكتشف غير ذلك وتجد فيها أن الخطاب السلفي معادِ لطائفة من العلماء ممن ليس داخلا في نطاقه وتكتشف غير ذلك وتجد فيها أن الخطاب السلفي يحرم كل نوع من الاختلاط وتكتشف أن تحريمهم متعلق بأنواع مخصوصة والقائمة التي من هذا النوع طويلة جدا. والعدل يستلزم كذلك الاعتدال في مقدار الحكم الذي يُوجه إلى المنقود بحيث تكون صورة الحكم متطابقة مع مقدار ما يراه خطأ فلا يزيد عليه ولا ينقص ولكننا نفاجأ بأن الأحكام الموجهة إلى الخطاب السلفي أكبر بكثير مما يذكر من خلل فتجد أحدهم يسرد ما يراه خللا في الخطاب السلفي، ثم يصدر حكمه الجائر فيقول: إنه هو الذي أضاع الأمة، أو أنه هو الذي كرس المشروع الأمريكي في المنطقة، أو أنه سيؤدي لا محالة إلى نتائج كارثية أو أنه هو الذي عرقل تطور الأمة وكان حجر عثرة في طريق تقدمها أو أنه هو الذي أضاع حقوق الناس، وساعد على تكريس الظلم أو أنه هو الذي تنكر للحوار مع الآخر ولم يحترم قوله أو أنه هو الذي أحدث التأزم في المجمع وإذا ما طالعت ما اعتمد عليه في أحكامه تلك تجده لا يخرج عن دائرة المبالغة في التوصيف والتعدي في الحكم!. المظهر الثاني: غياب استصحاب " الموازنة الشعورية ": ليس خافيا أن من الأصول الكبيرة التي يقوم عليها النقد العادل لأفكار الناس وأحوالهم استصحاب الناقد للموازنات بين الأمور المؤثرة في تحديد قيمة الأقوال والمشاريع. وهذا أصل عظيم استعمله القرآن في مواطن عديدة كمثل قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤديه إليك .... ) وكقوله تعالى: (ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ... ). وليس المقصود بهذا الأصل وجوب التلازم الذكري بين المحاسن والمساوئ في كل سياق فليس المراد منه أن يلتزم المرء بذكر إنجازات من ينقده في كل نقد يوجه إليه فهذا المعنى ليس مرادًا وليس هو طريقة القرآن فالقرآن كثيرًا ما يوجه النقد إلى المخالفين من غير أن يشير إلى شيء من محاسنهم. وإنما المراد بذلك الأصل الاستصحاب الشعوري الذي يستوجب اعتبار حال المنقود، وعدم الغفلة عما قدمه من إنجازات واتصف به من صفات حميدة، وما بذله من جهود صالحة فهذا الشعور يجب أن يستصحبه المسلم في كل ممارسة نقدية لكل أحد. فهناك إذن فرق بين التلازم الذكري بين المحاسن والمساوئ واستشعار ذلك التلازم فالأول لا يجب في كل حال وإنما هو خاضع للمصالح والمفاسد وأما الثاني فإنه يجب في كل حال ومع كل أحد. وإذا عاش المسلم ذلك الشعور في نقده فإنه لا محالة سيؤثر في لغته التي يعبر بها عما يراه خطأ، وفي طريقته لبيان نقده وفي كيفية إظهاره وفي مستوى تفعيله له وفي مقدار الحكم الذي يصدره على من ينقده وفي حفظه لحقوقه ومنزلته.

