انتقاد "القول التمام "
د. إبراهيم بن عبد الله الحماد
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده.
وبعدُ:
فهذا عرضٌ وجيزٌ لبعض ما اشتمل عليه كتاب "القول التمام بإثبات التفويض مذهبًا للسلَف الكرام" من أخطاء وتلبيسات ومغالَطات:
١ - كشفت تقريظات بعض المشايخ والدعاة لهذا الكتاب أن الدعوى العريضة التي يدَّعيها بعضهم في الحِرْص على وَحْدة المسلمين، واجتماع كلمتهم، والبُعْد عما يفَرِّق بينهم؛ خاصة عند الحديث عن مسائل العقيدة - هي دعوى لم تأخذْ حظَّها في التطبيق هنا، وأنَّ المناداة بذلك إنَّما تكون عندما يكون الكتاب المنشور مقررًا للعقيدة الصحيحة على منهج السلف الصالح.
٢ - عنوان الكتاب فيه تلبيس من جهتَيْن:
أ- فظاهره لا يمنع أن يكون هناك مذهبٌ آخر للسلَف غير التفويض -حتى على فرض أنَّ التفويض هو تفويض المعنى -وهذا ما نقله الكاتبُ عن البعض؛ بل قرَّره هو في بعض المواضع.
ب - عدم التصريح بأيِّ أنواع التفويض هو مذهب السلَف.
٣ - يُقَرِّر الكتاب أن مذهبَ السلَف الحقيقي هو تفويض المعنى، لا تفويض العلم بالكيفية، وأن القول بأن مذهب السلف هو تفويض العلم بالكيفية، لَم يقلْ به إلا قلة من أهل العلم؛ كابن تيميَّة، وابن القَيِّم.
٤ - يؤكِّد الكاتبُ أنَّ المراد بأهل السُّنَّة عند الإطلاق: يدخُل فيه أهلُ الحديث، والأشاعرة، والماتريدية، وهذه من المتناقِضات.
٥ - يجزم الكاتبُ في كتابه بأنَّ ظاهِر بعض الصِّفات - كاليد، والوجْه، والعين، بل والعلو -يوهم النقْص، فيجب فيه تفويض المعنى مع عدم اعتقاد ظاهره، وأن هذا مجمع عليه بين السلَف.
٦ - يستدلُّ الكاتبُ بالنصوص التي جاءت عن السلَف بمنْع التفسير لنصوص الصفات على أن المراد بها عدم التعرُّض للمعنى، مع أنَّ المراد بها عندهم منْع التأويل الباطل المذموم.
٧ - التلبيس في المصطلحات:
أ- كدعوى التفريق بين الحقائق والكيفيَّات.
ب- ودعوى عدم التفريق بين المماثلة والمشابَهة.
ج - ودعوى التفريق بين المفهوم ومصاديق المفهوم.
٨ - يجزم الكاتب بأن ظاهر بعض الصفات لا يعرف من معانيها إلا ما هو مشاهد في المخلوق؛ كاليد، والنزول، ومَن قال بوجود معنى غير ذلك، فهو مكابر عنده.
٩ - تقسيم الصفات تقسيمًا لا يعرف عند السلف، ومِن ثَمَّ يَبْنِي عليه ما يُريد إثباته من القول بوجوب تفويض المعنى أو التأويل.
١٠ - عدم التفريق بين اللفظ المطلق، واللفظ المقيد، والمعنى المشترك الكلي، والمعنى المقيد في الصفات، التي يزعم بأن ظاهرها يوهم التشبيه؛ كاليد، والعين، والوَجْه، بينما يفرِّق بين تلك الأمور في الصفات التي يرى أنَّ ظاهرها لا يوهم التشبيه؛ كالسمع، والبصر، والعلم.
١١ - يدَّعي الكاتبُ الاحتكام إلى قوانين اللغة، ثم ينقل من كتب اللغة ما يؤيِّد قوله فقط، ويترك ما لا يدل على قوله، كما فعلَه في عدم التفريق بين المماثلة والمشابهة، وكذا تعريف الجسم والحدّ.
١٢ - لا يُفَرِّق الكاتبُ بين القول بأن نفي صفات النقص ابتداءً ليس من طريقة القرآن ولا منهج السلف، وبين نفيهم النقص عن الله في معرض التنزيه، ويرى أنَّ مَن فرَّق بينهما فهو متناقِض، فلا مانع عنده أن يقال عن الله ابتداءً: ليس بمجنون، ولا غبي، ولا بخيل، ولا كذاب، ونحو ذلك، وبين نفْيه عنه في معرض تنْزيه عما يصفه الظالِمون المعانِدون.
стр. 947
١٣ - أكثر الكاتب مرارًا أنَّ مذهب السلَف قاطبة هو نفي الجسم عن الله، ثم ينقل عبارات من هو معدود من السلف في باب الصفات، ومن عنده اضطراب ظاهر ويجعلها في سياق واحد، وهذا تلبيس؛ إذ إن المُراد من نفي الجسم من السلف نفي التشبيه، بينما مرادُ من نفى الجسم من غيرهم هو نفي الصفات، وهذا ظاهر في سياق النصوص التي نقلها.
١٤ - ينقل النصوص الحاكية لإجماع السلَف، ثم يتصرَّف في بيان المراد بهذا الإجماع؛ ليُدَلِّل على ما ذهب إليه، مثل نقله حكاية الإجماع على أن تفويض المعنى هو مذهب السلف.
١٥ - ينافح الكاتب كثيرًا عن المؤوِّلة ومذْهب التأويل، ويرى بأنه منهج لا ينبغي ذمُّه؛ لأنَّ له ما يؤيده من مجازات اللُّغة.
١٦ - عقَد الكاتبُ الفصل الثالث من كتابه لبيان أقوال أهل العلم في تقرير مذهب السلف، ثم ساق ١١١ قولاً لِمَن هو معدود من السلف في باب الصفات، ولمن عرف عنه الاضطراب في هذا الباب، بل وفي غيره من أبواب الاعتقاد، وجعل ذلك كله دليلاً على أنَّ مذهب السلف هو تفويض المعنى، والنصوص التي ساقها عن السلف المعتبرين في ذلك لا تساعده، عند التحقيق والنظر.
١٧ - وجَّه الكاتبُ مقالة الإمام مالك بن أنس ﵀ والتي تهدم مذهبي تفويض المعنى والتأويل توجيهًا لا يساعده فيه سياق ولا لغة، فقال إنَّ المراد بقوله: "غير مجهول": يعني: وروده في الشرْع.
١٨ - عدم التفْريق بين تفويض الكيفية، وتفويض العِلْم بالكيفيَّة، وبناء على هذا نفي الكَيْف عن صفات الله وساقَ من نصوص بعض العلماء ما يزعم أنَّ المراد به نفي الكيفية عن صفات الله، لا نفي العلْم بالكيفية، وهذا مِن أبطل الاستدلالات، وأبلغ الشناعات.
١٩ - بالغ الكاتبُ في التشنيع على مَن أثبت العلوَّ الحقيقي لله، وأبدل لفظ الحقيقي بالحسي؛ مبالَغة في التشنيع، ثم استدل على نفْيه عن الله بألفاظ مجمَلة، تحتمل معانٍ حقَّة وباطلة؛ كلفظ الحد والجِهة، وخص بالتشنيع في هذا المقام شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ وتوجيهه لكلام الإمام أحمد ﵀ في إثبات لفْظ الحد، وفي ثنايا هذا التشنيع تشم رائحة التحامل والحط من قدْر شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ والقائلون بنفي العلو الحقيقي عن الله - سبحانه - يقفون حائرين عاجزين عن الإجابة تجاه ثلاثة أمور:
أولها: الفطرة الخلقيَّة والضرورة الحسية التي يجدها كل إنسان في الاتجاه للعلو حال الشدة للمكروبين، وحال الرخاء للصالحين؛ إذ إنَّه أمرٌ عجزَ عن الإجابة عنْه أساطين المتكلمين وفحولهم، وهذه فطرة لا يُمكن لأحدٍ إنكارها.
ثانيها: قوله - تعالى -: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، فهذا السياق القرآني لا يسعف المؤولة فيه أي أسلوب من أساليب العرَب لصَرْفه عن العلو الحقيقي.
ثالثها: العُروج بالنبي ﷺ فلا يمكن القولُ فيه بغير العلو الحقيقيِّ، وإلاَّ كان مكابرةً للعقول السليمة الخالية من داء الهوى والمكابرة، فلا يقول أحدٌ هنا: إنَّ النبي ﷺ صعد إلى السماء حتى بلغ سِدرةَ المنتهى، ثم ما شاء الله مِن العُلى - إنَّ المراد: علو المُلْك والسلطان، فمُلك الله وسُلْطانه في كلِّ مكان، وليس فيما عرج إليه النبي ﷺ فقط.
٢٠ - جَاهَد الكاتب في التمويه بأنَّ نفيَ العلوِّ الحقيقي لا يستلزم نفيَ العُلوِّ المطلق، لكنَّه اعترف بعد ذلك أنَّ العلو المطلق عنده هو علوُّ الملك والسلطان، وهذا مِن غاية التلبيس والتدليس، وهل أنكر أحدٌ من الخلق ذلك العلوَّ؟!
стр. 948
٢١ - ما ذَكَره الكاتبُ في الفصل الذي عقدَه عن المراد بالتجسيم تهويلٌ، حَرَص من خلاله على بيانِ أنَّ إثبات شيءٍ من الصفات التي يزعم أنَّ ظاهرها يُفيدُ التشبيهَ هو نفسه التجسيم الذي ذمَّه العلماء، وحكموا على قائلِه بالكفر، وفي هذا من التلبيس والتمويه والمخادعة ما لا يَخْفَى، وما حكاه مِن كلام بعض العلماء في هذا الفصل يَنقضُه ما لَم ينقلْه عنهم ممَّا هو مسطَّر في كُتبهم، كنقلِه عن الإمام أحمد.
٢٢ - يسوق الكاتبُ كلامَ ابن الجوزي ﵀ في كتابه "دفع شبه التشبيه"؛ للتشنيع على مَن يُثبت الصفات على ظاهرها، وهو يعلم أنَّ ابن الجوزي ﵀ مضطربٌ مذهبُه في الصِّفات، لكنَّه على سبيل التنفير من القول بتفويضِ العِلم بالكيفية يأتي بمثل هذه النقولات التي يعرف أدْنَى مَن له اطِّلاع على أقوال الأئمَّة المعتبرين في باب الصفات بُطلانَها.
٢٣ - أجاب الكاتب عن الاعتراض الوارد على القوْل بتفويض المعنى "بأنَّه حينئذٍ نكون قد تعبَّدْنا بفَهْم ما لم نعلمْ معناه" - بجوابٍ لا يقبله عقل ولا نقل، فذَكَر أنَّ قولنا هو: أنَّ لنصوص الصفات معانيَ لا يعلمها إلاَّ الله، وهل في هذا جوابٌ عن ذلك الاعتراض؟!
٢٤ - أثبتَ الكاتب أمرًا لم أرَ مَن سبقه إليه، حيث جعل لنصوص الصفات معنيَيْن، أحدهما: قطعي، وهو: المعنى العام، وآخر ظَني، وهو: المعنى الخاص، ثم مثَّل لذلك بصفتَي اليد والأصابع، وجاء فيهما بكلام حاصلُه التشنيعُ على مَن أثبت هاتين الصفتَينِ على ظاهرهما.
٢٥ - يَنقُل عن ابن قُدامه ﵀ القولَ بأنَّه لا حاجةَ لنا إلى عِلم معنى ما أراد الله - تعالى - مِن صفاته، ثم يحمل هذا الكلامَ على أنَّ المراد المعنى لا الحقيقة، وهذا من التلبيس، ولا يقوله مَن تأمَّل كلامَ ابن قدامه ﵀ بتمامه.
٢٦ - أراد الكاتبُ الجوابَ عن القوْل بأنَّ تفويض المعنى فيه تجهيلٌ للسلف، بإيرادِ بعض النصوص عن العُلماء التي تحثُّ على وجوب الإيمان بصِفات الله، وأنَّ ذلك هو المأمور به، وما سوى ذلك فهو تَكلُّف، ومِثلُ هذا لا يدفع عن ذلك المذهبِ الشنيع هذه الشُّبهة.
٢٧ - جاهَدَ الكاتب في إثبات أنَّ القائلين بتفويض العِلم بالكيفية قالوا بالتأويل في بعضِ الصِّفات، وساق مثالَيْن على ذلك، هما نصوص صفة المعيَّة، وصفة الوجه، وساق لتقرير ذلك كلامَ الرازي ﵀ ويَكفي للدلالة على التلبيس التعليقاتُ التي ساقَها على كلام الرازي في هذا الموضع؛ فإنَّه يريد أن يجعل كلامَ الرازي فقط موجَّهًا للقائلين بتفويض العِلم بالكيفية، لا تفويض المعنى.
٢٨ - عَقَد الكاتب فصلاً مستقلاًّ عن سبب تأويل الخَلَف، والذي يظهر لي - والله أعلم - أنَّ هذا الفصل مِن أعظم مقاصد تأليف الكتاب؛ لأنَّ فيه دفاعًا عن القائلين بالتأويل من الأشاعرة والماتريديَّة على وجه الخصوص، وأنَّ مَن شنَّع عليهم في تأويلهم، فإنَّما هو لعدم معرفته بأمرين:
أ- عدم معرفته بلُغة العرب.
ب- عدم معرفته بمذهب الأشاعرة والماتريديَّة الذين ذَهبوا إلى التأويل، إذ هُم نَقلةُ اللِّسان العربي، ودليل ذلك مؤلَّفاتُهم في اللغة.
ولا يَخفى ما في هذا الكلام من تضليل وتلبيس؛ لأنَّ الاعتذار عنهم بالأمر الأول: فيه تنقُّص لِمَن تَرَك التأويل من سَلَف الأمَّة، وأنهم على عدم معرفة بلُغة العرب.
وأمَّا الثاني: فمما لا يُنكِرُه أحدٌ أنَّ من أئمَّة المعتزلة مَن يتفوَّق في تصنيفاته اللُّغويَّة على بعض المصنِّفين من الأشاعرة، فبراعة الزمخشري والقاضي عبد الجبار المعتزلي في اللُّغة لا تكون سببًا لقَبول ما ذهبوا إليه في تأويل النصوص.
стр. 949
٢٩ - خَتَم الكاتبُ كتابَه في التعليق على مقالة: "مذهب السَّلف أسلمُ، ومذهب الخلف أعلم" ببيان أنَّها لا تعني الإزراءَ بالسَّلف والقَدْح فيهم، ونقل بعض النُّصوص التي يظنُّ أنَّها تؤيِّده في دفْع الشناعة عن هذه المقالة، كنقلِه عن ابن عاشور ﵀ أنَّ المراد الطريقة لا أصحابها، وهذا لا يُغيِّر من الحقيقة شيئًا، فمَدْحُ طريقةَ الخلف بأعظمَ مِن مدْحِ طريقة السَّلف فيه تنقُّص للسلف، وهذا لا مِريةَ فيه.
٣٠ - تلمَسُ في الكتاب تشنيعًا على بعض العلماء، بأنَّ فيهم ميلاً لقول المُجسِّمة؛ كحديثه عن الإمام الدارمي، والشيخ محمد خليل هراس - رحمهما الله - وكذا ما نقله عن محمد عياش الكبيسي مِن نَقْدٍ لكلام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والشيخ صالح الفوزان - حفظه الله.
٣١ - في ظنِّي أنَّ هذا الكتاب جزءٌ من سلسلة الهجمة على العقيدة السلفيَّة الصحيحة، وتَبعٌ لكتابات المشنِّعين عليها من خلال اختيار عناوين للكتب يُشعِر ظاهرُها بالدفاع عن عقيدة السلف، بينما هي مشحونةٌ في داخلها بالطَّعْن على مذهب السلف، من أمثال كتاب "الصفات الخبرية عند أهل السنة" لمحمد الكبيسي، والذي يُعتبر كتاب سيف العصري تَكرارًا لكثير مما جاء فيه.
تنبيه مهم:
١ - احتفَى الكاتبُ كثيرًا بكلام الرازي ﵀ ونَقَل عنه في مواضعَ متعدِّدةٍ في معرض التقرير والاستشهاد والتأييد، مع ما عُرِف عن الرازي ﵀ مِن شدَّة الاضطراب في هذا الباب على وجه الخُصوص، اضطرابًا جَعَله يعترف أنَّ مناهج المتكلِّمين في هذا الباب - بل وغيره - لا تَرْوي غليلاً، ولا تَشفي عليلاً، ومِن أعجب تلك المواضع التي نَقَل فيه الكاتب عن الرازي على وجه التأييد: النَّقلُ في تفسير قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، حيث نَقَل عن الرازي ﵀ كلامَه في تعقبه للإمام ابن خزيمة ﵀ ووصفه له بالجاهل، وأنَّه من العوام، وأنَّ ما نقله في كتابه إنَّما هو خُرافات، وأن كتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀ هو في الحقيقة كِتابُ الشِّرْك، واكتفى الكاتبُ بالتعليق على هذه العبارات الشنيعة بقوله "أغلظ"، وقوله: "هذه مبالغة لا يُقَرُّ عليها"، وهل تَكفي مثلُ هذه العبارات لردِّ مِثْل تلك الشناعات؟!
٢ - مِن أشدِّ الأمور غرابةً وعجبًا: أنَّ الكاتب نَقَل في هذا الموضع عن الرازي ﵀ قوله: "اختلافُ الصِّفات والأعراضِ لا يوجِب اختلافَ الذوات، إذا عرفتَ هذا فنقول: الأجسامُ التي منها تألَّف وجه الكلب والقِرد مساويةٌ للأجسام التي تألَّف منها وجه الإنسان والفرس، وإنَّما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة، وهي الألوان والأشكال، والخشونة والملاسة، وحُصول الشُّعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنَّما وقع بسبب الاختلاف في الصِّفات والأعراض، فأمَّا ذوات الأجسام، فهي متماثلةٌ إلاَّ أنَّ العوامَّ لا يعرفون الفرْقَ بين الذوات وبين الصِّفات، فلا جَرمَ يقولون: إنَّ وجه الإنسان مخالِفٌ لوجه الحِمار، ولقد صَدَقوا، فإنَّه حصلتْ تلك بسبب الشكل واللَّوْن، وسائر الصفات، فأمَّا الأجسام من حيثُ إنَّها أجسام، فهي متماثلة متساوية" (٢٧/ ١٤٥).
