← Сияса и кади

Сияса и кади · id 95662

التحالف السياسي في الإسلام

منير الغضبان

Полный текст (107 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التحالف السياسي في الإسلام الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م منير محمد الغضبان مكتبة المنار الأردن - الزرقاء

стр. 2

بين يدي البحث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالين. والصلاة والسلام على إمام المجاهدين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد. موضوع البحث هو: في التحالف السياسي، والبناء الداخلي. ويرد على الخاطر سؤال سريع: لماذا أصبح حديث التحالف السياسي موضوع الساعة؟ خاصة والحركة الإسلامية في الربع الأخير من القرن الماضي كان موضوع الساعة عندها هو التميز والمفاصلة. ويبدو في النظرة العجلى للأمور أن الموضوعين متناقضان تمام التناقض. فهل انحرفت الحركة الإسلامية عن مسارها الصحيح. حتى استبدلت المفاصلة والتميز بالتحالف؟؟ أبدا. ولكن سنة التطور الربانية هي التي قادت الحركة الإسلامية إلى هذا الموقع. لقد ابتدأت الحركة الإسلامية مسارها الأول في ظل أنظمة تؤمن بالإسلام عقيدة وتخالفه سلوكا. فكان الطرح الإسلامي المناسب لتلك المرحلة. هو طرح المفهوم المتكامل للإسلام بصفته عقيدة وشريعة ونظام حياة. واتجهت الكتابات الإسلامية كلها لتثبت للناس أن الإسلام بالإضافة إلى كونه عقيدة. فهو نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يحل مشاكل الحياة برمتها. وكأن الشعور الخفي لدى الدعاة أن هؤلاء الحكام الذين يجهلون الإسلام سيسارعون إلى تنفيذه منذ لحظات اطلاعهم على هذه المبادئ. وإذا تلكؤوا.

стр. 3

فدافعهم لذلك هو الحرص على المصلحة والمنصب. وكان للإمام الرائد حسن البنا فضل في تحديد المسار والمنطلقات للحركة في تلك الظروف. و كانت المرحلة الثانية من تاريخ الحركة الإسلامية هي مرحلة المحن الرهيبة التي انقضت عليها ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. فلقد وصل إلى حكم بعض الدول المسماة بالإسلامية والعربية جهات بدأت تطرح بدائل جديدة عن الإسلام، وحتى تفرض هذه المبادئ فرضا كان لا بد من سحق حملة لواء الإسلام. لأن هذه العقائد أعجز من أن تصل إلى ضمير الأمة بالإقناع. فسلكت طريق الإرهاب الدموي. وإمام هذا الإرهاب العنيف تبنت الحركة الإسلامية مفهوم التميز التام عن هؤلاء الحاكمين الذين أعلنوا تبنيهم لغير شريعة الله، وعن المحكومين الذين قبلوا الاحتكام لغير شريعة الله. وانطلقت هذه الأصوات من قلب المحنة ومن وراء القضبان تؤكد وتصر على هذا المعنى. ولم يكن ((الظلال)) ((وهذا الدين)) ((والستقبل لهذا الدين)) ((والمعالم)) إلا قمة من قمم هذا الفكر، حيث سارت الكتابات الإسلامية بعدها ضمن هذا الإتجاه. وكان للإمام الشهيد سيد قطب ﵀ دور الريادة في هذا الفكر. (ثم كانت المرحلة الثالثة) من حياة الحركة الإسلامية حيث تمكنت الحركة من الخطوة الحاسمة في حياتها. أن تتجاوز هذه المحن الرهيبة. وتنتفض من تحت المطرقة والموت في بعض الأقطار، لتحمل السلاح في وجه عدوها، لا مدافعة عن نفسها فحسب. بل مهاجمة هذا العدو تقض عليه مضجعه وتحاصره. لتنتزع منه قيادته الجاهلية بقوة السلاح. وانطلق التيار الإسلامي مستعصيا على الإبادة والإفناء ماضيا في طريقه فإنما هي إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

стр. 4

ووقف العالم مبهوتا إمام هذه الانطلاقة الإسلامية الواضحة المتميزة التي وصلت أعلى قمم التميز والمفاصلة. حين أعلنت الحرب على الطاغوت في الأرض لتسود شريعة الله. وكانت حركة الجهاد الإسلامي في سورية هي التي مثلت هذه الصورة. ونظر الكثيرون إلى الساحة. فرأوا نماذج من التضحية والفداء والشجاعة قادرة حقا وبإذن الله على تحقيق النصر فبدؤوا يتعاملون مع الحركة الإسلامية تعاملهم مع الأنداد وقادة الثورات وبناة الدول. فأمكن في هذه الظروف، ومن أعلى قمم التميز والمفاصلة الحديث عن التحالف بين الاتجاه الإسلامي وغيره. وراح الدعاة ورجال الحركة يبحثون في الفقه الإسلامي والسيرة النبوية صور التحالف المشروعة وغير المشروعة. لأنها غدت موضوع الساعة فلا بد أن تحدد الحركة الإسلامية أعداءها وأصدقاءها وتتعامل معهم على ضوء ذلك. وإيمانا منا بأهمية هذا الموضوع وخطورته. كان هذا الجهد المتواضع الذي تناول التحالف السياسي في الإسلام من خلال السيرة النبوية، ومدى الاعتماد عليه، وعلى البناء الداخلي للحركة في إقامة دولة الإسلام. وقد اقتصر البحث على تناول موضوع التحالف في مرحلة الضعف. وفي مرحلة العمل لتأسيس الدولة الإسلامية، لأن هذا هو الموضوع العملي القائم. أما بعد انتصار الإسلام فيمكن البحث عن التحالف في تلك المرحلة، ولن نتعرض لغير السيرة إلا بمقدار الضرورة بإذن الله راجين الله تعالى أن يسدد خطانا إلى الحق، ويجنبنا اتباع الهوى وزلة الفكر وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه وأن يكون في صحائف حسناتنا يوم القيامة إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 5

أولا: الحلف لغة وشرعا: يقول الإمام اللغوي الفقيه أبو منصور ... : والحلفاء هم الذين تعاقدوا على التناصر والتمالؤ على من خالفهم. وبهذا التعريف فقد يكون الحلف بين جماعتين إسلاميتن. وقد يكون بين الجماعة الإسلامية وأي تجمع حتى ولو كان كافرا للتناصر على عدو ثالث. وإذا رجعنا إلى نصوص السنة لأخذ المعنى الشرعي طالعنا الحديثان التاليان حول الحلف: ـ[الأول]ـ: روى ((مسلم وأبو داود)) عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» وقال أبوداود: يريد حلف المطيبين. وندع شرح هذا النص للإمام المحدث ابن الأثير حيث يوضح لنا غريبه ومعناه (لا حلف في الإسلام) أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه ﷺ : (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) يريد من المعاقدة على الخير، والنصر للحق، وبذلك يجتمع الحديثان. وقد حالف رسول الله ﷺ في الإسلام

