الفرق بين بيت الله الكعبة وسائر الجامعات المختلطة
إبراهيم الأزرق
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين وبعد فقد اضطرني لاختيار هذا العنوان بعض المساكين الذين ضعفت عقولهم حتى بات بعضهم لا يفرق بينهما فيما يظهر! فيقولون: وماذا في الاختلاط بالجامعات؟ أليس هو حاصل في كذا وفي كذا وعند بيت الله؟
стр. 877
ولهؤلاء أقول: إن الاختلاط إذا أطلق -عن بعض أو كل قيود الشريعة- محرم عند أهل العلم من حيث الأصل، ومن أدلة ذلك أمر النساء بالقرار في البيوت (١)، مع منع الرجال من الدخول عليهن (٢)، وقوله ﷺ المرأة عورة (٣)، وعموم قوله ﵊: فاتقوا النساء (٤)، وقصة سالم مولى حذيفة والتحرج من دخوله على سهلة ﵃ مع تبنيه ونشوئه في حجر حذيفة زوجها (٥)، إلى غير ذلك من الأدلة التي جمعها بعض أهل العلم في رسائل ومؤلفات مستقلة ولا يتسع المقام لسردها فضلاً على بيان أوجه دلالتها (٦).
الاختلاط المقيد:
стр. 878
غير أن من المقرر كذلك عندهم جواز خروج النساء مع الرجال وذلك خلافاً للأصل، إن تُقيد بضوابط الشريعة، فعندها يجوز أَيْنَ كان عند الكعبة أو غيرها، ومن الضوابط الشرعية التي كان عليها الشأن في العهد الأول -والذي يستدل به بعض الملبسين على الاختلاط المطلق من قيود الشريعة المعاصر، ولا يلتزمون الضوابط التي كانت مرعية عند الصحابة رضوان الله عليهم- ما يلي:
١ - وجود الضرورة أو الحاجة المقتضية لخروج النساء واختلاطهن بالرجال سواء أكانت هذه الحاجة دينية كشهود الجماعات أو دنيوية كشراء ما يلزمها شراؤه، فإن لم تكن ثمة ضرورة أو حاجة فلا تقر مخالفة كائنة من كانت لأمر ربها الرحمن: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) [الأحزاب: ٣٣]، وقد فسر إمام التفسير مجاهد التبرج هنا بما دل عليه صدر الآية فقال: "كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى" (١)، وقد استدل بالآية أئمة التفسير كالقرطبي وغيره على أن المرأة تلزم بيتها لاتخرج منه إلاّ لضرورة، قال الجصاص: "وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهيات عن الخروج" (٢)، وقال ابن العربي المالكي ﵀: " قوله تعالى:﴾ وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ ﴿يعني اسكُنَّ فيها ولا تتحرَّكن، ولا تبرحن منها" (٣). فمن خالفت أمر ربها فقد أتت ذنباً، قد يعتذر لها فيه لكن لا يحتج بفعلها .. وهنا قد يقول قائل إن التعليم حاجة معتبرة شرعاً، وجوابه إجمالاً بالتسليم غير أن الجامعات غير المختلطة كثيرة، وإنشاء واحدة رائدة للنساء هو مقتضى العدل، أما افتعال الضرورة فلا يجوز، وأهل العلم لا يطالبون بإلغاء التعليم، ولكن يطالبون بحظر الاختلاط إذ لا حاجة له توجبه وهو محرم لغير حاجة، كالشأن في سائر جامعات المملكة السعودية، أما الكعبة فلا يمكن إنشاء كعبة غيرها تخصص للنساء!
١ - خروج النساء المقر في التشريع كان بضابط التزامهن الحجاب والستر، وحرصهن على الحشمة والأدب، ومن ذلك مشروعية الطواف لهن، أما إذا خرجت المرأة متطيبة متزينة، غير ملتزمة بالحجاب الشرعي، فلا يشرع لها دخول المسجد، بل لا تشرع لها الصلاة، ولا يقبل منها الطواف فالطواف صلاة على ما أثر وفيهما لابد للمرأة من ستر سائر البدن إلاّ الوجه والكفين في الصلاة، فكيف يقاس هذا بالخروج إلى جامعة لا تشترط الحجاب والستر، بل بعض الجامعات على ما نقل تأذن في اختلاط الطلاب والطالبات بلباس البحر على الشاطئ أو عند المسبح فهل يُجَوِّز هذا إلاّ من سَفِه عقله وهل يُعدُّ استدلاله بوقوع اختلاطٍ عند الكعبة إلاّ تبجحاً بالجهل!
стр. 879
٢ - في الحج والعمرة عامة النساء يكُنَّ مع محارمهن وذويهن، ومن لم تكن كذلك أو لم يكن كذلك يجد نفسه في هذا الجو، فتضعف التهمة، ثم من يقصدون الكعبة يأتون راجين الأجر والمثوبة فاعلين للقربة لا يجمعهم حديث مشترك وأشجان متبادلة، بل كُلٌ في شأنه يناجي ربه، يسبح بحمده، يستغفره ويعلن توبته، أما في الجامعات المختلطة فلا يأتي الطالب أو الطالبة مع محرم! ولا يطلبون ما عند الله، ولا يبتغون ثواب الله، وليس في قلوبهم تعظيم بيت الله، ولا قلوبهن ملئت مهابة من حرم الله! فكيف يجعل هذا كهذا! ولمّا كانت هذه المعاني ضعيفة في بعض المواطن التي تدعو الحاجة إلى دخولها وليس فيها ما في تلك التي جاء بها التشريع من الحواجز التي تحول بين الناس والفتنة كانت أبغض البقاع عند الله كالأسواق (١) التي قد يختلط فيها الحابل بالنابل وإن كان لحاجة، على أن واقع الأسواق غير مقر شرعاً كله إلاّ ما انضبط بقيود الشريعة، وما خالفها يحتج له لابه، بل ليس كل ما يقع في الحرم مقر شرعاً.
الحرص على منع الاختلاط عند الطواف في العهد الأول:
ومع ما سبق يقال لهؤلاء: كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة من الرجال لا تخالطهم كما في البخاري، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت .. " (٢)، وهذا نص على أن الفاضلات لم يكن يخالطن الرجال في الطواف.
والناظر في فتوى القرون المختلفة، وما قاله أهل العلم، وما فعله بعض الولاة يجد مراعاة المنع من ذلك الاختلاط بينة، قال ابن جبير في رحلته: "وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام حسناً، منها سود وسمر وبيض قد ألصق بعضها ببعض، واتسعت عن البيت بمقدار تِسْعِ خُطاً إلاّ في الجهة التي تقابل المقام، فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به.
وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة " (٣)، ونحوه ذكر البلوي (٤) وابن بطوطة (٥)، وهذا يدلك على أن العمل القديم الذي تتابعت عليه عصور أهل الإسلام جرى قروناً طوالاً على الفصل بين الطائفين والطائفات، فقد كانت رحلة ابن جبير إلى مكة من الأندلس عام ٥٧٨هـ، ورحلة ابن بطوطة وخالد البلوي بعده بنحو قرنين إلاّ ثلاثة عقود.
وربما جعل الولاة بعض يوم للنساء خاصة، تيسيراً للطواف عليهن، وتمكيناً لهن من أن يصلن البيت دون مخالفة للشريعة، ونحو هذا مذكور في بعض كتب أخبار مكة والمناسك (٦).
стр. 880
وقد ذكر الأزرقي أن خالد بن عبد الله القسري أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف، وأجلس عند كل ركن حرساً معهم السياط، يفرقون بين الرجال والنساء (١). وأن ذلك استمر إلى زمانه، ولعل المراد هو أن خالداً أول من فرق بإلزامه وعقابه المخالف، وإن كان جريان العرف بذلك وتمسك الصالحات به مأثور من لدن عهود الصحابة المرضيين كما في أثر عائشة ﵂ الماضي، وحمل بعض أهل العلم هذا على احتمال أنه فعله وقتاً ثم تركه (٢) لما ورد في البخاري من إنكار عطاء على ابن هشام منعه طواف النساء مع الرجال وسيأتي بيانه، ويحتمل أنه فعل مدة ولايته ثم اختلطت الأمور بعده إلى عهد ولاية ابن هشام على مكة.
ونقل ابن جماعة في هداية السالك أن عمر ﵁ نهى أن يطوف الرجال مع النساء، فدخل المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل يطوف مع النساء، فأقبل عليه ضرباً بالدِّرَّة، وقال: ألم أنْهَ عن هذا؟
قال: ما علمت.
قال: أما بلغك عزمي؟
قال: ما بلغني لك عزمة.
قال: دونك فأمسك -يعني فاقتص.
قال: ما أنا بفاعل (٣).
فإن صح هذا فلعل عمر ﵁ جعل لهن وقتاً ليس للرجال فيه نصيب، ويحتمل أنه طاف في موضعهن من المطاف.
كشف شبهت من استدل بإنكار عطاء على ابن هشام:
وأما ما رواه البخاري: "قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام (٤) النساء الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكنَّ يخالطن. كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت .. " (٥)، فنص على أنهن لم يكن يخالطن الرجال.
стр. 881
وإنكار عطاء صنيع ابن هشام قد يفهم منه بادي الرأي خلاف ما روي من منع عمر ﵁ الرجال من الاختلاط بالنساء في الطواف، ومثله ما جرى في عهد خالد بن عبد الله القسري وليس كذلك، فقد وقع في الحديث إثبات عطاء أنهن لم يكن يخالطن الرجال، فإن لم تكن الخلطة المريبة موجودة لكون المرأة تطوف حجرة ناحية (بعيدة) عن الرجال زال الإشكال وارتفعت المحظور، ثم إن قول عطاء نفسه في هذا الأثر: "وكن يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال"، هذه الرواية تدل على إخراج الرجال ليلاً، والرواية في مصنف عبد الرزاق قال: "ولكنهن إذا دخلن البيت سترن حين يدخلن، ثم أخرج عنه الرجال" (١)، وقد ثبتت من طريق عبد الرزاق، وطريق البيهقي والفاكهي وغيرهم، ومقتضى هذا يحتمل أن عمر إنما أمر بإخراج الرجال ليلاً، أو حد للرجال حداً لايتجاوزونه حال وجود النساء، كالذي كانت تطوف فيه عائشة ﵂ حَجِرة، وليس أحد من هذه الوجوه في الجمع موقوفاً على تصحيح الرواية في منع عمر للخلطة، بل رواية الصحيح وعبد الرزاق والبيهقي وغيرهما الآنفة تشعر بهذا المعنى، قال ابن حجر: "قوله: حين يدخلن في رواية الكُشْميهَنِيِّ حتى يدخلن وكذا هو للفاكهي، والمعنى إذا أردن دخول البيت وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه" (٢).
قال ابن حجر معلقاً على أثر منع عمر: "وهذا إن صح لم يعارض الأول لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقاً فلهذا أنكر عليه عطاء" (٣).
فظاهر قول عطاء ﵀ إنكار تحكم ابن هشام دون مقتضي في ذلك العهد، مع إمكان الطواف بغير خلطة من وراء الرجال.
والمحصلة أن قصد منع الخلطة المحرمة ثابت في حديث البخاري هذا وفي ما روي من صنيع المتقدمين من الخلفاء الراشدين المهديين ومن أتى بعدهم، تصوبه عموم نصوص الشريعة القاضية بمنع أسباب الفتنة وتزاحم الرجال والنساء، وإنما ينكر التعنت إذا لم تكن الخلطة المذمومة حاصلة، ولم يكن ثمة مقتض للإلزام بما لم يلزم به الشرع.
على أن مجرد إنكار عطاء ﵀ ليس حجةً على غيره حتى يستمسك بها في مخالفة مقتضى النصوص.
وفيما نقله عن عائشة ﵂ من ترك الاستلام الذي ندب إليه اجتناباً للخلطة ونفيها عنها بذكره طوافها ناحية كل ذلك دليل على أنه لاتسوِّغ تلك العبادة اختلاط النساء بالرجال.
مراعاة فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم منع الخلطة ما أمكن في المناسك:
ولعل هذا يبدو جلياً لمن أنار الله بصيرته في المسألة، ونظر في تشريع المناسك بإنصاف، وتأملَ ما وُضع من ضوابط لأجل صيانة النساء القاصدات لهذه العبادة، صيانة تحفظ معها كرامتهن، وتمنع من اختلاطهن بالرجال على الوجه المفضي للمفسدة بقدر الإمكان، ومن ذلك أن الشارع لم يوجب على المرأة حجاً أو عمرة إلاّ إذا كان معها محرم، ومن أباح لها السفر من الفقهاء مع رفقة من النساء مأمونةٍ قال: "لتستأنس بهنَّ ولاتحتاج إلى مخالطة الرجال" (٤)، وكره مالك أن تركب البحر ولو للحج لأنه مظنة خلطة، وفرق فقهاء المالكية بين ما إذا كان في السفينة مكان تستغني به عن مخالطة الرجال فجوزوا هذا ومنعوا إذا لم يكن (٥).
стр. 882
ثم جعلت الشريعة رخصاً لمن كانت معه نساء أو ضعفة ليست لغيره، كالدفع من مزدلفة بليل فقد رويت فيه أحاديث صحاح ومن ذلك حديث عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعتفصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه! ما أرانا إلا قد غلَّسنا، قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (١). والأحاديث في هذا معروفة وقد رخص بها جمع من أهل العلم للنساء في الرمي والطواف قبل طلوع الشمس.
ومن مراعاة الفقهاء لأصل المنع من الاختلاط في الشريعة استحبابهم للمرأة ما لم يستحبوا للرجل من نحو طوافها بعيدة عن البيت (٢)، ورخصوا لها في تأخير طواف القدوم إلى الليل خشية الزحام (٣).
ومع هذا فقد صرح أهل العلم قديماً وحديثاً بأن الاختلاط غير المنضبط بما يعصم من الفتنة منكر لا يجوز، قال ابن جماعة في منسكه الكبير:"ومن أكبر المنكرات ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة الرجال بأزواجهم سافرات عن وجوههن، وربما كان ذلك في الليل، وبأيديهم الشموع متقدة ... " إلى أن قال: "نسأل الله أن يلهم ولي الأمر إزالة المنكرات"، قال ابن حجر الهيتمي بعد أن نقله: "فتأمله تجده صريحاً في وجوب المنع حتى من الطواف عند ارتكابهن دواعي الفتنة" (٤)، وتأمل كيف عد كشفهن عن الوجه -ولايتصور من المحرمة الطائفة غير كشف الوجه والكفين، لا يظن بهن تبرجاً أو تهتكاً ومجوناً- مع إيقاد الشموع ولو بصحبة الأزواج من أسباب الفتنة.
وقد نص بعض أهل العلم على كراهة الطواف مع مطلق الاختلاط قال محمد بن إبراهيم بن فرحون المالكي في المسائل الملقوطة عن والده أنّه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء (٥).
ومن مراعاتهم للمنع من الاختلاط في النسك قولهم: لايستحب لها أن تزاحم الرجال لاستلام الحجر الأسود (٦).
قال ابن جماعة: "ولايستحب لها تقبيل ولا استلام مع مزاحمة الرجال، ولا يستحب لها الصلاة خلف المقام، أو في غيره من المسجد مزاحمة للرجال، ويستحب لها ذلك إذا لم تفض إلى مخالطة الرجال. وهذا مما لايكاد يختلف فيه؛ لما يتوقع بسببه من ضرر" (٧).
стр. 883
وقال أيضاً: "ولا تزاحم الرجال، وينبغي أن يكون سعيها بين الصفا والمروة بالليل، كما تقدم في طوافها بالبيت، لأنه أستر وأسلم من الفتنة.
وقال بعض الشافعية: إنها إذا سعت بالليل في حال خلوة المسعى استحب لها شدة السعي في موضعه كالرجل ... ولا ترقى على الصفا ولا على المروة عند الشافعية والحنابلة، وقال المالكية تصعد إذا كان المكان خالياً، وهو مقتضى كلام الحنفية، وقول بعض الشافعية المتقدم" (١).
وقولهم: لاتقف المرأة على الصفا للدعاء إلاّ إذا خلا المكان عن مزاحمة الرجال، ويكون سنة في حقها إذا خلا المكان (٢).
ومن مراعاة بعض أمهات المؤمنين للأمر بلزوم البيوت ونبذهن الاختلاط، اكتفاؤهن بحجة الفريضة، وترك القيام للتطوع، وهذا مأثور عن زينب وسودة ﵄، امتثالاً لقوله ﷺ لأزواجه: "هذه ثم ظهور الحصر" (٣).