стр. 950
وأيَّده الكاتبُ، فقال - متعقِّبًا الإمام ابن خزيمة ﵀ في إثباته صِفة الوجه لله: "لا يَشكُّ عاقل بأن وجهَ الإنسان والحيوان - أيًّا كان نوعُ هذا الحيوان - تتشابَه، من حيثُ إنَّها جميعًا أجسام، لها طُولٌ، وإن اختلف الطُّول من وجه إلى وجه، ولها عَرْض، وإن اختلف العَرْض من وجه إلى وجه، وهي شاغلةٌ لحَيِّز من الفراغ، وإن اختلف مِقدارُ الفراغ الذي يشغله وجهُ النملة عن وجه الفيل، وهكذا فمُقوِّمات الجسميَّة موجودة في كلٍّ، فهي متساويةٌ إذًا في الماهيات، وإن اختلفتِ في الصِّفات" (ص١٠٠ - ١٠١).
وهنا يبرز سؤالانِ هامَّان على هذا الكلام:
الأول: هل المقصودُ من هذا الكلام القولُ بأنَّ ذوات جميع الأشياء متساوية؟ ومِن ثَمَّ يتم هدمُ قاعدة: القوْل في الصفات كالقول في الذَّات، كما هُدِمت قاعدة: القولُ في بعض الصِّفات كالقول في البعض الآخر.
الثاني: لو قال قائل: إنَّ ذات رسولِ الله ﷺ التي هي أطهرُ ذوات المخلوقين كذاتِ أنجس ذوات المخلوقات كالكَلْب والخنزير! أو قال: إنَّ الجسميَّة التي يُوصَف بها سيِّد الخَلْق ﷺ هي نفسُ الجسميَّة التي يُوصَف بها الكلْب والحمار، فبِمَ يُحكَم على هذا القائل؟!
حاشا رسولنا ﷺ عن مثل هذه الهرطقات والسفسطات، وصَدَق الإمام أبو يوسف ﵀ حينما قال: "العِلم بالكلام هو الجَهْل، والجهْل بالكلام هو العِلْم ".
هذا بعضُ ما تيسَّر على عجلٍ من بيان ما اشتملَ عليه هذا الكتاب مِن أخطاء، وتلبيسات، ومغالطات.
والله الموفِّق، والهادي للصواب.
المصدر: موقع الألوكة
стр. 951
رسالة إلى أئمة المساجد بمناسبة شهر رمضان المبارك
الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان
الحمد لله العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد:
فهذه رسالة سطرتها موجهة إلى من وفَّقه الله تعالى وتشرف بإمامة المصلين عموماً وفي هذا الشهر الفضيل خصوصاً، دوَّنت فيها ما رأيت أن الحاجة داعية إلى بيانه حسب ما سمعت وعلمت من الملاحظات التي ظهرت وتظهر على كثير من الأئمة في زماننا هذا، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
أولاً: من شعائر شهر رمضان المبارك قراءة القرآن في صلاة التراويح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (سنة باتفاق المسلمين، بل من جُلِّ مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمع المسلمون كلام الله، فإن شهر رمضان فيه أنزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن) (١).
وعليه فينبغي للإمام ملاحظة ما يلي: -
١ - أن تكون قراءته سمحة لا تكلف فيها ولا تصنّع ولا تقليد؛ لأن النفوس تقبل القراءة السهلة وتستحليها؛ لموافقتها الطبع وعدم التكلف، أما ما يحتاج إلى شيء من ذلك فقد كرهه سلف هذه الأمة وعابوه. يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: (وأنصح كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالى وبخاصة أئمة المساجد أن يكفوا عن المحاكاة والتقليد في كلام رب العالمين، فكلام الله أجل، وأعظم من أن يَجْلِبَ له القارئ ما لم يُطلب منه شرعاً، زائداً على تحسين الصوت حسب وسعه، لا حسب قدرته على التقليد والمحاكاة. وقد قال الله عن نبيه محمد ﷺ : (وما أنا من المتكلفين) وليجتهد العبد في حضور القلب، وإصلاح النية، فيقرأ القرآن محسناً به صوته من غير تكلف، وليجتنب التكلف من الأنغام، والتقعر في القراءة، والممنوع من حرمة الأداء) (٢).
ولا بأس بقراءة الحدر، وهي إدراج القراءة مع مراعاة أحكامها، وسرعتها بما يوافق طبع القارئ ويَخِفُّ عليه.
أما السرعة المفرطة، أو هذُّ القرآن كهذِّ الشعر، فإنه لا يتأتى معه تدبر بحال، وقد يصل ذلك إلى التحريم إذا كان فيه إخلال باللفظ؛ لأنه تغيير للقرآن.
فإن كانت السرعة ليس فيها إخلال باللفظ بإسقاط بعض الحروف أو إدغام ما لا يصح إدغامه، فلا بأس بها؛ لأن من الناس من يسهل على لسانه لفظ القرآن.
٢ - لقد أثنى الله تعالى على أهل الخشوع عند تلاوة كتابه، فقال تعالى: (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) فبكاء الخوف والخشية مطلوب بلا تكلف، وهو لا يكون إلا بعد الخشوع، والخشوع: هو التذلل والتطامن، وهو يكون في القلب أو في البصر أو الصوت، قال النووي (البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين) (٣).
أما ما كان مستدعى متكلفاً فهو التباكي، والمحمود منه ما استُجْلبَ لرقة القلب، وخشية الله تعالى لا لقصد الرياء والسمعة، وعلامة المحمود في الغالب صلاح القلب، واستقامة الجوارح على الطاعة. وينبغي للإمام مغالبة نفسه بحيث لا يُسمع له صوت، ولا يُرى له دمع، لا أن يفرح بذلك بقصد إظهاره للناس، ونحن نحسن الظن بالأئمة، وحسب المسلم الأسوة برسول الله ﷺ فقد ورد عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الِمْرجَلِ من البكاء (٤).
стр. 952
ثانيا ً: السنة في صلاة التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، لقول عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً) (١).
وفي رواية: «كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعوها الناس: العتمة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة» (٢).
قال محمد بن نصر المروزي في بيان أفضلية ذلك: (لأن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل أجاب بأن صلاة الليل مثنى مثنى، فاخترنا ما اختار هو لأمته، وأجزنا فِعْلَ من اقتدى به ففعل مثل فعله، إذ لم يُرو عنه نَهيٌ عن ذلك، بل قد روي عنه أنه قال: «مَن شَاءَ فَليُوتِر بِخَمسٍ ومن شاء فيوتر بثلاث، ومن شاء فيوتر بواحدة ... » (٣).
وظاهر حديثها الأول أنه يصلي الأربع بتسليم واحد، لكنه ليس بصريح في ذلك، بل يحتمل أنه يصليها مفصولة، لقولها -كما تقدم-: «يُسلِّم من كل ركعتين».
وفي حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة (٤)، وقد تكون الركعتان الزائدتان على الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاة الليل كما في حديث زيد بن خالد ﵁ الذي ساقه مسلم بعد هذا الحديث، أو سنة العشاء (٥) والله أعلم. وصح عن عمر ﵁ أنه أمر تميماً الداري وأبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (٦). وأما ما ورد أن الناس على عهد عمر ﵁ كانوا يصلون ثلاثاً وعشرين (٧)، فهو ضعيف لا تقوم به حجة، لوجوه ليس هذا محلها (٨)، ولا متمسك فيه لمن ينتصر لهذا العدد.
لكن من يفتي من أهل العلم بالثلاث والعشرين يستدل بما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل لم يحدد عدداً معيناً، مع أن المقام مقام بيان، وهذا الاستدلال لا بأس به، لكن الأفضل اتباع سنة النبي ﷺ التي داوم عليها، وعمل بها أصحابه من بعده، ومنهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وهو أفهم منا لنصوص الشرع، وأكثر إدراكاً لمقاصده، فجمع الناس على ما فعله النبي ﷺ في تهجده وهو إحدى عشر ركعة، ووافقه الصحابة ﵃ في ذلك، ولم يجتهد في استنباط ما زاد على هذا العدد من حديث ابن عمر ﵄، فالاستدلال على الإحدى عشرة بفعله ﷺ أقوى من الاستدلال على الثلاث والعشرين بهذا الحديث أو غيره من العمومات.
لكن من زاد على إحدى عشرة ركعة فهو مأجور إن شاء الله حسب نيته وقصده، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. يقول ابن عبد البر: (قد أجمع العلماء على أنه لا حدَّ ولا شيء مقدراً في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود) (٩)
стр. 953
ثالثاً: ينبغي للإمام في صلاة التراويح أن يُعنى بصلاته، فيصلي صلاة الخاشعين يرتل القراءة، ويطمئن في الركوع والسجود، ويحذر من العجلة لئلا يخلَّ بالطمأنينة، ويُتعبَ مَنْ خلفه من الضعفاء، وكبار السن، ونحوهم. يقول السائب بن يزيد: (أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر) (١).
رابعاً: على الإمام في دعاء القنوت في رمضان مراعاة ثلاثة أمور:
الأول: أن يحرص على الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، وأن يجتنب السجع والتكلف، والدعاء المخترع، والتفاصيل الدقيقة التي تجعل الدعاء إلى الوعظ والترهيب أقرب، وإن دعا بما يناسب الأحوال العارضة كالاستغاثة وقت الجدب، أو الدعاء بنصرة المسلمين عند تسلط الأعداء فحسن.
الثاني: ألا يطيل في دعاء القنوت إطالة تشق على المأمومين تؤدي إلى فتورهم وتسبب شكواهم، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ لما أطال في صلاة الفريضة (أفتان أنت يا معاذ؟) فكيف بالإطالة في دعاء القنوت، بل في أدعية مخترعة وأساليب مسجوعة؟!
الثالث: أن يدعو الإمام بصوته المعتاد، فإنه أقرب إلى الإخلاص والتضرع، وأعظم في الأدب والتعظيم، وأدل على إحساس الداعي بقربه من ربه، وعليه أن يبتعد عن كل ما ينافي الضراعة والابتهال، أو يدعو إلى الرياء والإعجاب وتكثير المصلين خلفه من التلحين والتطريب أو التمطيط أو تكلف البكاء ونحو ذلك مما ظهر على بعض الأئمة في هذا الزمان، والله المستعان.
خامساً: على الإمام أن يختار الجوامع من الأدعية، لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك» (٢). وإن بدأه بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ فهو أولى (٣)، لحديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يُمَجِّد الله تعالى، ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «عَجَّلَ هَذَا» ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَليَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ ربِّهِ جَلَّ وعَزَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٤).
стр. 954
واعلم أنه لم يصح عنه ﷺ أنه قنت في الوتر، والقنوت أمر ظاهر، لأنه دعاء ورفع يدين، فلو كان رسول الله ﷺ يفعله دائماً أو غالباً لنقله مَن كان ملازماً للنبي ﷺ كعائشة ﵂، والله أعلم. وإنما أُخذت سُنية القنوت من تعليم النبي ﷺ الحسن بن علي ﵁ الدعاء المأثور: «اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيكَ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيتَ» (١)، -على القول بثبوت لفظة: «قنوت الوتر» - قال الحافظ في "التلخيص": "قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن عمر كان يقنت" (٢)، وقال الإمام ابن خزيمة: "ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر ... " (٣)،وقد ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقنتون، فقد ورد عن عطاء، وقد سئل عن القنوت، قال: كان أصحاب النبي ﷺ يفعلونه (٤). وكان ابن عمر لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان (٥).وقال الإمام الزهري: لا قنوت في السنة كلها إلا في النصف الآخر من رمضان (٦). وقال الإمام أبو داود: قلت لأحمد: القنوت في الوتر السنة كلها؟ قال: إن شاء، قلت فما تختار؟ قال أما أنا فلا أقنت إلا في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف الإمام فيقنت، فأقنت معه (٧). وعلى هذا فمداومة أئمة المساجد على القنوت في رمضان بحيث لا يتركونه إلا قليلاً يحتاج إلى دليل.
стр. 955
سادساً: لم يثبت في مشروعية دعاء الختم في آخر رمضان شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، وأفضل العبادات - كما يقول ابن تيمية - ما وافق هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه (١). وليس مع من استحبه دليل يذكر سوى أنه من عمل أهل المصرين: مكة، والبصرة، والسنة لا تثبت بمثل ذلك، لا سيما أنه منقطع عن عصر الصحابة ﵃، وتوارث العمل إنما يكون في موطن الحجة حيث يتصل بعصر التشريع، فإن لم يكن كذلك فلا. ورحم الله الإمام مالكاً وهو عالم المدينة في زمانه حيث قال: (ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس) (٢). وقد اشتهرت هذه المسألة عند الحنابلة في روايات عن الإمام أحمد ذكرتها كتب المذهب، وقد جاء في رواية حنبل قال: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن إذا فرغت من قراءة (قل أعوذ برب الناس) فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه.
وهذا دليل على أنه لو كان عند الإمام أحمد ﵀ سنة ماضية مرفوعة إلى النبي ﷺ أو متصلة إلى بعض الصحابة ﵃ لاعتمدها في الدلالة، وهو ﵀ من أرباب الإحاطة في الرواية (٣).
ويعجبني في هذا المقام كلمة قيّمة لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: (وليس لأحد أن يحتج بقول احد في مسائل النزاع وإنما الحجة النص والإجماع ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة لشرعية لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول يجب الإيمان به وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم مثل المحدث عن غيره والشاهد على غيره لا يكون حاكما والناقل المجرد يكون حاكيا لا مفتيا) (٤).
ثم إنه قد تقرر في قواعد الأصوليين في التروك النبوية: أن ما تركه النبي ﷺ من الأفعال يكون تركه حجة إذا وجد السبب المقتضي لهذا الفعل وانتفى المانع، وهذا أصل عظيم، وقاعدة جلية به تحفظ أحكام الشريعة، ويوصد به باب الابتداع في الدين (٥). وقد ترتب على هذه الختمة أمور:-
١ - الإطالة على المأمومين بدعاء متكلف مسجوع غير مأثور، يشغل نحو ساعة من الزمن، يُقرأ بصوت التلاوة وأدائها.
٢ - البكاء والنشيج وإسبال العبرات، مع أن قوارع التنزيل وآيات الذكر الحكيم تتلى في ليالي الشهر، بل على ممر العام، ولا تكاد تسمع ناشجاً، ولا نابساً ببكاء من مأموم وإمام، والله تعالى يقول (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ... ) (٦).
٣ - عناية الناس بهذه الختمة والاهتمام بها إلى حد تتبّع المساجد لطلبها، ولا سيما النساء حتى إن منهن من تسأل عن حكم تأخير دورتها الشهرية عن موعدها حرصاً على حضور الختمة وعدم فواتها. فالله المستعان.
стр. 956
سابعاًً: ظهر في هذا الزمان مكبرات الصوت، وهي من نعم الله تعالى على عباده، لما فيها من المصالح العظيمة، من تبليغ الأذان، وخطبة الجمعة، والعيدين، وغير ذلك، وليست من البدع -كما قد يظن بعض الناس- لأن البدعة هي الطريقة المحدثة في الدين مضاهاة للشريعة الإسلامية، واستعمال المكبرات لا يقصد به القربة ولا الزيادة في الثواب، وإنما المقصود تكبير الصوت حتى يسمعه من لا يسمع صوت المؤذن أو الخطيب، بل قد يكون قُربَة من القُرَب إذا احتيج إلى ذلك ((١)).
ولا بأس باستعمال مكبر الصوت إذا احتاج الإمام إلى ذلك لسعة المسجد وكثرة المصلين، أما بدون حاجة فالأحسن تركه. ومن استعمله عليه مراعاة ما يلي:-
١ - أن يحذر من التشويش على المساجد والبيوت المجاورة، وهو يحصل بفتح الصوت على المكبرات في المنارة ولاسيما إذا كان أهل المساجد المجاورة ممن يصلون في رحبة المسجد وساحته فهؤلاء يكون إيذاؤهم أشد. وقد قال رسول الله ﷺ : «أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي القِرَاءَةِ» أو قال: «فِي الصَّلاةِ» (٢).
٢ - أن الإمام إنما يصلي بمن كان داخل المسجد، لا بمن كان خارجه، وحينئذٍ يكون إظهار الصوت من مكبرات المنارة عديم الفائدة (٣). وهذا وصف ينبغي أن تُنَزَّهَ عنه الصلاة.
٣ - أن بعض الأئمة يبالغ في القرب من لاقطة الصوت فيجعلها مقابل فمه، وهذا يؤدي إلى حركات كثيرة عند الركوع والسجود والقيام ليبتعد عنها، وهي حركات متوالية ليست الصلاة بحاجة إليها، وبإمكان الإمام وضع اللاقطة عن يمينه، ولن يؤثر هذا في الصوت ضعفاً.
٤ - أنه ينبغي أن يكون صوت المكبِّر داخل المسجد بقدر المصلين، ومما يؤسف عليه أننا نرى كثيراً من المساجد رُفع فيها ميزان المكبر حتى أصبح يزعج المصلين، ويؤثر على متابعتهم لقراءة إمامهم وخشوعهم، والله المستعان.
стр. 957
مسألة السفر لزيارة قبر النبي ﷺ
وزيارة أماكن السيرة النبوية كغار حراء وجبل أحد وغيرهما
علوي بن عبدالقادر السقاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
٨ شعبان ١٤٣٠هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أما بعد:
فقد اختلط على كثير من الناس الفرق بين زيارة القبور والسفر إليها، ومن ذلك التفريق بين زيارة قبر النبي ﵌ والسفر إليه وهو ما يُعبر عنه بشد الرحال، فزيارة القبور قربة إلى الله ومأمور بها لقول النبي ﷺ : (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) أخرجه مسلم في صحيحه، وقبره ﷺ وإن لم يثبت في فضل زيارته على وجه الخصوص حديثٌ صحيح ولا حسن بل كل ما ورد فيه ضعيفٌ جداً، أو موضوعٌ لا أصل له، إلا أنه يدخل دخولاً أولياً في الأحاديث العامة التي وردت في فضل زيارة القبور.
إذا علمت ذلك فاعلم أن كثيراً من العلماء المتأخرين أجاز واستحب السفر لزيارة قبر النبي ﵌ بل بعضهم أوجبه، لكن المتقدمين منهم وعلى رأسهم الصحابة والتابعون لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعله أو أباحه، وأصل الخلاف بين العلماء المتأخرين هو فهمهم لحديث: ((لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم ((لا تشدوا)).
فالمجيزون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى مسجد إلا هذه الثلاثة، وعليه يجوز الذهاب إلى أي بقعة كقبر ولي أو نبي، قربة إلى الله تعالى وشبَّهوا ذلك بالسفر من أجل طلب العلم أو أي أمرٍ من أمور الدنيا أو الآخرة.