стр. 700

وقد بدأ نفس الموازنة في عدد من الكتابات الناقدة للخطاب السلفي بوضوح فتراه يعترف ابتداء بأنه قدم للأمة الشيء الكثير من المنجزات ولكن الناظر في قدر آخر من الممارسات النقدية الموجه إلى الخطاب السلفي يلحظ فيها غياب ذلك الاستشعار للموازنات فيخيل إليه حين يطالع النقد الموجه إلى الخطاب السلفي أن هذا الخطاب لم يعمل خيرًا قط وكأنه لم يقدم أي إنجاز للأمة في المجال الفكري أو العلمي أو السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو التربوي أو السلوكي ويخيل إليه أيضا أن الخطاب السلفي هو الخطاب المتخلف فقط وأنه هو الذي يعاني من الخلل الفكري وكأن الخطابات الأخرى المتدافعة معه لا تعاني مما يعاني منه أو أكثر وكأنها استطاعت أن تقدم للأمة حلولا تخرجها من الأزمة التي تعاني منها! والمراقب العادل إذا أراد أن يتماشى مع المنهج القرآني في الموازنة فإنه سيتجلى أمام ناظريه أن إنجازات الخطاب السلفي أكبر - من حيث عمقها في المجتمع وتنوعها وأثرها - بكثير مما ينتقد عليه ويدرك بوضوح أن هذا الخطاب يمتلك مواصفات واقعية تؤهله - إن أحسن استثمارها- للخروج من الأزمة الخانقة بنجاح ومن أدلة ذلك: قوة المستند وحيوية الأصول التي يقوم عليها وسعة الانتشار والتنوع المعرفي الذي يتمتع به والاندراج في العمل المؤسسي ومراكز البحث بصورة مكثفة وما غدا يتمتع به من توسع في دوائر الاتصال بالمجتمع على اختلاف طبقاته وما يمارسه من تفاعل مع مجريات الواقع وتطوراته ومستجداتها -الإعلامية خاصة - وباحترافية في عدد من المجالات. المظهر الثالث: عدم مراعاة مقدار الأزمة: لم تتفق آراء الباحثين العرب على شيء اتفاقها على أن الواقع العربي والإسلامي يعاني من أزمة حادة مستعصية على الحلول وهذه الأزمة مكتسحة لكل المجالات تقريبا - المجال الفكري والسياسي والاقتصادي وغيرها- وهي بطبيعة الحال تختلف في الحدة من بلد إلى آخر. وقد أدى إلى حدوثها أسباب عديدة لعل من أفتكها: ١ - التخلف السابق: فالعالم الإسلامي عاش في القرنين الماضيين أنواعا من التخلفات وقد كان لها أبعاد واسعة على واقعنا المعاصر فالأمة الإسلامية لم تتعاف من ذلك التخلف بعد وهي تحتاج إلى عقود لتتخلص من رواسبه. ٢ - التغير المذهل في مجريات الواقع: فواقعنا المعاصر فاجأ العالم بالتغيرات المذهلة التي وقعت فيه فقد تغيرت القوى المؤثرة في القرار وتغيرت تبعا لذلك مناطق الضغط السياسي والاقتصادي واتسم كذلك بضخامة الاكتشافات العلمية التي غيرت من وجه الأرض وأحدثت معها إشكاليات دينية ومعرفية وفكرية كثيرة وازداد واقعنا تركيبا وتعقيدا وازداد سرعة في التغير والحدوث. وقد تجاوزت آثار تلك الأزمة إلى مجالات عديدة متعلقة بحياة الإنسان كالمجال السياسي والمجال الاقتصادي والمجال الفكري والشرعي ويتجلى أظهر آثارها على القضايا الفكرية والشرعية في الأمور التالية: ١ - غياب التأصيل الشرعي والفكري الكافي عن عدد من نوازل العصر- خاصة السياسية والاقتصادية - فبناءً على التتابع السريع بين مجريات الواقع وكثرة الترابطات بين الأحداث غدا من الصعب جدا تتبع كل جزئيات المسائل بالبحث المؤصل وغدا من الصعب أيضا على كثير من المفكرين وطلبة العلم أن يكوّن الملكة العلمية التي تؤهله لخوص البحث في تلك النوازل بحيث يخرج فيها بصورة ناضجة وهذا ما يفسر لنا الإحجام عن الإقدام على بحث تلك المسائل فنتج بذلك بلا شك فقدان التأصيل الواضح لبعض تلك النوازل أو ضعفه في بعضها.

