← Сияса и кади

Сияса и кади · id 95662

التحالف السياسي في الإسلام

منير الغضبان

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واختار رسول الله ﷺ الآية الجامعة المانعة الفذة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وبذلك عرضت القيم الأخلاقية والسياسية الإسلامية. فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. فلقد صدق مفروق مقالة رسول الله ﷺ لكنه لا يستطيع أن يقطع في هذا الأمر فأحال الأمر إلى شيخهم وصاحب دينهم هانئ بن قبيصة. ولعل هانئا لم يجرؤ على اتخاذ خطوة حاسمة في أمر الإسلام أو أنه كان مقتنعا بدين الجاهلية أكثر من غيره، فتفلت من الأمر وأجله وسوف فيه وتذرع بالحكمة دون العجلة. وبذلك انتهت الخطوة الأولى دون طائل. وآلم مفروقا هذا الموقف. وأحال هانئ الكلام على المثنى شيخهم وصاحب حربهم. ولا شك أن المثنى من ظاهر حديثه يبدو أنه قد تأثر بموقف النبي ﷺ ، وحاول أن يقطع فيما هو من اختصاصه، وقدم صورة كاملة في مجال الحماية ولخص الموقف بقوله: فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. وذلك بعد أن أشار إلى أن هذه الدعوة والرسالة مما يكرهها الملوك. وكان جواب رسول الله ﷺ للقوم في منتهى الحكمة والحصافة وبمنتهى الوضوح كذلك: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. وبذلك انتهت المفاوضات دون تحالف، لأن بني شيبان قدموا الحماية

стр. 37

حسب إمكاناتهم على العرب فقط. أما كسرى فلا، فلقد عاهدوه أن لا يحدثوا حدثا أو يؤووا محدثا. ولعل كسرى يغضب أشد الغضب لو علم بذلك .. فهو أمر تكرهه الملوك. إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود فلن يخوض بنو شيبان حربا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله وتسليمه. ولن يخوض حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله وأتباعه. وبذلك فشلت المباحثات وأحب رسول الله ﷺ أن يغزو قلوب بني شيبان بأن حدثهم عن موعود الله بنصره وأنهم وراث الأرض من دون المشركين إن هم آمنوا بالله ورسوله وسبحوه. وهذا هو الهدف الوحيد البعيد الذي تحقق ليبقى طريقا مفتوحا للقاءات القادمة: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه: فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك. ومن خلال هذه الفقرات الخمس نستطيع أن نحدد معالم هذه المرحلة والتي سميناها مرحلة الضعف في مفهوم التحالف السياسي الإسلامي. ١ - والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه. ٢ - أأدخل في جوارك؟ ٣ - أين عبد المطلب؟ قال: في النار. ٤ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. ٥ - إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. ونصل من هذه الفقرات إلى المعالم التالية: ١ - أي مفاوضة أو مساومة تنتهي بالتخلي عن هذا الدين أو تطالبنا بالساومة

стр. 38

على المبدأ أو العقيدة فهي مرفوضة، وكل تحالف يقود إلي هذه النتيجة بأن نقدم جزءا من إسلامنا ونتخلى عن الدعوة لشيء منه ونترك البعض الآخر بصفته شرطا يتوقف عليه التحالف هو مرفوض في الإسلام. ٢ - هناك فرق بين التخلي عن شيء من هذا الدين كشرط للمحالفة وبين أن أعرض الأمور العامة ذات الطابع المشترك بيني وبين العدو أثناء المفاوضات لتأليف قلبه فلقد عرض رسول ﷺ كما قال مفروق مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. إن هناك فرقا شاسعا بين القدرة السياسية الفائقة في حسن العرض والأداء وحسن الاختيار لما أريد الدعوة إليه. وبين الشرط الذي يملي على المفاوض في عدم ذكر جوانب من هذا الدين أو إعطاء صورة مغايرة للحقيقة. فلقد رأينا رسول الله ﷺ وهو يفاوض عتبة بن ربيعة يسكت عن الإجابة عن سؤالين: أأنت خير أم عبد الله؟ أأنت خير أم عبد المطلب؟ ورسول الله ﷺ سيد الثقلين بلا منازع، ولكن الإجابة عن هذين السؤالين يبعدان الهدف المقصود للرسول من إبلاع الدعوة لعتبة. ولقد أجاب عتبة عن هذين السؤالين لنفسه بأن عبد المطلب وعبد الله خير من محمد ومع ذلك عبدا هذه الآلهة. ولم يتكلم رسول الله ﷺ بهذا الصدد شيئا إنما اكتفى بأن يتكلم بعد أن أنهى عتبة حديثه. مع ملاحظة أن عتبة عندما انصرف من عند رسول الله لم يأخذ رأيا عن أن هذه الآلهة حق، إنما انصرف برأي هو إعجاز هذا الدين الذي يدعو إليه محمد ولا بد أن يكون له النصر. ٣ - وهذا يقودنا إلى الفقرة الثالثة. أين عبد المطلب؟ قال في النار. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز

стр. 39

على العدو. أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الوسيلة بإطلاق فيعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطأ سباسيا. أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها. ومن حقنا هنا أن نتساءل: لماذا سكت رسول الله ﷺ عن إجابة عتبة، وأجاب عمه أبا لهب.؟ في المرة الأولى كان بالإمكان التنصل من الجواب. أما في هذه المرة فلا خيار أمامه. إن عمه يريد أن يبني موقفا على هذا الجواب. فإن كان عبد المطلب في الجنة فهم على ملة عبد المطلب. وإن كان عبد المطلب في الجنة فهم يعبدون الآلهة التي عبدها. وبالتالي فليس من حق محمد صلى الله عليه أن يتعرض لها، ولا بد أن تكون الحماية مشروطة بذلك. وإذا كان ليس من حق رسول الله ﷺ أن يتعرض لها فلا يمكن أن يعرض لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وبالتالي فإذا ذهب هذا الأصل ذهب الأصل الذي يليه وهو رسالة الرسول ﵊. ولا مجال للسكوت كذلك. لأن هذا هو الهدف الأصلي من المباحثات التي جاء عمه من أجلها. ولقد أدت هذه الجزئية التي تبدو بسيطة في نظرنا إلى أن يتخلى أبو لهب عن حماية ابن أخيه وحماية حرية الدعوة من وراء ذلك. ولقد رأينا صورتين متشابهتين لهذه الصورة عند المسلمين. ـ[الصورة الأولى]ـ: لدى أبي بكر الصديق عندما أجاره ابن الدغنة. واعترض المشركون على هذا الجوار أن أبا بكر يقرأ القرآن خارج البيت بصوت مؤثر يفتن الصبيان والنساء عن عقيدتهم. فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر وطلب منه أن يدخل بيته ويقرأ القرآن بحيث لا يتأثر به النسوة والصبيان فيفتنهم فرفض ذلك ورد عليه جواره.