والمانعون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى أي بقعة تقرباً إلى الله إلا هذه المساجد الثلاثة، وحجتهم أنه إذا كانت المساجد وهي أفضل بقاع الأرض وهي بيوت الله وأحبها إلى الله لا يجوز السفر إليها فغيرها من الأماكن من باب أولى، أما بقية أنواع السفر سواء لطلب علم أو غير ذلك فهو ليس سفراً لذات المكان بل لتحصيل غرضٍ ما. ولا شك أن من تأمل القولين بعدلٍ وإنصاف ظهر له قوة حجة المانعين وصواب فهمهم للحديث، وإلا فعلى فهم المجيزين يكون السفر إلى مسجد قباء لا يجوز لأنه ليس من المساجد الثلاثة ولكن لو قدَّرنا أن هناك قبراً لأحد الصالحين بجوار مسجد قباء فإنه يجوز السفر إليه وهذا فهم لا يستقيم، ومما يؤيد ذلك فهم ابن عمر ﵄، فعن قزعة قال: سألت ابن عمر ﵁ آتي الطور؟ فقال: (دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وبعضهم قصر الجواز على قبره الشريف ﵌ وليس معهم دليل.
وزعم بعض الناس أنه لم يحرِّم ذلك أحدٌ من العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨هـ)، وأنه لم يقلده أحدٌ إلا علماء نجد، وهذا اتهام باطل، فقد حرَّم السفر لزيارة القبور:
من المالكية: الإمام مالك (ت:١٧٩هـ) والقاضي عياض (ت:٥٤٤هـ)
ومن الشافعية: أبو محمد الجويني (ت: ٤٣٨هـ)، وابن الأثير صاحب جامع الأصول (ت:٦٠٦هـ)
ومن الحنابلة: ابن بطة العكبري (ت:٣٨٧هـ) وابن عقيل (ت:٥١٣هـ) وغيرهم.
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١/ ٣٠٤): (وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه) اهـ
وقال المناوي في شرحه للجامع الصغير (٦/ ١٤٠): ( ... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه)
стр. 958
وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى) (ص ٩٢): (ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها) اهـ
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (٩/ ١٠٦): (واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المُطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره) اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (٣/ ٦٥) عند شرحه لحديث: ((لا تشد الرحال)): (قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة) اهـ
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/ ١٠٠): (فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) متفق عليه) اهـ
وقال ابن الأثير في (جامع الأصول) (٩/ ٢٨٣) في شرح حديث ((لا تشد الرحال)): (هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيماً لشأنها وتشريفاً) أ. هـ
وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت:١٣٠٠هـ) كما في كتابه (إدام القوت) (ص٥٨٤): (نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في (إكماله) وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضاً، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقال ابن سريج - من كبار أصحاب الشافعي - إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع)) انتهى كلام السَّقَّاف.
أما النووي وابن حجر وابن قدامة وغيرهم فقد قالوا بالجواز وقد تقدم أن كثيراً من المتأخرين قالوا بذلك لكن المقصود هنا هو توضيح أن هناك من قال بالتحريم قبل شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن لشهرته ومكانته وكذلك لتشنيع خصومه عليه وادعائهم أنه أول من قال بذلك اشتُهرت هذه المسألة عنه.
وقال بالتحريم أيضاً بعد ابن تيمية عدد من العلماء من غير الديار النجدية، منهم:
علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت:١١٨٢هـ) قال في (سبل السلام) (٣/ ٣٩٤): (والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها) اهـ
стр. 959
وعلامة الهند السيد صديق حسن خان الحسيني (ت:١٣٠٧هـ) قال في شرحه لصحيح مسلم (٥/ ١١٣): (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت بأدلة صحيحة ووقع في عصره ﵌ وقرره النبي ﵇ فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبور فإنه لم يقع في زمنه، ولم يقر أحداً من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره، ولم يشرِّعه لأحدٍ من أمته لا قولاً ولا فعلاً، وقد كان رسول الله ﵌ يزور أهل البقيع وغيرهم من غير سفر ورحلة إلى قبورهم، فسنته التي لا غبار عليها ولا شنار فيها: هي زيارة القبور من دون اختيار سفر لها، لتذكر الآخرة) أ. هـ
وعلامة العراق السيد نعمان بن محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (ت:١٣١٧هـ) قال في (جلاء العينين) (ص٥١٨) بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية: (ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام)
فهؤلاء ليس فيهم نجديٌّ واحد.
وقد أعرضت عن أدلة يستشهد بها الطرفان لكن لا تُسلَّم لهما، وأُسُّ الخلاف هو ما ذكرته.
فمن أدلة المجيزين أحاديث فضل زيارة قبر نبينا ﵌ وكلها ضعيفة لا يصح منها شيء ولو صحت فهي خارج محل النزاع، ومنها ما يروونه من (أن بلالاً ﵁ رأى النبي ﵌ وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزيناً خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ ابن حجر: (هذه قصة بينة الوضع)، وغيرها.
ومن أدلة المانعين التي أعرضت عنها أثر أبي بصرة الغفاري وإنكاره على أبي هريرة ﵄ ذهابه إلى الطور وقد تتبعت روايات هذا الأثر فوجدته ليس في محل النزاع، فذهاب أبي هريرة ﵁ إنما كان لمسجد هناك ثم إنه وافق أبا بصرة بعد ذلك.
أمَّا زيارة أماكن السيرة النبوية كغار حراء وجبل أحد وغيرهما بقصد التعبد والتقرب إلى الله تعالى فبدعة لا تجوز، ولم يُنقل عن النبي ﵌ أنه فعل ذلك، ولم يُنقل عن أحدٍ من صحابته ﵃ أنه فعل ذلك وهم أعلم الناس بدين الله وأطوعهم إلى الله ، وفي الحديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) متفق عليه.
أما إن لم يكن على سبيل التعبد كأن يكون للاستعانة بزيارتها في فهم حوادث السيرة كالغزوات وغيرها كما يفعله بعض المربين والمعلمين فلا بأس بذلك، حيث إن الأصل في الأفعال على غير وجه التعبد الجواز وعلى وجه التعبد المنع، لكن يشترط لجواز زيارتها شروط، منها:
١ - ألا يلتزم بالزيارة في أوقات معينة وبصورة وهيئة معينة حتى لا تشبه العبادة.
٢ - ألا يتعمد أداء عبادة عندها كصلاة أو ذكر أو دعاء أو قصد التبرك بها.
٣ - أن يتمكن من إنكار المنكر من بدع أو شركيات - إن وُجِدت- بالضوابط الشرعية المعتبرة، فإن لم يستطع فعليه مغادرة المكان فذلك أضعف الإيمان.
أما عدم ثبوت زيارة النبي ﷺ وأصحابه الكرام لهذه الأماكن فإنه لا يدل على حرمتها فهذا إنما يقال فيما كان على وجه التعبد.
لكن قد يقال: إن زيارة مثل هذه الأماكن ذريعة للشرك، فيجاب بأن مجرد الزيارة ليس ذريعة للشرك إلا إذا هُيِّئت هذه الأماكن بحيث تصبح أماكن زيارة وسياحة يأتيها الناس أفواجاً ويقصدونها قصداً فمثل هذا الفعل قد يؤدي إلى جعلها مزارات، فسدُّ هذا الباب متعيِّن، وهناك فرق بين هذا وذاك لمن تأمله.
والله أعلم
стр. 960
الخطباءُ وأفكارُ المنبر
أحمد بن عبد المحسن العساف
البحثُ عنْ فكرةٍ لخطبةِ الجمعةِ منْ التحدِّياتِ التي تواجهُ كلَّ خطيبٍ يرجو ما عندَ الله؛ لأنَّ الخطبةَ المؤثرةَ الباهرةَ تحتوي على عنصرينِ مهمَّين هما: الفكرةُ والبيانُ ويزينُهما الأداءُ الخطابيُ المتقن. وإذا ما تخلَّفتْ الفكرةُ فالخطبةُ مجرَّدُ كلامٍ لا يؤثرُ طويلاً، وقدْ تكونُ الفكرةُ حاضرةً لكنْ ينقصُها البيانُ العذبُ والكلماتُ الفخمة، وكمْ منْ حقٍّ ضاعَ بسوءِ التعبيرِ وكمْ كمْ منْ باطلٍ سرى بطلاوةِ الكلامِ وحلوِ الحديث.
ولخطبةِ الجمعةِ مكانٌ سنيٌ في تاريخِنا وأثرٌ بهيٌ على المجتمعِ المسلمِ حتى شَرِقَ بها المنافقونَ على اختلافِهم وحاكوا لها الأكفانَ بدعواتِهم المشبوهةِ لتوحيدِ الخطبةِ أوْ تحديدِها أوْ جعلِها نشرةً محليةً لا يأبهُ لها أحد، إضافةً إلى ما يتعرَّضُ له الخطباءُ منْ رقابةٍ غليظةٍ ومحاسبةٍ دقيقةٍ منْ عدَّةِ جهاتٍ في عصرٍ يزعمُ كثيرٌ منْ أهلهِ أنَّه زمنُ حريةِ الرأيِ وتعدُّدِ وجهاتِ النَّظر.
وقدْ كتبَ عددٌ منْ العلماءِ والفضلاءِ فيما يخصُّ تحضيرَ الخطبةِ أوْ إلقائَها وأثروا الساحةَ حتى يستفيدَ حديثُ العهدِ ويتجدَّدَ الخبير، وكتبُهم ومقالاتُهم مطبوعةٌ متداولةٌ إنْ ورقيةً أوْ حاسوبية، وأمَّا الدِّراساتُ المعتنيةُ بصناعةِ فكرةٍ للخطبةِ فنادرة؛ ولعل َّهمَّةَ أحدِ الخطباءِ المصاقعةِ ترِدُ هذا الرَّوضَ الأُنُف؛ فالفكرةُ عزيزةُ المنالِ صعبةُ البلوغِ ولا تتأتي لأيِّ أحدٍ بيسرٍ بلْ قدْ تتمنَّعُ على الفطاحلِ الكبارِ والأساطينِ العظامِ لا عنْ عجزٍ واستحالةٍ؛ وإنَّما لصعوبةِ الموقفِ وهولِ المطلعِ فارتقاءُ المنابرِ والخطابةُ أمورٌ تشيبُ منها المفارق.
والفكرةُ إمَّا أنْ تكونَ جديدةً لمْ يُسبقْ إليها، وقدْ تكونُ قديمةً لكنَّها تُبعثُ بطريقةٍ إبداعيةٍ أوْ منْ وجهٍ لمْ يطرقهُ أحد؛ وكمْ تركَ الأولُ للآخر، والموفقُ مَنْ أعانهُ اللهُ ورزقهُ النّيةَ الصَّادقةَ الباعثةَ على الجدِّ والبحثِ والاستقصاء، لأنَّ الأفكارَ تُحدِثُ تغييراً في المجتمعِ ولا بدَّ منْ معرفةِ كيفيةِ الحصولِ عليها وبثِّها كمفهومٍ قابلٍ للانتشارِ والبقاء؛ وما أعظمَ الفرقَ بينَ فكرةٍ خالدةٍ وأخرى بائدة.
ولصناعةِ فكرةٍ مناسبةٍ للمنبرِ عدَّةُ سُبُلٍ تنفعُ الخطيبَ والكاتبَ والمتحدِّثَ والمسوِّقَ ومصممي الإعلاناتِ وغيرِهم، وحديثُنا هنا مقصورٌ على الخطباء؛ وقدْ سبقَ كتابةُ مقالٍ للكتَّابِ بعنوانِ "صناعة الفكرة"، وهذا المقالُ عالةٌ عليهِ معْ بعضِ الزِّيادةِ والتطوير، ومنْ السبلِ المقترحةِ لصناعةِ فكرةٍ للخطبة:
١. التفكير: وهو أكبرُ مصنعٍ لها؛ وبواسطتهِ تتولَّدُ الأفكارُ منْ الطرقِ التي بعدَه، ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ المستقبلِ حيثُ أنَّ رؤيةَ مستقبلٍ غيرَ مرغوبٍ فيهِ-مثلاً- تقودُ إلى إصلاحِ الحاضرِ والمستقبل؛ فوجودُ نسبةٍ عاليةٍ منْ البطالةِ بينَ الشبابِ تعني -تلقائياً- زيادةَ معدَّلِ الجريمة. ومنهُ التفكيرُ بصيغةِ "ماذا لو"؛ ومنْ الأمثلةِ على ذلكَ ماذا لوْ أنَّ المسلمينَ يحكمونَ العالم؟ ثمَّ يسردُ الخطيبُ وقائعَ تاريخيةً ثابتةً عنْ العدلِ الإسلامي الذي لمْ يحتجْ لمحكمةِ عدلٍ ولا هيئةِ أمم!
стр. 961
٢. الملاحظةُ والتَّأمُّل: وهما فرعٌ منْ التفكيرِ وإنَّما خصصتُهما بالذِّكرِ لقربِهما وسهولةِ استخدامِهما؛ وكمْ منْ شيءٍ أوْ مشهدٍ يمرُّ بنا كثيراً ولو تدَّبرناه لظفرنا بفكرةٍ أوْ خاطرة. وقدْ حدَّثني أحدُ الأصدقاءِ أنَّ الشيخَ الفقيهَ عبدَ اللهِ بنَ قعودٍ-أنارَ اللهُ مرقدَه- قدْ خرجَ إلى البرِّ مستجماً فلمَّا عادَ وصعدَ منبرَه خطبَ عنْ عظيمِ قدرةِ اللهِ في الغيثِ والزرعِ.
٣. النَّظرُ منْ زوايا مختلفةٍ للموضوعِ الواحد: فموضوعُ الزَّكاةِ -مثلاً- قدْ يوظفهُ إمامٌ للحديثِ عنْ مكانتِها، وآخرُ عنْ حكمِها، وثالثٌ يربطُها بالصَّلاة، ورابعٌ يُذَّكرُ بقتالِ المرتدِّينَ لأجلِها، وخامسٌ يوضحُ أثرَها في الماضي والحاضر، وسادسٌ يبينُ أحكامَ نوازلِها، وسابعٌ يقترحُ أفكاراً لمشروعاتٍ زكوية، وثامنٌ يقفُ على ما يعترضُها منْ مصاعب، وتاسعٌ يشرحُ أصنافَ الزَّكاة، وعاشرٌ يُصَّححُ الأخطاءَ في فهمِ وإخراجِ الزكاة.
٤. الدُّخولُ منْ منافذَ غيرِ مألوفة: فوفاةُ الشيخِ ابنِ جبرين-أكرمَ اللهُ وفادَته- بابٌ للحديثِ عنْ ضرورةِ إحياءِ الجوامعِ التي كانتْ معاهدَ علمٍ وتربية، كما يمكنُ تحليلُ التفاعلِ الإعلامي معْ وفاةِ الشيخِ، ولثالثٍ أنْ يهتكَ سترَ أهلِ الضلالةِ وموقفَهم منْ الشيخِ حياً ومريضاً وميتاً، ولوْ أعملنا هذهِ الطريقةَ معْ شهرِ رمضانَ الأغرِّ لانصرفَ أحدُ الخطباءِ عنْ ذكرِ فضائلهِ إلى التحذيرِ منْ مختطفيهِ ومنغصي قداسته.
٥. الإنصات: فسماعُ أحاديثِ النَّاسِ منجمٌ للأفكار؛ والأمرُ في حقِّ الخطيبِ أعظمُ لأنَّهُ يعلِّمُ العامَّة ويسعى في رفعِ الظلمِ عنهم وأنَّى لهُ معرفةُ ما يحتاجهُ المستمعونَ بغيرِ إصغاء؟
٦. أحداثُ الساعة: وهيَ منْ أكثرِ المصادرِ استخداماً وأيسرِها، وما أكثرَ الأفكارِ في الأحداث؛ فمن نظرةٍ شرعيةٍ لأنفلونزا الخنازيرِ إلى موقفٍ واجبٍ معْ أهلِ فلسطينَ أوْ الإيغورِ وانتهاءً بمباركةِ القراراتِ الحكيمةِ الأخيرةِ لكسرِ شوكةِ الليبراليةِ في المملكة.
٧. الحوارُ والمناقشة: وبخاصَّةٍ عندما يكونُ معْ شخصٍ مُلهِمٍ للأفكار؛ ومنْ أنفعِ الحواراتِ الحديثُ معْ التربويينَ وعلماءِ النَّفسِ والاجتماع، ومنْ أجلِّهِ الجلوسُ بينَ يدي عالمٍ جليلٍ دورياً للإفادةِ منه؛ وممَّا ذُكرَ في جدولِ أعمالِ الشيخِ ابنِ عثيمين-برَّدَ اللهُ مضجعَه- لقاءٌ دوريٌ معْ الخطباء.
٨. استخدامُ الأفكارِ المتداولة: بإعادةِ إنتاجِها اختصاراً أوْ زيادةً أوْ تعقيباً وهذا منْ أسهلِ ما يكون، ومن الأولويةِ بمكانٍ استفادةُ الخطباءِ منْ بعضِهم عبرَ لقاءٍ متعاقبٍ أوْ منْ خلالِ المواقعِ المتخصصةِ مثل موقع "ملتقى الخطباء"، وقدْ نقلَ لي زميلٌ عنْ أحدِ الخطباءِ أنَّهُ يرسلُ خطبتَه إلكترونياً كلَّ أسبوع.
٩. القراءة: وأعني القراءةَ بأنواعِها وفي جميعِ الفنون؛ وعبرَ الكتابِ أوْ الموقعِ أوْ المجلةِ أوْ الصَّحيفةِ أوْ النَّشرة، وحريٌ بالخطيبِ أنْ يكونَ قارئاً نهماً مطلِّعاً بصيراً ليزدادَ خيرُه وعطاؤه والأجرُ عندَ الله.
١٠. البحثُ في موضوعاتٍ خصبة: كالأسماءِ الحسنى والصِّفاتِ العُلى وسيرِ السلفِ الصَّالحِ والتاريخِ الإسلامي والأخلاقِ الكريمةِ والظواهرِ الاجتماعيةِ التي يجدرُ بالخطباءِ الحديثُ عنها كآثارِ العضلِ والعنوسةِ والطَّلاقِ والعنفِ والبطالة.
وتبقى مسائلٌ لامناصَ منْ الإشارةِ العاجلةِ إليها وهي:
• أهميةُ وضوحِ الفكرةِ حتى لا يعسرَ على المصلينَ التقاطُها.
• الأفضلُ ألاَّ تتزاحمَ الأفكارُ في خطبةٍ واحدة، وأحسنُ الخطبِ ما اقتصرتْ على فكرةٍ واحدةٍ فقط.
• اختيارُ التوقيتِ المناسبِ والمنبرِ الأنسبِ للخطبة، ففرقٌ بينَ قريةٍ ومدينةٍ وحاضرةٍ وبادية.