стр. 701

ولما لم يراع عدد من الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة وما أحدثته تداعياتها أخذ ينتقده بأنه أهمل مسائل كثيرة من البحث المؤصل الكافي والخروج فيها برؤية ناضجة وهذا في حقيقة الأمر غفلة بل تعالٍ على طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي بكل أطيافه فالأزمة لم تدع مجالا لمتابعة ما يضخه العالم الحديث من إشكالياته المتنوعة. ٢ - كثرة الخلافات والتشققات فالمتابع لقدر من الإشكاليات التي ارتبطت بهذا العصر يلحظ أنها اتسمت بالاشتباه والتعقيد والغموض وهذه الأوصاف تؤدي عادة -متى ما توفرت في قضية ما- إلى حدوث الخلاف بين الخائضين في حلها. ولما لم يراع بعض الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة أخذ يحكم على الخطاب السلفي - بله الشرعي كله- بأنه يعاني من التشرذم والانشقاق نتيجة اختلاف مواقفه في قدر من نوازل العصر وهذا في الحقيقة غفلة عن طبيعة القضايا التي أحدثها عصرنا الحاضر فليس من المستغرب أن يختلف السلفيون في المسائل الغامضة والشائكة؛ فهم مختلفون بالضرورة في مقدار استيعابهم وقوتهم العلمية والإدراكية. ٣ - التنوع في المواقف؛ ففي عالم سريع التغير والتبدل في مظاهر منتجاته الحضارية وأشكالها فإنه لا محالة ستنصهر فيه المواقف الثابتة وهو بلا شك ما تقتضيه الحكمة والعقل فضلا عن الشرع فليس صحيحا أن يبقى المرء على رأي اتخذه من منتج حضاري ما ويتصلب عليه مع أن هذا المنتج قد تشكل تشكلات أخرى مختلفة اختلافات مؤثرة عما كان عليه في صورته الأولى. ولكن بعض نقاد الخطاب السلفي يأبى اعتبار هذه الحقيقة ويأخذ في التشغيب بأن الخطاب السلفي تناقضت مواقفه في عدد من المنتجات الحضارية والمثال الذي يمكن أن يكوّن صورة مقاربة لما نحن فيه: الموقف من (الدش) فبدل ما كان يحرم الدش ويصدر الفتاوى في التحذير منه غدا رواد الخطاب السلفي يتهافتون على اقتنائه، أو غدوا مسالمين له على الأقل وهذا في الحقيقة تعالٍ على الواقع، وتغافل عن التطورات التي حدثت في موضوع البحث فالموضوع الذي وقع فيه التنوع في المواقف لم يعد في صورته كما كان عليه في أول خروجه وإنما حصلت فيه تغيرات كبيرة أدت بالضرورة إلى أن يغير بعض الخطاب السلفي موقفه منه ولكن بدل أن يكون هذا تفاعلاً ممدوحًا مع الواقع وتفهما له أضحى تناقضا ودليلا على ضبابية المواقف في بعض النقاد!!. المظهر الرابع: عدم مراعاة التنوعات المؤثرة: لا شك أن كل خطاب معرفي أو سلوكي لا بد أن يرضخ تحت وطأة التنوعات التي تؤثر في تحديد المواقف المتخذَة من قبل أتباعه وكلما ازداد الخطاب اتساعًا وشيوعًا في المجتمع ازدادت تلك التنوعات تأثيرًا في تحديد مسار ذلك الخطاب. والتنوعات المؤثرة في الخطابات عديدة من أعمقها: التنوع المعرفي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في وعيهم بالأصول التي يبنى عليها خطابهم، ولا بمدى مستلزمات تلك الأصول، ولا بمقدار تفهمها وتمثلها في الواقع بل هم مختلفون فيها اختلافات واسعة. ومنها: التنوع النفسي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أمزجتهم النفسية فهم بلا شك متفاوتون فيها بين الحاد جدا وبين الأقل حدة وبين الهين اللين ولا شك أن المزاج الشخصي له تأثير ظاهر في طبيعة القرارات الدينية أو الدنيوية التي يتخذها في حياته. ومنها: التنوع الاجتماعي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أحوالهم اليومية التي يتلبسون بها فهم يختلفون فيها كثيرًا وهذه الأحوال لها آثار بارزة فيما يتخذه الأشخاص من مواقف.

