← Общие книги

Общие книги · id 95667

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه

عطية صقر

Полный текст (219 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

التفكير فى مصيرها، وكان من وراء ذلك نهضتهم الحديثة المعروفة. الدعوة فى الشرق: تعال معى أيها القارئ نتابع ركب الإسلام الزاحف لنرى كيف تقبلته الأمم ورضيته دينا لها، وسيكون مرورنا مع الركب سريعا فالمجال لا يتحمل الاستراحة فى كل محطات العالم لندرس على مهل آثار الإسلام فى هذه البلاد. وحسبنا من ذلك لقطات سريعة فى مرورنا العابر ونماذج تدل على غيرها من آثار. اتجه ركب الإسلام نحو الشرف مارا بشمالى بلاد العرب فأسلم المسيحيون من غسان، وبعد موقعة القادسية وفد المسيحيون الضاربون على ضفاف الفرات إلى "رستم" مسلمين، وساعد النصارى المقيمون فى الأراضى البيزنطية جيوش العرب فى فتح فارس. وكتبوا إلى أبى عبيدة قائد الجيش الإسلامى: يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا. وكان للتسامح الدينى معهم ومع غيرهم أثره فى كثرة دخولهم فى الإسلام، مع ما وجدوه من سهولة العقيدة وبساطة الدين ويسر التكاليف، إلى جانب

стр. 72

استيائهم من السفسطة المذهبية التى جلبتها الروح الإغريقية إلى اللاهوت المسيحى، يقول: "كيتانى": فلما أهلت آخر الأمر أنباء الوحى الجديد فجأة من الصحراء لم تعد تلك المسيحية الشرقية التى اختلطت بالغش والزيف، وتمزقت بفعل الانقسامات الداخلية، وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد تلك الحالة قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذى بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة، إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة، التى لا تقبل الجدل. وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمى فى أحضان نبى بلاد العرب (١). ولم يكن هناك أى قهر فى اهتدائهم إلى الإسلام أو أى اضطهاد لهم. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية، بتلك السهولة التى أقصى بها "فرديناند وإيزابيلا" دين الإسلام من أسبانيا، أو التى جعل بها "لويس الرابع عشر" المذهب البروستانتى مذهبا يعاقب عليه متبعوه فى فرنسا، أو بتلك السهولة التى ظل بها اليهود مبعدين عن انجلترا مدة ثلثمائة وخمسين سنة، كما يقول أرنولد

стр. 73

فتحت فارس ودخل أهلها الإسلام طوعا مرحبين بالدين الجديد الذى خلصهم من الوثنية والأوضاع الفاسدة، وقامت فيها الخلافة العباسية التى تمثلت فى عهدها الأول حضارة الإسلام الزاهرة، ثم واصل الإسلام زحفه شرقا إلى أواسط آسيا، حتى استقر أمره فيما وراء النهر فى زمن المعتصم العباسى، وكان لمحمود الغزنوى أثره فى نشره هناك. وانتشر الإسلام فى أفغانستان وأعلن ملك كابول إسلامه فى زمن الخليفة المأمون، وتوطدت أركان الإسلام فى كافة أرجائها بانتهاء فتوح سبكتكين ومحمود، الغزنوى. ودخل المغول الإسلام بفضل الدعاة المسلمين، مع ما عرف عنهم من جبروت فى أعمالهم الحربية، وكان أحد هبم، وهو بركة خان (١٢٥٦ - ١٢٦٧ م) أول من أسلم من أمرائهم، على يد تاجرين من بخارى، وأسلم على يديه كثير من جنود هولاكو، الذين فروا إليه. وأسلم أحمد أخو هولاكو (١٢٧٤ - ١٢٨٢ م). وعمل على نشر الإسلام بين التتار. وانتشر الإسلام بين القبيلة الذهبية النازلة فى وادى الفولجا، وهى إحدى قبائل المغول.