стр. 40

لأن قبوله بذلك يعني شل حرية الدعوة لدى أبي بكر ﵁. ويعني إيثاره سلامته على سلامة دعوته. ـ[الصورة الثانية]ـ: في مفاوضات الحبشة بين النجاشي والمسلمين الذين مثلهم جعفر ﵁ فقد تحاشوا في اليوم الأول ذكر المفهوم الإسلامي عن عيسى بن مريم ﵊ لكن داهية مكة عمرو بن العاص لم تفت عليه هذه الناحية. وقرر أن يستأصل خضراء المسلمين وينهي وجودهم في الحبشة حين لفت انتباه النجاشي قائلا له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما. فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم الملك بذلك. لم يكن أمام المسلمين غير هذين الخيارين: إما أن يجيبوا النجاشي عن حقيقة ما يقول القرآن في عيسى بن مريم. وإما أن يكذبوا هذه الحقيقة. وانتهى رأيهم جميعا إلى الخيار الأول: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنا ذلك ما هو كائن. وقالوا كلمة الحق. وحفطهم الله تعالى بأن النجاشي على دين الله الحق. إننا كثيرا ما نسمع مثل هذه العبارات- التشنج السياسي- أو- البله السياسي- في مثل هذه المواقف لأن المسلمين- على حد زعم المتحذلقين- قد خسروا نصرا مؤزرا نتيجة هذا التشنج. فلو قال رسول الله ﷺ كلمة ترضي عمه أبا لهب لربح حمايته ومنعته. ولو تنازل أبو بكر قليلا لبقي يروح ويغدو آمنا في جوار ابن الدغنة. ولو ساير جعفر وأصحابه النجاشي في رأيه بعيسى- على فرض نصرانيته- لأمكن إقامة مركز دائم للدعوة في الحبشة.

стр. 41

إننا نناشد هؤلاء الناس أن يرعووا إلي الحق عندما يلومون الحركة الإسلامية لمثل هذه المواقف لأن هذه الأمور بالأصل ليست للرجال ولا للدعاة. إنما هي أمر رباني بعدم التخلي عن أي جزئية من هذا الدين أو تغييرها لأهواء البشر: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ... ﴾. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (*) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (*) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (١) ٤ - أأدخل في جوارك؟ قال: نعم. هكذا ... نصر يتحقق للدعوة دون أي تنازل يقدم. فيمكن إذن للحركة الإسلامية أن تفاوض وتحالف على حماية رجالها من الإبادة أو إخراجهم من السجن أو حفظهم من الإعدام دون أي تعهد بالتخلي عن مبدأ مقابل ذلك. وهذا الأمر دقيق لا بد من إيضاحه. لا بد من إيضاح نقطة هامة في هذا الموضوع. هذه النقطة هي أن المسلمين في حالة قد حرموا فيها من حرية البلاغ وحرية الحياة. فإذا استطاعت قيادتهم أن تضمن لهم حرية الحياة خطوة أولى فلا ضير. حرية الحياة هذه باسم القانون أو باسم الديمقراطية أو بدافع القرابة فهو من حقها. بل بتعبير أدق من واجباتها. بل يمكن القول إن الخط السياسي في الإسلام يسير باتجاه التصاعد دائما. بمعنى أن أي كسب تحققه للدعوة ورجالها وأشخاصها فهو مقبول لكن دون أي تعهد أو التزام على حساب

стр. 42

المبدأ. ولا بد من تعداد الصور لإيضاح جانب الحق في هذا الموضوع. لو أدين الدعاة إلى الله بعد أن كانوا آمنين على أموالهم وأرواحهم لأنهم يدعون إلى الله فكيف يمكن أن تكون الخطوة السياسية في هذا المجال؟ إن كانت سلامتهم تضمن بتعهدهم بالبعد عن الدعوة إلي الله وإعلان البراءة منها. فالمفاوضات مرفوضة والتحالف مرفوض. وإن كانت سلامتهم تنطلق من منطلق حق الإنسان في العقيدة وحقه في البلاغ باسم القانون أو العرف فالتفاوض واجب والضرورة قائمة. إن من حق الحركة الإسلامية بل من واجبها أن يكون تحركها السياسي في هذا المضمار على أعمق ما يكون التحرك. وعلى أذكى ما يكون التحرك. وشبيه بهذه الصورة أن تحصل الحركة الإسلامية على أية معونة أو حماية أو نصرة من أية جهة دون أن تلتزم مقابل ذلك بشيء بل تستفيد من طبيعة الصراع بين دول الباطل. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) فللباطل آلاف السبل وليس سبيلا واحدا. وذكاء الحركة الإسلامية وعبقريتها السياسية في أن تتوغل في هذه السبل وتعرف نقاط الضعف فيها. ونقاط الصراع فيها فتستفيد من هذه النقاط وتحقق نصرا جديدا لها خطوة إلي الأمام. هذا ولا بد من الإشارة إلى أن الموقف الفردي يختلف عن موقف الجماعة المسلمة. فالأفراد يحق لهم أن يظهروا الكفر عند اشتداد المحنة وتضاعف البلاء. وضعف الفرد العادي ينعكس عليه. أما تساهل

стр. 43

القيادة فينعكس على الإسلام نفسه. وإشارة كذلك إلى ملاحظة ثانية هي أنه ليس كل الأفراد على مستوى واحد ولهم هذا الحق في التراجع وإظهار الكفر. إن بعض الشخصيات الإسلامية التي أصبحت رمزا للدعوة يكون من الخطأ بمكان أن تهادن أو تضعف أو تستكين والأصل فيها أن تتنازل عن حياتها ولو مزقت قطعا ولا تتنازل عن عقيدتها. ونستشهد في هذا المجال بصورتين: ـ[الصورة الأولى]ـ: لابن أم عمارة ﵄ عندما مضى ممثلا لرسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب وقطعه إربا إربا ورفض أن يشهد له بالرسالة. بينما رأينا الوفد الثاني يشهد له بالرسالة فيفتتن الناس فيهم ويكفرون أكثر من افتتانهم بمسيلمة. وـ[الصورة الثانية]ـ: لعبد الله بن حذافة السهمي وقد كان بين يدي قيصر وفشلت كل وسائل التعذيب معه على أن يتنصر ويكون شريكا لقيصر في ملكه فرفض وعرض على القدر المغلي بالزيت فدمعت عيناه وعلل ذلك بأنه يشتهي أن يكون له مائة نفس كلما مات مرة بعث أخرى. وليست قصة زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي ﵄ عنا ببعيدة. لأن كل شخص من هؤلاء الأربعة المذكورين يمثل صورة الإسلام وحقيقته عند عدو من أعداء الله. ٥ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء تعهد واحد طلب من رسول الله ﷺ فرفضه. فماذا تستافيد الحركة الإسلامية من هذا الموقف وهي في حالة الضعف؟. إن الحركة الإسلامية حين تفاوض عدوا على مستقبل الحكم أو تدعى إلي التحالف معه ... إذا استطاعت أن تصل مع هذا العدو إلى أن

стр. 44

يكون الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء من خلال بنود التحالف، فلها حرية الاختيار في ذلك. وحتى تتوضح الصورة أكثر نجد أن بإمكان الحركة الإسلامية أن تتحالف مع عدو على إسقاط عدو آخر. ويكون الحكم بعد ذلك لله يضعه حيث يشاء. والتعبير العملي لهذه الصيغة أن هذا التحالف الذي أسقط ذلك العدو ينتهي تحالفه بسقوطه وكل حليف يسعى بعد ذلك بجهده الخاص للوصول إلى الحكم، بدون أن يكون بين هؤلاء الحلفاء تعهدات لبعضهم بتعاون الحكم أو الاشتراك فيه. فنرى أن هذا الخط من صميم التحرك السياسي الإسلامي. الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. وهذا المفهوم يقود إلى نقطتين شائكتين ولكن لا مناص من التعرض لهما، وهما: • هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بأن يكون الحكم ديمقراطيا مطلقا؟ •• هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بقيام حكومة مؤقتة مؤتلفة؟ ونحاول الإجابة على التساؤل الأول: قد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن يكون الجواب بالإيجاب لأن النظام الديمقراطي لا يحدد فردا أو جهة ويخولها باستلام السلطة. وهذا يعني أن الأمر لله يضعه حيث يشاء. إنني أستبعد جواز ذلك- والله أعلم- وذلك للأسباب التالية: ° ـ[أولا]ـ: النظام الديمقراطي يقتضي من الحركة الإسلامية أن تقبل بالفئة أو الحزب الذي ينتخبه الشعب. وأن تعترف بشرعيته طالما فاز

