← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

توضيح المبهمَات في مسألة كون جدة ميقات د. عبد الله بن منصور الغفيلي الحمد لله وصلاة وسلاما على رسول الله، أما بعد: فهذا بحث مختصر جمعته منذ بضع سنوات، وفي كل مرة تحول دون مراجعته المهمات، وقد تجدد العزم لتحريره وحل مافيه من إشكالات، فكان الرأي أن يطرح هكذا بين أيديكم، لعله يحظى برأيكم وتعديلكم، لاسيما وقد أقبل موسم الحج، لا حرم الله كل مجتهد أجره، وأكرمه وأسبغ عليه فضله، آمين. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن شكر نعمه وأفضاله، وأشهد أن لاإله الاالله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد. فلقد ظهر في الآونة الأخيرة خلاف بين بعض أهل العلم حول اعتبار مدينة جِدة ميقاتاً مكانياً لأداء مناسك الحج والعمرة مع اتفاقهم على أنها ميقات لأهلها ولما كانت تلك المسائل من مهمات المسائل لمسيس الحاجة إليها، مع كوني لم أقف فيها على بحث يجمع متفرقها ويبين مشتبهها (١)، وإن كنت لا أزعم أنني سأصنع ذلك ببحثي هذا، بل هو إشارات يستضاء بها وعلامات يهتدي بها، إذ المقام يقتضي الاختصار وإلا فهي من المسائل الكبار، وإنما رغبت على إيقاف القاري الكريم على أطرا ف المسألة ووسطها فأقول مستعيناً بالله متوكلاً عليه: أولا: لقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال وسبب خلافهم هو اختلافهم في تفسير المحاذاة وتطبيق معناها على مدينة جدة. فمن قال بأنّ مدينة جدة محاذية لميقات الجحفة أويلملم فإنه يعتبر مدينة جدة ميقاتاً، ومن لا فلا، ومن قال إن معنى المحاذاة هي كونه الموضوع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد قال إن مدينة جدة ميقات، ومن لم يفسرها بذلك فلا يعتبر جدة ميقاتاً (٢). ولذا فإنه يجدر التقديم بتعريف المحاذاة لغة واصطلاحاً فأقول: إن المحاذاة في اللغة كما قال في القاموس: من حاذاه أي آزاه والحذاء الإزاء الخ .. " (٣). وقال في اللسان: جاء الرجلان حذيتين أي كل واحد منهما إلى جنب صاحبه " (٤) وقال في المصباح حذوته أحذوه حذواً وحاذيته محاذاة هي الموازاة، وحذوت النعل بالنعل قدرّتها بها وقطعتها على مثالها وقدرها " (٥).

стр. 842

فيتضح بذلك أنّ المحاذاة في اللغة تعني الإزاء والمماثلة والمساواة. والمحاذاة اصطلاحاً: هي أن تكون مسافة المحاذي والمحاذي به من الحرم سواء كما ذكره ابن الأثير (١) ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن المحاذاة هي أن يكون بعد المحاذي والمحاذي في البيت واحداً (٢). وقال ابن حجر في قوله ﷺ : (انظروا حذوها) أي اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها. (٣) ولم أقف على مخالف من أهل العلم المتقدمين في تفسير المحاذاة (٤). ثانيا: الخلاف في اعتبار مدينة جدة ميقاتاً مكانياً: اختلف أهل العلم المعاصرين (٥) في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: إن مدينة جدة ميقات مكاني مطلقاً فيجوز للقادم من جميع الجهات أن يحرم من جدة سواء كان قدومه براً أو بحراً أو جوّاً. وممن قال بهذا القول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس محاكم قطر (٦) والشيخ عدنان عرعور (٧). القول الثاني: إن جدة ميقات القادمين بالطائرة جوّاً وبالسفينة بحراً. وممن قال به الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والدكتور محمد الحبيب بن الخوجه والشيخ عبد الله كنون من المغرب، والشيخ عبد الله الأنصاري من قطر، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف في تصحيحها لفتوى جعفر بن أبي اللبني الحنفي بجواز تأخير إحرام الأفاقي إلى جدة وغيرهم (٨). القول الثالث: إنّ جدة ليست ميقاتاً إلا للقادم من غربها مباشرة وهم أهل السواكن في جنوب مصر وشمال السودان، وممن قال به الشيخ عبد الله بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء في السعودية سابقاً، والشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام السعودية سابقاً (٩)، والشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء حالياً (١٠). والشيخ أبو بكر محمود جوفي عضو المجمع الفقهي (١١)، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عضو الإفتاء سابقاً في السعودية (١٢) وغيرهم.

стр. 843

القول الرابع: إنّ جدة ليست ميقات مطلقاً، وممن قال به أعضاء مجمع الفقه الإسلامي في الدورة الثالثة (١). ثالثاً: أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: ما رواه ابن عمر ﵄ قال (لما فتح هذا المصران -أي الكوفة والبصرة - أتوا عمر فقالوا ياأمير المؤمنين إن رسول الله حدّ لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا وإنّا إن أردنا قرناً شق علينا فقال انظروا حذوها من طريقكم فحدّلهم ذات عرق) (٢). وجه الدلالة منه: أن القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها هي المحاذاة وحدّها أن تكون مسافة المحاذي والمحاذي به عن مكة متساوية، أو يكون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد. فتبين بذلك أن مدينة جدة ميقات مكاني؛ لأنها محاذية لميقاتي الحجفة ويلملم حيث تقع بينهما، وهي جميعاً على خط واحد، كما أن مسافة جدة عن مكة مقاربة لمسافة يلملم عن مكة فيتحقق بذلك معنى المحاذاة في جدة. وأجيب: بأن ما ذكرتموه من أنّ القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها هي المحاذاة صحيح لكنّ حَد المحاذاة الذي ذكرتموه لا يسلم بإطلاق، فتفسيركم المحاذاة بالمعنى الثاني وهو كون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد، فهذا غير مسلم لغة وشرعاً، وذلك أن كلمة "حذا" في اللغة لا تدل على تسمية المكان الواقع بين مكانين محاذياً. (٣) ولو صح هذا المعنى لغة، فإنه لا يصح شرعاً لأنه سيؤدي إلي أنّ أي مكان واقع بين مكة والمدينة يسمى محاذياً للمواقيت، فيجوز الإحرام منه؛ لأنه يصدق على مكة اسم مكان كما يصدق هذا الاسم على المواقيت أيضا (٤). ثم إن هذا التفسير للمحاذاة وهوكون المكان واقعاً بين ميقاتين على خط واحد مخالف لتفسير أهل العلم كما تقدم بيانه (٥). وأما المعنى الأول للمحاذاة وهوكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساوية فصحيح، إلا أن تنزيله على مدينة جدة وكونها محاذية للجحفة (٦) أو يلملم (٧) غير صحيح، وذلك لأن مسافتها عن الحرم متفاوتة وليست سواء، فمسافة جدة عن الحرم تقارب سبعين كيلاً، بينما مسافة الجحفة عن مكة تقارب مائة وسبعة وثمانين كيلاً، ومسافة يلملم عن مكة أربع وتسعون كيلاً (٨)، فكيف نقول بالمحاذاة وهي تساوي بعد المكانين عن الحرم مع هذا التفاوت الظاهر، كما أن جدة تقع في جهة أخرى غير جهة يلملم.

стр. 844

الدليل الثاني: أن أهل العلم قد اتفقوا على أن من قدم من مكان لا ميقات له يحرم من مسافة أقرب المواقيت إليه إذا كان حذوه، ولما كان القادمون إلى جدة من المغرب ليس لهم ميقات معين يحرمون منه وكان أقرب ميقات إلى لجدة هو يلملم وكانت مسافته عن مكة تساوي مرحلتين وكذا مسافة جدة عن مكة، فهما متساويتا المسافة عن مكة، فجدة إذن ميقات مكاني إضافي على المواقيت المنصوصه (١). وأجيب عنه: بأنه لا يسلم حكاية الاتفاق على أن من قدم من مكان لاميقات له أنه يحرم من مسافة أقرب المواقيت إليه إذا كان حذوه، بل لقد نقل ابن حزم الخلاف في ذلك على رأيين، فقالت طائفة: يحرم وقال آخرون لا يحرم (٢). وقال:" وأما سائر الروايات التي ذكرنا عن الصحابة والتابعين فليس في شيئ منها أنهم مروا على الميقات، وإذ ليس فيها فكذلك نقول: إن من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء " (٣). وعليه فإنه لا يحتج على المخالف بمحل النزاع. الدليل الثالث: أنه لا محاذاة في البحر البتّة وذلك: ١ - لأنه يتعذر تعيين المواقيت فيها. ٢ - ولأنه لم يقم على هذا دليل في الكتاب والسنة أو الإجماع. ٣ - ولأنه لا تتحقق في البحر المحاذاة على المعنى الصحيح، فيتبين بذلك أنّ للقادم من البحر تأخير الإ حرام إلى جدة (٤). وأجيب عنه: بعدم التسليم بأنه لا محاذاة في البحر فهذا مخالف لما ذهب إليه أهل العلم من وجوب الإحرام على من كان البحر طريقه إلى مكة إذا حاذى الجحفة أو يلملم (٥) بل المحاذاة حاصلة لمن كان البحر طريقه ولا تتعذر المحاذاة في البحر كما أننا نقول بأنه لا ميقات في البحر، ولكن يمكن محاذاة ميقات الجحفة ويلملم، وهما قريبان من البحر وليست محاذاتهما متعذرة للقادم من الشمال أو الجنوب. الدليل الرابع: أنّ مدينة جدة لا تخلو: ١ - إما أن تكون داخل المواقيت والمواقيت خلفها. ٢ - أو خارج حدود المواقيت. ٣ - أو على المحيط نفسه. أما الحالة الأولى: فيعني هذا الزيادة على مسافة المحاذاة وهذا مردود شرعاً وواقعاً. وأما الحالة الثانية: فلا يقول بها أحد، وأما الحالة الثالثة: فهي المتعنية فتكون جدة ميقاتاً. وأجيب عنه: بأن هذا التقسيم قائم على تفسير أصحاب هذا القول للمحاذاة، وإثباتهم أن جدة محاذية لميقاتي الجحفة ويلملم، وهذا قد تقدم الجواب عنه، وإنما نقول إن مدينة جدة داخل المواقيت وليست محاذية لأحدها لكونها أقرب إلى مكة من ميقاتي الجحفة ويلملم، ولذا فالواجب على القادم من الشام ومصر براً وبحراً وجواً الإحرام من الجحفة أو ما كان حذوها، وكذا القادم من اليمن سواء كان ذلك براً أو بحراً أو جواً فإنه يحرم من يلملم. أدلة القول الثاني: أولاً: أن النبي ﷺ لم يعين مواقيت في الجو لأن الطائرات لم تكن موجودة في عهد النبوة ولا متصورة، فلا يَصدق على أهل الطائرات أنهم اتو الميقات المحدد لهم لا لغة ولا عرفا، لكون الإتيان هو الوصل للشيّ في محله (٦).

стр. 845

وأجيب عنه: بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وأن الهواء تابع للقرار كما قرر أهل العلم، ولذا فلو صلى في الطائرة أو وقف بعرفه في الجو صحت صلاته وحجه، ولم يوقت ﷺ هذه المواقيت في هذه الأماكن إلا ليتخذ من النصوص قدوة وأسوة لحرمة البيت العتيق سواء كان طريق الحاج براً أو جواً، ثم إن الإتيان متحقق في المرور به مع عقد نية الدخول في النسك، ويصدق على راكب الطائرة أنه مرّ بالميقات إذ لا يشترط في المرور المماسّهَ (١). ثانياً: ولأن المحاذاة لا يمكن أن تتصور في الجو ولا تنضبط، وكذا في البحر (٢). وأجيب عنه: بعدم التسليم بل المحاذاة متصورة في الجو والبحر؛ لأن المحاذاة تقريبية، كما يمكن الاحتياط لذلك حتى لايتجاوز الناسك الميقات دون أن يحرم. ثالثا: ولأنّ في إلزامهم بالإحرام في الجو مشقةً عليهم والمشقة تجلب التيسير (٣). وأجيب: بعدم التسليم بوجود المشقة بل يمكن الإحرام في الجو بيسر، كما أنه يمكن تقديم الإحرام قبل ركوب الطائرة وعقد النية عند المرور بالميقات، وكذا الحال بالنسبة لركاب السفينة بل هي أيسر من الطائرة من جهة السعة وبطء الحركة بحيث يتمكن المحرم من لبس إحرامه بسهولة. رابعاً: ولأن الحكمة في وضع المواقيت في أماكنها الحالية كونها بطرق الناس وعلى مداخل مكة، وكلها تقع بأطراف الحجاز وقد صارت جدة طريقاً لجميع ركاب الطائرات والسفن ويحتاجون بداعي الضرورة إلي ميقات أرض يحرمون منه لحجهم وعمرتهم، فوجبت إجابتهم كما وقت عمر لأهل العراق ذات عرق، إذ لا يمكن جعل الميقات في أجواء السماء أو في لجة البحر الذي لا يتمكن الناس فيه من فعل ما ينبغي لهم فعله من خلع الثياب والاغتسال للإحرام والصلاة وسائر ما يسن للإحرام، إذ هو ما تقتضيه الضرورة وتوجبه المصلحة ويوافقه المعقول ولا يخالف نصوص الرسول ﷺ (٤). وأجيب: بأن وضع المواقيت في طريق الناس لا يلزم منه أنه كلما استحدث الناس طريقاً وضع لهم ميقات بدون نظر إلى المواقيت المنصوصة ولا محاذاة لها، إذ لو كان كذلك لما صار لتلك المواقيت شرعية، ولم يكن لوضعها كبير أثر، ثم إن تفاوت مسافاتها يدل على مقصد تعبدي تجب مراعاته وربط المواقيت الأخرى بها، كما يدل عليه أيضا حديث عمر المتقدم في توقيت ذات عرق حيث قال "انظروا حذوها" (٥) أي حذو قرن المنازل. وأما كون الميقات في جو السماء أو لجة البحر فلا إشكال فيه، إذ الشريعة جاءت لكل الأزمان، والله لا يخفى عليه صنع تلك الطائرات والسفن فهو القائل (وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون) (٦). وأما خلع الثياب والاغتسال للإحرام والصلاة وسائر سنن الإحرام فإنها تقدم قبل ركوب الطائرة؛ لأنه إذا تعارض عندنا الإحرام قبل الميقات أو بعده فيقدم الإحرام قبل الميقات، ولا ريب؛ لأنه جائز بدون تعارض مع الإحرام بعد الميقات فكيف إذا تعارض (٧). أدلة القول الثالث:

стр. 846

الدليل الأول: ما رواه ابن عباس ﵁ قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم، هن لهنّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمهله من أهله) (١). وجه الدلالة: أن الحديث دل على وجوب إحرام من مرّ على هذه المواقيت وليس من أهلها، ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى جدة أو غيرها مما يلي الميقات الذي مرٌ عليه، ولما كانت المواقيت محيطة بالحرم عدا جهة الغرب لمدينة جدة، فلذا لا يجوز تجاوز الميقات للإحرام من جدة إلا للقادم من غربها وهي جهة جنوب مصر وشمال السودان. الدليل الثاني: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: (لما فتح هذان المصران أي الكوفة والبصرة أتو عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا فقال: انظروا حذوها من طريقكم فحدّ لهم ذات عرق) (٢). وجه الدلالة: إن الإحرام يكون في الميقات أو حذوه، وجدة ليست محاذية لأحد المواقيت فمسافتها إلى مكة أقرب كما تقدم، فلا تكون ميقاتاً إلا للقادم من غربها مباشرة لعدم وجود محاذى به قبل جدة. الدليل الثالث: أن جدة كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ولم يتخذها ميقاتاً ولو كانت من المواقيت لنص عليه النبي ﷺ لاسيما مع قرب موقعها ووضوحه وأهميته (٣). وأجيب: بأن النبي ﷺ لم يجعلها ميقاتاً لكون جهتها غير مأهولة بالسكان ولم يكن حينذاك مسلمون في جنوب مصر وشمال السودان وجهتهما في أفريقيا. وأجيب عن هذا الجواب: بأن ذلك مُنّزل على جهة غرب جدة، ونحن نقول بأنها ميقات للقادم من غربها، أما القادم من الشمال أو الجنوب أو الشرق فليست ميقاتاً له بل ميقات ما يمر عليه من المواقيت أو يحاذيه. أدلة القول الرابع: استدل أصحاب هذا القول بأدلة القول الثالث نفسها إلا أنهم لم يستثنوا جهة غرب جدة. ويجاب عليهم: بأنهّ يشكل على قولهم القادم من غرب جدة، فإنّه لا يمر بميقات ولا يحاذي ميقاتاً، وأول منزل له هو مدينة جدة، ولا ينضبط إحرامه قبلها في البحر، ومسافتها مقاربة لمسافة أقرب المواقيت وهو قرب المنازل وقد نص الفقهاء أن من كانت هذه حاله فإنه يحرم من مسافة مرحلتين عن مكة؛ لأنها مسافة أدنى المواقيت إلى مكة (٤). رابعاً: يتبين مما تقدم مايلي: ١ - أن الخلاف في المسألة قوي، وإن كانت كفة القول الثالث عندي أرجح، لقوة دليله. ٢ - أن مدار المسألة يقوم على تفسير المحاذاة الواردة، مما يستدعي مزيد بحث لها، مع كون تفسيرها من أهل العلم اجتهاد ظاهر في دلالة النص، وليس نصا. ٣ - أن القول بتوقيت جدة لا يلزم منه جواز الإحرام منها مطلقا، فالأئمة الأربعة متفقون على أنه لا يجوز لمريد النسك مجاوزة ميقاته لميقات آخر لظاهر النص "هن لهنّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة" (٥) فإن كان غير ميقاته جاز له مجاوزته عند الحنفية والمالكية.

стр. 847

التحصينات الشرعية من أنفلونزا الخنازير وغيرها د. علي بن سعيد العبيدي الحمد الله منزل الداء والدواء، وصلى الله وسلم على من حضَّ على الدواء فقال: «تداووا عباد الله، فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواء»، وعلى آله وأصحابه الكرام الطيبين. وبعد: فليس بخاف على الجميع ما يعيشه كثير من الناس اليوم من حالات خوف وهلع شديد من جراء تفشي أنفلونزا الخنازير في بلدان العالم، واقتحامها بلداناً لا تعرف الخنازير أصلاً، وإنما جاء به الوافدون إليها. وأنت تلحظ مظاهر الخوف والهلع في الأماكن العامة في أعين الناس وتصرفاتهم، فما أن يعطس أحدهم بصورة غريبة في مسجد أو مجلس أو مكتب أو ممر أو سوق أو مشفى حتى يلتفت إليه الجميع برقاب متطاولة وأحداق واسعة، فهو متَّهم مشكوك في أمره، وما أن يتحرك حتى ترصد العين اتجاهه بدقة، وما أن يمر بجمع حتى يتفرق عنه بسرعة، ولسان حالهم يقول: لا مساس. ومما زاد الطين بلة كثرة الشائعات حول عدد الإصابات والوفايات، فما يعلن شيء، وما يتناقله الناس شيء، وأيضا كثرة الشائعات والتناقضات حول آثار العلاج والتطعيمات على مستويات رفيعة من أهل الشأن والاختصاص، فأصبح الناس أكثر حيرة وأكثر اضطرابا وقلقا إلا القليل منهم، وحتى تمنى بعضهم لو يفر إلى بعض الكواكب السيارة حيث تسبح النجوم! .. ولكن هيهات هيهات! والواقع أنَّ غير المؤمنين أشد فرقا من المؤمنين، لركونهم إلى المعطيات البشرية المادية التي يعتريها النقص، ويخالطها الشك، وتقل فيها الثقة أحيانا أو تنعدم، ولكون الدنيا جنتهم ومنتهى أملهم؛ فحرصهم عليها شديد ولا غرابة!. وأما الفريق الثاني فيتفاوت أهله في الخوف والهلع، بحسب ما قام في قلوبهم من الإيمان والتوكل وحسن الظن بالله تعالى، وبحسب ما قدموا من أعمال صالحة يرجون ثوابها، وما يفرق أكثرهم إلا لخوفه أن ينتهي أجله وهو مقصر، أولم يزدد من الأعمال الصالحة، فيحبس عن جنته، أو تقل رتبته. أسباب كتابة الموضوع: في خضم تلكم الأحداث وجدت ثلاثة أمور كانت هي الباعث الرئيس لكتابة هذا الموضوع، وبالعنوان الآنف: أولها: إن أكثر كلام الناس في مجالسهم ومنتدياتهم وعلى جميع المستويات منصب على التحصينات والعلاجات المادية فحسب. وثانيها: تعلق طائفة من المسلمين بالأسباب الوقائية المادية، وانصرافهم إليها دون الأسباب الإلهية، إما لغفلة منهم، أو جهل، أو ضعف يقين. وثالثها: تداول الناس لبعض الأدعية غير المأثورة، والتي يرتقي بعضها إلى البدعة. فلأجل هذه الأسباب ـ بصورة مباشرة ـ كتبت هذا الموضوع على اختصار من أصله؛ لتذكير المسلم بجملة من التحصينات الإلهية للوقاية من الأمراض والآفات وسائر المكاره والشرور وإن عظمت عند البشر (كوباء الخنازير)، أو لرفعها بعد نزولها وتخفيفها. وهذه التحصينات لا تخضع للمجهر، ولا للتجارب المعملية، ولكن تصدقها التجربة المباشرة، والواقع المشاهد، ولا يستفيد منها ـ في الجملة ـ إلا أهل الإسلام، فهي من ثمرات التوحيد وجزائه المعجل في الدنيا. ولتعلم الدنيا أن لدينا أنواعا أخرى من التحصينات ـ التي تشعر بجلال الإسلام وعظمته ـ بالإضافة إلى ما لديهم. وليعلموا أن ما يأخذون به من وسائل مادية للوقاية من وباء الخنازير ـ وما في معناه ـ قد سبق إليها الإسلام ودعا إليها، وما هي في حقيقة الأمر إلا بعض ما جاءت به الشريعة المحمدية من التحصينات الوقائية من الأوبئة والأمراض، وهي تحصينات يشترك في الإفادة منها جميع البشر من مسلمين وغير مسلمين. التحصينات الشرعية الوقائية المادية: اهتم الإسلام بالجانب الوقائي فيما يتعلق بالأمراض بصفة عامة، وبالوبائية منها بصفة خاصة، ومن مظاهر هذا الاهتمام:

стр. 848

١ - نهيه عن دخول الأرض الموبوءة أو الخروج منها. وذلك لحصر الوباء فلا تتسع دائرته، وهو ما يعرف في الطب الحديث بالحجر الصحي، قال ﷺ : «الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» (١). ولذا لم يجز بعض العلماء السفر إلى البلدان الموبوءة أو الخروج منها إلا لغرض صحيح. ٢ - نهيه المريض أن يقدم على الصحيح. وذلك لتضييق دائرة المرض المعدي، والذي قد ينتقل بالمخالطة إلى الأصحاء فيمرضهم بمشيئة الله وإرادته، قال ﷺ : «لا يورد ممرض على مصح» (٢)، وعليه فلا يجوز لمن أصيب بمرض وبائي كأنفلونزا الخنازير مخالطة الأصحاء، ولا غشيان أماكن تجمعاتهم، خاصة أماكن العبادة التي يجتمع فيها الناس، لما قد يلحقه بهم من ضرر. ٣ - أمره بالابتعاد عن بعض أصحاب الأمراض المعدية بأفظع عبارة. وذلك من باب الأخذ بأسباب الوقاية مما جعله الله سببا للإصابة بالمرض عند المخالطة إذا شاء الله سبحانه، كما في قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٣). ولما جاء وفد ثقيف لمبايعة النبي ﷺ كان معهم رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : «إنا قد بايعناك فارجع» (٤). وما ذاك إلا لأن الجذام مرض معدٍ بالتجربة والمشاهدة، والمجذوم حقه العزل عن الناس. ٤ - أمره العاطس بأن يضع كفيه على وجهه. وذلك أن العاطس قد يتطاير من فمه ما يؤذي الجلساء، أو يلوث الهواء، قال ﷺ : «إذا عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه، وليخفض صوته» (٥). ويتأكد هذا الأمر متى ما كان الإنسان مصابا بمرض معد كالزكام وأنفلونزا الخنازير مثلا، فيضع كفيه على وجهه، وقد يستعين لذلك بكمامات أو منديل أو شماغ ونحوه، حتى لا يتطاير الرذاذ في الهواء، أو يقع على المسطحات فتنتقل العدوى إلى الأصحاء بمشيئة الله وإرادته. وللإسلام أساليب أخر تربوية راقية في التصرفات والأفعال، ويصح أن تكون وسائل وقائية يقوم بها المرء حال الشرب والبصاق، وقبل تناول الطعام وبعده، ويحترم فيها ما يشترك فيه الناس من المياه والطرق والظل، ويتأكد العمل بها عند ظهور المعديات لما قد يترتب على التفريط فيها من ضرر ذاتي أو متعدٍّ. فما أعظم الإسلام، وما أعظم ما جاء به من تعاليم للحفظ على صحة البشرية وإسعادها. وقد صدقت الباحثة البولونية يوجينا غيانة ستشيجفسكا ( B. G. Stryzewska) - المتخصصة في الدراسات القانونية - إذ قالت:"إنّ القرآن الكريم مع أنّه أنزل على رجل عربيّ أُمّي نشأ في أمّة أميّة، فقد جاء بقوانين لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلاّ في أرقى الجامعات" (٦) وكذا القول في السنة فيما يتعلق بالأدوية الطبية الطبيعية. رأي العلماء في التحصينات الشرعية الإلهية: تكلم العلماء في القديم والحديث عن تأثير التحصينات الإلهية في دفع الأمراض ورفعها، وأكتفي بذكر جملة من أقوالهم المنتخبة:

стр. 849

قال ابن القيم:"ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب؛ فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته ولا قياسه؛ وقد جرّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسيَّة" (١). وقال ابن حجر في معرض الرد على من ينكر بعض مفردات الأدوية الإلهية:"وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيء الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير، ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم ... ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شرط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمى السهم" (٢). وقال المناوي:" ... كان المصطفى ﷺ يعالج الأمراض بثلاثة أنواع: بالأدوية الطبيعية، وبالأدوية الإلهية، وبالأدوية المركبة منهما" (٣). وهو كما قال، ومثالها على التوالي إرشاد النبي ﷺ إلى علاج مرض العين بماء الكمأة، والنظرة بالرقية، ولسعة العقرب بالجمع بين الماء والملح والرقية. وقال الألباني في جوابه لما سئل عن العاجز عن إتيان أهله لاحتمال أن يكون مربوطا:" .. هذا إما مرض وإما سحر، فإذا كان مرضاً فالأطباء يكتشفونه، وإذا كان سحراً فلا يستطيع الأطباء أبداً أن يكتشفوه؛ لأن هذا مرض روحي، والأطباء يعالجون الأمراض المادية، ومن هنا يجب على المسلمين أن يتعالجوا بالطب النبوي، ومنه قراءة المعوذتين، وقراءة بعض الأوراد الخاصة المختصرة" (٤). وهذا غيض من فيض مما تواطأ على تقريره العلماء. فعلى المسلم أن يجمع في التحصن والتداوي من الأمراض والآفات والشرور بين الأسباب المادية والمعنوية التي جاءت بها الشريعة قدر طاقته، ولا يهمل سببًا مع إمكانه الأخذ به، فمن فعل ذلك فحري به أن يدفع الله عنه البلاء فلا يصيبه، أو يرفعه عنه إن نزل به، ثم يفوض أمره بعد ذلك إلى لله تعالى، فإن الأخذ بهذه وهذه من تمام التوكل الصحيح، ولو لم يجنِ المسلم من ذلك إلا طمأنينة القلب وراحة النفس وإحياء السنة لكفى بها نعمة. التحصينات الشرعية المعنوية الإلهية: والآن إليك جملة من التحصينات الإلهية المختصرة من الأذكار والأدعية والأعمال الصالحة، للوقاية من الأمراض والمكاره أيّا كانت. مع العلم أن النصوص الواردة في ذلك بعضها صريح الدلالة في الحفظ من الشرور بصفة عامة، وبعضها دلالته استنباطية، وقد حرصت ألا أذكر منها إلا ما كان صحيحا ومقبولا عند النقاد. ١ - التحصن برقية الدخول في الفراش للنوم ليلا.