خاتمة:
مما سبق نخلص إلى أن الشارع حف الحج والعمرة بأحكام تكفل منع الخلطة المحرمة ومن ذلك اشتراط المحرم، ومع ذلك ندب المرأة إلى ترك مزاحمة الرجال، واستحب لها الفقهاء لأجل ذلك ما لم يستحبوه للرجال، حتى وضع بعض الحكام ضوابط تكفل ذلك، وهذا مع بعد الفتنة عند مهوى أفئدة المسلمين، وقد كان خير جيل بمن فيهم أمهات المؤمنين ونساء الصالحين يراعين ذلك فيمتزن عن الرجال، غير أنه تبقى نسوةٍ في القديم والحديث يصدق فيهن قول الأول:
من اللائيْ لم يحججن يبغين حِسْبَةً ولكن ليقتلن البريءَ المُغَفَّلا
فعلى أخت الإسلام أن لا تغتر بهن، نسأل الله أن يصلح حال أخواتنا وأمهاتنا ونسائنا ونساء المسلمين.
وما سبق يدلك على أن من استدل على جواز الاختلاط في الجامعات بما يحدث في طواف الناس اليوم، فقد قاس مع الفارق أولاً، على أمر ليس كله مقر شرعاً، والله نسأل أن يلهم ولاة أمر المسلمين إزالة المنكرات، وأن ينجح مقاصد المصلحين الناصحين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 884
إنها لإحدى العبر
ما حدث للشيخ الشثري عبرة للجميع!!
سعيد بن ناصر الغامدي
الجمعة ٢٠ شوال ١٤٣٠
المتأمل في الحملة المنسقة التي شنها التيار العلماني الليبرالي ضد الشيخ سعد الشثري، يمكنه الخروج بنتائج عديدة مهمة في شأن الفكر والمجتمع السعودي، والمستقبل المتوقع لهذا المجتمع ومكوناته الأساسية.
ومن المناسب التذكير بأمور مهمة في هذا السياق من خلال النظر فيما أفرزته الحملة من نتائج:
الأمر الأول: أن لكل دولة ونظام أسساً مشروعية، يتم بناء التوجه عليها، ويُرسم المسار، وتتحدد الرؤى، وتوضع الأهداف. وأسس المشروعية هذه هي العمود الفقري للدولة والنظام والمحور الجوهري، وكلما بقيت أسس المشروعية ثابتة وراسخة ومتينة كان ذلك أدعى للبقاء والاستمرار، وكلما حصل التلاعب أو الاستنقاص أو المخاتلة في هذه الأسس كان ذلك مؤذناً بأمور خطيرة في المستقبل القريب أو البعيد، والناظر في قوة الدول واستمرارها أو ضعفها وزوالها يمكنه أن يدرك هذه القضية، ويدرك معها أنه ربما حصلت الإزاحة لهذه الأسس أو الانحياز عنها بسبب ضغط ما، أو لتحقيق هدف ما، أو لتجنب مشكلة معينة، أو لتحصيل مصلحة معينة، وهذا يدل على أن حسن النية المتوفر في مثل هذه الحالات هو نوع من خداع النفس، والإعذار بالنية الحسنة لا علاقة له بالنتائج المترتبة على إضعاف أسس المشروعية أو بعضها، ولعل الأخطر في هذا المجال حينما تتوجه الإرادة لإيجاد أسس للمشروعية غير تلك الأسس التي قام عليها الكيان، حينها تتضخم المشكلة، وتكون مؤذنة بانفصام اجتماعي وتضاد وتنافر يصل في حده الأقصى إلى الاحتراب والفتنة الداخلية، ويبقى في حده الأدنى مثيراً لإشكالات عامة غير منقطعة، مما يعني البقاء في دائرة الارتباك والتردد والاضطراب، وهو ما سوف يقود إلى الاستمرار في التآكل الداخلي رويداً رويداً، حتى وإن كانت القشرة الخارجية تعطي مؤشرات مطمئنة.
الأمر الثاني: أنه بالنظر إلى الوضع الداخلي للدولة السعودية والمجتمع السعودي يجد بعض المراقبين أنه قد مرّ بمراحل عديدة، منها التأسيس على أسس معينة، وجمع الشمل على هذه الأسس، ثم بقاء هذه الأسس معلناً عنها ومحترمة، مع صدع بالحرص على إبقائها بعيدة عن الازدراء والاستنقاص، فضلاً عن الاستبدال والاستعاضة، ثم حصول طفرة علمانية-في فترة من الفترات- متمثلة في اللوبي الناصري الاشتراكي العلماني الذي كانت كلمته مسموعة ورؤاه مستجاباً لها إلى حد ما، مع قدرة على التغلغل والتأثير من داخل القلعة، وعندما أدرك الأذكياء خطورة هذه اللعبة وأثرها الكبير على أسس المشروعية تمت الاستفاقة بعمل أبيض سريع أعاد الأمور إلى نصابها، وكان دور العلماء حاسماً حينها، وتم طرد حصان طروادة ومن فيه، لتأتي بعد ذلك مرحلة الاستقرار والاستمرار التي امتدت لعدة عهود، جاعلة من الدولة والمجتمع كياناً متجانساً في أمور عديدة وأحوال كثيرة، بل أعطت صورة معينة في أذهان الناس في الداخل والخارج، هذه الصورة تؤكد أصل المشروعية، وتقول بلسان المراقبين داخلياً وخارجياً بأن السعودية هي آخر القلاع التي صمدت أمام موجات التغريب والعلمنة التي اجتاحت العالم الإسلامي، وأورثت تناقضات داخلية متتالية ومتوالية
стр. 885
فهل استمرت هذه المرحلة، وبقيت هذه الصورة أم عاد حصان طروادة من جديد؟ سؤال كبير وخطير، وإن كان كل المراقبين المشفقين يتحدثون عنه همساً أو تلميحاً لا يصل إلى حد التصريح الذي كتبه بعضهم عن خطورة البرامكة، في حين يتحدث عنه آخرون (مستفيدون) من هذا الوضع الجديد، يتحدثون بكثير من الغبطة والسرور والدعاية والمدائح المتوخية للإغراء بالمزيد، والهجوم المضاد الشرس على أي ناقد أو ناصح، ولو جاء كلامه مدبجاً بالثناء والأمنيات الطيبة في أوله وآخره. هجوم ميلشيات الليبرالية يتم دائماً، تحت شعارات النهضة والتقدم والرقي، والخروج من مآزق الثبات التي سار عليها من سبق، باعتبار أن هذا الثبات (على أسس المشروعية) ضرب من الجمود الذي لا يتوافق مع معطيات العصر، بل هو - بحسب رأيهم - الذي أدى إلى الضرر بالسمعة والمصلحة معاً.
الأمر الثالث: أن البلاد مرت بتجارب من هذا القبيل، ولعل أبرز ذلك يتمثل في ثلاث تجارب:
الأولى: التجربة المشار إليها سابقاً حينما كانت الناصرية والاشتراكية هي (موضة) التقدم آنذاك، والإسلام والشريعة هي شعار التخلف والمحافظة الرجعية والظلامية، وقد تم تجاوز هذه التجربة بإرادة قوية أعادت القطار إلى مساره، بعد أن غفل سائقه وأضر به من حوله ضرراً بالغاً، على ما في شخصيته من خير وطيبة قلب وصفاء نية، كما يوصف، ويمكن قراءة هذه التجربة بشكل جلي في رواية قلب من بنقلان.
الثانية: التجربة الحداثية التي اكتسح أصحابها معظم المواقع الإعلامية والأندية الأدبية، وحصل التصدي لهذه التجربة بوصفها متناقضة مع أسس مشروعية الدولة والمجتمع، وشارك في التصدي لها شخصيات مهمة، ليس أولهم الشيخ ابن باز ﵀ ولا آخرهم أمير عسير آنذاك الذي قام بنسخ وتوزيع مادة إعلامية تكشف الحداثة المحلية بحقائق ووثائق كما زعم معدها، ومادة أخرى ثقافية تخدم الغرض نفسه بميزان اختاره معد هذه المادة.
المهم في الأمر أن هذه التجربة -في جوهرها- كانت صراعاً حول أسس مشروعية الدولة والمجتمع، بشكل علني أو ضمني، وهو الأمر الذي أدّى إلى انحياز نسبي ضد التجربة الحداثية التي كانت آنذاك تستجن بالأدب والنقد والفن؛ لأن الأجواء الاجتماعية والرسمية غير قابلة لإعلان صريح عن انتماء علماني أو ليبرالي صريح، كما هو حادث هذه الأيام حيث تعلن التجربة الثالثة عن نفسها بقوة وبلا مواربة، بل إلى حد الاجتراء على الجهر بالاستقواء الخارجي (الغربي بالطبع)، وعدم التردد في فتح علاقات سرية أو علنية مع السفارات الأجنبية المهتمة بتغيير البنية الداخلية للبلاد، فضلاً عن المجاهرة بأفكار خطيرة، والنيل من شخصيات مهمة.
الأمر الرابع: أن التجربة الراهنة والتي أخذت مداها بشكل واضح ليست جديدة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، بل هي تجربة مكررة في أفكارها العامة وأهدافها الكبرى، وتكاد تكون مستنسخة في أساليبها ووسائلها، وليس شاقاً على الدارس استحضار ما حدث أواخر الدولة العثمانية، وما حدث بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر، وما حدث بعد تمكن بورقيبة في تونس، وما حدث بعد استيلاء الاشتراكيين على جنوب اليمن، إلى غير ذلك من التجارب التي بدأت ناعمة مداجية للوضع القائم، ثم لما استحكم لها الأمر فعلت أفاعيل تشيب منه النواصي، ولم يشفع لأولئك الذين أحسنوا الظن بها، أو أرادوا الوقوف على الحياد، أو تعاملوا معها ببرود وموازنة ساذجة .. لم يشفع لهم أي أمر من هذه الأمور، فقد نالهم من التنكيل ما جعل بعضهم يتمنى أنه لم يخط حرفاً أو يقول كلمة في النيل من الأصلاء الأحرار أو في المداجاة والحيادية المفلسة!!
стр. 886
إن من المهم دراسة الآلية المتبعة عند هؤلاء في مراحل وجودهم السياسي والاجتماعي؛ لمعرفة (الميكانزم) المتبع في حالة الاستضعاف ثم في حالة ركوب حصان طروادة، ثم في حالة دخولهم بالحصان إلى القلعة، ثم في حالة قدرتهم على هدم القلعة وتخريب أبراجها وإفساد نواطيرها، ثم في حالة استحكام الأمور لهم.
أهم ما يلفت الانتباه هنا أن الشعارات تتبدل في كل مرحلة، بحسب الحال الذي هم عليه، فإذا كانوا-مثلاً- في وضع استضعاف، تكلموا عن الحرية وحق الرأي الآخر وحرية التعبير والتجمع، وخطورة الإقصاء، وأهمية الحوار، مع استعمال -مملّ- لعبارات من قبيل: في ضوء ثوابتنا وعقيدتنا وأسس مشروعيتنا.
فإذا حصل لهم نوع من التمكن الإعلامي أو الثقافي أو السياسي مارسوا كل ما يقدرون عليه من إقصاء واستعداء وتسفيه وتحقير لمخالفهم ونعته بالنعوت البشعة المنفرة منه، من مثل (متشدد، متطرف، وجه خفي للإرهاب، منغلق، ظلامي، وهابي، محافظ رجعي، متوتر يسير عكس تيار التحديث، متعلق بقشة المتوارث، فقيه طالباني يستمرئ التخريب والتشغيب والترهيب والتشويش، متعطش للشهرة، فارغ من العلم وإن ادعاه، معول في يد الحركيين يهدمون به المنجزات ويقتلون به فرحَ المشروعات،، .... الخ).
(يمكن للمتحري أن يطلع على هذه العبارات في نحو عشرين مقالاً تم تحرك مليشيات كتبتها بعد سويعات من كلام الشيخ الشثري، وهو الكلام الأنعم من الناعم، والمبدوء والمختوم بالإشادة والتمنيات الطيبة).
هذه أقوالهم المتخمة بالأهاجي والتحريض والاحتشاد المتواصي به والإثخان الإعلامي الموجّه، وهم يتعاطون مع الوضع بالإمكانيات المتاحة الآن، فإن حصلت لهم إمكانيات أخرى فلن يوفروها في سبيل شطب المناوئين لهم حسياً، كما حاولوا من منصاتهم الإعلامية شطبهم ثقافياً ومعنوياً.
أما إذا حصل لهم التمكن الكامل - لا قدّر الله - فما ثم إلاّ التشريد أو السجون والتعذيب والقتل لمن يطلقون عليهم أوصاف الظلامية والتقليدية والتشدّد والمحافظة والرجعية، وما زالت حية في أذهان علماء الإسلام ودعاته تجربة أتاتورك، وعصمت اينونو، وسياد بري، وحزبي البعث، وعبد الناصر، والحزب الشيوعي في عدن، وسوكارنو، وبو رقيبة، وخلفه، والقذافي، وغيرها من تجارب ليبرالية وعلمانية تشهد بأنهم لا يرقبون في عالم ولا داعية إلاًّ ولا ذمّة، إلاّ من سايرهم ولاطفهم، وسكت عن انحرافاتهم رغبة أو رهبة، والتاريخ - كما يُقال - يعيد نفسه، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
والعجيب في هذا السياق أن بعض علمانيي بلدنا حرق المراحل، ووصل إلى المرحلة الأخيرة، وذلك باستعداء السلطة، والزج برأسها في المعركة، واستعمال اسمه لتخويف وتخوين الشيخ الشثري، بل إن أحدهم هدد العلماء والدعاة بالسجن، موضحاً بأنه ليس أمامهم سوى أحد طريقين لا ثالث لهما إما (الخنوع والسكوت والمداجاة، أو أبو غريب!!) مذكراً بقصة شيخ سجن ثم تاب وأناب.
يقول هذا الكاتب ما نصه (يطري على بالي هذه الأيام كلمة سلمان العودة حول أجمل سنيّ عمره التي قضاها في السجن .. لا أعرف ماذا يمكن للمرء أن يفهم من هذه المقولة إلاّ أن ترجمتها على أرض الواقع تعطي دلالات قوية على أن الإسلاميين اليوم أمامهم إحدى طريقين-وهم الذين كانت ترضخ لهم كل الطرق- الأول: أن يكون محبوساً إما في السجن أو في منتدى إلكتروني، والثاني أن يكون كل شيء آخر يريده .... الخيارات أصبحت محدودة، "واللي عقله في راسو يعرف خلاصو .. ") (منقول من كلام فهد الثابت من مجموعة القاسم البريدية، وهو اسم رمزي لشخصية من التسعة رهط الذين لهم شأن في التيار العلماني).
стр. 887
فإذا كان هذا حالهم والبلاد مليئة بالأخيار والصلحاء والعلماء وطلاب العلم، والمجتمع مازال المكون الديني أساسي فيه، فما الظن إن تمكن هؤلاء الليبراليون أكثر؟ وما الذي يمكن تخيله إن استحكم لهم الأمر؟
الأمر الخامس: كيفية التعامل مع المتغيرات والحملات المنسقة والمواقف المناوئة المسكوت عنها أو المحمية.
اختلفت مواقف العاملين للإسلام وردود أفعالهم، وما زالت تختلف بناء على اختلاف نظرهم في عدة متعلقات أساسية:
أولها: اختلاف النظر في الحاصل: هل هو جزئي أم كلي؟ هل هو تغير مبدئي أم مرحلي؟ هل هو انحياز أم طارئ؟
ثانيها: اختلاف النظر في الحاصل: هل هو مبرمج ومتفق عليه مع تبادل أدوار في إخراجه أم هو اتجاه أحادي ليس محل اتفاق.
ثالثها: اختلاف النظر في مآلات ما يحدث، ومقدار أثره، وحجم ضرره في المستقبل على أسس المشروعية ووحدة البلاد وأمنها.
رابعها: اختلاف النظر في العمل المناسب لهذا الوضع، وما يتوقع من تداعياته في المستقبل
خامسها: اختلاف النظر في المصالح والمفاسد المترتبة على المواقف والأقوال، ويدخل في ذلك المصالح والمفاسد الدينية والاجتماعية والشخصية.
سادسها: اختلاف التكوين الفكري باختلاف مقدار التعمق الشرعي، واختلاف المعلومات الأخرى المكتسبة، واختلاف التصورات المبنية على تلك المعلومات، واختلاف المدارك المتعلقة بالسنن الكونية والتغيير وأعمار الدول، وأسباب النهوض والانهيار، واختلاف النفسيات والمشاعر مابين متفائل وعكسه، ومؤمل ومحبط، ومكترث وبارد، وغير ذلك.