• تدوينُ الأفكارِ كمشاريعَ لخطبٍ مستقبليةٍ حتى لا تضيع.
• تلخيصُ فكرةِ كلِّ خطبةٍ معْ نهايتِها حتى ترسخ.
• ألزمْ نفسكَ بأفكارٍ مبتكرةٍ للمناسباتِ المتكررة، وسلْ نفسك: هل هذه أفضلُ فكرةٍ يمكنُ الوصولُ إليها؟
• بعدَ ولادةِ الفكرةِ ينبغي التريثُ حتى تنضجَ على نارٍ هادئةٍ منْ الفكرِ المستنيرِ المتزنِ قبلَ نشرِها.
وإذا فرغنا منْ صناعةِ الفكرةِ فلا مفرَّ منْ صياغتِها على الوجهِ الذي يجلو البهاءَ ويبينُ المحاسن؛ وإلقائِها بطريقةٍ تأخذُ بمجامعِ النَّفس، وإنَّ الصياغةَ والإلقاءَ منْ القضايا التي يعتني بها الخطباءُ حتى تكونَ كلماتُ الخطبةِ وطريقةُ أدائِها ممَّا يعينُ على انتشارِ فكرتِها وبقائِها حيةً في نفوسِ المستمعين؛ فالخطبةُ مجموعةُ كلماتٍ تُؤدى بنمطٍ ما؛ ونحنُ بالكلمةِ الصَّادقةِ والأداءِ الرَّفيعِ والفكرةِ الجذَّابةِ والرُّؤى العمليةِ نواجهُ الطوفانَ الذي يجتاحُ بلادَ المسلمينَ غيرَ آبهٍ بمصلحةِ دنيا أوْ صلاحِ آخرة.
المصدر: موقع صيد الفوائد
стр. 962
النشيد الراحل والغناء الحاضر
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض.]
قد لا يُستغرب أن يكون التصوف مورداً لغناء المجون والفجور؛ إذ قد شهد بذلك من عاينَ مجالس الصوفية، وتحلَّى بطرقها، كما اعترف زكي مبارك قائلاً:
«قد لاحظت أن مجالس الصوفية كانت تنقلب أحياناً إلى مجالس فنية، فهي مجالس تُعقد ظاهراً لذكر الله، والغرض منها الغناء ..
وكانت مجالس الذكر مدرسة لتخريج المغنين .. فالصوفية تفرَّدوا بين رجال الدين بالتشيُّع للموسيقا والغناء، فأقبلوا على الغناء، وتفرَّدت الطريقة المولوية باستجازة العزف على الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها أثناء مجالس الذكر» (١).
ولا عجب أن الروافض يعوِّلون على تأجيج العواطف الرعناء وتحريك مشاعر البكاء والعويل؛ فدين القوم أكاذيب في المنقول، وحماقات في المعقول؛ فلا يمكن أن يروج الكذب والشطح إلا بامتطاء هذه العاطفة الهوجاء، والمشاعر العوجاء، والعارية من الدليل والبرهان .. وهذا ما أوصى به خامنئي شيعته - بمناسبة عاشوراء عام ١٤٢٦هـ - قائلاً: «إن مجالس العزاء (٢) مستمرة إلى يومنا هذا، ولا بد من أن تستمر إلى الأبد؛ لأجل استقطاب العواطف؛ فمن خلال أجواء العاطفة والمحبة والشفقة يمكن أن تُفهم كثير من الحقائق» (٣)!
لكن العجب أن يضاهي أولئك ويسلك سبيلهم طوائف من متسننة هذا العصر؛ فما كان يُسمَّى إنشاداً - في الماضي القريب - قد أضحى غناءً ومجوناً .. فالترخُّص المُفْرِط في النشيد أفضى إلى الافتتان بالمؤثرات الصوتية، والولع بمعالجة الأصوات وَفْق تقنيات الحاسوب، والهيام بالآهات والترنُّمات .. !
فهذا الركام المتتابع من الانفلات أوقع ولوغاً في غناء الفجور، وسماع المعازف، فانحدر بعض المنشدين إلى خمر النفوس ورقية الزنى والمجاهرة باستعمال ألحان وموسيقى المجون .. بل تفوَّه أحد المنحدرين بأن إظهار الموسيقى هو مقتضى الصراحة!
وهكذا البدع والانحرافات تبدأ شبراً، ثم تكون ذراعاً، ثم تصير باعاً، فأميالاً وفراسخ .. وكما قال عبد الله بن مسعود ﵁: «الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل» (٤).
ومن المعلوم أن البقل ينبت في الأرض شيئاً فشيئاً لا يحسّ الناس بنباته (٥).
وهذه الأناشيد الموسيقية تحرِّك الشهوات الكامنة في النفس، وتثيرها تلك الأصوات والمعازف «فالنغمات المرتبة على النسب التلحينية هو المؤثر في الطباع فيهيجها إلى ما يناسبها، وهي الحركات على اختلافها» (٦).
فالأصوات الملحّنة تهيِّج وتحرِّك من كل قلب ما فيه من محبة مطلقة لا تختص بأهل الإيمان، «وكل إناء بالذي فيه ينضح»، فقد تحرِّك محبة الله تعالى، أو محبة الأوثان، والصلبان، والأوطان، والنسوان .. (٧).
كما أن هذه الأصوات المطربة يزداد أثرها وتعظم حركتها عند النسوان والصبيان والحيوان؛ لأنه ثوران الطباع، فيشترك فيه الإنسان والحيوان، وكلما ضعف العقل قويت حركة النفوس وتواجدها فرحاً أو حزناً .. لكنها حركة ووجد بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير (٨).
стр. 963
قال ابن تيمية: «وأما التحرك بمجرد الصوت فهذا أمر لم يأت الشرع بالندب إليه، ولا عقلاء الناس يأمرون بذلك، بل يعدُّون ذلك من قلة العقل، وضعف الرأي، كالذي يفزع عن مجرد الأصوات المفزعة المرعبة» (١).
وتحاكي الأناشيدُ الحاضرة الغناء المعهود، بل تماثله مماثلة القُذَّة للقُذَّة، بحيث يتعذر على أرباب الإنشاد والمونتاج التفريق بينهما فضلاً عن غيرهم!
فهذا النشيد الموسيقي والغناء:
رضيعا لبان ثدي أم تقاسما
بأسحم داج عَوْضَ لا نتفرقُ
ومع هذه المماثلة الظاهرة إلا أن بعضهم يصرُّ على تفريق موهوم بين إنشاده وغناء المجون، فليحذر من هذا التحايل البغيض والذي اتسع خرقه، وتتابع نقضه، فتلبَّس أصحابه بسماع الغناء الحرام مع المخادعة والاحتيال.
قال أيوب السختياني: يخادعون الله، كأنما يخادعون الصبيان. ولو أتى الأمر على وجهه لكان أهون عليّ (٢).
وها هو ابن القيم يحذِّر من التوثُّب على محارم الله - تعالى - باسم الحيل، فيقول: «فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يوماً تُبلى فيه السرائر، ويحصّل ما في الصدور .. هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون» (٣).
ويتعلَّل بعض المولعين بالنشيد المتهتك بأن أصل النشيد مباح، فهي أصوات بشر وشجر ونحوهما، وتم تركيبها ومعالجتها حسب تقنيات الحاسوب .. وهذا تعليل عليل؛ إذ العبرة بالحقائق، ومآلات الأمور، فقد استحال هذا النشيد إلى غناء ومعازف، كما لو استحال العنب إلى خمر، وهذه المعالجة الحاسوبية أوقعت في تلاعب بالأصوات وتغييرها من صوت بشر وشجر وماء .. إلى صوت معازف وموسيقى ..
فهذا الغناء الحاضر مركب من تلك الأصوات بعد تعديلها ومعالجتها .. فالعبرة بالنتائج وعواقب الأشياء، كما قال ابن الجوزي: «ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئاً من الأصوات المحرمة كالعود نظر إلى المعنى الحاصل بالعود فدرجه في ضمن الغناء بغير العود وحسَّنه لهم، وإنما مراده التدرج من شيء إلى شيء. والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج، وتأمَّل المقاصد» (٤).
وكما يُحكى عن إياس بن معاوية (ت ١٢٢هـ) أن رجلاً قال له: ما تقول في الماء؟ قال حلال. قال: والتمر؟ قال: حلال. قال: فالنبيذ تمر وماء! فقال له إياس: أرأيت لو ضربتُكَ بكفٍّ من تراب أكنتُ أقتلكَ؟ قال: لا. قال: فإن ضربتُكَ بكفٍّ من تبن أكنتُ أقتلكَ؟ قال: لا. قال: فإن ضربتُكَ بماء أكنتُ أقتلكَ؟ قال: لا. قال: فإن أخذتُ الماء والتبن والتراب فجعلتها طيناً، وتركته حتى جفَّ، وضربتُكَ به أقتلك؟ قال: نعم! فقال: كذلك النبيذ.
ومقصوده أن القاتل هو القوة الحاصلة بالتركيب، والمفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بالتركيب (٥). فكذا النشيد الحاضر بعد التركيب؛ فقد تغيَّرت صفاته السابقة، وانمحت آثاره السالفة.
وأخيراً: فإن فتنة الأصوات والصور المحرمة قد وَلِعَ بها كثير من أرباب التعبُّد المحدث، وإن كانت فتنة الصور أشد فتكاً، ولئن سلم فئام من المتديِّنة من شراك الصور الفاتنة، لكن أسرتهم الأصوات الملحنة؛ فإن غناء المجون وفتنة الأصوات سبيل الولوج في فتنة الصور، فالغناء رقية الزنى ..
قال ابن القيم: «أهل الأصوات طرقوا لأهل الصور الطريق، ونهجوا لهم السبيل، وطيَّبوا لهم السير، فساروا وجدّوا بهم إلى مطارح الجمال، فطاب لهم اللعب، ووصفوا لهم سمر القدود وورود الخدود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادوا (حيَّ على الوصال)، فأجاب القوم منادي الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسهم بالغبن، وبذلوها في مرضاة الصور الجميلة» (٦).
والمقصود أن هذا النشيد «المستنسخ» من الغناء حافل بمفاسد ظاهرة؛ كالصدِّ عن سماع القرآن، والإعراض عن التفقه في دين الله تعالى، واستثارة العواطف الرعناء، وتحريك الشهوات من مكانها، والتحايل على المحرمات، ومشابهة لحون أهل الفسق والفجور .. فهل من توبة نصوح عن ذاك الغناء؟!
ولقد أحسن القائل:
«برئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض من سماع الغنا
وكم قلتُ يا قوم أنتم على ... شَفا جُرُف ما به من بِنَا
فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في بِنَا
فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تِنْتِنا تِنْتِنا (٧).
стр. 964
حركة الإمام أحمد بالصورة
سعد بن مطر العتيبي
هذه الحركة أو قريباً منها على الأقل تعني التأييد والاستحسان لقول أو فعل أو لتصرف ما وقد اشتهرت عن الأجانب، حتى ارتبطت بما يصاحبها من قولهم (فري قود) لكن رجال الجرح والتعديل (علم البحث في رجال الأسانيد والمرويات، وهو من خصائص أمتنا)، وصفوها أو مثلها عن الإمام أحمد ﵀، في تقييمه لرواية المحدث والإخباري المشهور محمد بن إسحاق ﵀، والتفريق بين روايته للمغازي وروايته لأحاديث الأحكام من الحلال والحرام، عنده.
والفرق بين رواية أخبار المغازي وأحاديث الأحكام معلوم عند علماء الإسلام؛ فإنَّ للتخصص أثراً في الرواية عندهم في ذلك، فيقبل من رواة السير والمغازي المهتمين بها فيها، ما لا يقبل منهم في أحاديث الأحكام، وبروايتهم تكتمل فصول من الروايات لا تتضح بدونها الصورة، فالواقدي مثلا متروك في الحديث بينما هو إمام في المغازي، وهكذ الشأن في القراء الذين يتلقون التلاوة، وينقلونها كما تلقوها، فقد لا تقبل رواية بعضهم للحديث لعدم علمه بالأسانيد وعلل المرويات، وموضوعات الجرح والتعديل وإن كان ثقة ثبتاً فيما ينقله مما تلقاه عن شيخه في القراءة، التي تعتمد التواتر في التلقي دون الاكتفاء بالرواية بالإسناد ..
أدعكم مع وصف تلك الحركة في تاريخ يحي بن معين ﵀ نقلا عن الإمام أحمد ﵀، فقد جاء في تاريخ ابن معين: سمعت العباس يقول سمعت أحمد بن حنبل وسئل وهو على باب أبى النضر هاشم بن القاسم فقيل له يا أبا عبد الله ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي وفى محمد بن إسحاق فقال أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث كأنه يعنى المغازي ونحوها، وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا وقبض أبو الفضل على أصابع يديه الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام وأرانا أبو الفضل يديه وأرانا أبو العباس. أهـ
وقال في موضع آخر: سمعت عباساً يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وهو على باب أبى النضر وسأله رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في محمد بن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي فقال أما موسى بن عبيدة فكان رجلا صالحاً حدث بأحاديث مناكير، وأما محمد بن إسحاق فيكتب عنه هذه الأحاديث يعنى المغازي ونحوها فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا قال أحمد بن حنبل بيده وضم يديه وأقام أصابعه الإبهامين. أهـ.
فهل يا ترى تعد هذه الحركة من الحركات الوافدة، أو المشتركة، أو المنقولة عنا ثم المجلوبة إلينا كبعض الأنظمة والقوانين والطروحات الإسلامية؟!
ربما لو علم بعض المنهزمين - التابعين المقلدين للأجانب - بأصولها الإسلامية لهجرها إمعانا في البراءة من الأمة والتبعية للأجنبي!!
المصدر: موقع الدكتور سعد العتيبي
стр. 965
مسألة زواج السَّيِّد الشريف من غير الشريفة, والعكس
علوي بن عبدالقادر السقاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
١٩ جمادى الأولى ١٤٢٩
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين القائل: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)
أما بعد:
فقد اختلف الفقهاء في اعتبار كفاءة النسب في النكاح فمنهم من اعتبره وقال لا يصح لغير الشريف أن يتزوج بالشريفة الهاشمية، والصحيح أنه ليس شرطاً معتبراً في النكاح فقد زوَّج النبيُّ ﵌ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة بن زيد، وتزوج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف القرشية، وزوَّج النبيُّ ﵌ ابنتيه من عثمان ابن عفان ﵁ وهو ليس بهاشمي بل من بني عبد شمس، وزوَّج علي ابنته أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء من عمر بن الخطاب ﵃ جميعاً وهو عدوي وليس بهاشمي، وفي الحديث: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)) رواه الترمذي وحسنه.
قال الحافظ ابن القيم في (زاد المعاد) (٥/ ١٤٤): (فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدِّين في الكفاءة أصلاً وكمالاً، فلا تُزوَّج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمراً وراء ذلك، فإنه حرَّم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسباً ولا صناعة، ولا غنى ولا حرية، فجوَّز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفاً مسلماً، وجوَّز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات) أ. هـ
لكن كونه ليس شرطاً في النكاح ليس معناه ألا يختار الزوجة ذات النسب، فالنبي ﵌ امتدح نساء قريش فقال: ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولده في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)) رواه البخاري ومسلم
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (٩/ ١٢٦): (قوله (ركبن الإبل) إشارة إلى العرب لأنهم الذين يكثر منهم ركوب الإبل، وقد عُرف أن العرب خير من غيرهم مطلقاً في الجملة فيستفاد منه تفضيلهن مطلقاً على نساء غيرهن مطلقاً ... وفي الحديث الحث على نكاح الأشراف خصوصاً القرشيات، ومقتضاه أنه كلما كان نسبها أعلى تأكد الاستحباب. ويؤخذ منه اعتبار الكفاءة في النسب، وأنَّ غير القرشيات (كذا في جميع النسخ وأظنه تصحيفاً، والصواب: غير القرشي) ليس كفأ لهن) أ. هـ
وفي الصحيحين أيضاً: ((تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين ترِبت يداك))
قال القرطبي في (المفهم) (٦/ ٤٣): ((هذه الأربع الخصال هي الْمُرغِّبة في نكاح المرأة. وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء. فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك. وظاهره إباحة النكاح؛ لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم؛ ولذلك قال: فاظفر بذات الدِّين) أ. هـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (٩/ ١٣١): ((قوله (تنكح المرأة لأربع) أي لأجل أربع، قوله (لمالها ولحسبها) .. وذكر النسب على هذا تأكيد، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة إلا إن تعارض نسيبة غير ديِّنة وغير نسيبة ديِّنة فتقدم ذات الدِّين، وهكذا في كل الصفات ... قوله (وجمالها) يؤخذ منه استحباب تزوج الجميلة إلا إن تعارض الجميلة الغير ديِّنة والغير جميلة الديِّنة، نعم لو تساوتا في الدِّين فالجميلة أولى)) أ. هـ، وكذا لوتساوتا في الدين فالنسيبة أولى فكيف بالشريفة؟
فالأصل في المرء أن يبحث عن ذات الدِّين ولا يفضل غيرها عليها، لكن لو أراد أن يجمع بين الدِّين والجمال فلا حرج، ولو أراد أن يجمع بين الدِّين والنسب فلا حرج، ولو أراد أن يجمع بين الثلاثة فهذا أولى وأولى، قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في (بهجة قلوب الأبرار) (ص١٧٢): ((فإن حصل مع الدِّين غيره فذاك، وإلا فالدِّين أعظم الصفات المقصودة))
وقال الشيخ ابن عثيمين في (الشرح الممتع) (١٢/ ١٣): (فإذا اجتمع مع الدِّين جمالٌ، ومالٌ، وحسبٌ، فذلك نور على نور، وإلا فالذي ينبغي أن يختار الديِّنة)
وعليه فلا حرج أن يختار الإنسان لنفسه ذات الشرف في النسب بشرط ألا يقدِّمها على ذات الدِّين والخلق، كذلك الهاشمية لو اختار لها وليُّها هاشمياً ذا دين وخلق فهذا حسن ويكون قد جمع بين الحسنيين.
والله أعلم.