стр. 850

وهذه الرقية كان يقولها النبي ﷺ على كيفية معينة إذا انضم إلى فراشه ودخل فيه لينام؛ وفيها تحصين من الشرور والمكاره قبل نزولها، ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث (١) فيهما، فقرأ فيهما:"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" [الإخلاص:١]،"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق" [الفلق:١]، و"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" [الناس:١]، ثم يمسح بهما مااستطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات» (٢). قال القرطبي في المفهم:"وجميع أحاديث الرُّقية الواقعة في كتاب مسلم: إنَّما تدل على جواز الرُّقي بعد وقوع الأسباب الموجبة للرُّقية من الأمراض والآفات، وأما قبل وقوع ذلك: ففي البخاري - ثم ساق الحديث الآنف وقال: - فكأن هذا دليل على جواز استرقاء ما يتوقع من الطوارق والهوام وغير ذلك من الشرور " (٣). ٢ - التحصن بآية الكرسي عند النوم. جاء في قصة أسير أبي هريرة: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» (٤). قال القرطبي:"فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات" (٥). وقد ورد في فضل هذه الآية الكثير من النصوص مما يدل على عظمتها. ٣ - التحصن بآيتين من آخر سورة البقرة كل ليلة. لقوله ﷺ : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٦)، قال ابن القيم:"الصحيح أن معناه: كفتاه من شر ما يؤذيه" (٧)، فمن قرأهما بيقين في ليلة كفتاه تلك الليلة كل سوء ومكروه، ودفعت عنه كل ما يخاف، وفضل الله لا حد له. ٤ - التحصن بسورة الإخلاص والمعوذتين صباحا ومساء ثلاث مرات. لقوله ﷺ : «قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تصبحُ وحين تمسي ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» (٨). أي: تدفع عنك كل سوء وشر، أو تكفيك من كل ورد يتعوذ به (٩). والالتزام بالعدد هنا والوقت مطلوب، وتتم قراءتها بخشوع وتأمل في دقيقة واحدة. ولعظم هذا الحصن قال ﷺ لعقبة بن عامر ﵁: "ألا أعلمك سُوراً ما أنزلت في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلهن؟ لا يأتين عليك ليلة إلا قرأتَهن فيها: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس". قال عقبة: فما أتت علي ليلة إلا قرأتُهن فيها، وحُق لي أن لا أدعهن وقد أمرني بهنرسول الله ﷺ (١٠). ٥ - التحصن بالتوحيد عشرًا دبر صلاة الفجر، وقبل تغيير الوضع والكلام.

стр. 851

لقوله ﷺ : «من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشرَ حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومَه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحُرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشركَ بالله» (١). فمن قال ذلك مراعيا الوقت والكيفية والعدد حصلت له الوقاية والحفظ من كل مكروه على وجه العموم، ومن الشيطان على وجه الخصوص. ٦ - التحصن باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء ... صباحا ومساء ثلاث مرات. فعن أبان بن عثمان قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضرُّه شيء»، وكان أبان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر إلي؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله علي قدره (٢). وفي رواية: «لم تصبه فجاءة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجاءة بلاء حتى يمسي»، وفيها أن أبان قال للرجل: ما لك تنظر إلي فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي ﷺ ، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت، فنسيت أن أقولها (٣). والحديث دلالته ظاهرة في إن"هذه الكلمات تدفع عن قائلها كل ضر كائنًا ما كان، وأنه لا يصاب بشيء في ليله ولا نهاره إذا قالها في أول الليل والنهار" (٤)، إذ إن أول كلٍ منهما هو بداية التحصين الذي تحصل معه الفائدة بدفع المضرة والبلاء المفاجئ الذي يأتي بغتة دون إشعار أو مقدمة. ٧ - التحصن بصلاة أربع ركعات أول النهار. لقوله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم! صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» (٥). فمن صلى هذه الأربع أول النهار كانت له حرزا من المكاره إلى آخره. قال العيني في معناه:"أكفك آخر النهار من كل شيء من الهموم والبلايا ونحوهما" (٦) وقال الطيبي:"أكفك شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك إلى آخر النهار، والمعنى: أفرغ بالك بعبادتي في أول النهار، أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك" (٧). وفضل الله واسع، فليتوجه المسلم بهذه الركعات المباركة إلى من بيده الخير وهو على كل شيء قدير؛ ليقضي حوائجه، وييسر أموره، ويدفع عنه كل ما يكرهه من الأمراض أو غيرها مما قد يجلب له همًّا أو يشغل له بالا. وقد اختلف العلماء في تعيين هذه الركعات، هل هي صلاة الضحى أم صلاة الفجر وسنته؟ والمشهور الأول وعليه عمل الناس، وعند ابن تيمية وتلميذه الثاني، قال المناوي:"قال ابن تيمية: هذه الأربعة عندي هي الفجر وسنتها، وبه رد تلميذه ابن القيم على من استدل بها على سنة الضحى" (٨)

стр. 852

والأمر محتمل هذا وهذا، قال العراقي: "وهذا ينبني على أن النهار هل هو من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ والمشهور الذي يدل عليه كلام جمهور أهل اللغة وعلماء الشريعة أنه من طلوع الفجر، وقال: على تقدير أن يكون النهار من طلوع الفجر فلا مانع من أن يراد بهذه الأربع الركعات بعد طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت ما خرج عن كونه أول النهار، وهذا هو الظاهر من الحديث وعمل الناس فيكون المراد بهذه الأربع: ركعات صلاة الضحى" (١). وأيا كان الأمر فمن أراد أن يحصن نفسه ويحفظها من المكاره يومه فليفعل الأمرين معا إن لم يترجح عنده أحدهما؛ لأن المصلحة عائدة عليه في النهاية. ٨ - التحصن بكلمات الله التامات عند نزول المنازل والأمكنة. لقوله ﷺ : «إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل» (٢). فدل الحديث أولا: على استحباب التعوذ بصفات الله تعالى عند نزول منزل ما، سواء أكان ذلك المنزل بيتا، أو فندقا، أو سوقا، أو مشفى، أو منتزها، أو شجرة يستضل بها، أو غير ذلك، وسواء أكان ذلك في حال سفر أو إقامة. ودل ثانيا: على أن من قال ذلك الدعاء بقلب حاضر، وتوجه تام لله تعالى عصم من كل شر، وبقي في حفظ الله وكلائه وحرزه حتى يرتحل من منزله ذلك. ويشهد لذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة قال: «أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك» (٣). قال المناوي معلقا:" (لم تضرك) بأن يحال بينك وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوّته وضعفه"وما ذاك إلا؛"لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يضر" (٤). ٩ - التحصن بالحمد عند رؤية المبتلى في دينه أو بدنه. لقوله ﷺ : «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا؛ لم يصبه ذلك البلاء» (٥)، وفي رواية: «عوفي من ذلك البلاء كائنا ما كان ما عاش» (٦). وهذا الحصن بشرى عظيمة، يقوله المؤمن سراً عندما يرى مبتلا في دينه بالمعاصي والفسوق، أو في بدنه بالمرض أو نقص الخلقة؛ ليكتب الله له السلامة والعافية من ذلكم البلاء ما كتب الله له حياة. قال المباركفوري:"من رأى مبتلى في أمر بدني كبرص وقصر فاحش أو طول مفرط أو عمى أو عرج أو اعوجاج يد ونحوها، أو ديني بنحو فسق وظلم وبدعة وكفر وغيرها، فقال «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا» أي فضلني في الدين والدنيا والقلب والقالب إلا عوفي من ذلك البلاء ... مدة بقائه في الدنيا" (٧). ١٠ - التحصن بالدعاء لدفع البلاء ورفعه.

стр. 853

قال الله تعالى:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" [البقرة:١٨٦]، وقال سبحانه:" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر:٦٠]، وقال عن أيوب ﵇:"وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ " [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. إن الدعاء أمضى سلاح في دفع البلاء قبل نزوله، وفي تخفيفه أو رفعه بعد نزوله؛ لقوله ﷺ «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» (١). ودلالة الحديث ظاهرة في أثر الدعاء، وأنه ينفع مما نزل من المصائب والمكاره وسائر أنوع البلاء ومما لم ينزل منها. قال ابن القيم:"والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل ... وله مع البلاء ثلاثة مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه" (٢). وقال ﷺ : «لا يرد القدر إلا الدعاء» (٣)، وهذا الحديث - إضافة إلى سابقه وما في معناهما - يفتح باب الأمل في دفع المكاره المتوقعة أو المحذورة، ومعناه: أن الدعاء سبب من الأسباب التي يستدفع بها البلاء، كما أنه سبب من الأسباب التي يستجلب بها الخي. وكان بعض السلف يقول:"ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب يا رب .. لعل الله ينجيه" (٤). فلنقل: يا رب نجنا من المكاره .. يا رب نجنا من البلايا .. يا رب نجنا من الأوباء. وإياك ثم إياك أن تقل هذا مطلب كبير، فإنا نطلب الله ما هو أكبر من ذلك وأعظم .. ومن ذلك إنزال الغيث إذا أجدبت الأرض وأمسكت السماء فيستجيب لنا! وإن لنا في دعاء القنوت لعبرة!! وكلما كان الدعاء عن حاجة واضطرار، وكان في أوقات الإجابة، وكان خاليا من الموانع كان أحرى بالقبول والإجابة. ١١ - التحصن بالقنوت. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء النص على مشروعية القنوت لدفع الوباء ورفعه كونه من النوازل، وقد خالف آخرون، قالت اللجنة "القنوت في الفجر غير مشروع إلا في حالة النوازل، كحلول الوباء، أو حصار العدو للبلاد، أو تسلطه على المسلمين، ففي هذه الحال يشرع القنوت في صلاة الفجر وغيرها كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك" (٥). وللعلماء كلام متفرق في الطاعون والوباء، وفيه تفريعات تستحق البحث والدراسة. ١٢ - التحصن بالدعاء للغير بظهر الغيب. لقوله ﷺ : «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل» (٦).

стр. 854

قال صفوان: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» (١). وهذه غنيمة باردة، لا تحتاج منا إلى كثير جهد وعناء، وإنما فقط أن نتذكر إخوتنا في الدين أو النسب فندعوا لهم بالسلامة والعافية وبما نحب من الخير، وندعوا لهم ولذراريهم على وجه الخصوص بالنجاة من الأمراض والأوباء المعدية وخاصة ما يشغل بالنا هذه الأيام، فإن فعلنا ذلك بصدق وإخلاص استجاب الله دعاءنا فيهم، واستجاب دعاء الملك فينا بمثل ما دعونا لهم به؛ لأن دعاء الملائكة مجاب. وخلف هذا الدعاء من الثمرات الخاصة والعامة الكثير والكثير لمن تبصَّر، فليكن لنا منه أوفر النصيب. ١٣ - التحصن بدعاء ذي النون. هو من ضمن الأدعية التي تدفع بها المكاره وترفع بإذن الله، وإنما أفردته لأهميته، وفيه جاء قوله ﷺ : «ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من بلايا الدنيا دعا به يفرج عنه؟ فقيل له: بلى فقال: دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» (٢). قال الإمام الشافعي:"أحسن ما يداوى به الطاعون - ومثله سائر الأوباء - التسبيح، ووجهه أنه يدفع العذاب، قال تعالى:"فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] " (٣). ١٤ - التحصن بدعاء إذهاب الهم والحزن. لقوله ﷺ : «ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا» قالوا: يا رسول الله، ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات، قال: «أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» (٤). والهم والغم والحزن أمراض باطنة، تستوعب جميع أقسام الزمن المستقبل والحاضر والماضي، وهي مما ينغص العيش، ويكدر الخاطر، وهذا الدعاء يذهبها؛ بل يقلبها فرحا. والأمراض الفاتكة، والأوبئة المعدية، والعلاجات غير الموثوقة، أو ذات الأضرار الجانبية هي مما يشغل البال، ويجلب الهم، والهم معوق، وقد يقلل الإنتاج ويعطل عن العمل، فيرجى أن يكون في هذا الدعاء بلسما وشفاء لمن تحصن به، فيكفيه الله شر ما أهم، ويبدله مكان همه وغمه فرحًا. وقد بسط ابن القيم الكلام على هذا الحديث في غير ما كتاب من كتبه، وتكلم عليه بكلام نفيس. ١٥ - التحصن بسؤال الحسنتين. أي سؤال حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، وهو" طلب العافية في الدارين" (٥).

стр. 855

جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! لا تطيقه أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟» قال: فدعا الله له فشفاه (١). فهذا الرجل لما دعا بتعجيل العقوبة استجاب الله دعاءه، وابتلاه بالمرض حتى ضعف وصار مثل فرخ الطائر، فبين له النبي ﷺ أنه لا يطيق ماسأل في الدنيا، ولا يستطيعه في العقبى، ثم بين له الصواب من القول، فلو قال: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة ... )؛ لغفر الله له ذنوبه وعافاه من المرض، فدعا الرجل بهذا الدعاء الجامع فشفاه الله (٢). وكان هذا الدعاء المبارك أكثر دعاء النبي ﷺ ، وكان أنس ﵁ يدعو به لأصحابه، وما ذك إلا لأنه "جامع لجميع مطالب الدّنيا والآخرة" (٣)، فحري بالمسلم أن يكون له منه أوفر النصيب. ١٦ - التحصن بسؤال العفو والعافية. ففي العفو محو الذنوب، وفي العافية السلامة من الأسقام والبلايا (٤). قال أنس ﵁: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة»، ثم أتاه الغد فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت» (٥). وقد أنكر النبي ﷺ على المبتلين الذين لا يسألون الله العافية، فعن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم مبتلين، فقال: «أما كان هؤلاء يسألون العافية؟!» (٦). قال ابن حجر الهيتمي:"ويتأكد لمن أصابه طاعون أو مرض وغيره أن يديم سؤال العافية" (٧)؛ فإذا ما استجاب الرب تعالى كانت الصحة والسلامة. وقد قام ﷺ على المنبر يوما ثم بكى، فقال: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية» (٨). قال الحكيم:"هذا من جوامع الكلم، إذ ليس شيء مما يعمل للآخرة يتقبل إلا باليقين، وليس شيء من أمر الدنيا يهنأ به صاحبه إلا مع الأمن والصحة وفراغ القلب، فجمع أمر الآخرة كله في كلمة، وأمر الدنيا كله في كلمة" (٩). وصح إن النبي ﷺ لم يكن يدع تلكم الدعوات حين يمسي وحين يصبح. ١٧ - التحصن بالله من تحول العافية. فقد كان ﷺ يتعوذ من تحول العافية وتبدلها بالبلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» (١٠). قال الصنعاني:"تحول العافية: انتقالها، ولا يكون إلا بحصول ضدها وهو المرض" (١١)، فكأن المتعوذ سأل دوام العافية، وهي: السلامة من الآلام والأسقام (١٢).

