← Общие книги

Общие книги · id 95667

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه

عطية صقر

Полный текст (219 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(ط) والإسلام دين السلام بحق، القاعدة عنده هى السلم، أما الحرب فهى ضرورة شرعت لرد العدوان وتأمين الحريات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). ومظاهر التعايش السلمى وتبادل المنافع بين الأمم دون نظر إلى عقيدة أو مذهب أو غير ذلك أمر معروف فى الإسلام والأدلة عليه كثيرة. إن هذا الدين الذى فيه كل هذه المقومات العالمية، والتى تنص آياته وأحاديثه على أنه وحده دين البشرية، وتحث على تبليغه ونشره، جدير بأن يفيد منه العالم كله، وأن تبذل جهود ضخمة فى سبيل إذاعته فى كل مكان، وبقاء الدعوة له في كل زمان.

стр. 37

الأدلة: الواقعية على عالمية الدين الإسلامى: تكون الأدلة الواقعية على عالمية الدين الإسلامى مثبتة لهذه القضية إذا أخذت من وسائل تبليغها، والمجالات التى وصلت إليها وكيف أفاد منها العالم على اختلاف بيئاته وأجياله ومستوياته، ويتضح ذلك بعد الحديث على تبليغ الدعوة في عهد الرسول وبعده فلنتحدث الآن عن التبليغ.

стр. 38

الرسول يبلغ الدعوة العالمية (أ) أوامر التبليغ لقد أمر الله نبيه ﷺ بتبليغ هذا الدين، لأنه لم يكن كما علمت، دينا خاصا به، يعمل به هو وحده ليهتدي إلى الحق، ويزيل القلق النفسي الذى كان يعانيه عندما يرى الإنسان، وهو أكرم مخلوق يسجد لصنم لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى شيئًا، وعندما كان يرى العادات المرزولة التى يجب أن يتنزه عنها الإنسان الذى فضله الله على كثير من خلقه. وقد حدث أن أرشد الله بعض الناس إلى طريق الحق ليسيروا فيه وحدهم، ولم يكلفهم بإبلاغ ذلك غيرهم، وهم الذين اصطلح بعض العلماء على تسميتهم بالأنبياء دون المرسلين، وكان منهم قبل الإسلام زيد ابن عمرو بن نفيل، وخالد بن سنان. لم يكن الإسلام دينا خاصا بهذا المعنى، بل كان دين تبليغ وإرشاد. للناس كافة. والآيات التي تأمر بإبلاغ الدعوة أمرًا مطلقًا كثيرة، منها المكى ومنها المدنى، وقد يكون مع الأمر العام بالتبليغ بيان وتوجيه للطريق السوى الذي ينبغي أن

стр. 39

يسلكه الداعى، والصفات التى ينبغى أن يتحلى بها الداعون. ومن الآيات المكية حسب ترتيب نزولها ما يأتى: - ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١) وقد جاءت سورة المدثر التى افتتحت بهاتين الآيتين حاملة الأمر بتبليغ الرسالة وكانت أول سورة فى هذا المقام، وإن كانت سورة العلق هى أول ما نزل من القرآن مطلقًا ويفيد النبوة التى ارتبطت بالوحى. على ما يفهم من حديث الصحيحين عن أبى سلمة عن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أى القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ قال: "إنى جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى، فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وشمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو -جبريل- فأخذتنى رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. ويوضح أن هذه المرة كانت بعد المرة الأولى رواية أخرى عن جابر فى الصحيحين جاء فيها "فإذا الملك

стр. 40

الذى جاءنى بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زملونى زملونى، فدثرونى فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وكان الحديث عن فترة الوحى. ٣ - ومن آيات الأمر بالتبليغ قوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). ٣ - وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٢). ٤ - وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). بهذه الآيات وبغيرها مما نزل بمكة أمر الله نبيه بالتبليغ، فنفذ الأمر معتمدا على الله وعلى قوة الإيمان به، مع الصبر على المكاره والتحلى بمكارم الأخلاق، من طهارة الظاهر والباطن والبعد عن الرجس فى جميع صوره وأشكاله، والإخلاص فى الدعوة دون من بها أو افتخار، كما تدل على ذلك الآيات الأولى من سورهّ المدثر وهى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ

стр. 41

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. والسيرة النبوية قد وضحت خطوات النبي ﷺ -في تبليغ الدعوة بمكة من الإسراء ثم الجهر، ومن طوق عرضها على الناس، وما لاقى هو وأصحابه فى سبيل ذلك. وسنشير إلى شئ منه فيما بعد. وعندما هاجر إلى المدينة لاحقته أوامر التبليغ، فليس قصارى غرضه من الهجرة أنه تخلص من أذى قريش ليسكن ويستريح بعيدا عنهم، ولكن الهجرة انتقال من ميدان إلى ميدان، وانطلاق من القيود للتحرر والسياحة فى الأرض كما يريد الرسول ودعوته، التى حاول المشركون خنقها فى مكة والقضاء عليها فى مهدها. ومن الآيات المدنية التى تأمر بالتبليغ، ما يأتي: وهى مرتبة حسب النزول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (١). ففى هذه الآية تبليغ لعنصر جديد فى المدينة، وهم أهل الكتاب، عنصر لم يكن فى مكة بشكل يستحق الذكر، فقد كان فيها الأميون وهم العرب.

стр. 42

٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). ٥ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤). ٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٥). هذه بعض الآيات التى تأمر الرسول ﷺ بمتابعة تبليغ الدعوة فى المدينة، كما كان يبلغها فى مكة، فلننظر كيف بلغها.

стр. 43

(ب) منهج التبليغ أولا- فى مكة: بدأ الرسول ﷺ يبلغ رسالة ربه كما أمر، وكان من الطبيعى أن يعلم بها أولا أسرته التى علمت خبر الناموس من أول مجيئه، فاستجاب للدعوة خديجة وعلى وزيد بن حارثة. وعلم بهذا الأمر خاصة أصحابه فأسلم أبو بكر الصديق، الذى استطاع أن يضم إلى حظيرة الإسلام من أنس فيهم الخير، كعثمان ابن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص ... ثم أسلم غيرهم من السابقين. ثم خرجت الدعوة عن نطاق الأسرة الخاصة ومدت رواقها إلى الأسرة العربية العامة التى تمثلها الشخصيات المذكورة، ولم يكن النبي ﷺ ليواجه الناس بها علنا قبل أن يجس النبض ويتخذ له أعوانا، وحتى يقلب الناس النظر فى الدعوة الجديدة ويبحثوها على مهل. فاستمر على النهج السرى فى الدعوة الذى لا يعدو سماع الناس به وإعجابهم بما جاء به أو دهشتهم إليه. وقد يكون أمر هذه الدعوة سهلا لو أنها كانت مجرد فكرة لمحمد ولمن يعجب به، دون أن يكلف بعرضها على غيره، ويعلن بها جهرا أنها تهدم ما تواضع عليه

стр. 44

الناس من عقائد وسلوك لا يتفق معها، لكنها دعوة جاءت للتبليغ والنشر. فبعد الفترة السرية التى مهدت لها، جهر بها علنا فى شكل عام، وكان من الطبيعى أن يعلن بها أسرته الكبيرة من قريش، لعلها تسلم معه، أو على الأقل لا تمسه بسوء. فنادى بها على الصفا صادعا بأمر ربه، وبنى نداءه على أسلوب نفسي حكيم، إذ انتزع منهم أولا الاعتراف بأنه صادق أمان، وأنه لا يغشهم ولا يخدعهم، فقال لهم: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ ) قالوا: نعم ها جربنا عليك إلا صدقا. قال: (فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ... ). وقال لهم فى إحدى اللقاءات (إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم) (١). وهذا أسلوب عظيم فى أخذ الحجة على الغير، ولكن عناد القوم صرفهم عن الإيمان به، بل دعاهم إلى الاستهزاء به والكيد له، وصدف الله إذ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢). لقد أرادوها دعوة أرستقراطية، تنزل على كبار السادة فيهم، ولا يزحمهم فيها سواد الناس من العبيد

стр. 45

والفقراء، وأرادوها دعوة عنصرية تراعى فيها الأحساب والأسر وما إلى ذلك، ولكن الإسلام دين عام لكل الأجناس، وهو فى الوقت نفسه تكريم يكرم الله به من يصطفيه من خلقه لمواصفات أدبية عالية لا تكون لكل الناس. لقد قال الوليد بن المغيرة: أينزل على محمد وحى وأترك أنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود الثقفى ونحن عظيما القريتين -مكة والطائف-؟ فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (١). ولما قال الأخنس بن شريق لأبى جهل، وكانا قد سمعا القرآن مع أبى سفيان من النبي ليلا: ما رأيك فيما سمعنا من محمد؟ أجابه: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. ونزل فى ذلك قوله تعالى:

стр. 46

﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١). وقد طلبت قريش من النبي أن يطرد من حوله العبيد والفقراء فقال الله له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢). لقى النبي وصحبه من ضروب الأذى ما لقوا، فصبروا وصابروا، وكان رسول الله أسوتهم الحسنة في التحمل، مؤكدا لهم: أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا. عندما قدم له خباب بن الأرت تقريرا شفويا عن سير الدعوة وما يوضع فى طريقها من عقبات، قال له ﵊: (إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة ويوضع فيها، وينشر بالمنشار ويشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يخرجه ذلك عن دين الله) ثم يقسم بأن الله ناصرهم

стр. 47

فيقول: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) (١). خرج النبي بالدعوة من حدود مكة الجغرافية والقبلية، وذهب بها إلى ثقيف فى الطائف، مؤملا فيهم الخير، ولكنهم ردوه أقبح رد، ومع ذلك لم ييأس من النجاح، ولم يقطع الرجاء فى تكوين أمة مؤمنة ولو بعد حين. بل قال (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا) ثم دعا لهم وقال: (اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون) (٢). ظل رسول الله يتابع الدعوة على الرغم من كل العقبات، وهداه تفكيره الواسع الممتد إلى أن يوسع دائرة الدعوة لتعم أهل الجزيرة العربية كلها، ممثله فى الوفود التى ترد كل عام تشهد المواسم من جميع القبائل العربية، فحرض الدعوة على القبائل فى لطف، عرضا عالميا ليست فيه أغراض خاصة، ولا حدود تقف بها عند نقطة معينة لا تتجاوزها. كذلك كان لا يسمع برجل قدم مكة وله شرف في قومه إلا جلس إليه يحدثه عن الإسلام، وبهذه الطريقة

стр. 48

سرى خبر الدعوة إلى الجزيرة كلها تقريبا، فوفد عليه بعض الأفراد بمكة وأسلموا ورجعوا إلى قومهم منذرين، ومن حكمته كان يرجو من هؤلاء الوافدين ألا يأتوا بأقوامهم المسلمين إلى مكة، وهو فى هذه الحالة من الحصار القرشى، حتى لا تكون فتنة، لا يستطيع النبي معها أن يحمى الوافدين فتكون حرب طاحنة تعرقل سير الدعوة وهى ما تزال تحبو، بل أوصاهم أن يلحقوا به إن استقر به المقام. ومن هؤلاء الوافدين بمكة: الطفيل بن عمرو الدوسى، الذى دعا قومه ثم وفد بهم على النبي بعد فتح مكة، وأبو ذر الغفارى، الذى أسلم نصف قومه بدعوته ثم أسلم الباقون بعد الهجرة، وكذلك وفد على النبي بمكة عشرون رجلًا من النصارى، وقد سمعوا عنه بالحبشة فأسلموا على الرغم من تسفيه قريش لهم. تخطت الدعوة وهى فى مكة حدود الجزيرة العربية، فوصلت إلى الحبشة فى السنة الخامسة من النبوة، وصلت سماعا وعلما عندما هاجر إليها المسلمون الأولون، ومكثوا فيها عدة سنين، مكونين أول جالية إسلامية بأفريقيا. ولم يكن الغرض من الهجرة تبليغ

стр. 49

الدعوة بل طلب الأمان والاستقرار بعد أن تزايد اضطهاد قريش لهم. فقابلهم النجاشى واطلع على بعض ما جاءت به دعوة الإسلام، فأنصفهم وحماهم. وتم لقاء النبي أخيرا بالأولى والخزرج الوافدين من المدينة ففتح الله قلوب أهلها للإسلام، فعادوا ونشروا الدين فى المدينة ومهدوا بكثرة عددهم لهجرة النبي والمسلمين إليها، فكانت الهجرة. ثانيا - فى المدينة: بعد الهجرة إلى المدينة وجد النبي ﷺ -فيها جبهتين معارضتين انضمتا إلى الجبهة الثالثة التى تركها فى مكة وهى قريش، الجبهة الأولى أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وكان اليهود فى المدينة قوة عظيمة فى العدد والعدد والمال، والجبهة الثانية تمثلت فى المنافقين الذين أسس حزبهم اليهود ووجهوهم إلى الأغراض التى يريدون تحقيقها. فماذا يفعل الرسول الآن؟ . إنه لم ينزل المدينة ليستريح من أذى قريش فإنه يعلم أنها لن تتركه ينعم بالراحة، ولا تتيح له الفرصة ليقوى فيكون قوة أخرى فى الجزيرة تنافسها السيادة. ولم ينزل المدينة ليستريح من أعباء الدعوة، فإن

стр. 50

الأوامر ما زالت تلاحقه بوجوب متابعة تبليغهما ليبرئ ذمته منها. (١) لقد دعا اليهود إلى الإسلام فأبوا. إذ كانوا يعتقدون أنهم خارج نطاقها، لأنهم أهل كتاب لا حاجة لهم بكتاب غيره، ولأن النبي المنتظر كان فى اعتقادهم سيكون من سلالتهم، فاكتفى منهم أولا بعقد معاهدة على حسن الجوار وعلى التعاون على حماية الوطن الذى يضمهم جميعا، وعلى أن يأمنوا على دينهم وأموالهم، وترك لهم الحرية فى التدين، وعاملهم بالحسنى، وإن كانوا لم يبادلوه هذه المعاملة السلمية. واستمر الرسول على استقبال قبلتهم "بيت المقدس" حتى يشعرهم بأنه ليس بدعا من الرسل، ولم يجئ للهدم والتخريب، بل للإصلاح والتكميل، ولم يجئ بالأنانية والاستئثار، بل بالتعاون والسلام، وعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأنهم كانوا يستفتحون به من قبل على الأوس والخزرج، ناصبوه العداء بكل وسيلة، ووضعوا فى طريقه العقبات وحاولوا غير مرة أن يقتلوه. وقد صفى النبي ﷺ الحساب معهم فحارب قبيلة بنى قينقاع إحدى قبائلهم، لإهانتهم لسيدة مسلمة فى سوقهم خرقوا بها اتفاق الهدنة وأجلاهم إلى أذرعات

стр. 51

بالشام وكانوا نحو سبعمائة مقاتل. ثم طلب من بنى النضير، قبيلتهم الثانية، التعاون مع يهود بنى عامر حلفائهم فى دفع دية سرية القراء، فهموا بإلقاء حجر عليه من فوق جدار فحاصرهم ثم أجلاهم، فنزل بعضهم بخيبر وبعضهم ذهب إلى أذرعات. وقد تفاوض بنى النضير مع قريش على حرب الرسول فكانت غزوة الأحزاب، وخان بنو قريظة، قبيلتهم الثالثة، العهد فصفى النبي معهم الحساب وبعد صلح الحديبية قضى على وكر اليهود فى خيبر فأجلى بعضهم وأبقى البعض لزراعة الأرض، وتمم إخضاعهم فى وادى القرى وتيماء، وفى عهد عمر طهرت الجزيرة العربية من فتنهم ورجسهم فلم يبق فيها إلا دين واحد. (ب) ودعا النبي ﷺ النصارى إلى الإسلام، ولكن بطريق غير مباشر حيث كانوا ينزلون بعيدا عن المدينة فى أطراف الجزيرة فأرسل إليهم البعوث وأرسل إليهم الكتب كما سيجئ الحديث عنه. وقد أخبر الله تعالى عن شدة عداوة اليهود للإسلام والمسلمين وعن ضعف مقاومة النصارى للدعوة، كما فى قوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ

стр. 52

آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ " (١). وأمره ربه أن يصبر على ما يلاقيه من أذى فى المدينة حتى تتهيأ الظروف للانتصاف من الظالمين، ووقفهم عند حدهم، فقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ " (٢). وكان جداله لهم بالحسنى، ومعاملته لهم سلاما، ولكن تلك الأساليب لم تجد معهم نفعا، فالحياة الاجتماعية الصحيحة تبادل للشعور والمعاملة ينبغى أن تكون من كل الأطراف لا من طرف دون آخر "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" (٣). (جـ) وسار النبي ﷺ مع المنافقين سيرة أساسها قبول الظاهر والله يتولى السرائر، وكم حدثه أصحابه بوجوب أخذهم بالشدة للأمارات القوية على أنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام تقية ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤).

стр. 53

ولكن الرسول يأبى خشية أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه، والرسول فى حاجة إلى سمعة طيبة تسير بها الدعوة فى الطريق آمنة، وتكسب أصدقاء بقدر ما يمكنها، وبخاصة عندما تكون الدعوة فى بداية أمرها فى مجتمعها الجديد فى المدينة. حتى إذا استتب الأمر للرسول، وقضى على أكثر أعدائه صفى الحساب مع المنافقين وطهر منهم المجتمع، والحوادث فى ذلك كثيرة. وعلى طول عهد النبي بالمدينة حدثت عدة التحامات مع قريش توجت بنصر الله وفتح مكة وإسلام المعاندين، وتحطيم آخر وكر لمقاومة الدعوة فى الجزيرة العربية. كان النبي ﷺ مشغولا فى المدينة بالعدو الداخلى مِن اليهود والمنافقين، وبالعدو الخارج عنها من قريش ومن سار فى ركابها، ولم يكن لديه الوقت الكافى لنشر الدعوة خارج المدينة بشكل رسمى، فإن أهلها لم يطمئنوا على أنفسهم بعد، فانتهز فرصة الهدنة التى وقعها مع قريش فى الحديبية واتخذ خطوة إيجابية لنشر الدعوة خارج المدينة، سواء أكان ذلك فى داخل الجزيرة أم فى خارجها. وكان يرسل بين الفينة والفينة بعوثا تبلغ الدعوة أو ترشد المسلمين إلى واجبهم.

стр. 54

ولنقسم هذا الركب الزاحف بالدعوة إلى قسمين: قسم داخل الجزيرة وقسم خارجها، والقسم الداخلى كان بعضه موجها إلى القبائل وبعضه موجها إلى الأفراد ذوى السلطان والنفوذ، وبعض هذا الركب الداخلى كان من المنتسبين إلى القبائل التى يوجهون إليها، لأنهم كانوا قد أسلموا من قبل فأذن لهم النبي بدعوة أقوامهم بالقدر الذى يستطيعون، وكان أكثر ما يستطيعونه هو العقيدة المبسطة والأصول الإسلامية الأولى. فى داخل الجزيرة: (١) البعوث إلى القبائل: بعث النبي ﷺ ستة من أصحابه، فيهم عاصم بن ثابت ومرثد بن أبى مرثد الغنوى. وخبيب، إلى الرجيع، وهو ماء لهذيل بين مكة والحجاز، وذلك بناء على طلب رهط قدم إلى النبي ﷺ من عضل والقارة ليفقهوا المسلمين فيهم، وقد غدروا بهذه البعثة. وبعث جماعة من القراء إلى بئر معونة، وكانوا نحو سبعين على بعض الأقوال، بناء على طلب ملاعب الأسنة، فغرروا بهم أيضًا، وبعث الضحاك بن سفيان إلى بنى كلاب فأسلموا، ووفد منهم جماعة على النبي فى السنة التاسعة.

стр. 55

كما أرسل النبي ﷺ إلى اليمن معاذ بن جبل ومعه أبو موسى الأشعرى، وأسلم غالب الناس على أثر هذا البعث، ثم أرسل إليهم عليا وقاتل من لم يسلم فهزمهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسلموا عن استجابة ورغبة، فأقام فيهم يقرئهم القرآن ويعلمهم حتى وافى النبي فى موسم الحج بمكة. وأرسل خالد بن الوليد فى السنة العاشرة إلى بنى عبد المدان فى نجران، وكانوا نصارى، ليدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، وأقام فيهم مدة يعلمهم، ثم وفد على النبي ومعه بعضهم، ثم أرسل إليهم عمرو بن حزم ليفقههم فى الدين ومعه كتاب مفصل. وبعث النبي خالدا أيضًا إلى همدان باليمن ليدعوهم وكان معه البراء بن عازب فمكثا ستة أشهر ولم يسلم أحد، فبعث النبي إليهم عليا، وبعد أن دعاهم أبوا فكان قتال عنيف انهزموا فيه ثم أسموا. ومن بعوث النبي جماعة أسلموا سابقا فأرسلهم إلى أقوامهم مبشرين، منهم ضمام بن ثعلبة فى بنى سعد ابن بكر، وأبو ذر فى غفار، والطفيل الدوسى فى قومه، وعمرو بن مرة فى جهينة، وعروة بن مسعود فى ثقيف. (ب) البعوث إلى زعماء. منهم المهاجر بن أمية المخزومى إلى الحرث بن عبد كلال أحد أقيال اليمن

стр. 56

فأسلم، وجرير بن عبد الله البجلى إلى ذى الكلاع وذى عمرو الحميرى فأسلما، والعلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين فأسلم، وعمرو ابن العاص إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، ملكى عمان فأسلما. وسليط بن عمرو العامرى إلى هوذة ابن على الحنفى صاحب اليمامة فلم يسلم، وشجاع ابن وهب إلى الحرث بن أبى شمر الغسانى وهو بغوطة دمشق، فلم يسلم وبعث بالكتاب إلى قيصر، وعياش بن ربيعة المخزومى إلى الحرث ومسروح ونعيم ابن عبد كلال من حمير فأسلموا. وعمرو بن أمية الضمرى إلى مسيلمة الكذاب فلم يسلم. فى خارج الجزيرة: أما البعوث الخارجية فتتمثل فيمن حملوا كتب النبي ﷺ إلى كبار الملوك المجاورين للجزيرة العربية، والذين يمثلون القارات الثلاثة، آسيا وأوربا وأفريقيا. وكان ذلك فى السنة السادسة للهجرة. (١) كتب النبي إلى هرقل قيصر الروم، وأرسل الكتاب مع دحية بن خليفة الكلبى، فسلمه إلى عظيم بصرى، الحرث بن أبى شمر الغسانى، الذى أعطاه بدورة إلى هرقل، وتحدث هرقل مع أبى سفيان فى شأن النبي ودعوته، وكان أبو سفيان إذ ذاك فى تجارة

стр. 57

بالشام فى وقت الهدنة، فمال هرقلي إلى الإسلام، ولكن عندما شاور قومه حاصوا حيصة حمر الوحشى وأنكروا عليه ذلك. وجاء فى مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي بإسلامه، فقال النبي ﷺ "كذب، بل هو على نصرانيته". (ب) وكتب النبي إلى كسرى أبرويز ملك فارس، وأرسل الكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، المنذر بن ساوى ليدفعه بدوره إلى كسرى، فمزق كسرى الكتاب ولم يسلم، بل أخذته العزة بالإثم، فأرسل إلى باذان عامله على اليمن أن يوجه إلى اللنبى من يقتله، فمزق الله ملكه وقتله ابنه شيرويه. ولما جاء رسولا باذان إلى النبي أخبرهما بموت كسرى، وبدعوة باذان إلى الإسلام، فلما عادا وأخبراه بذلك وتحقق صدق خبر الرسول بموت كسرى أسلم وأسلم معه كثيرون من الفرس الذين كانوا باليمن، وهو يعتبر أول من أسلم من ملوك وأمراء اليمن. (حـ) وكتب النبي إلى المقوقس عامل هرقل على مصر، وبعث بالكتاب مع حاطب بن أبى بلتعة، فسلمه إليه بالاسكندرية، وبعد محاورة طويلة مع حاطب، قال: سأنظر وبعث إلى النبي بهدايا ولم يسلم.

стр. 58

(د) وكتب إلى النجاشى أصحمة، وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمرى فأسلم. وفى هذه الكتب ملاحظات هامة منها: - ١ - أنها كتبت باللغة العربية، وهى اللغة الرسمية للدولة الإسلامية، التى ترجمت إلى لغة المبعوث إليهم، إما على يد حامل الرسالة، وإما بوساطة مترجم محلى، وهو الظاهر، وقد ذكر ابن سعد أن النبي ﷺ ألقى كلمة توجيهية فى البعوث، جاء فيها: انصحوا الله فى عباده، فإن من استرعى شيئًا من أمور الناس ثم لم ينصح لهم حرم الله عليه الجنة، انطلقوا ولا تصنعوا كما صنعت رسل عيسى بن مريم، فإنهم أتوا القريب وتركوا البعيد. فأصبحوا -يعنى الرسل- وكل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين أرسل إليهم، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال "هذا أعظم ما كان من حق الله عليهم فى أمر عباده". وإذا صح هذا الخبر، وكان ذلك إكراما لرسول لله فى أشخاص هؤلاء، فإن معرفتهم باللغات لا تعدو أن تكون سطحية بقدر يسير لا يعتمد عليه فى المهمات الرسمية الدقيقة، وقد كان للملوك مترجمون لمثل هذه الأمور يوثق فى ترجمتهم، وقد جاء فى خبر كتاب النبي

стр. 59

إلى هرقل عند ما سلمة إليه دحية أن هرقل دعا الترجمان الذى يقرأ العربية فقرأه. والكتابة الرسمية باللغة الرسمية للجهة المرسلة، ضمان أكيد لدقة التبليغ بالمعنى الذى يريده المرسل، حتى إذا حدث خطأ فى الترجمة كانت التبعة على المترجم لا على الكتاب ولا على مرسله. وكثيرا ما حدثت مشاكل من جهة الخطأ فى الترجمة، وكان الرجوع إلى النص الأصلى فيصل الموضوع. ٢ - أن كتب النبي إلى هؤلاء الملوك كانت على خلاف كتبه إلى أمراء العرب، فقد ختمت بخاتم النبي ﷺ ، وكان نقشه "محمد رسول الله" كما رواه البخارى. ولهذا الخاتم أهميته فى الوثوق من رسمية الكتاب وصدوره عن مرسله، وفيه تكريم لهؤلاء الكبار على ما كان متبعا عندهم. ٣ - وقد اتبع النبي فى إرسال هذه الكتب طريقا ديبلوماسيا عظيما، إذ بعث بها إلى ممثلى هؤلاء الملوك فى بلاد العرب ليكونوا وسطاء فى توصيلها إلى الملوك، وهو تقليد يجرى عليه العرف الديبلوماسى الحديث اتبعه الرسول منذ قرون. ٤ - النقط الجوهرية التى دعت إليها هذه الكتب هى التوحيد والإيمان برسالة محمد، وهذا ترتيب

стр. 60

طبيعى فى الدعوة، يبدأ فيها بالأصول والمبادئ العليا، فإذا حصل التصديق بها بينت الفروع بعد ذلك. ٥ - لقد كانت الدعوة إلى الملوك دعوة إلى العالم كله أو إلى غالبه، بوصفهم ممثلين للشعوب التى يحكمونها، والأجناس التى تعيش تحت ظلهم، وقد كانت لفارس مستعمرات تحتها أجناس، وللروم كذلك مستعمرات كبيرة متعددة، وكان للحبشة نفوذ فى البلاد التى تجاورها، انظر إلى قوله: "إلى هرقل عظيم الروم" وقوله: "فإن توليت فعليك إثم الأريسيين -الفلاحين- أى فعليك إثم الأتباع والرعية لأنهم اتبعوك، وكذلك قوله: "إلى كسرى عظيم فارس" وقوله: "فإن توليت فعليك إثم المجوس -عبدة النار أتباعه- وكذلك قوله: "إلى النجاشى ملك الحبشة" وقوله: "فإن توليت فعليك إثم النصارى من قومك" وهكذا .. وذلك يؤكد أنها دعوة عامة. ٦ - يعجبنى فى كتاب النبي ﷺ إلى هرقل وتضمينه هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ أن فيها دعوة إلى

стр. 61

المساواة "كلمة سواء بيننا وبينكم" لا يقصد منها استعلاء ولا تحكم ولا استغلال، وفيها رفع لكرامة الإنسان ودعوة إلى عدم خضوع أحد. لأحد خضوع عبادة، فلا معبود إلا الخالق، والمخلوقون جميعا ضعاف يتساوون فى الدينونة إلى الله" ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله"، وفيها تقليد ديبلوماسى رائع أساسه الدعوة إلى السلام والاحترام المتبادل بين اللأمم، فإذا قام مجتمع جديد أو شكلت حكومة جديدة ثائرة على أوضاع قديمة، يبلغ الأمر إلى الدول الأخرى إخطارا بالأساس الذى قام عليه المجتمع أو شكلت الحكومة، لعلها تقلد أو تعجب، أو تمنح الفرصة لتدرس فإن لم تسر على مثل ما سارت عليه، فحسب المجتمع الجديد أن تعترف الدول الأخرى بوجوده وبكونه حقيقة واقعة تترتب عليها الإجراءات الدولية المتبعة، "فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون" أى إن لم تدخلوا فيما دخلنا فيه فأقروا بوجودنا الإسلامى وعاملونا على هذا الأساس. وإلى جانب إيفاد البعوث وإرسال الكتب لنشر الدعوة كانت ترد الوفود على النبي ﷺ طائعة مختارة، لتسلم رسميا أو لتتعلم، ثم تتولى هى نشر

стр. 62

الدعوة فى أقوامها، فوفد على النبي ﷺ أكثر من ستين وفدا، كان أكثرهم فى السنة التاسعة التى سميت سنة الوفود وقد تمثلت فيها جميع قبائل العرب فى منازلها ومضاربها المختلفة كما حققه العلماء، وكان فى بعض الوفود نصارى لم يسلموا، كنصارى نجران الذين استقبلهم النبي فى مسجده وأذن لهم أن يصلوا فيه صلاتهم، وعقد معهم معاهدة بقوا فيها على دينهم فى مقابل تعهدات تدل على حسن نيتهم نحو الدعوة بتركها حرة تشق طريقها فى أمان إلى المتعطشين إليها، لا يعترضونها ولا يعينون على المسلمين، ولا يسيئون إليهم أية إساءة. وبهذا يكون الرسول ﷺ قد أبرأ ذمته وبلغ الرسالة تبليغا رسميا عاما، ولم يشأ أن يترك الدنيا قبل أن يؤكد التبليغ فى شكل جماعى ومؤتمر عام، يشهد فيه الناس أنه بلغ، ويشهد ربه على ذلك. لقد اجتمعت فى حجة الوداع آلاف مؤلفة، أعلن فيها خلاصة ما دعا إليه من مبادئ طواك الثلاثة والعشرين عاما، وقال فى النهاية: "فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت" وفى رواية "وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء،

стр. 63

وينكثها إلى الأرض ويقول: "اللهم اشهد" ثلاث مرات، وأمرهم بالتبليغ عنه فقال "فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع". ولم يشأ أيضًا أن يترك هذا الموقف التاريخى العظيم فى الأماكن المقدسة قبل أن يبين لهم الأصل الثابت الذى تؤخذ منه القواعد، وتدور على أساسه الدعوة، والسبب الأقوى الذى يجمعهم على الحق ويكتب لمجتمعهم القوة والأمان والرخاء فقال: "وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه". وفى هذا الموقف الجامع أعلن على الملأ أن الله قد أتم نعمته على المسلمين بهذا الدين الكامل الوافى بأغراض الحياة السعيدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).

стр. 64

المسلمون يبلغون الدعوة العالمية (أ) أوامر التبليغ ومع كون الرسول ﷺ مأمورا بالتبليغ، وقد بلغ فقد أمر أمته بمتابعة تبليغ الرسالة وحمل الأمانة من بعده، وكان لابد من هذا التبليغ العام لأن الرسول ليس مخلدا والسنوات التى عاشها لا تكفى لأداء هذه المهمة تفصيلا، فحسبه أنه رسم الطريق وأقام المنارات ووجه وأرشد وبين ووضح. لقد غرس النبتة وترك لأصحابه متابعة رعايتها بإمدادها بأسباب القوة، وصد الأذى عنها وتكثيرها عن طريق الأخذ منها بأية طريقة ممكنة، لتصبح أرض البشرية كلها خضراء تنعم بالظل الوارف والثمر الشهى وتستمد كل أسباب الحياة. وأوامر التبليغ كثيرة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " (١).

стр. 65

وقد قال العلماء فى تفسيره: إن معنى "من" التبعيض فالذين يتولون مهمة الدعوة بعض الأمة والوجوب عليها كفائى، وهذا البعض هو من يصلح للدعوة من حيث العلم بها وحسن عرضها، أما غيرهم فلا حرج عليهم. وقال بعضى المفسرين: إن "من" هنا للتجريد، على معنى فلتكونوا أمة تدعو إلى الخير، وهو وإن كان خطابا للمجموع يصح أن يراد به الجميع، على معنى أن كل إنسان يستطيع أن يدعو بالقدر الذى يعرفه وبالوسيلة التى تمكنه كان عليه أن يدعو، ليكون طابع الأمة هو الدعوة إلى الخير، وذلك جوهر الرأى العام الناضج القائم على الفقه والوعى الكامل والغيرة على إشاعة الخير والتمكين للحق. فالعامة من الناس يدعون إلى القضايا والأحكام الواضحة السهلة، والخاصة منهم مكانهم عند الجدل والمناقشة ذات المستوى العالى، وكل هؤلاء لا بد أن يحسنوا عرض الفكرة، حتى لا يحصل رد فعل يسئ إليها، وهو ما بينه الله لنبيه بالحكمة والموعظة الحسنة. والذين يقومون بالدعوة خارج المجتمع الإسلامى جماعة مخصوصون، لا يجوز أن يخرجوا جميعا،

стр. 66

وإلا خلت الديار منهم وتعطلت المصالح الداخلية، فالدعوة فى الخارج كالجهاد، بل هى جهاد يقوم به بعض المسلمين ويبقى الآخرون، للأعمال الأخرى، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) قال فيها بعض المتفقهين إن النافرين هنا هم المجاهدون والمتفقهين هم الباقون مع الرسول ليتلقوا عنه العلم ويبلغوه إلى المجاهدين عند عودتهم. ٢ - ومن أوامر التبليغ قول النبي ﷺ (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه) (٢). ٣ - وقوله: (نضر الله امرأ سمع منى شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع) (٣) وجاء فى بعض رواياته "فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". ٤ - وقوله: "اللهم ارحم خلفائى" قلنا يا رسول

стр. 67

الله: ومن خلفاؤك؟ ، قال (الذين يأتون من بعدى يروون أحاديثى ويبلغونها الناس) (١). ٥ - وقوله: (بلغوا عنى ولو آية، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (٢). هذا إلى جانب الآيات الكثيرة التى تدل على فضل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وترغب فى دلالة الغير على الهدى وأن للدال مثل أجر الفاعل، وأن رجلًا واحدا يهديه الله على يد إنسان خير له من حمر النعم. وأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، كما رواه الحاكم وصححه، وما ورد من قول الرسول ﷺ فيما روى عنه (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) حديث حسن ذكره القسطلانى. وقد قال العلماء: إن تبليغ الدعوة واجب، وأجمعوا على ذلك. غير أنهم قالوا: إنه واجب وجوبا كفائيا، بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وهو واجب وجوبا عينيا لمن

стр. 68

وجد وحده وليس معه غيره يقوم بهذا الواجب، ومثل هذا مثل مسلم وجد فى بلد ليس فيه مسلمون، أو مع جماعة ليس فيهم مسلم كان عليه أن يدعو بالقدر الذى يعرفه ويستطيعه، ولا يفلت أبدا من هذا التكليف. (ب) منهج التبليغ: وقد استجاب الصحابة واستجابت الأمة الإسلامية إلى أوامر القرآن وتوجيهات الرسول فنشروا الدعوة بكل ما أوتوا من قوة، بدافع من دينهم فى غير مطمع دنيوى، وفى الإطار الذى رسمه النبي. وكان من أثار هذا النشاط قيام هذه الدولة العظيمة، التى وقفت تتحدى الزمن وتحتل مكان الصدارة فى العالم كله قرونا طويلة. انطلق أصحاب رسول الله يحملون لواء الدعوة، مجاهدين بالقرآن" وجاهدهم به جهادا كبيرا" (١) داعين إلى الإسلام ومكارم الأخلاق وقواعد العدل والنظام. متسلحين بما يدفع عنهم غائلة المعتدى، ويرفع العقبات من الطريق، ومستهدفين بذلك أن يفتح الله على أيديهم قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما، متمثلين فى ذلك قول النبي ﷺ : (لأن يهدى الله بك رجلًا واحدا خير لك من حمر النعم) (٢)، بل

стр. 69

إن حمر النعم التى كان يسيل عليها لعاب العربى من قبل، لم تعد تشغل فكره بعد إخلاصه للواجب لذاته، فلم يغره الريف النضر أن يرتع فيه، ويحط رحاله بين سهوله ووديانه الممرعة فى الشام والعراق ومصر. وبهذه الروح القوية، وبالأمل الباسم فى إحدى الحسنيين، الشهادة أو النصر، وبالنفسية الطاهرة العفيفة، والارتفاع فوق مستوى الماديات المغرية زحفت الدعوة حتى اتسعت رقعة الإسلام، وتكونت دولة لا تغيب عنها الشمس، حتى أذنت للخليفة العباسى أن يتحدى الغمامة أينما سارت وأمطرت فسيأتيه خراجها. لقد تلقف الناس الإسلام. لما أنسوا فيه من المبادئ الإنسانية العالية، ولما رأوا فيه من الغذاء الروحى، الذى اطمأنت به عقولهم وسكنت نفوسهم. رأينا الفرس مثلا وقد كان بينهم وبين العرب ما هو معروف من العصبية المتطرفة، يشغلون بعد موقعة القادسية بالدخول فى الإسلام ونشره بين ربوع البلاد، والإقبال على تعلم لغته والتبحر فى علومه، حتى كانت بعد سنوات معدودة تضم أقطاب الإسلام فى الميادين المختلفة.

стр. 70

"وكذلك كان للإسلام فضل كثير فى البلاد التى وصل إليها بعد حدود فارس شمالا وشرقا، إذ أخرج الناس من وثنية منحطة إلى دين هو أرقى ما يمكن أن يتصوره العقل، نالوا بسببه مزايا اجتماعية وأدبية ما كانوا يحلمون بها من قبل. وفى شمالى أفريقيا الذى كان يرزح تحت نير الاستعمار، نشطت بفضل الإسلام بلاده وعادت أفضل مما كانت عليه. بل إن الإسلام كان له فضله البالغ على أوربا أيضًا، فقد كانت إلى القرن السابع الميلادى تعيش فى ظلام حالك، من الجهل والفوضى الاجتماعية والسياسية وتحكم رجال الدين فى حياة الناس، فجاء الإسلام وأسس بعض رجاله دولة أسبانيا التى كانت على مثال غيرها من الاستبداد، فمضى المسلمون على سجيتهم فى تأسيس المدارس والمستشفيات ونشر العلم والمدنية واستقبال الوافدين من كل صوب، لينهلوا من معين الحضارة الاسلامية العذب، غير ناظرين إلى أجناسهم أو أديانهم أو لغاتهم، وكما فعل المسلمون فى أسبانيا فعلوا فى صقلية، وصارت مركزا يحج إليه الراغبون فى العلم والمعرفة الصحيحة من كل البقاع. فكان ذلك منبها لأوروبا وحافزا لها على

стр. 71

التفكير فى مصيرها، وكان من وراء ذلك نهضتهم الحديثة المعروفة. الدعوة فى الشرق: تعال معى أيها القارئ نتابع ركب الإسلام الزاحف لنرى كيف تقبلته الأمم ورضيته دينا لها، وسيكون مرورنا مع الركب سريعا فالمجال لا يتحمل الاستراحة فى كل محطات العالم لندرس على مهل آثار الإسلام فى هذه البلاد. وحسبنا من ذلك لقطات سريعة فى مرورنا العابر ونماذج تدل على غيرها من آثار. اتجه ركب الإسلام نحو الشرف مارا بشمالى بلاد العرب فأسلم المسيحيون من غسان، وبعد موقعة القادسية وفد المسيحيون الضاربون على ضفاف الفرات إلى "رستم" مسلمين، وساعد النصارى المقيمون فى الأراضى البيزنطية جيوش العرب فى فتح فارس. وكتبوا إلى أبى عبيدة قائد الجيش الإسلامى: يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا. وكان للتسامح الدينى معهم ومع غيرهم أثره فى كثرة دخولهم فى الإسلام، مع ما وجدوه من سهولة العقيدة وبساطة الدين ويسر التكاليف، إلى جانب

стр. 72

استيائهم من السفسطة المذهبية التى جلبتها الروح الإغريقية إلى اللاهوت المسيحى، يقول: "كيتانى": فلما أهلت آخر الأمر أنباء الوحى الجديد فجأة من الصحراء لم تعد تلك المسيحية الشرقية التى اختلطت بالغش والزيف، وتمزقت بفعل الانقسامات الداخلية، وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد تلك الحالة قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذى بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة، إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة، التى لا تقبل الجدل. وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمى فى أحضان نبى بلاد العرب (١). ولم يكن هناك أى قهر فى اهتدائهم إلى الإسلام أو أى اضطهاد لهم. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية، بتلك السهولة التى أقصى بها "فرديناند وإيزابيلا" دين الإسلام من أسبانيا، أو التى جعل بها "لويس الرابع عشر" المذهب البروستانتى مذهبا يعاقب عليه متبعوه فى فرنسا، أو بتلك السهولة التى ظل بها اليهود مبعدين عن انجلترا مدة ثلثمائة وخمسين سنة، كما يقول أرنولد

стр. 73

فتحت فارس ودخل أهلها الإسلام طوعا مرحبين بالدين الجديد الذى خلصهم من الوثنية والأوضاع الفاسدة، وقامت فيها الخلافة العباسية التى تمثلت فى عهدها الأول حضارة الإسلام الزاهرة، ثم واصل الإسلام زحفه شرقا إلى أواسط آسيا، حتى استقر أمره فيما وراء النهر فى زمن المعتصم العباسى، وكان لمحمود الغزنوى أثره فى نشره هناك. وانتشر الإسلام فى أفغانستان وأعلن ملك كابول إسلامه فى زمن الخليفة المأمون، وتوطدت أركان الإسلام فى كافة أرجائها بانتهاء فتوح سبكتكين ومحمود، الغزنوى. ودخل المغول الإسلام بفضل الدعاة المسلمين، مع ما عرف عنهم من جبروت فى أعمالهم الحربية، وكان أحد هبم، وهو بركة خان (١٢٥٦ - ١٢٦٧ م) أول من أسلم من أمرائهم، على يد تاجرين من بخارى، وأسلم على يديه كثير من جنود هولاكو، الذين فروا إليه. وأسلم أحمد أخو هولاكو (١٢٧٤ - ١٢٨٢ م). وعمل على نشر الإسلام بين التتار. وانتشر الإسلام بين القبيلة الذهبية النازلة فى وادى الفولجا، وهى إحدى قبائل المغول.

стр. 74

ودخل البلغار الإسلام على يد التجار المسلمين، وحاول البلغار هداية ملك روسيا "فلاديمير" عندما أراد أن يبحث عن دين غير الوثنية، ولكنه خشى المسلم كان يعد نفسه داعية مخلصا لله. وأسلم القيرغيز فى وسط أسيا على أيدى علماء التتر فى القرن الثامن عشر، وأصبحت مدينة قازان مركزا ديئيا للدعوة الإسلامية أسلم بفضل نشاطها كثيرون. وذلك -كما يقول أرنولد- راجع إلى مستوى الأخلاق فى المجتمع الإسلامى، الذى كان أكثر رقيا، وإلى أن المسلم كان يعد نفسه داعية فخلصا لله. وزحف الإسلام حتى وصل سيبريا، وبذل سلطانها "كوتشم خان" جهدا كبيرا فى نشرها. ويذكرون أن القيرغيز يغنون أغانى شعبية لها مكانتها بين وسائل الدعوة فى الوقت الحاضر، وقد تضمنت حقائق الإسلام الأساسية مصوغة فى قالب قصصى، جعل العامة تقبلها بيسر وسهولة. ودخل الإسلام الهند فى وقت مبكر عن طريق التجار العرب وبالفتح الإسلامى. وكان لمحمود بن سبكتكين جهد واضح فى ذلك وكان للإسلام أثره فى تخفيف حدة

стр. 75

الطبقات المتوارثة فى ديانة الهنود، وفى تكريم المرأة التى كانت تحرق حية لتلحق بزوجها الميت، وأصبحت فى الهند جامعات دينية ذات طابع قديم. كذلك وصل الإسلام سيلان، وفيها الآن مدارس إسلامية، وانتشر أيضًا فى جزر (مالديف) التى يغلب الإسلام على سكانها. ووصل الإسلام أندونيسيا والفلبين على يد الدعاة من العرب والهند، واستجاب الناس له بسرعة، لأنهم وجدوا فيه سكن نفوسهم وغذاء أرواحهم، وكان فضل انتشاره فى هذه الجهات للحضارمة برحلاتهم التجارية البحرية، وأفادت البلاد من الإسلام تهذيبا لعاداتهم وشعورا بالحد من التنافس المسعور بين جزرها، والتخلص من بقايا البوذية والكونفوشية، ونشطت الدعوة إليه فى عهد امبراطورية "ماجافاهيت" (١٢٩٣ - ١٤٧٨ م). وصل الإسلام إلى الصين فى القرن الأول الهجرى، وكان ذلك عن طريقين: طريق البر من مقاطعة (سينكيانج)، وطريق البحر حيث كانت توجد جاليات عربية على الساحل تزاول أعمال التجارة هناك.
следующие страницы →