стр. 966
التقدم إلى الوراء
د. عبد الكريم بكار
حين ننظر إلى كتاباتنا ومداولاتنا اليومية نجد أنه يسيطر عليها -إلى حد بعيد- الحديث عن التطوير والتحديث، والتخطيط للمستقبل، والاكتشاف، والتقدم نحو الأمام، وما شابه ذلك، ونحن بهذا نحاول التعويض عن الخسائر التي تسبب بها التخلف والجمود واليأس الذي خيّم على الأمة قروناً عدة، والحقيقة أن الحديث عن التقدم هو اليوم شأن عالمي؛ حتى إن بعض الكتاب الغربيين تحدثوا عما سمّوه (عبادة التقدم)، ومن المهم في هذا الباب الإشارة إلى أن لفظة التقدم في الأساس هي لفظة محايدة، فالمرء قد يمضي نحو الأمام ويتقدم، ويكون متقدماً نحو جريمة، وقد يتأخر عن فعل شيء مشين، وقد يتراجع نحو الوراء، ويكون تراجعه عبارة عن توبة وتصحيح لخطأ وقع فيه، ومن هنا فإن تقدماً في اتجاه شيء من ماضينا قد ينطوي على خير كثير، وعلى ملامح نهضوية مهمة.
إن الأمم وهي تمضي في دروب الازدهار تفقد شيئاً من توازنها، وتنسى بعض أصولها وأساسيات حياتها، وما ذلك إلاّ لأن وعينا بأنفسنا ومبادئنا والتوازنات التي علينا أن نرعاها لا يكون إلاّ ناقصاً، بل إن النقص يكون في بعض الأحيان مريعاً، ولعلي أضع النقاط على الحروف في بعض المسائل التي أرى أنها مهمة في هذا الشأن:
١ ـ يُلاحظ بقوة انكماش دوائر الشعور بالمسؤولية الأخلاقية عن سلامة الأقرباء والمجتمع والأمة وعن صلاحهم واستقامتهم، ولو أننا عدنا إلى نحو نصف قرن من الآن لوجدنا من يتحدث بجدية عن وحدة الأمة الإسلامية أو وحدة العرب، ومن تغلي في صدره مشاعر الغيرة على عزة الأوطان وحفظ مصالحها، ولوجدنا كذلك تضامناً جيداً داخل القرى والأحياء على المستوى التربوي؛ فقد كان الجيران والأقرباء والمعارف والأصدقاء يساعدون في توجيه الأطفال وإرشادهم وملاحظة تصرفاتهم، والخيط الناظم لكل ذلك عبارة عن شعور عميق بأن مصلحة الفرد المسلم هي عين مصلحة أهله وجيرانه وبلده وأمته، فأين ذهب كل ذلك؟! إنه تبخر ـ إلاّ ما ندر ـ بفعل أدبيات العولمة وعملياتها الرهيبة، والتي تقوم بخلع الفرد من الأسرة، وخلع الأسرة من المجتمع، وخلع المجتمع من أمته الكبرى.
التاريخ لا يعيد نفسه، وقد حدثت تغيرات كيميائية وفيزيائية، وجغرافية وأخلاقية واجتماعية ... تجعل استعادة صور التضامن ومشاعر الرعاية والانتماء القديمة في حكم المستحيل، وصار مطلوباً منا أن ننشئ المزيد من المؤسسات، ونطلق الكثير من المبادرات التي تساعد على تحقيق الأهداف العظيمة التي فقدناها بأسلوب جديد.
٢ـ كلما حصل تقدم حضاري وعمراني أوسع تفتّح وعي الناس على الحياة وعلى مصالحهم، وزادت المقارنات المختلفة بين الذات والآخر ـ بأوسع ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ـ وهذا أدّى إلى انغماس الناس في شؤون الدنيا وفي الهموم الشخصية، كما أدّى إلى ارتفاع حدة الجدال؛ فمجالس الناس مشحونة بالاختلاف والتنظير والنقد والحديث عن الحواسيب، والجوّالات، والميزات، والبدلات والوظائف، والتسوّق، والمهرجانات ... كلام وجدال في أمور لا حصر لها، ومع أن ذلك في الأصل مشروع، وبعضه مطلوب، إلاّ أن المشكلة تكمن في (الغفلة) العامة والشاملة؛ حيث تجد أن المجلس قد يمتد الساعة والساعتين، ويكون الجالسون فيه من أهل الخير والصلاح، ثم لا تسمع فيه ذكراً لله ـ تعالى ـ ولا تذكّراً للموت، ولا لنعيم الجنة، أو عذاب جهنم، وهذا أيضاً على المستوى الفردي؛ فمشاغل الدنيا وهمومها ومباهجها قد خطفت منا الكثير من رقة القلوب، والكثير من يقظة العقول نحو مصيرنا بعد الموت.
إن المسلم المطلوب لعيش هذا الزمان هو مسلم غير عادي في صلاحه وإقباله على الله وفي تفوّقه ونجاحه في الحياة؛ فالزمان الصعب لا يحتاج إلى المتخصصين والأذكياء والقادة فحسب، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى الأتقياء الأنقياء ذوي القلوب الحية والأرواح المشرقة.
٣ـ لدينا أسر كثيرة غير مؤهَّلة لتربية أبنائها التربية الجيدة، ولدينا ألوف الشباب والفتيات الذين يعانون من مشكلات كبيرة، وهم لا يعرفون كيف يواجهونها، ولا يجدون المشير ولا المعين، ولدينا مئات الألوف من الشباب والفتيات الذين ضلّوا سواء السبيل، وهم بحاجة إلى من يساعدهم على العودة إلى الصراط السويّ، لكن ليس هناك من يهتم بهم، ويلتفت إليهم، فصاروا عبئاً على المجتمع، بل صاروا مصدر تهديد لخيريّته وأمنه وصلاحه ... من لهؤلاء وأولئك إلاّ الذين اشتعلت قلوبهم بحب الله ـ تعالى ـ والغيرة على دينه وعلى أمة الإسلام؟!
لنتقدم نحو الوراء كي نتفقد ما خسرناه عبر السنوات الأخيرة، وكي ننهل من مسيرة نبينا ﷺ وسير عظماء هذه الأمة ما يعيننا على التخلص من (الغفلة) التي اجتاحت عقولنا ونفوسنا، وألحقت بنا أعظم الأضرار.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المصدر: الإسلام اليوم
стр. 967
نسبيَّة الحقيقة في الفكر الليبرالي
ياسر بن عبد الله بن عبد العزيز السليّم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن كلَّ دينٍ صحيح؛ جاء مرشداً للإنسان، وهادياً له إلى طريقِ الحق، ومكمِّلاً لما فيه من النقائص التي تعتريه، فهو مخلوقٌ إن تجرد عن الإيمان بالله والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه؛ كان في أسفل سافلين، فهو - بلا إيمانٍ وطاعة - يعيش طبيعةً بائسة: " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... " (١).
وإن من أكبر الجرائم التي قد يرتكبها الإنسان: استجابته لعدوه الشيطان، ليبدأ معه رحلةَ التحريف والضَّياع، وينساقَ خلف رَكْبِ الأهواءِ والرَّغبات، فيُقدِّمها على نصُوصِ الشرع المُطهَّر، ودلالاته الواضحة، وحقائقه النيِّرة، ليفقد الإنسانُ تلك المعايير التي بها يَعرف الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والهدى من الضلال.
ومن هنا يَكثر التخبُّط والزيغ، وينقاد الفكر تبعاً للأهواء، وتَخضع العقيدة تحت لواءِ العقل الإنساني، الذي إن ابتعد عن نور الوحي وآثار النبوة؛ وقف حائراً أمام الحقائقِ والأسرار والمعارف، وعاش فوضىً حياتية بعيدة كل البعد عن العبوديةِ الخالصةِ المتجرِّدة لله تعالى.
ومن نتائج استجابة الإنسان للشيطان؛ خرجت لنا تلك المذاهبُ المنحرفة، والأفكارُ المخدوعة، التي تعتمد - اعتماداً كلياً - على النظرةِ النقديةِ الفلسفيةِ لكلِّ ثابت، وتتقنَّع بمبدأ الحريَّةِ والانفتِاح، وتركضُ خلف العدو الكافر بدعوى التطور والتقدم. ومن تلك المذاهب: (الليبرالية) (٢).
والليبرالية تفيضُ بالمبادئ والأفكار المتناقضة التي لجأ إليها أربابُ هذا الفكر؛ لأجل الهروبِ من قيود الاستعباد المزعوم، حتى أظهروا أقوالاً عجيبة، وقواعدَ مضطربة، تجعل الإنسانَ يعيش في حَيرةٍ وشك، يصير معها الحقُّ باطلاً، والباطلُ حقاً، وتتلاشى معها المبادئُ والقيم، وينقطع بها عن مصادر التلقي في الدين الحق، فيعيش في جهلٍ وانحراف.
ومن تلك المبادئ قولهم بـ (نسبية الحقيقة)، وهو ما سيأتي تفصيله وبيانه، وتحليله وتشخيصه، ونقده وتقويمه، سائلاً الله أن يمدني بالعون والسداد، وأن يشكر سعي من كان خلف هذا البحث، إشرافاً وتوجيهاً، ودلالةً وعوناً، اللهم آمين.
تعريف الليبرالية
لم يتفق صنَّاع الليبرالية والمنظِّرين لها على تعريفٍ يُحدد معناها بوضُوح، لكنهم اتفقوا على وصفها بـ " الحرية المطلقة "، يقول دونالد سترومبرج: «إنَّ كلمة الليبرالية مصطلحٌ عريض، وغامض، ولا يزال إلى يومنا هذا على حالةٍ من الغموض والإبهام» (٣).
و «الليبرالية فكرةٌ ليست من صنع عَقلٍ بشري واحد، ولا وليدةَ بيئةٍ ثقَافيةٍ أو ظروفٍ زمَنيةٍ واحدة، فقد تعددت تعريفاتها بعد أن استقرت فلسفةً فكرية غربية وضعية، تنزع إلى المادية والفردية والتحرر من كل قيدٍ أو ثابت، إلا ثابت عدم الثَّبات» (٤).
والليبرالية هي - في الأصل - مصطلحٌ أجنبيٌّ مُعرَّب، مأخوذ من ( Liberalism) في الإنجليزية، و ( Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني: (التحررية)، ويعود اشتقاقها إلى ( Liberty) في الإنجليزية، و ( Liberte) في الفرنسية، ومعناها الحرية (٥).
стр. 968
تقول الموسوعة البريطانية: «وحيث إن كلمة Liberty ( الحرية) هي كلمةٌ يكتنفها الغموض فكذلك هو الحال مع كلمة (ليبرالي)».
وقد جاء في موسوعة (لالاند) الفلسفية تعريف الليبرالية بأنها: «الانفلات المطلق بالترفع فوق كل طبيعة».
وقد عرَّفها المفكر اليهودي (هاليفي) بأنها: «الاستقلال عن العلل الخارجية، فتكون أجناسها: الحرية المادية والحرية المدنية أو السياسية، والحرية النفسية والحرية الميتافيزيقية (الدينية)».
وعرفها الفيلسوف الوجودي (جان جاك روسو) بأنها: «الحرية الحقة في أن نطبق القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا».
وعرفها الفيلسوف (هوبز) بأنها: «غياب العوائق الخارجية التي تحد من قدرة الإنسان على أن يفعل ما يشاء» (١).
وعرفها المفكر (برنيس) بأنها: «الاستقلال الناتج عن غياب الإكراه، سواء كان ببواعث مادية خارجية، أو بواعث داخلية أخلاقية، والناتج أيضاً عن قوة إعمال العقل».
وجاءَ في موسوعة (ويكيبيديا) الإلكترونية وصفُ الليبراليةِ بأنها: «حركة وعي اجتماعي وسياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان فرداً وجماعة من القيود الأربعة (السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية) ... وتعترض الليبرالية على تدخل الدين في الأمور الشخصية بشكل عام، وهي بهذا مقاربة للعلمانية بشكل كبير» (٢).
وفي (موسوعة المورد العربية) عُرِّفتْ الليبراليةُ بأنها: «معارضة المؤسسات السياسية والدينية التي تحدد من الحرية الفردية، وهي تطالب بحق الفرد في حرية التعبير وتكافؤ الفرص» (٣).
وجاء في (الموسوعة الميسرة) بأنَّ الليبرالية هي: «مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي» (٤).
وهكذا نرى أن تعريفات الليبرالية تتفق على أنها انكفاءٌ على النفس مع انفتاحٌ على الهوى؛ بحيث لا يكون الإنسان تابعاً إلا لنفسه، ولا أسيراً إلا لهواه، وهو ما اختصره المفكر الفرنسي (لاشييه) في قوله: «الليبرالية هي الانفلات المطلق».
وكذا فإن لليبرالية جوهرٌ أساسي يتفق عليه جميعُ الليبراليين في كافةِ العصُور مع اختلافِ توجُّهَاتهم وكيفيةِ تطبيقها كوَسيلةٍ من وسَائلِ الإصلاح والإنتاج، هذا الجوهرُ هو: «أنَّ الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى , الباعث والهدف , الأصل والنتيجة في حياة الإنسان , وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر، وشرح أوجهه والتعليق عليه» (٥).
فالليبراليةُ تدعو إلى الحريةِ المطلقة التي لا تعترفُ بدينٍ ولا شرعٍ ولا نصٍ مُقدَّس ولا عادَاتٍ ولا تقاليد، وتجرُّ الإنسانَ كي ينصاعَ إلى الهوى والشهوة، وتجعله قائماً على الحظوظِ الشخصيَّة ونبذ الأصول المتينة، والقواعدِ الرَّصينة، التي منها انطلق سلفُ هذه الأمَّة في فهمِ الدين وعبادةِ رب العالمين.
نسبيَّة الحقيقة
أولاً / تعريف " نسبيَّة الحقيقة ":
النسبيةُ - بشكلٍ عام - هي مبدأ فلسفي يرى أنَّ كلَّ وجهاتِ النظر صحيحةٌ شرعيةٌ متساوية، وأنَّ كل الحقائق نسبيةً إلى الفرد. وهذا يعني أن كلَّ الأوضاعِ الأخلاقية، والأنظمةِ الدينية، والأشكال الأدبية، والحركاتِ السياسية؛ حقائقٌ نسبية للفرد.
стр. 969
«وفي النسبية مقياس السلوك هو ذواتنا، فما هو الحق والعدل في عين شخص ربما لا يكون حقاً وعدلاً في عين شخص آخر. ولا أحد يستطيع أن يزعم أنه هو على الحق والصواب أو الحقيقة المطلقة» (١).
يقول أحد الكتَّاب: «كيف لنا أن نقرر حقيقة الحقيقة، أهي مطلقة أم نسبية؟ سؤال حيرني كثيراً، وأضحى يشغل تفكيري نهاراً وليلاً، هل يمكن أن نقود الحقيقة في مسارها؟ أو ليست الحقيقة أيدولويجية يتم تيسيرها برغبة ما نحو صفة وحراك وخطاب معين؟!. لو كانت الحقيقة متمثلة في كائن لبحثت عن مكنوناتها وأوصافها وشموليتها.
لو كانت الحقيقة كيانا ملموسا لصعب أيدلجته وتحويره وتسييسه، لكنها مدلولات تخيلية تتسم بالمراوغة وكل ما هو غير حقيقي. أهي وعي حر متمرد على قيوده؟! أسئلة كثيرة هبت هي وغيرها فجأة لتعلن انتماءها إلى مستودع مكنون من الأسرار والمعطيات، منجم يستوعب المقدس، ويحتضن الملكية، وينادي بمحاكمة الخطيئة» (٢).
فيُقال: إنَّ الحق الذي يدعيه (زيد) من الناس شيءٌ غيرَ الحق الذي يدّعيه (عمرو)، فأيهما أحقّ بالحق؟! وأيهما أولى بالاتباع؟! وأيّهما الذي يملك الحقيقةَ المطلقة، فيملك معها تخطئةَ غيره، والقطعَ بضَلال مذهبه؟!.
وهذه التساؤلات ونحوها أثارها الفلاسفةُ قديماً، ونوقشت كثيراً في كتبهم وملتقياتهم، فطرقتْ أسماع الناس مقولة: (الحقيقة المطلقة لا يطالها أحد)، أو (لا أحد يحتكر الحق والصواب)، أو (ليس ثمةَ إلا الحقيقةُ النسبية)، أو (الحق المطلق لا يملكه أحد)، وغيرِها من العبارات المشابهة .. «وفحواها: أنه لا أحد يمكنه القطع بأن معتقده هو الحق، وأن معتقدَ غيره خطأٌ قطعاً، وأقصى ما يمكنه الجزم به أن رأيه صوابٌ يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب، وهو ما يُسمى بنسبية الحقيقة» (٣).
فنسبيةُ الحقيقة تقتضي أنْ «ليس هناك أحد يقول أن منهجي وطريقي هو المنهج الصحيح الوحيد، لذا يجب أن لا نقهر أحداً على قبول منهج ما أو طريقة معينة» (٤).
يقول الأستاذ بسطامي سعيد حول " نسبية الحقيقة " وبيانِ ملامحها: «هل حقائق الدين نسبيَّة؟ .. إذا قيل إن الفكرة إما خاطئة أو صائبة بغض النظر عن الزمان الذي شهد ظهورها، قالت العصرانية: "ولكن إدراك حقائق الدين مسألة نسبية، فليس هناك صواب مطلق، وإن الحقيقة الثابتة تختلف الأنظار إليها باختلاف زاوية سقوط الشعاع الفكري". والكاتب الذي قرأت له هذا القول لا يقدم دليلاً أو حجة، بل يكتفي بالإشارة إلى أن نظرة الإنسان إلى الأشياء نظرة جزئية، وليست نظرة شاملة كاملة وإن هذه النظرة هي بحسب معارف المرء وثقافته، وبحسب اهتماماته والزاوية التي ينظر منها.
وقضية النسبية ( Relativism) في الحق ( truith) أو في الأخلاق ( ethich) قضية فلسفية، تتناحر حولها الفلسفة منذ أن عرف الإنسان الفلسفة، وكعادة الفلاسفة في مناقشة القضايا تتعقد وتتشابك الآراء، والفلاسفة وحدهم هم الجديرون بأن يغرقوا في مثل هذه المباحث، وهل استطاعت الفلسفة يوماً ما أن تحل لغزاً؟!.
стр. 970
وفي بساطة نتساءل ما المقصود بأن الحقيقة نسبية؟ إذا كان المقصود أن معرفة الإنسان قاصرة وعمله قليل، وأنى له بالعقل الذي يدرك الأشياء إدراكاً شاملاً، فهذا ليس موضع اختلاف، والبشرية بما فيها من عجز وقصور مؤهلة لإدراك قدر من المعارف تكفيها لأداء مهامها في هذا الفترة القصيرة من عمرها على الأرض.