стр. 856

فحري بالمسلم أن يحتمي بمن له القدرة التامة على حمايته من سائر الأمراض السيئة التي لا طاقة له بها، ولا قدرة له عليها، ومنها الأوبئة الفاتكة كوباء الخنازير في وقتنا. ١٨ - التحصن بالله من سيء الأسقام. فقد كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام، ومن سيء الأسقام» (١). والمعنى: التجئ إليك يا الله، وأعتصم بك، وأحتمي من هذه المكروهات، ومن سائر الأمراض والعلل السيئة أن تصيبني فامنعني منها، ونجني من شرها. وكان ﷺ يقول: «اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأدواء» (٢). أي: باعدني عن المنكرات المذكورة، ومنها الأدواء،"وهي الأسقام المنفرة" (٣)، كالتي مرت في الحديث الآنف. ١٩ - التحصن بكثرة الاستغفار. فإن الاستغفار سبب إلى الحياة السعيدة الهانئة الخالية من المنغصات والمكدرات، ولك أن تتأمل ما يأتي من الآيات، وأن تعود إلى تفسيرها لترى ما ينشرح به صدرك. قال تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً" [نوح: ١٠ - ١٢]، وقوله : "وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" [هود: ٣]، وقال سبحانه: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ" [هود: ٥٢]. فدلالة هذه الآيات على الوقاية من الأمراض والمكروهات وسائر الآفات استنباطية، إذ إن ظفرك بمطر السماء، وإمدادك بالأموال والبنين، وامتلاكك البساتين الجارية بالأنهار، وزيادة قوتك قوة، وإمتاعك متاعا حسنا يستلزم بقاءك وحمايتك من المهلكات؛ لتصدق فيك معاني الآيات إذ صدقت في الاستغفار. فليكن لنا نصيب من الاستغفار، وليكن لنا من سيده أوفر النصيب، ولنتذكر أن الاستغفار المثمر هو ما تواطأ عليه القلب واللسان، مع الإقلاع عن الذنوب والآثام، والندم على فعلها، والعزم على هجرها وعدم العودة إليها، ومتى ما نقضنا العهد أو كبونا فلنعد إليه مرة أخرى بشروطه. ٢٠ - التحصن بالتصالح مع الله تعالى والرجوع إليه. فإن الذنوب هي الأصل فيما يصيب الناس من المكاره، ولنتأمل قول الحق تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" [الشورى: ٣٠]، فالله تعالى يخبر"أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم، وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو الله عنه أكثر، فإن الله لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون."وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً" [فاطر: ٤٥] " (٤).

стр. 857

وقال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الروم:٤١]، يقول ابن سعدي في تفسيرها:"استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها" (١). وفي الحديث: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» (٢). والطريق إلى العودة ودفع المكاره عموما أو رفعها يكون بالإيمان الصحيح، والتقوى والأعمال الصالحة، كما قال الله: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " [الأعراف: ٩٦]. ٢١ - التحصن بالصدقة. وهي من الإحسان المتعدي إلى الغير، وبها تدفع الأمراض والمكاره وترفع؛ لقوله ﷺ : «داووا مرضاكم بالصدقة» (٣)، فإذا كانت الصدقة ترفع المرض بعد وقوعه، فمن باب أولى أن تدفعه قبل وقوعه، فإذا ما بذل الإنسان صدقة من طعام أو كساء أو نقود وما أشبه ذلك للمحتاجين بنية دفع البلاء أو رفعه، فيرجى له الظفر بما نوى. قال المناوي: "أمر بمداواة المرضى بالصدقة، ونبه بها على بقية أخواتها من القرب، كإغاثة ملهوف، وإغاثة مكروب، وقد جرَّب ذلك الموفقون، فوجدوا الأدوية الروحانية تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسيَّة، ولا ينكر ذلك إلا من كثف حجابه" (٤). وقال ﷺ : « ... وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقربوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه» (٥). ففي الصدقة نجاة من الكروب والمكاره، قال ابن القيم: "إن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جرَّبوه" (٦). والشواهد من الواقع المحسوس على تأثير الصدقة في رفع البلاء كثيرة جدا، أذكر واحدة وأتجاوز البقية للاختصار، ذكر ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر: "أنه تقرّح وجه أبي عبد الله الحاكم قريباً من سنة، فسأل أهل الخير الدعاء له فأكثروا من ذلك، ثم تصدق على المسلمين بوضع سقاية بنيت على باب داره وصب فيها الماء، فشرب منها الناس فما مر عليه أسبوع إلا وظهر الشفاء وزالت تلك القروح، وعاد وجهه أحسن ما كان" (٧). ٢٢ - التحصن بصنائع المعروف.

стр. 858

لقوله ﷺ : «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والآفات، والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» (١). ودلالة الحديث ظاهرة في كون فعل الخير وإسداء الجميل إلى الناس ـ سواء أكانوا أبرارا أم فجارا ـ يحفظ صاحبه من مصارع السوء ويردها عنه، فإن الجزاء من جنس العمل. قال العامري:"المعروف هنا يعود إلى مكارم الأخلاق مع الخلق، كالبر، والمواساة بالمال، والتعهد في مهمات الأحوال كسد خلة، وإغاثة ملهوف، وتفريج مكروب، وإنقاذ محترم من محذور، فيجازيه الله من جنس فعله، بأن يقيه مثلها، أو يقيه مصارع السوء عند الموت" (٢). وقد فسرت الآفات بأنها العاهات، وهي البلايا التي تصيب الزروع والمواشي والناس، ومنها الموت، والمرض، والمصائب، والحزن، والغم، والتعب، والكدر، والحمى، والصرع وغيرها (٣)، وفسرت الهلكات، بأنها السنون الجدبة، لأنها مهلكة (٤). والحكايات في الباب كثيرة أكتفي بواحدة ذكرها الشيخ عطية محمد سالم، قال:"سمعت منذ أسبوع مضى: أن امرأة وقعت في دبل العين ـ والذي أخبرني حي يرزق ـ فانخسف بها الدبل، وسقطت في الأرض ولم تستطع أن تخرج، ومكثت خمسة عشر يوماً لا يعلم بها أحد، وقد كان لها غنم تعطي عجائز بجوارها من لبنها في طاسة من النحاس، فمر شخص يمشي على ظهر الدبل فسمع صوتاً، فنادى فأجابته فأخرجوها، فسألوها كيف كنت تعيشين؟ قالت: طاسة الحليب التي كنت أعطيها العجائز اللاتي بجواري، كانت تأتيني كل يوم!! " (٥). فمتى سنحت لك الفرصة مع الإمكان لصنع معروف فبادر إليه ولا تتأخر، فيوشك أن تجد جميل صنعك أحوج ما تكون إليه. ٢٣ - التحصن بالاستيداع. لقوله ﷺ : «إن الله إذا استودع شيئا حفظه» (٦). فيستودع الإنسان ربه نفسه وأهله وولده وكل شأنه؛ "لأن العبد عاجز ضعيف، والأسباب التي أعطيها عاجزة ضعيفة مثله، فإذا تبرأ العبد من الأسباب وتخلى من وبالها، وتحلى بالاعتراف بالضعف، واستودع الله شيئا فهذا منه في ذلك الوقت تخلى وتبرى من حفظه ومراقبته، فيكلأه الله ويرعاه ويحفظه والله خير حفظا" (٧). وعليه فما أجمل أن تقول المرأة لزوجها وأولادها عند الخروج من المنزل: أستودعكم الله، وما أجمل أن يقول الوالد لأولاده عند إنزالهم مكان تعليمهم أستودعكم الله، وبالجملة ما أجمل أن تتبادل الأسرة هذه الكلمة المباركة فيما بينها؛ ليحرسهم الله ويحفظهم مما يكرهون. ٢٤ - التحصن بركعتين تقي من مخرج السوء ومثلها من مدخله. لقوله ﷺ : «إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء» (٨). والمعنى إذا أردت الخروج من بيتك فصل ركعتين بهذه النية، تكون لك حرزا من الشر، وإذا دخلت كذلك. ٢٥ - التحصن بماء زمزم.

стр. 859

وهو أشرف المياه وأطيبها وأعجبها، وقد قال ﷺ عن زمزم: «إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم» (١)، وإنما تظهر بركتها على من صحَّ صدقه، وحسنت فيها نيته (٢). وماء زمزم لما شرب له من النيات والمقاصد؛ لقوله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له» (٣). قال الشوكاني:"فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر ضربه لأجله، سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة؛ لأن (ما) في قوله: (لما شرب له) من صيغ العموم" (٤). وقال مجاهد:"إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته تريد أن تقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته تريد أن يشبعك أشبعك الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل ... من شرب منها حتى يتضلع أحدثت له شفاء، وأخرجت منه داء" (٥). وقد شربه جماعة من العلماء والصالحين لمقاصد جليلة وحوائج جزيلة فنالوها (٦). قال ابن القيم:"وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مراراً" (٧). وتجارب العلماء وأخبارهم مع هذا الماء المبارك كثيرة جدا، ولولا الإطالة لذكرت طرفا منها، فلنشربه بنية الوقاية والشفاء من الأمراض، وبنية السلامة والعافية من المكاره، ودون تردد مع اليقين بحصول المطلوب. ٢٦ - تحصين من نزل به البلاء لرفعه عنه. لقوله ﷺ : «من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض» (٨). فهذه الفائدة يحصلها المريض بدعاء الزائر له بالصيغة النبوية المذكورة، فيعافى ويقوم سريعا من مرضه بإذن الله تعالى، مالم يكن مرضه الذي هو فيه مرض الموت، فإن كان كذلك لم ينفعه شيء. ٢٧ - التحصن بالتعاويذ والرقى عند نزول البلاء. وهذه بابها واسع، وقد ذكرت طرفا منها في كتابي ((أذكار المسلم ٢٠٠ سؤال وجواب)) (٩)، تحت عنوان: أذكار المرض والرقية والموت وما يتصل به. هذه بعض التحصينات وفيها الكفاية لمن وفقه الله. تساؤلات: هل هناك فرق بين الأدوية الإلهية والأدوية الطبيعية في النفع من الداء؟ وما مميزات الأدوية الإلهية؟ وهل لها آثار جانبية سلبية؟ نعم هناك فرق؛ فالأدوية والتحصينات الإلهية تكون أحيانا استباقية، ومساحتها العلاجية أرحب، قال ابن القيم:"واعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعا مضرا وإن كان مؤذيا، والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء، فالتعوذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه، فالرقى والعوذ تستعمل لحفظ الصحة، ولإزالة المرض" (١٠). وتمتاز الأدوية والتحصينات الإلهية بأنها مجانية، وسهلة التعلم، وليس لها آثار جانبية، إضافة إلى إنها تشرح الصدر، وتطمئن القلب، وتزرع اليقين، وتقوي الصلة بين العبد وخالقه.

стр. 860

كيف نحقق أكبر فائدة من تلكم التحصينات؟ لكي نحقق أكبر فائدة من تلكم التحصينات علينا بالآتي: أولا: بالنسبة للتحصينات الشرعية المادية: علينا أن نأخذ بأسباب الوقاية التي تجنبنا المكاره على اختلافها وتنوعها، ومنها انتقال الأمراض المعدية والوبائية منها خاصة، وقد ذكر أهل الاختصاص من الأطباء في الوقاية من أنفلونزا الخنازير أمورا أصبحت مشهورة عند كثير من الناس، لانتشار منشوراتها في المدارس والجامعات والمساجد والأماكن العامة، فلنأخذ بها ولا نهملها وهذا من تمام التوكل، وقد تقدم أن مثل هذه التحصينات قد جاءت الشريعة بأصولها على أكمل وجه وأتم صورة. ثانيا: بالنسبة للتحصينات الشرعية الإلهية علينا الآتي: ١ - قولها بحضور يتواطأ فيه القلب مع اللسان. ٢ - قولها مع اليقين ببركتها ونفعها. ٣ - الالتزام بأعدادها، وكيفياتها، وأوقاتها. ٤ - اعتقاد أنها سبب وأنها لا تؤثر بذاتها. ٦ - تفويض الأمر بعد ذلك إلى الله تعالى. هل من الممكن أن يتخلف تأثير تلكم التحصينات أو ينعدم؟ نعم؛ والأمر كما قال ابن القيم:"الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعدا قويا، والمانع مفقودا، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر" (١). وقال أيضا:" فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يُوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطعها" (٢). هل يلزم أن تقال جميع التحصينات الآنفة في كل مرة لتحصيل الفائدة؟ لا يلزم، لكن التحصينات المتعلقة بأوقات معينة أو مناسبات معينة فإنها تقال فيها، والأكمل أن نواظب على ما نستطيع من التحصينات، فمن يقاتل بسلاحين أو ثلاثة أكمل ممن يقاتل بسلاح يتيم، وقد يكفي من التحصينات قراءة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحا، وثلاث مرات مساء مع اليقين وحضور القلب. من أحوج الناس إلى تلكم التحصينات؟ الجميع بحاجة إليها بلا استثناء؛ لدفع المكاره أو رفعها وتخفيفها، وعندما تظهر الأوبئة فمن يكون على احتكاك مباشر بالجماهير أكثر حاجة إليها، كالأطباء، والمعلمين، والطلاب، ومن يغشاهم الناس لحاجاتهم. أمنيات: وقبل أن أختم هذا الموضوع أبث إليكم ثلاث أمنيات علها تجد صوتا مجيبا، فأقول: ١ - أتمنى نشر ثقافة التحصينات الشرعية الإلهية بين الناس، بحيث تصبح جزءا من أولويات اهتمامهم، بألفاظها وكيفيتها وأوقاتها التي جاء بها الوحي المقدس. ٢ - أتمنى أن نشاهد -بجانب ورقة التحصينات الوقائية المادية- ورقة أخرى للتحصينات الإلهية من أذكار ورقى ودعوات وإرشادات إلى الأعمال الصالحة كالصدقة. ٣ - أتمنى عندما يتحدث المسؤول - وخاصة أصحاب التخصصات الطبية والتعليمية - عن الأمراض الوبائية كأنفلونزا الخنازير، أن يطعم حديثه بشيء من التحصينات الإلهية، مشيرًا إلى أهميتها وضرورة العناية بها لدفع البلاء أو رفعه وتخفيفه. وبعد،،، آمل أن تكون المعلومات الآنفة واضحة ومفيدة، كما آمل أن نتعلمها ونعلمها أهلينا في البيوت، وننقلها إلى الآخرين، وأن نعمل بها من اليوم، سائلا المولى أن يجنبني وإياكم وذرارينا وسائر المسلمين كلَّ مكروه، وأن يرفع عن الأمة وباء الخنازير وسائر المكروهات .. والله أعلم.