стр. 6

بين قريش والأنصار، يعني: آخى بينهم. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه: ما خالف حكم الإسلام. ـ[الثاني]ـ رواه عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس: أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري أخرجه البخاري ومسلم. وعند أبي داود قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثا أخرجه البخاري. ونحن نخلص إلى أن الحظر للحلف في الإسلام هو ما يقوم على الاعتداء على الآخرين وما دون ذلك فهو جائز سواء كان بين فئات من المسلمين أو كان بين المسلمين وغيرهم. فلقد حالف رسول الله ﷺ اليهود يوم دخل المدينة، ثم حاربهم قبيلة قبيلة عندما نقضوا العهد كما بقي عداء قريش مستمرا حتى السنة السادسة ثم تغيرت الخطة بعد السنة السادسة، فحالف قريشا أو صالحها، بينما شن حربه على اليهود في خيبر. ورأيناه في الخندق يحاول شق صفوف العدو بالتعاقد مع غطفان حلفاء قريش، على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة مقابل رجوعها عن حرب المسلمين في الوقت الذي نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله ﷺ ، وأنضموا إلى أعدائه

стр. 7

ثانيا: الأحلاف في مرحلة الضعف أ - حلف الفضول ما كان لنا أن نتعرض لحلف الفضول. وهو حلف جاهلي في الأصل وقد حضره رسول الله ﷺ قبل البعثة لولا حديث الرسول صلى الله عليه عليه وسلم الذي أسبغ عليه صفة شرعية حيث قال: ... ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) (١) أما طبيعة هذا الحلف فكما ذكره ابن اسحاق (٢): (كان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة واشتراها منه العاص بن وائل وكان ذا قدر بمكة وشرف. فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف (عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعديا) فأبوا أن يعينوه على العاص بن وائل. فعلا جبل أبي قبيس - وقريش في أنديتهم حول الكعبة - فنادى بشعر يصف فيه ظلامته رافعا صوته، فمشى في ذلك (الزبير بن عبد المطلب) وقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار ابن جدعان، فصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياما، فتعاهدوا وتعاقدوا بالله ليكونن يدا واحدا مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة فسمت قريش ذلك الحلف (الفضول) وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه وقال الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه توافقوا وتعاقدوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم

стр. 8

ونلاحظ في هذا الحلف الملاحظات التالية: ١ - هو حلف قام على أساس قبلي وحضره رسول الله ﷺ بصفته فردا من بني هاشم قبيلته. ٢ - هدف هذا الحلف هو نصرة المظلوم على الظالم وإيصال حقه له. ومع أنه لم يقل: ولو أدعى إلى مثله. فلا ضير في ذلك طالما أن هدفه نصر المظلومين. ونصر المظلوم هدف أساسي في الإسلام. ٣ - ونفهم من هذا أن للحركة الإسلامية حرية التحالف مع أي جهة كانت من أجل نصر المظلومين والدفاع عن حقوقهم. ٤ - بل بتعبير أدق، أن الحوكة الإسلامية لو وصلت إلى الحكم، وكانت الدولة قبلها قد عقدت عهودا أو موثيق هدفها نصر المظلومين. فمن حقها اعتبار هذه العهود والمواثيق سارية المفعول. ويؤكد لنا رسول الله ﷺ في هذا الحديث. أنه لا يحب أن ينكثه وأن له به حمر النعم. وكان هذا الحلف بين المطيبين قد أدى إلى انتزاع بعض الميزات من بني عبد الدار وتم توزيعها على بقية القبائل. وكان من نصيب بني عبد مناف السقاية والرفادة. وبقي اللواء وبقيت الحجابة بيد بني عبد الدار. ثم اختصت السقاية والرفادة ببني هاشم. وبنى رسول الله ﷺ آثارا عملية يوم فتح مكة على هذا التحالف. ونذكر جميعا يوم أخذ رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة العبدري الذي انتهت إليه سدانة الكعبة. وصلى فيها ثماني ركعات صلاة الفتح.

стр. 9

قال علي ﵁: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع الرفادة، وحين يجمع الححابة لبني هاشم يعني هذا نقض الاتفاق الذي تم على آثار هذا التحالف فأجابه ﵊: اليوم يوم بر ووفاء. ثم نادى: يا عثمان بن طلحة. فجاء عثمان. فقال له ﵊: هاك مفتاحك يا عثمان بن طلحة: يا بني طلحة خذوها خالدة تالدة. لا ينزعها منكم إلا ظالم. وبذلك أعطى ﵊ هذا التأييد العظيم لحجابة الكعبة لبني عبد الدار بل اعتبر هذا جزءا من الإسلام، حين ألغى كل قيم الجاهلية. وأبقى على حجابة الكعبة. وسقاية ورفادة الحجيج فقال: ألا كل مأثرة ودم تحت قدمي هاتين إلا الحجابة والرفادة. وبقيت الحجابة تالدة خالدة لبني عبد الدار. حتى أيامنا هذه. فلا يزال مفتاح الكعبة بيد بني عبد الدار، أو بني طلحة بشكل أخص. فرسول الله ﷺ يؤكد أنه لن ينكث به. ولو أعطي به حمر النعم. وهو درس بليغ لنا نحن الدعاة. بحيث نعرف قيمة العهد والميثاق الذي نعطيه حتى ولو لم نبرمه نحن إذا كان فيه رفع مظلمة أو دفع مأثمة.

стр. 10

ب - حلف المطيبين ما قلناه عن حلف الفضول نقوله عن حلف المطيبين. لأن رسول الله ﷺ ذكر هذا الحلف بقوله: شهدت حلف المطيبين، وما أحب أن أنكثه وأن لي به حمر النعم. يقول الإمام أبو منصور في كتابه: قال شمر: سمعت ابن الأعرابي يقول: المطيبون هم خمس قبائل عبد مناف كلها، وزهرة، وأسد بن عبد العزى، وتيم، والحارث بن فهر. قال: والأحلاف خمس قبائل: عبد الدار، وجمح، وسهم، ومخزوم، وعدي. سموا ذلك لأن بني عبد مناف لما أرادوا أخذ ما في أيدي بني عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت بنو عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيبا فوضعوها لأحلافهم عند الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا فسموا المطيبين. وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حلفا آخر مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فسموا الأحلاف وقال الكميت يذكرهم نسبا: في المطيبين وفي الأحلاف حل الذؤابة الجمهورا وشرح ابن الأثير في كتابه القيم جامع الأصول هذا الحلف على الصورة نفسها كذلك. ولعل نظرة عميقة إلى أحداث السيرة النبوية فيما بعد توضح لنا أثر هذا التحالف على خط سير الدعوة. فلقد وجدنا الأحلاف جميعا وهم عبد