وبناء على ما سبق - وغيره- يمكن قراءة المواقف الإسلامية المختلفة من هذا (الحملة العدائية المضادة للشيخ الشثري، ومن قبله الشيخ اللحيدان المنتهية بالإقالة أو الاستقالة) وقراءة ما يمكن أن يحدث مستقبلاً.
الأمر السادس: إن قراءة ما حدث للشيخ الشثري من هجوم ثم إعلان إعفائه من هيئة كبار العلماء أمر في غاية الأهمية بالنسبة للعلماء والدعاة لأسباب منها:
١) قرب الشيخ وأسرته من الأسرة السعودية الحاكمة.
٢) كون الشيخ يمثل التوجه الديني للدولة السعودية (دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب).
٣) كون الشيخ من أهل نجد وهم مادة السلطة وعصبتها، حسب التعبير الخلدوني
٤) كون الشيخ الشثري من العلماء المنسوبين إلى الدولة.
٥) كلام الشيخ عن الجامعة في ثول (كاوست) كان مفعماً بالاحترام والتهذيب والشكر والامتنان، في أول القول ووسطه وآخره، إلى الحد الذي فاق الإشارة إلى المأخذ الشرعي في الاختلاط.
فكان ماذا بعد كل هذا؟
كانت الحملة الكتائبية المنسقة، ثم جاء بعدها بيان الإعفاء.
هل يمكن أن نقول بأن هذا نوع مما يُسمّى أساليب الغازي حينما يفتك، ويدير المعركة بشعار فشرّد بهم من خلفهم؟!!
لا يوجد إلاّ القلة النادرة من العلماء والدعاة والعاملين للإسلام الذين يمتلكون الامتيازات التي يمتلكها الشيخ الشثري، أو يقدرون على ضبط إيقاع كلماتهم مع الوضع الرسمي بالقدر الذي ضبطه الشيخ الشثري، إلى درجة لا يوجد دونها درجة، ومع ذلك حصل له ما حصل!!
وبناء على ذلك: هل يمكن القول بأن هذا الحدث يمثل تحوّلاً مهماً ومنعطفاً بيّناً في العلاقة بين الشرعي والسياسي، وبين الديني والزمني (حسب تعبير الدنيويّين) وبين السلطة وعصبيتها؟
بعض المثقفين يرونه مجرد حادثة عابرة، أو صراع، مؤقت، أو قضية من عشرات القضايا المشابهة، ويتكلمون بسطحية أو ببرود مصطنع أو بسذاجة .. وهناك من يرى أن الأمر له تداعيات كبيرة، من أظهرها الانحيازات الفكرية التي ظهرت في الإعلام والمواقع، واصطفاف الناس -في الجملة- في صفين متقابلين، متعارضين متضادّين، مما يؤذن بمستقبل اجتماعي ينقسم فيه المجتمع السعودي، كما حصل للمجتمعات الإسلامية التي ابتُليت بالتيارات الليبرالية التي تمارس ليبراليتها بنعومة الأفعى وسمّها.
وفي الختام ينبغي أن يستحضر علماء الإسلام ودعاته أوائل سورة العنكبوت، ويسألون الله العافية، ويقومون بدورهم المتمثل في حديث الدين النصيحة، لمن؟ لكتاب الله، ولسنة رسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
والله الموفق إلى سواء السبيل.
стр. 888
الاختلاط .. (هَمٌّ) و (وَهْمٌ)
فهد بن صالح العجلان
من الأقوال المألوفة التي قد اعتدنا على تداولها وتناقلها حتى غدت من الأشياء (الملقاة) على قارعة الطريق-كما يقول أديب العربية الرافعي- وبلغ التكثيف بها لحدّ أن يتوّهم بعض الناس أنها من المسلّمات الفقهية .. القول بأن المحرّم في الشريعة هو (الخلوة) لا (الاختلاط) وأن المجتمع المسلم في نشأته الأولى كان مجتمعاً مختلطاً يجتمع فيه الرجال والنساء، ويسوقون في سبيل ذلك النصوص والأدلة الشرعية المؤيّدة له.
وتلقائياً .. يأتيك من يحكي الخلاف في المسألة بأن منع (الاختلاط) هو مذهب الحنابلة، وأما مذهب الفقهاء الآخرين فهو الجواز .. كما يفعلون في كلّ المسائل التي يرونها شهيرة في المجتمع السعودي إذ ينسبونها قولاً فقهيّاً من مفردات الحنابلة في مقابل الجمهور، من غير بيّنة على ذلك سوى أنه يشاهد كثيراً من المجتمعات الإسلامية لا تلتزم بهذا القول مما يدلّ على أن هذا مذهب الجماهير، فهو يتصوّر أن مذهب الفقهاء هو ما يفعله الناس في هذه الأيام.
دعونا من مذهب (الحنابلة) .. وتخيّروا ما شئتم من مذاهب السادة الفقهاء .. ولكم حرية الاختيار في القرن الفقهي الذي تريدون .. واحضروا أي كتابٍ تهوون .. فإنكم ولا بدّ ستجدون أن من العبارات الفقهية المألوفة لدى جميع أصحاب المذاهب على توالي القرون (والمرأة ليست أهلاً لمجامع الرجال) و (المجامع التي يختصّ بها الرجال) ونحو هذه العبارات التي تساق كمسلّمات، بل وتذكر كأدلة فقهية لإلزام الرأي الآخر.
فمثلاً: حين يردّ جمهور الفقهاء على الحنفية في قولهم بصحة (قضاء المرأة) في بعض الأحكام: يوردون عليهم أن (المرأة ليست أهلاً لمجالس الرجال) فيجعلون هذا الكلام كدليلٍ على إبطال قول الحنفية، وهو أمر يسلّم به الحنفية وإلا لما كان لمثل هذا الكلام في الردّ عليهم أي معنى.
وستجد النقولات الكثيرة في ذمّ الاختلاط ووجوب الستر، وحثّ المحتسبين على متابعة هذا الأمر وتأديب المخالفين .. إلى ما شاء الله من النصوص التي لا طاقة بأحد على استقصائها ..
إذا كان الأمر كذلك .. فمن أين دخل علينا مفهوم أن المحرّم هو (الخلوة) لا (الاختلاط) وأن المجتمعات الإسلامية في عصر الإسلام كانت مجتمعات مختلطة؟
ثمّة عدة أوهام سبّبت هذا الأمر، ولعلّي أخصّ بعضاً منها:
((الوهم الأول)):-
[تصوّر أن التحريم في الشريعة إنما جاء في خصوص الخلوة دون الاختلاط]
وللأسف .. أن يقول بهذا الكلام من يدعو للعمل بالمقاصد الشرعية، فعجباً: كيف تحرم الخلوة ويباح الاختلاط؟
إذا كان اجتماع الرجل مع المرأة في مجلس خالٍ وهي محتشمة وهو منشغل عنها بأي شغل يعتبر محرّماً بالنصّ والإجماع مع أن ثمّة موانع تحول دون حصول المكروه من الحياء وخشية الفضيحة والجهل بالطرف المقابل ونحوها ..
فهل يكون هذا محرّماً .. واللقاء المتكرر المختلط في (قاعات الدراسة) و (أروقة العمل) أمراً مباحاً مع ما تقتضيه طبيعة اللقاء المتكرر والعمل المشترك من (مودّة) و (ابتسامة) و (لطافة) و (مصافحة) و (مقاربة) و (إزالة كلفة) وأمور لا تخفى على أحد، فأي جمود فقهي وظاهرية يابسة تلك التي تحرّم الخلوة وتبيح الاختلاط، وواقع الأمر أن دوافع الفساد والانحراف في الاختلاط أضعاف ما هي في الخلوة؟
ثمّ إن (الاختلاط المتكرر) يمهّد لحصول الخلوة بأبشع وأشنع صورها، فتهيئة الأجواء المختلطة وتطبيع الناس عليها وتنشئة أجيال المسلمين على إذابة الحساسية والكلفة بين الطرفين يعين ويمهّد لحصول الخلوة التي (نقطع) بحصول المكروه فيها لا بالخلوة التي هي (ذريعة) للمكروه.
стр. 889
أريد أن أفهم: الشريعة تأمر بالمرأة (بالقرار) في البيت، وإذا خرجت فهي (عورة) يستشرفها الشيطان، فلا بدّ من (الحجاب) و (ترك) التعطّر والتزيّن و (مأمورة) بأن لا تخضع بالقول ولا تخلو بالرجال، والرجل يجب عليه أن (يغضّ) بصره عنها هذه الأحكام .. فكيف يحصل لقاء مختلط متكرّر مع هذا؟
وإذا كانت الشريعة قد (أسقطت) عن المرأة الجمع والجماعات مع ما فيها من فضيلة لأجل حثّها على القرار في البيت، بل وصلاتها في بيتها (خير) لها من صلاتها في المسجد مع ما في صلاة الجماعة من أجر الجماعة وسماع القرآن ترغيباً للمرأة في القرار، وإذا أبت إلا الحضور في المساجد فإنها (ممنوعة) من الاختلاط بالرجال في وقت العبادة والذكر والاجتماع المفتوح الآمن، بل صفوف الناس الأخيرة خير لهنّ لما فيها من مزيد بعد وصيانة، أفيكون هذا خاصّاً بالمسجد والأماكن الآمنة وأما مقاعد الدراسة والعمل فشيء آخر أطهر وأبرّ!
إن القول بتحريم (الخلوة) يتضمّن في ذاته القول بمنع (الاختلاط)؛ لأن تحريم الخلوة مبنيٌّ على ما في علاقة الرجل بالمرأة من حساسية تقتضي سدّ الذرائع المؤدّية إلى أي تلويث يمسّ هذه العلاقة، وبالتالي: فمن يحرّم الخلوة لا يمكن أن يقول بقول الصحفيين التائهين (إن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تسودها الثقة والاحترام لا الجنس والشهوة) لأن من يقول بهذا يلزمه أن لا يحرّم الخلوة، فالاحترام إن كان هو صفة علاقة الطرفين فهو موجود في الخلوة والجماعة، وإن كان ثمّة حساسية وكلفة فهي موجودة فيهما، وأما من يمنع الخلوة ويجيز الاختلاط فهو في شتات.
((الوهم الثاني)):
[أن الاختلاط ليس محرّم بإطلاق، بل منه الممنوع والمباح، فإذا وجدت الضوابط الشرعية كان اختلاطاً مباحاً]
ولتبديد هذا الوهم يجب أن نراعي أن كلمة (الاختلاط) من الكلمات العائمة الموهمة، وقد كان الواجب على الطرفين أن يحددوا مفهوم الاختلاط المتنازع فيها حتى يكون النزاع على أرضٍ واحدة.
فالبحث مع المخالفين ليس في مجرّد (لقاء عابر) بين رجل وامرأة (لحاجة) أو (عارض) أو (بكيفية) آمنة فهذه صور ليست هي محلّ النزاع، وفي المجتمع السعودي الذي يصفونه بالانغلاق من أشكال الاختلاط في الأسواق والدوائر الحكومية الشيء الكثير وما زالوا يطالبونه بالاختلاط مما يعني أن الاختلاط المقصود ليس هو هذا الاختلاط بل هو [نوعية معينة] من الاختلاط.
المقصود طبعاً .. هو [الاختلاط المفتوح] الذي تزول معه الحساسية بين لقاء الرجل والمرأة مما يكون مع اللقاء طبيعيا كلقاء الرجال، يلتقون سوياً في (مقاعد الدراسة) وأماكن العمل) و (المناسبات العامة) ونحوها.
فهل يمكن في مثل هذه اللقاءات أن تكون جائزة وعلى وفق الضوابط الشرعيّة؟
إنّها صورة حالمة غارقة في المثالية، تعمي بصرها عن الواقع المخزي للمجتمعات المختلطة وآثار الفساد الناخر في بنائها، وتذهل عن الميل الفطري الذي يسكن في نفس كلّ ذكرٍ وأنثى، وتتخيّل عالماً افتراضيّاً تنزل عليه الحكم الشرعي، فتلقي بالشاب والفتاة في النهر وتقول:
إياك إياك أن تبتلّ بالماء!
إنّ الاختلاط المحتشم الذي يذكرون هو اختلاط قائم على ضوابط ذاتية تعتمد على ضمير الفرد، من شاء أخذ بها ومن شاء تركها، فهي طريقة تذلّل الفساد للفتيان والفتيات وتطالبهم بأن يكونوا ملتزمين ومنضبطين، ولن تستطيع أن تستقيم فتضع ضابطاً فاصلاً بين الاختلاط المحتشم وغير المحتشم لأنك لا تعلم ما في قلوب الناس ولا ما بنظراتهم، وما فعلوا سوى أن ستروا الاختلاط المبتذل ليكون مقبولاً أو قريباً من المقبول.
стр. 890
وأزيدك بياناً .. بأن ذوي الفكر المنحرف وأتباع الشهوة ليس لديهم أي مشكلة مع مفهوم الاختلاط المحتشم، بل هم من أحرص الناس على إشاعته والترويج له بين الناس؛ لأنهم يعلمون أن القبول بالاختلاط المحتشم هو قبول بكل الاختلاط، وأن ما هم عليه من تفسّخ وخلاعة وانحلال هو من الاختلاط الذي لن يكون بعيداً عن الاختلاط المحتشم.
((الوهم الثالث)):
[أن المجتمع في عهد النبيّ ﷺ كان مجتمعاً مختلطاً، ويسوقون في سبيل ذلك النصوص الدالة على حضور النساء في بعض مجامع الرجال في ذلك العهد الطاهر] ..
وهذه الطريقة في الاستدلال فيها خلط واشتباك سبّب هذا التشويش في النظر:
[أولاً]:
من جهة عدم التفريق بين النصوص الواردة قبل الأمر بالحجاب وما جاء بعده، فالقائلون بالاختلاط يسوقون النصوص من غير تمييز، مع أن الأمر بالحجاب جاء متأخّراً وكان النساء قبل ذلك على ما كنّ عليه قبل الإسلام، فمن الضروري أن يميز النصّ فيما كان قبل آية الحجاب وفيما كان بعده، غير أن الكثيرين يسوقون النصوص ليتشبثوا بها على جواز الاختلاط بغضّ النظر عمّا يلزمهم في هذه الطريقة من لوازم شنيعة.
(خذ مثلاً): يستدلّ بعضهم على الاختلاط بدخول النبيّ ﷺ على أم سليم ومنامه في بيتها وتفليتها لشعر رسول الله ﷺ كما في القصة الشهيرة، وقد تكلّم العلماء عليها وحملوها على محامل كثيرة تجتمع فيها الدلائل الشرعيّة ..
لكنّ بعض الناس يسوقها ليدلل بها على الاختلاط .. ولو تأمل لعلم أن الحكم في الحديث ليس اختلاط فقط، بل خلوة ونوم في بيت أجنبية وقيام المرأة بمسّ الرجل .. فهل هذه كلّها جائزة أيضاً .. ؟
هنا يظهر دور العالم الفاحص الذي يجمع النصوص ليتوصّل بها للحكم الشرعي لا من ينتزع الدلائل المحققة لغايات البحث المقصود.
والأمر الثاني من الخلط في هذه النصوص: أن جميع النصوص تدلّ على اختلاط جاء لحاجة أو لعارض أو لطارئ تؤمن فيه الفتنة ولا يتصوّر فيه إثارة، وهذا الأمر لا ينازع فيه أحد ولا يقول أحد فيه شيئاً، فالمرأة تسلّم على قريبها أو تسأل المفتي أو تدخل سوقاً لحاجتها أو تدخل مسجداً لتؤدي الصلاة وكلّ هذه حالات خلطة لا إشكال فيها وهي قريبة من النصوص التي يسوقونها في مجتمع النبوّة.
[الخلاف بيننا]: هو في مجتمع (مختلط) ترتفع فيه (الكلفة) و (الحشمة) بين الرجال والنساء ليحصل اللقاء دوماً في المدارس والعمل والأعراس والمطاعم فهل كان الناس في عهد النبيّ ﷺ كذلك؟
وكيف يكون حالهم كذلك .. والمرأة تحثّ على ترك الصلاة في المسجد، وإن أبت فتلزم بترك التزين والتطيب وتتوعّد عليه، وتحثّ على ترك الاقتراب من الرجال وهي وهم في صلاة في المسجد جماعة، ويضع النبيّ ﷺ للنساء باباً خاصّاً وينهى الرجال عن الدخول منه، ويأمر الرجال أن يمكثوا قليلاً بعد الصلاة لينصرف النساء ..