стр. 74

ودخل البلغار الإسلام على يد التجار المسلمين، وحاول البلغار هداية ملك روسيا "فلاديمير" عندما أراد أن يبحث عن دين غير الوثنية، ولكنه خشى المسلم كان يعد نفسه داعية مخلصا لله. وأسلم القيرغيز فى وسط أسيا على أيدى علماء التتر فى القرن الثامن عشر، وأصبحت مدينة قازان مركزا ديئيا للدعوة الإسلامية أسلم بفضل نشاطها كثيرون. وذلك -كما يقول أرنولد- راجع إلى مستوى الأخلاق فى المجتمع الإسلامى، الذى كان أكثر رقيا، وإلى أن المسلم كان يعد نفسه داعية فخلصا لله. وزحف الإسلام حتى وصل سيبريا، وبذل سلطانها "كوتشم خان" جهدا كبيرا فى نشرها. ويذكرون أن القيرغيز يغنون أغانى شعبية لها مكانتها بين وسائل الدعوة فى الوقت الحاضر، وقد تضمنت حقائق الإسلام الأساسية مصوغة فى قالب قصصى، جعل العامة تقبلها بيسر وسهولة. ودخل الإسلام الهند فى وقت مبكر عن طريق التجار العرب وبالفتح الإسلامى. وكان لمحمود بن سبكتكين جهد واضح فى ذلك وكان للإسلام أثره فى تخفيف حدة

стр. 75

الطبقات المتوارثة فى ديانة الهنود، وفى تكريم المرأة التى كانت تحرق حية لتلحق بزوجها الميت، وأصبحت فى الهند جامعات دينية ذات طابع قديم. كذلك وصل الإسلام سيلان، وفيها الآن مدارس إسلامية، وانتشر أيضًا فى جزر (مالديف) التى يغلب الإسلام على سكانها. ووصل الإسلام أندونيسيا والفلبين على يد الدعاة من العرب والهند، واستجاب الناس له بسرعة، لأنهم وجدوا فيه سكن نفوسهم وغذاء أرواحهم، وكان فضل انتشاره فى هذه الجهات للحضارمة برحلاتهم التجارية البحرية، وأفادت البلاد من الإسلام تهذيبا لعاداتهم وشعورا بالحد من التنافس المسعور بين جزرها، والتخلص من بقايا البوذية والكونفوشية، ونشطت الدعوة إليه فى عهد امبراطورية "ماجافاهيت" (١٢٩٣ - ١٤٧٨ م). وصل الإسلام إلى الصين فى القرن الأول الهجرى، وكان ذلك عن طريقين: طريق البر من مقاطعة (سينكيانج)، وطريق البحر حيث كانت توجد جاليات عربية على الساحل تزاول أعمال التجارة هناك.

стр. 76

وكان انتشاره فى مبدأ الأمر بين الأفراد وبجهودهم، ولم يدخل بيت الملك إلا فى حكم المغول بفضل الداعية البخارى شمس الدين عمر، الملقب بالسيد الأجل، والذى كان له نفوذ إسلامى عظيم. كما وصل الإسلام إلى كوريا واليابان، ثم تخطى هذه القارة ووصل إلى استراليا فى القرن التاسع عشر على يد المهاجرين من الهند والأفغان، ويتزعمهم مسلم انجليزى يدعى (بريستلى) الذى أسلم سنة ١٩٤٧ لتأثره بالإسلام الذى يحترم جميع الأنبياء، ويدعو إلى السلام كما تابع الإسلام زحفه إلى جزر المحيط الهادى، ويوجد الآن فى جزر (فيجى) نحو ثلاثين ألف مسلم. الدعوة فى الغرب: بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى فتح عمرو ابن العاص مصر، ورحب أهلها بالفاتحين، وتابع الفتح سيره إلى شمالى أفريقيا وأزال حكم الرومان من قرطاجنة سنة ٦٩٨ م، وكان من أهاليها الجيش الذى فتح الأندلس سنة ٧١١ م بقيادة طارق بن زياد، ومن هذه الجهة استطاع الإسلام أن ينفذ إلى الجنوب متوغلا فى الصحراء حتى وصل إلى خط الاستواء فى سنين متتالية.

стр. 77

وكان لنشاط الطرق الصوفية أثره فى هذا الميدان، وبخاصة القادرية والشاذلية والتيجانية والسنوسية، وظهرت أسماء كثيرة لامعة فى سماء الدعوة للدين، منها عبد الله بن يس، الذى اتخذ له رباطا فى إحدى جزر السنغال وجعله مركز دعوته، وبث دعاته فأسلمت آلاف من قبيلة (لمتونة)، وما زال يدعو حتى توفى فى سنة ١٠٥٩ م، وحمل أتباعه المرابطون أمانة الدعوة من بعده، وقويت شوكتهم حتى فرضوا سلطانهم على أسبانيا. وكذلك ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين، وله جهود طيبة فى نشر الدعوة التى نشطت فى القرن السادس عشر كرد فعل لطرد المسلمين من أسبانيا. وتحمست قبيلة (لمتونة) و (جداله) من صنهاجة لنشر الدين فى السودان، وكان عهد يوسف بن تاشفين مؤسس مراكش سنة ١٠٦٣ م وثانى أمراء المرابطين حافلا بدخول الناس فى الإسلام. وفى سنة ١٠٧٦ م أسلمت مملكة (غانا) عن بكرة أبيها، وتأسست فى القرن الحادى عشر مدينة (تمبكتو) وصارت مركزا علميا هاما إلى جانب مركزها التجارى.