стр. 11

الدار وجمح وسهم ومخزوم وعدي من أشد الناس ضد الإسلام لطبيعة هذا التحالف. فلقد كان بنو عبد الدار حملة لواء المشركين ويكفي أن نذكر أنه قد سقط منهم ثمانية صرعى تحت اللواء في أحد. ونذكر من زعاء بني جمح أمية بن خلف، وأخاه أبي بن خلف أشقى هذه الأمة الذي قتله رسول الله. ونذكر من زعاء بني سهم، العاص بن وائل. أحد المستهزئين الخمس في قريش، وهم الذين كفاهم الله تعالى نبيه فأصابهم جميعا بمقتل. ونذكر من زعماء بني مخزوم، الوليد بن المغيرة أكثر من أنزل الله تعالى قرآنا في هجائه، وابن أخيه، أبو جهل بن هشام، فرعون هذه الأمة. ونذكر من زعماء بني عدي، عمر بن الخطاب، الذي كان المسلمون يرون من شدته ما دفع بعضهم إلى القول: والله لن يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. والمسلمون الذين أسلموا من هذه القبائل. كانوا يتعرضون لأشد أنواع العذاب من قادة الكفر ورضي الله عمن أسلم حلف أبي طالب مع رسول الله ولا بد من ذكر هذا الحلف لأنه انطلق في بداية الأمر من العرف الجاهلي ثم اتخذ صيغة محددة ... هذه الصيغة المحددة قد تمت يوم دعا رسول الله ﷺ عشيرته وطلب منهم النصرة لدين الله وكان هذا على مرحلتين.

стр. 12

المرحلة الأولى: وقد أوردها ابن الأثير على الشكل التالي: (وأول ما فعل رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية (١) أنه دعا بني هاشم فحضروا معهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف. فكانوا خمسة وأربعين رجلا فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء بنو عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة. وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك. وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب. فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به. فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلم في ذلك المجلس. ثم دعاهم ثانية وقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شر يك له .. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا) فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به. فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب فقال أبولهب: هذه والله السوأة. خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم. فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا (٢).

стр. 13

هذه هي المرحلة الأولى التي أعلن فيها أبو طالب استعداده لمنع الاعتداء عن رسول الله ﷺ وحمايته بصفته زعيما لبني هاشم. المرحلة الثانية: كانت يوم أن اشتدت الأزمة بين قريش وأبي طالب وأحس أبو طالب بضراوة المعركة فاستدعى الرسول ﷺ للمناقشة في هذا الأمر وذلك كما أورده ابن إسحاق في السيرة: (ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين). فالصورة الجديدة هنا تهديد بشن الحرب على أبي طالب إن استمر في حلفه وحمايته لابن أخيه. فأراد أبو طالب أن يحدد هذه الحماية بأن يكف محمد ﷺ عن شيء من دينه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا للذي كانوا قالوا له. فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله ﷺ : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته. ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت. فوالله لا أسلمك لشيء أبدا (١).

стр. 14

ونحن هنا أمام صيغة جديدة طلب فيها أبو طالب ربط حمايته للرسول ﷺ بتقييد حرية الدعوة أو التخلي عن شيء من هذا الدين. فرفض رسول الله ﷺ النصرة على هذا الأساس وتخلى عنها. وتراجع أبو طالب فوافق على الحماية والمنعة بدون قيد أو شرط. ولا بد للإشارة أن هذا الأمر تم مع بقاء أبي طالب على شركه. ونفذ تعهده كاملا. قال مقاتل: كان رسول الله عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي سوءا فقال أبو طالب: حين تروح الأبل فإن حنت ناقه إلى غير فصيلها دفعته إليكم، ثم قال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... (وابشر وقر بذاك عيونا) ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ورغم كفره فهو لم يباد الإسلام بسوء ووضع إمكانياته وثقله في جانب الإسلام. المرحلة الثالثة وهي التي انضم فيها بنو هاشم وبنو المطلب صفا واحدا لحماية رسول الله ﷺ ومنعته وذلك بدعوة رسمية وجهت لهم من أبي طالب قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري: (إنهم أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطلب فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فمنهم من فعل ذلك حمية ومنهم من فعل ذلك يقينا. (١)

стр. 15

أما قضية القتل فقد طلبت علانية من أبي طالب حين طلب منه أهل مكة أن يسلم محمدا ﷺ مقابل استلام عمارة بن الوليد فكالت جوابه: تعطوني ابنكم أغذيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه. وهنا ظهر مستوى الأعراف والأحلاف الجاهلية التي كانت بمثابة القانون الحتمي عندهم لقد طالب بنو عبد مناف أربعة هم: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس. وكانوا في الأصل يمثلون حلفا واحدا ضد بني عمهم بني عبد الدار. هو حلف المطيبين وكان المفروض أن تكون عشائر حلف المطيبين صفا واحدا. وهي التي ركز عليها أبو طالب. غير أن عشيرتين لم تنضما لحماية الرسول ﷺ . من حلف المطيبين هما بنو نوفل وبنو عبد شمس. وقد ظهر هذا واضحا عندما قال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لأبي طالب عقب عرض المبادلة بين محمد ﷺ وعمارة بن الوليد: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي. فاصنع ما بدا لك. والمطعم زعيم بني نوفل. وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان زعيما بني عبد شمس. وقال أبو طالب وهو يعرض بهذا التخلي عن نصرة النبي ﷺ : أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا: إلي غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر

стр. 16

هما أغمرا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم وألفهما صفرا (١). صحيح أن رسول الله ﷺ ليس هو الذي يقود الحلف أو يفاوض فيه، ولكن أبا طالب دعا إلى نصرته ومنعته انطلاقا من هذه القرابة وهذا الحلف. وبقي بنو هاشم وبنو المطلب حلفا واحدا وراء الرسول ﷺ أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فقد تخليا عن النصرة، غير أنهما لم يعاديا رسول الله ﷺ كما فعل أصحاب الحلف الآخر وعلى رأسهم بنو مخزوم وبنو عبد الدار وبنو عدي وبنو سهم. لقد استطاع الرسول ﷺ بتعبيرنا المعاصر أن يجعل بني نوفل وبني عبد شمس على الحياد. ونجح في ذلك أيما نجاح. فقد خاض عتبة بن ربيعة، زعيم بني عبد شمس، في بداية الأمر حربا عنيفة ضد النبي ﷺ ، مثل أبي لهب، دون أن يرعى حرمة القرابة. ولكن عندما تلا عليه النبي ﷺ صدر سورة فصلت اتخذ موقفا حياديا من الحرب ضده فقال: يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي. خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه!! قال: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم (٢). وكان أبو سفيان الزعيم الثاني لبني عبد شمس يتهرب من المعركة بكثرة الأسفار خارج مكة ابتغاء التجارة. وهذا ما أشار إليه أبو طالب في قصيدة أخرى يعرض فيها بتهربه. المهم أننا أمام أعراف قبلية مرتبطة بحلف وثيق تخلى بعضهم عنه، واستجاب بعضهم الآخر. ولنذكر في هذا المجال أن الحلف كله