وهذه الاحتياطات في [العبادات الجماعيّة التي تقام في بيوت الله] وليس في [مقاعد السينما ونوادي الرياضة]؟
стр. 891
إن النصوص التي يسوقونها -لو تأملوا- دليل عليهم؛ لأنها تدلّ على أن الاختلاط كان عارضاً وطارئاً لأجل ذلك احتاجوا لجمع الأدلة عليه، ولو أن الاختلاط هو الأصل والسائد لأصبح معلوماً بالضرورة من غير حاجة لمثل هذا الحشد، فلستَ بحاجة لأن تعلم أن الرجال في عصر النبي ﷺ كانوا يصلون في المسجد ويسلمون على بعض وينامون في بيوتهم ويتزوجون ويأكلون لأن هذا من الأمور الظاهرة المشتهرة، فلو كان ثمة اجتماع دائم بين الرجال والنساء لكان من المعلوم الذي يتناهى علمه إلى الجميع لا أن يتوصّل إليه من خلال حشد النصوص من قبيل (دخلت امرأة فسلمت) و (قالت امرأة للنبي ﷺ ونحو هذه الدلائل.
خاتمة القول:
إن الاختلاط (وهمٌ) وقع فيه بعض الفضلاء لتأويل واجتهاد يعذرون فيه، ويقبل منهم أكثر حين نعلم أنهم درجوا في بيئات مختلطة فلم يكن قولهم بجواز الاختلاط أثراً في نشر الفساد والانحراف، بل كان سيكون لقولهم بمراعاة الضوابط الشرعيّة دوراً إيجابيّاً في تخفيف الشرّ الحاصل من غلواء هذا الاختلاط.
وأما إشاعة القول في مجتمعات محافظة سليمة من الاختلاط وآثاره، قد رفضه المجتمع ديانة ونخوة وحمية وعادة، فهو (همّ) يقلق بعض الناس يصبح معهم وينام ويستميتون في الترويج له، وهي لوثة فكرية تستر نفسها بعباءة فقهية، فالفقيه غيور على حرمات الناس ثائر في وجه المنكرات وألوان الفساد وليس عجلة في قطار الزجّ بمجتمعات المسلمين في متاهات الكهوف المظلمة بالفساد والريبة.
لا زلت غير قادر على فهم من يدّعي (المسلك) و (الخلاف الفقهي) في هذه المسألة، حين يسطّر عشرات المقالات بجهادٍ متواصل لاستحثاث الخطى لفكّ قيود الاختلاط بينما لا يجود قلمه بنقطة حبر عن الاختلاط (الآثم) الموجود في كثير من المجامع مما يسلّم بحرمته إبليس، بل إنّ الإنكار على صور الاختلاط فيها يجعل ذلك الشخص يتذّكر مسألة الاختلاط المباح المحتشم ..
فهل هذا كلّه مجرّد خلافٍ فرعيّ وتَقَفٍٍّ لجواد الفقهاء؟
стр. 892
مفهوم الاختلاط بين التأصيل والتضليل
سعود بن محمد بن حمود العقيلي
باحث في مجال الاختلاط لمرحلة الدكتوراه
من الأهمية بمكان معرفة مفهوم الاختلاط ومحدداته لكي تتضح صوره، ومن خلال ذلك يمكن أن نفرق بين ما هو اختلاط وما هو غير ذلك، حيث إنه لا زال هناك عدم وضوح لهذا المصطلح، مما أدى إلى كثير من الالتباس عند العامة والخاصة، نتج عنه تساهل كبير في تناول مصطلح الاختلاط، فجعل البعض يختزل حكم الاختلاط بأنه مباح بناء على ما يرونه أنه صورة من صوره، وهو الالتقاء العابر أو التقابل غير المقصود الذي يقع في الأماكن العامة كالشوارع والأسواق والمساجد ونحوها، ثم هو بعد ذلك يقيس باقي صوره على هذه الصورة، ولاشك أن هذا تجن واضح وتحريف للكلم عن مواضعه.
إن الاختلاط في عالمنا الإسلامي والعربي في العصر الحاضر، أصبح له صور كثيرة ومتعددة كما هو الحال في العالم الغربي الذي لا يقيم للدين والأخلاق وزنا، ذلك أن الاختلاط صنعة غربية تم تصديرها إلينا ونمط اجتماعي غربي فرض علينا.
إن الاختلاط هو القضية الأساس التي يسعى المفسدون لنشرها في المجتمع ويستميتون في إقناع الناس بها، ويوجدون لها المسوغات بل ويجعلونها من الضرورات، ويعزون كل بلاء في الأمة وتخلف وانحطاط إلى ما ساد من عزل المرأة عن الرجل في التعليم والعمل وغيره!!.
ويعلم المفسدون أنهم إن نجحوا في نشر ثقافة الاختلاط فإن ما بعده من الإفساد سيكون أهون، والمجتمع إليه أسرع، وهنا مكمن الخطر.
إنني أُعد الاختلاط نازلة من النوازل الفقهية في هذا العصر, جرَّت إلى مفاسد كثيرة، ومن قارن حال العالم الإسلامي قبل بدعة الاختلاط وبعدها، تبين له الفرق الكبير، ولكل قارئ أن يتساءل ما هو الاختلاط ومحدداته؟!
فأقول وبالله التوفيق: يرتبط المعنى الاصطلاحي بمعناها اللغوي ارتباطاً وثيقاً، وقد تكتسب الكلمة معان متعددة بحسب عوامل متعددة، إلا أنها تظل مرتبطة بمعناها اللغوي، ومن ثم يمكن الوقوف من خلال استعمالاته اللغوية السليمة على حقيقة المعنى الاصطلاحي.
الاختلاط لغة:
الخليط والمخالط كالنديم للمنادم والجليس للمجالس.
واختلط القوم في الحرب تشابكوا، وخالط الذئب الغنم وقع فيها.
ورجل خلط يتحبب إلى الناس ويختلط بهم قال طرفة
خالط الناس بخلق واسع -- لا تكن كلباً على الناس تهر
ورجل خلط مختلط بالناس متحبب، وامرأة خلطة كذلك أي مختلطة بالناس متحببة لهم.
والخِلط المختلط بالناس يكون الذي يتملق ويتحبب إليهم والأنثى خلِطة.
والعرب تقول اخلط من الحمى يريدون أنها متحببة إليه، متملقة بورودها إياه، واعتيادها له كما يفعل المحب الملِق.
قال السيوطي أصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء بعضها في بعض وقد توسع فيه حتى قيل رجل خلط إذا اختلط بالناس كثيراً.
وعليه فنلحظ في المعنى اللغوي أن الاختلاط يكون فيه تحبب وتودد وتوسيع للأخلاق وتحسينها.
لذا فهو قريب المعنى جدا لبعض معاني الاختلاط الاصطلاحي الذي سنذكره قريبا، وقد وردت الكلمة وبعض مشتقاتها في القران الكريم
١ - ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أي تشاركوهم في المطعم والمشرب والمسكن والخدمة.
٢ - ﴿وإنَّ كثيراً من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض﴾ فالخلطاء الشركاء والأصحاب.
وكذلك وردت الكلمة ومشتقاتها الدالة على المعاني نفسها في السنة ومن ذلك ما يلي:
١ - ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)
стр. 893
٢ - ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير يا أبا عمير ما فعل النغير؟.
٣ - ما رواه البخاري في باب طواف النساء مع الرجال، قال عطاء: لم يكن يخالطن الرجال كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم.
٤ - وقد اخرج أبو داود في سننه عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج المسجد فاختلط الرجال بالنساء فقال رسول اله صلى اله عليه وسلم استأخرن ---- الحديث
أما تعريف الاختلاط اصطلاحاً:
فهو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم اجتماعاً يرفع الكلفة ويزيد الألفة وهو كذلك تزاحم بالأبدان وتماسها.
ففي هذا التعريف نلحظ انه أشار إلى نوعي الاختلاط سواء كان في تماس الأبدان وتقارب الأنفاس ولو لم يكن هناك سابق معرفة كما يحدث في الأماكن المزدحمة والضيقة وهذا ما يسمى بالاختلاط الحسي.
أو كان هذا الاختلاط بدون تماس غالبا كما هو الحاصل في التعليم المختلط والعمل المختلط، حيث تتكسر الكثير من الحواجز بين الجنسين بسبب طول الاجتماع، فقد يرى الرجل زميلته في العمل أكثر من زوجته وكذلك العكس، فينتج عن ذلك ارتفاع الكلفة وزيادة الألفة فيحصل بذلك تقارب القلوب والنفوس واستحسان للمحادثة وتلذذ بالجلوس والحديث وتبادل النكات والطرائف وقد يحصل بهم الأمر أن يدعوها أو تدعوه أن يتناولا الطعام سوياً، كل ذلك بحجة الزمالة وقدم المعرفة وثقتها بأخلاقه وهنا مكمن الخطر ذلك لأن الله قال في كتابه ﴿ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ وقال ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ فالخضوع بالقول وصوت الخلخال داعيان للزنا وأنهما طريقان إليه، فجاء تحريمهما سداٍ وحسماً للشر من أصله، بل وجاء هذا الكلام في كتاب الله صريحاً لكي لا يختلف فيه المسلمون، ولكي يعلموا أن سد الطرق الموصلة للزنا، أمر أوجبه الله تعالى ليس خاضعاً لاجتهاد عالم ولا لإنكار منكر.
ولكل عاقل أن يقارن بين ما يحدثه خضوع المرأة بصوتها، وكذلك صوت خلخالها إذا ضربت به الأرض، وبين ما يحصل في الاختلاط مما ذكرنا آنفاً من ارتفاع للكلفة وزيادة للألفة وتبسط في الكلام، أيهما أشد ضرراً على قلب الرجل؟!
فإذا كان الله قد حرم على المرأة أن تخضع بالقول ولو لمرة واحدة مع رجل لا تعرفه في سوق أو مكان عام، فما بالك بالخضوع بالقول بشكل دوري ويومي، بل وأشد من ذلك كالتبسم والضحك والتبسط في الحديث وطول المقابلة والجلوس، وكذلك بالنسبة للخلخال فأيهما أشد أثراً هذا الذي يحدثه فرقعة الخلخال لامرأة مرت مروراً عابراً برجل أجنبي لا يعرفها أم الاختلاط بها لساعات طويلة؟!
وكذلك بالنسبة للتطّيب والتعطر فالنبي ﷺ يصف المرأة المتطيبة بالزانية، هكذا بكل وضوح وصراحة مع أنه ﵊ عفيف اللسان نظيف المنطق كما قال عنه عبد الله بن عمرو ﵄، ما كان رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً، ومع ذلك يصف المرأة المتعطرة بهذا الوصف، فالمرأة العاملة في مجمع الرجال، كيف لها أن تتقابل مع زملائها في العمل ورائحة العرق ونحوه تخرج منها بل وقل أشد من ذلك إذا كانت في فترة الحيض, وقل مثل ذلك عن الطالبة في قاعة الدراسة.
وكذلك بالنسبة للنظر فكيف يغض أحدهما بصره عن الآخر وهما يجتمعان في مكان واحد طيلة الوقت وقد يمارسان عملاً مشتركاً كالطبيب مع زميلته الطبيبة أو الممرضة أثناء إجراء عملية أو تطبيب مريض، وكذلك الأستاذ مع طالباته أو الأستاذة مع طلابها في قاعة التدريس أو الطالب مع زميلته في قاعة المختبر، فكيف يمكن لهؤلاء أن يلتزموا بقول الله تعالى ﴿قل لمؤمنين يغضوا من أبصارهم ... ﴾ وقوله تعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ... ﴾.
وقول النبي ﷺ عندما سأله جرير بن عبدالله ﵁ عن نظر الفجأة فقال ﵊: اصرف بصرك، وقوله لعلي ﵁: ياعلي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية.
كيف يستطيع الطالب أن يتابع شرح معلمته دون النظر إليها مرة بعد أخرى, وكذلك الحال مع زميلاته في القاعة ماذا عساه أن يفعل وكيف يستطيع غض بصره؟، وهو كلما أرسله اصطدم بصره بهذه أو بتلك.
تلك بعض الإشكالات التي أفرزتها ثقافة الاختلاط، ذلك لأنه نمط اجتماعي غربي لا يتناسب وواقع المجتمعات التي تدين بالإسلام، ناهيك عن ما ينتج عنه من الفساد كالزواج السري الذي يتم بدون إذن الأهل والتحرش الجنسي والزنا وليس هذا مقام الحديث عن ذلك هنا. وللحديث بقية.
стр. 894
الموالاة: معناها ومظاهرها
أبو مريم محمد الجريتلي
إنَّ الحمد لله نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحْده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْيُ محمَّد ﷺ وشر الأمور محدثَاتُها، وكلَّ محدثة بدْعة، وكل بدْعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فلقد رأيتُ لأهل العلْم كلامًا كثيرًا في باب الموَالاة بين مُقلٍّ ومكثرٍ، ومُجملٍ ومفصِّلٍ، وكلٌّ له الفضْل والسبق؛ فكتبتُ لنفسي كلمات في هذا الباب أشْبه بالملخَّص للدِّراسة، فأشار عليَّ مَن رآه من أهلِ العلم أن أرَتِّبه وأعرضه على طلَبة العلم في حلق الدراسة، فلقي قبولاً - ولله الحمد والمنَّة - فسطرته في هذه المقالة؛ راجيًا من الله أن تعمَّ الفائدةُ، فيعظم الأجر، والله المستعان، وعليه التكلان.
تعريف المُوَالاة:
يقول ابنُ تيميَّة ﵀: " (الولاية) ضد العَداوة، وأصل الولاية المحبَّة والقُرب، وأصل العداوة البغض والبعد، وقد قيل: إنَّ الولي سُمِّي وليًّا من موالاته للطاعات؛ أي: متابعته لها، والأول أصَحُّ، والولِيُّ: القريب، فيقال: هذا يلي هذا؛ أي: يقرب منه، ومنه قوله ﷺ : ((ألحقوا الفرائض بأهلِها، فما أبقت الفرائض فَلأَوْلَى رجلٍ ذَكَر)) (١)؛ أي: لأقرب رجل إلى الميت، فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه - كان المعادي لوليه مُعاديًا له؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢)، فمَن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومَن عاداه فقد حارَبَهُ، فلهذا قال: ((ومَن عادى لي وليًّا، فقد بارَزَنِي بالمُحَاربة)) (٣).
صوَر الموالاة ومظاهرها:
تدور الموالاة حول ثلاثة أصول:
١ - الحب والمودَّة:
قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤).
يقول ابن تيميَّة ﵀: "ونظائر هذا في غير موضعٍ من القرآن، يأمُر - سبحانه - بِمُوالاة المؤمنين حقًّا، الذين هم حِزْب الله وجُنده، ويُخبر أنَّ هؤلاء لا يُوالون الكفُّار، ولا يوادونهم" (٥).
стр. 895
يقول ابن رجب ﵀: "فأولياءُ الله تجب مُوالاتهم، وتحرم معاداتهم، كما أنَّ أعداءه تجب مُعاداتهم، وتحرم موالاتهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٢)، (٣).
٢ - النصرة:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (٥).
وعن جبير بن مطعم ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((ليس منَّا مَن دعا إلى عصبيَّة، وليس منَّا مَن قاتَلَ على عصبيَّة، وليس منَّا مَن مات على عصبيَّة)) (٦).
وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((مَن خَرَج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهليَّة، ومَن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبيَّة، أو يدعو إلى عصبيَّة، أو ينصر عصبية فقُتل، قُتل قتلة جاهلية)) (٧).
٣ - الاتِّباع:
قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (٨) والأحاديث في النهي عن مُتابعة أهل الكتاب مُتَواتِرة:
فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لتتبعُنَّ سنن مَن كان قبلكم، شبرًا بشِبْر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه))، قُلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: ((فمَن؟)) (٩)، وفي الحديث: ((مَن تَشَبَّه بقوْمٍ فهو منهم)) (١٠).
يقول ابن تيميَّة ﵀: "فالمشابَهة والمُشارَكة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة" (١١).
стр. 896
ويقول ﵀: "إنَّ المُشَابَهة في الظاهر تورِّث نوعَ مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابَهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة"، فإذا كانت المشابَهة في أمور دنيويَّة تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإنَّ إفضاءَها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تُنافي الإيمان؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢)، فبَيَّنَ أنَّ الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأنَّ عدم اللازم يقتَضِي عدم الملزوم.
وقال - سبحانه -: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)، فأخبر - سبحانه - أنَّه لا يوجد مؤمن يوَادّ كافرًا، فمَن وادَّ الكفَّار فليس بمؤمن" (٤).
وقال ابن حزم: "صحَّ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٥)، إنَّما هو على ظاهره بأنه كافر في جُملة الكفَّار، وهذا حقٌّ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" (٦).
يقول ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٧)؛ أي: شك، وريب، ونفاق، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: يُبادرون إلى مُوالاتهم ومَودتهم في الباطن والظاهر (٨).