стр. 78

وكما دخل الإسلام هذه الجهات من الشمال دخلها من الشرق ومن الشمال الشرقى، فدخل من مصر إلى (كانم) عند بحيرة تشاد التى صارت بعد دولة عظيمة، اشتهر من دعاتها (عمر كبا) الذى هدى قبائل (بمبارا) إلى الإسلام فى أوائل القرن العشرين. وفى القرن الرابع عشر هاجر بعض قبائل العرب من تونس إلى الجنوب حتى وصلوا دارفور، وتزوج أحدهم المسمى (أحمد) بنت ملكها، وتولى الملك بعده، فكانت الدولة الإسلامية التى دامت إلى وقتنا الحاضر. ومن أشهر الدعاة فى هذه المناطق (عثمان دنفديو) المصلح الدينى فى القرن الثامن عشر، وتابع أولاده الدعوة من بعده، وكان لنشاط أحمد إدريس أثره فى نشر الدعوة بفضل أحد أتباعه وهو محمد عثمان الميرغنى. ومن أشهر رجال الطريقة الفادرية فى الغرب الحاج (عمر قال) المشهور بعلمه وورعه، وقد توفى سنة ١٨٦٥ م، وكذلك (أحمد سامورى) الذى جاهد حتى أسره الفرنسيون، وتوفى سنة. ١٩٠٠ م، وقامت السنوسية بجهد كبير فى نشر الدعوة بطريقة سلمية

стр. 79

آمنة، وأسس محمد بن على السنوسى فرقة دينية للإصلاح، وجعل مركز دعوته (جغبوب) وتوفى سنة ١٨٥٩ م، بعد أن أسس دولة إسلامية. وعلى العموم كان الدعاة فى هذه المناطق، كما يقول أرنولد، دعاة ذوى غيرة وحماسة بالغة، ولهذا فمن مصب السنغال حتى لاجوس فى غانا، وفى مسافة تبلغ ألفى ميل، يندر أن تجد مدينة زاهرة ذات أهمية إلا وفيها على الأقل مسجد. وفى شرقى أفريقيا كانت الدعوة قد وصلت الحبشة أيام الرسول وكثر فيها المسلمون بعد القرن الرابع الهجرى، وزاد عددهم فى القرن الحادى عشر حتى بلغ ثلث السكان تقريبا، ثم كانت حركة "أحمد القرين" فى القرن السادس عشر التى أسلم بسببها الكثيرون وقتله الأحباش بمعونة البرتغاليين سنة ١٥٤٣ م. وعلى الساحل الشرقى هاجرت جماعة من الشيعة على رأسهم زيد بن على حفيد الحسين المتوفى ٧٤٠ م، وجاءت جماعة من منطقة قرب الإحساء بالخليج العربى، وبنو أول مدينة على الساحل هى "مقديشيو" حوالى منتصف القرن العاشر، وصار لها سلطان على كل عرب الساحل حوالى سبعين سنة، حتى قدمت

стр. 80

جماعة أخرى من الخليج العربى وحطوا رحالهم فى (زنجبار) وتتابعت الهجرات حتى جاءت فى القرن الخامس عشر جماعة من حضرموت يدعون إلى الإسلام، فجعلوا (بربرة) مركز دعوتهما، وكانوا نحو أربعة وأربعين، سافر بعضهم إلى (هرر) وهدى كثيرين إلى الإسلام. توغل المهاجرون داخل أفريقيا، وكونوا مستعمرات إسلامية فيها، ورحبت أوغندة بتجار العرب ترحيبا بالغا، وأنشئت مراكز العملامية فى الكونغو، بفضل التاجر العربى (تيبوتيب) الذى وصل نهر الكونغو فى منتصف القرن التاسع عشر. وعلى يد هؤلاء التجار دخل الإسلام (نياسالاند) وشق طريقه إلى جنوبى القارة حتى مستعمرة الكاب، بفضل المهاجرين من الملايو الذين جلبهم الهولنديون فى نحو القرن السابع عشر أو الثامن عشر كما جاء إليها يعض الهنود، وكسب الإسلام هناك أكثر مما كسبت بعثات التبشير المسيحية، على الرغم من التفاوت الكبير بين القوتين وكذلك وصل الإسلام إلى مدغشقر وجزر المحيط الهندى. وكانت أهم العوامل لسرعة تقبل الأفريقيين للإسلام ونجاح الدعوة فيهم ما يأتى: -