стр. 702

والمحتم على الناقد الذي يهمه إصابة الحق والاتصاف بالموضوعية والعدل في نقده أن يراعي تلك التنوعات فيما يوجهه من نقد ومتى ما خلا النقد من مراعاتها فلا بد أن يقع في الآفات المضرة. ولا شك أن الخطاب السلفي يعد من أكثر الخطابات شيوعًا وتجذرًا في المجتمع وهذا يعني أن تأثير التنوعات فيه سيكون أكثر من غيره. ومن أظهر الممارسات التي تنافي اعتبار واقعية التنوعات: تعميم الأحكام وإطلاق الأوصاف العامة الشاملة لكل أفراد الخطاب المعين من غير مراعاة لما يشهده من تنوع علمي أو نفسي أو اجتماعي. وإن المتابع لقدر من الاحتجاجات الموجهة إلى الخطاب السلفي يجد أنها تلبست بتلك الآفة فما إن يرى بعض النقاد قولا قرره طيف من الخطاب السلفي، أو فرد من أفراده، أو مفت بارز فيه إلا ويبادر مباشرة إلى توجيه الحكم إلى كل الخطاب ولا يحاول أن يتعب نفسه قليلا ويجيب على سؤال ملح في النقد وهو: هل هذه المقالة التي ينقدها يقول بها كل الخطاب السلفي أم أكثره أم أقله ولكنه - للأسف - يعمد مباشرة إلى الخطاب السلفي بجملته، وينصبه على خشبته المائلة، ويأخذ في سرد ملاحظاته التي رآها من بعض الأفراد الذين يعيش معهم في مدينته أو إقليمه، أو قرأ لهم في بعض المجلات والمواقع الإلكترونية، أو سمع عنهم من بعض أصدقائه، أو تناظر معهم في بعض حواراته، أو استمع له وهو يفتي في بعض القنوات. ونحن حين نؤكد على ضرورة مراعاة التنوعات ونحذر من التعميم، لا نقصد بالضرورة أن نمنع استعمال صيغ العموم على كل حال، أو نحكم على كل تعميم بالخطأ، أو نقرر أن الخطاب السلفي أو غيره من الخطابات لا يمكن أن يجتمع على فكرة أو مقالة ولكن غاية ما نريده أن نحرر المقياس الحقيقي الذي ينضبط به استعمال صيغة التعميم بحيث لا يكون مستعملها خارجًا عن الموضوعية والعدل ثم نسعى بعد تحديده إلى ممارسته فعليا على الواقع. مع أن الطريقة الأكمل من ذلك كله هو أن تتوجه احتجاجاتنا إلى المقالات نفسها -سواء في الخطاب السلفي أو في غيره - وتدور الحوارات في نطاقها ويقام النقد والتقييم والحكم عليها ابتداء ولا نخرج عنها إلا في حالات معينة وظروف خاصة ولكن مشهدنا السجالي انقلبت فيه المنهجية رأسا على عقب فغدت نقطة الارتكاز فيه على صاحب المقالة لا المقالة نفسها، مما اضطرنا إلى التلبس بآفة التعميم والتشرب بآثارها. المظهر الخامس: الرضوخ للاختزال: إن من المظاهر المؤلمة التي يشهدها المراقب لاحتجاجاتنا الفكرية رضوخ أكثرها تحت وطأة الاختزال فيخيل للقارئ حين يقرأ بعضها أن حل مشاكل الأمة كلها مرتبط بحبل سري مع مشكلة واحدة بعينها متى ما حُلت فإن مشاكلنا الأخرى ستنحل تلقائيا وهذه النظرة في تقييم الأمور هي في الحقيقة نظرة ضيقة وقعت فيها خطابات عديدة فالخطاب الإصلاحي السياسي يصرخ بأصواته المرتفعة في نوادينا، ويُظهر لنا في خطابه أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه من تخلف يكمن في إصلاح الحكومات المستبدة التي لا تطبق الديمقراطية! ولا يحفظ فيها المال العام ولا توزع فيها الحقوق بالتساوي ويختزل حلول الأزمات الأخرى فيا اقتنع به وخطاب الإصلاح الفكري يُظهر لنا أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه يكمن في متابعة الأفكار الغربية الوافدة وتتبعها نقدًا وتقييمًا وهكذا دواليك في عدد من الخطابات. والقدر المشترك بين تلك الاختزالات يكمن في افتراض التزاحم بين مجالات الإصلاح واستحالة السير في خطوط متوازية في سبيل الخروج من الأزمة ويكفي هذا تبيانًا لخطأ تلك النظرة وإظهارًا لمخالفتها للتاريخ والواقع.

