وهذا القول نقضه أئمةُ الدين، وأعلام الملّة، وعلماء الشريعة، وردوه بالنصوص الشرعية، قال العلامة الشوكاني ﵀: «من قال إن كل مجتهد مصيب، وجعل الحق متعدداً بتعدد المجتهدين، فقد أخطأ خطأً بيناً، وخالف الصواب مخالفة ظاهرةً» (١).
وقال أيضاً ﵀: «وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون حكم الله متعدداً بتعدد المجتهدين، تابعاً لما يصدر عنهم من اجتهاد، فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله ومع شريعته المطهّرة؛ هي أيضاً صادرةٌ عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل، ولا عضدته شبهةٌ تقبلها العقول، وهي أيضاً مخالفة لإجماع الأمة، سلفها وخلفها» (٢).
وقد ساق الشوكاني ﵀ كلاماً للقاضي يردُّ فيه على مقالةٍ للعنبري والجاحظ، حيث نُقل عنهما القولُ بتعدد الحقِّ في الأصول والفروع: «إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد؛ فقد خرجتما من حيّز العقلاء، وانخرطتما في سلك الأنعام، وإن أردتم الخروج من عهدة التكليف ونفي الحرج - كما نُقل عن الجاحظ - فالبراهين العقلية من الكتاب والسنّة والإجماع الخارجة عن حدِّ الحصر ترد هذه المقالة» (٣).
وقال ابن قدامة ﵀ راداً على ما ساقه الغزالي في المستصفى من قولِ الجاحظ برفع الإثم عمَّن اجتهد فأخطأ في الأصول: «أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله تعالى» (٤).
وهذا القول - أي القول بتعدد الحق - قولُ كثيرٍ من أهل الكلام وأهل البدع، وبهذا نعلم أن الحقَّ واحدٌ لا يتعدد في الأصول والفروع على ما سبق ذكره.
إذاً فإنَّ التسليم بمبدأ (نسبية الحقيقة)، وأن الحقيقةَ المطلقة لا يملكها أحدٌ، وأن الحقائق التي يؤمن بها البشر نسبيةٌ محتملةٌ للخطأ كاحتمالها للصواب على سواء، لهو تسليم يناقض أصول الدين الحنيف، وقواعد الشرع المطهر، وأدلة الوحي الكريم.
وبالنظر إلى مبدأ " نسبية الحقيقة " في الفكر الليبرالي نجده يَغرق في تناقضاتٍ عديدة، منها:
١. إذا كانت الحقيقةُ نسبيةٌّ؛ فإن عبارة "كل حقيقة نسبية" تعتبر عبارة مطلقة، والنسبيةُ ترفض المطلق، فالعبارة متناقضة في ذاتها، وعليه فإن مبدأ "كل حقيقة نسبية" باطل.
وكذا فإن القول بـ"نسبية الحقيقة" يرفضه الواقع، فهناك حقائق كثيرة مطلقة لا تحمل النسبية اتفاقاً، فالشمس محرقة، والسماء فوقنا، والإنسان ناطق نامي وغير ذلك من الحقائق التي يصعب حصرها.
٢. أن ما كان حقاً لديك ليس حقاً لدي: فالحق لدي أن النسبية باطلة، فإذا قلت لي: لا، هذا ليس صحيحاً. فهذا يلغي المبدأ الذي قررتْه النسبية، وعليه فإن النسبية باطلة.
وإذا قلتَ: نعم. وأقررت بقولي، فالنسبية باطلة.
وإذا قلتَ: إن ذلك حقاً عندي فقط أن النسبية باطلة، فإن هذا يعني أنني أعتقد ببطلان النسبية، وإذا كان اعتقادي صحيحاً، فكيف يمكن أن تكون النسبية صحيحة.
٣. أنه ما مِن أحد يستطيع أن يعرف أي شيء من غير شك: فإذا كان هذا صحيحاً، فإننا نعرف أننا لا نستطيع أن نعرف أي شيء من غير شك، فبالتالي معرفتنا هنا مطلقة وهذا دحض ذاتي.
٤. النسبية لا تقدر على إنكار ما يتناقض مع الحقيقة ذاتها. فالنسبية تحمل التناقض الذاتي، فالكل لديه الحقيقة فلا ينبغي أن يكون هناك إقناع الآخرين بما تحمله أنت من أفكار ومعتقدات فما تراه حقيقة لا يحق لك أن تقنعهم حتى يروا أن ما لديك هو الحقيقة. (٥)
стр. 982
ختاماً: يقول العلاَّمة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -: «كثر على ألسنةِ بعض الكتَّاب أنه لا تجوز تخطئة المخالف، وأنه يجب احترام الرأي الآخر، وأنه لا يجوز الجزم بأن الصواب مع أحد المختلفين دون الآخر.
وهذا القول ليس على إطلاقه؛ لأنه يلزم عليه أن جميع المخالفين لأهل السنة والجماعة على صواب ولا تجوز تخطئتهم، وهذا تضليل؛ لأنه يخالف قول النبي ﷺ : ((وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: هم مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).
ويلزم على هذا القول أيضاً أن المخالف للدليل في مسائل الاجتهاد لا يقال له مخطئ، ولا يُرَدُّ عليه، وهذا يخالف قول النبي ﷺ : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))؛ فدل على أنَّ أحدَ المجتهدين المختلفين مخطئ، لكن له أجرًا على اجتهاده ولا يُتابع عليه؛ لأن اجتهاده خالف الدليل، وإنما يصحُّ اعتبار هذا القول، وهو عدم الجزم بتخطئة المخالف، في المسائل الاجتهادية التي لم يتبين فيها الدليل مع أحد المختلفين، وهو ما يعبر عنه بقولهم: " لا إنكار في مسائل الاجتهاد "، و " الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد "، وهذا من اختصاص أهل العلم وليس من حق المثقفين والمفكرين الذين ليس عندهم تخصص في معرفة مواضع الاجتهاد وقواعد الاستدلال أن يتكلموا ويكتبوا فيه.
ولو كان لا يُخَطَّأ أحدٌ من أصحاب الأقوال والمذاهبِ لكانت كتب الردود والمعارضات التي ردَّ بها العلماء على المخالفين كلها مرفوضة، ولما كان لقوله تعالى: " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ " [النساء: ٥٩] فائدة ولا مدلول؛ لأنه لا تجوز تخطئة المخالف، وهذا لازم باطل؛ فالملزوم باطل ... وقد ردّ الله على أهل الضلال في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وشرع لنا الردّ عليهم؛ إحقاقاً للحق، وإزهاقاً للباطل. ولولا ذلك لشاع الضلال في الأرض، وخفي الحق، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً» (١).
وفقنا الله للحق، ووقانا شر الفتن، وجعلنا من عباده الصالحين، آمين.
المصدر: موقع الإسلام اليوم
فهرس المراجع
١. كتاب: (تفسير القرآن العظيم)، ابن كثير الدمشقي، المكتب الثقافي، ط١.
٢. كتاب: (حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها)، سليمان بن صالح الخراشي.
٣. كتاب: (معركة الثوابت بين الإسلام والليبرالية)، د. عبد العزيز مصطفى كامل، من إصدار مجلة البيان.
٤. مقال: (دعاة اللبرلة .. عقول محتلة، أم ولاءات مختلة؟) د. عبد العزيز كامل، مجلة البيان عدد (٢١٩) ص ٤٦.
٥. موسوعة (المورد العربية)، منير البعلبكي.
٦. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، بإشراف د. مانع الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط٤.
٧. مقال على الشبكة بعنوان: (نقض المذهب النسبي)، مبارك عامر بقنة، موقع صيد الفوائد.
٨. موقع جريدة الجزيرة.
٩. موقع جريدة الرياض.
١٠. موقع جريدة الوطن.
١١. مقال على الشبكة بعنوان: (الحقيقة النسبية .. أفيون العقيدة!)، سامي بن عبد العزيز الماجد، موقع الإسلام اليوم.
١٢. النسخة الالكترونية من كتاب: (التطرف المسكوت عنه .. أصول الفكر العصراني " السعودية أنموذجاً ") د. ناصر بن يحيى الحنيني، الموقع الالكتروني للدكتور.
١٣. مقال بعنوان: (ثقافة التلبيس٩: قولهم بنسبية الحقيقة)، سليمان الخراشي، موقع صيد الفوائد.
١٤. التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، تحقيق وتعليق د. عبد الرحمن عميرة، دار عالم الكتب، ط١.
١٥. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدّس الله روحه.
١٦. كتاب: (السلم في علم المنطق)، الصدر بن عبد الرحمن الأخضري، مكتبة المعارف، ط١.
١٧. كتاب: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) ابن حزم الظاهري، دار إحياء التراث العربي، ط١.
١٨. كتاب: (روضة الناظر وجنة المناظر) ابن قدامة المقدسي، مكتبة الرشد ناشرون، ط٧.
١٩. كتاب: (تلبيس إبليس) أبو الفرج ابن الجوزي، دار الكتب العلمية، ط١.
٢٠. بحث على الشبكة بعنوان: (التعددية الفكرية عند محمد آل محمود)، صالح السويح.
٢١. مقال بعنوان: (الحوار .. مجادلة جادة لا مداهنة) أ. د. جعفر شيخ إدريس، مجلة البيان العدد (١٩٠) جمادى الآخرة ١٤٢٤هـ.
٢٢. مقال على الشبكة بعنوان: (الحقيقة المطلقة)، سعود بن محمد الشويش.
٢٣. كتاب: (الموافقات) أبي إسحاق الشاطبي، دار ابن القيم ودار ابن عفان، ط١.
٢٤. موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية ( www.wikipedia.org) .
стр. 983
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (١/ ٤)
عاطف عبد المعز الفيومي
(الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين)
الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله محمد ﷺ وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فالدعوة الإسلامية خير موضوع، لأنها دعوة الإسلام وحقيقته الربانية الكبرى، وهذه الدعوة اليوم أذن الله لها أن تعود من جديد بقوة وإيمان، لتتبوأ مكانها الأول، وقيادتها للعالم الذي تنكب الطريق الحق، وذهب لاهثاً وبقوة وراء الشهوات والنزوات، والكفر والإلحاد، إلا بقية من أمة الإجابة والهدى أمة الإسلام، التي لم تراوح مكانها بعد لتتسلم مفاتيح القيادة لهذه البشرية اللاهثة خلف السراب، القابعة خلف الحجب والدنايا، لتدلها على طريق هدايتها وسعادتها، وسلامتها وأمنها، ..
ولكن ثمة طريق طويل وشاق بين التكوين لهذه القيادة الرائدة للبشرية، وبين التمكين لها الموعود لها من الله تعالى في الأرض، نعم بدأت ملامحه تلوح في الآفاق، ودبت الصحوة الإسلامية في كل مكان، وبذرت بذورها لكنها لا تزال في حاجة كبيرة إلى العناية والمتابعة، في حاجة إلى التهذيب والتربية، وفي حاجة كذلك إلى التصحيح والتقويم، وفي حاجة إلى البصيرة والتبصير، وكل ذلك لا يكون إلا بجهد الأمة ودعاتها الصادقين، وجنود الدعوة القائمين بها والمخلصين، وحماية هذه الدعوة وشبابها من أعدائها المنافقين والمتربصين. ومن هنا كان لزاماً علينا أن نبسط بشيء من الكلام في هذا المحور الكبير الجليل - الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين - وإنه حقاً لموضوع يحتاج إلى جهود كبيرة ومخلصة، حتى تؤتى ثمارها بإذن ربها، ولا بد فيه من الوقوف على أحداث السيرة النبوية أولاً، وهنا نقف مع عدة محاور في هذا الموضوع الجليل.
أولاً: الدعوة الإسلامية وحقيقتها.
الدعوة الإسلامية: تعني الدعوة إلى الإسلام دين الله الحق، المنزل من عند الله تعالى، الذي أرسل به جميع أنبيائه ورسله، هداة للعالمين ورحمة لهم، وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ ، الذي اصطفاه الله لهذه الدعوة والرسالة الخاتمة لجميع الدعوات والرسالات:" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً .. الآية"، والدعوة الإسلامية تعني إقامة شريعة هذا الدين في الأرض، وإقامة عقائده وشرائعه ومبادئه وأخلاقه، كما أنها تعني صياغة الحياة البشرية كلها بصبغة الربانية والعبودية لله تعالى وحده لا شريك له، كما قال تعالى:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، وقال تعالى:" أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... الآية".
стр. 984
نعم صبغة قائمة على عبوديتها لله وحده وإيمانها بكتبه ورسله، عبودية قائمة على إفراد الخالق المعبود بالخلق والأمر:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"، عبودية لا تتجه إلا على أصول العقيدة والتوحيد، ولا تقوم إلا على الحق والإيمان، فلا عقيدة تستقر في القلوب إلا عقيدة الإيمان بالله والإيمان برسله، والإيمان بكتبه وشرائعه، والإيمان بالبعث بعد الموت والدار الآخرة دار الجزاء الحق، ولا شريعة تحكم الحياة البشرية وتقوم مسيرتها، وتهذب أخلاقها، وتصلح مجتمعاتها، وتبني سياستها واقتصادها، وحربها وسلمها، إلا شريعة هذا الدين الحق؛ لأنه الدين المنزل من عند الله وحده، فليس من دين غيره يقبل عند الله كما قال تعالى:" إن الدين عند الله الإسلام .. الآية"، وكما قال أيضاً لمن اعتقد ديناً يدين به سواه:" ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"؛ ولأنه الدين الذي ارتضاه لها:" ورضيت لكم الإسلام ديناً .. الآية"،"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"؛ ولأنه الدين الذي ضمنه الله تعالى كل جوانب السعادة والهداية في الحياة الدنيا وفي الآخرة:" فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ... الآيات"؛ ولأنه دين الحق الجامع لكل مظاهر الحياة البشرية وفق منهج الله تعالى، الشامل الكامل والصالح لكل زمان ومكان:" لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون".
فالدعوة الإسلامية دعوة إلى الإسلام نفسه، دعوة إلى إنقاذ البشرية من الهلاك والضياع والتيه في الظلمات، والسير في ركب الشيطان وأتباعه، ودعوة إلى تحقيق سيادة ملك الله في الأرض وفي دنيا الناس، ودعوة إلى قيادة البشرية بمنهج الله تعالى الخالد الباقي إلى يوم الدين، وإفراده سبحانه بالعبادة والتشريع دون من سواه من المخلوقات، ودعوة لبناء النفس والإنسان الصالح لإقامة خلافة لله في الأرض، ودعوة لتحرير النفس البشرية من رق العبودية والذلة لغير خالقها، تحريرها من سلطان الشيطان عليها بكيده ومكره، وتحريرها من الخوف من ذوي السلطان والطاغوت الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وتحريرها من تقديس الذات والمال واللهث وراء أعراض الدنيا الفانية القليلة، وتحريرها من الخوف والطمع إلا في خالقها وموجدها ، ودعوة لتزكية الأنفس والقلوب بمعرفة خالقها والتقرب إليه والطمع في رحمته وجنته، ودعوة للتصدي للشيطان الرجيم ومكائده وحبائله، والوقوف أمام فساد أتباعه وأعوانه الذين يتملقون البشرية ويلهثون خلف الشهوات الكامنة، واللذات المحرمة، ولا يراعون لها أدباً ولا حرمة ولا كرامة، ودعوة لبناء مجتمع رباني نظيف قائم على رعاية الآداب، وحفظ الحرمات.
стр. 985
إنها ليست دعوة لقمع البشرية واستعبادها، والسيطرة على مقدرات الشعوب وأقواتها، ونهب أموالها وممتلكاتها، كما فعلته في القرون المتأخرة الشيوعية الخبيثة المادية، بأفكارها ومعتقداتها الإلحادية الكافرة، أو كما تفعله أمريكا وأوربا بمباركة وتخطيط يهودي صليبي ماكر، أو حتى ما يفعله أرباب الأموال والثروات من الهنود واليابانيين والصينيين، كما أنها ليست دعوة للخروج على حكم الله وشريعته، بدعاوى التقدم والعلم والانفتاح العلمي أمام البشرية مما يجعلها ليست في حاجة إلى شريعة تحكمها ولا دين ينظم شؤون حياتها، كما أنها ليست دعوة مستمدة من العقل والفكر البشري القاصر عن إدراك حقائق الأشياء، ولا الوصول إلى جميع مدلولاتها ليصوغ لها قوانين بشرية في شتى مجالات الحياة، ثم يحكمها فيها ويقول لها هذا هو القانون العصري الذي يتناسب مع طبيعة هذا الزمان، كما أنها ليست دعوة أيضاً للتعدي على آداب الإنسان وحياءه وحرماته، وليست دعوة للفوضى والإباحية والفواحش والمنكرات على حساب شريعة الله والآخرة، لكنها دعوة ربانية طاهرة، تسموا بالإنسان إلى حيث هو عند الله من التكريم والرفعة، وتسموا بأخلاقه وآدابه فيرتفع بإيمانه بالله، على دنايا النفس وحب الشهوات واللذات التي تقودها كثيراً إلى الهلاك والخسران.