стр. 45

بالأكثرية. وقد يكون هذا الحزب أو التجمع معاديا للإسلام أو لا يتبنى الإسلام- على أحسن الاحتمالات- وخروجها عليه خروج على الشرعية التي أعلنت الالتزام بها. فهي تضطر أن تنقض عهدا أبرمته، ولا يحل في ديننا إلا الوفاء. وحقيقة هذا الميثاق حين توقع الحركة الإسلامية عليه ليس ضمن إطار- الأمر لله يضعه حيث يشاء- بل ضمن إطار القبول بمشيئة الفئة الغالبة ولو كانت غير شرعية في ميزان الله. إنه صحيح أن كل شيء بمشيئة الله. لكن مهمتنا أن نسعى لأقامة شريعة الله، ونقاوم أي نظام باطل، فنحقق مشيئة الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١). ونفر من قدر الله إلى قدر الله بأمر الله. لا أن نعلن قبولنا بشرعية أكثرية لا ترضى بشريعة الله تعالى. أو أننا سنغدر بالمواثيق التي أعطيناها ولا يحل في ديننا الغدر. ° ـ[ثانيا]ـ: ولنفرض جدلا أننا قبلنا بالنظام الديمقراطي. فإن الشعب هو مصدر التشريع في هذا النظام. وقبولنا بذلك يعني قبولنا بكل تشريع لا يرضاه الإسلام، واعتباره شرعيا في الوقت نفسه طالما أنه صادر عن هيئة شرعية منتخبة. ومن هذه المحاذير وغيرها نتصور أنه ليس من حق الحركة الإسلامية وهي في حالة الضعف أن توقع على ميثاق أو تحالف يقيد تطبيق الإسلام بحجة رغبة الشعب والأكثرية، لأن ميزان الحق واضح. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢). ولكن هذا لا يعني أن الطريق مسدود أمام الدبلوماسية

стр. 46

الإسلامية في هذا المجال. إنها تستطيع أن تتجنب الكلمات المحددة الصلبة، وتتحرك في إطار الكلمات المرنة التي لا تدينها مثل الشورى والحرية السياسية، والنظام الذي يمثل إرادة الأمة حين تنبثق من شريعة الله. إلي غير هذه التعبيرات الواسعة المدى التي تجعلها في كل إطار تنتهي إلى أن الحق النهائي في الأمر هو لشريعة الله. ولدى الدبلوماسية الإسلامية السياسية كذلك نهج آخر: هو أن تترك الحديث عن الحكم المستقبلي بعد اسقاط النظام الكافر إلى الإمكانات المتاحة لكل حليف على حدة في إقامة النظام الذي يراه أحق من غيره بالتطبيق دون ظلم أو تعسف أو طغيان. إنه عندما يحدد الإطار الذي تتحرك خلاله الحركة الإسلامية، فمئات الحلول يمكن أن تكون أساسا للتحالف والتواثق بين المسلمين وخصومهم. ونجيب على التساؤل الثاني كذلك. إن فكرة الحكومة المؤقتة تعني مرحلة انتقالية تشترك فيها أكثر من فئة في إدارة دفة الحكم، أو حكومة حيادية تهيء المجال لنظام حكم ثابت مستقر. فإذا حددت مهمات هذه الحكومة دون أن يكون لها سلطة التشريع، بل حصرت صلاحياتها في تسيير الأمور على خطة مرسومة لا تخرج عن الإسلام، ولا تخالف حكما من أحكامه، ولا تلزم الحركة الإسلامية بقيود غير إسلامية، فما أجد حرجا في ذلك. وإن قدرة السياسة الإسلامية على الحركة والنفاذ وتحقيق مكتسبات للإسلام دون تقديم تنازلات ومساومات ... هي التي تبني الأساس المتين للوجود الإسلامي الحق. وإن ما نتصوره كسبا سياسيا مؤقتا يعقبه تخل عن التزام أو نقض لعهد، هو- في حقيقة الأمر خسارة كبرى للتصور الإسلامي عند هؤلاء

стр. 47

الناس. فلنحذر دائما من الكسب الرخيص السريع مقابل فقدان الناس ثقتهم بهذا المنهج الرباني الفريد. ٦ - إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه إن النهج المنبثق من هذه الفقرة هو ألا نبرم إلا التحالف المؤدي إلى الأهداف المرسومة. إنه يرسم استراتيجية الحركة السياسية الإسلامية. فكل تحالف مبني على عاطفة عارضة أو مصلحة جزئية هو على المدى البعيد طمس للخط الإسلامي الواضح. وهذه الفقرة تدعونا إلى تسجيل الملاحظات التالية: أ • عبقرية التخطيط السياسي فلا يكون استجابة لنزوة بنزوة مماثلة. بل يكون ضمن استراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطا، وخطة محكمة تدرس كل الاحتمالات المتوقعة من الحليف الآخر. ب • مرونة العمل السياسي. فعندما يكون هدفي وأضحا لدي، أسلك مع الخصم الذي أود محالفته كل سبيل ممكن نحو ذلك الهدف، ولا أضيع أي فرصة لتحقيق الهدف، وقد كان من بركة هذه المرونة أن استوعبت معظم القبائل العربية واستثمرت الزمان والمكان. فاللمواسم كلها مسرح للعمل السياسي الإسلامي لتحقيق الهدف الواضح. أسواق العرب وأماكنهم ووفودهم مغزوة دائما بالنشاط الإسلامي السياسي. وكل قبيلة غير قريش مؤهلة للمفاوضات والتحالف. فكندة في الجنوب، وغسان في الشمال، وحنيفة في اليمامة، وشيبان في العراق ... كلها أرسلت وفودا إلى المواسم، فكان وفودها مسرحا للعمل السياسي الإسلامي. بل إن قريشا عرضة للتفاوض في بعض تياراتها، كما حدث مع المطعم بن عدي.

стр. 48

إنها الحركة الدؤوب لتحقيق الهدف الواضح. ج • عبقرية المفاوض السياسي. وحين يكون الهدف واضحا، والمفاوض مرنا ذكيا تقيا ... يمكن أن تزج به الحركة الإسلامية في هذا الخضم لا تخشى عليه- بعون الله له- أي طارئ. لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب. وحين لا يتوفر مثل هذا المفاوض، فلا بد أن يحمل الوفد المفاوض هذه الصفات. فالمرونة والقدرة على تقليب الأمور، واستعراض الحلول الكثيرة، والتخلص من المآزق والمزالق. لا بد من توافرها وصفة التقوى ضمان للبقاء ضمن الإطار الشرعي الذي حدده الإسلام. ومن جانب آخر فإن هذه الفقرة ((إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه)) كانت ردا على المثنى بن حارثة حين عرض على النبي ﷺ حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس. وصاحب النظرة العجلى يرى أن تفويت هذه الفرصة خطأ سياسي، لكن الذي يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى. إن المثنى قد ألمح إلى أن هذا الأمر تكرهه الملوك. وإن موقع الدعوة بجوار فارس يجعلها سهلة المتناول في أي لحظة، وإن العهود والمواثيق املقيدة لشيبان تجعلهم أعجز من أن يستطيعوا حماية هذا الرسول وهذا الدين من بطش كسرى. إن التحالف مع الخصم الأقوى يكون في معظم الأحيان في مصلحة هذا الخصم. فوقع شيبان إذن من جهة غير مناسب ليكون مركزا للدعوة الجديدة، وعهود شيبان- من جهة ثانية- تشل إمكانية الحركة الإسلامية، وكراهة الملوك لهذه الدعوة التي تدعو لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله هي من جهة ثالثة عنصر غير مشجع لوجود هذه الحركة بحيث تمس مصالحها وتوقع الاحتكاك بينها وبين الحركة

стр. 49

الإسلامية. ويكفي أن نذكر نقطتين اثنتين توضحان عبقرية النظرة السياسية النبوية في هذا المجال: ـ[أولاهما]ـ: أن الفرس كانوا في أوج انتصارهم بعد أن هزموا امبراطورية الروم وأخذوا صليبها المقدس. ـ[ثانيهما]ـ: أن كسرى عندما وصله خطاب رسول الله ﷺ بعد قيام دولة الإسلام بست سنوات. مزق الخطاب النبوي. وبعث من يحضر له محمدا حيا أو ميتا. علما بأنه قد تجرع مرارة الهزيمة القاتلة من الروم قبل أربع سنوات. فما أحوجنا ونحن نود للحركة الإسلامية تحركا سياسيا هائلا. لأن نحكم الهدف أولا ونحكم الخطة ثانيا. ونكون أدرى ما يكون بالعدو ثالثا. وندفع بالعبقري السياسي للحركة رابعا. ونطلب النصر من الله بعد بذل هذه الإمكانات. ونقف كذلك عند هذا الأمر الذي تكرهه الملوك نحن اليوم على آمال إقامة دولة الإسلام في الأرض، ونعرف في الوقت نفسه أن كل القوى الفعالة تكره هذه الدولة. هذه الصورة القاتمة كثيرا ما تخيفنا وتدفع بنفوسنا إلى الزاوية الميتة. إلا أنه لا بد لنا من فعل شيء حتى نستطيع أن تقوم لنا قائمة. والحل المطروح هو أنه لا بد لنا من أن ننضوي تحت لواء جبهة وطنية، تقبل أطرافها بإسلامية سورية. إن الخطوط العريضة التالية هي الضوابط في هذا الشأن: ١ - ° التحالف السياسي المقيد جائز في الإسلام. ٢ - ° خط حلف الفضول، وكل تحالف على إسقاط نظام طاغ أو مقاومة ظالم مستبد جائز.

стр. 50

٣ - ° خط حلف أبي طالب على رسول الله ﷺ في عدم المساس بحرية الدعوة إلى تحقيق الدعوة جائز. ٤ - ° خط حلف رسول الله ﷺ مع المطعم بن عدي في حماية حرية الدعاة وحياتهم جائز. ٥ - ° خط رفض حلف أبي لهب في التنازل عن أية جزئية من جزئيات هذه العقيدة أو المساومة عليها واجب دعوي. ٦ - ° خط رفض حلف بنى عامر في رفض أية التزامات تؤديها الحركة الإسلامية بالحكم للآخرين. أصل ٧ - ° خط رفض حلف بني شيبان، وذلك في رفض أية أحلاف توقع الحركة الإسلامية تحت سلطان عدوها ملحوظ. ٨ - ° خط الإحاطة لدين الله من كل جانب يجب أن يحكم بالمفاوض السياسي المرن الذكي التقي العبقري. ٩ - ° خط الإحاطة لدين الله في عبقرية التخطيط السياسي، ومرونة العمل السياسي المتعدد يجب أن يكون على ذكر. ١٠ - ° الخط العام الذي يشمل الخطوط السابقة كلها، والذي نسميه الخط المتصاعد الذي نحقق فيه كل يوم كسبا جديدا للإسلام دون أية خسائر في المبدأ أو العقيدة، يجب أن يكون هو سمة العمل.

стр. 51

ثالثا: التحالف في مرحلة تأسيس الدولة ودع رسول الله ﷺ بني شيبان، ومر بعقبة منى فسمع أصوات رجال يتكلمون، فعمد إليهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر، من شباب يثرب، كلهم من الخزرج. وهم: أسعد بن زرارة، وعون بن الحارث (ابن عفراء)، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب. قال ابن إسحاق: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه. فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله به من الإسلام أن يهودا كانوا معهم في بلادهم، كانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه بأن صدقوه وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام. وتمت ـ[الخطوة الأولى]ـ بعد جولة صعبة وطويلة قضاها في العرض على القبائل. وليس في هذه المجموعة قيادات مثل قيادات شيبان، لكن خط الهدى لا يتوقف على نوعيات خاصة بل هو مبذول لكل راغب. وقد كانت سورة عبس درسا ربانيا للرسول ﷺ في أن يدعو الناس كافة.

стр. 52

ثم كانت ـ[الخطوة الثانية]ـ ( ... وقال بعضهم، ومن أهل العلم بالسير: فقال لهم النبي ﷺ : أتمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ فقالوا: يا رسول الله إنما كانت بعاث عام الهول يوما من أيامنا اقتتلنا به. فإن تقدم ونحن كذا لا يكون عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن جمعهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة (١). وقبل أن نعلق على هذا الحدث البسيط في مظهره العميق في مخبره. لا بد أن نشير إلى اجتماع سابق لرسول الله ﷺ لم يسفر عن نجاح في بداية العام الحادي عشر للبعثة، وكان قبيل بعاث مع وفد من الأوس جاؤوا يلتمسون الحف من قريش على قومهم من الخزرج. وكان الأوس أقل عددا من الخزرج، فلما علم رسول الله ﷺ بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو اليسر أنس بن رافع- رجل كان في الوفد- حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس وقال: دعنا عنك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس. وقام رسول الله ﷺ ، وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش، فلقد كان التحرك السياسي الإسلامي لا يدع فرصة إلا ويحاول الاستفادة منها. ولا ندري إن كان لرسول الله ﷺ وللمسلمين أثر في تعطيل الحلف بين الأوس وقريش أم

стр. 53

لا، لكن النتيجة المؤكدة أن إحباط الحلف مع قريش بحد ذاته هو نجاح للدبلوماسية الإسلامية التي وضعت كل الطاقات السياسية والفكرية لمقاومة تحدي قريش لدعوة الله. ولنتصور كيف سيكون الوضع في المدينة لو عقد الأوس حلفا مع قريش. كم كان من الممكن أن يحقق متاعب للنبي ﷺ ، ولنوضح خطر ذلك من خلال موقف عبد الله بن أبي. الذي أكره رسول الله ﷺ أدبيا على العفو عن حلفائه بني قينقاع من يهود. وعن دوره الخبيث في أحد يوم انفصل بثلث الجيش عن أحد. لأن رسول الله ﷺ رد حلفاءه من يهود ولم يقبلهم في جيشه. فنحن إذن أمام حلف أحبط بين قريش والأوس. وكان لرسول الله ﷺ دور معنوي على الأقل في إثارة البلبلة في صفوف الوفد القادم من المدينة من جهة، وفي إثارة الشكوك في نفسه حول قدرة قريش على المحالفة، وقد حاربت ابنها محمدا ﷺ ورفضت تبنيه. ونعود إلى الحديث عن لقاء العقبة بين رسول الله ﷺ وشباب الخزرج الستة لنرى خطا جديدا ابتدأ، وثق به رسول الله ﷺ واعتمده نهجا سياسيا جديدا بحيث ألغى بقية الجهود بانتظار نتائجه. وكانت أهميته عند القيادة النبوية في أن دخول هؤلاء النفر في الإسلام يجعل الأمر أقوى من صيغة التحالف بين ندين مختلفين، فقد يحوله إلى حركة أو حزب واحد وقيادة لهذا الحزب. ومن أجل ذلك ننبه إلى أننا سوف ننقل هنا من الحديث عن الأحلاف- قدر الضرورة- رغم أن أصل البحث هو- التحالف السياسي-. والذي يدفعنا إلى هذه النقاط سبب أساسي- هو الاعتقاد أن مرحلتنا الآن والتي تمر بها الحركة الإسلامية في سورية هي مرحلة تأسيس الدولة. ولا بد أن نترسم في كثير من خطاها. هذه المرحلة النبوية المشابهة. سواء في أحلافها

стр. 54

الخارجية، أو في بنائها الداخلي، ولا يغيب عن ذهننا أن لقاء العقبة الأول والثاني هو بيعة وليس حلفا، وهذا يعني أنه دليلنا في العمل داخل حركتنا الإسلامية الواحدة أو داخل جبهتنا الإسلامية المتحدة. وهذا لعمري هو أحوج ما نكون إليه في مجال القدوة أو الأسوة. ونبادر إلى القول سلفا. أن الحلف الوحيد في هذه المرحلة هو ميثاق المدينة الذي حدد فيه رسول الله ﷺ طبيعة العلاقة مع الفئات غير المسلمة في دولته الجديدة. وهو ما نحرص على تحديده اليوم. والذي سندرسه إن شاء الله عقب الحديث المختصر الضروري عن بيعتي العقبة. ... انتظر رسول الله ﷺ عاما كاملا على الموعد الذي تم بينه وبين النفر الستة من الخزرج، وتم لقاء جديد في العقبة أطلق عليه فيما بعد- بيعة العقبة الأولى - وهو كما رواه ابن إسحاق: (حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا. فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى. فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب ... ) (١). وعن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى. وكنا اثني عشر رجلا. فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء. وذلك قبل أن تفترض الحرب. على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر (٢).

стр. 55

والذي يعنينا من هذه البيعة هو النقاط التالية: ١ - إتجه الخط السياسي الإسلامي كله للبناء الداخلي. والتركيز على يثرب بالذات ولقد كان لهؤلاء النفر الستة دور كبيرفي بث الدعوة إلى الإسلام خلال هذا العام. فكما يقول ابن إسحاق: (فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشى فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . فلقد توجه رسول الله ﷺ إلي البناء الداخلي في المدينة، وإلى بث الفكرة في صفوفها. ٢ - حضر بيعة العقبة الأولى اثنان من الأوس، وهذا تطور خطير لمصلحة الإسلام، فبعد الحرب العنيفة في بعاث استطاع النفر الستة من الخزرج أن يتجاوزوا قصة الصراعات الدموية الداخلية، ويحضروا معهم سبعة جددا، فيهم اثنان من الأوس، وهذا يعني أنهم وفوا بالتزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصدع، وتوجيه التيار لدخول الإسلام في المدينة أوسها وخزرجها وتجاوز الصراعات القبلية القائمة. ٣ - وكان التطور الجديد الذي أثمرته بيعة العقبة بعث مصعب بن عمير ممثلا شخصيا للرسول ﷺ إلي المدينة، يشرف على تطور الموقف، ويفقه المسلمين بهذا الدين الجديد، وكل هذا ضمن النشاط الفكري والسياسي، والاتجاه للتعبئة وتكوين الأنصار المعتنقين لهذه العقيدة. ٤ - واستطاع الدبلوماسي الإسلامي الأول في المدينة بحكمته وحصافته وذكائه السياسي أن يجر أكبر قيادات الأوس للإسلام، أسيد بن حضير وسعد بن

стр. 56

معاذ، خلال العام الجديد، ولم يبق في بني عبد الأشهل- بطن كبير من الأوس- رجل ولا امرأة ولا طفل إلا ودخل في الإسلام. لقد أصبح التيار عارما، والاتجاه معبأ لقيام الدولة الإسلامية في المدينة- إذا صح التعبير- وأصبحت مهمة القيادة تنظيم هذه الطاقات كلها لصالح المعركة. ٥ - وهذا ما خطط له رسول الله ﷺ بعد أن بذل كل ما يملك من جهد لتعبئة الطاقات الإسلامية في المدينة. ولم يكن هناك أدنى تقصير في الجهد البشري الممكن في بناء القاعدة الصلبة التي تقوم على أكتافها الدولة الجديدة واحتمل هذا الجهد سنتين كاملتين من الدعوة والتنظيم. وتفرغ رسول الله ﷺ وانصب جهده عليه، تاركا- لفترة مؤقتة- الانشغال في الجهود السياسية الخارجية موجها كل طاقاته ﵊ لبناء الصف الداخلي الواحد المتراص. من قوم كان بينهم قبل أقل من عام دماء وثارات. ٦ - وتمت التعبئة الكاملة. حين شعرت القاعدة الصلبة أنه قد آن الأوان لقيام الدولة الجديدة، وكما يقول جابر ﵁ وهو يمثل هذه الصورة الرفيعة الرائعة: (حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟) (١). لقد أصبحت النفوس جاهزة للانطلاق، وتنتظر إشعال الفتيل للحرب ضد الجاهلية المستحكمة. ٧ - ووصل مصعب ﵁ إلى مكة قبيل الموسم الثالث عشر للبعثة، ونقل الصورة الكاملة التي انتهت إليها أوضاع شباب الإسلام هناك،

стр. 57

والقدرات والإمكانات المتاحة، وكيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس والخزرج، وأن القوم جاهزون لبيعة جديدة قادرة على حماية رسول الله ﷺ ومنعته. ٨ - واستجابت إرادة الله تعالى وأذن للمسلمين بالقتال. فخطوات بناء الدولة المسلمة لا تتم إلا بعد بناء قاعدتها الصلبة. يقول ابن اسحاق: (وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وهم بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فرارا منهم، ومنهم بأرض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه ﷺ ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه. أذن الله لرسوله ﷺ في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (*) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (*) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) أي إني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا ولم يكن لهم

стр. 58

ذنب فيما بينهم وبين الناس وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، يعني النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين (١). ٩ - وكان اللقاء الذي غير مجرى التاريخ في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة، حيث حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من المسلمين من أهل يثرب، فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي ﷺ اتصالات سرية أدت إلي اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل. بيعة العقبة الثانية: وسندع عرضها للعلامة المباركفوري الذي استقاها ورتبها من أكثر من مصدر ونعود بعد عرضها للاستفادة من حوادثها في واقع حركتنا الإسلامية اليوم، وهي التي تمثل بالضبط- يعلم الله- حالتنا الراهنة. يقول المباركفوري: (ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي. يقول كعب بن مالك الأنصاري ﵁: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق ... فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا ... فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب- وهو يومئذ على دين قومه- إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم فقال: يا معشر الخزرج- وكان العرب يسمون الأنصار خزرجا، خزرجها وأوسها كليهما- إين

стр. 59

محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ... وألقى رسول الله ﷺ بعد ذلك بيانه وتمت البيعة. بنود البيعة: وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلا، قال جابر: فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: ١ - ° على السمع والطاعة في النشاط والكسل. ٢ - ° وعلى النفقة في العسر واليسر. ٣ - ° وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - ° وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم. ٥ - ° وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. وفي رواية كعب التي رواها ابن إسحاق. البند الأخير فقط من هذه البنود ففيه، قال كعب: فتكلم رسول الله ﷺ وتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمعنك مما نمنع أزرنا (نساءنا) منه. فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأبناء الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.

стр. 60

قال: فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيتم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها- يعني يهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. التأكيد على خطورة البيعة: وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها، قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي ((١١ و ١٢)) من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر ليؤكد خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك. قال ابن إسحاق: لا اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: إبسط يدك. فبسط يده فبايعوه. وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم

стр. 61

أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فهو أعذر لكم عند الله .... فقالوا: يا أسعد. أمط عنا يدك، والله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. اثنا عشر نقيبا: وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله ﷺ انتخاب اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم. يكفلون المسؤولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. فقال للقوم: أخرجوا إلي منكم أثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فتم انتخابهم في الحال. وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين. قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم. وأنا كفيل على قومي- يعني المسلمين- قالوا: نعم. شيطان يكشف المعاهدة: ولما تم إبرام المعاهدة وكان القوم على وشك الارفضاض اكتشفها أحد الشياطين وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرا ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض وصاح بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الأخاشب (الجباجب) هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أزب العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك، ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم.

стр. 62

استعداد الأنصار لضرب قريش: وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ : لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا وناموا حتى أصبحوا. قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب: ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعاء قريش وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، فقد قال: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قدجئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، تبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه. حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول فجعل يقول: هذا باطل وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا علي مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات، ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين فرجعوا خائبين. تأكد الخبر عند قريش ومطاردة المبايعين: عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر لكنهم لم يزالوا

стр. 63

يتنطسونه- يكثرون البحث عنه ويدققون فيه النظر- حتى تأكد لهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فعلا وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى مواطنهم فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا هو قد طلع عليهم فوصل القوم جميعا إلى المدينة. (١) قال ابن إسحاق: فلما أذن الله لرسوله في الحرب وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وأوى إليهم المسلمون، أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا. نشير في بداية التحليل لوقائع هذه البيعة بأنها بالرغم مما تحمل من صورة الحرب وما أطلق عليها بعد أنها بيعة الحرب، إلا أنها تمت بأعمق تخطيط سياسي شهده التاريخ، حيث انبثقت دولة الإسلام وتم تحديد معالمها وقيادتها وهي جزيرة صغيرة وسط خضم من الشرك مثله العرب جميعا من حجاج منى أولا ثم دولة مكة المشركة ثانيا ثم قيادة المشركين من أهل يثرب ثالثا، ثم دولة اليهود في المدينة رابعا. وسط هذا العدو العاتي والمحيط بالمسلمين من كل جانب إحاطة

стр. 64

السوار بالمعصم، وسط هذا الخضم انبثقت دولة الإسلام الأولى في التاريخ، ولنتعلم من رسول الله ﷺ معالم طريقنا الذي نخوضه اليوم وسط بحرين كبيرين، بحر من الدماء، وبحر من الأعداء. لقد كان المسلمون البالغ عددهم بضعا وسبعين ضمن وفد من المشركين قوامه نحو ثلاثمائة وهذا يعني صعوبة الحركة والتنقل والاتصال. فما من مسلم إلا وحواليه عدد من المشركين يراقب تنقلاته وتحركاته. ومع ذلك فلقد كانت السرية المضروبة على التحركات خلال الحج من أعجب المخططات الناجحة. تمت الاتصالات بين قيادة مكة المسلمة الممثلة برسول الله ﷺ وقيادة المسلمين في المدينة، وتم تحديد مكان اللقاء، وتم دخول بعض الأعداد الجديدة في الإسلام خلال هذه الأيام المعدودة. ولعل من أهم أحداث هذه الأيام انضمام زعيمين من أكبر زعاء المدينة للإسلام هما: البراء بن معرور عبد الله بن عمرو بن حرام. يحدثنا كعب بن مالك فيقول: خرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه ولم نره من قبل، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان عمه العباس؟ قلنا: نعم- وكان العباس لا يزال يقدم علينا تاجرا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله ﷺ جالس معه. فسلمنا ثم جلسنا إليه. فقال ﵊ لعمه: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه. وهذا كعب بن مالك. فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟! قلت: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا

стр. 65

أجعل هذه البنية (الكعبة) مني بظهر. فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت في قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله وصلى معنا إلى الشام ... وتشير بعض الروايات إلى أن رئاسة الوفد كله مسلمه ومشركه قد انتهت إلى البراء بن معرور. وطالما أنه قد أسلم فهو الذي يقوم بتحديد اللقاءات المقررة مع رسول الله ﷺ واختار كعبا ليرافقه بصفته الشاعر المشهور والمعروف عند قريش. وكان العباس هو الذي تحمل عبء حماية الرسول ﷺ مع المطعم بن عدي بعد وفاة أبي طالب. فكان رفيق رسول الله ﷺ الدائم ومعرفته قائمة كما رأينا من خلال التجارة، فتم تحديد موعد ومكان اللقاء. وتشير رواية جابر بن عبد الله إلى بعض اللقاءات الثانوية. (فقال له عمه العباس: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب. فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء القوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث). أما إسلام أبي جابر الزعيم الثاني فكان يوم اللقاء المقرر كما يقول كعب: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر. إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام. وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة. فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. فكم كان نشاط المسلمين إذن. وهم يضمون الفرد تلو الفرد، والقائد تلو القائد إلى صفوفهم ليشارك في بيعة الحرب.

стр. 66

وكانت لقاءات القاعدة مع القائد العظيم ﷺ أكبر حلم عندها تتعرف عليه وتتلقى منه، وتستجيب لأمره وتوجيهاته. ٢ - وكانت الخطوة الثانية من التخطيط العبقري هو الخروج المنظم لموعد الاجتماع، يقول كعب: حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا (طائر مشهور بخفة حركته) مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو. وتم الاجتماع لهذا العدد الضخم الذي انسل من بين معسكرات المشركين دون أن يتنبه لهم أحد. ٣ - وكانت الخطوة الثالثة من التنظيم المحكم كما تشير بعض الروايات إلى تأمين حراسة الشعب بحيث لا يدري أحد بالأمر. يقول المقريزي: وجاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس وهو وعلى دين قومه. وأبو بكر وعلي ﵄، فأوقف العباس عليا على فم الشعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا له. فلم يدر حتى المهاجرون بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة في الحراسة والمراقبة وهما: علي وأبو بكر ﵄. ٤ - وكان حضور العباس وحديثه وهو على دين قومه- كما يظهر ضرورة سياسية فهو الذي يحمل عبء الحماية النبوية كما قلنا، فلا بد أن يتوثق من مستوى هذه الحماية الجديدة ليطمئن إليها، وإلا فلن يفرط في ابن أخيه. ولعل هذا يشير إلى إمكانية اشتراك بعض الشخصيات غير الإسلامية إذا كانت مناط ثقة تامة من القيادة في عملية تغيير سياسي لصالح الإسلام أو- على الأقل- يمكن

стр. 67

القول: إنها في ظاهرها موالية للسلطة الحاكمة، أما حقيقة ولائها فللقيادة المسلمة، خاصة إذا كان لها دور رئيسي في التحرك، كقيادة فرقة في عملية انقلاب عسكرية، أو قيادة مجموعة سياسية في عملية تغيير سياسي. بل بإمكانها أن تشارك في رسم الخطة وتنفيذها إذا كانت ذات خبرات عريقة. فلقد شارك العباس ﵁ في تنفيذ هذا اللقاء- كما تشير الرواية- وهو الذي أمر أبا بكر وعليا بالوقوف على الطرق المؤدية للشعب. إن من حق القيادة- بل من واجبها- أن تستفيد من الخبرات والطاقات الإسلامية وغير الإسلامية عندما تدين لها بالولاء والطاعة. ٥ - ونلاحظ أن الأنصار ﵃ حرصوا على استماع الخطة من القيادة مباشرة. فقالوا للعباس: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. ومن أجل هذا قلنا: إننا لسنا أمام حلف سياسي، إنما نحن أمام قيادة واحدة وقاعدة صلبة تنتظر الأوامر، وتريد معرفة إمكانات التنفيذ. وإذا كانت البيعة لم تتم فإن الاستعداد الكامل للتنفيذ قائم. فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. ٦ - وكانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح والقوة بحيث لا تقبل التمييع والتراخي. إنه السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر، والأمر بالمعروف، والنهي عن النكر، والقيام في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم ... ونصر لرسول الله ﷺ ، وحمايته إذا قدم المدينة ... إن البيعة على الإسلام شيء، والبيعة على إقامة دولة الإسلام شيءآخر. وإن الرجال الذين يعدون ليكونوا أفرادا مغمورين في عداد المسلمين شيء، والذين يعدون لتقوم دولة الإسلام بسواعدهم وبأرواحهم وبأموالهم وبدمائهم شيءآخر. ويكفي أنها مضت مثلا في التاريح الإسلامي أن البيعة الخالية من

стр. 68

الحرب والجهاد- ومنها بيعة العقبة الأولى- كانت تسمى بيعة النساء. أما هذه البيعة فبيعة الحرب. ومع ذلك فليست حرب الإبادة، وليست حرب الإفناء بل الحرب المخططة المحكمة المحدودة الأهداف والمحددة الاستراتيجية التي ترتبط بالنصرة بعد وصول القيادة النبوية للمدينة. إن كل قطرة دم يجب أن تراق ضمن هدف. لا أن تراق لانفعال عاطفي أو غضبة جارفة. وإذا جد الجد فالإسلام عديل الروح بل أغلى منها لأنه يضحى بالروح والدم والمال من أجله. وتحمى القيادة الإسلامية كما يحمي المرء زوجه وولده ونفسه. ٧ - وسرعان ما استجاب قائد الأنصار دون تردد- البراء بن معرور قائلا: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله. فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة. ورثناها كابرا عن كابر. والبراء هو المفوض الرسمي، وهو رئيس الوفد المفاوض، وهو الذي أسلم بنشاط الدعاة على الطريق. وها هوذا يعرض إمكانيات قومه لرسول الله ﷺ . قومه أبناء الحرب والسلاح. إن هذا يعني بالنسبة للحركة الإسلامية أن تعرف أولا الطاقات القتالية عندها من جهة، وأن تعرف من جهة ثانية كيف توجه هذه الطاقات في أحسن سبيل. فيأخذ صاحب الكفاءة مجاله، وأخو الحرب مكانه. ٨ - والأوامر شيء والمفاوضات شيء آخر. فلقد اعترض أبو الهيثم بن التيهان ﵁ وهو المسلم العظيم على أمر مهم قبل البيعة وكان لا بد من طرحه بصراحة ووضوح: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني يهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

стр. 69

فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالتم. ويا لها من مفاوضات نادرة المثال في التاريخ بين جندي وقائد بين مسلم ورسول الله ﷺ . إن طبيعة المعركة تقتضي أوضاعا جديدة. وإن حمل السلاح يعني الحرب الضروس التي تأكل كل شيء. فالحركة الإسلامية قبل أن تتبنى الجهاد وقبل أن تحمل السلاح. كانت آمنة، شبابها في وظائف الدولة يملؤون فجاجها. بل ومرت مرحلة وصل بعضهم إلى مجلس الشعب- كما يسمونه- ولكن في خدمة النظام الجاهلي الكافر. بل ولم يكن أحد يعلن أنه جزء من الحركة الإسلامية أو فرد في تنظيم الإخوان المسلمين إلا بالظنة والتهمة. هذا واقع قبل البيعة. أما بعد البيعة على الجهاد. فانقلبت الصورة كاملة. إن مجرد الظنة باشتراك فرد أو بل شروعه أو بل تفكيره بالانضمام إلى التنظيم المسلح يعني الحكم بإعدامه وإبادته ويعني الحكم بإبادة عائلته وأقاربه كذلك. فهل يحق للقيادة بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد أن تتخلى عن هذا الطريق وتترك جنودها يبادون وحدهم في العراء. أن تصالح لنفسها أو تأخذ أمانا لنفسها وتترك الفاجعة على كل شبابها وشيبها. هذا هو مفهوم اعتراض أبي الهيثم بن التيهان ﵁. لأن قطع العهود مع يهود يعني إعلان الحرب عليهم، فإذا تخلى رسول الله ﷺ عنهم ومضى إلى قومه في مكة فهذا يعني ترك المسلمين تحت رحمة يهود يفعلون بهم الأفاعيل بل يستأصلون أخضرهم ويابسهم، إذا كان من حق أبي الهيثم أن يناقش رسول رب العالمين بهذا الأمر فأي قيادة في الدنيا مهما ارتفعت لا تناقش فيه؟ وأي قائد في هذا الوجود لا يحاسب عليه.

стр. 70

ألا فليعلم كل جندي في المعركة الإسلامية أن من حقه أن يعترض هذا الاعتراض على قيادته إن انسحبت من المعركة وتركته يتلوى وحده في النار. إن كل قطرة دم تراق بأمر القيادة أو من جراء أمرها هي في عنق هذه القيادة ستسأل عنها يوم الدين. فيم أراقتها، وفيم لم تحافظ عليها من الضياع. وماذا كان جواب سيد الخلق لجنديه ابن التيهان؟ قال له: بل الدم الدم، والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم مني. أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم. ويا له من جواب خالد تردده أصداء الوجود. القيادة جزء من القاعدة، والقاعدة جزء من القيادة. شركاء متلاحمون منصهرون في المغرم والمغنم، دمهم واحد ومصيرهم واحد، ونكبتهم واحدة، وحملهم واحد. بل أكثر من ذلك أحارب من حاربتم وأسالم من سالتم. لقد أبدى رسول الله ﷺ استعداده وهو الطرف القائد المفاوض أن يشهر الحرب على من حارب جنده، ويسالم من سالمهم. جعلهم الأصل في الحرب والسلم. ٩ - وعلى هذا الأساس من المفاوضات كان لا بد أن يظهر الوجه المقابل للصورة التي عرضها ابن التيهان ﵁. ولم يحمل لواءها رسول الله ﷺ . إنما حمل لواءها واحد من طرف المفاوضين. وإذا رأينا في الفقرة السابقة عظمة القيادة وتضحيتها وواجباتها. فما هي واجبات القاعدة مقابل ذلك؟ يقول العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة.

стр. 71

وفي التعبير الآخر لسعد بن زرارة: ... وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم. لابد أن نعرف طبيعة المعركة التي نخوضها اليوم إنها كمعركة الأمس: حرب الأحمر والأسود ... وقتل الأشراف والخيار، ونهكة الأموال والأعراض، العالم كله ضدنا، يحاربنا، لا يرضى أن ينتهي الحكم إلينا أو إلى أية حركة إسلامية نظيفة، فمن ذا يحالفنا على هذا الأساس؟ كل الحلفاء السياسيبن يرضون بحلفنا إذا عرفوا أننا منتصرون. أما في الأخرى فيقول أحدهم: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. إن معرفة طبيعة المعركة يعيننا على تحديد طبيعة الحركة المناسبة. وإن طبيعة المعركة يجب أن تكون معروفة لدى كل فرد في القاعدة حتى يبايع بعدئذ عن بينة أو يرفض! إنه يمكن أن يبقى على بيعة النساء- كما وردت في سورة الممتحنة- أما بيعة الرجال ... بيعة الحرب فهذه طبيعتها. وما أحرى الحركة الإسلامية أن تكون صريحة صادقة مع قواعدها، لا تغشهم، ولا توحي إليهم أن النصر قاب قوسين أو أدنى ... وأن العرب معنا ... وأن ما ينقصنا هو التفاوض معهم ... وأن قوى العالم ترضانا إذا فاوضنا وإذا ملكنا المرونة السياسية ... وأن الأمر كله أمر حركة سياسية أو أمر جبهة وطنية، أو أمر حلف سياسي، أو أمر لعبة ذكية. والذين يريدون أن يحرفوا المعركة ولا يتحملوا تبعاتها فمكانهم خارج الصف، ومن أول الطريق. ولقد كانت القيادات الأنصارية على مستوى المعركة. وكانت واضحة مع قواعدها فماذا كان بعد ذلك؟ قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. إذن فالمعركة في الحقيقة معركتنا نحن، معركة الجنود المؤمنين، معركة القاعدة الإسلامية الصلبة العريضة في الأرض، وفي هذه المرحلة

стр. 72

بالذات، فالاتجاه الدقيق هو اتجاه البناء الداخلي. إن ظروفنا الآن هي ظروف بيعة العقبة، هي ظروف بيعة الحرب، نحن الآن في مرحلة المواجهة السافرة مع العدو، مع قوى الأرض، وذخيرتنا هي قاعدتنا الصلبة. هي قواعدنا المؤمنة التي ترضى بالجنة ثمنا لحرب الأحمر والأسود من الناس، ترضى بالجنة ثمنا لمفارقة العرب كافة، ترضى بالجنة ثمنا لنهكة الأموال والأعراض تستعد للوفاء بهذه الالتزامات، وترضى بالجنة ثمنا وحيدا. ليس عند القيادة ثمن في هذه الظروف إلا الجنة. كما نطق رسول الله ﷺ بذلك. أما النصر، فقد لا نكون نحن أصحابه. قد نكون نحن جيل القتل، إن النصر قادم لا محالة. لكن لنا؟ لا ندري. إن الوعد الذي قطعه الله تعالى على نفسه لمن وفى بهذه الالتزامات هو الجنة، وهو الوعد الذي رضيه الله تعالى لرسوله أن يعطيه باسمه. وأما النصر فهبة ربانية تأتي في الموعد الذي يختاره جل شأنه، أما ما نحسبه من نصر موهوم يقوم على أكتاف عدو لله يقدمه لنا، فنحن إذن واهمون. ونحن لسنا مدركين إذن لطبيعة المعركة التي نخوضها، وإن تحقق دون أن نلتزم بقواعد هذه الشريعة فالمعركة والعياذ بالله كلها خاسرة. إنه قبل أن تقوم دولة الإسلام على الأرض، فلا وعد عند الله تعالى إلا الجنة للجيل الذي يحمل اللواء لحرب الأحمر والأسود من الناس فمن قبل بالثمن فليبايع، ومن تلكأ فحسبه بيعة النساء. ١١ - فقالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، وقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة. وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولا. ما صافح رسول الله صلى

стр. 73

الله عليه وسلم أمرأة أجنبية قط. وقبل المفاوضون بالبيعة وبايعوه جميعا دون أن يتخلف أحد، حتى المرأتين بايعتا بيعة الحرب. وصدقتا عهدهما. فلقد سقطت أم عمارة في أحد وقد أصابها اثنا عشر جرحا وقد قطع مسيلمة الكذاب ابنها إربا إربا فما وهنت وما استكانت وتحولت النسوة في هذه البيعة إلى رجال يقاتلن ويبايعن على قتل أشرافهن، وحرب الأحمر والأسود من الناس. ١٢ - ولم تنته القضية بعد، فلن يستطيع رسول الله ﷺ أن يتصل مع كل فرد من هؤلاء المبايعين كل مرة، ولن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة أمامه مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد. قال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم. ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين. قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم. وأنا كفيل على قومي بما فيهم- يعني المهاجرين. فما هي مهمة هذه القيادة التي مثلت القاعدة الصلبة وتم انتخابها في الحال، وكان الانتخاب بنسبة التمثيل العددي للأوس والخزرج؟؟ وهذا يذكرنا بدور القيادة القائمة اليوم للحركة الإسلامية. فقد تم انتخابها من مستويات معينة، وأنيط بها أخطر مهمة في هذه الظروف، مهمة تحقيق وحدة الجماعة المبعثرة التي تقطعت أرحامها منذ سنوات عديدة وعاشت في جو محموم من الكراهية والضغينة، وتداركت رحمة الله هذه الحركة عندما أعطت ولاءها لله وارتفعت فوق خصوماتها وصراعاتها، ووحدت طريقها على الجهاد في

стр. 74

سبيل الله، وكانت بركة هذه الدماء الزكية بلسما لجراحها، حتى استطاعت أن تصل إلى قيادة موحدة وأمير واحد بايعته بيعة الحرب. إنها أمانة أنيطت بها في هذ الظروف الحرجة الدقيقة. وتطلعت إليها أنظار العالم الإسلامي كله في أن تكون قادرة على رص الصف، وتذويب الفوارق فيه، والقضاء على الأحقاد والضغائن فيه. لقد كانت المهمة العسيرة للنقباء الإثني عشر أخطر من مهمة قيادتنا اليوم. فلقد كلفت برص الصف وتوحيده بعد حرب حقيقية بالسيوف لا بالكلام. بعد عام واحد على حرب بعاث أو عامين. فبين الأوس والخزرج دماء وثارات وأحقاد ما يمكن أن تزول بجرة قلم. ونعرف الثارات الجاهلية التي تبقى مستكنة سني طوالا ولا تهدأ حتى تنتقم. هذا الوضع هو الذي استلمته القيادة الجديدة من النقباء الاثني عشر. واستطاعت بإخلاصها وصدقها، وارتفاعها فوق ذواتها وميولها وعواطفها، وجعل رضا ربها نصب عينيها أن تظفر بتوفيق الله تعالى لها وإلفة كلمتها. لأنها صدقت الله تعالى فيما عاهدته عليه. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ١٣ - وأين كان طواغيت الأرض من هذه البيعة الفريدة في تاريخ الأرض. أين كان مشركو المدينة والبيعة تتم على رؤوسهم. وأين كانت قريش والبيعة تريد أن تحطم طاغوتها وكبرياءها وهي تحاد الله وتكذب رسوله؟ وأين كان الحجيج المشرك كله. والبيعة تريد أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. نقول هنا عن العدو القريب الذي كان وضع هؤلاء السبعين بالنسبة لهم كوضع اللقمة بين فكي الأسد؟؟

стр. 75

ولا نذكر ملوك الأرض الأبعدين كسرى وقيصر وحلفاءهما وعبيدهما: أين كان هؤلاء كلهم؟ كانوا يشخرون في نومهم ... وعين الله تكلأ العصبة المؤمنة. والساهر الوحيد الذي كان يقضم أسنانه غيظا هو الشيطان الرجيم. لم يجد أحدا من حلفائه يتحرك لدرء الخطر فما تمالك أن صرخ بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الأخاشب. هل لكم في محمد والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم؟! الشيطان ساهر ليمزق كل بيعة على الجهاد في سبيل الله. وقد ساءه ما ظهر من البراعة السياسية من رسول الله ﷺ التي حققت كل هذه الانتصارات. والشرك غاف كالمقبور ... فهل لنا بمثل هذه البراعة السياسية في تحركنا الجديد؟! لا بد أن نذكر الأخطاء للعبرة والذكرى. فيوم تحركت القيادات المتفرقة للحركة الإسلامية لتشكيل قيادتها الواحدة. ويوم أن زادت حدة نقاشها قليلا عن العهود كانت استخبارات العدو تذيع أخباز هذا النقاش وتضخمه لتجعل منه حربا سقط فيها عشرات القتلى وتدخل فيها جيش الدولة المضيفة لوقفه. والمتفاوضون والمتناقشون يعدون على الأصابع. فكم الفرق هائل بين التحرك النبوي بالسبعين والنيف عنده في قلب بحر الشرك، وتحركنا السياسي هذا؟ ١٤ - ووضع المبايعون أيديهم على مقابض السيوف ليستلوها من أغمادها أمام هذا النداء قائلين: لئن شئت يا رسول الله لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. الاستعداد بالتو لتنفيذ بنود البيعة، وأكثر من البنود. ويأتي الجواب النبوي العظيم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارفضوا إلى رحالكم. بين معركة آنية يسقط بها هؤلاء السبعون شهداء. استجابة لنزوة طارئة وانفعال هائج وبين المسؤولية عن كل قطرة دم تسقط دون تخطيط وتسفح دون
следующие страницы →