стр. 861

ونحن أيضاً، سنصدعُ بالحقِّ علوي بن عبد القادر السَّقَّاف ١٢ ذو القعدة ١٤٣٠هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه. أمَّا بعد: فقد عاشت هذه البلاد منذ عقودٍ خَلَتْ على منهج أصيل، أسَّسَه علماؤها وغيرُهم من العلماء الوافدين إليها من أنحاء العالم، وترسَّخ هذا المنهج، وضُبطت أصولُه وقواعدُه على منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والاستدلال، ونشأت الأجيال وتربت الأمة عليه، وارتضاه الناس، حيث جمع شملهم، ووحَّد كلمتهم من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، ووجد له أنصاراً ومحبين في شرق العالم وغربه، حيث وافق الفطرة، ودعا للإسلام النقي من شوب المحدثات. وترسَّخ خلال هذه المدة في نفوس الناس ضرورةُ التقيُّد بالدليل الصحيح وعدم التعصب لمذهب معين رغم وجود الدراسة الفقهية الحنبلية والاسترشاد بها في القضاء وغيره. وظهر بعد الجيل الأول من العلماء جيل آخر أخذ منهم، وسلك مسلكهم، فكانوا خيرَ خلفٍ لخير سلف، أعانوا مشايخهم على رفع الجهل عن الأمة بالعلم والتعليم والدعوة والإصلاح، ومع تحري منهجهم للدليل، وقيامهم بالدعوة على أسس منهج السلف في العقيدة، ودعوتهم الناس إلى نبذ العصبيات إلا أن ذلك لا يعني قبول جميع الأطراف لدعوتهم بل كانت هناك أعداد قليلة غير راضية عن هذا المسلك متهمةً إياه بالتشدد تارة، وبالجمود تارة أخرى، لكن لم يكن لهم تأثيرٌ يُذكر، حيث صدَّقت أفعالُ العلماء أقوالَهم، وظهر للقاصي والداني نُصحهم، وصحة منهجهم. وخلال تلك المدة جَدَّتْ أحداث، ونزلت بالأمة نوازل، اختلفت فيها الآراء والاجتهادات في مسائل معدودة، لكن لم يُنْقَضْ فيها أصلٌ، ولم يُشَنَّع فيها على عالم، واجتمعت كلمة الجميع ولم تختلف إلا ما ندر. وحفظ الصغارُ قَدْرَ الكبار، واستفادوا من علمهم وتجاربهم، واستفاد الكبارُ في المقابل من اطلاع الصغار وتخصصهم، ورغم حدوثِ متغيراتٍ عالميةٍ وعربيةٍ ومحليةٍ في تلك المدة، ووفودِ أفكارٍ ومعتقداتٍ إلحاديةٍ كالشيوعيةِ والقوميةِ والبعثيةِ والحداثيةِ، وانفتاحِ المجتمع على المجتمعات الغربية وتطورِ وسائل الإعلام، إلا أنَّ المجتمع كان متمسكاً بدينه، وملتفًّا حول علمائه، وكان لعلمائه هيبةٌ ووقارٌ لدى الكبير والصغير، دون تقديس أو ادعاء عصمة، وخلال هذه المدة حُرِّرت مسائل، وأُلفت كتبٌ، وأُعدت رسائل جامعية في شتى العلوم: العقدية، والأصولية، والفقهية، حتى أصبحت هذه البلاد وعلماؤها وطلاب العلم والدعاة فيها محط الأنظار، وقدوة للأمصار، في سلامة المنهج، وقوة التمسك بالدليل. واستمر هذا الحال ثلاثة عقود أو أكثر، وكانت اللحمة الدينية والسياسية على وفاق واتساق، مما أفرح الصديق وأغاظ العدو، وهذا كله لا يعني عدم وجود أخطاء، وتجاوزات، واختلافات، ومفارقات، لكنها لم تكن لتشق الصف وتفرِّق الأمة، ولم يكن يتطلب الأمر أن يُسعى لتقويض ما تسميه بعض الجهات المشبوهة ومقلِّدوها بالمؤسسة الدينية. ثم حدثت في السنوات الأخيرة أحداثٌ عالميةٌ ومحليةٌ لا تخفى على أحد، ووقعت على إثرها ضغوطٌ عالمية ظهرت آثارها وتسارعت بشكلٍ كبير لكثرةِ قنواتِ الاتصالِ وسرعتها، غيَّرت من قناعاتِ وتوجهاتِ عددٍ من الخطباء والدعاة وطلاب العلم، بل وبعضٍ ممن يحسبون على العلماء!.

стр. 862

كان هؤلاء في بدء الأمر يعرضون ما عندهم بمداورة والتواء ولحنٍ في القول، وبصوت منخفض، وعلى استحياء، وفي مجالس خاصة، ثم تطور الأمرُ فأصبح بعضهم يُصرِّح بما عنده ولكن في مجالس خاصة أيضاً. وكان عددٌ من الدعاة وطلاب العلم يبلغهم ذلك، فتارة ينفونه عنهم حُسْنَ ظنٍّ بإخوانهم، وتارة يتوقفون، وأخرى ينصحون. ثم تطور الأمرُ أكثر، فأصبح بعضُ أؤلئك يصرِّح في حواراتٍ صحفية، أو فتاوى فضائية، أو مقالاتٍ (إلكترونية)، كلُّ ذلك كان يحصل والعلماء وطلاب العلم كانوا يغلِّبون حسن الظن بهم، ويؤمِّلون أوبتهم، ويطمعون في عودتهم. ورغم قلَّتهم -كما يعبرون هم عن أنفسهم- إلا أن تأثيرهم قد زاد، وما ذاك إلا لأن وسائل الإعلام قد فتحت لهم أبوابَها وقنواتِها، ولأن ما يطرحونه مما تستهويه الأنفس. ونسوا قول الله : ﴿فَأَمَّاالزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ فطفق العلماء وطلاب العلم يتهامسون فيما بينهم: أما آن الأوان أن نصدع بالحق ونبين أخطاءهم حتى لا يغتر بهم العامة؟ وكانت طائفة من أهل الثبات على المنهج تدعو إلى الرويَّة حفاظاً على وحدة الصف ولمِّ الشمل، لكن القوم استفحل أمرُهم، وتجاوز الخلاف معهم المسائل الفقهية المبنية على التيسير غير المنضبط بضوابط الشرع: كالقول بجواز الأخذ من اللحية بلا قيد، وجواز إسبال الثياب، وعدم وجوب الصلاة جماعة في المسجد، وجواز سماع بعض آلات المعازف كالطبل وغيره -وهي مسائل وإن قيل بها إلا أنها مرجوحة-، وكالقول بجواز الاحتفال بأعياد الميلاد والأوطان، بل وبمولد النبي ﷺ ، وقضايا متعلقة بالمرأة كالحجاب والنقاب والعباءة واختلاط الرجال بالنساء ... إلخ. تجاوز الأمرُ ذلك كلَّه إلى قضايا عقدية ومنهجية: كمسائل في نواقض الإيمان، والولاء والبراء، والتسامح مع المبتدع، وجعل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، والدعوة إلى فتح الذرائع، وغير ذلك مما يناقض أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة والاستدلال، كلُّ ذلك ضمن إطار ما يزعمونه من تجديد الخطاب الديني، وركوب موجة الإصلاح والتغيير بحجة استغلالهما قبل أن يستغلهما المُفسدون، وكأن الإصلاح والتغيير لا يكونان إلا بمسايرة الواقع، ومخالفة الشرع، والانفلات من التدين، وهذا عين ما يزعمه دعاة التحرير. بل تطور الأمرُ عند بعضهم، فطالت كتاباتهم، وبلغت سهامهم الدعوة السلفية، ودعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وأثاروا الشكوك حولها، وتجرأ بعضهم على كبار علماء هذه البلاد ولمزوهم. وظلَّ السؤال يعيدُ نفسه: هل آن الأوان لنصدع بالحق ونبين خطأ إخواننا هؤلاء أم نظل ساكتين حتى تغرق السفينة، وتنهدم الصروح الشامخة التي بُنيت عبر عقود؟ والذي يراه الآن كثيرٌ من العلماء وطلاب العلم والدعاة أنه قد آن الأوان -إن لم يكن قد فات-، وأن عليهم أن يتداركوا الأمر ويفنِّدوا شبهاتِ هؤلاء الإخوة علناً كما نشروها علناً، وأن يصدعوا بالحق كما صدعوا هم بما يظنونه حقاً، فحديثهم عن كبار العلماء والمؤسسة الدينية وتأثيرها إنما ينصب على مدرسة الإمامين ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- ومن سار على طريقتهما من العلماء وطلاب العلم والدعاة، وقد كانت طريقة هدى ورشاد، من غير ادعاء العصمة لهم من الخطأ. لذلك وجب الصدع بالحق في وجه هذا التيار نصيحة لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وبياناً للدليل، ولمأخذه عند أهل النظر من أهل الرسوخ من العلماء وطلاب العلم، وحفاظاً على مكتسبات الأمة خلال هذه العقود، لكن ينبغي أن يكون ذلك برفقٍ وعدلٍ وعلمٍ دون تعصُّبٍ لأحد، وألا يشغلنا الردُّ عليهم عن الردِّ على أهل الباطل الصرف من المبتدعة والعلمانيين والليبراليين كما شُغِلوا هم -وللأسف- عن ذلك. فيا علماء المسلمين، ويا طلاب العلم ابروا أقلامكم، وجهزوا صحائفكم، فإن كلمة الحق لا بد لها من سامع، وإن مقاومة الأخطاء المتكررة بالعلم، والبيان، وإقامة الحجة، عهدٌ عهده الله إليكم، فإن لم يكن الآن وقت ذلك فبالله عليكم متى يكون؟! قال الإمام أحمد: إذا سكتُّ أنا، وسكتَّ أنت، فمتى يتبيَّن الحق. أسال الله أن يثبتنا على دينه وسنة نبيه، وأن يردَّ إخواننا هؤلاء إلى الحق ردًّا جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 863

الترجيح في حكم النشيد صالح بن أحمد الغزالي من المعلوم أنَّ النشيد بصورته الحاضرة من المسائل المستجدة التي لم يُسبق بحثها في كتب أهل العلم المتقدمين، وهذا داع إلى العناية بذكر حكمه مفصلا، ويضاف إليه الدواعي التالية: ١ - كثرة متعلقات النشيد، (الألحان، الكلمات، المقاصد، وغير ذلك من وقت السماع وكيفيته ... الخ) وتنوعها. ٢ - قوة الخلاف في حكمه، وقد مرّت صورة واضحة من خلال عرض الأقوال، والأدلة السابقة. ٣ - عموم الحاجة إلى معرفة حكم النشيد؛ لكثرته وانتشاره الواسع، خصوصا بعد انتشار أجهزة التسجيل وأشرطة الكاسيت، لهذه الأسباب وغيرها كان من المناسب بسط الحديث عن النشيد ومتعلقاته، وبيان حكمه التفصيلي. وإليك بيان ذلك مستعينا بالله، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وما توفيقي إلا بالله. الحكم التفصيلي للنشيد: قبل معرفة الحكم التفصيلي للنشيد لابد من التنبيه إلى أمرين: الأول: أن ما يعرف - الآن - بالنشيد الإسلامي أنواع مختلفة، ومتباينة من حيث الألحان والكلمات والمقاصد فيجب التفصيل عند بيان الحكم بين أنواعه المختلفة لا الإجمال والتعميم، قال ابن القيم (١) ﵀: فعليك بالتفصيل والتمييز ... قد أفسدا هذا الوجود وخبّطا فالإطلاق والإجمال دون بيان ... الأذهان والآراءَ كلّ زمان وقال الشيخ محمد العثيمين (٢) ﵀ بخصوص التفصيل عند بيان حكم النشيد:" واعلم انه في هذا الباب لا تكاد تجد أحداً يفرق بين ما كان مشروعا (٣) وغير مشروع، ولهذا أرى أن الأناشيد لابد أن تُعرض - قبل أن تُسمع - على طالب علم يميز بين الصحيح وغير الصحيح، ثم بعد ذلك تأخذ الحكم". الثاني: وأن كثيرا مما قاله أصحاب الرأيين (المانع، والمبيح) في حق النشيد حق وصواب، ولكن في بعض أنواعه لا في جميعها، فمثلا: من قال أن الأناشيد ليست من جنس الغناء الملحن المطرب، صح هذا في بعض الأناشيد دون بعضها، التي تشبه ألحان الأغاني، أو هي من جنسها. فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها ومن قال أن سماع الأناشيد يُلهي عن ذكر الله وتلاوة القرآن، صح هذا في حق كثير من المستمعين، دون من تقيد بسماعه في المناسبات دون غيرها من الأوقات. ومن قال أن الأناشيد طريق لدخول الأفكار القومية والبدع الصوفية، صح هذا في بعض الأناشيد دون بعضها، والذي يخلو من ذلك، وتلتزم كلماته بالمعاني الشرعية الصحيحة. ومن قال أن سماع الأناشيد ليس من جنس السماع الصوفي المحدث، صح هذا في حق البعض، ولم يصح في حق من التهى عن سماع القرآن ومواعظه بسماع النشيد ومواعظه. الحكم التفصيلي للنشيد: اعلم - رعاك الله - أن النشيد تتنازعه ثلاثة أصول: الحُداء والنَصْب أصل، والغناء المعروف عند أهل الغناء أصل، والسماع الصوفي المحدث أصل. فما وافقت صفاته من الأناشيد أحد هذه الأصول، سواء في الألحان، أو الكلمات، أو المقاصد، أُلحق به في الحكم، كما هي القاعدة القياسية الأصولية في الفرع الذي يتنازعه أكثر من أصل، فيُلحق بأكثرهم شبها. قال الناظم (٤) ﵀ عند بيان النوع الثالث من أنواع القياس: والثالث الفرع الذي ترددَ فيلتحق بأي ذين أكثرَ ما بين أصلين اعتبارا وُجدا من غيره في وصفه الذي يُرى