стр. 81

١ - أن كل مسلم يعد نفسه داعيا إلى الله، يرى أن ذلك واجب عليه لا يحتاج إلى ترتيبات وإجراءات خاصة، كالتى يتخذها المبشرون، وقد قال الكاردينال (لافيجرى) إن الدراويش البسطاء والتجار الذين يجوبون تلك الأقطار ينشرون الإسلام أينما حلوا، فيقبل عليهم الناس أيما إقبال، ويعاهدونهم على الإسلام دون أية مقاومة. ٣ - بساطة العقيدة الدينية وسهولة فهمها ويسر تكاليفها الشرعية وملاءمتها بشكل قوى لحال الزنوج وظروفهم. ٣ - اعتقاد الأفريقيين أن المسيحية هى دين البيض المستعمرين، تحمل معها الظلم والاستعباد والتفرقة، والنظرة الساخرة لغيرهم، بخلاف الإسلام دين الرحمة والعدل والمساواة يقول (موريل) فى كتابه عن نيجيريا. إن الإسلام لا يتطلب من وجهة نظر أهل نيجيريا أن يفقد أحد قوميته، ولا أن يقوض نفوذ الأسرة أو سلطة الجماعة، وليست هناك هوة بين الداعى إلى الإسلام والمهتدى إليه، فلاهما متساويان أمام الله، لا نظريا فقط بل عمليا أيضًا، وينفذ مبدأ التآخى الإنسانى تنفيذا عمليا رائعا، وإن انتشار الإسلام

стр. 82

الذى نشهده اليوم فى نيجيريا الجنوبية ليؤثر بصفة خاصة تأثيرا اجتماعيا عظيما، ويمنح الإسلام من يدخل فيه منزلة أرقى وفكرة أسمى من مكانة الإنسان من العالم المحيط به، ويحرره من ربقة الأحكام والخرافات. ٤ - الداعية المسلم عندما يحل ببلد يعد نفسه مواطنا كبقية المواطنين، يندمج معهم بالمعاملة والمصاهرة والاشتراك فى الخدمات العامة للبلد، ويكونا سلوكه نفسه من أهم العوامل فى جذب الأهالى نحو الدين. ٥ - الإسلام يعلم أتباعه حب الحرية والاعتزاز بالوطن وكراهة المستعمرين، وهذه النغمة محببة إلى كل إنسان، وتتحرك لها عواطفه، ويميل إلى من ينادى بها وإلى الدين الذى يقررها ويدعو إليها. ٦ - كما أن الإسلام يحمل عوامل الرقى والحضارة، ويرتفع بمستوى الأفريقى إلى مكان عال فى الفكر والخلق والعادات. يقول (أرنولد) (١): إن مجرد الدخول فى الإسلام يدل ضمنا على الترقى فى الحضارة وأنه خطوة جد متميزة فى تقدم القبيلة،

стр. 83

الزنجية عقليا وماديا، وقد اتضح ما "تقدمه حضارة أفريقيا الإسلامية إلى الزنجى الذى دخل فى الإسلام وضوحا يبعث على الإعجاب فى العبارات الآتية: إن أقبح الرذائل وهى أكل لحوم البشر، وتقديم الإنسان قربانا، ووأد الأطفال أحياء، تلك الرزائل قد اختفت فجأة وإلى الأبد والذين كانوا يعيشون عراة بدءوا يرتدون الملابس، بل يتأنقون فى ملابسهم، والذين كانوا لا يغتسلون بدءوا يغتسلون، بل يكثرون من الاغتسال لأن الشريعة المقدسة تأمرهم بالطهارة. ٧ - وكان لنشاط الجمعيات الدينية الحديثة أثره البارز فى نشر الإسلام فى هذه القارة، ومن أخطرها الجمعية الخيرية الإسلامية بشرقى أفريقيا، التى يشرف عليها الإسماعيليون، فقد أنشأت مساجد ومدارس وكليات وقامت بأعمال كثيرة حببت إليها الألوف من الأهالى، الذين حملوا لواء الدعوة وتوغلوا به فى داخل القارة مسافات بعيدة. كما كان لإبطال تجارة الرقيق وإنشاء السكك الحديدية وتأمين الطرق أهمية فى يسر الانتقال بالدعوة مع القوافل والتجارة.