وهذه المعاني كلها جمعتها هذه الدعوة، التي هي بحق دعوة الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة الذي يولد عليه كل مولود:" كل مولود يولد على الفطرة"، وهذه الفطرة تعنى أن الكون والإنسان لم يخلقاً عبثاً ولا هملاً كما أخبر في كتابه:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق ... الآيات"، وكما قال في موضع آخر:" أيحسب الإنسان أن يترك سدىً"، بل وبالغ سبحانه في نفي العبث واللهو في الخلق والأمر عن نفسه فقال تعالى:" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ... الآيات"، فالكون والإنس والجن، والنجوم والأفلاك، والجبال والبحار، والسماوات والأرض جميعاً، خلقها الله تعالى لحكمة جليلة، وغاية نبيلة، كما أخبر تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، إنها غاية العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، وهذه غاية الوجود الإنساني والبشري على هذه الأرض، ومن هنا كانت الدعوة إلى هذه الغاية الربانية الجليلة، هذه معاني وملامح الدعوة الإسلامية التي أنشأها الله تعالى على يد نبيه ورسوله ﷺ ، وأصحابه الأطهار ﵃.
ثانياً: الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين.
стр. 986
* نظرة على الواقع الجاهلي: المستقرئ للسيرة النبوية وواقع الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية وبعدها، يلمح الفارق الكبير بينهما، ويقف في اندهاش لما يراه من عظمة البناء الإسلامي، والتعليم النبوي، الذي أقامه الله تعالى لهذا الدين بالتمكين له، وجعله منهج حياة إسلامي، بعد أن ولت الجاهلية على أدبارها بما تحمله من عقائد وشركيات وثنية، وبما تحمله من تصورات ومعاملات وأخلاق وتشريعات جاهلية، وكتب السيرة والتاريخ سطر فيها حال الجاهلية كلها، وما وصلت إليه البشرية آنذاك من انتكاس في الفطرة، وانحطاط في الإنسانية، وتقديس للآلهة المصنوعة العاجزة، لقد عاش العرب في مثالب الجاهلية يرتعون، وفي ظلمات الشرك والوثنية يعمهون، وخلف شهواتهم ورذائلهم ينكبون، هذا هو زمان البعثة المحمدية حقاً جاهلية وأية جاهلية، وكما قال أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى:" بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذ كل شيء فيه في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما تكسر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر، ومنه ما تكدس وتكوم. نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل مالا يملك لنفسه النفع والضر، رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك. وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح. رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا، والصالح محروماً شقياً لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك. رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة ورأى القسوة والظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد. رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجواد تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية، والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات. رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق، ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة. رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه ". (ماذا خسر العالم:٧٨،٧٧).
стр. 987
* ظهور دعوة الإسلام: هذا هو النظام الجاهلي الأول، الذي كان يعج بالهبوط الإنساني في كل شؤون حياته، وفقدانه لبدهيات الحياة المستقيمة السوية، لقد طال الفساد والخواء والضلال كل حياتهم، واستحال التغيير والإصلاح عند الكثير منهم، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره على العالمين، وتشرق أضواء نوره وشريعته على هذه القلوب الغارقة في بحار من شهوات النفس والدنيا الفانية، والواقعة في مستنقع الرذيلة الآسن، فكانت البعثة الربانية والمحمدية، بعثة الإنقاذ والهداية لهذه البشرية الجاهلية التائهة، كانت بعثة النبي محمد ﷺ تغييراً حقيقياً وكبيراً لم يشهد مثله على طول التاريخ البشري كله، وما هذا إلا لأن مشركي جزيرة العرب جمعت فيهم جل أدواء وأمراض الأمم السابقة لها، التي لم تجتمع لأمة قبلها فكان الأمر جلل، كيف الطريق إلى تخليص هؤلاء من جميع هذه الأمراض والأدواء القاتلة، ولكن شاء الله ذلك، بحكمته وإرادته وقدرته كما أخبر بذلك في كتابه العزيز:" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"، فكانت البعثة وبداية تنزل الوحي الرباني بغار حراء على النبي ﷺ ، وكتب السنة والسير والتاريخ بينت ذلك ودونته، فقد كان فتحاً من الله تعالى ومنة على هذه البشرية كلها، فقام النبي ﷺ يدعوا إلى هذه الرسالة الربانية، فاستجاب له بعض من الناس أول الأمر لتصديقهم له قبل البعثة ويقينهم في دعوته، فبدأ التكوين النبوي لجيل هذه الدعوة، ورعيلها الأول من خيار الصحابة ﵃ وكان ذلك باصطفاء من يدعوهم للإسلام، وقوة تأثيرهم على أفراد ذلك المجتمع الجاهلي، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى:" لقد وضع محمد ﷺ مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب، أصاب الجاهلية في مقتلها أو صميمها، فأصمى رميته، وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحو نحواً جديداً ويفتتح عهداً سعيداً، ذلك هو العهد الإسلامي الذي لا يزال غرة في جبين التاريخ " (ماذا خسر العالم:٨٢).
* غربة الإسلام الأولى: ولكن مع بزوغ شمس الإسلام للوهلة الأولى وإشراقها على أرض الجزيرة المظلمة القاتمة بالشرك والضلال، وبزوغ رسالة الدعوة الإسلامية لهداية الخلق إلى توحيد خالقهم وإفراده بالعبادة وحده، بدأت الجاهلية الأولى بإعلان العداوة لهذا الدين، وإعلان الحرب الكبيرة على هذه الدعوة الإسلامية الجديدة، التي تريد هدم صرح الجاهلية، وهدم كل معتقداتها وتشريعاتها الباطلة وما تحمله من تصورات وأفكار، فبدأت قريش أولاً وهم أقرب الناس إلى النبي ﷺ بإعلان رفضها وعنادها لهذه الدعوة التي جاء بها ابنها، مع أنهم جميعاً كان بينهم بقايا من الحنفاء ومن أهل الكتاب أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، ولكن هؤلاء ما كانوا يلقوا شيئاً من أذاهم ولا عنادهم ومكابرتهم، لكن الموقف هذا تغيراً تماماً تجاه دعوة الإصلاح والهداية دعوة الإسلام، فشعر المسلمون الذي آمنوا بهذا الدعوة واتبعوا رسولها، بشيء كبير من الغربة بين هؤلاء القوم فلم يعودوا لهم أولياء ولا أنصاراً، بل تحولت إلى نوع من العداء والاعتداء على الأموال والأبدان بالتنكيل والتعذيب المفرط.
стр. 988
وبدأ المشركون في طريق جديد من الغضب والمقت على دعوة النبي ﷺ ومن اتبعه وآمن به وبرسالته، لقد سلكوا كل طريق لصد الناس عن الإيمان بالله ورسوله، وما تركوا أسلوباً ولا طريقاً إلا سلكوه ضد دعوة الإسلام، فمن ذلك: ما جاء في تاريخ السيرة النبوية وكتبها من السخرية والاستهزاء والتكذيب بدعوة النبي ﷺ وبأتباعه وأصحابه ﵃، وتصور معي هذه الغربة الموحشة في قلوب الصحابة، حيث السخرية بهم وبنبيهم ورسالته وكتابه، والقرآن ذكر شيئاً كثيراً من ذلك كما في قوله تعالى:" وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون" (الحجر:٦)، وقوله تعالى:" وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب " (ص:٤)، وقوله تعالى:" وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون " (القلم:٥١)، ولا ريب أن كل هذا سنة من سنن الله تعالى التي وقعت في الأمم الخالية قبلنا كما قال تعالى:" ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون" (الأنعام:١٠).
ومن ذلك: صد الناس عن سماع القرآن ودعوة النبي ﷺ ولما جاء به، واتهام القرآن والرسول بأنه ساحر وكذاب وكاهن وشاعر إلى آخر هذه السلسلة البائسة من التهم العريضة لأهل الإيمان والحق، قال تعالى:" وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون" (فصلت:٢٦)، ومن ذلك: التعذيب والتنكيل لأصحابه والمؤمنين به المتبعين له، فلقد عذب كثير من الصحابة ﵃، من أمثال سيدنا بلال بن رباح، وعمار بن ياسر وأبيه وأمه الذين قضوا نحبهم في سبيل الله تعالى، ومصعب بن عمير، وصهيب بن سنان الرومي، وأبو فكيهة أفلح الذي كان مولىً لبني عبد الدار، وخباب بن الأرت، وزنيرة أمة رومية التي أسلمت ثم عمي بصرها، ثم شفيت فقالوا سحر محمد، وأبي بكر الصديق ﵃ جميعاً وغيرهم كثير ممن آمنوا في طليعة الدعوة الإسلامية.
ومن ذلك أيضاً: إثارة الشبهات الباطلة الكاذبة حول القرآن والرسول، وأنه ما هو إلا بشر مثلهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج وينام، كما حكى القرآن عنهم ذلك قال تعالى:" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُورا ً، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما ً، وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا ً، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورا ً، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً" (الفرقان:٤ - ٩)، واتهموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، وما كل ذلك إلا ليصدوا عنه الناس وعن أتباعه وتصديقه في رسالته ونبوته، وكذبوا البعث بعد الموت والخروج من القبور، وغير ذلك مما حكاه الله لنا في كتابه العزيز.
стр. 989
ومنها أيضاً: تقديمهم الإغراء والعروض الرخيصة من تولية الملك والسلطان عليهم، وجلب المال له ولأصحابه وجعلهم من أئمة الثراء والغناء بينهم، وتزويجه بالنساء والتمتع بهن على الفرش، وشفائه من أمراضه وعلله إن كان الذي نزل به من الأدواء وأنواع السحر، حقاً إنه السفه البشري الذي أضل العقول والقلوب عن هذا النور والحق، وعن هذا البيان الشافي الهادي الواضح، وعن هذا الإعجاز البين القاهر، لقد غلب عليهم الكفر والمعاندة للحق، والجحود والتكذيب مع كمال علمهم بأنه الصادق الأمين، ولكنها السنن الربانية الجارية في الكون لحكمة يريدها الله تعالى، للتمكين لهذا الدين، والتمهيد الرباني لظهوره على سائر الأديان من دونه والنحل الجاهلية المعاندة.
ومنها أيضاً: محاولاتهم المتكررة لقتل النبي ﷺ ومطاردته ونفيه، واجتماع قريش على ذلك بغية الوصول إلى شيء من التصدي لمد هذه الدعوة الجديدة عليهم، وقد أثبت القرآن ذلك ليكون لنا العظة والعبرة من أعداء الدعوة وأصحابها في كل زمان ومكان كما قال تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ".
* عوامل الثبات والتمكين: ومع تنوع أساليب الجاهلية في مدافعة الحق والغلبة عليه، إلا أن الله ثبت نبيه ورسوله، وثبت الصحابة الذين آمنوا معه، وصدقوا نبوته ورسالته، ثبتهم لا لأنهم أصحاب الثروات والأموال، ولا لأنهم من ذوي الجاه والسلطان، ولكن ثبتهم لعدة عوامل جليلة وجدت في هذا الجيل المؤمن.
وأولها: أنهم أصحاب عقيدة صادقة، وإيمان لا تزعزعه الرياح والأعاصير من الشهوات والشبهات؛ ولأنهم أيقنوا أن هذا الدين هو فطرتهم التي تصرخ في أعماق نفوسهم أنه لا إله إلا الله وحده، لا يشاركه ولا ينازعه في ربوبيته ولا ألوهيته منازع أو شريك؛ ولأنهم جعلوا التوحيد طريقهم إلى الله والدار الآخرة، وجعلوا إفراد الله وحده بالعبادة من الذبح والنذر والطواف وغيرها أحق وأجدر، لأنه المعبود المستحق لذلك فلا شريك له، ولا منازع له، ولا مماثل ولا مكافئ له؛ وثبتهم لما رأى الإيمان خالط بشاشة قلوبهم فأضاء لها الطريق من جديد إلى الله المعبود سبحانه.
وثانيها: أن الله علم منهم صدق المتابعة والاستجابة لله ورسوله ﷺ فلقد آمنوا بالله ورسوله، وصدقوه وتابعوه بمجرد الوقوف معهم بإثبات حقيقة الباطل الذي عليه أمر الجاهلية، وأنها عبدت من دون الله ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، من الأصنام والأحجار والأوثان، وما إيمان أبي بكر الصديق ﵁ وإسلامه من ذلك ببعيد.
وثالثها: إعراضهم عن زينة الحياة الدنيا وزهدهم فيها، فلم يكونوا ممن يريدون شيئاً من متاع الدنيا وزخرفها، ولا متعها وقصورها.
ورابعها: الكتاب المنزل القرآن الذي ملأ قلوبهم معرفة بالله وإجلالاً له، وتعرفاً على أسمائه وصفاته، وبيان وعد الله لهم بما أعده لأولياه وعباده في الدار الآخرة في جنات النعيم، من الثواب العظيم، والنعيم الخالد المقيم، وترغيبهم فيها وذكر بعض ما فيها من اللذات والفرش والنظر إلى وجه الله ﷻ ، فقاموا يتلون ويتدبرون هذا الكتاب، وقاموا به ليلهم متهجدين عابدين حتى تورمت أقدامهم بذلك أول الأمر وكتب السنة فيها من ذكر القيام والتلاوة شيء كثير.
стр. 990
وخامسها: اليقين القلبي الذي أوقعه النبي ﷺ في نفوسهم بأن الله سيمكن لهم ويبدل خوفهم أمنا وسلاماً، ويجعل العاقبة لهم، فبشرهم ووعدهم وجعل الأمل يدب في قلوبهم، فما كذبوا على استضعافهم، ولا نكلوا على قلتهم، بل صدقوا وثبتوا حتى يأتي أمر الله:" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، بشر عمار بن ياسر، وبشر سراقة بن مالك، وبشر خباب بن الأرت وغيرهم فأيقنوا وصدقوا.
* البناء والتمكين: لما ثبت النبي ﷺ ومن معه من جيل الدعوة الأول، وصبروا على الكيد والمكر، والصد والاستهزاء، والإعراض والإغراء، وتركوا كل متاعهم وأموالهم، بل ونساءهم وأبنائهم وعشيرتهم لله ورسوله، وكانوا مثالاً واقعياً للثبات على المبادئ والحق، والتضحية الصادقة من أجله ونصرته، لما كان هذا حالهم مكن الله لهم في الأرض، وأذن لهم بالتمكين الموعود لأهل الحق والإيمان، والتوحيد والمتابعة، فلقد أذن لهم بالهجرة إلى المدينة ولرسوله، تمهيداً لعالم ومجتمع إسلامي جديد، مجتمع لا يعرف الجاهلية، ولا يعرف الشرك والوثنية، ولا يعترف بألوهية المخلوقات، ولا بفساد المعاملات، ولا بقيام الحروب والعداوات من أجل لا شيء، ولا يستمد شرائعه وأخلاقه من تصورات بشرية، أو عقائد وأفكار رومانية أو نصرانية، مجتمع لا تتملقه النفوس الدنيئة من أصحاب الشهوات الرخيصة، لقد أزالت الهجرة كل ذلك فالهجرة تجب ما قبلها، لقد قام صرح شامخ للإسلام ودعوته بعد عدة محاولات للهجرة والبناء للحبشة، وزالت غربة الإسلام والرسالة الأولى، ولم تعد غريبة على أرض الجزيرة، بل ظهرت كالشمس المنيرة في رابعة النهار، وعلا صوت الحق والإيمان على أبواق الجاهلية الخاوية، زالت الغربة بهذا التمكين، الذي قام على أكتاف خيرة البشر بعد الرسل إنهم أصحاب الرسول وأتباعه، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه:"فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً "، وكما جاء في الحديث النبوي بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء ".