стр. 703

ونتيجة لتلك النظرة الضيقة أخذ عدد من نقاد الخطاب السلفي يصوره على أنه خطاب يغرد خارج السرب وأنه يعمل في منطقة الخلاء التي لا ينتفع بها أحد وأوهم أنه ينازع في أهمية المجالات الأخرى التي تم اختزال أزمات الأمة فيها. والمتابع الفطن يدرك أن الواقع مختلف عن ذلك فتلك الخطابات لا ينازعها الخطاب السلفي في أهمية الإصلاح السياسي مثلا أو الإصلاح الفكري أو نحوه فالكل متفق على أن تلك المجالات وغيرها تعاني من أزمة حادة وكلها ثغور تحتاج إلى أن تنفر طائفة من المؤمنين لإصلاحه وترميمه ونزاعهم يدور في دوائر أخرى أضيق من دائرة أصل الأهمية والضرورة وحاصلها يرجع إلى كيفية تناول الإصلاح في تلك المجالات وفي تحديد الأولويات فيها وهذه الدوائر لا تخرج عادة عن ساحة الاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد وهي غالبا تتلبس بالغموض والدقة وهذا ما يفسر لنا كثرة الخلاف فيها في الفكر الإسلامي منذ قرن من الزمن تقريبا فليس غريبًا بعد ذلك أن تختلف فيها المواقف بين المعاصرين. هذه المظاهر الخمسة- في نظري- هي أهم الآفات التي تلبست بها الموجة النقادة للخطاب السلفي في واقعنا المعاصر وتسبب في بروز أعراض مرضية عديدة أنهكت السجالات الفكرية وأودت بها إلى المهالك كما هي العادة المطردة في الاحتجاجات التي لا تلتزم بالقيم العليا ولا تقوم على البنى التحية الناضجة فإنك لا تشهد معها إلا مزيدًا من التشتت الفكري ومزيدًا من ضياع البركة ومزيدًا من كثرة الصخب والضجيج في الحلبة المعرفية ومزيدًا من تخييم الضبابية على المنطقة الوسط ومزيدا من ضياع القصد الأصلي من الاحتجاج وبدل أن يكون السجال سبيلاً مؤديًا إلى الخروج مما نحن فيه من أزمة يغدو جزءًا معضلاً منها يساعد على تكريسها.

стр. 704

مسألة: حدود عورة المرأة أمام المرأة علوي بن عبد القادر السقاف المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية ٢٢ شوال ١٤٣١هـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد: فإن من الواجبات المتعين على أهل العلم القيام بها تعليم الناس، ومن أوجب هذه الواجبات تعليمهم ما خفي وتلبس عليهم وما عمت بها البلوى وتساهل فيه كثير من الناس حتى أصبح المعروف فيها منكراً، وبات المنكر معروفاً، ومن ذلك مسألة العورات، وبالأخص عورة المرأة على المرأة. والمرأة لا تخلو من أن تكون: إما مسلمة وإما كافرة، والمسلمة إما عفيفة أو فاجرة. فأما عورة المرأة المسلمة أمام المرأة المسلمة فللعلماء فيها قولان: القول الأول: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء إلى أنها من السرة إلى الركبة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو الأصح عند الحنفية [المبسوط للسرخسي ١٠/ ٢٥٤، مواهب الجليل ٢/ ١٨٠، المجموع شرح المهذب ٣/ ١٦٧،الروض المربع ١/ ٣٣٢] ويرى بعض أهل العلم وهو رواية عن أبي حنيفة أن المرأة تنظر من المرأة ما يراه الرجل من محارمه، وهو مواضع الزينة [البحر الرائق ٨/ ٢١٩] فتنظر إلى الرأس والوجه والعنق والعضد والساق. ومما استدل به الجمهور: أنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف إثارة للشهوة أو الوقوع في الفتنة كما في نظر الرجل إلى الرجل، فنظر الجنس إلى الجنس أخف لانعدام الشهوة غالبا لوجود المجانسة، والغالب كالمتحقق. كذلك من أدلتهم إجماع أهل العلم على جواز قيام المرأة بتغسيل المرأة كما يغسل الرجل الرجل، فكما للرجل الاطلاع على ما فوق السرة ودون الركبة من الرجل حياً وميتاً، فيجوز إذاً أن تُظهر المرأة للمرأة ما فوق السرة ودون الركبة لوجود المجانسة التي تبيح ذلك، فالناظر والمنظور إليه كلاهما من النساء. وأجيب عن الأول بأن ما ذكروه غير مضطرد فالأمرد من جنس الرجال ومع ذلك اعتبره جمهور الفقهاء في حق نظر الرجال إليه بالمرأة، ولم يعتبروه بجنسه. وأما الثاني فلا حجة فيه؛ لأن الغسل ليس فيه إباحة إطلاق النظر، فضلاً عن أن يكون فيه جواز تعرية المرأة، فالمشروع في الغسل أن يكون من فوق الثوب، وهذا إذا قيل بالتساوي بين حالتي الحياة والموت. والآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) تخاطب المرأة بالنهي عن إبداء الزينة الخفية بالاختيار إلا لمن ذكر فيها ومن في حكمهم بالقدر المعروف شرعاً وعرفاً. وأما كشف ما فوق السرة لغير الزوج في حال ضرورة، أو ظهور شيء من بدن المرأة سواء كان ذلك في حال الضرورة أو عدم التكليف فليس من هذا الباب. ولعل الراجح هو القول الثاني وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن- إلى قوله- أو نسائهن﴾. والمقصود بالزينة مواضعها، فالخاتم موضعه الكف، والسوار موضعه الذراع، والقرط موضعه الأذن، والقلادة موضعها العنق والصدر، والخلخال موضعه الساق، وقد جمعت الآية بين محارم المرأة ونسائهن، وساوت بينهم فيما ينظرون إليه وهو مواضع الزينة من بدنها.