وإذا كان المقصود أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة، وكل ما عنده من حقائق لا يمكن القطع والجزم بها، ولا يمكن الاتفاق حولها، فأول ما يواجه هذا القول من نقد أن يُسأل: ما الدليل على أن هذا القول صادق؟ فإذا قُدمت الأدلة على صدقه وأثبتت أنه حقيقة، فهو اعتراف بأن لدينا على الأقل حقيقة نطمئن إليها، وهو اعتراف ينقض ما قُدمت الأدلة لإثباته، وإذا كان القول بأن الحقيقة نسبية أمر نسبي أيضاً ولا يمكن القطع والجزم به، فكيف يؤخذ به؟ ثم كيف يفسر من يقول إن الحقيقة نسبية ذلك القدر المشترك من الحقائق بين أفراد النوع البشري على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وعصورهم؟!
الأهم من ذلك أن يُسأل: هل هناك منهج صحيح للوصول إلى حقائق الدين، أم أن الدين كما هي النظرة الغربية له، لا معايير ولا مقاييس لتحديد حقائقه، بل هو مثل مسائل الآداب والفن مسألة "ذوق"، لا تقوم على منهج علمي محدَّد، أو معايير منضبطة؟!.
إن مصادر حقائق الدين ثلاثة أشياء: النصوص الموحاة، ومعاني هذه النصوص، والاستنباط منها، ولكل واحد من هذه الأقسام منهج علمي محدَّد مضبوط، فهناك منهج علمي لتوثيق النصوص، ومنهج لطريقة فهمها، ومنهج للاستنباط منها، وما يتوصل إليه عن طريق هذه المناهج حقائق لا شك في ذلك.
قد يحدث تغيير أو تبديل للنصوص، أو قد يحدث خطأً في الفهم، أو يحدث خطأ في الاستنباط، ولكن هذه مسألة أخرى، ومعالجتها تكون بإثبات ما حدث من تحريف بالدليل والبرهان، أما إطلاق العموميات، والقول بأنَّ حقائق الدِّين مسألة نسبية يدركها كلٌ على حسب المعرفة المتاحة، ويراد من وراء ذلك رفض فكر العصور الماضية! فقول لا تسنده حجَّة، ولا يمكن قبوله» (١).
ويقول الأستاذ غازي التوبة: «نسبية الحقيقة إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة، وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع، ويعتقدون أن تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة» (٢).
ثانياً / منشأ القول بـ" نسبية الحقيقة ":
هذا القولُ أنشأه الفلاسفة السوفسطائيون (٣) - وعلى رأسهم الفيلسوف بروتاغوراس - الذين ظهروا في اليونان ما بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد؛ حيث كانت اليونان تغرق في بعضِ الأفكارِ المتباينة، والمذاهب المتنوعة؛ فلجؤا إلى هذا القَولِ في تأييدِ الآراءِ المتناقِضَة؛ إما شكاً في الجميع، أو تخلصاً من جُهد طلب الحقيقة.
стр. 971
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «حُكي عن بعض السوفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد» (١).
يقول الدكتور علي سامي النشار: «نسبية كل شيء قال بها بروتاغوراس السوفسطائي حين أراد أن ينقد أصول المعرفة: "إن الإنسان هو مقياس وجود ما يوجد منها، ومقياس وجود ما لا يوجد" ثم أخذ بهذا الشُكَّاك بعد، فطبقوها على الحد كما طبقوها على نواحي العلم كله، فلم تعد حقيقة من حقائق العلم ثابتة أو مستقرة، بل كل شيء -كما يقول هرقليطس- في تغير مستمر» (٢).
وقد أظهر أفلاطون هذا المبدأ، فقال: " تظهر الأشياء لي، كما توجد بالنسبة لي، وتظهر الأشياء للآخرين، كما توجد بالنسبة لهم " فالنسبية تقرر أنه لا يوجد هناك حقيقةٌ مطلقة، فما أعتقده فهو حقيقة بالنسبةِ لي، وما تعتقده هو الحقيقة بالنسبةِ لك، فليس هناك خطأ.
يقول الدكتور عمر الطباع عن السوفسطائيين: «وكانت هذه الجماعة تنكر وجود حقائق ثابتة، وتدعي أن الحقيقة نسبية» (٣).
«لقد عبَّر بروتاغوراس زعيم السوفسطائيين عن فكرهم في كتابه: "عن الحقيقة" الذي فُقد ولم تصلنا منه إلا شذرات قليلة يبدأها بقوله: "إن الإنسان معيار أو مقياس الأشياء جميعاً" وفي هذه العبارة القصيرة تكمن الثَّورةُ الفكرية للسوفسطائيين في مختلف ميادين الفكر.
إنها تعني بالنسبة لنظريةِ المعرفة أنَّ الإنسانَ الفرد هو مقياسُ أو معيار الوجود، فإن قال عن شيءٍ إنه موجود فهو موجود بالنسبة له، وإن قال عن شيء إنه غير موجود فهو غير موجود بالنسبة له أيضاً، فالمعرفة هنا نسبية، أي تختلفُ من شخصٍ إلى آخر بحسب ما يقع في خبرةِ الإنسان الفرد الحسيَّة، فما أراه بحواسي فقط يكون هو الموجودُ بالنسبة لي، وما تراه أنتَ بحواسِّكَ يكون هو الموجود بالنسبة لك، وهكذا .. » (٤).
* موقف العلماء من السوفسطائية.
لقد قسم علماءُ الإسلام السوفسطائيين - كما يقول الشيخ أحمد شاهين - إلى ثلاثةِ أقسام: «العِندية، والعنادية، واللاأدرية: فالعندية ترى أن حقائق الأشياء تابعة لعقائد المؤمنين بها؛ لأنهم أقيسة الحقائق. والعنادية تجزم بأن لا حقائق في الكون؛ لا في ذاتها ولا بالقياس إلى المؤمنين بها. وأما اللاأدرية فهي التي تتوقف عن الحكم في كل شيء؛ فهي لا تجزم بوجود ولا بعدم» (٥).
ويقول الشيخ عبد القادر بدران في حاشيته على "روضة الناظر": «وهم فرقٌ ثلاث: إحداهن اللاأدرية؛ سموا بذلك لأنهم يقولون لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون في ذلك. الثانية: تسمى العنادية نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا لا موجود أصلاً، وعمدتهم ضرب المذاهب بعضها ببعض، والقدح في كل مذهب بالإشكالات المتجهة عليه من غير أهله.
الثالثة: تسمى العندية نسبة إلى لفظ "عند"؛ لأنهم يقولون أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئاً فهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده» (٦).
стр. 972
لقد استشعر علماءُ الإسلام خطرَ هذه الفكرة السوفسطائية الفلسفية، والتي تَخلط الحقَّ بالباطل، وتزرع الشكَّ في عقائدِ المسلمين، وتساوي بين الإسلام وغيره من الديانات المحرَّفة والباطلة بدعوى التماس الحقيقة.
لا سيما وأنَّ هناك من المنحرفين من يَزرع هذه الفكرة وينشرها؛ وعلى رأسهم غُلاة المتصوِّفة أهل وحدة الوجود، ممن يقول قائلهم؛ وهو ابن عربي: " فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك الأمر على ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها؛ فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد " (ابن عربي، سميح الزين، ص١٠١) (١).
وقد ردَّ عليهم الإمام ابن حزم ﵀ في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل "، والمهم منه الرد على فرقة " العِندية " لكونها الفرقةُ التي يُقلِّدها دعاةُ النسبية. قال ﵀: «ويقال - وبالله التوفيق - لمن قال هي حقٌ عند من هي عنده حق، وهي باطلٌ عند من هي عنده باطل: إن الشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقاً بكونه موجوداً ثابتاً، سواء اعتُقد أنه حق، أو اعتقد أنه باطل. ولو كان غير هذا لكان معدوماً موجوداً في حال واحد في ذاته، وهذا عين المحال.
وإذا أقروا بأن الأشياء حق عند من هي عنده حق، فمن جملة تلك الأشياء التي تُعتَقد أنها حق عند من يعتقد أن الأشياء حق بطلانُ قولِ من قال إن الحقائق باطلة، وهم قد أقروا أن الأشياء حق عند من هي عنده حق. وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء، فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق!!، مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل البتة، إذ حسُّه يشهد بخلافها. وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المتنطِّعين على سبيل الشغب. وبالله تعالى التوفيق» (٢).
وقال الموفَّق ابن قدامة ﵀ رادَّاً على من نُقل عنه مثلَ هذا القول من العلماء: «وقول العنبري: "كل مجتهد مصيب". إن أراد أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده، فمحال؛ إذ كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقاً، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه، وهذه أمور ذاتية لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها. فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية؛ فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها وجعلها تابعة للمعتقدات» (٣).
وقال - أيضًا -: «قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقاً، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب ما يروق لهواه» (٤).
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه ... وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛ وهذا كفر وزندقة» (٥).
стр. 973
وقد تحدَّث عنهم الإمامُ ابن الجوزي ﵀ في " تلبيس إبليس " قائلا: «قال النوبختي: قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مراً، ويجده غيره حلواً. قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللون جسم عند من اعتقده جسماً، وعرض عند من اعتقده عرضاً. وهؤلاء من جنس السوفسطائية؛ فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا: دعواكم صحة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم! ومن شهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه» (١).
ويقول العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «أعظم الناس انحرافاً عنهما - أي الكتاب والسنّة - ملاحدة الفلاسفة، وزنادقة الدهريين، وهم أكبر أعداء الرسل، في كل زمان ومكان .. »، ثم بين ﵀ أنهم أصّلوا أصولاً ووضعوا قواعد من عند أنفسهم زادت انحرافهم انحرافاً فقال: «أعظمها - أي هذه الأصول - أصلٌ خبيثٌ منقولٌ عن معلّمهم الأول (أرسطو) اليوناني المعروف بالإلحادِ والجحد لرَبِ العالمين والكفرِ به وبكتبه ورسله، وهذا الأصل الذي تفرع عنه ضلالهم: أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية، فليمحُ من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه، بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء، ثم ليكتفِ بعقله، وخياله ورأيه» (٢).
ثالثاً / " نسبية الحقيقة " في الفكر الليبرالي:
ومبدأ " نسبية الحقيقة " في الفكر الليبرالي، قائمٌ على أساسها العَام الذي هو (الحرية)، فإنَّ إشكالية هذا الفكر قبول التلوُّن والتعدد الصوري، فهو قائم على عدم الجزم والقطع، وهذه مهمة الفيلسوف الليبرالي في حل المشكلات، يقول (رسل): «إن الفيلسوف الليبرالي لا يقول: هذا حق، بل يقول في مثل هذه الظروف: يبدو لي أن هذا الرأي أصح من غيره» (٣).
ويعتقد الليبراليون أن توسيعَ الخلاف، والتعدديةُ في الآراءِ والأفكار ظاهرةٌ إيجابيةٌ تنمِّي الفِكَر، وتقوِّي الرأي، وتُظهر الإبداع. ومن لوازم حريةِ الفكر عندهم: اعتقاد عدم امتلاك (الحرية المطلقة)؛ لأن دعوى امتلاكِ هذه الحقائق يمنع من التفكير الحُر، فالإيمانُ المطلق الذي لا يعتريهِ أدنى شَكٍ لا يتوافق مع الفكر الليبرالي الذي لا يبني عقيدةً محددةً يقينية؛ لأن ذلك يُناقض حريةَ الفِكر والمناقشة حَسْبَ وجهةِ نظرهم (٤).
يقول الكاتب يوسف أبا الخيل متحدثاً عن (مُسلَّمة) تفرضها الضرورة المنطقية: «ألا وهي مفهوم أو فلسفة (نسبية الحقيقة) التي تعني أن الحقيقة بما هي (كل مطلق متعال) فالفرد إزاءها لا يملك فيما يملكه من معارف ومعتقدات ومشارب وآراء واتجاهات فكرية إلا جزءاً من هذه الحقيقة الكلية التي تتعدد جزئياتها ومفرداتها بتعدد زوايا النظر للموضوع المراد بحثه، هذا الجزء من الحقيقة الذي يملكه الفرد قد يماثل أو يقل أو يزيد عما يملكه الآخر المختلف، ولكنه في النهاية يظل جزءاً يزيده ويثريه ولا يلغيه» (٥).
стр. 974
ويقول محمد بن علي المحمود: «رفع الوصاية عن الفرد، ومنحه حريته، وتهيئة البيئة الحرة التي تطلق مكنونات طاقته الخلاقة من عقالها، كل ذلك تمنحه الليبرالية للمجتمع الليبرالي، مجتمعات وأفرادا» (١).
* أقوال بعض الكتَّاب الليبراليين حول " نسبية الحقيقة ".
يقول تركي الحمد: «لن تكون متقدماً أو صاحب أمل في التقدم؛ إذا قبلت الرأي على أنه حقيقة، والحقيقة على أنها مطلقة وليست نسبية» (من هنا يبدأ التغيير، تركي الحمد، ص ٣٤٧).
ويقول الكاتب يوسف أبا الخيل في سياق حديثه عن السبيلِ الأمثل لمكافحةِ ما سمَّاهُ بـ" الرؤية الحادة الإقصائية ": «. . ولذا فمن أجل حصره في زاوية التعرية لأهدافه وما يتطلع إليه من إجهاض لأية بارقة أمل من التطور، فلا يجب إشعاره أننا نسعى لإحلال صوت إقصائي آخر بديل له، بل بدلاً من ذلك يجب أن تكون آلية الحراك التي نبشر بها تحمل مزيداً من إفساح المجال لكافة الآراء بما فيها صوت ذلك التيار ما دام ملتزماً بشروط الاجتماع البشري، التي يأتي على رأسها الإيمان بأن للآخرين ذات الحق التي له في إبداء الآراء والتماهي مع يترتب عليها من معتقدات، وما دام ملتزماً بإعطاء الفرصة للآخرين - وإن لم يكن مقتنعاً بذلك - ليدلوا بدلوهم في الشأن الاجتماعي كافة، وإشعاره أن زمن احتكار الحقيقة - بما فيها الحقيقة الدينية - قد ولى زمانه وليس ثمة طريق آخر إلا مشاركة الآخرين وفقاً لنسبية الحقيقة التي يمسك كل طرف بجزء من خيطها .. » (٢).
ويقول أبا الخيل حول التسَامح بين الثقافتين الأوروبية والعربية: «تباين التأصيل الفلسفي لمفهوم التسامح بين الثقافتين الغربية والعربية كان له أثره الكبير على الواقع السوسيولوجي والأبستومولوجي بين الثقافتين، ومن ثم امتد أثره إلى جميع مناحي الحياة الأخرى لكل جانب.
فبفضلها استطاعت أوروبا أن تخرج من آحاديتها المظلمة وما ترتب عليها من أوضاع خاصة تلك الحروب الدينية المرعبة في القرنين السادس عشر والسابع عشر التي تسببت فيها الأورثوذكسية الكاثوليكية التي قامت على تسنين عقيدة واحدة لا يسمح لأحد كائنا من كان بالاتصال بالله تعالى خارج تعاليم أساقفتها إلى فضاء فلسفة عصر التنوير التي دشنت تأصيل مبدأ نسبية الحقيقة التي يقر فيها الفرد أنه لا يملك (إن ملك) إلا جزءا بسيطا من الحقيقة يماثل ربما ما يملكه الفرد الآخر أو يزيد أو ينقص ولكنه يظل نسبياً ومن ثم فقبول هذا الآخر لم يعد مجرد زخرف من القول أو مجرد مفردة كرم يتفضل بها فرد على آخر» (٣).
стр. 975
ويقول: «هذه النظرة الإقصائية تأتي بلا شك نتيجة حتمية لتربية طويلة على اعتبار قول وحيد ووسمه بالطابع الشمولي القاطع بحقيقته ويقينيته بلا اعتبار لأية أقوال أو مذاهب أخرى في المسألة المطروحة للبحث إلا باعتبارها ضالة عن الطريق السوي أو مبتدعة في حال التلطف مع أصحابها، لو أننا أشعنا في مرافئ ثقافتنا على اختلاف أنواعها مبدأ نسبية الحقيقة في الأقوال والأعمال والتخريجات والتفسيرات لما كانت هذه حال قطاع كبير ممن يقتاتون على ثقافتنا ويدعون الأحقية بتمثيلها» (١).
ويقول منتقداً (الثوابت) تحت مسمَّى (النظام المعرفي) داعياً إلى استحضار الشَكِّ أمام العقل الناقد بدعوى (نسبية الحقيقة): «يعرف النظام المعرفي (الإيبيستيمولوجيا) بأنه الطريقة أو الآلية أو النظام التي يستقي بها مجتمع ما أو لنقل ثقافة ما النظرة للكون والحياة والعلاقات الفيزيقية والميتافيزيقة بشكل عام.
ولكل ثقافة معينة نظام معرفي خاص بها، وتكاد أن توصف به الحضارة المؤسسة على تلك الثقافة، فيقال مثلاً للحضارة العربية بأنها (حضارة النص) بينما توصف الحضارة اليونانية بأنها (حضارة العقل) وهكذا، وعلى ذلك فإذا كانت الحضارة الإسلامية تتميز بأنها حضارة نص فذلك يعني أنها تعتمد في نظرتها للكون والحياة والعلاقات الإنسانية والاجتماعية على ما توفره النصوص الثقافية بشكل عام سواء الدينية منها أو ما أضيف إليها من مراكمات إنتاجية (تفسيرية وتأولية واجتهادية عامة)، وبالتالي فإن نظامها المعرفي يوفر نظرة نقلية تجاه مكونات الحياة، لكنه قد لا يلقي بالاً لما قد توجبه موجبات العقل تجاه موضوع معين إذا كان يستشف منها (نظرياً على الأقل) اختلافها مع النظرة التي تُستشف من النصوص.
في الحضارة اليونانية كان النظام المعرفي السائد فيها هو النظام البرهاني القائم على فحص مكونات الأمر المعروض للبحث، ومن ثم الحكم عليه أو فيه من زاوية عقلانية بحتة تعتمد النظر والتأمل ومقارنة الأشياء ببعضها وإعطاء رأي غير قاطع فيها باعتبار أن الفكر البشري قائم على الترجيح بين البدائل المتاحة مما يعطي فرصة مستمرة لعرض البديل المقترح على مشرحة النقد المستمرة بحيث يتم الاستغناء عنه عند ما يتقادم به الزمن، ويصبح غير قادر على مسايرة العصر، ميزة النظام المعرفي البرهاني أنه غير متقيد بمقيد ميتافيزيقي فهو يعمل وفق معطيات العقل، وبالتالي ففيه فرصة للخطأ والصواب، وبالتالي تتوفر المراجعة المستمرة التي تعتمد على نظام التغذية المرتدة للمعلومات ( back Feed) » .