стр. 864

يعني أن النوع الثالث من أنواع القياس، قياس الشبه، وهو أن يكون الفرع مترددا بين أصلين أو أكثر فيلتحق في الحكم بأكثرهم شبها في الصفة (١). بناءً على ذلك يكون للنشيد ثلاثة أحكام: الحكم الأول للنشيد: إباحة سماع النشيد واستماعه إلحاقا له بالنَصْب والحُداء، الذي جاءت الرخصة بإباحته مقيداً، فيما إذا كان النشيد موافقا لهما في الألحان والمقاصد والكلمات، ويتحقق ذلك بالشروط التالية: الشرط الأول: في الألحان. أن تقع على أصل الخلقة دون تكلف وتصنع، بأن تقع بتطريب وترجيع يسيرين دون الألحان المتكلفة الموزونة على النغم الموسيقي المطرب، بله (دع) الألحان المائعة الماجنة، قال ابن قدامة (٢) ﵀:"وأما الحُداء فمباح لا بأس به في فعله واستماعه، وكذلك نشيد الأعراب، وسائر أنواع الإنشاد، ما لم يخرج إلى حد الغناء". الشرط الثاني: أن لا يُقصد من سماعه التعبد كشأن أهل السماع الصوفي البدعي (٣)، أو اللذة والطرب كشأن أهل الغناء الفسقي، بل شيء من الترويح والنشاط، قال الشاطبي (٤) ﵀:" ولم يكن فيه - أي النشيد المباح - إلذاذ ولا إطراب يُلهي، وإنما كان شيء من النشاط". الشرط الثالث: أن لا تشتمل كلماته على معنى محظور في الشرع، كأن يكون النشيد وسيلة لدخول بدع الصوفية، أو وسيلة لترويج الشعارات القومية، والوطنية، والحزبية عن طريقه أيضا (٥). الشرط الرابع: أن لا يشتمل على دف، بله (دع) بقية المعازف، قال الشيخ محمد العثميين (٦) ﵀:"الأناشيد الإسلامية لا تخلو من حالين، أولاً: أن يكون فيها ضرب بالدف، وفي هذه الحالة تكون حراما؛ لأنها مشتملة على اللهو الذي لا يُباح في مثل هذه الحالة". الشرط الخامس: "أن لا تُتخذ ديدنا، وتُتخذ موعظة للقلب يتلهى بها الإنسان عن مواعظ الكتاب والسنة، فإنها تكون حينئذ إما محرمة وإما مكروهة؛ لأنها تصد عن كتاب الله، وسنة رسول الله ﵌ (٧). الشرط السادس: أن لا يحدث بسببها مفسدة في الدين كالتلهي عن سماع القرآن والعلم الشرعي به، أو في أمور الدنيا، كتضييع بعض الواجبات والمصالح المهمة بسبب الاشتغال به. وضابط هذه الشروط هو:"الحد الذي كان يُفعل بين يدي النبي ﵌ وأصحابه، ومن يُقتدى بهم من أهل العلم (٨)، ويخرج بهذا القيد من لا يجوز الاقتداء بهم، وهم في هذا الباب صنفان: أصحاب السماع الفسقي من أهل الغناء، وأصحاب السماع الديني المُحدث من أهل الطرق الصوفية البدعية. الحكم الثاني للنشيد: أن يلحق بغناء أهل الفسق في الذم والكراهة، وذلك إذا وافق النشيد غناء أهل الفسق في ألحانه أو كلماته أو مقاصده، ويكون ذلك في الحالات التالية:

стр. 865

١ - في حال التكلف والتصنع في أداء ألحان النشيد، فإنه - أي التكلف - في إنشاد الشعر من خصائص المغنيين ولم يكن الماضون الأولون - الذي يكون فهمهم حجة على من بعدهم - لم يكونوا يتصنعون أو يتكلفون في إنشاد الشعر إلا من وجه إرسال الشعر، واتصال القوافي فإن كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخلقة، لا يتكلفون ولا يتصنعون" (١). ٢ - كون النشيد محكوما بالتلحين الغنائي الموزون على النغم الموسيقي المطرب، وعلة الحظر في هذه الحالة والتي قبلها، التشبه بالفسّاق والمجّان مع ما فيه من الإطراب المذموم الملهي. ٣ - في حال مشابهة النشيد لألحان أغنية محرمة معلومة، وفي هذه الحالة من التشبه بالفساق والماجنين ما يجعله - أي النشيد - محظورا حتى عند بعض الغافلين عن الحالتين السابقتين وما فيهما من تشبه، قال الشيخ عبد الله علوان (٢) ﵀:"لا يجوز للمنشدين أن ينشدوا أغاني فيها تشبه بالأغاني المائعة من ناحية أوزانها وألحانها؛ لأن السامع حين يسمعها يظن أن المنشد يغني الأغنية المائعة، والمقطوعة الفاجرة؛ لكون أكثر الناس يلتفتون إلى النغم واللحن، أكثر من التفاتهم إلى المعنى والنظم، وهذا مشاهد ومعروف في عالم الواقع الذي نحيط به، وننظر إليه ونعايشه، والرسول ﵊ حذّر كل التحذير من التشبه بالمائعين والمخنثين". ٤ - أن يشبه النشيد ألحان وكلمات أغنية محرمة، معلومة، ولو مع تغيير بعض الكلمات التغيير الذي يغير معنى الأغنية المحرم، مع بقاء الشبه والتذكير بالأغنية، كتلحين نشيد: عودوا يا ناس (للإسلام) ويّامه خلّوا اللوام يلوموا مهما لاموا على لحن الأغنية الماجنة: عودوا يا ناس (للحب) ويّامه خلّوا اللوام يلوموا مهما لاموا وعلة النهي في هذا العمل ونظائره هو: التذكير بالمحرمات، (نهى النبي ﵌ عن الانتباذ في المزفت والحنتم والنقير) (٣) وهي الأواني التي كانت مخصوصة للخمر فنهى عنها؛ لأنها تذكر بها، وهي علة التحريم، إذ لا لذة في رؤية القنينة وأواني الشرب، لكن من حيث التذكير بها، والذكر سبب انبعاث الشوق، وانبعاث الشوق إذا قوي فهو سبب الإقدام (٤). ٥ - أن يحصل تشبه أهل النشيد حين أداء النشيد بأهل الغناء والعزف، حين أداء الغناء في الهيئة الظاهرة، كالوقفة والحركة واللبس وطريقة الأداء والإلقاء. مثاله: أن يقف المنشد وفرقة النشيد فوق خشبة المسرح أمام الجمهور، وقفة الفرق الغنائية، حسب نظام وقوفهم الخاص، مثل انفراج الرجلين والقدمين بمقدار معين، ووضع الشعار (كالمنديل في الجيب أو المنشفة على الكتفين أو غيرهما)، وتحريك اليدين ارتفاعا وانخفاضا مع اللحن، أو تحريكهما مع المعاني المؤثرة، وتغميض العينين، ورفع الرأس وهزه يمنة ويسرة، وترتيب فرقة النشيد بالزي الموحد، كترتيب أعضاء الفرق الغنائية بحيث أن من يراهم يظنهم أحد الفرق الغنائية الماجنة.

стр. 866

ففي هذه الهيئة (١) من التشبه بأهل الفساد ما يجعل عملهم هذا محظورا في الشرع، ولو كان ما ينشد مباحا، قال أبو حامد الغزالي (٢) ﵀:"لو اجتمع جماعة وزيّنوا مجلسا وأحضروا آلات الشرب وأقداحه، وصبوا فيها السكنجين (٣)، ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم، فيأخذون من الساقي ويشربون، ويحيي بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم، حرم ذلك عليهم، وإن كان المشروب مباحاً في نفسه؛ لأن في هذا تشبها بأهل الفساد". ٦ - إن قُصد من النشيد - إلقاء أو سماعا - الإطراب، فإنه من مقاصد الغناء المحظور، وليس من مقاصد النشيد المباح (٤). والإطراب واللذة تقعان في الأناشيد الزُهدية الحماسية، التي لا تقتضي معانيها اللذة والطرب، وذلك - أي الطرب - يكون من جهة ألحان النشيد المطربة، مثل أن تنشد القصيدة الزهدية: " يا ساكن القبر عن قليلي ماذا تزودت للرحيل؟ " أو: "يا نفس توبي فإن الموت قد حان واعص الهوى فإن الهوى ما زال فتّانا" بألحان لذيذة مطربة لاسيما مع طلبها وحبها، وتكرار سماعها من غير اتعاظ. قال ابن القيم (٥) ﵀:"سماع الأشعار التي تتضمن إثارةً في القلب من الحب، والخوف، والرجاء، والطلب، والأنس، والشوق، والقرب، وتوابعها، صادف من قلوب سامعيها حبا وطلبا، فأثاره إثارة ممتزجة بحظ النفس، وهو نصيبها من اللذة والطرب الذي يحدثه السماع، فيظن تلك اللذة والطرب زيادة في صلاح القلب وإيمانه وحاله الذي يقربه إلى الله، وهو محض حظ النفس". ٧ - في حال تضمن النشيد (آهات) المغنيين، الذين يتفننون في أدائها وإتقانها على أوجه كثيرة، من التطويل والتقصير والتفخيم والترقيق، وغير ذلك مما يتقنه أهل اللحن. ٨ - في حالة تضمن النشيد كلمات أهل الغناء الخاصة بهم، كـ"يا ليل، يا عين" فإن هذا يوجب التذكير بأغانيهم المحرمة، والتشبه بهم، وكلاهما محظوران في الشرع. ٩ - المد الفاحش في كلمات النشيد على نحو مد أهل الغناء، وتقييده بالفاحش هنا؛ ليخرج المد غير الفاحش في كلمات الشعر وإنشاده، فإنه يُباح، ودليل إباحته ما رواه البراء بن مالك في قصة حفر الخندق: ( ... فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب، ويقول ﵌: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا، وإن أرادوا فتنة أبينا، قال: ثم يمد صوته بآخرها) (٦). ١٠ - الاشتغال بالنشيد وسماعه في كل وقت وحين، كنحو اشتغال أهل الغناء بغنائهم.

стр. 867

١١ - نشيد من يتقن صنعة الغناء ويحذقها، فإنه يُسمى غناء وصاحبه يُسمى مغنيا، وليس إنشاده من القدر المرخص به في الشرع، روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: (دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ :يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا) والشاهد من الحديث قول عائشة ﵂: (وليستا بمغنيتين)، قال النووي (١) ﵀:"وقولها (ليستا بمغنيتين) معناه ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به". ١٢ - إذا اقترن بالنشيد حركات أهل الغناء المعبرة عن اللهو والمجون، كالتمايل، وهز الرؤوس، فإنه يكون حينئذ محظورا، أخرج البيهقي بسند صحيح، عن أم علقمة، مولاة عائشة ﵂: (أن بنات أخي عائشة ﵂ خفضن، فألمن ذلك، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى، قالت - أم علقمة -: فأرسل إلى فلان المغني فأتاه، فمرّت به عائشة ﵂ في البيت، فرأته يُغني ويحرك رأسه طربا - وكان ذا شعر كثير - فقالت عائشة- ﵂: أف شيطان، أخرجوه، أخرجوه، فأخرجوه) (٢). ١٣ - أن يقترن بالنشيد بعض الأصوات المطربة التي هي دون الآلات، كالتصفيق، والصفير، والضرب بالأرجل والقضيب والصنج، فإنه يكون حينئذ مكروها (٣). ١٤ - أن يكون فيها - أي الأناشيد - ضرب بالدف، وفي هذه الحالة تكون عند البعض حراما؛ لأنها مشتملة على اللهو الذي لا يُباح في مثل هذه الحالة (٤). ١٥ - أن يقترن بالنشيد آلات العزف المحرمة، فيحرم، ولا يجوز فعله على أي وجه وحال. ١٦ - النشيد الذي يُؤدى بأصوات مائعة وألحان ماجنة، يحرم إنشاده وسماعه مُطلقا، فإن كانت أصوات النشيد غير مائعة، وألحانه غير فاتنة، وحصلت الفتنة بها عند بعض المستمعين، فتحرم في حقهم؛ إذ إن علة التحريم هنا هي الافتتان، وقد يكون في الصوت واللحن، فتحرم مطلقا، وقد يكون في المستمع فتحرم في حقه، والمرء طبيب نفسه، والله أعلم. الحكم الثالث للأناشيد: أن يلحق بالسماع الصوفي المحدث، إذا وافقه في بعض خصائصه، وعلله التي يحكم ببدعيته لأجلها (٥). ويكون ذلك في الحالات التالية: ١ - الاعتقاد بأن الأناشيد المطربة من الدين، وهو نظير اعتقاد الصوفية أن سماعهم من الدين. ٢ - الاعتقاد بأن الأناشيد المطربة تزيد في جذوة الإيمان، وهو نظير اعتقاد الصوفية أن السماع يزيد في الأحوال والمواجيد الإيمانية. ٣ - اعتقاد البعض أن الأناشيد المطربة طريق يُقربهم إلى الله ويوصلهم إليه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: أنه قربة وطاعة وبر، وطريق إلى الله واجب، أو مستحب، إلا أن يكون مما أمر الله به أو رسوله ﵌ (٦).

стр. 868

٤ - عدّ الأناشيد المطربة من الوسائل الرئيسة التي يُطلب بها رقة النفوس، وخشوع القلوب (١)، ولم يكن ذلك من فعل السلف المتقدمين المقتدى بهم، قال الشاطبي (٢) ﵀:"ولا كان المتقدمون أيضا يعدون الغناء (٣). ٥ - تلحين الشعر - جزءاً من أجزاء طريقة التعبد، وطلب رقة النفوس وخشوع القلوب (٤). ٦ - الاجتماع على الأناشيد المطربة وقصدها من أجل إصلاح القلوب ورقتها، وتذكرها بالآخرة، وذلك من البدع المحدثة بعد مضي القرون الفاضلة، المشهود لها بالخيرية، وقال ابن تيمية ﵀:" وأما سماع القصائد لصلاح القلوب والاجتماع على ذلك، إما نشيدا مجردا، أو مقرونا بالتغبير ونحوه، فهذا السماع مُحدث في الإسلام بعد ذهاب القرون الثلاثة، وقد كرهه أعيان الأئمة، ولم يحضره أكابر المشايخ" (٥)، ولم يكن للسلف سماع يجتمعون عليه غير سماع القرآن الكريم. ٧ - اتخاذ الأناشيد المطربة (٦) من وسائل الدعوة الرئيسة، التي يُتوّب بها العصاة، فيُهجر لأجل ذلك الدعوة للكتاب والسنة،" ومن المعلوم أنما يهدي الله به الضالين، ويرشد به الغاوين، ويُتوب به العاصين، لابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول ﵌ لا يكفي في ذلك، لكان دين الرسول ناقصاً يحتاج إلى تتمة" (٧). ٨ - هجر سماع القرآن وتلاوته بسبب الاشتغال بسماع الأناشيد الملحنة وتلاوتها، وذلك من البدع المحدثة التي اشتد نكير الأئمة على أصحابها، قال أبو موسى ﵀:"سمعت الشافعي ﵀ يقول: بالعراق زنادقة أحدثوا القصائد؛ ليشغلوا الناس عن القرآن" (٨).

стр. 869

٩ - ثقل سماع القرآن الكريم بسبب الاعتياد على سماع الأناشيد، وهو - أي ثقل سماع القرآن - أمر طبعي في حق من اعتاد سماع الأناشيد، واعتنى بها أكثر من اعتنائه بسماع القرآن الكريم (١). ويحصل الاستثقال هنا لسببين: الأول: اعتياد قلبه على سماع الأناشيد الملحنة بالأنغام المطربة المتنوعة، ويحصل لذلك نفور سماع آيات القرآن الكريم التي لا يكون فيها ذلك الإطراب الذي اعتاد عليه القلب وتعلق به (٢). الثاني: إنّ في الشعر والنشيد موافقة لأغراض النفوس - قلّ أو كثر - بخلاف القرآن الكريم الذي فيه تقييد للنفوس بالأوامر والنواهي الصارمة، قال ابن القيم ﵀ مُشيرا إلى هذا السبب: ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه (٣) ولهذا يوجد مَن اعتاد سماع الأبيات الملحنة واغتدى بها، ولا يحن إلى القرآن ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات ذوقا وحلاوة ووجدا، كما يجد في سماع الأبيات، بل ولا يُصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه، ولا يقومون معانيه، ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته (٤). ١٠ - التأثر بمواعظ النشيد دون مواعظ القرآن الكريم، وهذا من علامات السماع المحدث (٥)، قال ابن الجوزي (٦) ﵀:"وقد نشب حب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن، ورقة قلوبهم عنده بما لا ترق عند سماع القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن، وغلبة طبع، وهم يظنون غير هذا"، ثم ساق من تاريخ الخطيب بإسناده إلى أبي نصر السّراج، يقول:"حكى لي بعض إخواني عن أبى الحسين الدراج. قال:"قصدت يوسف ابن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلت الري سألت عن منزله، وكل من أسأله عنه يقول: إيش تفعل بهذا الزنديق؟! فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف، فبتُّ تلك الليلة في مسجد، ثم قلت: جئت هذه البلدة فلا أقل من زيارته، فلم أزل أسأل عنه حتى وقعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب، بين يديه رجل على يديه مصحف، وهو يقرأ. فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، وقال: من أين؟ قلت: من بغداد، قصدت زيارة الشيخ. فقال: تحسن أن تقول شيئا؟ قلت: نعم. وقلت: رأيتك تبني دائما في قطيعتي! ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني!! فأطبق المصحف، ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه! حتى رحمته من شدة بكاءه!!

стр. 870

ثم قال: يا بني تلوم أهل الري، على قولهم: يوسف ابن الحسين زنديق، ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن، لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت" (١). وهل يعذر المرء في أحوال السماع الفاسدة وهي في غير مقدوره؟ قال الإمام ابن القيم ﵀:"قال بعض العارفين: إن أحوال السماع بعد مباشرته تبقى غير مقدورة للإنسان، بل خارجة عن حد التكليف، وهذا غير معذور فيه؛ لمباشرته أسبابه؛ فهو كمن زال عقله بالسكر (٢). ١١ - العناية بالنشيد المطرب، والاشتغال به في أكثر الأوقات على وجه أنه طاعة وعمل صالح، قال الشيخ عمر الأشقر (٣) - حفظه الله -:"وجاوز أقوام الطريق، فأصبح الإنشاد والغناء شغلهم الشاغل، وأحدثوا له أنغاما، ورققوا أصواتهم، حتى أصبح فنا، لا أقول هذا عن الفساق من المغنيين والمغنيات، وإنما مرادي أولئك الذين اتخذوا هذا دينا يقربهم إلى الله تعالى، وشغلوا بذلك أوقاتهم، وهجروا قرآن ربهم". ١٢ - جعل الأناشيد الملحنة المطربة من جنس أعمال القربى التي تفتقر إلى إخلاص النية فيها لله وحده دون سواه، كما تفتقر الطاعات والعبادات المحضة لذلك، فيقال مثلا - عند ابتداء الأناشيد أو ختامها -:"نسأل الله أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه"، أو"نعوذ بالله أن نخلط عملنا هذا برياء" أو نحو هذه الكلمات التي تنوى عند ابتداء الطاعات والعبادات المحضة. ولا يصح أن يقال: النشيد الملحن المطرب من جنس شعر الدعوة الإسلامي، الذي نصّ الفقهاء على استحبابه وعدوه من الطاعات والأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله؛ لما يتضمن من الدفاع عن الدين، والذود عن حياضه، والتزهيد في الدنيا .. وما كان كذلك فهو مفتقر إلى إخلاص النية وتصحيحها، وذلك لأن النشيد بهذه الصفة ليس شعرا فقط، وإنما هو شعر مضاف إليه التلحين المطرب، وإباحة شيء أو استحبابه لوحده ليس دليلا على إباحته مع غيره؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: "لأن التركيب له خاصية تؤثر على الحكم، ألا ترى أن الماء مباح فإذا أضيف إليه تمر على هيئة خاصة أصبح (نبيذا) محرما". "وهذا نظير ما يُحكى عن فقه إياس بن معاوية، أن رجلا قال له: ما تقول في الماء؟ قال: حلال. قال: فالتمر؟ قال: حلال. قال: فالنبيذ ماء وتمر فكيف تحرمه؟ فقال له إياس: أرأيت لو ضربتك بكفٍ من تراب أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بكف من تبن، أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب، فجعلته طينا، وتركته حتى يجف، وضربتك به أكنت أقتلك؟ قال: نعم. قال: كذلك النبيذ". " ومعنى كلامه أن المؤثر هو القوة الحاصلة بالتركيب، والمفسد للعقل هو القوة الحاصلة بالتركيب" (٤) انتهى، وكذلك ما نحن فيه" (٥).

стр. 871

١٣ - الاعتقاد بأن كمال التربية الروحية والإيمانية والجهادية للشباب والترقي بهم في ذلك لا يتم إلا عن طريق الأناشيد المطربة، وهذا نظير اعتقاد الصوفية أن أحوالهم مع الله وصلتهم به لا تتم إلا عن طريق السماع. ١٤ - الاعتقاد بأنه لابد للشباب من سماع الأناشيد أيا كانت، ولو كان فيها بعض المحاذير، لاسيما لمن اعتاد سماع الغناء؛ وإلا فإنهم سيتركون الالتزام بالدين، ويرتكبون المحظورات من سماع الأغاني وغيرها من المحرمات. وفي هذا الكلام وجه من الشبه؛ لقول بعض الصوفية: إن محبته لله ورغبته في العبادة وحركته ووجده، وشوقه، لا يتم إلا بسماع القصائد، وسماع الأصوات والنغمات، ويزعمون أنهم بسماع هذه الأصوات تتحرك عندهم من دواعي الزهد والعبادة، ما لا تتحرك بدون ذلك، وأنهم - بدون ذلك - قد يتركون الصلوات، ويفعلون المحرمات، ويظنون أنهم بهذا ترتاض نفوسهم، وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ارتكاب المحارم، وتحملها على فعل الطاعات، ويقولون: أن الإنسان يجد في نفسه نشاطاً وقوة في كثير من الطاعات، إذا حصل له ما يحبه، وإن كان مكروهاً، وأما بدون ذلك فلا يجد شيئاً، ولا يفعله، وهو أيضا يمتنع عن المحرمات إذا عوض بما يحب، وإن كان مكروهاً وإلا لم يقنع (١). نقل ذلك عنهم الشيخ تقي الدين ﵀ ونقدهم (٢). ١٥ - الاعتقاد بأن الأناشيد المطربة من شعائر الالتزام بالدين وعلامات الاستقامة، كاعتقاد بعض العامة أن سماع الأناشيد خاص (بالملتزمين)، وعلامة من علامات الهداية، والتوبة، والرجوع إلى الله، وكذلك يعتقد الصوفية في سماعهم أنه من علامات الاستقامة والصلاح والتوبة!! (٣) والصحيح أن ترك (الأغاني) من علامات الاستقامة، وأما سماع أو محبة الأناشيد الملحنة والمطربة فليست من الطاعات، وأما الكلمات الطيبة فهي محمودة في القصائد وغيرها. ١٦ - تقديم الأناشيد والاشتغال بها على بعض النوافل الشرعية، خصوصا طلب العلم الشرعي، وهو نظير تقديم الصوفية السماع على بعض النوافل، كقيام الليل وقراءة القرآن. ١٧ - قصد الأماكن الفاضلة للإنشاد، كجعل الأناشيد الملحنة المطربة في المساجد؛ فإنه من بدع الصوفية المحدثة في سماعهم دون غيرهم، قال أبو الطيب الطبري (٤) ﵀:"ليس في المسلمين من جعله (تلحين الشعر) طاعة وقربى، ولا رأى إعلانه في المساجد، ولا حيث كان من البقاع الكريمة والجوامع الشريفة؛ فكان مذهب هذه الطائفة (الصوفية) مخالفاً لما أجمع عليه العلماء". وأما مُجرّد الإنشاد فلا بأس. ١٨ - قصد الأوقات الفاضلة أو ما يظن أنها فاضلة للإنشاد، كيوم مولد النبي ﵌ وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، ورجب، وليلة القدر.

стр. 872

١٩ - الغلو في النبي (١) ﵌ وإطرائه، كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ﵇ ورفعه ﵌ إلى مقام الألوهية، نحو الاستغاثة به ﵌ فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ككشف الكرب، وإزالة الظلم، ويقول بعض المنشدين: يا أيها المختار هل من ومضة تجلي بوهج برقيها الظلمات (٢) فإن حقيقة الشرك هو دعاء غير الله تعالى بالأشياء التي يختص بها، أو اعتقاد قدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه (٣). ٢٠ - أن يتضمن النشيد كلمات الدعاء والنداء والتوجه إلى غير الله، والاستغاثة واستجلاب الخير من غير الله ، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء، واستجلاب الخير، واستدفاع الشر له ومنه، لا لغيره، ولا من غيره (٤). ٢١ - إذا تضمن النشيد الدعوة إلى بعض البدع الصوفية، كتعظيم يوم مولد النبي ﵌ وجعله عيدا، مثل قول بعض المنشدين: مولد الهادي سلاما أنت للأجيال عيد (٥) ٢٢ - التغني بالذكر البدعي غير المشروع، كالتغني بلفظ الجلالة (الله) مُفردا في مقام الذكر والعبادة، فإن اشتملت الأناشيد على ذلك فإنها تكون حراما؛ لأن هذا الذكر مُحدث، والعبادة مبناها على التوقيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) ﵀:"المشروع في ذكر الله هو ذكره بجملة تامة، وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا، فلا أصل له، ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله ﵌ (٧). وإن كان التغني بالاسم المفرد (آلله، آلله) في النشيد لمجرد التلحين والتطريب، فغير مشروع أيضا؛ لأنه استعمال له في غير محله، قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨٠)، ولم يقل تغنوا بها. ٢٣ - التغني بالذكر المشروع على طريقة بدعية، نحو طريق الإنشاد الجماعي الملحن بصوت واحد، مثل أن تنشد كلمة التوحيد بأصوات ملحنة منظمة جماعية، متوافقة في مقام الذكر والعبادة.

стр. 873

ووجه مخالفة هذه الهيئة للصفة المشروعة في أمور، منها: الجهر بالذكر، ورفع الصوت به في غير محله، ومنها تلحين الذكر وتنغيمه، ومنها أداؤه جماعة بصوت واحد، وهذه الأوصاف الثلاثة مخالفة للهيئة المنقولة عن النبي ﵌، والعبادات مبناها على التوقيف، والمتابعة للنبي ﵌ في: كيفيتها، وسببها، وجنسها، وقدرها، وزمانها، ومكانها (١). ومن جهة المعقول: فإن تلحين كلمات الذكر وتمطيطها سبيل إلى تحريفها، وتغيير معانيها، وكأن تنشد كلمة التوحيد بلفظ ( ... موحامد رسول الله)؛ ولهذا كره الإمام أحمد ﵀ القراءة بالألحان، وقال الإمام لمن تعجب من ذلك:" ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أيسرك أن يقال لك: موحامد"؟ (٢) ٢٤ - تلحين الأدعية بطريقة التمطيط الفاحش، على نحو صنيع مبتدعة الصوفية في الابتهالات والتواشيح الدينية، فإنه مُحدث في الدين، وكل مُحدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة! ومن جهة المعقول: فإن سؤال الله ودعائه بطريقة التمطيط والتلحين الفاحش ممقوت، وغير مناسب لحال السؤال والتذلل، فلو أن رجلا دخل على صاحب سلطان فقال له:"ياآآيها السلطآآن هآب لي ... " على طريقة التمطيط المعهودة هنا، أتراه محسناً في تقديم طلبه؟ أم تراه مقدرا لصاحب السلطان ومعظما له؟! ٢٥ - أن يقترن بالنشيد الأصوات المطربة التي هي دون الآلات، كالتصفيق والصفير، والضرب بالقضيب والأرجل، على وجه الطاعة والقربة، وترقيق القلوب وإصلاحها، فلهؤلاء نصيب ممن قال الله فيهم:"وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً" (الأنفال: ٣٥) والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، كذا قاله غير واحد من السلف (٣). ٢٦ - أن يقترن بالنشيد ضرب الدف، على وجه الطاعة والقربة، وترقيق القلوب وإصلاحها، ففعل ذلك من البدع المُحدثة، المتفق على تحريمها، وليس من جنس اللهو المختلف في حكمه بين الفقهاء،" سئل الفقيه الشافعي تقي الدين السبكي ﵀ عن الرقص والدف وعن حضور السماعات؟ فأجاب عنه بقوله: واعلم بأن الرقص والدف الذي ... سألت عنه وقلت في أصوات فيه خلاف للأئمة قبلنا ... شرح الهداية سادة السادات لكنه لم تأت قط شريعة ... طلبته أو جعلته في القربات والقائلون بحلّه قالوا به ... كسواه من أحوالنا العادات فمن اصطفاه لدينه متعبدا بحضوره فاعدده في الحسرات (٤) ٢٧ - جعل الأناشيد الملحنة المطربة من الأمور المستحبة أو الواجبة، فإنه لا يجور لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: أنه قربة، وطاعة، وبر، وطريق إلى الله واجب أو مستحب، إلا أن يكون مما أمر الله به، أو رسوله ﵌ والأناشيد الملحنة المطربة - أيّاً كانت معانيها - ليس مما أمر الله به، ورسوله ﵌" (٥).