стр. 17

كان لمصلحة النبي ﷺ ونصرته، دون أي تنازل مبدئي يقدمه لهم؛ إنما كانت حصافتة السياسية وحنكته تدفعهم إلى هذه المواقف. فلنقف قليلا أمام هذه الحصافة مع رواية ابن إسحاق المذكورة عن لقاء عتبة برسول الله ﷺ . رواية أخرى أوثق في مسند عبد بن حميد وأبي يعلى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبه فقال. يا محمد، أنت خير أم عبد الله (يعني أبا رسول الله ﷺ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال أنت خير أم عبد المطلب؟. فسكت رسول الله ﷺ . قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت. وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك. إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك. فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب. لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض في السيوف حتى نتفانى. أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش. وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا!! فقال رسول الله ﷺ : فرغت؟! قال: نعم. فقرأ رسول الله ﷺ . (بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم) .. حتى بلغ (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). فقال عتبة: حسبك حسبك. ما عندك غير هذا؟ قال لا.

стр. 18

فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا إنكم تكلمونه به إلا كلمته (١). فرسول الله ﷺ لم يخض معركة جانبية حول أفضليته على أبيه وجدة أو أفضليتهما عليه. ولو فعل ذلك لقضي الأمر دون أن يسمع عتبة شيئا. ولا خاض ﷺ معركة جانبية حول العروض المغرية، وغضبه الشخصي لهذا الاتهام. إنما ترك ذلك كله لهدف أبعد. وترك عتبة يعرض كل ما عنده حتى انتهى. وبلغ من أدبه ﷺ أن قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ فقال: نعم. لقد كان الهدف الأبعد لرسول الله ﷺ في هذه المرحلة تبليغ الدعوة. وعتبة مختار قريش للمفاوضة، فهو أعلمها بالسحر والشعر والكهانة. ولو انشغل النبي ﷺ في أية معركة جانبية مما ذكرنا لامتنع عليه تحقيق هدفه. والخطة السياسية الحكيمة للحركة الإسلامية تقتضي منها هذا الاقتداء وهذه الحصافة، بحيث تبلغ هدفها الذي تريد دون أن تستهلك بمعارك جانبية. وتقتضي منها كذلك تحييد من تستطيع من العدو. فإن عتبة وإن لم يسلم فقد انسحب من المعركة. وانسحابه يعني انسحاب عشيرته من خلفه. المرحلة الرابعة: حصار الشعب. كان ذلك ردا على التحالف العلني الذي قام بين بني هاشم وبني المطلب، مسلمهم ومشركهم لحماية الرسول ﷺ : (فلما رأت

стр. 19

قريش ذلك ((من شأن الحلف المذكور)) اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل) (١). ولم تفلح هذه التهديدات وهذا التحالف الجديد في ثني بني هاشم وبني المطلب عن حمايته ﷺ . قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب فدخلوا معه شعبه. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وقطعت قريش على ذلك عنهم الأسواق حتى كان يسمع أصوات نسائهم وأبنائهم يتضاغون وراء الشعب من الجوع واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا. وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله. فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضجع على فراش رسول الله ﷺ ، وأمر أن يأتي بعض فرشهم ... ) و عودة إلى الحلف السابق لم يستطع أبو طالب أن يقاوم هذا التحالف الباغي إلا بالحرب السياسية من جهة ومحاولة تفتيت هذا التحالف فعمل قصيدته - اللامية المشهورة:

стр. 20

ولما رأيت القوم لا ود عندهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد حالفوا قوما علينا أضنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل (١) وبعد أن يعوذ برب الناس وبجبل ثور وبالبيت الحرام وبالحجر الأسود وبالمشعر الحرام وبحجيج البيت. يعلن أنه لن يتخلى عن رسول الله ﷺ ولو قتلوا جميعا. كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى (٢) محمد ... ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد ...إليكم نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (٣) وأما سبب هذا الموقف فهو أن محمدا سيد بني هاشم وعزيز مكة. وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير درب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال (٤) اليتامى عصمة للأرامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عبده في رحمة وفواضل إنها من أروع ما جادت به الأخلاق الجاهلية أن يقبل مشركو بني هاشم وبني المطلب كل هذا العذاب والجوع والخوف ثلاث سنوات متواصلات حماية لسيدهم رسول الله ﷺ وهم على غير دينه.

стр. 21

ولا يدع أبو طالب التعريض بحلفائه السابقين. يستثير فيهم النخوة والحمية بالانضمام إلى حلفهم الأصلي. ويغمز من قناتهم بالتخلي عن نصرته، فيقول عن زعيمي بني عبد شمس: وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا ... بسعيك فينا معرضا كالمخاتل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسود كذوب مبغض ذي دغاول وكنت امرءا ممن يعاش برأيه ... ورحمته فينا ولست بجاهل ومر أبو سفيان عني معرضا ... كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلي نجد وبرد مياهه ... ويزعم أني لست عنكم بغافل ومن زعيمي بني عبد شمس إلى زعيم بني نوفل المطعم بن عدي: أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل ولا يكتفي بذلك بل يلمح إلي أقارب بني هاشم في قريش فكل صديق وابن أخت نعده ... لعمري وجدنا غبه غير طائل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حساما مفردا من حمائل وكان لهذه القصيدة أثر خطير زلزل أوضاع مكة. واستطاعت أن تحرك كامن العصبية عند أقارب بني هاشم، حيث ائتمروا سرا ودعوا إلي نقض الصحيفة. فلقد كان أول من سعى في ذلك هشام بن عمرو، واستجاب المطعم بن عدي زعيم بني نوفل بن عبد مناف، وزهير بن أبي أمية وكان بنو هاشم أخواله لأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وكانوا