ثم يقول: « .. العنف ومن ثم التطرف ينتج غالباً من اعتقاد المجتمع عموماً (وهو ما يربى أفراده عليه بالطبع) بأنه مالك خطام الحقيقة المطلقة في نظرته للناس والكون والحياة عموماً، ومن ثم فلا يجد سبيلاً لأداء مهمته في الحياة سوى إجبار الناس المخالفين على عدم إهلاك أنفسهم وردهم لحياض الحقيقة المطلقة» (٢).
стр. 976
ويقول كذلك: «إنَّ السلوك الثقافي المعاش يظل مشدوداً إلى التصنيف الثنائي المفصول بين حدوده بشكل حاد وكامل، سلوك يعتمد على تصنيف الرؤى والمعتقدات، بل وحتى وجهات النظر العابرة التي تتصل بالواقع المعاش سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إلى ثنائية الحق والباطل، فالحق ما نحمله وندين به، والباطل ما يدين به أو يعتقد به مخالفنا، وتبعاً لذلك يتم تصنيف الناس إلى متبعين ومبتدعين، وإلى ملتزمين وغير ملتزمين، وإلى ضُلاَّل ومؤمنين، وإلى عقائد صحيحة وعقائد ضالة، ليصل الإنسان المبرمج على ثقافة القطع في الحلقة الأخيرة من سلسلة العنف والإقصاء إلى تصنيف الناس إلى مسلمين وكفار، ومن ثم الوصول إلى ما يترتب على تلك الحلقة الأخيرة من ضرورة التخلص من شوائب الكفر والضلال بما فيها ممثلوه ليبقى الإسلام الخالص المتماهي معه من قبل من تبرمجوا على تلك الثقافة حاضراً وفق رؤية خاصة وتخريج خاص للإسلام، لا على أنه الإسلام نفسه كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﵊» (١).
ثم يستكمل أبا الخيل حديثَه داعياً إلى نشر ثقافة الشك، فيقول: «لذا لا بد للإنسان - ولا يتأتى ذلك له للأسف غالباً إلا في العيش في جو ثقافي فلسفي - أن يشك ولو مرة واحدة، وهذا الشك لا أعني به الشك المدمر، أو الشك الدوغمائي بطبيعته، أو الشك لمجرد الشك، بل إنه شك يجد له جذوراً من داخل المنظومة الإسلامية نفسها، إذ نجد أبا حامد الغزالي يقول وهو في أوج مرحلة من حياته الفلسفية: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال" كما كان يقول: "الشك أولى مراتب اليقين" إنه شك يأتي بالذات من مراعاة نسبية الحقيقة على المستوى الاجتماعي والثقافي بوجه عام، شك يعطي دفعاً للشاك أن لا يتحمس أو يتمعر وجهه أو تنتفخ أوداجه عندما يتعايش مع من يخالفه توجهاته، إذ إن هذا الشك يتيح لذلك الإنسان الشاك استحضار تساؤلات من قبيل: ولماذا لا تكون وجهة نظر فلان هي الصواب؟ أو لماذا لا تكون تلك الرؤية أو ذلك التأويل أو التفسير أو التخريج لذلك الفرد أو الجماعة أو الفرقة تحمل على الأقل شيئاً من الصحة في باطنها؟ ولماذا مثلاً لا تكون الرؤية التي أحملها أو تلك التي حُمِّلتها ليست قاطعة ويشوبها الشك وعدم اليقين؟ في مثل ذلك الجو الثقافي المشبع والمربى على نسبية الحقيقة - النظرية على الأقل - لا يملك الإنسان إلا أن يكون متسامحاً مع غيره؛ لأنه لا يحمل اليقين على قطعية ما تناهى إليه نظره، وما برمجته عليه ثقافته طوال عمره» (٢).
ويقول عبد الله بن بجاد العتيبي مقرراً ذات المبدأ: «إذًا فلا بد كمنطلق لعملية التنوير والإصلاح أن يدخل الشك في آلية العقل العربي الإسلامي الحالي أن يشك في قضية جوهرية "هل هو قادر على العمل الآن؟ هل آلياته ومناهجه ومنظومته المعرفية صالحة للتعامل مع الزمن الراهن» (٣).
стр. 977
أما إبراهيم البليهي فيرى أنَّ (نسبية الحقيقة) هي من الأمور البدهية، فيقول: «من البدهي أنه لا يوجد إنسان يمتلك كل الحقائق امتلاكاً كاملاً، وإنما يتمسك كل فرد بما يظنه كذلك فينتقي من النصوص والبراهين والمواقف والأحداث ما يُقنع به ذاته ويستمر على انتقائيته، حتى تضطره المواقف المغايرة الضاغطة في أن يعيد فحص أفكاره، فإذا وضع كل طرف أفكاره تحت مجاهر التحليل اقترب الجميع من لب الحقيقة تحت أضواء المكاشفة الاضطرارية المتبادلة» (١).
ويقول الكاتب يوسف أبا الخيل: «فإن المتعصب عندما يقوم بإدراك موضوع ما (رؤية عقدية مثلا) إدراكاً إيجابياً متعاطفاً معها فإنه لا يأخذها على أنها مجرد أحد المعطيات النسبية للحياة الإنسانية، أو أنها مجرد رأي ينضاف إلى آراء أخرى عديدة لكل منها الحق في خوض غمار تأويله الخاص لذلك الموضوع المثار، لا بل إنه حينما يدركها إدراكاً إيجابياً محباً فسينظر إليها باعتبارها حقيقة وحيدة كاملة ناصعة البيان دامغة الحجة لا تضاهيها حقيقة أخرى في تماهيها مع المطلق، أما عندما يدركها في جانبها السلبي (رؤى الآخرين المخالفة) فسيراها ثاويةً في أقصى يسار الحقيقة عارية من كل ما يمت إليها بصلة، متفاصلة مع كل ما يتصل بالخير أو الجمال أو الفاعلية أو الإبداع الإنساني مفاصلة نهائية لا رجعة فيها، ويترتب على تلك النظرة (اللاواعية) أنه سيعتبر كل من يشاركه الإدراك بجانبيه (الإيجابي تجاه رؤيته المذهبية والسلبي تجاه رؤى الآخرين) فهو السعيد سعادة لن يشقى بعدها أبدا، بنفس الوقت الذي يرى فيه كل من لا يشاركه إدراكه ذلك على أنه هالك لا محالة» (٢).
ويقول - أيضاً -: «يأتي التعصب الديني كما المذهبي على رأس الأسباب التي تهوي بالإنسان سريعاً إلى مرحلة الوحشية البشرية التي تحدث عنها هوبز، إذ أن هذا التعصب يتخلق بداية في رحم آحادية الفكر الناتج من انعدام التعددية الفكرية والدينية، مما يؤدي إلى قناعة الإنسان بأن دينه أو مذهبه هو الوحيد المتوافر على كلية الحقيقة وما سواه من الأديان أو المذاهب فلا تمتلك ذرة يقين أو حقيقة، وهذه هي البذرة الأولى للعنف، أما سقيا هذه البذرة فيأتي من اليقين التام الذي يتوافر عليه الإنسان الآحادي جراء انعدام فضيلة "نسبية الحقيقة" بأن عليه واجب إدخال الآخرين في حمى يقين دينه أو مذهبه، ولكن لأن من يخالفونه دينه أو مذهبه كُثُر ولا طاقة له بالتالي بهدايتهم ولأن معظمهم مرتدون عن الإسلام في نظره فلا عذر له عند ربه سوى إزهاق أرواحهم لزفهم إلى نار جهنم وبئس المصير» (٣).
ويقول محمد المحمود: «تحرير وعي الأفراد ومن ثم إرادتهم كفيل بتحرير وعي الإنسان- المجتمعي. فضلا عن كوننا لا نمتلك تغيير المجتمعي إلا من خلال الفردي، أي خضوع لشروط الواقع، وخضوعا لشرط الصوابية النسبية التي نرتادها» (٤).
* رابعاً / انتشار القول بالنسبية:
стр. 978
إنَّ هذه الفلسفة النسبية منتشرةٌ في الثقافةِ الليبرالية بشكلٍ عام، وفي الفكرِ الغربي المعَاصر تحديداً، وهي تظهر في رفضِ الإله، ورد الثوابت والأنظمة والقوانين، وإنكار الحقيقة المطلقة. وقد أدَّت هذه الفلسفةُ إلى انتشار الأمراض المعرفية، والأخلاقية، والسلوكية وغيرها.
فمبدأ: (كلُّ فرد على حق) أو (لا توجد حقيقة مطلقة) أو (هذا حق عندك وليس عندي) وعبارات أخرى غير منطقية تحمل ذات المعنى؛ المقصود منها تسويغُ أعمال الشر وإعطائها نوعاً من القبول الذاتي والاجتماعي، بدعوى الحرية التي يقوم عليها منهج الليبرالية.
ويمكن أن نتساءل: لماذا اكتسبت النسبيةُ مكانةً رفيعةً لدى بعض أربابَ المجتمع الحديث؟
إذا نظرنا إلى الوَاقع وجدنا أن هناك بعض العَوامل التي ساهمت في قبول النسبيةِ وانتشارها، ومنها:
١. النجاحُ العملي الذي زاد في اعتقاد فكرة أن الإجابات الحقيقية توجد في العِلم. لذا يعتقد البعض من الناس أن ما يقوله العلماء - مهما يكن ذلك القول - هو صحيح. وإذا لم يستطع العلم أن يجد جواباً لشيء ما فإنه ببساطة ستُكتشف الحقيقةُ لاحقاً. فالناس يؤمنون بالعِلم والمطلق فقط فيما نعرفه الآن. والذي ربما يكون غير حقيقي لاحقاً. وهذا يُقَوِّض الحقيقةَ المطلقة.
٢. مع القَبول الواسع لنظريةِ التطور، فالإله أُزيح بعيداً خارجَ المنظومة الفكرية، وبدون اعتقادِ وجود الإله المقرِّر للحقيقة والباطل؛ فإن الإنسانَ سيكون بديلاً عن الإله ويقرر ما هو الحق وما هو الباطل.
٣. مواجهة الثقافات المتنوعة والمتفاوتة، فهذه المواجهة تجعلنا أكثرُ انسجاماً وقبولاً لفكرة وجود أكثر من طريقٍ لعمل شيء ما. والإيمانُ بتعدد الثقافات لا يشترط ببطلان هذه الفكرة لكنه يعمل على تقويض أو إنكار الحقيقة المطلقة.
٤. زيادةُ الفلاسفةُ النسبيين، وخصوصاً المنتمين إلى حركةِ العصر الجديد الذين يقولون: إنه لا يوجد حقيقَة مُطلقة، وأنَّ كل شيءٍ بإمكانه أن يخلق واقعه.
٥. التحرُّر من القِيَم الأخلاقية، والقيودِ الاجتماعية، فالنسبية تُقرر مذهبَ: دعه يعمل ما يشاء. (١).
«وقد وجدتُ شبهةَ (نسبية الحق) هذه مؤثرة حتى في بعض الشباب المتدينين. قال لي أحدهم: إذا كنا نحن نرى أنفسنا على حق فهم أيضاً يرون أنهم على حق. قلت له: وماذا في هذا؟ إن الحق واحد، سواء كان متعلقاً بدين أو بدنيا؛ لأنه وصف لواقع ولا يمكن أن يكون الواقع على صفتين متضادتين» (٢).
* خامساً / نقض القول بـ" نسبية الحقيقة ":
لا يمكن لأيِّ مجتمعٍ أن يعيشَ بلا حقائقَ مطلقة مشتركة بين أفراده، فبدون الحقيقةِ المُطلقة سيُنشأ الصِّراع، ويتولَّد النزاع، وتتَصادمُ الآراء، ويحدثُ الشَّرخ الاجتماعي، والتمزق الثقافي، وبالتالي سقوط المجتمع أو ضعفه على أقل الأحوال.
إن من الأمور الطبيعية حدوثُ اختلافٍ في تقييم الأمور وكيفيةِ التعامل معها، ولكن يظل هذا الاختلاف والتفاوت تحتَ مظلةٍ عامة متفق عليها، «فقد يختلف الآباء في تربية أبنائهم ولكنهم في الغالب يتجهون إلى نفس الهدف. فالحقيقة العامة متفق عليها ولكن الأساليب في التعامل مع هذه الحقيقة قد يختلف.
إن الحقائق المطلقة كثيرة جداً لا يستطيع العقل أن يردها وهي تشهد على زيف النسبية فمن ذلك أن الإنسان لا يوجد نفسه من العدم فهذه حقيقة مطلقة» (٣).
стр. 979
وإن «هذه المقولات التي تقرّر بأنه لا أحد يحتكر الحقيقة ليست صواباً بإطلاق، ولا خطأً بإطلاق، بل فيها نسبة من الخطأ وأخرى من الصواب، إلا أن نسبةَ الخطأ فيها كافيةٌ لنقض أصل الإيمان؛ لأن أصول الإيمان مبنية على القطعية واليقين، فأنت إن لم تقطع يقيناً بصحة توحيدك لله فلست بمؤمن في شريعة الله، وأنت إن لم توقن يقيناً لا ظن فيه فضلاً عن الشك بأن الله فرد صمدٌ لا شريك له في ملكه وخلقه فلست بمؤمن في دين الله، وإن أنت لم توقن يقيناً لا تردد فيه بأن القرآن معصوم من التحريف والتبديل، وأن النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل، وأن الوحي قد انقطع بموته فلست بمؤمن في دين الله، وقلْ مثل ذلك فيما سوى هذا وذاك من أصول الدين وقطعياته» (١).
وإن القول بـ" نسبية الحقيقة " «يفضي إلى المساواة بين قطعيات الشريعة وظنياتها، ومن ثَمَّ تصبح أركان الإيمان مما يسع فيه الخلاف، فتخرج بذلك عن دائرة الثوابت القطعية، كما أن في العمل بإطلاقها منافاةً لمقتضى الإيمان؛ إذ مقتضاه التصديقُ التامُ، واليقينُ المطلق بأركان الإيمان وأصول العقيدة، وآيات القرآن تغذي في أهله الشعورَ بامتلاكهم للحقيقة المطلقة، وأنهم على الحق المبين إلى درجة اليقين، وأن غيرهم مبطلون يتبعون باطلاً؛ كقوله: " فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ " [النمل: ٧٩]، " وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ " [فاطر: ٣١]، وقوله تعالى: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [آل عمران: ٨٥]، ولا يجوز لمثلِ هذه العقيدة المبنيَّة على اليقين المُطلق أن تخضع للمساوماتِ والمداهنات؛ فمجرد الشك بأنها هي الحق، أو أن غيرَها من ملل الكفر قد يكون هو الحق، أو هو حق مثلها؛ لهو خطرٌ يزلزل الإيمان من أصوله، " فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " [يونس:٩٤]» (٢).
قال الإمام الشاطبي ﵀ في موافقاته: «الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك» (٣).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «الدليل أن الحق في جهة واحدة: الكتاب والسنّة والإجماع» (٤).
وقد ذكر الإجماع على ذلك العلامة الشوكاني ﵀ في كتابه إرشاد الفحول (٥).
ولو لم يكن ثمةَ حقيقة مطلقة يمتلكها أحدٌ فيحتكر فيها الصواب؛ لكان أمرُ اللهِ بلزوم الحقِّ واتِّباعه عبثاً لا معنى له؛ لأنه على ضَوءِ هذا المبدأ حقٌ لا وجود له إلا في الذِّهن، وأما في الواقع فهو نسبيٌ يصح أن يكون حقاً في عقلٍ، باطلاً في عقل آخر!، والله تعالى يقول: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " [الأنعام: ١٥٣] ولنتساءلْ: أين هذا الصراطُ المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه إذا كانت الحقيقة نسبية؟!، وأين هي تلك السبل الضالة التي حذرنا من اتباعها إذا كانت الحالة كذلك؟!.
стр. 980
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: " فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " [البقرة: ٢١٣]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «قال الربيع بن أنس: " فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ " أي: عند الاختلاف، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل عند الاختلاف» (١).
ثم إنه لو كانت الحقائقُ كلُّها نسبيةً، ليس فيها شيءٌ مطلقٌ لا يصح لأحدٍ أن يحتكر الصواب فيها؛ لما جاز أن يُهلِك اللهُ سبحانه الأممَ السابقة على تكذيب رُسلها؛ ولو كانت الحقائق كلها نسبيةً ليس فيها قطعيٌ يقينيٌ لما جاهد النبيُّ ﷺ الكفارَ على أصول الإيمان، ولعذرهم على مخالفتهم.
«ألم يأمر الله موسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام أن يأخذا الكتاب بقوة، والذي لا يتحقق إلا بالتصديق اليقيني والإيمان القطعي بما فيه من الأحكام القطعية: " وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ " [الأعراف: ١٤٥]، " يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ " [مريم: ١٢]» (٢).
وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)) قال الإمام ابن قدامة ﵀ مبيناً هذا الحديث: «إن المجتهد يكلف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف بالمجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه كان له أجران وإن أخطأه فله أجر على اجتهاده، وهو مخطئ، وإثم الخطأ محطوطٌ عنه» (٣).
وقد بيَّن شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحقَّ في حقيقةِ الحال واحدٌ لا يتعدد، ولكن لذلك تفصيل، ملخصه: أن المجتهد في الأمور الاجتهادية الظنّية إن أخطأ حكم الله فهو مصيب من جهة ومخطئ من جهة أخرى، وله أجرٌ على اجتهاده كما نص عليه الحديث. فهو مصيب باجتهاده وبذله الوسع في الوصول للحكم الشرعي؛ وذلك لكونه بذل ما أمر الله به، فالحكم الذي وصل إليه باجتهاده وجب عليه فعله شرعاً، ولا يأثم بعدم موافقة حكم الله وذلك لاجتهاده، وإن كان هو في نفس الأمر مخطئ في إصابة حكم الله الذي يعلمه الله، والذي هو واحد في قول المجتهدين لا يتعدد. ومتى علم وتبين له من الشرع ما ينقض اجتهاده أثم بالإعراض عنه وعدم العمل به (٤).
لذلك لابد من تخصيص عموم هذا المبدأ (نسبية الحقيقة) بأن يُستثنى من عمومه أصولُ الدين، وقطعياتُ الشريعة، وهي: كل ما جاء في الكتاب والسنة قطعيَ الثبوت قطعيَ الدلالة، مما لا يحتمل تأويلاً.
وتبقى المقولة بعد ذلك صحيحةً في ظنيَّات الشريعة مما يحتمل التأويل ويَسُوغ فيه الاجتهاد واختلف فيه العلماء، وهذه هي التي عناها الإمامُ الشافعي ﵀ بقوله: " قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقولُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب ".
ومثل هذه الأمور الظنية لا تحتمل القطعية في التصويب والتخطئة، ولا يجوز أن يكفّر فيها المخالف، ولا أن يتهم بسببها في ديانته وأمانته، ولا يجوز أن يُستحل فيها عرضه، أو يُنتقصَ من كرامته وحقوقِه، فضلاً عن استحلال دمه.