ومِن مَظاهر المُوالاة الممنوعة:
стр. 897
مظاهرة الكافرين، وإعانتهم، والتجَسُّس على المسلمين، وإفشاء أخبارهم وأسرارهم، وكشْف عوراتهم لأعداء الدِّين، والفرَح لِمُصاب المسلمين، والحزن لنصرهم، وتمنِّي هزيمتهم، والسعي لذلك بالقلَم والمال والنفْس، والدعوة إلى خلْع رابطة الولاء الدِّيني، وجعل الولاء على أُسُس عرقيَّة؛ مثل: الوطنيَّة، والقوميَّة، والفرعونيَّة.
قال الشيخ الشِّنقيطي ﵀: "ومن هدْي القرآن للتي هي أقوم: هدْيه إلى أنَّ الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن يُنادى بالارتباط بها دون غيرها - إنما هي دينُ الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي، كأنه جسَد واحد، إذا اشتكى منه عُضو، تداعَى له سائرُ الجسَد بالسهَر والحُمَّى" (١).
ومن مظاهر الولاء:
الدعوة إلى زمالة الأديان، ورفْع شِعار: "الدِّين لله، والوَطَن للجميع"؛ ليذوب معنى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ٌ﴾ (٢)، و ((المسلم أخو المسلم))، ومن ذلك: التجمُّع تحت أحزاب وكيانات تشترط أن يكون الاجتماع لا على أساس الدين؛ كالماسونية، ونوادي الروتاري والليُونز، أو أحزاب سياسية تفصل الدِّين عن السياسة، كالعلمانية، وشعارهم: "لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة".
ومن ذلك:
دعوى تقديم الواجب الوَطَني على الواجب الدِّيني، فإذا تعارَض عندهم الدِّين والوطنية، قدم ما فيه مصلحة للوطن - في ظنِّهم - حتى لو كان فيه مُحاداة لله ورسوله، ومُحاربة لدِينه وأوليائِه.
ومن ذلك:
"كسر حاجز الولاء والبَرَاء بين المسلم والكافر، وبين السُّنِّي والبِدعي، وهو ما يُسَمَّى في التركيب المولد باسم: (الحاجز النفسي)، فيُكسر تحت شعارات مضَلِّلة: (التسامُح)، و (تأليف القُلُوب)، (نبذ الشذُوذ والتَّطَرُّف)، و (التَّعَصُّب)، و (الإنسانيَّة)، ونحوها من الألفاظ ذات البَريق، والتي حقيقتها: (مؤامرات تخريبية)، تجتمع لغاية القضاء على المسلم المتمَيِّز وعلى الإسلام" (٣).
ومِن ذلك:
تَوْلِية الكُفَّار ما فيه سلطان على المسلمين، وتنصيبهم أمراء وقادة ومستشارين وبطانة من دون المؤمنين، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤)، يقول ابن القَيِّم ﵀: "ولَمَّا كانت التوْلية شقيقةَ الولاية، كانت توليتهم نوعًا من تَوْليهم، وقد حكم الله - تعالى - بأن مَن تَوَلاَّهم فإنَّه منهم، ولا يتم الإيمانُ إلاَّ بالبَرَاءة منهم، والولاية تُنافِي البَرَاءة، فلا تجتمع البَرَاءة والولاية أبدًا، والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكُفر أبدًا، والولاية صلة فلا تجامِع مُعاداة الكافرين أبدًا" (٥).
ومن ذلك:
стр. 898
طرْح الاعتزاز بآداب الإسلام وأخلاقياته، والاعتزاز بكلِّ ما يُتلقى عن الغرب الصليبي - وإن خالَفَ الإسلام - باسم المدَنيَّة، والتقدُّم، أو الحضارة والرَّقي، أو باسم الموضة أو الفن أو تحت أيِّ مسمَّى، وازدراء من تَمَسك بآداب الإسلام وهدْيه، ورَمْيه بالتَّخَلُّف والرَّجْعِيَّة.
ومن ذلك:
الاحتفال بأعياد المُشركين وتسميتها أعيادًا؛ كعيد الحُب، وعيد شَمّ النسيم، وعيد رأس السَّنة الميلاديَّة، ومُشاركة المُشركين في ذلك، والفرَح بها أكثر منَ الفَرَح بأعياد المسلمين، وربما رفع بعضُهم شعارات عليها فينوس، ويقولون: (فينوس إله الحبِّ)، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
وقال أبو العالية، وطاوس، وابن سيرين، والضَّحَّاك، والربيع بن أنس، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١)، قالوا: هي أعياد المشركين" (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تعَلَّمُوا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم" (٣).
ومن ذلك:
حب الهجرة إليهم، والاعتزاز بالتجنس بجنسيتهم، والافتخار بذلك، وفي الحديث: ((لا تُساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم؛ فمن ساكنهم أو جامعهم، فليس منَّا)) (٤).
ومن ذلك:
السخرية من اللغة العربية لُغة القرآن، ومحبة لغة الأعاجم، والتحَدُّث بها، والافتخار بذلك، وتقديم مَن يجيدها وإن كان عدوًّا لله ورسوله.
دعاوى أهل النِّفاق في مُوالاة أعداء الدِّين:
١ - يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة:
ما حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٥)، يقول ابن كثير ﵀: "قال ابن إسحاق: وحَدَّثَني أبي، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربتْ بنو قينقاع رسولَ الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفَّار وولايتهم.
قال: وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلتِ الآيات من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٦)؛ يعني: عبد الله بن أبي إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُ ونَ﴾ (٧)؛ يعني: عُبادة بن الصامت" (٨).
٢ - يُسارعون فيهم يبتغون عندهم العزة:
стр. 899
كما قال الله عنهم في مُحكم التنزيل: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (١).
يقول الشيخ ناصر السعدي ﵀:
﴿بَشِّرِ المُنَافِقِينَ﴾؛ أي: الذين أظهَرُوا الإسلام، وأبطنوا الكُفرَ، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم، وذلك بسبب محبتهم الكفار، وموالاتهم، ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين، فأي شيء حملهم على ذلك؟
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾: وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين؛ ساء ظنُّهم بالله، وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتَّخذوا الكافرين أولياء، يتعزَّزون بهم ويستنصرون.
والحال أنَّ العزَّة لله جميعًا، فإنَّ نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفَّل بنَصْر دينه وعباده المؤمنين، ولو تَخَلل ذلك بعض الامتحان لعبادِه المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستَمرَّة، فإنَّ العاقبة والاستقرار للمؤمنين.
وفي هذه الآية الترهيب العظيم من مُوَالاة الكافرين، وترْك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأنَّ الإيمان يقتَضي محبَّة المؤمنين وموالاتهم، وبُغْض الكافرين وعداوتهم" (٢).
٣ - يريدون عرَض الحياة الدنيا:
كما قال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (٣).
يقول ابن كثير ﵀: "يُخبِر - تعالى - عنِ المنافقين أنهم يتَرَبَّصون بالمؤمنين دوائر السوء؛ بمعنى: ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكُفر عليهم، وذهاب ملتهم، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾؛ أي: نَصْر وتأييد وظفر وغنيمة، ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؛ أي: يتودَّدُون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾؛ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإنَّ الرسُل تبتلى ثم يكون لها العاقبة" (٤).
٤ - يحسدون أهل الإيمان على ما آتاهم الله من فضله:
كما قال - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥).
стр. 900
يقول ابن كثير ﵀: "يقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتِّخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم، وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالاً؛ أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكلِّ مُمكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿قَدِ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾؛ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (١)، وذلك أشدُّ الغيظ والحنق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢)؛ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أنَّ الله متِمٌّ نعمته على عبادِه المؤمنين، ومكملٌ دينه، ومعلنٌ كلمته، ومظهرٌ دينه، فموتوا أنتم بغيظكم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنُّه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمِّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها" (٣).
ونصيحة لكل مسلم يسير إلى الله يبتغي الحق ويسأل الله العون:
لا ترغب عن سبيل المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤)، وقال - سبحانه -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٥).
يقول ابن كثير ﵀: ﴿نَوَلِّه مَا تَوَلَّى﴾؛ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره، ونزيّنها له؛ استدراجًا له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٨)، وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأنَّ مَن خرج عن الهدى لَم يَكُن له طريق إلاَّ إلى النار يوم القيامة" (٩).
فلا ترغب عن سبيل المؤمنين، ولا تقتفِ سُبُل المجرمين من الكفَّار والمنافقين، واعلم أنه ما من سبيل منها إلا وعليه شيطان يدعو إليه ويزينه لأهله.
فإن وفقك الله لسبيل المؤمنين فإياك والتفرُّقَ فيه، واسمع لقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠).
стр. 901
وعليك بالنُّصح لكل مسلم؛ فـ ((الدين النصيحة))، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكل مسلم (١).
وفي رواية: ((أبايعك على أن تعبُد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين)) (٢).
فالنصيحةُ للمسلمين هو مُقتضى ترْك التفرُّق في السبيل، وهو هديُ أهل السنَّة وسَمْتهم.
يقول ابن تيميَّة ﵀: "ثُمَّ مِن طريقة أهْلِ السُّنَّة والجماعة اتِّباع آثار الرَّسول ﷺ باطنًا وظاهرًا .... إلى أن يقول ﵀: ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتَقِدون معنى قوله ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشُد بعضه بعضًا)). (٣) وقوله: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمَثَل الجسد الواحد، إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهَر" (٤)، (٥).
جَعَلَنَا اللهُ وإياكم مِمَّن لا يُفارقون السبيل، ولا يَتَفَرَّقون فيه، اللهم آمين.
المصدر: موقع الألوكة
стр. 902
الحرم المكي ومضاعفة الأجر فيه
عبد اللطيف بن عوض القرني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
إن أفضل البقاع على الإطلاق البلد الحرام، خصّه الله سبحانه بالفضائل والمزايا وجعل له أحكاماً تخصّه عن سائر البلدان، ولذا كان من المناسب توضيح بعض الأحكام المتعلقة بالحرم المكي، وخاصة مضاعفة الأجر فيه، وقبل أن نشرع في ذلك لا بد من تعريف الحرم وحدوده وفضائله، فنقول:
الحرم وأسماؤه:
ورد اسم الحرم في كتاب الله _عز وجل_ وفي سنة نبيه محمد _صلى الله عليه وسلم_ ولفظ الحرم إذا أطلق عموماً فإنه يراد به حرم مكة وهو حرم الله وحرم رسوله _صلى الله عليه وسلم_، والحرم قد يكون الحرام، مثل: زمن وزمان، كما يطلق على حرم مكة: المحرم. (لسان العرب ٤/ ٩٥).
والحرمان: مكة والمدينة. جمع أحرام.
والحرم: حرم مكة وهو ما أحاط بها من جوانبها وأطاف بها جعل الله حكمه حكمها في الحرمة تشريفاً لها. (تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/٨٢).
وهذا التعريف عام وهو مبنى على أن الحرم يشمل مكة، أما الآن فإن أجزاء من مكة خارج الحرم.
الفرق بين الحرم والمسجد الحرام:
ورد ذكر اسم المسجد الحرام في خمسة عشر موضعاً من كتاب الله وقد اختلف في المراد به على أقوال ذكرها ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة بقوله: "المسجد الحرام يراد به في كتاب الله ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله" (أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٩).
وزاد النووي في المجموع مراداً رابعاً وهو مكة. (المجموع شرح المهذب ٣/ ١٨٩).
حدود الحرم:
معرفة حدود الحرم مهم جداَ لتعلق كثير من الأحكام به، قال النووي: "واعلم أن معرفة حدود الحرم من أهم ما ينبغي أن يعتنى ببيانه، فإنه يتعلق به أحكام كثيرة" (تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/٨٢).
وحرم مكة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والأصل في معرفة حدوده التوقيف، ولا مجال للاجتهاد فيه منذ أن نصب سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ أنصاب الحرم، واختلف العلماء في زمن تحريم مكة، والصحيح أن مكة لم تزل حرماً من حين خلق الله السموات والأرض لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس _رضي الله عنه_ما أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة". (البخاري ٤/ ٤٦، ومسلم ١/ ٩٨٦).
فيفهم من ذلك أن مكة كانت حرماً منذ خلق الله السماوات والأرض وأن ما ورد في حديث عبد الله بن زيد _رضي الله عنه_ أنه سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "إن إبراهيم حرم مكة ... " (أخرجه البخاري ٤/ ٣٤٦، ومسلم ١/ ٩٩١).
فيحمل على أن إبراهيم ﵇ هو الذي أظهر تحريمها بعد أن كانت خفياً، فوضع أنصاب الحرم بدلالة جبريل ﵇ له، وهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد ورجحه النووي وابن كثير (الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٢) (المجموع ٧/ ٤٦٦) (تفسير ابن كثير١/ ١٧٤).
حدود الحرم من الطرق الحديثة:
أما مداخلة إلى مكة من الطرق الحديثة:
١ - من طريق جدة السريع: (٢١كم): من جدار المسجد الحرام الغربي من باب الملك فهد وحتى العلمين الجديدين على الطريق.
٢ - من طريق الليث اليمن الجديد (٢٠كم): من جدار المسجد الحرام الجنوبي وحتى العلمين الجديدين على الطريق.
٣ - من طريق الطائف الهدى الجديد (١٤.٦٠٠كم): من جدار المسجد الحرام الجنوبي وحتى العلمين الجديدين على الطريق السريع (الطائف الهدى) بالقرب من جامعة أم القرى.
стр. 903
٤ - من طريق الطائف السيل السريع (١٣.٧٠٠كم): من جدار المسجد الحرام الشرقي وحتى العلمين الجديدين على طريق الطائف.
(انظر: أحكام الحرم المكي الشرعية، الحويطان ص ٤٠. وقد ذكر في الحاشية الجهاز الذي قام بقياس المسافة وهو " GPS") .
وهناك بعض الاختلافات في حساب المسافات على حسب الجهاز المستخدم والأجدر أن يحرص المتخصصون على تحديد أعلام الحرم وحدوده بدقة في هذا الزمن لتقدم الوسائل والعلوم المعنية في هذا المجال لما يترتب على ذلك من أحكام مهمة.
فضل حرم مكة:
لقد فضل الله حرمه على سائر بقاع الأرض وجعل له فضائل عظيمة وفي ذلك يقول ابن القيم: ومن هذا اختياره من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها وهي البلد الحرام فإنه اختاره لنبيه _صلى الله عليه وسلم_ وجعله مناسك لعباده وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق. (زاد المعاد ١/ ٤٦).
ومن أهم الفضائل التي يختص به حرم مكة:
الأول: فيه بيت الله الحرام:
شرف الله منطقة الحرم بأن جعل بيته الحرام فيه كما قال سبحانه في دعاء إبراهيم _عليه السلام_: " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (إبراهيم:٣٧).
فكان أول بيت وضع للعبادة كما قال الله _تعالى_: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ" (آل عمران:٩٦).
وجعل حج الناس إليه كما قال _تعالى_: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران: من الآية٩٧).
وجعل سبحانه قصده مكفراً لما سلف من الخطايا والآثام كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". (أخرجه البخاري ٣/ ٣٨٢ واللفظ له، ومسلم ١/ ٩٨٤).
وحمى الله بيته كما في قصة أصحاب الفيل، كما جعل الصلاة فيه مضاعفة كما سيأتي بحث ذلك بالتفصيل.
الثاني: جعل الله الحرم آمناً:
اختص الله الحرم بأن جعله آمناً بدعوة سيدنا إبراهيم _عليه السلام_ عندما دعا ربه "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ" (البقرة: من الآية١٢٦).
وقد امتن الله على قريش بأن جعلهم آمنين في بلدهم وفي سفرهم، قال الله _تعالى_: "الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" (قريش:٤)، وهذا الأمن كان في الجاهلية عرفاً واعتقاداً منهم، وفي الإسلام شرعة ومنهاجاً قال الله تعالى: "وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً" (آل عمران: من الآية٩٧).
الثالث: مضاعفة الرزق فيه:
لقد استجاب الله دعاء إبراهيم _عليه السلام_ كما في قوله _تعالى_: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (إبراهيم:٣٧).
وقيل: لما دعا إبراهيم ﵇ استجاب الله دعاءه ونقل الطائف من الشام إلى مكة ولا يصح هذا، وثبت عن أنس بن مالك _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من بركة" (أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٩٧، ومسلم ١/ ٩٩٤).
стр. 904
ومن عاش في تلك البقعة المباركة لمس الرزق فالخيرات تحمل إليها من كل بقعة طوال العام، قال ابن سعدي _رحمه الله_: "فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت، والثمار فيها متوافرة، والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب" (تيسير الكريم الرحمن ص ٤٢٧).