стр. 22

ذوي قرابة في بني هاشم. وشاءت إرادة الله تعالى أن تنصر عبده ونبيه محمدا ﷺ في تظاهرة عجيبة في مكة. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: إن الله أطلع رسوله على الذي صنع بصحيفتهم (أي أكلتها الأرضة إلا باسمك اللهم) فذكر ذلك لعمه فقال: لا والثواقب ما كذبتني. فانطلق يمشي في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش. فلما رأوهم رأوا أنهم قد خرجوا من شدة الجوع وأتوا ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلم أبو طالب فقال: إنه قد حدث أمر لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحا فأتوا بصحيفتكم- وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها (وكانت مختومة) - فأتوا معجبين لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوع إليهم. قالها: (أي قريش): قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد قد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم. فقال أبو طالب: لأعطينكم أمرا لكم فيه نصف. إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم. فإن كان ما قال حقا فوالله لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا. وإن كان الذي يقول باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: رضينا. ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر. فقالوا: هذا سحر من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا لشر مما كانوا عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا ومزقت الصحيفة. وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة. فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس

стр. 23

فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة. فقال أبو جهل- وكان في ناحية من المسجد- كذبت، والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب. ما رضينا كتابتها يوم كتبت فقال أبو البختري: صدق زمعة. لا نرضى ما كتب فيها ولا نقربه. فقال المطعم بن عدي: صدقتم وكذب من قال غير ذلك. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس بناحية المسجد. فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها. فلما مزقت وبطل ما فيها قال أبو طالب في ما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقضها يمدحهم شعرا. لقد كانت حماية النبي ﷺ من القتل منوطة ببني هاشم وبني المطلب، ورفضوا تسليمه لقريش. وتحملوا مصائب كادت تودي بهم ولم يتراجعوا عن هذه الحماية. وكان لهذا التحالف أثر في الفقه الإسلامي حيث أن سهم ذوي القربى من الخمس يعطى لبني هاشم وبني المطلب. ففي كتاب كفاية الأخيار- في الفقه الشافعي-: ( .. السهم الثاني من الخمس لذوي القربى، وهم أقرباء النبي ﷺ ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم، لما روى جبيربن مطعم ﵁ قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أعطيت بني هاشم وبني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك!! فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. قال جبير: ولم يقسم رسول الله ﷺ لبني عبد شمس

стр. 24

وبني نوفل شيئا) رواه البخاري. وجبير من بني نوفل، وعثمان من بني عبد شمس، ورسول الله ﷺ من بني هاشم. وهاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس هم أبناء عبد مناف. والله أعلم (١). ويوضح ابن كثير هذا المعنى لدى تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى .. (٢)﴾ فيقول: (وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب. لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام. ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ وحماية لهم، مسلمهم طاعة لله ورسوله وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب ... وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل وإن كانوا بني عمهم فلم يوافقوهم على ذلك بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول ﷺ . ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم لشدة قربهم). وبعد أن يسوق بعض الأبيات السابقة، ويسوق الحديث المذكور عن جبير وعثمان يقول: وفي بعض روايات هذا الحديث: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب (٣). وهذا الاستطراد لبيان أهمية هذا الحلف، وكيف حفظه لهم رسول الله ﷺ .

стр. 25

والذي حدا بنا إلى اعتبار هذا الحلف مع أبي طالب هو أن أبا طالب كان يمثلهم، وهو الذي حمل العبء باسمهم مع رسول الله ﷺ ، ووافق على بذل الحماية باسم العشيرتين دون قيد أو شرط. ولو عدنا قليلا إلى حلف المطيبين وكيف تم الصلح فيه على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، نجد أن رسول الله ﷺ قد أقر هذا الحلف، حتى والإسلام عزيز منيع. فقد طلب علي ﵁ من رسول الله ﷺ أن يجمع لبني عبد مناف الحجابة مع السقاية والرفادة فنادى عثمان بن طلحة وسلمه مفتاح الكعبة وعثمان زعيم بني عبد الدار يومئذ، وقال اليوم يوم بر ووفاء. هاك مفتاحك يا عثمان. خذوها تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد عن قيس بن عاصم: ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام (أي بين المسلمين). وفي رواية: ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة. ولعل حماية رسول الله ﷺ كانت تطبيقا لبنود حلف الفضول الذي التقى عليه بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم وكان أشدهم وفاء هذان الفرعان الكريمان. جـ - حلف رسول الله ﷺ والمطعم بن عدي كانت وفاة أبي طالب بعد نقض الصحيفة بستة أشهر. وقد قلبت وفاته الموازين كلها فكثير ممن كان يشارك في حمايته أو يمتنع عن إيذائه حرمة ومهابة لشخصه. فمع وفاته بدأ الاعتداء العنيف على النبي ﷺ وبدأت محاولات قتله.

стр. 26

وكانت وفاة خديجة في العام نفسه، لذلك سمي العام العاشر من البعثة عام الحزن. وقد قال رسول الله ﷺ : (ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب). ولم يكن بقدرة العباس ﵁ أن يفعل فعل أبي طالب، إذ ليس له من المهابة والطاعة والمكانة ما كان لأخيه. وفي لحظة عابرة تحركت النخوة في رأس عدو الله أبي لهب فقال لرسول الله ﷺ : اذهب يا ابن أخي، وما كنت تصنعه وأبو طالب حي فاصنعه. وكان لهذا الموقف وقع الصاعقة على قريش فشرعت بذكائها لتدمير هذا الحلف، ونجحت أيما نجاح عندما أوعزت إلى أبي لهب أن يسأل رسول الله ﷺ عن عبد المطلب. وكان رسول الله ﷺ بين أمرين، والموقف حرج جدا، فإما أن تستمر الحماية مقابل مهادنة بكلمة واحدة في دين الله ومساومة .. وإما أن تنهار الحماية كلها لو تحدث عن عبد المطلب بما لا يرضيهم. وما كان لرسول الله ﷺ أن يساوم على حساب العقيدة، ولو كان في ذلك حمايته ليبلغ هذه العقيدة ... فقال لعمه أبي لهب: هو في النار. فقال أبو لهب: ما زلت عدوا لك أبدا. وعاد فانضم إلى معسكر قريش. وأمام هذا التطور انتهى النبي ﷺ إلى أن مكة لم تعد مكانا آمنا لتبليغ الدعوة. وبدأ يبحث عن مكان آخر. واختار ثقيفا في الطائف. وقد ذكر المقريزي أن ثقيفا كانوا أخواله. ولا ندري على أي شيء اعتمد في هذا. وأقام رسول الله ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. فقالوا: اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم. فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به.