стр. 705

وكذلك قول النبي ﷺ : (المرأة عورة) أخرجه الترمذي (١١٧٣) وصححه غير واحد من أهل العلم، فلا يجوز لها أن تبدي إلا ما ثبت استثناؤه، ومن ذلك ما جاء في (صحيح البخاري) (٢٥١) -واللفظ له- ومسلم (٣٢٠) عن أبي سلمة قال: دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة ﵂ فسألها أخوها عن غسل رسول الله ﷺ فدعت بإناء نحو من صاع فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب. ففيه رؤية رأسها من قبل أخيها وابن أختها أبي سلمة؛ لأنَّ أمَّ كلثوم أختَها أرضعته، وثبت في البخاري (٣٨٩٤) ومسلم (١٤٢٢) قصة زواج عائشة ﵂ وتمشيط النساء لها وتزيينها للنبي ﷺ . وحديث جابر ﵁ في قصة زواجه من الثيب وجوابه للنبي ﷺ عن سؤاله وأنه أراد أن تقوم على أخواته وتمشطهن أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥) فلا بد حال التمشيط من رؤية الشعر والأذن والرقبة، ولا يجادل في هذا أحد. ولا نعلم عن أحد من السلف خبرا ذكر فيه تكشف النساء وإظهارهن شيئا من أبدانهن فيما بينهن سوى مواضع الزينة، ولو وقع ذلك لنقل عنهم كما نقل غيره مما هو دونه. وكذلك فإن المرأة لا تحتاج في قيامها بعملها إلى كشف ما زاد عن مواضع زينتها، والظهر والبطن وما أشبههما- مما ليس موضعا للزينة- لا تحتاج لكشفه عند مزاولة المهنة في البيت. أمَّا قول جمهور الفقهاء بأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة إلى الركبة فهو مما لا دليل عليه، وليس معناه أن المرأة تجلس بين النساء كاشفة عن جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، كما هو حال بعض النساء في الأعراس وغيرها لا يبالين بكشف ما فوق السرة وما تحت الركبة، بل ربما أكثر من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلا ينبغي أن يساء فهم قول جمهور الفقهاء، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (وحدود عورة المرأة عند المرأة ما بين السرة والركبة ... ولكن لا يعني ذلك أننا نجوِّز للمرأة أن تلبس ثياباً لا تستر إلا ما بين السرة والركبة، ولكن فيما لو أن امرأة خرج ساقها لسبب وأختها تنظر إليها وعليها ثوب سابغ، أو خرج شيء من رقبتها أو من نحرها وأختها تنظر فلا بأس بذلك، فيجب أن نعرف الفرق بين العورة وبين اللباس، اللباس لابد أن يكون سابغاً بالنسبة للمرأة، أما العورة للمرأة مع المرأة فهي ما بين السرة والركبة). (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين١٢/ ٢٦٨)
следующие страницы →