стр. 991
كان الإسلام ودعوته غريباً على عادات وتصورات وعقائد الجاهلية، كان غريباً في عقيدته وتوحيده:"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ "، وكان غريباً في نظامه وشريعته:" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ "، وكان غريباً في أخلاقه:" إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً"، وكان غريباً في كل شؤونه وأحكامه:" يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "، وكان غريباً في سياسته وحكمه:" وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم "، " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون "، وكل هذا البناء الشامخ كان السبب في انقلاب الجاهلية بكل مقوماتها وتصوراتها وعقائدها على الدعوة الإسلامية، والوقوف بينها وبين الناس وإيمانهم بها، يقول أبو الحسن الندوي ﵀:" والتقى أهل مكة بأهل يثرب. لا يجمع بينهم إلا الدين الجديد. فكان أروع منظر لسلطان الدين شهده التاريخ. وكان الأوس والخزرج لم ينفضوا عنهم غبار حرب بعاث. ولا تزال سيوفهم تقطر دماً. فألَّف الإسلام بين قلوبهم. ولو أنفق أحد ما في الأرض جميعاً ما ألَّف بين قلوبهم. ثم آخى رسول الله ﷺ بينهم وبين المهاجرين. فكانت أخوة تزري بأخوة الأشقاء. وتبذ كل ما روي في التاريخ من خلة الأخلاء. كانت هذه الجماعة الوليدة- المؤلفة من أهل مكة المهاجرين وأهل يثرب الأنصار- نواة للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس ومادة للإسلام، فكان ظهور هذه الجماعة في هذه الساعة العصيبة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده. وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها. لذلك قال الله تعالى لما حض على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار: " إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ". (ماذا خسر العالم:٨٤)
هذه إشارات سريعة للوقوف على واقع الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين في بداية العصر الإسلامي النبوي الأول، وكيف استطاع النبي ﷺ صياغة جيل الدعوة الفريد، من مرحلة البناء والتكوين، إلى مرحلة القيادة والتمكين، إنه منهج فريد حقاً في كل مقوماته وإنجازاته ..
*********************************
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (٢/ ٤)
(المنهج السلفي وطريق التمكين)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: طريق التمكين اليوم، طريق جهد وشاق، وقد أودع الله تعالى في كتابه وكونه سنناً ربانية وجارية، لإقامة هذا الدين في الأرض وفي دنيا الناس، وفصل لنا سبحانه معالم التمكين لدينه وشريعته، ودل عليها وأمر بها:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ".
стр. 992
ولا ريب أن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة وملحة إليها، لما حل بالعالم كله من البلايا والرزايا والعقوبات الربانية، في شتى جوانب الحياة البشرية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، التي تجري في الكون وفق السنن الربانية التي أرادها الله تعالى، فمن وفق إليها وفق لطريق النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن خذل عنها فهول المخذول، ولعلنا وقفنا فيما أشرنا إليه من قبل، أن طوق النجاة، وطريق التمكين لهذا الدين إنما منطلقه الأول والرئيس، في العودة الجادة الصادقة لهذا الدين، وشريعته المنزلة المتمثلة في هدي الكتاب والسنة والاعتصام بمنهج وفهم الصدر الأول من سلف الأمة بدأً من الصحابة والتابعين ﵃ جميعاً، والذي يتمثل فيما يسمى اليوم " بالسلفية " أو" الفرقة الناجية" أو "الطائفة المنصورة" أو" أهل الحديث والأثر" أو المصطلح العام الجليل" أهل السنة والجماعة" وكما جاء في الحديث: "فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" حديث حسن، ولهذا جعلهم النبي ﷺ الميزان الحق حين وقوع الفتن والافتراق في أمته كما جاء في الحديث المحفوظ المشهور حديث الافتراق الذي وقعت فيه الأمم، والذي يقول فيه النبي ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وفي بعض الروايات: "هي الجماعة" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
والسلفية تعني: الاتجاه المقدم للنصوص الشرعية على البدائل الأخرى منهجاً وموضوعاً الملتزم بهدي الرسول ﷺ ، وهدي أصحابه علماً وعملاً، المطرح للمناهج المخالفة لهذا الهدي في العقيدة والعبادة والتشريع. (السلفية وقضايا العصر:٤٩). أو هي: اصطلاح جامع يُطلق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلقي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على التمسك بهذا المنهج والعض عليه بالنواجذ إيماناً وتصديقاً واتباعاً.
ويقوم هذا المنهج على ثلاثة قواعد هامة وأصيلة:
- صحة المعتقد.
- صحة المنهج.
- صحة السلوك.
стр. 993
وكما ذكرنا فإننا نؤكد على وجوب سلوك هذا المنهج الرشيد في دعوة الناس إلى الإسلام من جديد، لأنه المنهج الوحيد الكفيل بالتمكين لهذه الأمة الإسلامية وعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الأول، وهو المنهج الكفيل ببناء حضارة إسلامية مثالية، كما تمثلت كذلك طيلة القرون الماضية، وذلك لما يحمله من نظم في العقيدة والعبادة والتشريع الوسطي الشامل، ولقد مكن الله تعالى للصحابة ﵃ في الغربة الأولى للإسلام في زمان النبوة، باقتفائهم هذا الطريق وهذا المسلك للكتاب والسنة، وكم رأينا من عوامل الثبات والتمكين لهم، التي جعلت منهم السادة والقادة والفاتحين، من أمثال أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وجعلت منهم الأمراء والخلفاء الراشدين، من أمثال الخليفة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى ﵃ أجمعين، وجعلت منهم الدعاة والعلماء والقراء والمفسرين، من أمثال مصعب بن عمير وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وحملة مشاعل العلم والدعوة في جل ربوع العالم من حولهم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ﵃ جميعاً، والتاريخ الإسلامي والفتوحات الإسلامية التي خاضها المسلمون الأوائل فيها دلالة واضحة على عظمة وجلال هذا المنهج الإسلامي الرشيد، الذي حملوه شريعة ومنهاجاً، سيفاً ومصحفاً، حتى دانت لهم الفرس والروم، والعرب والعجم.
وإن كل محاولة للتمكين بعدهم في ظل الواقع المعاصر اليوم وما يحمله من عداء ومكائد وتفرق، لن تصل إلى كمال مرادها، وقوة تمكينها لهذا الدين، إلا إن سارت خلف هذا الركب الإيماني الرباني، وتلمست آثارهم، وحثت الخطى خلفهم، ولا يعني هذا مجرد التقليد الأعمى الذي لا يجاري التوازن بين ثوابت الشريعة وبين متطلبات الواقع المعاصر وما استحدث فيه كما تقول المدارس التغريبية والمدرسة العقلانية، لقد رأينا اليوم بعد معرفتنا لواقعنا المعاصر الأليم، أن كثيراً هم من يقولون ويبرهنون لنا أنهم سائرون خلف طريق السلف والصحابة والتابعين، ولكنهم حقيقة الأمر خالفوا طريقهم، وسلكوا مسالك للدعوة والتمكين لا تمكنهم من إثبات هذه الأقوال والدعاوى، فوقعوا في مسالك متناقضة من الجمع غير المتوافق بين مذهب السلف والخلف، وبين الصوفية والسلفية وربما العلمانية من باب حرية العقيدة، والوطن يسع الجميع والكل، وخلطوا كثيراً بين السنن والبدع التي إن تجمعت أخرجت أصلاً كلياً كبيراً، يدخل هذا المسلك الدعوي في مزالق الانحراف البعيد عن منهج أهل السنة والجماعة.
لقد وقف المنهج السلفي على طول التاريخ الإسلامي كله أمام كل الفرق والمذاهب التي فارقت وخالفت الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون، بدأً من الخوارج والقدرية والشيعة والمرجئة ومن سار على منوالهم، وقارع بعض الصحابة هؤلاء من أمثال عبد الله بن عباس وابن مسعود ﵃ جميعاً، كما تصدى جاهداً أمام العقل المعتزلي والفلسفي وأصحاب التأويل والتعطيل، وبين فساد ما ذهبوا إليه وخالفوا فيه من الحق والسنن، وفي العصر الحديث اليوم وقف المنهج أيضاً بقوة وثقة ثابتة أمام التيارات والأفكار والمذاهب المحاربة للإسلام من الشيوعية الماركسية والعلمانية والاشتراكية وغيرها وما تولد منها، وقف ليبين للناس معالم الطريق والتمكين، ومعالم الشريعة والدين، ومعالم الحضارة الإسلامية المثالية الأرقى، ولهذا لم يتوقف هؤلاء عن معاداته والتشهير به، والنيل منه، والكيد له ولأتباعه، ورميهم بالتخلف والجمود والرجعية والأصولية.
*المعادون للمنهج السلفي:-
стр. 994
لقد وقف أمام المنهج السلفي ودعوته الصافية، التي تمثل منظومة شاملة كاملة في جميع الحياة البشرية عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، ونظماً، اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، لأنه من عند الله وحده:" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً " فريقان معاصران:
الأول: المدرسة العقلانية، التي تنوعت فيها آرائهم ومذاهبهم حتى وصلت بسبب اعتمادهم على عقولهم دون الوحي المعصوم أو بالتأويل المخالف إلى حد كبير أحياناً من التناقض والاختلاف، وزعموا أن المنهج السلفي ما هو: إلا مذهب جديد مبتدع في الدين، والتمذهب به بدعة، فهو لا يعني إلا مرحلة زمنية وصفها الرسول ? بالخيرية، وأنه ليس في الإسلام طائفة متميزة تُسمى بالسلفية، وقالوا كذلك: بأن الالتزام في العصر الحاضر بالمنهج السلفي الذي سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين أمرٌ لا موجب له، لأن هذا المنهج إنما هو موقف اجتهادي منهم ولا يلزم غيرهم الأخذ به، وأن السلف أهل السنة والجماعة يتنكرون للعقل ويغضون من شأنه وينحون به جانباً، ويُنكرون استخدام القياس، ويحكمون بالضعف أو الوضع على كل ما ورد في فضل العقل من أحاديث، والقائلون بهذا يعتمدون على الجمع التراثي من المذاهب والفرق جميعاً.
أما الذين اتخذوا موقف التحديث في الفكر الإسلامي المعاصر من هذه المدرسة العقلانية، فقالوا: بأن سنة رسول الله ? تنقسم إلى سنة تشريعية يلزم العمل بها، وسنة غير تشريعية لا يلزم العمل بها، وأنه يدخل في القسم الثاني مسائل باب (المعاملات) في الفقه الإسلامي، لأنه من أمور دنيانا التي نحن أعلم بها، كما يدخل فيه تصرفات الرسول ? في القضاء والإمامة، وقالوا أيضاً: أن قضايا الاعتقاد مسائل فكرية، وأن الفكر يتغير بتغير الزمان والمكان، فالعقيدة إذن متجددة متغيرة وعلى المسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من المناهج بحسب الظروف والملابسات التي يعيشونها، وقالوا أيضاً: أن أصول الفقه علم مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وأنه نظرٌ مجرد، كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل، ومقولات نظرية عقيمة لا تلد فقهاً البتة، بل تُولِّد جدلاً لا يتناهى، وقالوا أيضاً: أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وأنه لا يمكن تطبيق الشريعة على المستجدات والظروف والأحوال المختلفة المتباينة إلا بتأسيس معقولية الأحكام الشرعية، وذلك: باتخاذ تحقيق المصالح أساساً للتشريع، وبجعل دوران الحكم الشرعي مع الحكمة والمصلحة لا مع العلة، وبربط الأحكام الشرعية بأسباب نزولها.
стр. 995
والمتأمل لهذه الأقاويل والنزعات العقلية، يتبين له أن العقل البشري عقل قاصر عن إيجاد حلول ثابتة وصالحة لكل الأزمان والأجيال والأعصار، والأخطر من ذلك في مسلكهم هذا ذوبان الشريعة الإسلامية وأحكامها على مر العصور، حيث أننا لو تعاملنا مع نصوص الكتاب والسنة كما تقدم آنفاً بهذا المنطلق المنعزل عن فهم الوحي وفق المراد الرباني والنبوي الصحيح، لأدى ذلك إلى نقصان الأحكام الشرعية في شتى مجالات الحياة سياسية كانت أو اقتصادية أو أخلاقية أو تعبدية أو عقدية أيضاً، ولأدى إلى ذوبانها على مر العصور والأزمان فرأينا شريعة وأحكاماً متناقضة تماماً مع الوحي المعصوم من الكتاب والسنة، لأن هذه المدرسة وقفت من نصوص الوحيين المعصومين موقفاً متناقضاً، حيث يقولون إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل على النقل، ولا ريب أن هذا سخف من القول وضلال، إذ إن موجب العقل يقتضي خلاف ما ذهبوا إليه، لأن الله تعالى ما أوجد العقل ليتناقض مع وحيه المنزل، هذا من وجه، أما الوجه الآخر أن نصوص الكتاب والسنة لا يكون فيها اختلاف ولا تعارض في الأصل، لأن الله تعالى لا يجمع في شريعته ودينه ما يخالف بعضه بعضاً وينقض بعضه بعضاً، إنما التعارض في قصور الفهم الصحيح لمراد الله تعالى ومراد رسوله، وقد تكلم الفقهاء والأصوليون في هذه المسائل وبينوا طرقاً كثيرة في رفع توهم التعارض بين النصوص الشرعية. وأما الوجه الثالث: أنهم ما حققوا الإيمان والتسليم لمراد الله ومراد رسوله ﷺ ، إذ إن العقل يقتضي أن التسليم والإذعان من كمال الإيمان بالوحيين الصافيين القرآن والسنة، كما قال تعالى:" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينا"، وقوله تعالى": فلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما "،وكلام على بن أبي طالب ﵁ أن الدين لو كان بالعقل لكان المسح على الخفين من أسفل، فهذه المدرسة العقلية لا تحمل منهجا ً عقدياً صحيحاً واضحاً تقدمه لأتباعها والمخدوعين بها، ولا تحسن إلى اليوم إلا ضرباً من علوم المناطقة والفلاسفة، الذين عارضوا الشرائع بالآراء والفلسفات الكلامية، وهم يظنون أنهم على باب من العلم لا يحسنه غيرهم، فأنكروا الغيبيات كالملائكة وعذاب القبر ومعجزات النبي ﷺ الحسية، ومنهم من وقع في التأويل الباطل الذي ليس له من الشرع دليل ولا برهان.
الثاني: المدرسة التغريبية، التي تفرعت هي الأخرى ما بين اتجاهات علمانية وماركسية شيوعية، وهؤلاء خلطوا كثيراً وتخبطوا كمن سبقوا في فهمهم لحقيقة السلفية ومذهب السلف، فقد أدخلوا كل منتمٍ للإسلام تحت أي مسمىً في مفهوم السلف والسلفية دون تمييز منهم بين المناهج والمعتقدات، وهذا مسلك خطير حيث يبن عورهم العلمي، وجهلهم التاريخي سواء للسلفية أو سائر الفرق المنسوبة للإسلام.
стр. 996
لقد بنوا طريقة تعاملهم مع السلفية على ما نشأ عندهم في القرون الوسطى المظلمة، حيث رجال الكنيسة والمعبد، الذي لا يحسنون قيادة الحياة ومواكبة الركب الحضاري، لأنهم كانوا منشغلين بكنائسهم ومعابدهم وطقوسهم، ومن هنا نشأت دائرة الانفصام بين الدين والدنيا عندهم، واعتقدوا بذلك أن سبب كل تخلف عن ركب المدنية والحضارة، إنما منشأوه من التدين والدين، فصارت العلمانية والتمرد على القيم والانفتاح المنفلت هي شعارات التقدم والرقي للمدنية المزعومة، ومن ثم تعامل هؤلاء مع المنهج السلفي الإسلامي بنفس المعطيات والآفات، فحكموا عليها وعلى أتباعها وأنصارها، والداعين إليها بأنهم من الذين يريدون عودة العالم من جديد إلى عصور الظلام والجهل والتخلف، فوسموها بالتخلف والرجعية والتأخر عن مواكبة مستجدات الواقع المعاصر، مع أن السلفية الإسلامية هي عدو للتخلف والتأخر والرجعية، كما أنها أساس وعماد للحضارة الإسلامية طيلة عشرة قرون متتالية، وستظل هكذا بأمر الله وحده.
ولم يقفوا عند هذا التغريب بل تعدى ذلك إلى إيجاد مدرسة أخرى من بين هؤلاء المسلمين، تحمل سمومهم وأفكارهم وحقدهم على هذا الدين، وأضفوا عليهم ألقاباً زائفة ليوهموا السائرين في ركابهم أنهم " المثقفون، والمتقدمون، والتنويرون، والتطويريون، والنخبة "، إلى غير ذلك من أنواع النفخ والتكبير الذي لا يعدوا نفح الكرة بشيء من الهواء المعبأ، فرجعوا إلى بلدانهم حاملين لكل تغريب وغريب، ووقفوا أما دعوة الإسلام تأويلاً وتعطيلاً وتجهيلاً، فخرج منهم الكتاب والأدباء والمثقفون، الذي حملوا على الشريعة الإسلامية بالهدم للثوابت والأصول، والاتهام بأنها قاصرة عن مواكبة مسيرة الحضارة العالمية المسرعة في التقدم والمدنية، بل وعملوا على إحياء وتمجيد كل خبيث وماضٍ من التراث الفرعوني والإغريقي والروماني والوثني، وإحياء النعرات القومية والوطنية والحزبية، التي لا تزيد في أمة الإسلام إلا تفرقاً وشتاتاً، واحتراقاً من لفح الجاهلية الغربية المعاصرة منها والبائدة على طول التاريخ.