الرابع: مكة لا يطأها الدجال:
اختص الله مكة والمدينة بأن الدجال لا يدخلهما كما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة" (أخرجه البخاري ٤/ ٩٥، ومسلم ٣/ ٢٢٦٥).
كم حرماً على وجه الأرض:
ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة حرمة مكة والمدينة، وهو قول عامة أهل العلم ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة فيما يتعلق بحرمة المدينة حيث ذهب إلى أن المدينة ليست بحرم، واختلف العلماء في وادي وج، وذهب الشافعي _رحمه الله_ إلى أن وجّاً حرم واستدل بحديث الزبير بن العوام أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "إن صيد وج وعضاهة حرام محرم لله" (أخرجه أبو داود ٢/ ٥٢٨، والبيهقي ٥/ ٢٠٠) وضعفه جماعة من العلماء لضعف محمد بن عبد الله الطائفي.
والصحيح أن وجاً ليس بحرم وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
مضاعفة الصلاة في الحرم:
ثبت في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله _رضي الله عنه_ما أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه". (رواه أحمد ٣/ ٣٤٣، ٣٩٧) وفي إسناده مقال.
كما روى عبد الله بن الزبير _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا" (رواه أحمد ٤/ ٥، والبيهقي ٥/ ٢٤٦)، وورد الحديث موقوفاً على عبد الله بن الزبير وهو أصح من المرفوع كما ثبت موقوفاً على عمر _رضي الله عنه_ (ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧١)، ومجموع هذه الأحاديث ترتقي إلى درجة الحسن وتعضدها الآثار الثابتة عن الصحابة.
فتخيل أيها القارئ الكريم كم يخرج المرء بأجر عظيم مضاعف إذا قسمت تلك المضاعفة على قدر الصلوات الخمس في اليوم والليلة ولكن هل هذه المضاعفة في صلاة الفريضة والنفل اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: إن المضاعفة تعم صلاة الفريضة والنفل وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة. (انظر مطالب أولي النهى ٢/ ٣٨٣، والفروع ١/ ٥٩٩).
القول الثاني: إن المضاعفة تختص بالفريضة فقط وهذا مذهب أبي حنيفة والمالكية. (انظر مشكل الآثار ١/ ٢٥١، وفتح الباري ٣/ ٦٨).
واستدل أصحاب القول الأول بعموم النصوص السالف ذكرها.
واستدل أصحاب القول الثاني بحديث زيد بن ثابت _رضي الله عنه_ عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" (أخرجه البخاري ٢/ ٢١٤).
فلو كانت صلاة النافلة تضاعف في مسجده _صلى الله عليه وسلم_ لما أرشدهم _صلى الله عليه وسلم_ إلى الصلاة في بيوتهم.
وأجيب عن هذا القول بأجوبة منها:
١ - لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما وكذا في المسجدين.
٢ - أن الصلاة في البيوت تعظم ولا تضاعف لعدم وجود نص يفيد ذلك.
وجملة القول إن صلاة الفريضة والنافلة تضاعف في المسجد الحرام وعليه إطلاق الأحاديث الصحيحة كما أن صلاة النافلة في البيت خير من صلاتها في المسجد وحتى ولو كان المسجد من المساجد الثلاثة الفاضلة. (انظر نيل الأوطار ٣/ ٧٣).
مضاعفة الصلاة في الحرم المكي:
стр. 905
اختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام التي تضاعف فيه الصلاة، على أقوال:
القول الأول: أن المسجد الحرام يراد به الكعبة:
واستدلوا بقوله تعالى: " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: من الآية١٤٤) والمقصود أن الاستقبال في هذه الآية للكعبة فقط وأجيب بأن إطلاق لفظ المسجد الحرام هنا من باب التغليب.
واستدلوا بقوله _صلى الله عليه وسلم_: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الكعبة" (أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٦، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧١).
وأجيب بأن المقصود هنا مسجد الكعبة بدلالة حديث ميمونة _رضي الله عنه_اقال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة" (أخرجه مسلم ١/ ١٠١٤).
واختار هذا القول بعض المتأخرين من الشافعية. (أعلام الساجد ص ١٢١).
القول الثاني: أن المسجد الحرام يراد به المسجد حول الكعبة وهو قول الحنابلة (الفروع ١/ ٦٠٠) ورجحه بعض الشافعية (المجموع ٣/ ١٩٠)، واختاره من المتأخرين ابن عثيمين _رحمه الله_ (الفتاوى المكية ص ٣٧).
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١ - قوله تعالى: "وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: من الآية١٩١).
وقوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (التوبة: من الآية٢٨).
وقالوا إن المقصود في هاتين الآيتين مسجد الجماعة الذي حول الكعبة.
٢ - قوله _سبحانه وتعالى_: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (الإسراء: من الآية١).
والنبي _صلى الله عليه وسلم_ أسري به من الحجر عند البيت وقيل أسري به من بيت أم هاني وهو خارج المسجد ولذلك استدل به من يرى أن المضاعفة تشمل جميع الحرم.
ومسألة من أين أسري بالرسول _صلى الله عليه وسلم_ مسألة خلافية.
ولكن الثابت في البخاري عن أنس بن مالك بن صعصعة _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ حدثهم عن ليلة أسري به قال: "بينما أنا في الحطيم وربما قال: في الحجر .. الحديث" (أخرجه البخاري ٧/ ٢٠١).
٣ - ما رواه مسلم عن ميمونة _رضي الله عنه_اقالت: "من صلى في مسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فإني سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة" (سبق تخريجه).
ومفهوم الحديث أن المضاعفة مختص بمسجد الكعبة.
٤ - أن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد كما جاء في حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى" (أخرجه البخاري ٣/ ٦٣، ومسلم ١/ ١٠١٤).
ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعاً بل كان منهياً عنه فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة. (انظر الفتاوى المكية لابن عثيمين ص ٣١).
٥ - ما تقرر من أن الجنب لا يجوز له اللبث في المسجد الحرام كبقية المساجد ومع ذلك يجوز له اللبث في بقية الحرم مما يدل على أن المقصود بالمسجد الحرام مسجد الجماعة لا كل الحرم.
القول الثالث: أن المسجد الحرام يطلق على الحرم كله وهو قول الأحناف (بدائع الصنائع ٢/ ٣٠١)، والمالكية (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ١٢٧٥)، والشافعية (مغني المحتاج ٦/ ٦٧)، ورجحه ابن تيمية (الفتاوى ٢٢/ ٢٠٧)، وابن القيم (زاد المعاد ٣/ ٣٠٣)، وابن باز (مجموع فتاوى ومقالات ١٧/ ١٩٨).
واستدلوا بأدلة منها:
стр. 906
١ - قوله _تعالى_: "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (التوبة: من الآية٢٨).
فهذه الآية تدل على أن المقصود بالمسجد الحرام هو الحرم كله وليس المسجد فقط، قال ابن حزم بلا خلاف. (المحلى ٤/ ٢٤٣).
ونوقش هذا الاستدلال بأن الله _تعالى_ قال: "فَلا يَقْرَبُوا" ولم يقل: فلا يدخلوا، فالمشرك عندما يأتي إلى حدود الحرم فإنه يصبح قريباً من المسجد مما يدل على أن المقصود بالمسجد الحرام في هذه الآية عين المسجد ويجاب عن ذلك بأنه ليس من المسلم أن مقصوده فلا يقربوا المسجد الحرام أي عين المسجد لأنه قربا لكافر من الحرم لا يلزم منه قربه من ذات المسجد وخاصة في العهد القديم وانعدام الوسائل الحديثة فبعض حدود الحرم تبعد عن المسجد أكثر من واحد وعشرين كيلو مما يدل على أن القرب من الحرم لا يلزم منه القرب من عين المسجد الذي هو مكان للطواف.
٢ - قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الحج:٢٥).
والمقصود بالمسجد الحرام هنا الحرم كله ونوقش هذا الاستدلال بأن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية هو المسجد حول الكعبة وهو ظاهر القرآن وقال به النووي (تهذيب الأسماء واللغات ٩/ ٢٥٠)، وابن القيم (أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٩)، وثبت أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_- كما سيأتي - أنه كان يصلي في الحرم فعلم من ذلك أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن صد عن الحرم.
٣ - أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ - عندما كان في صلح الحديبية - (أخرجه أحمد مطولاً ٤/ ٣٢٣) كان يصلي في الحرم مع أن إقامته في الحديبية بالحل وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم. (الأم ٢/ ٣٤١).
وهذا من أصرح الأدلة على أن مضاعفة الصلاة تتعلق بجميع الحرم وليس مسجد الجماعة فقط قال ابن القيم ﵀: "وفي هذا دلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف. (زاد المعاد ٣/ ٣٠٣).
ونوقش هذا الاستدلال بأن غاية ما يدل عليه الحديث فضيلة الصلاة في الحرم مقارنة بالحل وهذا لا شك فيه قال الرحيباني وهذا لا يستريب به عاقل". (مطالب أولي النهى ٢/ ٣٨٤). وأما المضاعفة فهي خاصة بالمسجد.
وأجيب بأن أفضلية الصلاة في الحرم إنما كانت بالمضاعفة المتعلقة بجميع الحرم وإلا لما كان للحرم مزية في الصلاة فيه عن باقي الأماكن.
وورد عن ابن عباس _رضي الله عنه_ما قوله: الحرم كله هو المسجد الحرام. (أخرجه الفاكهي ٢/ ١٠٦ وفيه مقال).
كما ورد ذلك عن عطاء (مصنف عبد الرزاق ٥/ ١٥١، وابن أبي شيبة ١/ ٤/٣٩٢)، ومجاهد (مصنف عبد الرزاق ٤/ ٣٤٥، وابن أبي شيبة ١/ ٤/٣٩٢)، وقتادة (تفسير الطبري ٣/ ٣٥٩).
مضاعفة أعمال البر الأخرى في الحرم:
اختلف العلماء هل التضعيف خاص بالصلاة أم يشمل جميع الأعمال الصالحة كالصوم والصدقة والتسبيح على قولين:
القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تضاعف في الحرم كالصلاة واستدلوا بأن الأدلة الثابتة في التضعيف مختصة بالصلاة فقط والقول بمضاعفة الطاعات الأخرى يحتاج إلى دليل ثابت وهذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: أن الأعمال الصالحة تضاعف كالصلاة وقال به الحسن البصري فذكر أن من صام في الحرم كتب له صوم مئة ألف يوم ومن تصدق فيها بدرهم كتب له مئة ألف درهم صدقة. (أخبار مكة للفاكهي ٢/ ٢٩٢).
واستدل أصحاب هذا القول بما رواه ابن ماجه عن ابن عباس _رضي الله عنه_ما قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من أدرك رمضان بمكة فصام وقام منه ما تيسر له كتب الله له مئة ألف شهر رمضان فيما سواه ... " (أخرجه ابن ماجه ٣١١٧ وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي، متروك الحديث).
قال الألباني في (الضعيفة ٢/ ٢٣٢): "الحديث موضوع".
ونوقش الاستدلال بأن الحديث لا يثبت.
واستدلوا ببعض الأحاديث والآثار ولكن كلها لا ترقى لدرجة الاحتجاج.
وخلاصة الكلام أنه لم يثبت دليل ينص على مضاعفات الطاعات في المسجد الحرام كمضاعفة الصلاة أي بمئة ألف.
ولكن تبقى الأعمال الصالحة في الحرم لها تعظيم ومزية عن غيرها وذلك لفضيلة الحرم على الحل. (انظر الفروع ١/ ٦٠٠).
وقال ابن باز _رحمه الله_: وبقية الأعمال الصالحة تضاعف - أي في الحرم - ولكن لم يرد فيها حد محدود، إنما جاء الحد والبيان في الصلاة، أما بقية الأعمال الصالحة كالصوم والأذكار وقراءة القرآن والصدقات فلا أعلم. فيها نصاً ثابتاً يدل على تضعيف محدد. (مجموع فتاوى ومقالات ١٧/ ١٩٨).
وفي الختام نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر: موقع المسلم
стр. 907
وسائل الأعداء في إفساد المرأة وأساليبهم
صالح بن ساير المطيري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
الدور الذي يقوم به العلمانيون اليوم لإفساد المرأة هو نفس الدور الذي قام به أسلافهم في مصر قبل مائة عام وهو الدور نفسه الذي قام به المنافقون في عهد الرسول ﷺ ، والمتابع لأطروحات هؤلاء الأعداء يجد أنهم جميعاً يصدرون عن جميع الأفكار التي ذكرها قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة يقول الشيخ سليمان الخراشي وهو كاتب متابع وراصد بشكل كبير في مسيرة القوم يقول: (أخذت أقارن ما أقرأه من كتابات المتحررين والمتحررات بكتاب قاسم أمين فاكتشفت ـ ولست مبالغاً ـ أن القوم يصدرون عن هذا الكتاب في كل صغيرة وكبيرة، بل إنهم لا يزالون يرددون إلى اليوم ما ردده من أفكار وأساليب وأحاديث موضوعة وآثار ضعيفة وقصص مكذوبة دون زيادة أو نقصان)
منهج الخطة العلمانية لإفساد المرأة المسلمة:
يتبع العلمانيون منهجاً واحداً لم يتغير عبر مائة عام من أجل إفساد المرأة وأطروحاتهم التحررية التي جلبوها من الغرب هي أطروحات لم تتغير منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا سوى تغير طفيف لمراعات البيئات ومستجدات العصر لكن المطالب الأساسية لديهم مكررة معادة نقرأها في كتب القدامى ونسمعها من أفواه المعاصرين، فهم في حقيقة الأمر أبواق ينفخ فيها اليهود بروتوكولاتهم، فتمر عبرهم الأفكار اليهودية لتخرج لنا أفكاراً يهودية بلهجة محلية عربية ويمكن تلخيص ملامح هذا المنهج الإفسادي في النقاط التالية:
أولاً: التطبيع:
أي جعل الفساد أمراً طبيعياً حيث يتم طرح مجموعة من الأفكار والمقالات الصحفية ونشر بعض الكتب والقصص والروايات والتي تتحدث جميعها عن موضوعات لها ارتباط بقضية إفساد المرأة حتى يبدأ عامة الناس بقبول تلك الأفكار ويبدأ تأثيرها يتسرب شيئاً فشيئاً إلى تفاصيل حياتهم اليومية ومن القضايا التي تناولها العلمانيون ما يلي:
أ): الاختلاط:
يقول برتراند رسل: ((يجب أن يعالج الجنس من البداية كشيء طبيعي مبهج ومحتشم، وإذا أردنا أن نغفل خلاف ذلك فإننا نكون قد سممنا العلاقات فيما بين الرجل والمرأة وبين الآباء والأولاد) ويقول غيره: (إن الفضيلة التي تستند إلى الجهل لا قيمة لها وإن الفتيات لهن نفس الحق في المعرفة الجنسية كالفتيان) وينطوي تحت ذلك الدعوة للتعليم المختلط منذ الصغر بحجة التعرف على نفسية الجنس الآخر وإزالة الشكوك بينهما بسبب الاعتياد على مشاهدة بعضهم لبعض فيشعر الولد ـ بزعمهم ـ كأنه يعيش مع أخته والفتاة مع أخيها.
ومن التطبيقات العملية التي ينفذها القوم في واقعنا المعاش الاحتفالات المختلطة التي نشاهدها بين آونة وأخرى وإذا وقف المصلحون أمام دعوتهم هذه أجلبوا عليهم بكل ما يجدون من وسائل السب والإقصاء وادعوا بأنهم يريدون الرجوع بنا عن مجالات التقدم، وأنكم تنظرون بمنظار الريبة والشك وإلا فالاختلاط أمر طبيعي فانظروا مثلاُ الحرم المكي والطواف ..
ب): إظهار الألبسة العارية على أنها رقي وتقدم:
стр. 908
المتابع لذلك يجد أن هذه الألبسة العارية ابتدأت في الصحف والمجلات العربية عام ١٩٢٥م أي بعد سقوط الخلافة بعام واحد فقط ظهرت بصورة كثيفة في تلك الحقبة وكا ن ظهورها جرئياً في خلاعته في وقت كانت المرأة المسلمة متمسكة بحجابها الكامل، لكن الضغط الإعلامي وتزيين ذلك والدعوة إلى الموضة وإتباعها أجبر النساء على التخلي عن الحشمة ثم الانجراف قليلاً قليلاً صوب السفور والجري خلف الموضات ولا يزال هذا السيل الجرار من هذا العري يزداد يوماً بعد يوم ولعل محلات الأزياء والمجلات النسائية العربية ومسابقات ملكات الجمال التي يتم عرضها في القنوات الفضائية هي أصدق تعبير على ذلك، ومن طرق الضغط ما يتم ممارسته بإتخام الأسواق وملئها بأصناف الألبسة الغربية المنافية للدين والحشمة والعفاف لإجبار النساء على ارتدائها لعدم أو صعوبة توافر البديل الساتر العفيف.