стр. 27

حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له سماطين (أي صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة. ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه .. وكان هذا في شوال سنة عشر من النبوة (١). عاد رسول الله ﷺ متجها إلى مكة. فقال له زيد بن حارثة وقد أقام بنخلة أياما: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ (يعني قريشا) قال: يا زيد، إن الله تعالى جاعل لما ترى فرجا ومخرجا. وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه. وسار ﷺ حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء، وبعث رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره. فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو. فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. فبعث إلى المطعم بن عدي: أأدخل في جوارك؟ قال: نعم. ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا. ثم بعث إلي رسول الله ﷺ أن ادخل فدخل ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام. فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهيجه أحد منكم. وانتهى النبي ﷺ إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته. وقيل: إن أبا جهل سأل مطعما: أمجير أنت أم متابع؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت.

стр. 28

ولنستعرض هؤلاء الثلاثة الذين استجارهم الرسول ﷺ . ـ[أولهم]ـ: الأخنس بن شريق زعيم بني زهرة. وهؤلاء أخوال الرسول ﷺ . والأخنس حليف بني هاشم. ولا بد لمن يجير أن يكون أصلا لا تابعا حسب قوانين الإجارة المكية. وـ[ثانيهم]ـ: سهيل بن عمرو، وقد رفض الإجارة لأن بني عامر لا تجير على بني كعب، فلعلها أدنى منها نسبا. فكان لا بد من العودة إلي بني عبد مناف، فكان اللجوء إلى ثالثهم المطعم. والمطعم ممن قام بنقض الصحيفة، وممن تحسن موقفه بعد تقريع أبي طالب له، وهو زعيم بني نوفل بن عبد مناف. وإنه وإن كان جزءا من حلف المطيبين، فهو على مستوى واحد مع بني هاشم وبني عبد شمس وبني هاشم وبني المطلب. ولم تكن هذه الإجارة مع ذلك بالأمر السهل، فلقد تحسب لها المطعم على أنها قد تجر إلى معركة، فعبأ ولده وقومه، وحضروا بسلاحهم إلى الكعبة، وكانت تظاهرة مسلحة مثيرة، فرضت الرعب في صفوف قريش، واضطرت أبا جهل لقبولها. وقد حفظ رسول الله ﷺ هذا الصنيع للمطعم بن عدي، وعرف مدى الخطورة التي عرض نفسه وولده وقومه لها من أجله، فقال عن أسارى بدر السبعين يوم أسرهم: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له. فرغم العداء الفكري فرسول الله ﷺ يفرق بين من يعادي هذه العقيدة ويحاربها، ومن يناصرها ويسالمها. إنهم وإن كانوا كفارا فليس من سمة النبوة أن تتنكر للجميل. على أن هذا الحلف كان ضعيفا. لم تكن مهمته تحمل المسؤوليات الناجمة

стр. 29

عن الدعوة لهذا الدين. إينما كان حماية مؤقتة. والمطعم بن عدي وقومه عاجزون عن تأمين الحماية التامة. والذي طلبه النبي ﷺ هو بالنص دخوله في جواره، لا ضمان حرية الدعوة له. أي حماية شخصه أكثر من حماية حرية الدعوة له. من أجل هذا تابع النبي ﷺ بحثه عن مكان آمن للدعوة، وقبيلة ذات شكيمة قادرة على حمايته ليبلغ رسالة ربه. وكانت الفرصة موتية، فلقد أهل موسم العام العاشر للبعثة، وأزف شهر ذي الحجة، وابتدأت مرحلة التوجه إلى قبائل أخرى غير قريش وثقيف، تكون قادرة على حماية الرسول ﷺ حتى يبلغ رسالة الله. د - صور من الأحلاف لم تنجح كان رسول الله ﷺ منذ أن جهر بالدعوة بعد ثلاث سنين من البعثة يرتاد الموسم وأسواق العرب، ويدعو الناس للإيمان بالله. ((قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)) ويدعوهم إلى نبذ الأصنام والأوثان أما في موسم العام العاشر فقد اختلفت الصيغة. يقول المقريزي في (إمتاع الأسماع): ((ثم عرض ﷺ نفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، وهم بنو عامر، وغسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة، وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع)) وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة. ويقال إنه ﷺ بدأ بكندة فدعاهم إلى

стр. 30

الإسلام ثم أتى كلبا ثم بني حنيفة ثم بني عامر. وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟! هذا وأبو لهب وراءه يقول للناس: لا تسمعوا منه فإنه كذاب. إنها دعو صريحة بطلب الحماية من القبائل العربية لتبليغ دعوة الله . ويفهم من هذه الدعوة أنه ليس من الضروري أن تسلم القبيلة. إنما المطلوب أن تؤمن الحماية اللازمة له لتبليغ دعو الله . كما أن الذين هيؤوا له الحماية من قبل لم يكونوا مؤمنين جميعا. بل كان أبو طالب على رأسهم ولم يدخل في الدين الجديد. والقبائل التي عرض عليها الإسلام. وطلب منها النصرة في العام العاشر وبعده هي: بنو عامر وشيبان بن ثعلبة. وبنو كلب وبنو حنيفة وبنو كندة. أما بنو حنيفة فلم يكن أقبح ردا منهم. وأما بنو كلب فقد أتى بطنا منهم. وقال: نعم. إن الله قد أحسن اسم أبيكم. فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. وأما بنو كندة فلم يقبلوا منه كذلك. بقي لدينا بنو عامر بن صعصعة، وبنو شيبان بن ثعلبة، وهما بيت القصيد في هذه الفقرة. قال ابن إسحاق: ( ... وأنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إين نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا. لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه (١)

стр. 31

وكان اللقاء الثاني مع بني شيبان: (وزاد قاسم بن ثابت تكملة للحديث قالك: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم. قال علي: وكان أبو بكر في كل خير مقدما. فقال: ممن القوم؟ فقالوا من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم. وفيهم مفروق بن عمرو وهاني بن قبيصة، ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. ومفروق قد غلبهم جمالا ولسانا وكان له غديرتان تسقطان على تريبتيه. فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر. فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد عن الألف. ولن تغلب الألف من قلة. قال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم حد. قال أبو بكر: وكيف الحرب بينكم وبين عدوكم. فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة، ويديل علينا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: أوبلغكم أنه رسول الله فها هوذا؟. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شر يك له وأني رسول الله، وإلى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق. والله هو الغني الحميد. فقال مفروق: وإلام تدعو يا أخا قريشء؟ فقال رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (١) الآية.