ومن هنا وقفت المدرستان العقلية والتغريبية موقف العداء الصارخ لدعوة الإسلام عموماً، المتمثلة في السلفية خصوصاً دون غيرها من سائر الدعوات والحركات الدعوية المعاصرة إلا ما ظهر منها، وتولد من كل هذا أجيال وأجيال، أصابها الخور والوهن وحب التقليد الأعمى لكل دخيل ومستغرب، ولو كان يتنافي بوضوح ودلائل وبراهين مع مسلمات وأصول الشريعة الإسلامية، هذا من حيث العداء للمنهج والإسلام.
*المخالفون للمنهج السلفي:-
стр. 997
أما من حيث المخالفة للمنهج السلفي في طرائق العمل الدعوي ووسائله وطبيعته ومنهجه، فيدخل في ذلك الجماعات الدعوية المعاصرة، والتي تحتسب غالباً في الصف الإسلامي بجميع مناهجها وتصوراتها، واتفاقها جملة على نصرة الإسلام، والسعي الحثيث لإقامة خلافته الراشدة من جديد، والمعادون للإسلام ودعوته يقفون منها كلها موقف العداء الصراح والخوف من توجهاتها وأهدافها، وهم لا يفرقون حقيقة الأمر بين الموافق منها للمنهج الإسلامي والمخالف في كثير أو قليل، فهي عندهم تمثل المشروع الإسلامي برمته، والمتأمل لواقع هذه التوجهات الدعوية والتجمعات يظهر له وجوهاً كثيرة مختلفة في طبيعة العمل والدعوة للإسلام حيث وجود الاختلافات السائغة وغير السائغة، والبدع والخلط بين الحق والباطل، والتي رجعت على جهود كثيرة من العاملين للإسلام بنوع من التردي أحياناً، والتناحر والتشاحن أحياناً أخرى، وأيضاً التفسيق والتبديع والتكفير مرات ومرات، لماذا ... ؟؟ لأن جل هذه الدعوات والحركات لم تتخذ من المسلّمة الشرعية ألا وهي: اتباع منهج الصحابة والسلف وتعاملهم مع نصوص الشرع من الكتاب والسنة، لم تتخذها طريقاً لبناء عمل دعوي صحيح، فوقفوا عند حبهم للصحابة والسلف ﵃، واكتفى هؤلاء بالثناء والترضي عليهم، ولا بأس بالاستدلال ببعض فتاويهم ومواقفهم التي توافق ولا ريب كثيراً مما ذهبوا إليه، وربما عابوا كثيراً على إخوانهم المخالفين لهم المتبعين لمنهج السلف قولاً وعملاً واعتقاداً، وقالوا بقصور نظرهم وضيق أفقهم، عن إدراك الشمولية والوسطية لحقائق هذا الدين الكبير، ولبعدهم أيضاً عن معترك الفكر والسياسة الواقعية، ومن هنا فلديهم قصور في النظر، وضحالة في الفهم، وضيق في الأفق، وحقيقة الأمر أنهم أخطأوا الطريق إلى الحق بهذا القول والتصور الذي خالط عقولهم ومنهجهم، لأن الخلط بين المنهج شيء، وبين تطبيق المنهج من حملته شيء آخر، نعم قد يقع الخطأ وتزل القدم، من بعض أناس يحسبون على الدعوة وهم في الحقيقة ثقل عليها، وهذا واقع عندهم وعند غيرهم، ثانياً: أن الاعتبار الذي ينبني عليه المنهج والعمل إنما يكون بصحة المنهج وسلامته اعتقاداً وتصوراً وسلوكاً، فلا اعتبار في الشرع للأفراد بدون ما يحملونه من مناهج ومعتقدات تحملهم على الحركة والبذل والدعوة والعمل، فإذا صح المنهج وسلم المعتقد، ننظر إلى سلوك العاملين ومدى توافقه مع ما يحملون من مناهج ومعتقدات وتصورات عن طبيعة العمل الدعوي أو غيره.
стр. 998
ثم أمر ثالث أكدنا عليه بأدلته الواضحة البينة لكل أحد بما سبق: أن حب الصحابة والتابعين ﵃ يقتضي ذلك متابعتهم والسير على طريقتهم ومنهجهم في التلقي الفريد، والتعامل الصحيح مع هذا الدين وعقيدته وشريعته، هذا بمقتضي الحب والموالاة لهم، أما بمقتضي الشرع فقد أوجب الله ورسوله ذلك إيجاباً بالأمر البين في كتابه وسنة رسوله، بوجوب اتباعهم والأخذ عنهم وعدم المخالفة لهم في شيء مما شرع الله تعالى ورسوله، إلا ما كان من قبيل ما يجد من أحكام ومعاملات تتزل عليها الأحكام الشرعية وفق منهجهم ومذهبهم، لأن الشرع لا يتعارض مع ما يجد من وسائل ومستحدثات في أمور الحياة البشرية كما توهم ما لا بصيرة عنده بالشريعة وأصولها، ولا يقف منها موقف المعارضة والمباينة إلا إن تحقق بها إفساد وإخلال يرجع على مسائل الشريعة وأعراف وأخلاق الأمة ومعتقدها ودينها، ولا حاجة لي هنا أن أعيد ذكر الأدلة في ذلك لأنها أشهر من أن تذكر، إنما الإشكال، في حقيقة الاستجابة لله تعالى والرسول ﷺ ومتابعته وأصحابه فيما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، لأن المسلم المتبع حقاً، المتسنن باتباع الهدي والسنة، لا يخالف في ذلك، بل يسلم ويذعن، ويرضى ويؤمن كما قال تعالى:" وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً "، فدلت الآية على وجوب متابعة سبيل المؤمنين والحذر من الوقوع في الوعيد لمخالفة هذا السبيل الذي سلكوه، وكما ذكرت كتب اللغة والتفسير أن السبيل هو الطريق، وأن أول المؤمنين الذين سلكوا طريق الإيمان والمتابعة لله ولرسوله ﷺ هم الصحابة ﵃، فهم أول من عرف الإيمان والتسليم وكذلك السمع والطاعة وكذلك أيضاً الاتباع للأثر، ولهذا جعلهم النبي ﷺ الميزان الحق حين وقوع الفتن والافتراق في أمته كما جاء في الحديث المحفوظ المشهور حديث الافتراق الذي وقعت فيه الأمم، والذي يقول فيه النبي ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وفي بعض الروايات: "هي الجماعة" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.، وكذلك قوله تعالى:" َلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما ".
стр. 999
فالمقصود إذاً أن المعادين والمخالفين لمنهج ومذهب السلف، وقعوا في كثير من المخالفات الشرعية الخطيرة والكبيرة مع تفاضل بينهم فيما وقعوا فيه، وكل بحسبه إلا أصحاب المناهج المستغربة والعلمانية والشيوعية الملحدة، فهؤلاء ولا ريب ليسوا على شيء، والمتأمل في واقعنا المعاصر اليوم يعلم يقيناً أن جل هذه المناهج أو كلها لن تنصر ديناً، ولن تعيد مجداً مسلوباً، ولا حقاً مغصوباً، ولن تفلح أن تقيم للإسلام دولة على كتاب وسنة بينين واضحين، يهتدي بهما الناس، ويعيشوا آمنين مطمئنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأقواتهم، ولن تفلح كذلك أن تحارب عدواً يأخذ خيرات أمتنا، وينهب ما تملكه من مقدرات وثروات وكنوز، أو يحتل أرضاً، ويهتك شرفاً، ويذل عزيزاً من المسلمين، كما أنها وفي أفضل أحوالها سيسمح لها بإقامة بعض الشعائر والعبادات، والمشاركة هنا وهنالك في بعض المشاريع السياسية والاقتصادية دون أن تكون هي مالكة زمام الأمر، أو صاحبة القرار المتفرد بالمرجعية التي تريد وتنتمي، وهذا إن وقع فلا ريب أن حل ذلك أمر ميسور لديها بقرار حكومي أو دستوري كما يقولوا هؤلاء، وهذا رأيناه في بلاد الجزائر وتركيا، وكما يحدث بالتزوير في مصر وبعض البلاد الإسلامية الأخرى، وما مشروع حركة حماس في أرض القدس وفلسطين المباركة منا ببعيد، حيث العداء له، والتصدي لسياسته ومرجعيته، فكيف إذا ساد الأمر كل البلاد وفق الشريعة الإسلامية الصحيحة المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفق منهج وفهم السلف الصالح من صدر هذه الأمة المباركة.
إن الواجب الملزم يفرض على كل الدعاة إلى الله تعالى وإلى شريعة الإسلام، أن يلزموا ما كان عليه السابقون الأولون من الصحابة والتابعين من مسائل الاعتقاد والمنهج والعبادة والسلوك في شتى شؤون الحياة الإسلامية كلها، لأن اتباعهم فيه السعادة والهدى، وفيه العز والسيادة والتمكين، فهم مكنوا في الأرض بهذا المنهج، وحكموا العالم وفتحوا البلاد، ودونوا الدواوين، واستخدموا العمال، وبنوا الحضارة في كل ميادين الحياة والعلوم، في حين أن أوروبا وغيرها كانت تعج في ظلمات الكفر والشرك من جانب، وظلمات التخلف المدني والإنساني من جانب آخر، فمن الظلم إذاً أن يوصم أصحاب هذا المنهج بأنهم لا يحسنون قيادة العالم ولا فقه الواقع، ولا يفقهون من شؤون الحياة والاقتصاد إلا ما يفقه العوام.
إن المنهج السلفي طريق للتمكين الإسلامي، لأنه منهج رباني فريد، ومنظومة شاملة كاملة في جميع الحياة البشرية عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، ونظماً: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، إنه منهج شامل لأنه من عند الله وحده:" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً " نعم، قد يقع الخطأ والخلل في حملته لأنهم بشر، لكنه يظل المنهج الرباني المعصوم، الذي يجمع بين الأصالة والثوابت، وبين التغيرات والمستحدثات وفق منهج الله وشريعته.
*******************************************
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (٣/ ٤)
(قيام المجتمع الإسلامي بواجباته الشرعية)
стр. 1000
ينبغي على المجتمع المسلم أن يقوم بدوره في بناء جيل التمكين، وأن يساهم بدوره في مسيرة الدعوة الإسلامية، ولا يقف موقف المشاهد أو المتخاذل، فلا يقدم شيئاً ولا يؤخر، وقد بين الله تعالى لنا أن بني إسرائيل لما تخاذلوا عن القيام بأعباء الشريعة، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي المنكر، حل بهم عقاب الله ولعنته وغضبه كما قال :" كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ " (المائدة٧٩)، لقد حق عقاب الله عليهم لأنهم أهملوا الوجبات التي تصون مجتمعهم من الانحراف والضياع، وتقودهم إلى الخير والرشاد.
فيجب على أمة الدعوة والهدى أن تقوم بواجبها الذي رسمه الله تعالى لها قال تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ، وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (آل عمران: ١٠٤ - ١١٠).
فهذه الآيات تبين للمجتمع المسلم ما يجب عليه تجاه دينه ونفسه، صيانة له وأماناً، لأن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحصل بها من الخير والصيانة للمجتمع المسلم الخير الكثير. ومن هنا جاءت الشريعة بها حتى في طرقات المسلمين العامة، وتوجب فيها عدم التغاضي عن هذه الفريضة.
والمتأمل في السنة النبوية يرى ذلك كما جاء في الحديث عند الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إياكم والجلوس في الطرقات" فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ : " فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله. قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".لأن المعروف دلالة على كل خير، وإرشاد لكل بر، والمعروف هو كل ما أمر الله تعالى به ورسوله ﷺ من الخير والبر والتقوى، فالمسلم في طريقه لا يكون إمعة لا يدل الناس على الخير وما فيه الصلاح والهداية لهم، وإنما يرشد ويعلم ويحث الناس عليه، فإذا وجد مسجداً يحتاج إلى تمام بناء أو ما شابه ذلك حثهم وأمرهم بالصدقة، أو إذا وجد فقيراً محتاجاً أو مريضاً أو كبير السن فإنه يأمرهم بذلك الخير وإن استطاع هو فليكن أول فاعل لذلك الخير ليكون قدوة للناس وإماما لهم إلى الجنة ورضوان الله تعالى. لأن الأمر بالمعروف من أجل فرائض الإسلام التي تناسها كثير من الناس اليوم إلا من رحم الله تعالى، فبها قام الإسلام، وهى خيرية هذه الأمة دون غيرها من الأمم "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ".
стр. 1001
أما النهي عن المنكر: فالمنكر والمحرم كل نهي نهانا عنه الله ورسوله، وجاءت الشريعة بتحريمه والوعيد عليه، وكما قلنا أننا جميعاً في سفينة واحدة فإن غرقت غرق الجميع، فالمسلم ليس بالفاقد للبصيرة، وليس بالمتغابي عن الواجبات والمنكرات والحرمات، يهز كتفيه للمنكر ثم يقول أمر لا يعنيني فلم أتدخل فيه، هذا ولا ريب نوع من السلبية القاتلة التي يكون آخرها عقاب وغضب من الله تعالى، ولن يلحق شخص بعينه بل على كل المجتمع يقع العقاب، وترك النهى عن الشيء المنكر والمحرم من أنقص صفات بني إسرائيل التي ذكرها الله تعالى لنا في القرآن، حتى نأخذ الدرس والعبرة منهم "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".
إن المجتمع الغربي والأوربي وغيره من المجتمعات الكافرة، لا تلتفت كثيراً إلى شيء من هذه المنكرات أو تعبأ بوقوعها، إلا فيما كان عائداً لهم بشيء من مصالح الدنيا الفانية الرخيصة، فهم لا ينكرون منكراً ولا يعرفون معروفاً إلا بقايا ورثوها وتناسوها على طول الزمان، فجل شوارعهم تحولت إلى دور سينيما، وملاهي ليلية، ذات اليمين وذات الشمال، ومواقعة للفاحشة اللهم إلا خشية ملاحقة القانون الذي لا يردعهم ولا يهذب نفوسهم وأخلاقهم.
وطرقات المسلمين اليوم قد وقعت فيها كثير من مخالفات الشريعة وتعدي حرمات الله تعالى من الغش في البيع والشراء، والظلم، ... وتبرج النساء والعري والتهتك المائع الرخيص، ... وانتشار المقاهي ودور السينيما وعلوا الأصوات بالغناء والفحش من القول والبذئ منه ... وغير ذلك.
فالمسلمون يجب عليهم في حياتهم عامة، وفي طرقهم خاصة النهي عن كل ما يغضب الله تعالى، ويخالف شريعته وكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وألا يشارك الناس بعضهم بعضاً في معاصيهم ومحرماتهم.
بل الواجب على المسلم أن ينهي ويأمر ويرشد ويعلم ... ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والأسلوب المهذب المقبول للنفوس، حتى لا يفسد من حيث يريد الإصلاح، أو يهدم من حيث يريد البناء، فالأمر بالمعروف إنما يكون بالمعروف، والنهي عن المنكر إنما يكون بغير منكر.
وهذا أمر جاء به القرآن وجاءت به السنة النبوية ويحتاج إلى مزيد بيان وبسط في موضع آخر، والحديث جمع آداباً جليلة حقاً لو استقام المسلمون عليها لرأينا مجتمعاً راقياً في أخلاقه، عالياً في آدابه، آمنا في معاملاته، ... لأنه أقام شريعة الله تعالى فيما أراد الله له.
كما يجب على المجتمع الإسلامي ألا يرضي أن يحكم حياته وأوضاعه القوانين الغربية الكافرة، بل على المجتمع أن يعلن في كل موقف رفضه لهذه القوانين التي هي من صنع البشر، وليست من منهج الله، والتي تبعده عن منهج القرآن والسنة، الذي ضمن الله لنا السعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 1002
فالإسلام عقيدة وشريعة، وأي تجزئة بينهما تعني كفر بهذا المنهج الرباني كما قال تعالى: " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (البقرة٨٥). فعلينا أن نعتز بهذا الدين، وأن نعتصم بحبله قال تعالى: " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ " (الحج٧٨). هذا واجب المجتمع الإسلامي الذي يسعى للنصر والتمكين، ويسعي لرضى الله تعالى والسعادة في الدنيا والآخرة.
*************************************
الدعوة الإسلامية بين التكوين والتمكين (٤/ ٤)
(قيام العلماء والدعاة بواجبهم وتوحيد الصف المسلم)
نستطيع هنا بداية أن نقف مع مكانة العلماء والدعاة ودورهم الكبير في توحيد الصف المسلم، وبناء جيل التمكين الإسلامي بالوحدة على منهج السلف الصالح، بإيجاز في نقاط سريعة:
- إن العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم والدعوة، وورثوا الصلاح والهدى، ولا يمكن للأمة أن تتحرك بدون علمائها ومشورتهم وقولهم، وكم رأينا ثبات الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله أمام فتنة القول بخلق القرآن، وأمام علماء السوء الذي زجوا به وبأمثاله من أهل العلم إليها، ومع ذلك صبر على هذه الفتنة العمياء، لأنه لو زل وهو صاحب الكلمة الصواب، والرأي المسموع، لزل خلفه عالم كثير، فالعالم دوره كبير في نصرة الحق، وخدمة الدعوة، والحركة لها، وكم وقف العلماء في وجه الطغيان، ينصرون الحق، ويجاهدون في سبيل الله تعالى، والتاريخ مملوء بذكر آثارهم وثمار صدقهم وجهادهم.
لقد رفع الله تعالى من منزلة العلماء كما قال تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " وقال تعالى:" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وبين أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى فقد قال جل شأنه:" إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء" ولم يأمر الله تعالى نبيه ﷺ في الاستزادة من شيء إلا العلم قال تعالى:"وقل ربي زدني علما " واستشهد بهم سبحانه في أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال تعالى:" شهد الله أنّه لا أله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط "، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقتران شهادتهم بشهادة ملائكته.
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإنّ الله تعالى لا يستشهد من خلقه إلا العدول.
والأحاديث الشريفة طافحة بذكر فضل العلم وبيان فضل العلماء نذكر منها حديث معاوية: " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين " متفق عليه، ومنها حديث أبي هريرة: " ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" رواه مسلم، ومنه حديث أبي أمامة: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " ثم قال ﷺ " إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذي.
стр. 1003
فالآيات والأحاديث تبين فضل العلماء وخطورة القدح فيهم لأن لحومهم مسمومة فمن تكلم فيهم فقد هلك بتعريضه نفسه لغضب الله تعالى ففي الحديث القدسي:" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب .... "الحديث. رواه البخاري، والعلماء بلا شك من أولياء الله تعالى، قال الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
- فالواجب على العالم الذي حمل أمانة العلم والدعوة ألا يركن إلى زهرة الدنيا، ويجعل الدعوة جانباً مهملاً في حياته، كلا، بل عليه أن يكون رحالة سائحًا في محلات مدينته, ومدن قطره, يبلغ دعوة الإسلام.
انظر مثلاً كيف كانت رسل رسول الله ﷺ تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام , وتبشر به, ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة , ألا ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عن أركان الإسلام , فلما أخبره بها وقال: "لا أزيد عليهن ولا أنقص" كيف كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي ﷺ : "يا محمد, أتانا رسولك, فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ " رواه مسلم. أتاهم رسوله داعيًا, وكذلك الناس تُؤتى , ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية , ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي ﷺ لقوم هذا, وكيف فارق أهله وبيته وأولاده, وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد, ليبلغ دعوة الإسلام.
وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها, لابد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم وزعم, ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة, فافقه سيرة سلفك وقلدهم, تصل, وإلا, فراوح في مكانك، فإنك لن تبرحه ... ويروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي, أن رجالاً "خرجوا من الكوفة, ونزلوا قريبًا يتعبدون, فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود, فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم , فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالو: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد , فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا".
"كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق, أو اتباع للأمر, سأل عنه, وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة, وأحب أن يعرف أحواله". لم يكن بالمنعزل المتواري الهارب من الناس, فالداعية يفتش عن الناس، ويبحث عنهم, ويسأل عن أخبارهم, ويرحل للقائهم, ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم, ومن انتظر مجئ الناس إليه في مسجده أو بيته, فإن الأيام تبقيه وحيدًا, ويتعلم فن التثاؤب.
قالوا في التعريف بموسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي: "إنه كان ثقة صالحًا, لكنه كان في أول أمره ينتحل الإرجاء, ثم أعانه الله تعالى بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة, وذب عنها, وقمع من خالفها, مع لزوم الدين, حتى مات" ().
стр. 1004
- ولكن نرى على الجانب الآخر ممن لا يريدون لدعوة الإسلام أن تسمع، ولا أن يهتدي إليها الناس، يقفون موقف التنقيص والتشويه وإثارة الشبهات، حول هذه الكواكب المنيرة، والنجوم الزاهر، ورثة ميراث النبوة، وحملة راية العلم والإصلاح، ويقولون هؤلاء العلماء لا يصلحون لشيء من السياسات، ولا يعيشون إلا مع الكتب والأوراق، ولا يعلمون أحداث الواقع، ولا يفقهون الدوامات السياسية ولا الاقتصادية، فهم مع أنفسهم وكتبهم، وبين أطباق الطعام يتنقلون، وفريق آخر ينظر إليهم بعين السخط والبغض، لأنهم صاروا من المقربين إلى ذوي الملك والسلطان، وصارت فتاواهم وأقوالهم توافق هوى الحكام والساسة. وهؤلاء العلمانيون والمنافقون يأتون كل يوم بالشبهات حول الدعاة إلى الله تعالى، وأنهم أصحاب دنيا وشهرة، وأنهم لا يجيدون إلا لغة الصياح على المنابر، في حين أنهم يرون أنفسهم من المثقفين والمتنورين غير ذلك، فتلك النظرات والاتجاهات من الاتجاهات ساهمت كثيراً في تشويه صورة ومكانة أهل العلم، إضافة إلى المنتسبين إليهم دون فهم ولا علم ولا بصيرة.
ولكن كل هذا ينبغي أن يطرح جانباً، لأن جل هؤلاء لا يمثلون شيئاً من حجم الدعاة والعلماء الربانيين والصادقين، السائرين على منهاج العلم والنبوة، نعم هناك أخطاء وزلات، نعم هناك أهواء وهفوات، نعم هناك جهل وتقصير، نعم هناك حب الجاه والسلطان، ولكن هذا لا يعني تعميم الأحكام، ولا تضييع المكانة السامية لأهل العلم التي رفعهم إليها ربنا .
إن الأمة تقع في الضلال والفتن والبدع إذا لم يقودها العلماء الربانيون، إن الأمة تخنع للطغاة والظالمين إذا لم يصدع العلماء والدعاة بكلمة الحق في وجوه الطغاة والظالمين، إن الأمة تموت وتفنى يوم أن يُحقر العلم وحملته ودعاة الحق، وكم قرأنا وأدركنا مكانتهم يوم أن جاء التتار بالدمار، ويوم أن جاء الصليبيون بخيولهم وأذنابهم، وتصدى العلماء وقالوا كلمة الحق، وحثوا الناس على رفع رايات الجهاد في سبيل الله تعالى، واسترداد مقدسات المسلمين.
وهل وقف اليوم بأمر الله تعالى وحده في وجه الطغيان الصليبي الغربي والصهيوني على العالم العربي والإسلامي إلا العلماء والدعاة إلى الله، لقد أذن الله لمسيرة دعوة الإسلام أن تعود من جديد، ولولا أن الله غالب على أمره، لضاعت القدس وفلسطين وكل العالم الإسلامي من أول يوم دخل فيه اليهود وغيرهم إلى ديار المسلمين، فلتجتمع الأمة من جديد حول علمائها، وليكونوا هم من يقود دفة الدعوة ومسيرتها، وإلا فلا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها ودعاتها.
- بقي لنا توحيد الصف المسلم، وأعني به توحيد جهود العاملين للدعوة ونصرة الإسلام، لأنهم هم المعنيون أولاً وأخيراً؛ لأن جمهور المسلمين اليوم صاروا أتباعاً وجلهم على التقليد، إلا من وقف على شيء من البحث والعلم وأقوال العلماء، فنحن نرى بسبب التفرق والوقوع في دائرة الاختلاف السائغ وغير السائغ، متابعة للجماهير بحسب ما غلب عليه الظن أنه الحق، فترى جمهوراً مع جماعة وآخر مع أخرى وهكذا.
стр. 1005
فالمقصود أن يقوم الدعاة والعاملون للإسلام بتوحيد صفوفهم، ونزع الحقد والحسد والبغضاء من قلوبهم، وأن يقفوا وقفة رجل واحد يريد الحق والإسلام، لأن الاختلاف والتفرق كما نراه الآن أظنه هو العقبة الكبرى أمام إقامة خلافة الإسلام ونصرة المسلمين، لماذا .. ؟ لأن الحكام والظالمين نعم هم عقبة كبيرة في مسيرة الدعوة والتوحد، لكنها عقبة زائلة بزوال أسباب إيجادها، فالله تعالى ما سلط هؤلاء على الأمة والتحكم فيها إلا يوم أن تحول بأس الأمة فيما بينها، فصار الاختلاف والتفرق والشحناء والحسد، والتزكية للنفس والمنهج ولو كان على غير سنة، فسلط الله علينا هؤلاء بسبب عدم اتباعنا لكتاب الله وسنة رسوله، وهذا حق لا يماري فيه إنسان فضلاً عن متابع للكتاب والسنة.
كما أن الجماعات والدعوات اليوم كل منها يريد أن يصل أولاً قبل الآخر، بل ويرى نفسه جديراً بالوصول قبل إخوانه العاملين معه، فهو يرى من نفسه صاحب باع طويل في الدعوة، وتجربة كبيرة أيضاً .... إلخ.
ومع وجود عقبة الحكام الظالمين كثيراً، لكنها عقبة تذوب وتتلاشى أمام وحدة الصف المسلم، ووحدة الدعاة بصدق وإخلاص للحق وتجرد، كما أمرنا ربنا بقوله تعالى:" واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا .. الآية"، وكما قال ابن القيم ﵀:" لا تظن أن العدو غلب ولكن الحافظ أعرض".
إن الدعاة والعلماء إذا توحدت جهودهم ودعوتهم، فلن يقف في وجههم شيء بأمر الله، لأنهم عندها يد واحدة، ويد الله مع الجماعة، ولأن الجماهير ستكون معهم تؤيدهم وتنصرهم بهذا الدين بحب ومتابعة وشغف للعدل والسلام. ولكن هنا ستظهر أمامنا عقبات كبيرة، إذ كيف تتوحد هذه الدعوات والجماعات، وهي ترى نفسها أجدر وأحق بالتقدم والفهم والقيادة .. وكيف تتوحد وهي ترى نفسها أدق فهما، وأقدر على فهم واقع الأمة وحدها دون غيرها من الدعوات .. بل ولربما ترى نفسها أولى بالخلافة والحكم.
والمتأمل في جل هذه الاختلافات يجدها ترجع بالجملة إلى أمرين:
الأول: الجهل بحقيقة الدعوة وأصولها ومتابعة النبي ﷺ وصحابته ﵃. وقد تعجب من هذا وتقول: وهل أحد اليوم يجهل حقيقة الدعوة وأصولها، بعد هذا التعدد الدعوي والفكري واختلافاته، والجواب نعم.؟ لأننا بينا وأشرنا وأكدنا مراراً، على أصل كبير في طريق الدعوة الإسلامية، أكثر الدعاة والعاملين اليوم لا يلتفتون إليه مع أنه من أجل الأصول وأكبرها، وهو الأصل الوحيد بعد الكتاب والسنة الذي لو حققته الجماعات والدعوات، لرفع محل الخلاف والشقاق والنزاع بينهم، ولتوحدت صفوفهم، هذا الأصل يكمن في متابعة الصحابة والسلف الأول قبل كل شيء، لأن النبي ﷺ نص على ذلك بقوله:" فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً .. ثم قال. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين .. الحديث" وقوله أيضاً:" الجماعة ما أنا عليه وأصحابي".
نعم فإن منهج السلف هذا هو الإسلام بصفائه وشموله .. وما الجماعات الدعوية العاملة اليوم إلا دعاة إلى هذا المنهج .. فلا يظنن ظان أن دعوته بديلاً عن منهج السلف أو مغايرة له .. كلا، إنما الواجب أن تكون كل الدعوات إلى هذا المنهج فحسب.
فاختلاف الدعاة الآن في صورة فهمهم لمنهج السلف وطرق تطبيقه، فمن هنا يزعم كل فريق الصواب والمتابعة دون غيره، مع قرب أو بعد، في صحة هذه المتابعة أو خطأها.
стр. 1006
فالدعوات السائدة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن منهج السلف، وإنما يجب أن تكون إليه لا إلى غيره ولا إلى نفسها، هذا هو الذي تخبطت فيه بعض الدعوات اليوم.، ولم تقف على حقيقة المتابعة لهذا المنهج. ومن جهل هذا الأصل الكبير فإن في دعوته قصور وخلل، أولاً لما أشرنا إليه، وثانياً لأن النبي ﷺ أمرنا عند وقوع الاختلاف والتفرق في الأمة، وخروج الفرق النارية كذلك أن نلزم جماعة المسلمين التي وصفها بقوله:" الجماعة ما أنا عليه وأصحابي". فالمتأمل ببصيرة وفهم، يعلم جيداً الطريق الذي رسمه النبي ﷺ لأمته عند وقوع الافتراق والاختلاف.
ولست إلى اليوم أدري .. لماذا يختلف العاملون في الدعوة ومنهجها، وقد بينه الرسول هنا أشد بيان .. ؟؟ لعلي أقول إذاً إنه اتباع الهوى، ومجاراة النفوس على التحزب البغيض، والموالاة لغير الكتاب والسنة، ولكن نحسن الظن بإخواننا إن شاء الله.
الثاني: اتباع الهوى مع بعض العلم المجاري لهذا الهوى في القلب، فهذه العقبة الخطيرة من أعظم التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية في هذه الظروف الحرجة، وما يقع من فصائل العمل الإسلامي خير شاهد على ما نقول، وهذا واقع مر لا يغفل عنه إلا من حبس نفسه في مكتب مكيف أو جلس يُنَّظرُ للحركة من برج عاجي!! فما زلنا نرى من أبناء الحركة الإسلامية من إذا تكلم عن جماعته التي ينتمي إليها ويدعو لها تغاضى عن جميع أخطائها ولو بُين له ذلك بالدليل من القرآن والسنة الصحيحة، وعارض نور الضُحى بنور السُّهى وظل يبرر ويبرر حتى تصل أخيراً هذا الأخطاء - أحياناً - إلى محاسن!
стр. 1007
فجماعته هي جماعة المسلمين، وهى وحدها التي على الحق وما عداها من الجماعات فهي على الباطل، وكل ما تفعله جماعته فهو شرعي وكل ما يصدر عنها فهو الصواب، وكل تاريخها أمجاد، وكل رجالها وقادتها ملائكة!! فإن تحدث عن شيخه أو أميره في الجماعة، بالغ مبالغة كبيرة، فشيخه هو الأوسع علماً، والأقوى حُجة، والأنصع دليلاً، وإن قال شيخه قولاً صار حجةً لا ينبغي أن تناقش، وإن أفتى شيخه فتوى صارت مُلزمةً لا ينبغي أن تُرد، بل وقد يوالى ويعادى إخوانه عليها، علماً بأن الله تعالى ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من العلماء والأئمة كلا، إنما تعبدنا بما جاء في القرآن الكريم وما صح عن رسوله الأمين ? وكل عالم أو إمام يؤخذ منه ويُرد عليه إلا المعصوم، فهو وحده الذي يؤخذ منه ولا يرد عليه، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحىُ يوحى، ومن أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه - قوله: "وصاحبُ الهوى يُعميه الهوى ويصمٍّه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه ولا يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السَّنة، وأنه الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه، هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليُعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله، ولم يكن مجاهداً في سبيل الله فكيف إذا كان الذي يَّدعى الحق والسنة هو كنظيره، ومعه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة؟! " وهذه العقبة الخطيرة - اتباع الهوى - تحتاج من الدعاة إلى صبر طويل وإلى جهاد مرير لهوى النفس وشهواتها والاستعلاء على رغباتها طاعة لله وطمعاً في رضاه وهذا لا يكون إلا بالتجرد والإخلاص والعمل ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، بغض النظر على لسان من أُعلنت كلمةُ الحق ما دامت كلمةُ الحق ستقال، وبغض النظر عن من الذي سيرفع راية الإسلام ما دامت راية الإسلام ستظل مرفوعة خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء، وبغض النظر عن مكاننا على طريق الدعوة هل هو في مكان الصدارة والقيادة أم هو في المؤخرة بين صفوف الجنود ما دام عملنا على طول الطريق خالصاً لله جل وعلا. ()
فالمقصود: أن هذين الأمرين: الجهل واتباع الهوى هما أشد العقبات على تنوعها، أما توحيد الصف المسلم لمواجهة الطغاة والظالمين في الداخل والخارج، فطريق النجاة وتوحيد الأمة والدعاة يرجع بعد كل هذا إلى:
١ - رفع الجهل من النفوس والمناهج بحقيقة الدعوة وأصولها وفق الكتاب والسنة، ومتابعة أهل العلم في بيان ذلك.
٢ - الاتفاق على أن منهج السلف هو المنهج الإسلامي الوحيد الذي يحتوى في أصوله ومبادئه، أصول توحيد الأمة والصف المسلم، كما أنه يدعى إليه لا إلى غيره. فنحن ندعوا إلى الأصيل لا إلى البديل عنه، وكما جاء:" ومن شذ شذ في النار"، فيجب على الأمة اتباعه دون تذبذ أو التواء.
٣ - التجرد والإخلاص، وترك متابعة الأهواء والنفوس والمناهج التي تخالف الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
٤ - توحيد الهدف والغاية من كل هذه الدعوات، بأن يكون تحكيم شريعة الله في الأرض، وتعبيد الناس لهذا الشرع الذي هو تعبيد لهم لله وحده دون من سواه من البشر والقوانين والطواغيت.
٥ - ثم تربية الجيل المؤمن على ذلك، وكما أشرنا من قبل، عندها لن يتأخر وعد الله لنا بالنصر والتأييد والتمكين كما قال تعالى:" إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
المصدر: شبكة القلم الفكرية
стр. 1008
حكم الضرب بالدف والطبل وسماعهما
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
٢٨ محرم ١٤٣٠هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين
أما بعد:
فالأصل في جميع أنواع المعازف تحريم سماعها واستخدام آلاتها للرجال والنساء معاً لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ مرفوعاً: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ والخَمْرَ والمَعَازِفَ)؛ أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم.
ولحديث عامر بن سعد البجلي قال: (دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود وجوارٍ يضربن بالدف ويغنين فقالوا قد رُخِّصَ لنا في اللهو عند العرس) (حديث حسن رواه النسائي وغيره) والرخصة لا تكون إلا بعد أمر محظور أو محرم.
والدف والطبل من هذه المعازف قطعاً، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر: (العزف: اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب به)
وقال ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٤٨٤): (وآلات المعازف: من اليراع والدف والأوتار والعيدان).
وقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٦): (وفي حواشي الدمياطي، المعازف: الدفوف وغيرها مما يضرب به).
فالدف والطبل لغة وشرعاً من المعازف التي ورد النص بتحريمها.
والفرق بينهما على الراجح أن الدف مفتوح من أحد طرفيه وليس له جلاجل أما الطبل فمغلق من الجهتين، قال الحافظ ابن حجر: (الدف الذي لا جلاجل فيه فإن كانت فيه جلاجل فهو المزهر) (الفتح ٢/ ٤٤٠)
إذا علمت هذا الأصل فاعلم أنه قد جاءت أحاديث مستثنيةً استخدامَ الدُّفِّ للنساء والصغار فقط وبقي الرجال على الأصل، وليس هناك حديث عن رسول الله ﷺ أو أثر عن صحابي أو تابعي أن رجلاً ضرب بالدف أو ضرب أمامه رجل.
ومما يدل أيضاً على أن الأصل في الضرب بالدف التحريم إقرار النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ في نعته للدف بمزمور الشيطان عندما سمعه من الجويريات، وهذا النعت لم يأت إلا نتيجة لما استقر في ذهن أبي بكر ﵁ من التحريم العام للمعازف، ومنها الدف، إلا أن النبي ﷺ بين له أن الدف أبيح استثناءً للجويريات في يوم العيد، بل إن رسول الله ﷺ نفسه نسبه إلى الشيطان بقوله: (إن الشيطان ليخاف منك يا عمر) لما ألقت الجارية الدف عند مقدم عمر بن الخطاب ﵁ فلو كان في أصله مباحاً ما نسبه للشيطان.
وأما الأحاديث الوارد فيها الأمر بصيغة الجمع كحديث عائشة ﵂ وفيه (واضربوا عليه بالدف)، وحديث معاذ ﵁ وفيه (دففوا على رأس صاحبكم)، وحديث أنس ﵁ وفيه (اضربوا على رأس صاحبكم).
فكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة.
إذاً فالدف أبيح استثناءً من الأصل وللنساء والصغار فقط كما تقدم.
وقد تتبعت جميع الأحاديث التي أباحت استخدام الدف فكانت كلها للنساء والصغار ولا تخلو من حالتين: العرس والعيد وهناك حالة ثالثة فيها خلاف بين أهل العلم سيأتي الكلام عنها مفصلاً وهي عند قدوم غائب.
فمن الأحاديث التي أباحته في العرس حديث الربيع بنت معوذ ﵂ قالت دخل علي النبي ﷺ غداة بُنِيَ عَلَيَّ فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويريات يضربن بالدف .. ) رواه البخاري
ومن الأحاديث التي أباحته في العيد: (حديث عائشة أن أبا بكر ﵄ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي ﷺ متغش بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى) رواه البخاري
стр. 1009
بل إنَّ جميع ما ورد في الأحاديث الصحيحة الصريحة في استخدام الدف، إنما كان من الجويريات الصغيرات، إلا حديث بريدة ﵁ وسيأتي الكلام عنه.
ففي حديث عائشة ﵂ في النكاح (فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف) رواه الطبراني في الأوسط.
وفي حديث الربيع بنت معوذ ﵂ (فجعلت جويريات يضربن بالدف) رواه البخاري.
وفي حديث أنس ﵁ (فإذا هو بجوار يضربن بدفهن) رواه ابن ماجه.
وفي حديث عائشة ﵂ في العيد (وعندها جاريتان تضربان بدفين) رواه أحمد والنسائي.
لكن هناك فرق بين حكم ضرب الرجال للدف، وبين سماع الرجال لضرب الدف؛ لأن سماع الرجال لضرب الدف إذا كان من الصغار وفي العرس أو الأعياد فهو جائز وقد وردت فيه أحاديث تقدم بعضها.
أما ضرب الدف عند قدوم الغائب فقد ورد فيه حديثان:
الأول: حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: (أنه ﷺ مرَّ ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين) رواه ابن ماجة وليس عنده أنه قدم المدينة فلا يُستشهد به على قدوم الغائب ثم إنهن صغيرات يدل على ذلك قوله ﷺ كما في آخر الحديث: (يعلم الله أني لأحبكن).
والثاني: حديث بريدة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً -وفي رواية: سالماً- أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها رسول الله ﷺ إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه فقال رسول الله ﷺ إن الشيطان ليخاف منك يا عمر) رواه الترمذي
والذي يظهر أن هذه الحادثة واقعة عين لم تتكرر فلا عموم فيها ولا تُعارض بها النصوص.
وواقعة العين هي الحادثة الظنية التي تعارض أصلاً أو قاعدة كلية في الشريعة وتكون محتملة لأكثر من تأويل، وقضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، ومن الأمثلة المشهورة في واقعات العين قصة رضاع سالم مولى أبي حذيفة من سهلة بنت سهيل ﵃ والمعروفة عند الفقهاء برضاع الكبير.
وعليه فهذه الحادثة واقعة عين لا عموم لها, وحوادث الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام, فالجارية نذرت أن تضرب فوق رأس النبي ﷺ فرحاً بعودته سالماً, وهذا لا مماثل له ليُقاس عليه، والذين أباحوا الضرب بالدف في كل مناسبة فرح وسرور وعند قدوم أي غائب غفلوا عن النهي الصريح من النبي ﷺ عن الضرب بالدف ما لم تكن قد نذرت, والنهي قد جاء في الحديث نفسه بلفظ: (وإلا فلا) وفي لفظ آخر: (وإلا فلا تفعلي) فهذا نهي صريح عن الضرب بالدف فرحاً بعودته ﷺ , والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم واستُثني من ذلك أن تكون قد نذرت أن تضرب فوق رأسه هو ﷺ فالحالة المستثناة من النهي الصريح هي حالة النذر بالضرب فوق رأسه هو, فرحاً بعودته هو ﷺ فالخصوصية هنا واضحة ولله الحمد.
ولو سلمنا بأنها ليست خصوصية وأنها ليست واقعة عين فليس فيها دليل على جواز الضرب بالدف لكل قادم فما أكثر سفر الصحابة وقدومهم ومع هذا لم ترد رواية واحدة أن أحداً من النساء أو الجويريات ضرب بالدف على رأسه فضلاً عن الرجال.
أقوال أهل العلم:
١ - قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث إبراهيم: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري في الطريق معهن الدفوف فيخرقونها (الأمر بالمعروف للخلال ١/ ١٧٢)
стр. 1010
٢ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (رخص للنساء أن يَضْرِبْنَ بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يَكُنْ أحدٌ منهم يضرب بدف ولا يصفق بكَفٍّ) (مجموع الفتاوى ١١/ ٥٦٥)
٣ - وقال الحافظ ابن كثير: (نقل غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على تحريم اجتماع الدفوف والشبابات، ومن الناس من حكى في ذلك خلافاً شاذاً، وأما انفراد كل واحد من الدف واليراع (القصبة) ففيه نزاع في مذهب الإمام الشافعي والذي عليه أئمة الطريقة العراقية التحريم وهم أقعد بمعرفة المذهب من الخراسانيين، ويتأيد ما قالوه بالحديث المتقدم -يعني حديث ليكونن من أمتي- ولا يستثنى من ذلك إلا ضرب الدف للجواري -الصغيرات- في مثل الأعياد وعند قدوم الغائب المعظم وفي العرس كما دلت على ذلك الأحاديث كما هو مقرر في مواضع، ولا يلزم من إباحة ذلك في بعض الأحوال إباحته في كل حال) (ملحق كتاب الكلام على مسألة السماع لابن القيم ص ٤٧٣)
٤ - وقال الحافظ ابن القيم: (فكل متكلم بغير طاعة الله ومصوت بيراع أو مزمار أو دف حرام) (إغاثة اللهفان ١/ ٢٥٦)
٥ - وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (٦/ ٨٢): (ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية ... فأما الغناء بغير ضرب دف، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز. وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة)
٦ - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (واستدل بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن) فتح الباري (٩/ ١٨٥)
٧ - وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي: (حكى الإمام البيهقي عن شيخه الإمام الحليمي -ولم يخالفه- أنَّا إذ أبحنا الدف فإنما نبيحه للنساء خاصة. أ. هـ. وعبارة منهاجه: وضرب الدف لا يحل إلا للنساء لأنه في الأصل من أعمالهن وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء) (كف الرعاع للهيتمي) (٢/ ٢٩٢)
وقال: ( ... إن جماعة كثيرين من أصحابنا قالوا بحرمته -يعني الدف- في غير العرس والختان بل اعترض تصحيح الشيخين إباحته في غيرهما بأن الذي نص عليه الشافعي ﵁ وعليه جمهور أصحابه أنه حرام في غيرهما ... وأما الإباحة مطلقاً فلا دليل عليها والاستدلال له بلعب الجواري به ضعيف، لأنهم سومحن بما لم يسامح به المكلفون) (كف الرعاع ٢/ ٢٩١)
أما الختان فلا أعلم فيه حديثاً يصح عن رسول الله ﷺ ولا أثراً عن صحابي.
والخلاصة:
١ - أن الطبل محرم في أي حال وعلى كل أحد لأنه من المعازف التي لم تُستثن من الأصل.
٢ - أن الدف من المعازف المحرم على الرجال الضرب بها على أي حال وفي أي مناسبة.
٣ - أنه رُخِّص فيه للنساء وللصغيرات خاصة وفي الأعراس والأعياد فقط.
٤ - أنَّ سماعه للرجال من الصغيرات مباح في الأعراس والأعياد فقط.
٥ - أنه لا يجوز الضرب به في المناسبات الأخرى كقدوم غائبٍ، أو في ختانٍ، أو عند شفاء مريض, أو تخرج من جامعة, أو حصول على درجة علمية, أو منصب رفيع أو ما شابه ذلك.
٦ - أنه لا يجوز سماعه من أشرطة الكاسيت إلا في المناسبتين التي رُخص لنا فيها ومن النساء أو الصغيرات.
والله أعلم
стр. 1011
الشاب المسلم بين السلبية والإيجابية
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
الحمد لله الأول، والآخر، الظاهر، والباطن؛ الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم، الحمد لله القائل في محكم التنزيل: (اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ خلق الإنسان من علق).
أما بعد:
فإن (الإيجابية) و (السلبية) كلمتان شاع استعمالهما في الأزمنة الأخيرة استعمالاً كثيراً على كافة المستويات؛ يستعملهما الصحفيون، والمؤلفون، وعامة الناس، فتجدهم يقولون هذه (ظاهرة إيجابية) وتلك (ظاهرة سلبية) و (فلان إيجابي) و (فلان سلبي). ولا نعلم لهاتين الكلمتين مدلولاً شرعي، لكن كما قيل: لا مشاحة في الاصطلاح. فالألفاظ أوعية للمعاني.
الإيجابية: تحمل معاني التجاوب، والتفاعل، والعطاء، والمساهمة، والاقتراح البنَّاء. والشخص الإيجابي: هو الفرد، الحي، المتحرك، المتفاعل مع الوسط الذي يعيش فيه.
والسلبية: تحمل معاني التقوقع، والانزواء، والبلادة، والانغلاق.
والشخص السلبي: هو الفرد البليد، الذي يدور حول نفسه، لا تتجاوز اهتماماته أرنبة أنفه، ولا يمد يده إلى الآخرين، ولا يخطو إلى الأمام.
وهذا التصنيف، أمر مشهور في القديم والحديث، فإن الله قسم الأخلاق، كما قسم الأرزاق. لكن الذي يهمنا، في هذا المقام، واقع الشباب المسلم الذين انتظموا في سلك الدعوة إلى الله، وحُسبوا من شباب الصحوة الإسلامية، فقد يصاب الشاب بداء السلبية، ويفقد مزية الإيجابية دون أن يشعر. تضمه حلقة ذكر، فيظن نفسه إيجابياً ويرى أقرانه في الشوارع، لا يشهدون ما يشهد، فيقول: هؤلاء سلبيون، وأنا الإيجابي.
فلا يسوغ أن نخدع أنفسنا، ونغش ذواتنا، بل علينا أن نتأكد بصورة حقيقيةٍ، من واقعنا وحالنا.
إننا حين نرصد هاتين الظاهرتين (الإيجابية)، و (السلبية)، في حياة المؤمنين، فإننا نجد أمثلة نادرة لقوم منَّ الله تعالى عليهم بالإيمان الفاعل، المتحرك، الذي نسميه في مصطلحنا المعاصر (الإيجابية). ومن تلكم الأمثلة:
أولاً: قصة مؤمن القرية
قال: الله : "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" لنتأمل حال هذا الرجل الداعية، من خلال عدة وقفات:
الوقفة الأولى: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) جاء من مكان بعيد؛ لم يمنعه بُعد المكان أن يأتي ليبلغ دعوته، وينشر معتقده، فقد جاء من أقصا المدينة! فلم يقل: الشُّقة بعيدة، والمسافة طويلة، والأمر صعب، بل اطرح جميع هذه المعوقات. هذه واحدة.
والوقفة الثانية: إنه جاء (يَسْعَى) ولم يأتي ماشياً! فإن ما قام في قلبه من الحماس، والحمية، والحركة، والرغبة، في نقل ما عنده إلى الآخرين، حمله على أن يسعى.
الوقفة الثالثة: (من أقصا المدينة) وعادةً، لا سيما في الأزمنة السابقة، لا يسكن أقصا المدينة إلا بسطاء الناس، وضعفاؤهم، وفقراؤهم، فلم يمنعه ما هو عليه من شظف العيش ودنو المنزلة الاجتماعية، من أن يجهر بدعوته.
الوقفة الرابعة: "قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" كلمة ً صريحةً، واضحةً، صرخ بها بين ظهراني قومه. ولربما كان هذا الإنسان قبل أن يمن الله تعالى عليه بالإيمان، لا يقوى أن يرفع طرفه إلى الملأ من قومه، مما يجد في نفسه من الشعور بالذلة والمهانة، فهو ليس
стр. 1012
من علية القوم، يعيش في قصر في قلب البلد، لا وإنما يعيش في ضواحيه، وأطرافه وكما قال بعض المفسرين: أنه كان يعمل (إسكافاً) وهي مهنة بسيطة دنيئة. لكن الإيمان الذي وقر في قلبه، حمله على أن يشعر بعزة الإيمان، واستعلائه، فيصيح بين ظهراني قومه، قائلاً: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"، دون سابق ممارسة، واعتياد. وإنما يتكلم الإنسان، ويمتلك الشجاعة الأدبية، لما يقوم في قلبه من الإيمان العميق بالحق الذي يعتقده. فلماذا نتلجلج أحياناًً؟ ولماذا نتلكأ؟ ولماذا نحجم؟ إن هذا ناتج عن ضعف الإيمان، وبرودة المعاني التي نعتقدها، أما إذا حَيَت في قلوبنا هذه المعاني، فإنها ستظهر على فلتات اللسان، وحركة الأبدان، للتعبير عنها.
الوقفة الخامسة: "اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ": هاهو يناظرهم، ويجادلهم، ويشير إلى بعض نقاط الخلاف بين قومه وبين أولئك الرسل الكرام الذين أرسلوا إليهم، ثم يسوق الحجج العقلية، والفطرية، فيقول: "وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ"
هذا مثال لمؤمن حمله إيمانه الحق الصادق، على أن يجهر بدعوته، لا يجمجم، ولا يهمهم، وإنما يأتي بها صريحة، واضحة، بينة، في منتديات الناس. إيمان فاعل، إيمان ناشط، إيمان واعٍ؛ يدرك تبعاتها، وآثارها، وما سوف تجر عليه من مسؤوليات، لكن ذلك لم يمنعه ولهذا قال ذلك الكلام بين ظهراني قومه، ونادى بملأ فيه: "إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ " فقتله قومه شر قتله، حتى ذكر بعض التابعين الذين يروون عن أهل الكتاب أن قومه وطئوه بأقدامهم حتى قضوا عليه، وقيل أنه قطعوه إرباً.
ولكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد! يظل الإيمان الفاعل يحمل صاحبه على النصح للآخرين، قائماً، فبعد أن بُشِّر:"قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ"! سبحان الله! حتى بعد الموت، والفوز بالجنة، لا يزال في قلبه الشعور بالرغبة في العطاء، الرغبة في البذل، والنصح للآخرين. ولم يشأ أن يتشفى بهم، أو يجعل ذلك ذريعةً للنيل منهم، وإنما تمنى من سويداء قلبه أن يعلم قومه بعاقبته، لعل ذلك يحملهم على أن يقبلوا نصحه. قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لَمَّا عاين من كرامة الله. وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"، وبعد مماته في قوله: " يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ"رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير، ﵀: (ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب، والجزاء، والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه)
ثانياً: قصة الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁:
стр. 1013
كان يتحاشى، ويحاذر أن يسمع كلام النبي ﷺ ، بسبب تحذير قريش. فلما سمعه، وأدرك صدقه، بعقله، وثاقب نظره، وفطرته السليمة، آمن. ولكن الرجل لم يكتم إيمانه في قبيلته (دوس)، ولم ينكفئ على نفسه، دون أن يكون له أثر. وإنما طلب من النبي ﷺ أن يجعل له آية. فلما أقبل على قومه، جعل الله له نورا ً بين عينيه. فسأل الله تعالى أن تكون في غير هذا الموضع، حتى لا يظنها قومه مُثله. فكانت في رأس سوطه. فلما جاءه أبوه قال: إليك عني، ما أنا منك، ولا أنت مني! وصنع ذلك مع زوجه، وقبيلته. فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: إني ءامنت بالله، فإما أن تؤمنوا بما آمنت به، أو أفارقكم. فلم يزل بهم حتى وافقوه. وقدم على النبي ﷺ عام خيبر، ومعه سبعون من قبيلته دوس! رجل واحد يأتي بسبعين رجلاً، منهم أبو هريرة!
فلو لم يكن من فضائله، ﵁، إلا أن أسلم على يديه أبو هريرة، ﵁، لكفى. كفى أن أبا هريرة، أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ ، حسنة من حسنات هذا المؤمن الفاعل النشيط، الذي وقر الإيمان في قلبه، فظهر على أعماله وسلوكه.
وصف الظاهرة
اسمحوا لي الآن بعد عرض هذين المثلين الإيجابيين، أن أعرض لوصف مظاهر السلبية، التي صارت تتفشى في مجتمعات كثير من الشباب الصالحين هذه الأوقات. فقد كان الشباب في مطلع هذه الصحوة المباركة، فيهم من القوة، والبذل، والتضحية، بالأوقات، والحماس للدعوة إلى الله ، ما هو مضرب المثل. وكانوا قلة يواجهون باللوم، والتقريع، وإطلاق ألقاب السوء عليهم. فلم يزالوا صابرين، ناصحين، باذلين، حتى فتح الله على أيديهم، وكثر المهتدون بسببهم. ثم بتنا نرى جموعاً من الشباب، يحبون الخير، ويشهدون مجالسه، ولكنهم أقل عطاءً، وأضعف إنتاجاً، وأثرهم في المجتمع ضعيف. أصيبوا بداء (السلبية).
وهذه الظاهرة تنشأ عبر خطوات؛ فتجد الشاب يعيش في مرحلة ما قبل الاستقامة حياةً ممتلئة، فعالة، مؤثرة، تضج بالعطاء، والحيوية، والذهاب، والإياب، والانشغال، لكن في مجال الباطل، والغفلة، واللهو؛ رحلات متتابعة، سفريات، وزيارات، ومشاريع كثيرة جداً. ثم يلتزم الشاب، ويجد طعم الراحة الإيمانية، وتتساقط عنه همومه، وإشكالاته، ويحس بالخفة النفسية. وهذه مرحلة طبيعية، وفرح إيماني صحيح. لكن بعضهم يسيطر عليه شعور بالانسحاب من الحياة العامة، والعيش في جو مغلق محدود، لا يتناسب من حيث العطاء مع وضعه السابق، إذا به يعود منغلقاً على نفسه، مطأطأ الرأس، خافت الصوت، لا ينتج، ولا يبذل. ويصدق عليه المثل القائل: (جبَّار في الجاهلية خوار في الإسلام)
ثم تجد أن هذا الشاب الذي أصيب بهذا الداء داء (السلبية) يطمئن نفسه ببعض المسكنات، فيقول: هاأنذا أساهم مع الشباب في حضور بعض الأنشطة، وهاأنذا أحضر مناسبات الخير، وإذا دعيت أجبت. ويعتقد أنه بهذه المساهمات المحدودة، البسيطة قد أدى ما عليه. يشعر بالاكتفاء، والامتلاء. وهذا في الحقيقة داء.
ليس المقصود أن تكون رقما فقط،، كلا! إنك حينما اهتديت إلى الله ، بات المطلوب منك أن تحمل غيرك، كما حملك غيرك، وأن تكون فاعلاً، مؤثراً، كما كنت قبل ذلك، لا أن تملأ المجالس، ويكون دورك فقط الدور الحضوري.
стр. 1014
ثم لا يلبث صاحبنا أن تنشأ عنده اهتمامات جانبية، تافهة، تكون هي شغله الشاغل. وقد يتعدى الأمر إلى خطر أكبر، فيقع في الفتور، إذا طال عليه الأمد كما قال الله : "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"الحديد"، فيقسو قلبه، وتموت أحاسيسه، وانفعالاته الإيمانية، ولا يستجيب لما كان يستجيب له من قبل. وربما أفضى به ذلك إلى الردة، والانتكاسة، كما نسمع بين الوقت والآخر: إن فلاناً أصابه شيء، وانتكس والعياذ بالله.
وربما ابتلي هذا الإنسان السلبي، بمرض آخر خطير، وهو (حب النقد) و (توزيع التهم) و (الانشغال بتجريح الآخرين). فإنك، غالباً، لا تجد من يشتغل بالنقد، والتجريح، والوقيعة في الناس، ولاسيما الدعاة، والعلماء، إلا الفارغين. فالفارغون الذين ليس عندهم عمل، ولا دعوة، ولا طلب علم، ولا حسبة، شغلهم الشاغل أن يتكئ أحدهم على أريكته، ويشير بأصبعه السبابة، قائلاً: هذا صح، وهذا خطأ! وفلان أصاب، وفلان أخطأ! وربما لم يبلغ بعد أن يحسن تلاوة الفاتحة، أو يحفظ باباً من العلم.
السلبية في البيت
ففي البيت، ليس له تميز، ولا أثر؛ لا يأمر بالمعروف، ولا ينهي عن المنكر. وربما قصر في الحقوق الواجبة عليه من البر والصلة. لا يميز أهله بينه، وبين أخيه غير المستقيم، بل قد يفوقه بعض إخوانه في نفع أهله. وربما لا يقوم بتعليمهم ما يتعلم، ولا يجلب لهم الأشرطة، ولا الكتيبات، ولا يجلس معهم، ولا يحدثهم بأحاديث إيمانية، ولا يناصحهم ولا يسألهم عن ماجريات أمورهم. فهذا لاشك أنه نوع من السلبية.
وليستذكر كل واحد الآن، ماذا يصنع في بيته؟ هل أنت شعلة مضيئة؟ هل أنت زهرة فواحة، تنشر أريجها، وعبقها في كل ركن من أركان البيت؟ ولهذا قال النبي ﷺ : (خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي. فلماذا نحرص على الخير خارج بيوتنا، ونهمل بيوتنا، وهي ألصق بنا، وأولى ببرنا، وعطائنا؟! لا شك أن هذا يكشف خللاً في التربية، والتدين.
السلبية مع الزملاء
في المدرسة، أو الكلية، تجد علاقة هذا الإنسان المصاب بداء السلبية، مع زملائه علاقةً عادية في أحسن أحوالها، لا قدوة، ولا أخلاق، ولا تميز. فالمفترض في من يحمل بين جنبيه إيماناً دافقاً، أن يكون بين زملائه، الذين هم أصلاً مهيئون لطلب العلم، داعية، ومذكراً، وأن يباشرهم، ويتعرف على أحوالهم، ويدعوهم إلى الله، ويربيهم، ويتبادل معهم الخبرات، والمعلومات. يعطي هذا شريطاً، ويهدي لهذا كتيباً، ويتفقد حال هذا، ويزور ذاك في بيته. إلى غير ذلك من صور التفاعل الإيجابي، لا أن يقعد ويحتل كرسياً في الفصل، دون أن يكون له أثر. وربما اجتاح الميدان غيره من دعاة السوء، واللهو، والعبث، فصاروا هم المقدمين، الذين لهم الكلمة النافذة، الذين يوجهون مناشط الفصل، ومناشط المدرسة، وبرامج الكلية، وهو يتفرج، لا يحرك ساكناً، لا يقدم ولا يؤخر. كما قيل:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود
سائل نفسك: حين تكون عضواً في جمعية النشاط المدرسي، أو برامج النشاط التي تقام في الكليات، والجامعات، هل أنت تقدم الأفكار، والاقتراحات، والملاحظات، والمبادرات؟ فإن هذا لون من ألوان التفاعل والإيجابية، أم تكتفي بالحضور الصامت؟
السلبية في المسجد والحي
стр. 1015
تجد هذا الشاب الموصوف بالسلبية، لا ثقل له بين جماعة مسجده، ولا اعتبار. نكرة من النكرات، لا يعرفه أحد! لأنه لا يبذل نفسه، ولا يسعى في حاجة المسجد، ولا يساعد جماعته، ولا يعظ، ولا ينصح، بل يأتي ليصلي، ثم ينصرف سريعاً، كأنه عابر سبيل. بل إنك تجد أحيانا ً بعض العامة يبذل في هذا المجال بذلاً عظيما؛ إذا جاء شهر رمضان، رأيت طائفة من الناس يشتغل في تهيئة المسجد، لصلاة التراويح، والعناية بالصوت، والإضاءة، وغير ذلك، وصاحبنا لا ناقة له، ولا جمل.
سائل نفسك: حين تكون منتمياًً لحلقة تحفيظ القرآن في المسجد، هل أنت على صلة بزملائك، تناصحهم، وترشدهم، وتثبتهم، وتحضهم على المواصلة في الحفظ؟ وسائل نفسك: ما هو دورك حيال قضايا المجتمع؟ أنت عضو في هذا المجتمع، عضو في هذا البلد، هل تشعر بالاهتمامات على المستوى العام؟ وهل تحاول أن تصلح إذا سمعت بمنكر، فتسعى في إزالته بالطرق المناسبة؟ وإذا سمعت بمعروف شاركت فيه وأيدت؟ أم أنك تكتفي فقط بتلقي الأخبار، وتحليلها وينتهي دورك؟
أسباب السلبية
لماذا يقع بعض الشباب في السلبية؟ ما هو السبب الذي جرهم إلى ذلك، مع أن المنطلق كان صحيحا؟ هذا يرجع في الحقيقة إلى عدة أسباب منها:
أولاً: عدم الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية:
كأن يتصور أن الدخول في عقد الإيمان، يعني أن يكون حاله حال دراويش الصوفية، الذين يقبعون في الزوايا، والتكايا. ولا ريب أن هذا فهم خاطئ أساساً. فالعقيدة الإسلامية عقيدة تقوم على الإيمان الصحيح بالله ، وما يقتضي ذلك من الدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. قال تعالى: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " وتواصوا: صيغة مفاعلة، أي أوصى بعضهم بعضاً. فعلى كل واحد أن يصحح معتقده، ويفهم دينه على الوجه الصحيح.
ثانياً: اعتقاد الإنسان أن من شروط الإيجابية حصول الكمال:
وهذا عذر مشهور يعلق عليه كثير من الناس تقصيرهم، وتقاعسهم. يقول أحدهم: ومن أنا حتى أفعل كذا، ويتواضع، ويتمسكن، ويقول ما عندي من العلم، وما عندي من الإيمان، وما عندي من التقوى، حتى أفعل كذا، وكذا! هذا ليس تواضعاً شرعياً، وإنما هو تواضع بارد مذموم. نعم لا تتكلم بما لا تعلم، بل تكلم بما تعلم. ولو تأملت لوجدت أن ما تعرف خيراً كثيراً، تملك أن تدعو إليه. وفي نفس الوقت، اسعَ لتكميل علمك، وعملك، وكلما زاد علمك وعملك زادت مسئوليتك، وفضلك.
ثالثاً: دعوى أن المبادرة، مدعاة للرياء:
هذه حيلة شيطانية، تحول بين الإنسان وبين العمل الصالح. إذا صلحت نيتك الأولى لم يضرك ما قد يقع من ثناء الناس، أو حصول مغنم، بادر في هذا المشروع الطيب، وكن رأساً فيه، فإذا رأيت من هو أولى منك، فكن عوناً له. ولكن لا يجوز أن ينظر بعضنا إلى بعض، ونقول: (من يعلق الجرس)؟ كل منا مطالبٌ أن يعمل قدر وسعه، فلا يتعلل الإنسان بهذه العلل المقعدة.
رابعاً: التربية الرخوة:
قد يتربى بعض الشباب على منهج تطغى فيه الوسائل على الغايات، فلا يتربى على منهج جاد، بل يُنشَّأ على برامج خفيفة، بسيطة، ليس فيها حزم، ولا صبر، ولا جلد، ولا ثني ركب. لابد من الصبر، والمصابرة في تحصيل العلم، والتربية، والدعوة.
كثير من الشباب يدخل في سلك الصالحين بواسطة ما يسمى (الأناشيد الإسلامية) والبرامج المشوقة، والجذابة، وأنا لا أعترض على التدرج، بشرط أن يكون هذا الأسلوب أسلوباً ملتزماً بالضوابط الشرعية، ولمرحلة مؤقتة. ولا يجوز بحال، أن يُستمَر عليه، وأن يكبر الشاب وهو لا يعيش إلا على صدح الأناشيد، والمسرحيات، والرياضة، والسباحة، والرحلات، ونحو ذلك، ويستثقل حضور مجالس العلم، وحفظ كتاب الله. إن هذا المنهج الرخو يخرِّج أفراداً لا يقوون بعد ذلك على المواصلة، ويكونون سلبيين، ولا يملكون رؤيةً واضحة. فيجب أن نفرق بين الوسائل والغايات. هذا في الحقيقة منافٍ للمنهج النبوي في التربية. المنهج النبوي منهج جاد، متين، قوي، وفي نفس الوقت ميسر، رفيق.
الختام
لابد أن نفتش في أنفسنا، لعل بعض الشباب، لازال يعيش على ذكريات الطفولة! قد كبرت يا عبد الله!
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
هذه كلمات، أرجوا أن تنبه أذهانكم إلى هذه القضية الخطيرة وأن يراجع كل امرئ نفسه ويرى حظه من القيام بأمر الإيمان. فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، ففي العمر متسع، فارجع، وصحح المسار من جديد.
هذا، واسأل الله للجميع التوفيق، والهدى، والسداد.
وصلى الله، وسلم، وبارك، على عبده، ونبيه محمد، وعلى آله، وصحبه، أجمعين.
стр. 1016
ضوابط في زينة المرأة
د. محمد بن عبد الله القناص
الإسلام دين الفطرة واليسر، والإنسان مفطور على حب الزينة والجمال، وقد شرع الله لعباده التزين والعناية بالمظهر بل طلب منهم ذلك عند كل مسجد، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، وعُني الإسلام بزينة المرأة مراعاةً لأنوثتها، وتلبيةً لنداء الفطرة فيها، فرخص لها ما لم يرخص للرجل، فأبيح لها الحرير والتحلي بالذهب دون الرجال. والزينة من حيث استعمالها تنقسم إلى:
زينة مباحة: كل زينة أباحها الشرع، وأذن فيها للمرأة، مما فيه جمال للمرأة وعدم ضرر بالشروط المعتبرة، ويدخل في ذلك: لباس الزينة، والحرير، والحلي والطيب، ووسائل التجميل الحديثة.
زينة مستحبة: وهي كل زينة رغب فيها الشارع، وحث عليها ويدخل في هذا القسم سنن الفطرة: كالسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والاستحداد، ونحو ذلك.
زينة محرمة: وهي كل ما حرم الشرع وحذر منه مثل: النمص ووصل الشعر، أو كان فيه تشبه بالرجال، أو بالكفار.
ومن الضوابط الخاصة بزينة المرأة:
ستر الزينة والبعد عن التبرج وتجنب إظهارها للرجال الأجانب، ومراعاة القصد والاعتدال والبعد عن الإسراف، ومراعاة حدود الزينة أمام النساء.
- ضوابط زينة وتجميل الشعر:
١ - قص الشعر:
طول شعر المرأة ووفوره زينة وجمال وبهاء، وهذا أمر معروف منذ القدم، وإذا احتاجت المرأة إلى قصه مثل أن تعجز عن مؤنته، ويشق عليها كلفته فلها أن تقصه إذا كان هذا ليس فيه تشبه بالفاسقات والكافرات أو الرجال، ولا يكون في ذلك تلاعب واتباع للموضات، وقد ورد أن أمهات المؤمنين ﵅ قد قصصن شعورهن بعد وفاة النبي ﷺ فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَأَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْجَنَابَةِ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ فَاغْتَسَلَتْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ وَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ". [أخرجه البخاري ح (٢٥١)، ومسلم ح (٣٢٠)، واللفظ له]
٢ - حلق شعر الرأس:
الحلق أخذ الشعر كله وإزلته بالموسى، وحلق المرأة رأسها لا يجوز إلا عند الضرورة وتقدر الضرورة بقدرها، لأن حلقه من غير ضرورة يعتبر مثلة في حق المرأة، وفيه أيضاً تشبه بالرجال، إذ أن الحلق من خصائصهم، قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ" [أخرجه أبو داود ح (١٦٩٣)]، وعن عائشة ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. [أخرجه الترمذي ح (٩١٥)، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم]
٣ - نمص الشعر من الوجه والحاجبين:
النمص: النمص لغةً: رقة الشعر ودقته حتى تراه كالزغب، والنمص: نتف الشعر، والنامصة: هي التي تُزيِّن النساء بالنمص، والمتنمصة: المُزيَّنة بالنمص.
стр. 1017
ونتف شعر الوجه والحاجبين لا يجوز، فعن عَلْقَمَةَ قَالَ: "لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ قَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ": (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩)، ومسلم ح (٢١٢٥)]، والنمص والنتف سواء، ولا يختص النمص بالحاجبين بل يشمل أخذ الشعر من الوجه، قال ابن الأثير: "النامصة التي تنتف الشعر من وجهها"، لكن إذا نبت للمرأة شعر في شاربها أو لحيتها أو خدها فلا بأس بإزالته لأنه خلاف المعتاد وهو مشوه للمرأة. وكذلك إذا طال شعر الحاجب ونزل على العين فيزال ما يؤذي منه، ومن الأمور المحدثة في النمص أن تزيل المرأة كامل الحاجب وتضع خطاً مكانه، وكل هذا الأمور سواء الإزالة الكاملة أو التخفيف منهي عنها.
٣ - وصل الشعر:
وصل المرأة شعرها لا يجوز ففي الحديث: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ " [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٣)، ومسلم ح (٢١٢٧)]، ويدخل في ذلك لبس ما يسمى بالباروكة، إلا لمن بها عيب كأن تكون المرأة قرعاء ليس على رأسها شعر فلا حرج من استخدام الباروكة لستر العيب.
٤ - صبغ الشعر:
صبغ الشعر لتغيير الشيب مشروع بل مسنون، إذ ثبتت مشروعيته بالأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ﷺ دون فرق في هذا بين الرجل والمرأة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ". [أخرجه مسلم ح (٢١٠٣)]، وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " [أخرجه البخاري ح (٣٤٦٢)، ومسلم ح (٢١٠٣)].
تعلية الشعر فوق الرأس: وهو من الأمور المستحدثة التي وردت علينا من نساء الغرب، وقد أخبرنا النبي ﷺ وهو من معجزات النبوة - عن صنفين لم يرهما من أهل النار، فقال فيما يرويه عنه أبو هريرة: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" [أخرجه مسلم ح (٢١٢٨)]
ضوابط في تجميل الوجه:
١ - العدسات الملونة:
عرفت العدسات في مجال علاج قصر النظر، واستخدمت على نطاق واسع في مجال التجميل والزينة، وخاصة الملون منها، ويجوز لبس العدسات عند الحاجة بقصد العلاج، وأما استخدامها بهدف الزينة فقط، فمن أهل العلم من منع ذلك لما فيه من تغير خلق الله، والتلبيس مع عدم وجود الحاجة إلى ذلك، ومن أهل العلم من أباح استخدامها لأن الأصل في الأشياء الإباحة والحل ولكن هذا مقيد بقيود وشروط الزينة عموماً بحيث لا يكون في لبسها مضرة ولا تشبه، ومن غير تبذير ولا إسراف.
٢ - الرموش الصناعية:
стр. 1018
الرموش الصناعية هي نوع من الزينة المستحدثة تضعها المرأة فوق جفن العين فوق رموشها الطبيعية، لتبدو رموشها غزيرة طويلة، وتستخدم مادة مخصوصة لتثبيتها. ولا يجوز استخدام هذه الرموش لدخولها في الوصل المنهي عنه، ولأنه قد ثبت من الناحية الطبية أن المادة التي تستخدم في صناعة الرموش الصناعية، وكذا المادة المثبتة لها تسبب حساسية مزمنة بالجلد والعين وتؤثر على الرموش الطبيعية ونموها الطبيعي.
٣ - في الأسنان وتجميلها:
وشر الأسنان وهو ترقيقها وتحديدها وتفليجها لا يجوز، وفي الحديث: لعن المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩)، ومسلم ح (٢١٢٥)]، وعن أبي ريحانة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الوشر والوشم. [أخرجه النسائي (٨/ ١٤٩)]
٤ - استخدام المساحيق والأصباغ:
يجوز استخدام المساحيق وأدوات التجميل إذا لم يكن فيها مضرة وحصل هذا بقصد واعتدال، والأطباء ينصحون بعدم استخدام أدوات التجميل عموماً والمكياجات إلا في حالات قليلة وعدم المواظبة على استخدامها لأن فيها مواد كيميائية تؤثر على نضارة البشرة وحيويتها في المستقبل، وغالباً ما تؤدي إلى ظهور التجاعيد مبكراً في البشرة.
٥ - الوشم:
الوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في الوجه أو الذراع، ثم يحشى الموضع بمادة كالكحل أو غيره ليخضر الموضع أو يزرق. وهو محرم، وفي الحديث لعن الواشمات والمستوشمات، ومما استحدث من أساليب الوشم: أن يحدد شكل العينين والشفتين ثم ينقش عليها بالإبر ويحشى الموضع باللون المطلوب، فتصبح العينان كحيلتين على الدوام، وتصبح الشفتان دائمتي الحمرة، وهذا الفعل ينطبق عليه حكم الوشم.
طلاء الأظافر:
طلاء الأظافر يسمى لدى العامة (موناكير)، وهو مادة سائلة ملونة لزجة تصبغ بها المرأة أظفارها، فتجف بعد فترة مكونة طبقة عازلة تمنع وصول الماء في الوضوء، وهذا الطلاء إن لم يكن فيه مضرة فيراعى إزالته عند كل وضوء وغسل ليصل الماء إلى البشرة. وتركه أولى، وقد أشار بعض الأطباء إلى أن الطلاء المستمر يضر بالأظافر، وقد يؤدي إلى تشققات بها.
التزين عن طريق عمليات التجميل:
التجميل المستعمل في الطب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الجراحة التي يحتاج إليها الإنسان لوجود عيوب خَلْقية ولد بها الإنسان كالتصاق أصابع اليدين أو الرجلين، أو عيوب ناشئة عن الآفات المرضية التي تصيب الجسم أو العيوب الطارئة على الجسم كالتشوهات الناشئة عن الحروق والحوادث، فهذه العيوب يجوز إجراء العمليات الجراحية لإزالتها.
القسم الثاني: الجراحة التجميلية التي يقصد بها تحسين المظهر وتحقيق صورة أجمل وأحسن، ومن ذلك ما يسمى بعمليات تجديد الشباب، وعمليات تجميل الأنف بتصغيره أو تغيير شكله عموماً، وتجميل الثديين بتصغيرهما إن كانا كبيرين أو تكبيرهما إن كانا صغيرين، وتصغير الشفة الغليظة وتكبير الشفة الرقيقة، ونحو ذلك، وشد تجاعيد الوجه ليظهر صاحبه وكأنه أصغر بكثير من سنه الحقيقي، وهذا النوع من الجراحة مشتمل على تغيير خلق الله، والعبث به حسب الهوى والرغبة، وهو داخل في عموم قوله حكاية عن إبليس: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)، وفي حديث ابن مسعود السابق: " والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. " [أخرجه البخاري ح (٥٩٣٩) ومسلم ح (٢١٢٥)]
التزين والتجمل بالمطعوم:
المواد المطعومة مثل: الحبة السوداء، وزيت الزيتون وعسل النحل، وغيرها هي غذاء للبدن وتستخدم للعلاج وقد تستخدم بغرض التجميل والتحسين المحض مثل وضع القناعات للوجه بغرض تغذية الوجه وتخفيف تجاعيده وخشونته، وإعادة رونقه ونضارته ونعومته، فإذا كانت هذه المواد داخلة في مواد أخرى مصنعة مثل المراهم والمحاليل فلا إشكال في ذلك، وأما إذا كانت خالصة فإن احتيج إليها مما لا يعد امتهاناً فلا بأس بذلك، والله أعلم.
стр. 1019
مسألة الأخذ من اللحية وتقصيرها
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
١٧ ربيع الأول ١٤٣٠
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
فقد وردت أحاديث كثيرة بتوفير اللحى وإعفائها وحاصل مجموع رواياتها خمس: أوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا، وأعفوا، ومعانيها كلها متقاربة، ولم يرد حديث بلفظ (اتركوا) ولا بلفظ (أكرموا)، والروايات هي:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً: ((أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى)) رواه مسلم.
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى)) رواه مسلم، وجاء بلفظ (أرجوا) بالجيم.
٣ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا: ((وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)) رواه البخاري
٤ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)) رواه البخاري، ومسلم بلفظ (أحفوا الشوارب)
وهذه الألفاظ كلها تدل على الترك والتوفير والتكثير، وإليك تفصيل ذلك:
(أوفوا) من الإيفاء وهو الإتمام وعدم النقصان، قال في تاج العروس: (أوفى الشيء أي تمَّ وكثُر)، وفي مقاييس اللغة: ((وفي) كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمام)
(أرخوا) من الإرخاء وهو بمعنى الإطالة والسدل أرخى العمامة أطالها، وأرخى الستر أسدله (انظر تاج العروس)
(أرجو) أصلها أرجئوا من الإرجاء وهو التأخير فلما قال: (أحفوا الشوارب) قال بعدها: (وأرجوا اللحى) أي أخروها ولا تحفوها.
(وفِّروا) من التوفير وهو الكثرة، قال ابن فارس في مقاييس اللغة: ((وفر) كلمةٌ تدلُّ على كثرةٍ وتَمام)، وفي القاموس المحيط: (وفره توفيراً: كثَّره)، وفي لسان العرب: (وفَّره: كثَّره)
(أعفوا) الإعفاء أصل معناه في اللغة الترك كما في تاج العروس وغيره، تقول: عفا الله عنك، أي ترك عقابك، وعفوتُ عن فلان أي تركته وحاله ولم أعاقبه، ويأتي بمعنى التوفير والكثرة، ففي لسان العرب: (عفا القوم كثروا، وفي التنزيل: ﴿حتى عفوا﴾ أي كثروا، وعفا النبت والشعر وغيره يعفو فهو عاف: كثُر وطال، وفي الحديث: أنه ﷺ أمر بإعفاء اللحى، هو أن يوفَّر شعرها ويُكَثَّر، ولا يقص كالشوارب، من عفا الشيء إذا كثر وزاد) ا. هـ، وقال القرطبي في (المفهم) (١/ ٥١٢) قال أبو عبيد: (يقال عفا الشيء إذا كثر وزاد)
فأنت ترى أن كل الألفاظ التي جاءت في الأحاديث تدل على الوفرة والكثرة، وبصيغة الأمر الدال على الوجوب، وقد تأكد ذلك بفعله ﷺ ، فإنه لم يصح عنه أنه أخذ شيئا من لحيته بل جاء في أحاديث كثيرة في صفته ﵌ أنه كان: (كث اللحية) رواه البخاري ومسلم، و (كثير شعر اللحية) رواه مسلم، كما ورد في صفة عدد من الصحابة ﵃ أنهم كانوا كثيري شعر اللحية، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه حلق لحيته ألبتة، ولذلك اتفق الفقهاء على حرمة حلقها ونقل غير واحد الإجماع على ذلك منهم ابن حزم بقوله: ((واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة لا تجوز)). ولم يعلق عليه ابن تيمية، انظر: (مراتب الإجماع) (ص١٢٠)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧٣): ((حكم اللحية في الجملة فيه خلاف بين أهل العلم هل يجب توفيرها أو يجوز قصها, أما الحلق فلا أعلم أحداً من أهل العلم قال بجوازه)).
أما الأخذ منها وتقصيرها وتهذيبها فإن كان بحيث لا تكون وافرة وكثيرة وكثة فلا يجوز، لظاهر النصوص السابقة والتي تدل كلها على وجوب الإعفاء والتوفير والإرخاء وهذا ما عليه جمهور العلماء، ولكن اختلفوا فيما لو أخذ منها شيئاً مع بقائها وافرة كثيرة على قولين:
стр. 1020
الأول: عدم جواز أخذ شيء منها ودليلهم الأمر بالإعفاء وأخذوا من معنى الإعفاء الترك وهو أحد معنيي الإعفاء، أما بقية ألفاظ الحديث فلا تدل على عدم جواز أخذ شيء منها.
الثاني: جواز الأخذ منها مع توفيرها وإرخائها، ودليلهم أن الإعفاء يأتي في اللغة بمعنى الكثرة كما تقدم، قالوا: فمن ترك لحيته وأعفاها حتى طالت وكثرت فقد حقق الإعفاء الواجب، كما استدلوا بفعل عدد من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة ﵃ بأخذ ما زاد على القبضة، ثم اختلفوا هل كان هذا في نسك أم لا؟ وهذا الاختلاف لا يغير في أصل الاستدلال لأنه كما قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (٤/ ٣١٧): ((لو كان غير جائز ما جاز في الحج)).
وسبب اختلافهم هو أن ابن عمر ﵁ راوي حديث: (أعفوا اللحى) هو نفسه كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة فمن قال بعدم الجواز استدل بقاعدة: (العبرة برواية الراوي لا برأيه) ومن قال بالجواز استدل بقاعدة: (الراوي أدرى بما روى) وقال لم يخالف ابن عمر ﵄ روايته بل هذا معنى الإعفاء.
وقد قال بجواز أخذ ما زاد على القبضة جمهور من أهل العلم منهم الإمام مالك والإمام أحمد وعطاء وابن عبد البر وابن تيمية وغيرهم وعندهم أن ما زاد على القبضة تحقق فيه الإعفاء والتوفير والإرخاء:
قال أبو الوليد الباجي في (المنتقى شرح الموطأ) (٤/ ٣٦٧): ((روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ، قيل لمالك: فإذا طالت جداً قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص، وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة))
وقال ابن هانئ في مسائله (٢/ ١٥١): ((سألت أبا عبد الله عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة، قلت: فحديث النبي ﷺ : (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه ومن تحت حلقه)) أ. هـ
وقال الخلال في كتاب (الوقوف والترجل) (ص١٢٩): ((أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال: إن ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه، قلت ما الإعفاء: قال: يروى عن النبي صبى الله عليه وسلم، قال: كأن هذا عنده الإعفاء)) أ. هـ
وقال المرداوي في (الإنصاف) (١/ ١٢١): ((ويعفي لحيته ... ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ونصه -يعني أحمد- لا بأس بأخذ ذلك وأخذ ما تحت الحلق ... )) أ. هـ
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٩/ ١٤٧): ((قال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت)).
وقال الحافظ ابن عبد البر في (الاستذكار) (٤/ ٣١٧): ((وفي أخذ ابن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج ... وابن عمر روى عن النبي ﷺ : (وأعفوا اللحى) وهو أعلم بمعنى ما روى، فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم)).
وقال شيخ الإسلام في (شرح العمدة) (١/ ٢٣٦): ((وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه كما تقدم عن ابن عمر، وكذلك أخذ ما تطاير منها)) أ. هـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (١٠/ ٣٦): ((قلت: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه)) ا. هـ
وفي حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٥٩): ((لا بأس بأخذ أطراف اللحية إذا طالت)) أ. هـ