ج:) إبراز أهل الفن من ممثلين وممثلات ومغنين ومغنيات ولاعبي الكرة على أنهم قدوات فتبرز تفاصيل حياتهم واهتماماتهم وتجرى معهم المقابلات.
د): تعظيم الغرب وأهله وتقديمهم بصفتهم القدوات والمثل الأعلى والملاحظ أن هؤلاء العلمانيين لا يعظمون المظاهر الحسنة التي امتاز بها الغرب من الاختراعات والعلوم الطبية والتقنية وغيرها إنما يركزون أحاديثهم وجميع انتاجهم على ما يريدون من الفساد فهم يقدمون (ثقافة الذباب) التي لا تقع على الزهور والورود بل على أقبح ما لدى الغرب.
هـ): استمراء التفحش بتعويد الناس على إظهار صور من الانحلال الجنسي في وسائل الإعلام بصور تبدو كأنه عفوية بحجة الرشاقة وتمارين تخفيف الوزن، أو باسم التمارين الرياضية، ومن الأساليب الخادعة لنشر التفسخ والفاحشة في المجتمع أن يخصص العلمانيون الصفحات الكاملة للحديث عن مشاكل المرأة الجنسية في المخدع الزوجي بالتفصيل المثير للغرائز أو الحديث المطول عن الفضائح الجنسية والجرائم المتعلقة بالاغتصاب وهم بهذه الطريقة أن ينيروا عقول الناس بزعمهم لمحاكاة تلك القصص (المسلسلات التركية مثالاً) ولإقناع الناس بتدهور المجتمع وأن هذه الجرائم من الأمور المستشرية التي لا يخلو منها بيت.
و:) تحسين العلاقات المحرمة حتى يصلوا إلى تسويغها في النفوس فراحوا يبعدون الشباب عن الزواج وينادون بإلحاح على تأخير الزواج للفتاة بالذات ويبررون ذلك بأن في زواجها ظلماً للأولاد الصغار (وقفة)
ثانياً: استغلال الدين:
لعلم هؤلاء المفسدين أن للدين أثراً على الناس فقد حرصوا على أن يركبوا موجته ويقولوا حقاً ليصلوا به إلى باطل فتراهم ينهجون منهج العرض الديني في أطروحاتهم لإفساد المرأة وهذا المنهج منهج قديم كشفه الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ فيستعمل هؤلاء المصطلحات الدينية للاحتيال والتلبيس ومن أمثلة ذلك:
أ): الاستدلال بالأقوال الشاذة.
ب): ادعاؤهم فهم الدين: فغالباً ما يزعم هؤلاء أنهم هم الذين يفهمون عمق الإسلام وروحه وسماحته ويهاجمون التفسيرات الصحيحة لأحكام الإسلام ويتهمون غيرهم بالجمود والنصية والتشدد في فهم الدين.
ج): التمسح بالدين: لا يفوت القوم أن يختموا أطروحاتهم حول تحرير المرأة بالتأكيد على أن دعواتهم هذه يتم طرحها وفق الثوابت الدينية ودون المساس بها فنجد في عباراتهم (في ما لا يخالف الدين) (في ظل عقيدتنا السمحة) (حسب ضوابط الدين الحنيف) (وفقاً للضوابط الشرعية) وهكذا وهذا كله لا يجاوز حناجرهم بينما فكرهم وسلوكهم يعارض ذلك تماماً.
стр. 909
د): التأكيد على الخلاف الفقهي: فالقضايا التي يعبرون من خلالها إلى الإفساد يسعون فيها إلى إثارة الخلاف (الحجاب الاختلاط، الغناء ... وهم يتميزون في هذا الشأن بأنهم: أولاً لا يفقهون الخلاف الفقهي في غير هذه القضايا التي يثيرونها ويطنطنون حولها فبينما تراهم محيطين بالأقوال الشاذة حول ذلك وإثارتها والبحث عن أقوال أهل العلم في ذلك بكما يخدمهم تجدهم في المقابل لا يعرفون في غيرها من أمور الدين شيئاً وثانياً: عندما يتحدثون عن الخلاف الفقهي لا يبحثون عن الراجح والأقرب للأدلة والإجماع بل يبحثون عن الأقرب لهواهم ولإفسادهم حتى ولو كان دليله ضعيفاً أو لا دليل عليه أو شاذاً غريباً.
ثالثاً: احتواء الأقلام والمواهب النسائية وأسيرات الشهرة والظهور الإعلامي عن طريق استدراجهن بألوان الإغراء كالمال أو الشهرة أو المقايضة بتسهيل أمورهن وفي المقابل إقصاء ومحاربة الأقلام النسائية الشريفة التي لا يستطيعون احتوائها.
رابعاً: ادعاء نصرة المرأة: يدعي هؤلاء أنهم إنما يريدون نصرة المرأة ويسمون المعارضين لهم بأنهم نصبوا أنفسهم أوصياء على المرأة ولكن أطروحاتهم تبتعد عن الحقوق الحقيقة المهضومة فيها المرأة فهم لا يطرحون ذلك إلا لتوظيفها فيما يخدم أهدافهم ومن أسلوبهم في هذه الدعوى:
أ): استغلال المشاكل الاجتماعية للمرأة وجعلها شماعة لمشاريعهم التخريبية وهذه بعض الأمثلة:
• يوجد في مجتمعنا تعامل ظالم من بعض الأزواج أو الآباء وهذا لا يقره الإسلام ولا العقل لكن مثل هذه الأمور يسارع العلمانيون لنشرها وأنها هي الغالبة ليتوصلوا بها إلى إلغاء القوامة
• مهاجمة تعدد الزوجات مستغلين سوء تعامل بعض الأزواج وظلمهم الواضح البين
ب) إقحام الحديث عن الأم والأخت: فعند الحديث مع القوم والنقاش حول الاختلاط يقفز هؤلاء إلى نقطة أخرى لا علاقة لها بالموضوع إلى القول نحن نتحدث عن أمهاتنا وأخواتنا ثم يتضاعف التلبيس في الحوار حتى يقع المحاور معهم في تيه وتفكك.
خامساً: التشكيك في الحجاب: الحجاب عند العلمانيين هو المفصل الأهم في قضية المرأة وهو مصدر الرعب لقلوبهم، فهم عندما يكيسرون هذا المفصل يسهل عليهم النجاح في تحقيق إفسادهم لذلك اعتمدوا على منهج التشكيك في شرعيته أولاً ثم في مناسبته لهذا العصر ثانياً فيرتدون لباس الطهر في هذا الجانب ويتباكون على تضييع حقيقة الدين ويكذبون على أحكام الدين ليوهموا المسلمين بأمور:
• أن الحجاب ليس من الدين أصلاً وإنما لباس اجتماعي موروث عن الأجداد.
• لا يوجد دليل من الدين يوجب الحجاب على المرأة.
• العفاف عفاف القلب وليس بالحجاب فهناك فاسقات يلبسن الحجاب وهناك عفيفات طاهرات لا يلبسن الحجاب وكثيراً ما يرددون مقولة (كم من متحجبة وهي سيئة، وكم من متكشفة وهي بطهر التابعيات) ثم يستمرون بالغمز واللمز للمحجبات بمثل هذه الدعوى لتنفيرهن من حجابهن.
دور وسائل الإعلام في إفساد المرأة:
كانت وسائل الإعلام هي الأبواق التي ينفث فيها هؤلاء من قديم حتى زمننا هذا، وللأسف الشديد أن الإعلام في العالم الإسلامي اليوم ـ في غالبه ـ لا يخدم قضايا الأمة، ولا يسعى في إيجاد الحلول لمشاكلها، بل لا يمثل فكر الأمة ولا دينها إطلاقاً. فهو سلاح بأيدي الأعداء وبوق من أبواقهم، وكان له الدور الأعظم في قيادة الأمة إلى الارتماء في أحضان عدوها، ومما يعنينا في هذا المجال الدور الإفسادي الذي قامت به ـ ولا تزال ـ وسائل الإعلام في إفساد المرأة المسلمة في بلاد الإسلام قاطبة بجميع أنواعها من صحافة وتلفزيون وقنوات فضائية وسينما وغيرها ولنقف مع شيء من هذا الدور الإفسادي.
стр. 910
أولاً: الصحافة والمجلات: كانت الصحافة العربية من بداية إنشائها واقعة تحت تأثير الآراء الغربية فقد كشف هاملتون جب عن خطة الصحافة العربية بقوله: (إن معظم الصحف العربية اليومية واقعة تحت تأثير الآراء والوسائل الغربية، فالصحافة العربية لا دينية في اتجاهها ...) والصحافة والمجلات تقوم بهذا الدور الإفسادي من خلال:
• فتاة الغلاف: حيث أصبحت فتاة الغلاف أمراً لازماً لا تفرط فيها أي من تلك المجلات.
• إظهار الصور الماجنة الخليعة بحجة الجمال والرشاقة أو بحجة تخفيف الوزن أو بحجة ملكات الجمال مع ما فيها من مواضيع الحب والغرام وهذا يهدف إلى تهوين أمر الفواحش وقلب المفاهيم الراسخة، وإحلال مفاهيم جديدة بعيدة عن هوية الأمة ودينها.
• صفحات المشاكل: تقوم الصحف والمجلات بفتح الباب لمن لديه مشكلة عاطفية أو اجتماعية أو جنسية بإرسالها للمجلة لتعرض على مختصين ـ بزعمهم ـ ويكون الحل دائماً بعيداً عن الحل الإسلامي، دائماً حل يدعو المرأة إلى الاستمرار في البعد عن الله ويُسهل عليها كثيراً تجاوز الحدود الشرعية.
• الاستطلاعات: لاشك أن باب الاستطلاعات في بعض المجلات يعتبر من أخطر الأبواب لحرصه على إظهار المرأة المتبرجة في البلدان التي يستطلعها ويثني عليها وعلى تحررها وعلى جهودها، ويتهجم على المرأة المحجبة ويستهزئ بها ويقلل من شأنها.
• الثناء على المرأة المتحررة والاستهزاء بالمرأة المتحجبة: هذه الوسيلة من أخبث الوسائل وأقواها أثراً خاصة على المرأة فتحرص بعض الصحف والمجلات على عمل مقارنة بين صورتين لتمدح المتحررة وتنتقص المتحجبة.
• وفي الآونة الأخيرة أخذت الصحافة المحلية تحت اسم حرية الرأي تطرح بشكل واضح وسافر معارضات صريحة لمسلّمات في الدين لا تقبل النزاع، فباسم حرية الرأي تدعو صراحة إلى نبذ الحجاب وإلى العمل جنباً إلى جنب مع الرجل.
• إبراز المتبرجات والسافرات والمنحلات كقدوات للجيل، تجرى معهن المقابلات وتبرز سيرهن وأعمالهن وخدماتهن الجليلة للمرأة ـ زعموا ـ.
ثانياً: التلفزيون: يُعتبر من أخطر الوسائل الإعلامية لما له من تأثير على المشاهد وذلك لقدرته على جذب الانتباه وتركيزه على دقائق الصور والحركة واللقطات الحية. وفي تقرير لليونسكو يقول: (إن الإنسان يحصل على ٩٠% من معلوماته عن طريق النظر) والتلفزيون يحرص على إظهار المرأة بالصورة العاطفية ويظهر ذلك من خلال الأغاني واللقاءات المحرمة ومشاهدة الإثارة الجنسية.
ثالثاً: السينما والفيديو: هي من الوسائل التي لا تقل خطورة عن التلفزيون إن لم تكن أكثر، وتكمن الخطورة في هاتين الوسيلتين في:
١ - تعدد مصادر نقل الأفلام مما يجعلها تستورد أنماطاً من السلوك والأخلاقيات لكافة شعوب العالم.
٢ - سهولة الحصول على أجهزة عرض منها، وخاصة الفيديو والذي أصبح من السهل أن يحصل عليه من يشاء.
٣ - سهولة تداول الأفلام بين الشباب والفتيات ويسهل كذلك استنساخه.
٤ - يغلب على أفلامهما الأفلام الخليعة الجنسية.
٥ - سهولة المشاهدة بدون رقيب.
رابعاً: القنوات الفضائية: وهذه جمعت شرور وسائل الإعلام جميعاً، ونقلت جميع القنوات الفضائية العالمية إلى العالم الإسلامي بما فيها القنوات الإباحية وهي تعمل على مدار الساعة وأثرت تأثيراً كبيراً على المسلمين رجالاً ونساءً وإن كان التأثير على النساء أعظم وأشد خاصة أن بعض القنوات متخصصة.
خامساً: شبكة المعلومات العنكبوتية: مما زاد المشكلة ونشر الرذيلة المواقع الإباحية التي تستغل المرأة وسيلة لنشر سمومها واستغلال جسدها وبلغ حداً أنه لا يمكن أن يكون له ضوابط، كما استغلت الشبكة في تبني الأفكار المخالفة لدين الأمة في قضايا المرأة وهذه الوسائل جميعاً تكوّن ثقافة في المجتمع مخالفة تماماً عن ثقافة المجتمع الإسلامي، يتقبلها المجتمع بسبب كثرة طرحها وتعدد وسائل الطرح وتنوعها وعدم ظهور الإنكار عليها أو ضعفه. فتصبح من المسلّمات التي لا يناقش فيها، بل يصبح من ينكرها شاذاً في نظر المجتمع﴾﴾ أهـ. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 911
رائد الإبداع طيب الأثر إشارات وعبر من سيرة ومؤلفات الشيخ بكر
محمد بن عبد الله الذياب
الشيخ د. بكر أبو زيد ﵀ عَلَمٌ بارز ومؤلف متميز، وفقيه مبرِّز، كان غيوراً على التوحيد، غيوراً على الحرمات، غيوراً على أعراض المسلمين، غيوراً على نساء وبنات المسلمين، غيوراً على لغة القرآن، غيوراً على طلبة العلم من التخبُّط، غيوراً على أهل العلم من الانجرار وراء الألقاب والتسميات التغريبية، غيوراً على ناشئة المسلمين من التربِّي في أحضان المدارس العالمية، غيوراً على ألسنة المسلمين من التفوُّه بما لا يجوز ولا يليق، غيوراً على منهج السلف، غيوراً على الأمة من التحزب والتفرق، غيوراً على أعراض العلماء والدعاة.
كان الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ مجموعة من التخصصات اجتمعت في رجل؛ فهو الفقيه، والأصولي، واللغوي، والنّسَّابة، والمحدِّث، والأديب، والمؤلف المعتز بعربيته (لغة القرآن) المدافع عن التوحيد والسُّنة.
كان الشيخ بكر ﵀ صاحب مواقف عظيمة؛ فلم يدع مجالاً يهم المسلمين وأهل العلم وطلبته - صغاراً وكباراً - إلا طرقه مؤلِّفاً وموجِّهاً وصادعاً بالحق ومبيِّناً الصواب - كما يراه - ومحذِّراً من المخاطر بنظرة العالم الخبير المشفق الحريص على دينه وأمّته ولغته وناشئة المسلمين وأعراض المسلمات وأعراض أهل العلم؛ فجاءت مؤلفاته شاملة حاوية لعدد من العلوم مراعياً فيها حاجة وواقع المسلمين ونوازل الأمة.
بين الإمام ابن القيم والشيخ بكر أبو زيد رحمهما الله:
لمَّا كان شيخ الإسلام الثاني والإمام الرباني ابن قيم الجوزية صاحب تآليف متميزة، وأساليب مشرقة، وأطروحات مبرِّزة، عاش الشيخ بكر ﵀ معه في كتبه ردحاً من الزمن متأمّلاً، ودارساً، ومحقّقاً، ومنقّباً، ومقرّباً لعلومه - فعالم كابن القيم يستحق دراسات متعددة ومتنوعة - فعاش معه الشيخ ﵀ سنين عدداً. قال الشيخ متحدّثاً عن ذلك في كتابه (تقريب علوم ابن القيم ص ١١): (وقد عشت مع ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى - زمناً مديداً بقراءة عامّة مؤلَّفاته المطبوعة البالغ عددها فيما وصل إليّ علمه: اثنين وثلاثين مؤلفاً منها ما يتكوّن من مجلدات، ومنها الرسالة في عدد من الملازم، ومنها ما بين ذلك. وقد منّ الله عليّ بقراءتها جميعها في زمن متصل، ومنها ما سبقت قراءته في أوائل الطلب) ا. هـ.
ثم تخصّص به وتخرّج على مؤلفاته بعد معيشته معه سنوات أخرى في (العالمية) فأخرج مؤلَّفاً متميزاً جَمَعَه من كلام ابن القيم سمّاه (الحدود والتعزيرات عند ابن القيم) ولم يكتف بذلك، وكيف لمن علت همته وتطلّعت للمعالي نفسه أن يقف عند حد في طلب العلم الشرعي؟ بل عاش سنوات أخرى مع ابن القيم حتى أخرج دُرّة نفيسة وسَمَها بـ (أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية) فنال بها - ما يحب أن يُطلَق عليه بعيداً عن بهرجة الألقاب وتغريبها - درجة (العالمية العالية) وهي ما تُعرف في الأوساط الأكاديمية بالدكتوراه، وغدا الشيخ بكر ﵀ متخصّصاً في ابن القيم؛ حيث قام بتقريب علومه بدرّته البديعة (تقريب علوم ابن القيم) وألّف عنه مؤلَّفاً متميزاً جميع فيه شذرات ودرراً من سيرته، وحصر مؤلفاته، فكثير ممن جاء بعده يحيلون على ما كتبه الشيخ بكر عن ابن القيم، وهذا من إنصافهم جزاهم الله خيراً، ووسم كتابه بـ (ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده). وهو صادر عن دار العاصمة، ووعد الشيخ بأنه سيخرجه في طبعة جديدة تكون ضمن مشروع) آثار ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال) وذلك في الطبعة القادمة لوجود زيادات وإضافات عنده على الطبعة الأولى.
стр. 912
معالم في مؤلفات وشخصية الشيخ:
لقد كان الشيخ بكر ﵀ يتمتع ويتميز بمجموعة من الصفات في مؤلّفاته وشخصيته، وقفنا عليها من خلال ترجمته اليسيرة، وما سمعناه وقرأناه عنه قبل وبعد وفاته، فمن تلك المعالم والصفات البارزة في مؤلفات الشيخ:
التميّز: أخذ الشيخ بكر على نفسه أن يكون متميزاً في طرحه ومؤلّفاته. ومن جوانب التميّز عند الشيخ: تميّزه في المقدمات التي يكتبها لبعض المؤلّفات أو التحقيقات التي يطلب أصحابها من الشيخ كتابة تقديم لها؛ لمكانته العلمية عند أهل العلم؛ حيث قام الشيخ بالتقديم لعدد ليس بالقليل من الكتب، وأذكر منها:
١ - تقديمه لـ (تفسير السعدي) طبعة دار ابن الجوزي، بعناية سعد الصميل.
٢ - تقديمه (للموافقات) تحقيق الشيخ مشهور سلمان.
ومن الفوائد التي تهم القارئ في هذا الباب (التقديم للكتب) ما حدثني به الأستاذ سعد الصميل (صاحب دار ابن الجوزي، والمعتني بتفسير السعدي الذي طبعته الدار) حيث قال: بعد الفراغ من تحقيق الكتاب أعطيت الشيخ بكر نسخة من الكتاب - قبل طباعته - لينظر فيه ويقوم بكتابة مقدمة له، فمكث عنده فترة طويلة، ولمَّا كلمته في ذلك، قال لي: (إن مسألة التقديم والكتابة لأي كتاب - عندي - ليست بالأمر الهيّن؛ فإن من يريد أن يقدم لكتاب ما لا بد أن يأتي بشيء جديد يفيد القارئ وإلا فلا يُتعب نفسه).
وأُحيل القارئ الكريم على مقدمات الكتب التالية مما دبّجه الشيخ - عليه رحمة الله -: كتقديمه الرائع لكتاب (الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية) المطبوع ضمن مجموعة (مؤلفات وآثار شيخ الإسلام ابن تيمية) وهو مجلد كبير حوى تراجم من كتب مطبوعة ومخطوطة عن شيخ الإسلام، فقدّم الشيخ للكتاب بمقدمة بلغت نحو ثلاثين صفحة. ومنها ما كتبه مقدِّماً لكتاب (الموافقات) للشاطبي الطبعة التي حقّقها الشيخ مشهور سلمان وطُبعت في ستة مجلدات، فجاءت مقدمة الشيخ مدخلاً حافلاً يليق بالكتاب والعمل الذي بذل فيه المحقق جهداً مباركاً.
التميز في الأسلوب الراقي في الكتابة:
يقول عنه الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه لكتاب الشيخ بكر (حلية طالب العلم) الشريط الأول: ( ... إن كلامه في غالب كتبه كلام يدل على تضلّعه في اللغة العربية، والذي يظهر أنه لا يتكلف ذلك؛ لأن الكلام سلس ومستقيم؛ وهذا يدل على أن الله - تعالى - أعطاه غريزة في اللغة العربية لم ينلها كثير من العلماء في وقتنا، حتى إنك لتكاد تقول: هذه الفصول كمقامات الحريري وهي معروفة ... ) ا. هـ.
والشيخ ابن باز أيضاً قُرِئ عليه عدد من كتب الشيخ بكر ويثني على أسلوبه في الكتابة (١)، فقد قال الشيخ (محمد الموسى) مدير مكتب بيت الشيخ ابن باز ﵀ -: ... وكان يَعجَب كثيراً من أساليب صاحب المعالي العلاَّمة الشيخ بكر أبو زيد، وكان يقول متعجباً: من أين يأتي الشيخ بكر بهذه الأساليب والتراكيب؟) (٢) من المعالم المتميزة والبارزة في كتابات الشيخ بكر ﵀ (جانب الغَيْرة) ونميِّز فيه:
стр. 913
أولاً: الغيرة على القرآن: إن غيرته على لغة القرآن (اللغة العربية) بارزة وظاهرة في طريقته وأسلوبه ومحافظته على الألفاظ والصياغات التي يكاد ينفرد بها، كذلك حرصه على تحذير أهل العلم من الانجرار خلف الألقاب المستوردة كلقب) الماجستير والدكتوراه) (١)، والرمز بحرف (د) قبل الاسم على طرَّة الكتب والمؤلفات والمقالات؛ كذلك ألَّف رسالته الفريدة «تغريب الألقاب العلمية).
ثانياً: غيرته على أعراض المسلمين ونسائهم على وجه الخصوص؛ حيث ألف واحداً من أروع وأوسع مؤلفاته قَبولاً وانتشاراً، وهو كتاب (حراسة الفضيلة) الذي طُبع منه حتى طبعته الرابعة ٥٠٠ ألف نسخة، كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في مقدمته للطبعة الخامسة التي طبعتها دار العاصمة عام ١٤٢١ هـ.
ثالثاً: غيرته على أعراض العلماء والدعاة، فقد تصدّى ﵀ لتلك الفتنة بمؤلَّفه: (تصنيف الناس بين الظن واليقين) ومن براعة الشيخ وورعه أنه لم يتعرض لأحد باسمه، بل نَقَد المسلك والطريقة، وحذّر منهما بأسلوب رفيع نفع الله به.
ومن المعالم البارزة عند الشيخ: جانب التواضع:
التواضع من صفات العلماء الراسخين في العلم، وقد حصل الشيخ بكر على مراتب علمية أكاديمية متقدمة، فحصل على لقب: (العالمية) و (العالمية العالية) كما يُحب أن يُطلق عليهما في كتاباته، وهما في المصطلح العلمي المعاصر (الماجستير) و (الدكتوراه)، ومع هذا لم يكن يصف نفسه بها ولا يقدّم تلك الألقاب أمام اسمه عند طباعة كتبه، ولا يضع لفظة (الدكتور) ولا يرمز باختصارها (حرف الدال) وقد سبق أن له رسالة في علاج ونقد هذه الظاهرة وهي:) تغريب الألقاب العلمية (
ومما يدل على تواضعه، بل دقّته - عليه رحمة الله -: أنه كان يكتب على مؤلفاته العبارات التالية: بعضها عبارة:) تأليف ... (وهو ما قام بتأليفه، مثل: كتاب) تصحيح الدعاء) وكتاب (طبقات النسّابين (.
وبعضها عبارة:) قرأه) كما في كتاب) الجدّ الحثيث في بيان ما ليس بحديث) ولعله يريد ﵀ أنها مَنْزِلة أقل من) تحقيق، أو حقّقه) وقد ذكر فوائد في ذلك انظرها للفائدة في (ص ٦) من الكتاب نفسه، طبع دار الراية ط (١) ١٤١٢ هـ.
من المعالم البارزة في شخصيته: علو الهمة في الترقّي في مدارج العلم:
بدأ الشيخ دراسته الشرعية النظامية في كلية الشريعة فتخرج فيها، ثم عُيّن قاضياً في محكمة المدينة النبوية، ولم يقف عند هذا الحد مع ما في عمل القضاء من متاعب وصعوبات، إلا أن ذلك لم يثنه، بل واصل دراسته وحصل على ما يحب أن يطلق عليه في كتاباته: درجة (العالمية) الماجستير) وقدّم أطروحته في جانب الرجل الذي أحبّه وتخصّص به الإمام (ابن قيم الجوزية) وكان عنوان تلك الدراسة:) الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية؛ دراسة موازنة) طُبِعَ في دار العاصمة عام ١٤١٥ هـ في مجلد واحد.
стр. 914
وتعالت همّة الشيخ مع علوّها وتسامت مع سموّها مكتسبة من ابن القيم قدوة، وانبعثت الآمال لمواصلة المسيرة في المجال نفسه؛ كما أفصح في مقدمة كتابه الذي عنون له بـ: (أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية؛ دراسة موازنة) صدر عن مؤسسة الرسالة ط (١ ١٤١٦ هـ)
وواصل الشيخ بحوثه وإبداعاته في نشر العلم ما بين تأليف، وتحقيق، وعناية، وإخراج لبعض الكتب في جوانب مختلفة من علوم الشريعة في مخاطبة شرائح المجتمع بمختلف طبقاته (عامة، طلبة علم، مثقفين، علماء، متخصصين ... ) وإن الناظر في مسرد مؤلفات الشيخ يأخذه العجب من تلك الشمولية والتنوع في فنون متنوعة حباه الله إياها.
ولم يقف عند هذا بل واصل في مجال خدمة العلم وتوجيه الطلاب عن طريق الإشراف على الرسائل العلمية (الماجستير والدكتوراه) فقد أشرف الشيخ على عدد من الرسائل وطبع شيئاً منها وقدَّم لها (١). قال الدكتور عبد الرحمن الأطرم في مقدمة رسالته للدكتوراه (الوساطة التجارية) التي أشرف عليه فيها الشيخ بكر أبو زيد، قال عنه ص ١٧: ( ... فهو الذي وضع يدي على هذا الموضوع وأشار عليّ به وأرشدني إلى جملة من مظانه، وقَبِل الإشراف عليه بصدر رحب، وكان كلما وجد مسألة تتصل بهذا البحث زوَّدَني بها، فاكتسبت من مجالسته العلم والأدب والتوجيه والإرشاد وعرفت منه النصح والغيرة فَشَكَر الله له وأعظم أجره)
وواصل خدمته للعلم وأهله في مجال آخر؛ وهو الإشراف على المشاريع العلمية القيّمة التي أخرجها مَجْمَع الفقه الإسلامي، بتمويل من مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية - جزاهما الله خيراً - فكان الشيخ بكر مشرفاً على تلك المشروعات ومتابعاً وموجّهاً لمن يقومون بالعناية والتحقيق لتلك المجاميع العلمية المباركة، مع التقديم والمشاركة فيها أيضاً، وقد صدر منها الآتي:
١ - آثار شيخ الإسلام وما لحقها من أعمال) وطُبع في أحد عشر مجلداً، وشارك الشيخ في هذه المجموعة بمؤلَّف - يُعتبر من آخر ما كتبه قبل مرضه الذي أقعده عن كثير من الأعمال - سمَّاه: (المدخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال) في مجلد صغير.
٢ - آثار ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال) المطبوع في ثمانية عشر مجلداً، وقد قدّم الشيخ بكر لذلك المشروع بمقدّمة ضافية مفيدة حول هذا المشروع، تهم طالب العلم كما في المجلد الأول من (بدائع الفوائد) ضمن تلك السلسلة.
٣ - آثار العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي) وطُبع في تسعة عشر مجلداً حوى آثار ومؤلفات ذلك العَلَم الذي أراد الشيخ بكر أن يرد له شيئاً من جميل ما حباه به من علم وأدب ووقت وإفادات حصّلها وتلقّاها على يديه مدة ملازمته التامة له؛ عندما كان قاضياً في المدينة النبوية ما يقارب عشر سنوات، فبرّ التلميذُ بشيخه، عليهما رحمة الله.
стр. 915
ونأمل من مجمع الفقه الإسلامي الذي رأسه الشيخ بكر قرابة خمسة وعشرين عاماً، والذي تبنّى طباعة تلك المشروعات العلمية التي أشرنا إليها؛ لأنها من ضمن الأهداف التي قام من أجلها المجَمْع، وكذلك نأمل من مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية التي قامت - مشكورة - بتمويل تلك المشروعات، نأمل منهما أن يقدّما لأهل العلم وللشيخ بكر ﵀ بعد وفاته خدمة وشكراً عمليين مقابل جهوده في المَجْمَع والمؤسسة؛ يمدّ في أجره، ويسهّل على الباحثين والمحبين والراغبين في مطالعة إرث الشيخ العلمي؛ فيقوموا - فضلاً لا أمراً - بتبنّي مشروع (مؤلفات وآثار العلَّامة بكر أبو زيد) لتكون ضمن هذه السلسلة، وذلك لما تحمله مؤلفاته من فائدة وعلم وأصالة شهد له بها أهل العلم، والقبول والانتشار الواسع لها.
من المعالم البارزة في شخصية الشيخ: صبره وجَلَده على تلقِّي العلم وتحصيله:
إن الجمع - في تحصيل العلم - بين الدراسة النظامية في الكليات الشرعية وبين ملازمة المشايخ في حِلَق العلم في دروسهم وفي المساجد، قلّ من يستطيعه، وقد كان الشيخ بكر ﵀ ممن أخذ في هذا الباب وضرب فيه بحظ وافر؛ إذ عُرف واشتُهر عنه ملازمته لشيخه محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، فلم ينقطع عنه ولم يتخلف عن دروسه. يقول عنه د. عبد الرحمن السديس في كتابه (ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان) (ص٢١٥) معدّداً تلاميذ الشيخ: (الشيخ بكر أبو زيد: صاحب التصانيف الكثيرة، الباحث المحقق، لازم الشيخ ﵀ عشر سنين، ودرس عليه بعض مذكراته في الأصول وآداب البحث والمناظرة دروساً خاصة في المسجد وفي منزله ﵀ ودرس عليه كتابَيّ ابن عبد البر (القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم وأول من تكلم بالعربية من الأمم) و (الإنباه على قبائل الرواة) وقيّد عليهما بعض التحريرات من دروس الشيخ والنكات والضوابط العلمية)
ويقول الشيخ السديس أيضاً: حدثني عبد الله ابن الشيخ محمد الشنقيطي ﵀ أن أباه قال للشيخ بكر: (ما أخذ عني علم الأنساب في هذه البلاد غيرك).
وحدثني - القائل د. السديس - الشيخ الدكتور محمد الحبيب، قال: (لقد شاهدت الشيخ بكر أبو زيد يحضر حلقة الشيخ في التفسير في رمضان لم يتخلف يوماً واحداً) ا. هـ.
من المعالم البارزة في شخصية الشيخ: المعايشة والتفاعل مع الأحداث والواقع:
كان الشيخ بكر ابن عصره ورجل واقعه، ومراقب أحداثه، فلم يكن بعيداً ولا منعزلاً عن تلك الأحداث والنوازل التي تُطل برأسها حيناً بعد آخر؛ فكانت له مشاركات متنوعة ووقفات راشدة وسَبْر وتحليل لِما يمرّ بالمجتمع، مع ما عرف عنه من عزلة وعدم رغبة في كثرة مخالطة الناس؛ لا ترفعاً ولا تعالياً حاشاه، لكنه اختار طريقاً رآه أنفع؛ يجد نفسه فيه وينفع من خلاله، وقد حصل له ما أراد، بل كانت عنده قناعات شخصية تُحترم وجهة نظره فيها، ومن ذلك أنه عُرض عليه المشاركة في البرامج التي تُقدَّم في إذاعة القرآن الكريم، وفي برنامج (نور على الدرب) حيث عرض عليه الشيخ ابن باز ﵀ المشاركة، ثم عرضها عليه الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وكان الشيخ يعتذر عن المشاركة، بل حتى في مرضه لم يكن يحب أن يتوافد الناس عليه وتكثر الجموع عنده في بيته أو في المستشفى؛ كل ذلك فراراً من الشهرة والأضواء، بل قيل عنه: (إنه كان عدو الشهرة) يرفضها ويدفعها ويهرب منها.