وقد خالف بعضهم قولَ سلفِ الأمة فقالوا: إن الحق يتعدد، وهو تابع لاجتهاد المجتهد، فما أدَّى إليه اجتهادُه فهو الحقُّ في الأصول والفروع، وبعضُهم حَصَر تعدد الحق في الفروع دون الأصول.
стр. 981
وهذا القول نقضه أئمةُ الدين، وأعلام الملّة، وعلماء الشريعة، وردوه بالنصوص الشرعية، قال العلامة الشوكاني ﵀: «من قال إن كل مجتهد مصيب، وجعل الحق متعدداً بتعدد المجتهدين، فقد أخطأ خطأً بيناً، وخالف الصواب مخالفة ظاهرةً» (١).
وقال أيضاً ﵀: «وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون حكم الله متعدداً بتعدد المجتهدين، تابعاً لما يصدر عنهم من اجتهاد، فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله ومع شريعته المطهّرة؛ هي أيضاً صادرةٌ عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل، ولا عضدته شبهةٌ تقبلها العقول، وهي أيضاً مخالفة لإجماع الأمة، سلفها وخلفها» (٢).
وقد ساق الشوكاني ﵀ كلاماً للقاضي يردُّ فيه على مقالةٍ للعنبري والجاحظ، حيث نُقل عنهما القولُ بتعدد الحقِّ في الأصول والفروع: «إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد؛ فقد خرجتما من حيّز العقلاء، وانخرطتما في سلك الأنعام، وإن أردتم الخروج من عهدة التكليف ونفي الحرج - كما نُقل عن الجاحظ - فالبراهين العقلية من الكتاب والسنّة والإجماع الخارجة عن حدِّ الحصر ترد هذه المقالة» (٣).
وقال ابن قدامة ﵀ راداً على ما ساقه الغزالي في المستصفى من قولِ الجاحظ برفع الإثم عمَّن اجتهد فأخطأ في الأصول: «أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله تعالى» (٤).
وهذا القول - أي القول بتعدد الحق - قولُ كثيرٍ من أهل الكلام وأهل البدع، وبهذا نعلم أن الحقَّ واحدٌ لا يتعدد في الأصول والفروع على ما سبق ذكره.
إذاً فإنَّ التسليم بمبدأ (نسبية الحقيقة)، وأن الحقيقةَ المطلقة لا يملكها أحدٌ، وأن الحقائق التي يؤمن بها البشر نسبيةٌ محتملةٌ للخطأ كاحتمالها للصواب على سواء، لهو تسليم يناقض أصول الدين الحنيف، وقواعد الشرع المطهر، وأدلة الوحي الكريم.
وبالنظر إلى مبدأ " نسبية الحقيقة " في الفكر الليبرالي نجده يَغرق في تناقضاتٍ عديدة، منها:
١. إذا كانت الحقيقةُ نسبيةٌّ؛ فإن عبارة "كل حقيقة نسبية" تعتبر عبارة مطلقة، والنسبيةُ ترفض المطلق، فالعبارة متناقضة في ذاتها، وعليه فإن مبدأ "كل حقيقة نسبية" باطل.
وكذا فإن القول بـ"نسبية الحقيقة" يرفضه الواقع، فهناك حقائق كثيرة مطلقة لا تحمل النسبية اتفاقاً، فالشمس محرقة، والسماء فوقنا، والإنسان ناطق نامي وغير ذلك من الحقائق التي يصعب حصرها.
٢. أن ما كان حقاً لديك ليس حقاً لدي: فالحق لدي أن النسبية باطلة، فإذا قلت لي: لا، هذا ليس صحيحاً. فهذا يلغي المبدأ الذي قررتْه النسبية، وعليه فإن النسبية باطلة.
وإذا قلتَ: نعم. وأقررت بقولي، فالنسبية باطلة.
وإذا قلتَ: إن ذلك حقاً عندي فقط أن النسبية باطلة، فإن هذا يعني أنني أعتقد ببطلان النسبية، وإذا كان اعتقادي صحيحاً، فكيف يمكن أن تكون النسبية صحيحة.
٣. أنه ما مِن أحد يستطيع أن يعرف أي شيء من غير شك: فإذا كان هذا صحيحاً، فإننا نعرف أننا لا نستطيع أن نعرف أي شيء من غير شك، فبالتالي معرفتنا هنا مطلقة وهذا دحض ذاتي.
٤. النسبية لا تقدر على إنكار ما يتناقض مع الحقيقة ذاتها. فالنسبية تحمل التناقض الذاتي، فالكل لديه الحقيقة فلا ينبغي أن يكون هناك إقناع الآخرين بما تحمله أنت من أفكار ومعتقدات فما تراه حقيقة لا يحق لك أن تقنعهم حتى يروا أن ما لديك هو الحقيقة. (٥)
стр. 982
ختاماً: يقول العلاَّمة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -: «كثر على ألسنةِ بعض الكتَّاب أنه لا تجوز تخطئة المخالف، وأنه يجب احترام الرأي الآخر، وأنه لا يجوز الجزم بأن الصواب مع أحد المختلفين دون الآخر.
وهذا القول ليس على إطلاقه؛ لأنه يلزم عليه أن جميع المخالفين لأهل السنة والجماعة على صواب ولا تجوز تخطئتهم، وهذا تضليل؛ لأنه يخالف قول النبي ﷺ : ((وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: هم مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).
ويلزم على هذا القول أيضاً أن المخالف للدليل في مسائل الاجتهاد لا يقال له مخطئ، ولا يُرَدُّ عليه، وهذا يخالف قول النبي ﷺ : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))؛ فدل على أنَّ أحدَ المجتهدين المختلفين مخطئ، لكن له أجرًا على اجتهاده ولا يُتابع عليه؛ لأن اجتهاده خالف الدليل، وإنما يصحُّ اعتبار هذا القول، وهو عدم الجزم بتخطئة المخالف، في المسائل الاجتهادية التي لم يتبين فيها الدليل مع أحد المختلفين، وهو ما يعبر عنه بقولهم: " لا إنكار في مسائل الاجتهاد "، و " الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد "، وهذا من اختصاص أهل العلم وليس من حق المثقفين والمفكرين الذين ليس عندهم تخصص في معرفة مواضع الاجتهاد وقواعد الاستدلال أن يتكلموا ويكتبوا فيه.
ولو كان لا يُخَطَّأ أحدٌ من أصحاب الأقوال والمذاهبِ لكانت كتب الردود والمعارضات التي ردَّ بها العلماء على المخالفين كلها مرفوضة، ولما كان لقوله تعالى: " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ " [النساء: ٥٩] فائدة ولا مدلول؛ لأنه لا تجوز تخطئة المخالف، وهذا لازم باطل؛ فالملزوم باطل ... وقد ردّ الله على أهل الضلال في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وشرع لنا الردّ عليهم؛ إحقاقاً للحق، وإزهاقاً للباطل. ولولا ذلك لشاع الضلال في الأرض، وخفي الحق، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً» (١).
وفقنا الله للحق، ووقانا شر الفتن، وجعلنا من عباده الصالحين، آمين.
المصدر: موقع الإسلام اليوم
فهرس المراجع
١. كتاب: (تفسير القرآن العظيم)، ابن كثير الدمشقي، المكتب الثقافي، ط١.
٢. كتاب: (حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها)، سليمان بن صالح الخراشي.
٣. كتاب: (معركة الثوابت بين الإسلام والليبرالية)، د. عبد العزيز مصطفى كامل، من إصدار مجلة البيان.
٤. مقال: (دعاة اللبرلة .. عقول محتلة، أم ولاءات مختلة؟) د. عبد العزيز كامل، مجلة البيان عدد (٢١٩) ص ٤٦.
٥. موسوعة (المورد العربية)، منير البعلبكي.
٦. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، بإشراف د. مانع الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط٤.
٧. مقال على الشبكة بعنوان: (نقض المذهب النسبي)، مبارك عامر بقنة، موقع صيد الفوائد.
٨. موقع جريدة الجزيرة.
٩. موقع جريدة الرياض.
١٠. موقع جريدة الوطن.
١١. مقال على الشبكة بعنوان: (الحقيقة النسبية .. أفيون العقيدة!)، سامي بن عبد العزيز الماجد، موقع الإسلام اليوم.
١٢. النسخة الالكترونية من كتاب: (التطرف المسكوت عنه .. أصول الفكر العصراني " السعودية أنموذجاً ") د. ناصر بن يحيى الحنيني، الموقع الالكتروني للدكتور.
١٣. مقال بعنوان: (ثقافة التلبيس٩: قولهم بنسبية الحقيقة)، سليمان الخراشي، موقع صيد الفوائد.
١٤. التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، تحقيق وتعليق د. عبد الرحمن عميرة، دار عالم الكتب، ط١.
١٥. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدّس الله روحه.
١٦. كتاب: (السلم في علم المنطق)، الصدر بن عبد الرحمن الأخضري، مكتبة المعارف، ط١.
١٧. كتاب: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) ابن حزم الظاهري، دار إحياء التراث العربي، ط١.
١٨. كتاب: (روضة الناظر وجنة المناظر) ابن قدامة المقدسي، مكتبة الرشد ناشرون، ط٧.
١٩. كتاب: (تلبيس إبليس) أبو الفرج ابن الجوزي، دار الكتب العلمية، ط١.
٢٠. بحث على الشبكة بعنوان: (التعددية الفكرية عند محمد آل محمود)، صالح السويح.
٢١. مقال بعنوان: (الحوار .. مجادلة جادة لا مداهنة) أ. د. جعفر شيخ إدريس، مجلة البيان العدد (١٩٠) جمادى الآخرة ١٤٢٤هـ.
٢٢. مقال على الشبكة بعنوان: (الحقيقة المطلقة)، سعود بن محمد الشويش.
٢٣. كتاب: (الموافقات) أبي إسحاق الشاطبي، دار ابن القيم ودار ابن عفان، ط١.
٢٤. موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية ( www.wikipedia.org) .
стр. 983
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (١/ ٤)
عاطف عبد المعز الفيومي
(الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين)
الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله محمد ﷺ وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فالدعوة الإسلامية خير موضوع، لأنها دعوة الإسلام وحقيقته الربانية الكبرى، وهذه الدعوة اليوم أذن الله لها أن تعود من جديد بقوة وإيمان، لتتبوأ مكانها الأول، وقيادتها للعالم الذي تنكب الطريق الحق، وذهب لاهثاً وبقوة وراء الشهوات والنزوات، والكفر والإلحاد، إلا بقية من أمة الإجابة والهدى أمة الإسلام، التي لم تراوح مكانها بعد لتتسلم مفاتيح القيادة لهذه البشرية اللاهثة خلف السراب، القابعة خلف الحجب والدنايا، لتدلها على طريق هدايتها وسعادتها، وسلامتها وأمنها، ..
ولكن ثمة طريق طويل وشاق بين التكوين لهذه القيادة الرائدة للبشرية، وبين التمكين لها الموعود لها من الله تعالى في الأرض، نعم بدأت ملامحه تلوح في الآفاق، ودبت الصحوة الإسلامية في كل مكان، وبذرت بذورها لكنها لا تزال في حاجة كبيرة إلى العناية والمتابعة، في حاجة إلى التهذيب والتربية، وفي حاجة كذلك إلى التصحيح والتقويم، وفي حاجة إلى البصيرة والتبصير، وكل ذلك لا يكون إلا بجهد الأمة ودعاتها الصادقين، وجنود الدعوة القائمين بها والمخلصين، وحماية هذه الدعوة وشبابها من أعدائها المنافقين والمتربصين. ومن هنا كان لزاماً علينا أن نبسط بشيء من الكلام في هذا المحور الكبير الجليل - الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين - وإنه حقاً لموضوع يحتاج إلى جهود كبيرة ومخلصة، حتى تؤتى ثمارها بإذن ربها، ولا بد فيه من الوقوف على أحداث السيرة النبوية أولاً، وهنا نقف مع عدة محاور في هذا الموضوع الجليل.
أولاً: الدعوة الإسلامية وحقيقتها.
الدعوة الإسلامية: تعني الدعوة إلى الإسلام دين الله الحق، المنزل من عند الله تعالى، الذي أرسل به جميع أنبيائه ورسله، هداة للعالمين ورحمة لهم، وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ ، الذي اصطفاه الله لهذه الدعوة والرسالة الخاتمة لجميع الدعوات والرسالات:" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً .. الآية"، والدعوة الإسلامية تعني إقامة شريعة هذا الدين في الأرض، وإقامة عقائده وشرائعه ومبادئه وأخلاقه، كما أنها تعني صياغة الحياة البشرية كلها بصبغة الربانية والعبودية لله تعالى وحده لا شريك له، كما قال تعالى:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، وقال تعالى:" أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... الآية".
стр. 984
نعم صبغة قائمة على عبوديتها لله وحده وإيمانها بكتبه ورسله، عبودية قائمة على إفراد الخالق المعبود بالخلق والأمر:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"، عبودية لا تتجه إلا على أصول العقيدة والتوحيد، ولا تقوم إلا على الحق والإيمان، فلا عقيدة تستقر في القلوب إلا عقيدة الإيمان بالله والإيمان برسله، والإيمان بكتبه وشرائعه، والإيمان بالبعث بعد الموت والدار الآخرة دار الجزاء الحق، ولا شريعة تحكم الحياة البشرية وتقوم مسيرتها، وتهذب أخلاقها، وتصلح مجتمعاتها، وتبني سياستها واقتصادها، وحربها وسلمها، إلا شريعة هذا الدين الحق؛ لأنه الدين المنزل من عند الله وحده، فليس من دين غيره يقبل عند الله كما قال تعالى:" إن الدين عند الله الإسلام .. الآية"، وكما قال أيضاً لمن اعتقد ديناً يدين به سواه:" ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"؛ ولأنه الدين الذي ارتضاه لها:" ورضيت لكم الإسلام ديناً .. الآية"،"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"؛ ولأنه الدين الذي ضمنه الله تعالى كل جوانب السعادة والهداية في الحياة الدنيا وفي الآخرة:" فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ... الآيات"؛ ولأنه دين الحق الجامع لكل مظاهر الحياة البشرية وفق منهج الله تعالى، الشامل الكامل والصالح لكل زمان ومكان:" لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون".
فالدعوة الإسلامية دعوة إلى الإسلام نفسه، دعوة إلى إنقاذ البشرية من الهلاك والضياع والتيه في الظلمات، والسير في ركب الشيطان وأتباعه، ودعوة إلى تحقيق سيادة ملك الله في الأرض وفي دنيا الناس، ودعوة إلى قيادة البشرية بمنهج الله تعالى الخالد الباقي إلى يوم الدين، وإفراده سبحانه بالعبادة والتشريع دون من سواه من المخلوقات، ودعوة لبناء النفس والإنسان الصالح لإقامة خلافة لله في الأرض، ودعوة لتحرير النفس البشرية من رق العبودية والذلة لغير خالقها، تحريرها من سلطان الشيطان عليها بكيده ومكره، وتحريرها من الخوف من ذوي السلطان والطاغوت الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وتحريرها من تقديس الذات والمال واللهث وراء أعراض الدنيا الفانية القليلة، وتحريرها من الخوف والطمع إلا في خالقها وموجدها ، ودعوة لتزكية الأنفس والقلوب بمعرفة خالقها والتقرب إليه والطمع في رحمته وجنته، ودعوة للتصدي للشيطان الرجيم ومكائده وحبائله، والوقوف أمام فساد أتباعه وأعوانه الذين يتملقون البشرية ويلهثون خلف الشهوات الكامنة، واللذات المحرمة، ولا يراعون لها أدباً ولا حرمة ولا كرامة، ودعوة لبناء مجتمع رباني نظيف قائم على رعاية الآداب، وحفظ الحرمات.
стр. 985
إنها ليست دعوة لقمع البشرية واستعبادها، والسيطرة على مقدرات الشعوب وأقواتها، ونهب أموالها وممتلكاتها، كما فعلته في القرون المتأخرة الشيوعية الخبيثة المادية، بأفكارها ومعتقداتها الإلحادية الكافرة، أو كما تفعله أمريكا وأوربا بمباركة وتخطيط يهودي صليبي ماكر، أو حتى ما يفعله أرباب الأموال والثروات من الهنود واليابانيين والصينيين، كما أنها ليست دعوة للخروج على حكم الله وشريعته، بدعاوى التقدم والعلم والانفتاح العلمي أمام البشرية مما يجعلها ليست في حاجة إلى شريعة تحكمها ولا دين ينظم شؤون حياتها، كما أنها ليست دعوة مستمدة من العقل والفكر البشري القاصر عن إدراك حقائق الأشياء، ولا الوصول إلى جميع مدلولاتها ليصوغ لها قوانين بشرية في شتى مجالات الحياة، ثم يحكمها فيها ويقول لها هذا هو القانون العصري الذي يتناسب مع طبيعة هذا الزمان، كما أنها ليست دعوة أيضاً للتعدي على آداب الإنسان وحياءه وحرماته، وليست دعوة للفوضى والإباحية والفواحش والمنكرات على حساب شريعة الله والآخرة، لكنها دعوة ربانية طاهرة، تسموا بالإنسان إلى حيث هو عند الله من التكريم والرفعة، وتسموا بأخلاقه وآدابه فيرتفع بإيمانه بالله، على دنايا النفس وحب الشهوات واللذات التي تقودها كثيراً إلى الهلاك والخسران.
وهذه المعاني كلها جمعتها هذه الدعوة، التي هي بحق دعوة الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة الذي يولد عليه كل مولود:" كل مولود يولد على الفطرة"، وهذه الفطرة تعنى أن الكون والإنسان لم يخلقاً عبثاً ولا هملاً كما أخبر في كتابه:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق ... الآيات"، وكما قال في موضع آخر:" أيحسب الإنسان أن يترك سدىً"، بل وبالغ سبحانه في نفي العبث واللهو في الخلق والأمر عن نفسه فقال تعالى:" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ... الآيات"، فالكون والإنس والجن، والنجوم والأفلاك، والجبال والبحار، والسماوات والأرض جميعاً، خلقها الله تعالى لحكمة جليلة، وغاية نبيلة، كما أخبر تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، إنها غاية العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، وهذه غاية الوجود الإنساني والبشري على هذه الأرض، ومن هنا كانت الدعوة إلى هذه الغاية الربانية الجليلة، هذه معاني وملامح الدعوة الإسلامية التي أنشأها الله تعالى على يد نبيه ورسوله ﷺ ، وأصحابه الأطهار ﵃.
ثانياً: الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين.