← Общие книги

Общие книги · id 95667

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه

عطية صقر

Полный текст (219 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه تأليف فضيلة الشيخ عطية صقر عضو مجمع البحوث الإسلامية سلسلة البحوث الإسلامية السنة الثامنة عشرة - الكتاب الخامس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم للأستاذ الدكتور عبد الفتاح عبد الله بركة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فنقدم للقراء الطبعة الثانية من كتاب: "الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه" الذى يتحدث عن عالمية الدين الإسلامى وصلاحيته لكل زمان ومكان، على الرغم من أن الرسول الذى أرسل به عربى، والكتاب الذي أنزل عليه أنزل باللسان العربى، فهو ﵊ كما قال عنه ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، والكتاب كما قال عنه سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.

стр. 3

وهذا الكتاب الذى نقدمه يؤكد هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للشك؛ وذلك من واقع النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية ليزداد المؤمن إيمانا، ومن واقع العوامل الذاتية التى رشحت هذا الدين ليكون دينا عالميا، وليكون حجة الله على من يتطلعون إلى دين يلائم الطبيعة البشرية، ويساير تطور الحياة الفكرية والعملية، ومن الواقع التاريخى الذى أثبت جدارة الإسلام بهداية البشرية إلى أقوم الطرق، حيث تقبلته كل الأجناس، وعاش فى كل البيئات، وما يزال غضا طريا على الرغم من تعاقب الأجيال. والكتاب ينبه إلى خطر الجبهات التى تحاول أن تقلص من ظله، وتحد من مده، وسنرى من خلالها أن بعض المعاصرين يثيرون من الشبهات ما أثاره الأعداء منذ مئات السنين، وتكاد الألفاظ التى تجرى على ألسنتهم تطابق تماما ما قاله أولئك المغرضون. وهو إذ يبرز أن الإسلام هو الدين العالمى الوحيد الذى يلبى حاجة الإنسانية فى هذا العصر وفى جميع العصور، لم ينس أن يصنع المنهج الصحيح للدعوة إليه، من واقع النصوص وهدى السلف وتجارب العصر، حتى لا يقحم نفسه على الدعوة من ليس أهلا لها، وحتى لا تشوه الصورة النقية للإسلام من سلوك بعض من لا يحسنون الدعوة إليها.

стр. 4

والكتاب فى صورته المصغرة المنتقاة من مؤلف ضخم فى هذا الموضوع، شاهد صدق من الشواهد الكثيرة على أن الأزهر الذى ظل منارة الثقافة الإسلامية أكثر من ألف عام، لم يغب عن الساحة مطلقًا، فهو بجميع هيئاته حاضر يتفاعل مع الأحداث، ويشق طريقه فى الإصلاح بكل ثقة وصبر ومصابرة راجيا من الله المثوبة، وداعيا للأمة الإسلامية أن يلهمها الله الرشد حتى تعود إلى الدين الذى يخرجهم من الظلمات إلى النور، وصدقا الله العظيم إذ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ وبالله التوفيق، ، ، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ. د/ عبد الفتاح بركة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد اقتضت حكمة الله تعالى ألا يدع عباده يسيرون فى الحياة على غير هدى، ولا أن يتركهم لعقولهم التى قد تغلبها الأهواء فتضل وتغوى، فأرسل إليهم رسلا حدد مهمتهم بقوله: "رسلا مبشرين ومنذرين" (١)، وبين حكمة إرسالهم بقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢)، وكان فى كل جماعة من الجماعات البشرية الهامة من يرشدها كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣)، وكان هؤلاء المرشدون من الكثرة بحيث قال الله فيهم: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ (٤)، على ما تفيده "كم" الخبرية من التكثير، وكفانا مئونة عدهم فقال:

стр. 6

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (١)، وبين المقصد اللأكبر من "بعثهم فقال: "ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" (٢)، فقد وجهوا اهتمامهم أولا إلى إصلاح العقيدة ثم إلى إصلاح ما يرونه فى حاجة إلى إصلاح من السلوك. ومما لا شك فيه أن البشرية فى تغير دائم ورقى مستمر، وأن المشاكل تزداد تعقدا كلما تعقدت الحياة وكثرت مطالبها، ولهذا كانت النظم والشرائع التى جاءت بها الرسل فى تغير وتطور، ما يصلح منها لجماعة لا يصلح لأخرى كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣). والقرآن الكريم حين تحدث عن هذه الرسالات تحدث عنها فى إطار الخصوصية للأمم التى جاءت اليها، فكل رسالة للأمة لا تكلف بها أمة أخرى، وكل شريعة ينتهى عهدها بانتهاء من جاء بها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٤).

стр. 7

وكانت الإنسانية من عهد بعيد تستعد لطور جديد من الرقى الفكرى والاجتماعى، وإلى رسالة تتناسب مع ما بلغته من نضج ورشد، كما كان العالم قبيل ظهور الإسلام فى حاجة ماسة إلى من يأخذ بيده مما ارتكس فيه من ضلال، والى رسول تقوم دعوته على الأصول الإنسانية العامة التى تتخطى حواجز الجنس والبيئة والزمن والفوارق العارضة الأخرى، وعلى الإصلاح الشامل الذى يأسو كل جراح، ويروى كل ظمأ، ويحل كل عقدة، ويعالج كل مشكلة، وعلى تنظيم دقيق يساعد كل حى على أن يأخذ حقه فى الحياة فى عدالة تامة ومساواة شاملة، وحرية كاملة، وفى ظل من الأخوة والرحمة والمحبة والتعاون، وعلى منهج يصحح العقيدة، ويقوم الفكر، ويصلع الفاسد من السلوك، ويضع قواعد الاجتماع ونظام الحكم على أساس سليم. فكانت رسالة الإسلام، وكان محمد ﷺ ، كانت رسالة الإسلام العامة الخالدة، الصالحة لكل زمان ومكان، وكان محمد خاتم الأنبياء والمرسلين. وسأحاول فى هذا البحث أن أجلح فى اختصار بالغ -عالمية الدين الاسلامى، وكيف انتشر نوره، واستفاد العالم من هدايته، وما يجب علينا إزاء الدعوة إليه

стр. 8

فى كل أقطار العالم، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه، وأن يوفقنا للعمل بما فيه، إنه سميع مجيب، ، ، عطية صقر

стр. 9

معنى عالمية الدين الدين هو الوضع الإلهى الذى اختاره الله لعباده ليصلحهم فى الحياتين، ويكون عالميا بعدم اختصاصه بجنس من الأجناس البشرية، وبعدم انحصار تطبيقه فى إقليم خاص أو بيئة معينة، وبامتداد هدايته أزمانا طويلة تتجاوز العصر الذى بدأت فيه، بمعنى أن يكون الدين صالحًا لكل جنس وكل جيل، أو لكل زمان ومكان، أو بمعنى آخر أن يكون الدين شريعة الإنسان من حيث هو إنسان، بقطع النظر عن العوامل والفوارق العارضة، التى لا تدخل فى ماهية الإنسان كإنسان، وبدون ذلك لا يتحقق معنى العالمية فى أى دين. فهو لا يكون دين جنس تميزه فصيلة الدم، أو سمة اللون، أو ظاهرة اللغة، بل دينا لا يفرقا بين العربى والعجمى والحبشي والرومى، ولا بين الأبيض والأسود والأحمر والأصفر، ولا يمنع من أن يستظل بلوائه متكلم بأية لغة من اللغات، وهو لا يكون دينا محليا تحده حدود جغرافية واعتبارات إقليمية، بل يصلح لكل البيئات وكل الأجواء ويتناسب مع كل بقعة زراعية وصناعية وتجارية، برية وبحرية، بدوية

стр. 10

وحضرية على اختلاف المستويات المادية والاعتبارات الأخرى. وهو لا يكون دينا عالميا إلا إذا صحب الإنسان فى جميع أزمانه المتطورة، وعصوره المتلاحقة، بمعنى أن يكون خالدا لا يعتريه نسخ أو زوال، ولا عقم أو جمود، موفيا بجميع مطالبه المتنوعة المتجددة في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وفى كل الميادين التى يزاول فيها الإنسان بعقله الواسع نشاطه الكامل من كل نوع. ولا يوجد دين من الأديان السماوية أو الوضعية فيه هذه المواصفات التى تجعله عالميا إلا دين الإسلام، فالدينان السماويان الكبيران وهما اليهودية والنصرانية، كل منهما خاص بقومه وبعصره. فاليهودية لا تصلح أن تكون دينا عالميا لأنها مرتبطة بشعب معين تعرض للتشريد غير مرة، تقوم حياته على العصبية الحادة والعنصرية الجامحة، ذلك أنهم يحاولون أن يستأثروا بعبادة إله وصفوه بأوصاف خاصة، ويعتقدون أنهم شعب الله المختار وأن غيرهم أميون، ويستبيحون من غيرهم ما لا يستبيحون من أنفسهم كالربا، فهل مثل هذا الدين يصلح أن يكون عالميًا؟ .

стр. 11

على أنه لا يوجد نص فى التوراة يتحدث عن هذه العالمية، فهى دين أسرة بشرية واحدة هى بنو إسرائيل وهم يكرهون أن يدخل بينهم غير عنصرهم. يقول المسيو (جوليان ويل) حاخام باريس فى كتابه (اليهودية): يجب على كل ربانى أن يرد كل طالب الدخول فى عهد إبراهيم ثلاث مرات، لافتا نظره إلى الصعوبات التى سيصادفها، والتكاليف الشاقة التى سيتحملها، والأخطار التى سيتعرض لها، فإذا أصر على طلبه وتحقق الربانى أن الدواعى التى تحدوه للتهود طاهرة ونزيهة فيمكنه أن يقبله فى حظيرة البيعة. ثم قال: هذا التحفظ فى أمر طالبى التهود دعت إليه طبيعة اليهودية ونظامها الخاص الذى لا يقصد به إلا الإسرائيلى بأدق معانى هذه الكلمة، وأوجبه كذلك ما فى اليهودية من التكاليف الكثيرة التى يستدعى العمل بها نكران الذات والأخشيشان والثبات والشجاعة وأحيانا البطولة أيضًا (١). وغاية ما يتمسك به اليهود فى ادعاء عموم رسالتهم ما ورد فى كتابهم من أن بنى إسرائيل سيكونون محكمين للأمم، ومربين للشعوب القوية، وأنه -قبيل قيام الساعة- سيتفق العالم كله على عبادة الله اتباعا

стр. 12

لديانة بنى إسرائيل، إذ يكونون قد عقدوا مع الخالق عهدا جديدا، فيضطر الناس إلى القيام عليه. لكن هذا القول يثبت أن دينهم لا يصلح الآن، ولا فى عهده الأول لقيادة البشر عامة، بل سيكون ذلك، على زعمهم، قبيل قيام الساعة، على فرض صحة هذه النصوص. وأنى لها أن تكون صحيحة وقد حكم القرآن بأنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وبدلوا كتاب الله، وغيروا معالمه؛ لقد استبدلوا به (تلمودا) مملوءا بالتعاليم الشاذة القائمة على الفساد والإفساد ليبسطوا نفوذهم على العالم كله بأية وسيلة تكون. ولو نظرنا إلى المسيحية لرأينا أنها عند تقرير العقيدة لا تعتمد على الدليل المقنع، بل توجب أن تؤخذ بالتسليم المطلق، والعقول فى تطورها جريا على سنن الله الكونية، تأبى أن تظل حبيسة التقليد أو التلقين. كما أنها تنادى بالزهد البالغ والرهبانية الشديدة، وتحرم الأغنياء أن يدخلوا ملكوت السموات، ويعقب على هذا أحد كتابهم وهو "الدكتور نظمى لوقا" فى كتابه "محمد، الرسالة والرسول" فيقول: وهذا السلوك لا يصلح له كل قلب، ولم تنضج البشرية

стр. 13

نضوجا تاما متساوقا، ليمكنها أن تتلقى هذا التعليم، فلا يصلح لذلك إلا الأفذاذ من الناس. أما السواد الأعظم فللحس على قلوبهم أبدا سلطان غير مجحود ولا مردود (١). وفى المسيحية تسامح متناه وعفو واسع، ومن المعلوم أن امتثال هذه الأوامر يتعذر على غير الأذلة المستضعفين من الناس، وقد يكون من أكبر المفاسد بإغراء الأقوياء بالضعفاء الخاضعين. وكانت هذه السياسة صالحة لتقاوم بها عوامل التنافس والصراع المادى اليهودى، ولا تصلح لعمران يراد له أن يطمئن على حقوقه ومقدساته. على أن سيدنا عيسى ﵇ بدأ دعوته ببنى إسرائيل خاصة، كما جاء فى إنجيل متى وهو يقص محاورة المرأة الكنعانية لعيسى، وهى غير إسرائيلية، فأجاب عيسى وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة (٢). فليس فى المسيحية نص على عالميتها، وما نشطت الدعوة إليها إلا بعد اعتناق الرومان لها، وقد بقيت نحو ثلاثة قرون محصورة فى طوائف مبعثرة، ولم تقم لها دولة إلى أن تولى

стр. 14

الامبراطورية الرومانية (قسطنطين الأول) وكانت أمه قد ربته على المسيحية فحمل قومه عليها، وأمر بتحطيم الهياكل والمعابد الوثنية، واعتبر النصرانية دينا رسميا للإمبراطورية (٢٧٤ - ٣٣٧ م). ومن ذلك الحين قام النصارى بإرسال بعثات التبشير إلى البلاد النائية. وإذا كان هذا شأن الدينين الكبيرين بعد الإسلام، فأولى بعدم العالمية الأديان الأخرى.

стр. 15

الإسلام هو الدين العالمى هذه قضية لابد لها من أدلة تدعمها وشواهد تثبتهما، وسأحاول أن أجعلها فى مجموعات ثلاثة: مجموعة الأدلة النقلية، ومجموعة الأدلة الذاتية، ومجموعة الأدلة الواقعية. وأعنى بالمجموعة الأولى، الأدلة الواردة فى الكتاب والسنة من قول النبي ﷺ وفعله، وهى التى يقتنع بها المؤمنون المصدقون بهما، وهؤلاء فى غير حاجة إلى إيرادها لأن العقيدة الدينية لا تدع فى قلوب المؤمنين مجالا للشك في هذه القضية، وإلا كان كفرا. ولكننا نوردها لنزيدهم إيمانا، وليعرفها من يجهلها، ولنرد بها على من طعنوا فى الإسلام بأن عالميته من اختراع أتباعه، لا من نصوصه. ومجموعة الأدلة الثانية أقصد بها المقومات الأساسية والعوامل الرئيسية التى اشتمل عليها الدين، وهذا الأسلوب فى الاستدلال يعتمد على فقه الموضوع وتحليل نصوص الدعوة، وتلمس النواحى المشرقة الحية فى مبادئها، وربطها بواقع الحياة وسنن الكون، وبيان مقدار ملاءمتها للسلوك الإنسانى فى جميع أطواره،

стр. 16

وعلى مدى عصوره وأزمانه، وهذه المجموعة من الأدلة القائمة على هذا المنهج تفيد الباحثين من الأجانب عن الإسلام، وتفيد فى الرد على المتشككين فى صلاحيته لقيادة البشرية قيادة رشيدة. والواقع التاريخى الذى جعلناه دليلا على عالمية الدين يعتبر تطبيقا لمبادئ هذه الدعوة وبيان حسن إنتاجها فى الحقل الذى زرعت فيه، وهى دليل صدق على فاعلية الأدلة الذاتية الموجودة فى المجموعة الثانية، وهذه الأدلة كلها متضامنة فى إثبات صدق هذه القضية، وهى عالمية الدين الإسلامى، وإليكم الحديث عن هذه الأدلة بنوع من التفصيل. الأدلة النقلية على عالمية الدين الإسلامى: ١ - من القرآن. جاءت آيات مكية تدل على أن وصف العالمية لازم الدعوة الإسلامية من أيامها الأولى، وترد على من زعموا أن عالمية الإسلام فكرة لم تكن عند محمد حين أرسل به، بل جاءت فى عهد خلفائه الذين تاقوا إلى القتال والتوسع بالفتوح، كما ردد ذلك "وليم موير" فى كتابه عن "الخلافة" (١) وردده

стр. 17

أيضًا "ساوندوز" المحاضر الأول للتاريخ في جامعة كنتر برى بزيلندة الجديدة، ونشرته مجلة التاريخ المعاصر في مارس وإبريل سنة ١٩٦١ (١) ومن هذه الآيات ما يأتى: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤) ٤ - قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٥). ومعنى من كان حيا، كل من ثبت له الحياة، ولفظ "من" من صيغ العموم. ٥ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٦).

стр. 18

٦ - قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١). ومعنى "من بلغ" من وصل حد التكليف من أى جنس ولون، أو من بلغه القرآن من غير المخاطبين به عند نزوله. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢). ٨ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٣). فأم القرى هى مكة، ومن حولها يشمل كل الناس، غير المقيمين فيها، فكل حي على وجه الأرض مقيم حول مكة، فهى مركز الدائرة، وقطرها ممتد بين كل نقطتين على المحيط العالمى. ٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤). هذه هى معظم الآيات المكية وتضاف إليها الآيات المدنية التالية.

стр. 19

١ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (١). فالدعوة فيها موجهة إلى اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب وإلى غيرهم من الحرب الذين يطلق عليهم الأميون. ٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ... ﴾ (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣). فكل إنسان لا يدين بدين الإسلام لا يقبل منه ما دان به، فهو دين الجميع. ٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٤). (ب) من السنة، إلى جانب السنة الفعلية حين بلغ الرسول الدعوة جاءت النصوص القولية الآتية: ١ - (كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود) (٥).

стр. 20

وجاء بروايات مختلفة، فى بعضها (وبعثت إلى الناس عامة)، (وبعثت إلى الخلق كافة). ٣ - (إنى رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة) (١)، وكان ذلك فى إحدى الخطب الأولى بمكة. ٣ - فى كتاب النبي ﷺ إلى جيفر وعبدا بنى الجلندي ملكي عمان قوله (فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) (٢). ٤ - فى حديث البراء بن عازب عند حفر الخندق في غزوة الأحزاب، وقد اعترضت المسلمين صخرة وهم يحفرون جاء قوله (فاشتكينا ذلك للنبي ﷺ ، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله. ثم ضربه فنشر ثلثها). وفى رواية: (فخرج نور أضاء ما بين لابتى المدينة وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأرى قصورها الحمر الساعة من مكانى هذا. قال: ثم ضرب الثانية فقال: بسم الله فقطع ثلثا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض وفي رواية: لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا: وأخبرنى جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضرب

стр. 21

ثالثة وقال: بسم الله، فقطع الحجر وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأبصر باب صنعاء) (١) قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار فى زمان عمر وزمان عثمان من بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدًا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك. هذا وقد كان المرتابون يقولون عن الرسول: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا. وفيهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢). ٥ - عن عدي أن النبي ﷺ قال له: (ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى) قلت: كنوز كسرى ابن هرمز؟ قال: (كنوز كسرى بن هرمز). وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز) (٣).

стр. 22

٦ - (إنكم ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما) أو قال (ذمة وصهرا) (١). فالأحاديث المبشرة بالفتح تدل على عالمية الدين الإسلامي وإنه سينتشر فى هذه الأصقاع وغيرها. ومن الأدلة على خلود الرسالة ودوامها إلى آخر الدنيا ما يأتى: ١ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). ٢ - قول النبي ﷺ : (مثلى ومثل الأنبياء قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! ! فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين) (٣). ٣ - قوله أيضًا: (وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (٤).

стр. 23

٤ - قوله تعالى: (أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى) (١). وقد بلغ النبي محمد ﷺ الدعوة بصفتها العالمية على ما سيأتى بيانه. الأدلة الذاتية أو العوامل الأساسية لعالمية الدين الإسلامي: - إن الأدلة الذاتية على عالمية الدين الإسلامى كثيرة، وقد تعرض الباحثون للحديث عنها، وعنى بعضهم بمجموعة خاصة لأهميتها فى نظرهم، وقد لخص كثيرا، منها المرحوم "محمد فريد وجدي" فقال فيما قال: إن المقومات الأساسية الخالدة للإسلام هى: أنه دين الفطرة وأنه قائم على العقل والبرهان، وأن هناك أصولا أولية يتألف منها دستور علمى يوجه إلى ينابيع الحكمة وهى تنحصر فى هذه الكليات التى أجمعت عليها كل فلسفات العالم، وهى: دوام النظر والتفكير فى الوجود إجمالا، وفى الكائنات التى فيه تفصيلا ودرس أحوال الأمم والاعتبار بها، وتنور نواميس الاجتماع من خلالها، والاستهداء بالأعلام الإلهية المنصوبة فى الوجود لهداية السالكين إلى الحقائق

стр. 24

الخالصة من الشوائب، والتجرد من جميع الصبغ الوضعية ومن الهوى في الحكم على الأشياء، والاجتهاد في تحصيل العلم حيث كان، وعند أية أمة وجد، والأخذ بالأحسن من كل شيء، والعمل بمبدأ حرية البحث وعدم الاستخذاء للتقليد، وعدم الجمود على شيء والجري على سنة التجديد، استبقاء للتناسب بين أهله وبين كل جديد، واعتبار الفضائل وسائل لبلوغ الكمال الذي قدره الخالق للإنسان في هذا العالم، واعتبار وحدة الإنسانية وأن الناس ما انقسموا إلى أمم وشعوب وقبائل ليتخالفوا ويتناكروا، ولكن ليتعارفوا ويتحابوا، وأن باب الاجتهاد في الدين وفي الأحكام مفتوح إلى يوم القيامة، لا تختص به طائفة ولا تستأثر به أسرة. هذه هي الأصول الأساسية في الإسلام، وكلها كما ترى أصول حاصلة على إجماع أهل العلم والفلسفة في العصر الحديث، وهي مع هذا أصول خالدة قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، وفي كل أمة من أمم الأرض كتب لها السمو وطول البقاء. فهل نعجب بعد هذا البيان من قولنا: إن تعاليم الإسلام خالدة خلود النواميس الطبيعية وأنها تصلح لكل زمان ومكان؟ (١)

стр. 25

هذا هو كلام بعض مفكري الإسلام في القواعد الأساسية للدين العالمي، وفلاسفة الغرب ومن يحاولون البحث عن دين جديد للبشرية عامة، وضعوا قواعد لهذا الدين الذي أسموه "الدين الفطري أو الطبيعي". واعتبروها نموذجًا عاليًا لكل دين من الأديان، يقول أحد كبار أشياعها وهو الفيلسوف "كارو" في كتابه "البحوث الأدبية على العصر الحاضر": أصول الديانة الطبيعية هي الاعتقاد بوجود إله مختار خلق الكائنات وعنى بها، وهو متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني، ووجود روح الإنسان متصفة بالإدراك والحرية ومحبوسة في هذا الجثمان المادي أمدا لتبتلى فيه، وهذه الروح تستطيع بإرادتها أن تطهر هذا الجثمان وتنقيه إذا عرجت به نحو السماء، ويمكنها أن تسفله بأخلادها إلى المادة الصماء، والاعتقاد المطلق بسمو العقل على الحس ووضع الحرية الخلقية، التي هي ينبوع وأصل جميع الحريات، تحت سيطرة الاعتدال، وإعطاء الصفات الفاضلة اسمها الحقيقي وهو الامتحان والابتلاء، وتحديد غرضها الصحيح وهو التخليص التدريجي للنفس من علائق الجسم، والتهيؤ لساعة الموت للزهادة وأخيرًا الاعتراف بناموس الترقي ولكن بدون فصل ترقى الإنسان في مدارج

стр. 26

السعادة المادية عن العواطف الفاضلة التي هي وحدها تبرر تلك السعادة (١). ويقول الفيلسوف "كانت": الديانة الحقة الوحيدة هي التي لا تحتوي إلا على قوانين، أعني قواعد صالحة للجري عليها، نشعر من ذاتنا بضرورتها المطلقة، وتكون مجردة عن الأساطير والتعاليم الكهنوتية (٢). لقد اضطر هؤلاء المفكرون إلى اقتراح الديانة الطبيعية لأنهم لم يجدوها في الديانات القائمة التي تعتمد في الكثير من مسائلها على الشروح والتأويلات التي تعمل فيها الأهواء عملها، ولا تتفق ومقررات العلم، ولا تساير التطور وحاجات البشر في قطاعاتها المختلفة، ولو أنهم نظروا بحق في الدين الإسلامي المأخوذ من منابعه الصافية لوجدوا فيه أسمى دين يريدونه لإسعاد البشرية في الحياتين. هؤلاء الناس يريدون أدلة على صدق الدين من الدين نفسه، وعلى صلاحيته للعالمية من مبادئه الأساسية. وكل ما يريده هؤلاء وأحسن منه وأكثر موجود في الدين الإسلامي، ولو شئنا لأتينا بكل الأدلة على ما وضعوه من مبادئ، وكان معنى ذلك هو الحديث عن الدين

стр. 27

كله أو معظم ما فيه، وليس مجاله هنا فحسبنا من ذلك إشارات خفيفة لبعض ما جاء فى الإسلام من هذه المبادئ لنبرهن به على عالميته الأصيلة الذاتية. (١) إن عالمية الدين، كما قدمنا، تكون إذا كانت شريعته موضوعة لصالح الإنسان من حيث هو إنسان، ومعنى هذا أن تكون شريعة الفطرة التى فطر الله الناس عليها، وقد قال الله تعالى فى شأن الإسلام: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء -تامة الخلق- هل تحسون فيها من جدعاء؟ -مقطوعة الأذن أو الأنف أو ناقصة الخلق -ثم- يقول أبو هريرة راوي الحديث: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم" (٢). وقال أيضًا "يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء،

стр. 28

فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" أى حولتهم (١). الفطرة المذكورة فى الآية والحديث هى الجبلة والطبيعة والخليقة الإنسانية الجامعة بين العالمين المادى والروحى، والمستعدة لمعرفة عالم الغيب والشهادة، وما أودع فيها من غريزة التدين المطلق، الذى هو الشعور الوجدانى بسلطان غيبى فوق قوى الكون والسنن والأسباب التى قام بها نظام كل شيء. والإسلام قد راعى الفطرة فى بناء التكاليف عليها بحيث لا تكون مصطدمة معها، أو مهملة لمقتضياتها المادية والروحية، وفى تقرير الأدلة وسلوك السبل للدعوة وغرس المبادئ، كل ذلك كان مستوحى من الفطرة ومستخدما إياها فى هذا الغرض النبيل. ففى مبادئ الإسلام ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٢). وقول النبي ﷺ : "إن لبدنك عليك حقا ولربك عليك حقا" (٣)، وغير ذلك من النصوص والتشريعات المراعية لطبيعة النفس وحاجات الجسم

стр. 29

ومتطلبات العقل، وفي الدعوة كانت أساليب الترغيب والترهيب، واستعمال وسائل الإيضاح وعوامل التشويق، وترويض النفس بالصبر على البلاء والشكر على الرخاء، وبيان أثر القدوة والاستهواء ومراعاة حكم البيئة وعوامل الوراثة وما إلى ذلك. وبهذه الميزة كان الإسلام ملائما لجميع الأجناس البشرية، فالفطرة الأصيلة واحدة، وتقبلته النفوس على اختلاف مستوياتها، ومتمشيا مع مطالب الحياة بالقدر الذى يصلحها ويجعل النشاط فيها ينتج انتاجا مثمرا مفيدا. (ب) ومن قيام الإسلام على العقل. وتكريمه له نرى أن معجزته الكبرى عقلية وهى القرآن الكريم، كما يقول النبي ﷺ : "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (١). وفى القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى استعمال العقل، فقد تكرر كثيرا قوله تعالى "أفلا تعقلون".

стр. 30

وقال: " ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١). وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢). وحرم الإسلام التقليد فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٣). ونهى عن التعصب للرأي، لأنه اتباع للهوى فقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤). كما نهى عن اتباع الظن، لأنه لا تقوم به حجة، فقال سبحانه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٥). وطالب بالدليل والبرهان فقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦). وامتلأت آيات القرآن بالأدلة الكونية والنفسية فقال

стр. 31

سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وقال ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢). وبناء على احترام حكم العقل لا توجد حقيقة دينية مخالفة لحقيقة عقلية، ولا يوجد نص فى القرآن والسنة يتعارض فى حقيقته مع حكم العقل، وإن كان هناك تعارض فهو فى ظاهر النص، ويجب أن يفهم على ضوء العقل، ويؤول بما يوافقه. وفى احترام الإسلام للعلم لا نرى دينا من الأديان يدانيه فى هذا المقام، والنصوص على ذلك أشهر من أن تذكر ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤)، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٥). (جـ) وفى مجال الحريات جعلها الإسلام عنوانا لتكريم الإنسان الذى قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا

стр. 32

بَنِي آدَمَ﴾ (١). إنه قدس الحرية بكافة ألوانها وفي مجالاتها الحيوية المنتجة، فلا رق ولا تحكم ولا استبداد، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣). وقال عمر رضى الله عنه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)؟ وهو بهذا التكريم القائم على احترام الحريات كان أهلا لتحمل المسئولية، والمخاطبة بالتكاليف دون سائر المخلوقات، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٤). (د) وفى وفاء التشريع بكل القطاعات، نرى أن الإسلام قائم على تنظيم جميع العلاقات، بين الإنسان وبين الله، وبينه وبين الناس، وبينه وبين نفسه، فى المجال الاقتصادى والخلقى والثقافى والسياسى وسائر المجالات، مصداقا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ

стр. 33

دِينًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). ومما يدل على شمول الهداية للنواحى المادية والأدبية، الدينية والدنيوية، المروحية والبدنية قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣)، فهو دين المدنية والحضارة الصحيحة بكل مظاهرها وألوانها الهادفة إلى صلاح البشرية دينا ودنيا. (هـ) والإسلام يشتمل على عدة قضايا كليه هى قواعد التشريع الأساسية، يمكن أن تستنتج منها أحكام لكل القضايا، وعلاج لكل المشاكل، وكانت هذه القضايا أساس الاجتهاد فى الشريعة، الذى بمقتضاه وجدت المذاهب الفقهية، وزخرت بالأحكام والتفريعات، التى كانت منها فروض مقدرة الحدوث فى الأزمان المستقبلة، وهذا دليل مرونة الإسلام فى صلاحيته لكل تطبيق تعرف منه الأحكام. ولعل مما يشير إلى هذا أن النبي ﷺ بعث بجوامع

стр. 34

الكلم، ألفاظا محدودة تعمل معانى واسعة، لأنها مركزة تركيزا يدل على حكمة واضعها، وعلى الغرض الذى من أجله صيغت بهذا الشكل لتكون صالحة لكل زمان تجد فيه حوادث ومشاكل، ولكل بيئة لها ظروفها وعرفها الذى يناسبه نوع خاص من فروع التشريع. ومن أمثل هذه القواعد الكلية: الضرورات تبيح المحظورات، والتكليف بما يستطاع. (و) والمساواة فى الإسلام أصل مقرر، ليس أدل عليها من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). وفى حجة الوداع قال النبي ﷺ : "الناس لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (ز) وفى العدل آيات كثيرة فى القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ

стр. 35

وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (١). وقد غضب النبي ﷺ لشفاعة أسامة فى حد من الحدود حين سرقت الشريفة المخزومية، وبين أن سبب هلاك الأمم السابقة هو التفريق فى القانون والمعاملة بين الأشراف وغيرهم، وأقسم أن فاطمة بنته لو سرقت لقطع يدها (٢). (ح) والإسلام أنصف كل الأديان السماوية، وقرر أن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا آمن بالرسل جميعا، وأولاهم من الاحترام ما يوليه لمحمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣)، وفى آية أخرى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٤). وفى الحديث الشريف "الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٥).

стр. 36

(ط) والإسلام دين السلام بحق، القاعدة عنده هى السلم، أما الحرب فهى ضرورة شرعت لرد العدوان وتأمين الحريات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). ومظاهر التعايش السلمى وتبادل المنافع بين الأمم دون نظر إلى عقيدة أو مذهب أو غير ذلك أمر معروف فى الإسلام والأدلة عليه كثيرة. إن هذا الدين الذى فيه كل هذه المقومات العالمية، والتى تنص آياته وأحاديثه على أنه وحده دين البشرية، وتحث على تبليغه ونشره، جدير بأن يفيد منه العالم كله، وأن تبذل جهود ضخمة فى سبيل إذاعته فى كل مكان، وبقاء الدعوة له في كل زمان.

стр. 37

الأدلة: الواقعية على عالمية الدين الإسلامى: تكون الأدلة الواقعية على عالمية الدين الإسلامى مثبتة لهذه القضية إذا أخذت من وسائل تبليغها، والمجالات التى وصلت إليها وكيف أفاد منها العالم على اختلاف بيئاته وأجياله ومستوياته، ويتضح ذلك بعد الحديث على تبليغ الدعوة في عهد الرسول وبعده فلنتحدث الآن عن التبليغ.

стр. 38

الرسول يبلغ الدعوة العالمية (أ) أوامر التبليغ لقد أمر الله نبيه ﷺ بتبليغ هذا الدين، لأنه لم يكن كما علمت، دينا خاصا به، يعمل به هو وحده ليهتدي إلى الحق، ويزيل القلق النفسي الذى كان يعانيه عندما يرى الإنسان، وهو أكرم مخلوق يسجد لصنم لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى شيئًا، وعندما كان يرى العادات المرزولة التى يجب أن يتنزه عنها الإنسان الذى فضله الله على كثير من خلقه. وقد حدث أن أرشد الله بعض الناس إلى طريق الحق ليسيروا فيه وحدهم، ولم يكلفهم بإبلاغ ذلك غيرهم، وهم الذين اصطلح بعض العلماء على تسميتهم بالأنبياء دون المرسلين، وكان منهم قبل الإسلام زيد ابن عمرو بن نفيل، وخالد بن سنان. لم يكن الإسلام دينا خاصا بهذا المعنى، بل كان دين تبليغ وإرشاد. للناس كافة. والآيات التي تأمر بإبلاغ الدعوة أمرًا مطلقًا كثيرة، منها المكى ومنها المدنى، وقد يكون مع الأمر العام بالتبليغ بيان وتوجيه للطريق السوى الذي ينبغي أن

стр. 39

يسلكه الداعى، والصفات التى ينبغى أن يتحلى بها الداعون. ومن الآيات المكية حسب ترتيب نزولها ما يأتى: - ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١) وقد جاءت سورة المدثر التى افتتحت بهاتين الآيتين حاملة الأمر بتبليغ الرسالة وكانت أول سورة فى هذا المقام، وإن كانت سورة العلق هى أول ما نزل من القرآن مطلقًا ويفيد النبوة التى ارتبطت بالوحى. على ما يفهم من حديث الصحيحين عن أبى سلمة عن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أى القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال: "إنى جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى، فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وشمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو -جبريل- فأخذتنى رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. ويوضح أن هذه المرة كانت بعد المرة الأولى رواية أخرى عن جابر فى الصحيحين جاء فيها "فإذا الملك

стр. 40

الذى جاءنى بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زملونى زملونى، فدثرونى فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وكان الحديث عن فترة الوحى. ٣ - ومن آيات الأمر بالتبليغ قوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). ٣ - وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٢). ٤ - وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). بهذه الآيات وبغيرها مما نزل بمكة أمر الله نبيه بالتبليغ، فنفذ الأمر معتمدا على الله وعلى قوة الإيمان به، مع الصبر على المكاره والتحلى بمكارم الأخلاق، من طهارة الظاهر والباطن والبعد عن الرجس فى جميع صوره وأشكاله، والإخلاص فى الدعوة دون من بها أو افتخار، كما تدل على ذلك الآيات الأولى من سورهّ المدثر وهى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ
следующие страницы →