стр. 874

٢٨ - الإصغاء إلى ألحان النشيد، والشوق والحنان إليها، والراحة النفسية، والاطمئنان القلبي حين سماعها، أكثر من سماع القرآن الكريم، وسبب ذلك أن في القلب فراغ وجوع روحي، ومتى استفرغه المرء في سماع الشعر مجردا أو ملحنا - النشيد -، أو القصص المقروء أو المشاهد - التمثيل - أو غير ذلك مما يحصل به تغذية النفوس والأرواح، لم يبق بعد ذلك مكان لسماع القرآن الكريم (١). ٢٩ - جعل النشيد بديلاً وعوضاً عن الغناء، يُترنم به في كل وقت وحين، والصواب أن البديل الإسلامي للغناء، والذي يحصل به استغناء القلب وغذاؤه وعافيته هو القرآن الكريم، قال ابن الأعرابي (٢) ﵀:"إن العرب كانت تتغنى بالركباني - وهو النشيد بالتمطيط والمد - إذا ركبت الإبل، وإذا تبطحت على الأرض، وإذا جلست في الأفنية، وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي ﵌ أن يكون القرآن هجيرانهم مكان التغني بالقرآن، فقال: (ليس منا من لم يتغنى بالقرآن) (٣). ٣٠ - الخلط والجمع بين قراءة القرآن وتلاوته، وبين إنشاد الشعر وتلحينه في مكان وزمان واحد، وهذا من إحداث جهال الصوفية المتأخرين، ولم يكن من فعل سلف الأمة المقتدى بهم، المشهود لهم بالخيرية، بل كان - زيادة في التحرز - ينهى بعض السلف عن خلط القرآن بالشعر، قال أبو بكر الخلال في كتابه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (٤): "عن الرجل يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) أمام الشعر، فكأنه لم يعجبه - أي الإمام -، وقال حدثنا حفص عن مجالد، عن الشعبي قال: كانوا يكتبون أمام الشعر: (بسم الله الرحمن الرحيم) وقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن الكريم، فما بال القرآن يُكتب مع الشعر؟ وقال: هذا حديث أنس: (أنزلت عليّ سورة، وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم) وهو حجة ألا يكتب أمام الشعر". ٣١ - التغذي بالأصوات المطربة الملحنة في النشيد (٥)، جاء في مقدمة أناشيد الكتائب (٦): "إنه - أي صوت المنشد أبي مازن - صوت ينبعث من أعماق الجنان، فيسمو بالنفس ويرقى بالروح، ويعمل على بعث معاني الحق، وتجديدها في النفس"، وجاء في مقدمة نشيدنا (٧) في مدح صوت المنشد أبي الجود نظما: ينساب صوتك في روحي فيرشفها شهدا تسامر على خمر العناقيد ولا ريب أن الأصوات العذبة بمجردها، وكذا النغمات الموزونة، والألحان الجميلة، ليست مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر، فإن الله شرع على ألسنة المرسلين كل ما تزكو به النفوس وتطهر من أدناسها وأوزارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئا من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بالألحان من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة، كما يأمرون بعشق الصور، وقد أنكر الإمام ابن القيم ﵀ وغيره على المتصوفة المبالغة في مدح الألحان وجعلها أمراً واجباً أو مُستحباً. قال ابن القيم (٨) ﵀:"قال إمام الزنادقة ابن الراوندي: اختلف الفقهاء في السماع، فقال بعضهم: هو مباح، وقال بعضهم: هو محرم، وعندي: أنه واجب، ذكره أبو عبد الرحمن السلمي عنه، في مسألة السماع، واعتد به، وكذلك شيخ الملاحدة وإمامهم ابن سينا في الإشارات (٩) أمر بسماع الألحان وعشق الصور، وجعل ذلك مما يزكّي النفوس ويهذبها ويصفيها، وقبله ومعهم معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي، إمام أهل الألحان".

стр. 875

جواب سؤال عن كتاب: (ظاهرة الفكر التربوي) علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف ٣ ذو القعدة ١٤٣٠هـ السؤال: هل اطلعتم على كتاب (ظاهرة الفكرالتربوي) لمؤلفة الشيخ ذياب الغامدي، وما رأيكم فيه؟ الجواب: الحمد لله نعم اطلعت على الكتاب، والشيخ ذياب كتبه نافعة نفع الله به، والدعوات بحاجة إلى نقد لتصحيح مسيرتها، لكني رأيت في الكتاب مبالغات ونقداً بعضه ليس في محله، وقد أطال الشيخ وأسهب في مصطلحات وألفاظ كنت أتمنى لو وفَّر وقته وسخَّر قلمه فيما هو أولى من ذلك، وأرى أن المعركة الآن مع المبتدعة والعلمانيين والليبراليين و (المتغربين) الذين يريدون نشر الفاحشة والمنكر بين المسلمين وتغريبهم، فينبغي أن يتوجه النقد والفضح لهم، وهؤلاء الدعاة أو من سماهم الشيخ بالتربويين لهم أثرٌ طيب في المجتمع مهما اختلف هو أو غيره معهم، فنقدهم النقد البناء مطلوب أمَّا النقد الذي يهدم ولا يبني والتحذير والتنفير منهم في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن وتوجهت أسهم أعداء الإسلام من الداخل والخارج على الدعوة والدعاة والمحتسبين فلا أرى أن المصلحة فيه. ولعلنا نرى من أخينا الشيخ ذياب كتاباً بأسلوبه الجزل الرصين ما يفضح ويعرِّي فيه أعداء الإسلام لا دعاته، وأن يسخِّر قلمه لكشفهم والرد على شبهاتهم. والله أعلم.

стр. 876

الفرق بين بيت الله الكعبة وسائر الجامعات المختلطة إبراهيم الأزرق مقدمة: الحمد لله رب العالمين وبعد فقد اضطرني لاختيار هذا العنوان بعض المساكين الذين ضعفت عقولهم حتى بات بعضهم لا يفرق بينهما فيما يظهر! فيقولون: وماذا في الاختلاط بالجامعات؟ أليس هو حاصل في كذا وفي كذا وعند بيت الله؟

стр. 877

ولهؤلاء أقول: إن الاختلاط إذا أطلق -عن بعض أو كل قيود الشريعة- محرم عند أهل العلم من حيث الأصل، ومن أدلة ذلك أمر النساء بالقرار في البيوت (١)، مع منع الرجال من الدخول عليهن (٢)، وقوله ﷺ المرأة عورة (٣)، وعموم قوله ﵊: فاتقوا النساء (٤)، وقصة سالم مولى حذيفة والتحرج من دخوله على سهلة ﵃ مع تبنيه ونشوئه في حجر حذيفة زوجها (٥)، إلى غير ذلك من الأدلة التي جمعها بعض أهل العلم في رسائل ومؤلفات مستقلة ولا يتسع المقام لسردها فضلاً على بيان أوجه دلالتها (٦). الاختلاط المقيد:

стр. 878

غير أن من المقرر كذلك عندهم جواز خروج النساء مع الرجال وذلك خلافاً للأصل، إن تُقيد بضوابط الشريعة، فعندها يجوز أَيْنَ كان عند الكعبة أو غيرها، ومن الضوابط الشرعية التي كان عليها الشأن في العهد الأول -والذي يستدل به بعض الملبسين على الاختلاط المطلق من قيود الشريعة المعاصر، ولا يلتزمون الضوابط التي كانت مرعية عند الصحابة رضوان الله عليهم- ما يلي: ١ - وجود الضرورة أو الحاجة المقتضية لخروج النساء واختلاطهن بالرجال سواء أكانت هذه الحاجة دينية كشهود الجماعات أو دنيوية كشراء ما يلزمها شراؤه، فإن لم تكن ثمة ضرورة أو حاجة فلا تقر مخالفة كائنة من كانت لأمر ربها الرحمن: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) [الأحزاب: ٣٣]، وقد فسر إمام التفسير مجاهد التبرج هنا بما دل عليه صدر الآية فقال: "كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى" (١)، وقد استدل بالآية أئمة التفسير كالقرطبي وغيره على أن المرأة تلزم بيتها لاتخرج منه إلاّ لضرورة، قال الجصاص: "وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهيات عن الخروج" (٢)، وقال ابن العربي المالكي ﵀: " قوله تعالى:﴾ وَقَرْنَ فِي بيُوتكُنَّ ﴿يعني اسكُنَّ فيها ولا تتحرَّكن، ولا تبرحن منها" (٣). فمن خالفت أمر ربها فقد أتت ذنباً، قد يعتذر لها فيه لكن لا يحتج بفعلها .. وهنا قد يقول قائل إن التعليم حاجة معتبرة شرعاً، وجوابه إجمالاً بالتسليم غير أن الجامعات غير المختلطة كثيرة، وإنشاء واحدة رائدة للنساء هو مقتضى العدل، أما افتعال الضرورة فلا يجوز، وأهل العلم لا يطالبون بإلغاء التعليم، ولكن يطالبون بحظر الاختلاط إذ لا حاجة له توجبه وهو محرم لغير حاجة، كالشأن في سائر جامعات المملكة السعودية، أما الكعبة فلا يمكن إنشاء كعبة غيرها تخصص للنساء! ١ - خروج النساء المقر في التشريع كان بضابط التزامهن الحجاب والستر، وحرصهن على الحشمة والأدب، ومن ذلك مشروعية الطواف لهن، أما إذا خرجت المرأة متطيبة متزينة، غير ملتزمة بالحجاب الشرعي، فلا يشرع لها دخول المسجد، بل لا تشرع لها الصلاة، ولا يقبل منها الطواف فالطواف صلاة على ما أثر وفيهما لابد للمرأة من ستر سائر البدن إلاّ الوجه والكفين في الصلاة، فكيف يقاس هذا بالخروج إلى جامعة لا تشترط الحجاب والستر، بل بعض الجامعات على ما نقل تأذن في اختلاط الطلاب والطالبات بلباس البحر على الشاطئ أو عند المسبح فهل يُجَوِّز هذا إلاّ من سَفِه عقله وهل يُعدُّ استدلاله بوقوع اختلاطٍ عند الكعبة إلاّ تبجحاً بالجهل!

стр. 879

٢ - في الحج والعمرة عامة النساء يكُنَّ مع محارمهن وذويهن، ومن لم تكن كذلك أو لم يكن كذلك يجد نفسه في هذا الجو، فتضعف التهمة، ثم من يقصدون الكعبة يأتون راجين الأجر والمثوبة فاعلين للقربة لا يجمعهم حديث مشترك وأشجان متبادلة، بل كُلٌ في شأنه يناجي ربه، يسبح بحمده، يستغفره ويعلن توبته، أما في الجامعات المختلطة فلا يأتي الطالب أو الطالبة مع محرم! ولا يطلبون ما عند الله، ولا يبتغون ثواب الله، وليس في قلوبهم تعظيم بيت الله، ولا قلوبهن ملئت مهابة من حرم الله! فكيف يجعل هذا كهذا! ولمّا كانت هذه المعاني ضعيفة في بعض المواطن التي تدعو الحاجة إلى دخولها وليس فيها ما في تلك التي جاء بها التشريع من الحواجز التي تحول بين الناس والفتنة كانت أبغض البقاع عند الله كالأسواق (١) التي قد يختلط فيها الحابل بالنابل وإن كان لحاجة، على أن واقع الأسواق غير مقر شرعاً كله إلاّ ما انضبط بقيود الشريعة، وما خالفها يحتج له لابه، بل ليس كل ما يقع في الحرم مقر شرعاً. الحرص على منع الاختلاط عند الطواف في العهد الأول: ومع ما سبق يقال لهؤلاء: كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة من الرجال لا تخالطهم كما في البخاري، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت .. " (٢)، وهذا نص على أن الفاضلات لم يكن يخالطن الرجال في الطواف. والناظر في فتوى القرون المختلفة، وما قاله أهل العلم، وما فعله بعض الولاة يجد مراعاة المنع من ذلك الاختلاط بينة، قال ابن جبير في رحلته: "وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام حسناً، منها سود وسمر وبيض قد ألصق بعضها ببعض، واتسعت عن البيت بمقدار تِسْعِ خُطاً إلاّ في الجهة التي تقابل المقام، فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به. وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة " (٣)، ونحوه ذكر البلوي (٤) وابن بطوطة (٥)، وهذا يدلك على أن العمل القديم الذي تتابعت عليه عصور أهل الإسلام جرى قروناً طوالاً على الفصل بين الطائفين والطائفات، فقد كانت رحلة ابن جبير إلى مكة من الأندلس عام ٥٧٨هـ، ورحلة ابن بطوطة وخالد البلوي بعده بنحو قرنين إلاّ ثلاثة عقود. وربما جعل الولاة بعض يوم للنساء خاصة، تيسيراً للطواف عليهن، وتمكيناً لهن من أن يصلن البيت دون مخالفة للشريعة، ونحو هذا مذكور في بعض كتب أخبار مكة والمناسك (٦).

стр. 880

وقد ذكر الأزرقي أن خالد بن عبد الله القسري أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف، وأجلس عند كل ركن حرساً معهم السياط، يفرقون بين الرجال والنساء (١). وأن ذلك استمر إلى زمانه، ولعل المراد هو أن خالداً أول من فرق بإلزامه وعقابه المخالف، وإن كان جريان العرف بذلك وتمسك الصالحات به مأثور من لدن عهود الصحابة المرضيين كما في أثر عائشة ﵂ الماضي، وحمل بعض أهل العلم هذا على احتمال أنه فعله وقتاً ثم تركه (٢) لما ورد في البخاري من إنكار عطاء على ابن هشام منعه طواف النساء مع الرجال وسيأتي بيانه، ويحتمل أنه فعل مدة ولايته ثم اختلطت الأمور بعده إلى عهد ولاية ابن هشام على مكة. ونقل ابن جماعة في هداية السالك أن عمر ﵁ نهى أن يطوف الرجال مع النساء، فدخل المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل يطوف مع النساء، فأقبل عليه ضرباً بالدِّرَّة، وقال: ألم أنْهَ عن هذا؟ قال: ما علمت. قال: أما بلغك عزمي؟ قال: ما بلغني لك عزمة. قال: دونك فأمسك -يعني فاقتص. قال: ما أنا بفاعل (٣). فإن صح هذا فلعل عمر ﵁ جعل لهن وقتاً ليس للرجال فيه نصيب، ويحتمل أنه طاف في موضعهن من المطاف. كشف شبهت من استدل بإنكار عطاء على ابن هشام: وأما ما رواه البخاري: "قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام (٤) النساء الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكنَّ يخالطن. كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت .. " (٥)، فنص على أنهن لم يكن يخالطن الرجال.
следующие страницы →