стр. 32

فقال مفروق: وإلام تدعويا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ... ﴾ (١) الآية. فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يشرك في الكلام هانئ بن قبيصة. فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش. وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهن في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليه عقدا ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك في مجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صريان: اليمامة والسماوة. فقال رسول الله ﷺ : ما هذان الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور، وعذره مقبول، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا. وإني أرى أن هذا الأمر مما تكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلناه فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا

стр. 33

إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك، فتلا رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١). ثم نهض النبي ﷺ فأخذ بيدي أبي بكر فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا النبى ﷺ وكانوا صدقا صبرا. هـ. إن من نعمة الله علينا أن نجد بين أيدينا نصوصا عن أحلاف لم تتم، لأنها تكون هادية لنا على الطريق نتعرف من خلالها على ما يحل لنا وما لا يحل في مجال المعاهدات والأحلاف السياسية. ولو لم تتعثر هذه المباحثات، لم نتعرف على حدود الحركة السياسية النبوية التي نتوخى من خلالها حدود حركتنا اليوم. أما المحادثة الأولى مع بني عامر بن صعصة، فقد تعثرت لسبب واحد هو أن رسول الله ﷺ لم يعدهم بأن يكون لهم الحكم من بعده. وهي التي جعلتهم يرفضون إيواءه ونصره كما قال زعيمهم بحيرة بن فراس: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. إنه لا بد من التفريق بين الأمر الواقع وبين إقرار المسلمين به وموافقتهم عليه. وأن يكون باسم الإسلام بعد ذلك. وليست القضية حكم أشخاص بذواتهم وأعيانهم في الإسلام. إنما هي حكم من ينفذون شريعة الله، وعندما

стр. 34

يدخل الناس في دين الله، ويحقق الله تعالى موعوده بالنصر فلا يحق لفئة مشركة أن تتسلط على الحكم والسلطة بحكم أنها كانت تناصر هذه الدعوة وتساندها. وكثيرا ما تواجه الحركة الإسلامية أثناء مسارها الطويل بفريق أو فئة أو دولة تساندها وتحالفها لفترة مؤقتة. وتشترط عليها لإيصالها للحكم أو مساعدتها في ذلك أن تكون شريكتها في السلطة، فيحكم الأرض بوقت واحد إسلام وجاهلية أو تعاقب بين إسلام وجاهلية باسم العقد أو الحلف وهذا مرفوض في الميزان الإسلامي. يمكن للحركة الإسلامية أن تقبل حماية من مشرك في حالة ضعفها وعدم تمكنها. ولكن أن تعطي هذا العدو الحق في أن يسود ويحكم باسمها ومن ورائها ويستغلها مطية لمآربه فهذا مرفوض في الميزان الإسلامي. وماذا نجد في المحادثات الثانية مع بني شيبان بن ثعلبة؟ لقد ابتدأ أبو بكر ﵁ المفاوضات بعد أن عرف أنه مع زعماء بني شيبان لقد سأل عن العدد وعن المنعة وعن الحرب. وتوسم الصدق في الجواب من القوم فكان العدد يزيد عن الألف وكانت الحمية متوفرة، والاستعداد للقتال قائما، كما قال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلق، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله. فإذا كان رسول الله ﷺ يريد المنعة، فها هنا مكانها. وقريش لا تزيد عن الألف، ولقد أوعبت ألفا في بدر ولكن المفاوضات دخلت حلقة جديدة فلقد كان مفروق من الذكاء واللباقة ما جعله يكتشف من خلال الأسئلة أن السائل أخو قريش وصاحب مكة. وكان من العقل والحكمة بحيث تجاهل كل الأراجيف عن رسول الله ﷺ بأنه ساحر أو

стр. 35

شاعر أو كاهن .. وتوجه إلى رسول الله ﷺ يسأله عن دعتوه ودينه. نتعلم من إجابات الرسول ﷺ لمفروق فن الدعوة للعدو فقد بدأ بجلاء معالم الدعوة: (أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله) وهي مفرق الطريق بين الإسلام والكفر. وهي التي حاربتها قريش عشر سنوات ورفضت أن تقولها. ولم يكتف ﷺ بذلك، بل حدد هدف اللقاء، وهدف الأسئلة التي تقدم بها أبو بكر ﵁ .. (وإلى أن تؤووني وتنصروني) ويعلل سؤاله إياهم ذلك بدل أن يسأل قريشا فيقول: ( .. فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق. والله هو الغني الحميد). ويبدو أن مفروقا اطمأن إلى هذا الحديث فأحب أن يستزيد فقال: (وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟) فاختار رسول الله ﷺ الحديث عن غرة القيم والأخلاق التي تفتخر بها العرب، وإن كانت تخالفها في كثير من الأحيان، فقرأ قوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ الآيات. فاللقاء وإن كان لمباحثات سياسية، فلا بد أن تحتل الدعوة إلى الله فيها المكان الأول وإن كسب القوم إلى الإسلام أكبر بكثير من حمايتهم لرسول الله وهم لا يؤمنون برسالته. وزاد مفروق شغفا بحديث رسول الله ﷺ فاستزاده: (وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش)؟.

стр. 36

واختار رسول الله ﷺ الآية الجامعة المانعة الفذة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وبذلك عرضت القيم الأخلاقية والسياسية الإسلامية. فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. فلقد صدق مفروق مقالة رسول الله ﷺ لكنه لا يستطيع أن يقطع في هذا الأمر فأحال الأمر إلى شيخهم وصاحب دينهم هانئ بن قبيصة. ولعل هانئا لم يجرؤ على اتخاذ خطوة حاسمة في أمر الإسلام أو أنه كان مقتنعا بدين الجاهلية أكثر من غيره، فتفلت من الأمر وأجله وسوف فيه وتذرع بالحكمة دون العجلة. وبذلك انتهت الخطوة الأولى دون طائل. وآلم مفروقا هذا الموقف. وأحال هانئ الكلام على المثنى شيخهم وصاحب حربهم. ولا شك أن المثنى من ظاهر حديثه يبدو أنه قد تأثر بموقف النبي ﷺ ، وحاول أن يقطع فيما هو من اختصاصه، وقدم صورة كاملة في مجال الحماية ولخص الموقف بقوله: فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. وذلك بعد أن أشار إلى أن هذه الدعوة والرسالة مما يكرهها الملوك. وكان جواب رسول الله ﷺ للقوم في منتهى الحكمة والحصافة وبمنتهى الوضوح كذلك: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. وبذلك انتهت المفاوضات دون تحالف، لأن بني شيبان قدموا الحماية

стр. 37

حسب إمكاناتهم على العرب فقط. أما كسرى فلا، فلقد عاهدوه أن لا يحدثوا حدثا أو يؤووا محدثا. ولعل كسرى يغضب أشد الغضب لو علم بذلك .. فهو أمر تكرهه الملوك. إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود فلن يخوض بنو شيبان حربا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله وتسليمه. ولن يخوض حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله وأتباعه. وبذلك فشلت المباحثات وأحب رسول الله ﷺ أن يغزو قلوب بني شيبان بأن حدثهم عن موعود الله بنصره وأنهم وراث الأرض من دون المشركين إن هم آمنوا بالله ورسوله وسبحوه. وهذا هو الهدف الوحيد البعيد الذي تحقق ليبقى طريقا مفتوحا للقاءات القادمة: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه: فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك. ومن خلال هذه الفقرات الخمس نستطيع أن نحدد معالم هذه المرحلة والتي سميناها مرحلة الضعف في مفهوم التحالف السياسي الإسلامي. ١ - والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه. ٢ - أأدخل في جوارك؟ ٣ - أين عبد المطلب؟ قال: في النار. ٤ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. ٥ - إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. ونصل من هذه الفقرات إلى المعالم التالية: ١ - أي مفاوضة أو مساومة تنتهي بالتخلي عن هذا الدين أو تطالبنا بالساومة

стр. 38

على المبدأ أو العقيدة فهي مرفوضة، وكل تحالف يقود إلي هذه النتيجة بأن نقدم جزءا من إسلامنا ونتخلى عن الدعوة لشيء منه ونترك البعض الآخر بصفته شرطا يتوقف عليه التحالف هو مرفوض في الإسلام. ٢ - هناك فرق بين التخلي عن شيء من هذا الدين كشرط للمحالفة وبين أن أعرض الأمور العامة ذات الطابع المشترك بيني وبين العدو أثناء المفاوضات لتأليف قلبه فلقد عرض رسول ﷺ كما قال مفروق مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. إن هناك فرقا شاسعا بين القدرة السياسية الفائقة في حسن العرض والأداء وحسن الاختيار لما أريد الدعوة إليه. وبين الشرط الذي يملي على المفاوض في عدم ذكر جوانب من هذا الدين أو إعطاء صورة مغايرة للحقيقة. فلقد رأينا رسول الله ﷺ وهو يفاوض عتبة بن ربيعة يسكت عن الإجابة عن سؤالين: أأنت خير أم عبد الله؟ أأنت خير أم عبد المطلب؟ ورسول الله ﷺ سيد الثقلين بلا منازع، ولكن الإجابة عن هذين السؤالين يبعدان الهدف المقصود للرسول من إبلاع الدعوة لعتبة. ولقد أجاب عتبة عن هذين السؤالين لنفسه بأن عبد المطلب وعبد الله خير من محمد ومع ذلك عبدا هذه الآلهة. ولم يتكلم رسول الله ﷺ بهذا الصدد شيئا إنما اكتفى بأن يتكلم بعد أن أنهى عتبة حديثه. مع ملاحظة أن عتبة عندما انصرف من عند رسول الله لم يأخذ رأيا عن أن هذه الآلهة حق، إنما انصرف برأي هو إعجاز هذا الدين الذي يدعو إليه محمد ولا بد أن يكون له النصر. ٣ - وهذا يقودنا إلى الفقرة الثالثة. أين عبد المطلب؟ قال في النار. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز

стр. 39

على العدو. أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الوسيلة بإطلاق فيعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطأ سباسيا. أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها. ومن حقنا هنا أن نتساءل: لماذا سكت رسول الله ﷺ عن إجابة عتبة، وأجاب عمه أبا لهب.؟ في المرة الأولى كان بالإمكان التنصل من الجواب. أما في هذه المرة فلا خيار أمامه. إن عمه يريد أن يبني موقفا على هذا الجواب. فإن كان عبد المطلب في الجنة فهم على ملة عبد المطلب. وإن كان عبد المطلب في الجنة فهم يعبدون الآلهة التي عبدها. وبالتالي فليس من حق محمد صلى الله عليه أن يتعرض لها، ولا بد أن تكون الحماية مشروطة بذلك. وإذا كان ليس من حق رسول الله ﷺ أن يتعرض لها فلا يمكن أن يعرض لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وبالتالي فإذا ذهب هذا الأصل ذهب الأصل الذي يليه وهو رسالة الرسول ﵊. ولا مجال للسكوت كذلك. لأن هذا هو الهدف الأصلي من المباحثات التي جاء عمه من أجلها. ولقد أدت هذه الجزئية التي تبدو بسيطة في نظرنا إلى أن يتخلى أبو لهب عن حماية ابن أخيه وحماية حرية الدعوة من وراء ذلك. ولقد رأينا صورتين متشابهتين لهذه الصورة عند المسلمين. ـ[الصورة الأولى]ـ: لدى أبي بكر الصديق عندما أجاره ابن الدغنة. واعترض المشركون على هذا الجوار أن أبا بكر يقرأ القرآن خارج البيت بصوت مؤثر يفتن الصبيان والنساء عن عقيدتهم. فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر وطلب منه أن يدخل بيته ويقرأ القرآن بحيث لا يتأثر به النسوة والصبيان فيفتنهم فرفض ذلك ورد عليه جواره.

стр. 40

لأن قبوله بذلك يعني شل حرية الدعوة لدى أبي بكر ﵁. ويعني إيثاره سلامته على سلامة دعوته. ـ[الصورة الثانية]ـ: في مفاوضات الحبشة بين النجاشي والمسلمين الذين مثلهم جعفر ﵁ فقد تحاشوا في اليوم الأول ذكر المفهوم الإسلامي عن عيسى بن مريم ﵊ لكن داهية مكة عمرو بن العاص لم تفت عليه هذه الناحية. وقرر أن يستأصل خضراء المسلمين وينهي وجودهم في الحبشة حين لفت انتباه النجاشي قائلا له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما. فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم الملك بذلك. لم يكن أمام المسلمين غير هذين الخيارين: إما أن يجيبوا النجاشي عن حقيقة ما يقول القرآن في عيسى بن مريم. وإما أن يكذبوا هذه الحقيقة. وانتهى رأيهم جميعا إلى الخيار الأول: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنا ذلك ما هو كائن. وقالوا كلمة الحق. وحفطهم الله تعالى بأن النجاشي على دين الله الحق. إننا كثيرا ما نسمع مثل هذه العبارات- التشنج السياسي- أو- البله السياسي- في مثل هذه المواقف لأن المسلمين- على حد زعم المتحذلقين- قد خسروا نصرا مؤزرا نتيجة هذا التشنج. فلو قال رسول الله ﷺ كلمة ترضي عمه أبا لهب لربح حمايته ومنعته. ولو تنازل أبو بكر قليلا لبقي يروح ويغدو آمنا في جوار ابن الدغنة. ولو ساير جعفر وأصحابه النجاشي في رأيه بعيسى- على فرض نصرانيته- لأمكن إقامة مركز دائم للدعوة في الحبشة.
следующие страницы →