стр. 84

الدعوة فى أوروبا وأمريكا: تعال معى أيها القارئ لنصاحب ركب الدعوة فى العالم الغربى، فقد فتحت أسبانيا فى القرن الأول الهجرى وعاش فيها الإسلام نحو ثمانية قرون، حتى أصدر فرديناندو إيزابيلا سنة ١٥٠٢ مرسوما بإلغاء شعائر الدين الإسلامى فى جميع أرجاء البلاد، حتى خرج العرب لآخر مرة سنة ١٦١٠ م. وقد كتبت أسبانيا فى هذه المدة صفحة من أنقى الصفحات وأسطعها فى تاريخ أوروبا فى العصور الوسطى، ومنها تلقى العلم طلابه من جميع أصقاعها بعد أن كانت البلاد ترزح تحت نير الإضطهاد، وتعيش فى جو خانق من الفساد الخلقى وتحكم السادة فى العبيد، حتى أن مؤرخى المسيحية قالوا: لقد ظهر أن الحكم الإسلامى كأنه عقاب نزل بهؤلاء الذين ضلوا الطريق السوى، واتجهوا نحو الرذيلة. تحول كثير من الأهالى إلى الإسلام، ونعموا بمبادئه الخالدة، وكان هناك انسجام ومصاهرة وإقبال على تعلم اللغة العربية، ونبغ كثير منهم فى آدابها، حتى المسيحيون واليهود منهم، وتسمى كثير من هؤلاء بأسماء عربية، وقلدوهم فى بعض النظم الدينية كالختان، كما أثرت العقيدة على أفكار

стр. 85

الرهبان، فغير كثير منهم رأيه فى عيسى الذى كانوا يسمونه ابن الله، ومنهم (اليباندوس) أسقف طليطلة" و "فيلكس" أسقف أورجيل، وكان من أثر ذلك عقد مجمع طليطلة سنة ٩٣٦ م للنظر فى هذه الأفكار. يقول أرنولد: وقد بلغ من تأثير الإسلام فى معظم الذين تحولوا إليه من مسيحي أسبانيا مبلغا عظيما، حتى سحرهم بهذه المدنية الباهرة، واستهوى أفئدتهم بشعره وفلسفته وفنه الذى استولى على عقولهم، وبهر خيالهم، كما وجدوا فى الفروسية العربية مجالا فسيحا لإظهار بأسهم، وما تكشفت عنه هذه الفروسية من قصد نبيل وخلق كريم، تلك الحياة التى ظلت مغلقة فى وجوه الأسبان الذين بقوا على تمسكهم بالمسيحية وإخلاصهم لها، أضف إلى ذلك أن علوم المسيحيين وآدابهم لا بد أن تكون قد بدت فقيرة ضئيلة إذا ما قيست بعلوم المسلمين وآدابهم التى لا يبعد أن تكون دراستها فى حد ذاتها باعثا على الدخول فى دينهم (١). وكما دخل الإسلام ومدنيته إلى أوروبا من الأندلس دخلا من صقلية، وتوغلا فى إيطاليا، وحاصر العرب

стр. 86

روما مقر الحبر الأعظم، حتى إن البابا يوحنا الثامن "٨٧٢ - ٨٨٢ م" ظل يؤدى الجزية مدة سنتين، ومكث حكم الإسلام قائما نحو مائة وثلاثين سنة، حتى أخذ النورمانديون هذه الجهات نهائيا سنة ١٠٩١ م. وعن هذين المنفذين أخذت أوروبا الحضارة. ومما يدل على ذلك ما يأتى: ١ - أن "فردريك الثانى" ملك سبيليا وألمانيا فى القرن الثالث عشر، وهو أول من أقام حكومة نظامية فى أوروبا سنة ١١٩٣، أنشأ جامعة فى نابولى سنة ١٢٣٤ م على نظام جامعة قرطبة، وتعلم العربية ودرس علومها وآدابها، وحذق الرياضة والطب والفلسفة والطبيعة على أيدى أساتذة العرب تلاميذ ابن رشد، واصطحب معه إلى إيطاليا زمرة من العرب والمسلمين ساعدوه فى تنظيم حكومته. ٢ - أن البابا الأكبر "سلفستر الثانى" سنة ٩٩٩ م وكان عالما دينيا كبيرا، رحل إلى الأندلس فى أيام الخلافة الأموية وحصل من شيوخها على الإجازة فى التدريس والرياضة والفلك، وعاد إلى بلاده حيث ألف كتابا فى الحساب، فكان أول من نقل هذا العلم إلى أوربا.

стр. 87

٣ - أن أول مستشرق انجليزى، وهو "أديلارب" طوف سنة ١١٢٠ م فى الأندلس وصقلية ولسوريا، وترجم عن العربية مبادئ اقليدس وكتاب الخوازرمى فى الحساب، وكان له نصيب كبير فى إنشاء جامعة باريس وغيرها. ٤ - أن "روجر الأول" ملك صقلية سنة ١١٢ م تلقى التاريخ الطبيعى على يد العرب، و "الفونس العاشر" ملك قشتالة درس العربية، وأمر بنقل علوم العرب، ونافسه فى ذلك ملوك أوربا. ٥ - أن الراهب الإنجليزى "روجر ييكون" المتوفى فى القرن الثالث عشر، درس علوم العرب، وتشبع بطريقتهم العلمية فى البحث، فنبذ منطق أرسطو، وقرر أن الطريقة المثلى للوصول إلى الحقائق العلمية هى طريقة العرب، (شاهد واختبر). ٦ - أن الملك "فيليب البافارى" بعث إلى الخليفة هشام الأول يستأذنه فى إيفاد بعثة إلى الأندلس لدراسة نظم التعليم وأساليب الإدارة والحكم ومظاهر المدنية، فأذن له، بل أرسل خبراء من العرب لاستشارتهم فيما يريد، وكذلك صنع غيره من الملوك، وكانت إنجلترا أشد دول الشمال حرصا على ذلك، فكانت تبعث أولياء

стр. 88

عهودها إلى الأندلس لتلقى هذه المعارف الجديدة بل أرسل الملك "جورج الثانى" ابنة أخيه ملك "دومانت" على رأس بعثة مكونة من بنات الأمراء واللوردات حوالى عشرين فتاة لدراسة آداب السلوك والفنون الراقية التى تتعلق بالمرأة. وكان الأسطول الهولندى الذى قهر الأسطول الإنجليزى فى لشبونة سنة ١١٥٢ م من صنع أيد عربية، أما قائده فهو أميرال البحر (طارق) ومعظم السدود وجسور الأنهار فى انجلترا وأوربا أنشأها أيدى مهندسين عرب، وخاصة جسر هشام الذى سمى باسم الخليفة هشام الثانى بناه مهندس عربى فوق نهر التيمس. ودخل الإسلام أوروبا أيضًا فى القرن الرابع عشر على يد الأتراك، الذين استولوا على أجزاء كبيرة من جزيرة البلقان، حتى فتحت القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م. وكان عهد سليمان القانوني (١٥٢٠ - ١٥٦٧ م) عهد توسع، ولم تتوقف فتوحات العثمانيين إلا أمام أبواب فيينا سنة ١٦٨٣ م. وعندما فتحت القسطنطينية حرم محمد الفاتح اضطهاد المسيحيين تحريما قاطعا، ومنح البطريق وأتباعه امتيازات كبيرة، وكانت هذه المعاملة من

стр. 89

أهم الأسباب التى جعلت الأغريق يؤثرون حكم المسلمين على المسيحيين الذين ظلموهم واستبدوا بهم كثيرا، وقد اشتهر مراد الثانى بعنايته فى تحقيق العدالة، وبإصلاحه للمفاسد التى سادت فى عهد الأباطرة الأغريق. واهتم الأتراك بنشر الإسلام بالوسائط السلمية وكانوا يحتفلون بمن يدخل فى الدين فيكون ذلك حافزا لغيره أن يسلم مثله يقول الكسندروس عن المسلمين الأتراك. لو تأملنا عدالتهم ونزاهتهم وسائر فضائلهم الخلقية لخجلنا من جحودنا، سواء فى عبادتنا أو فى تراجمنا ومن جورنا وإفراطنا وتعسفنا -فلا ريب أن هؤلاء سيقيمون الحجة علينا، ولا ريب أن عبادتهم وتقواهم وأعمال الرحمة فيهم هى الأسباب الرئيسية لنمو الدعوة المحمدية. ولو نظرنا إلى معظم دول أوربا الحالية لوجدنا فيها جاليات إسلامية نزح معظمها من آسيا وأفريقيا، وبجهودها دخل أوروبيون كثيرون فى الإسلام، واستطاعوا أن يتفاعلوا مع هذا الدين بحضارتهم وتقاليدهم بعد أن رأوا فيه المرونة وقيامه على الفطرة والعقل.

стр. 90

بل إن بعض المفكرين الأوروبين الذين لم يسلموا قال عندما عرف حقيقة الإسلام وأخلاقه العالية ونظامه الاجتماعى السياسى المتين: إذا كان هذا هو الإسلام، فنحن إذًا مسلمون. ولو أذن للإسلام أن يمد رواقه على هذه البلاد عند فتح الأندلس لكانت الحضارة قد تقدمت للإنسانية بخيرها قبل ذلك بكثير، غير أن الأقدار جعلت المسلمين يقفون عن زحفهم بعد أن انتصر "شارل مارتل" على عبد الرحمن الغافقى فى معركة "بواتييه" يوم السبت ٨ من شعبان سنة ١١٤ هـ (أكتوبر سنة ٧٣٣ م) تلك المعركة التى يقول فيها "كلود فارير" الأديب الفرنسى: فى ذلك اليوم المشئوم تراجعت المدينة ثمانية قرون إلى الوراء. ويقول "شامبيون" مدير مجلة "بارلمنتير": لولا انتصار جيش مارتل الهمجى على تقدم العرب فى فرنسا لما وقعت فرنسا فى ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولما كابدت المذابح الأهلية التى نشأت عن التعصب الدينى المذهبى، ولولا ذلك الانتصار البربرى على العرب لنجت أسبانيا من وصمة محاكم التفتيش، ولولا ذلك لما تأخر سير المدينة ثمانية قرون، إننا مدينون للشعوب العربية بكل

стр. 91

محامد حضارتنا فى العلم والفن والصناعة، مع أننا نزعم اليوم أن لنا حق السيطرة على تلك الشعوب العريقة فى الفضائل، وحسبها أنها مثال الكمال البشرى مدة ثمانية قرون، بينما كنا يومئذ مثال الهمجية، وإنه لكذب وافتراء ما ندعيه من أن الزمان قد اختلف، وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى. وأخيرا أقول لك أيها القاريء: إن الإسلام لم يقف عند هذا الحد، بل تخطى العالم القديم إلى العالم الجديد، ويحكى التاريخ أن جماعة من المسلمين رغبوا فى نشر الإسلام وراء البحار، أطلق عليهم اسم المغرورين لجرأتهم. وإقدامهم على هذا الأمر الخطر، وكأنه كان يرن فى أذنهم قول عقبة فاتح شمالى أفريقية حين نزل البحر بفرسه وأقسم أنه لو يعلم أن هناك أرضا وراء هذا البحر لخاضه حتى يصل إليها لينشر دين الله. كان هؤلاء ثمانية أقلعوا، من لشبونة فى القرن إلعاشر أو الحادى عشر، الميلادى، وساروا نحو الغرب حوالى أحد عشر يوما ثم عادوا يحملون أخبار عالم جديد لم يعرفوه من قبل، وهو، وإن لم يكن على التحقيق أمريكا، فهو جزر كانت مجهولة.

стр. 92

والقرنين الآخرين وصلت جاليات إلى أمريكا الشمالية والجنوبية وأقاموا هناك، وأسسوا جمعيات ومساجد فى أشهر المدن ولهم سمعة طيبة فى كل حقل يعملون فيه من حقول التجارة والصناعة وغيرها، واستطاعوا بنشاطهم أن يحولوا عددا من أهالى تلك البلاد إلى الإسلام، أو على الأقل يفتحوا عيونهم عليه ويبدون السحب الكثيفة التى كانت تحول دون معرفتهم لحقيقته. وبعد فقد تبين من هذا السرد الموجز لحركة الإسلام فى مدة وانتشاره بمبادئه السامية أن الإسلام له أعوان وأنصار فى كل جهات العالم، وأن البيئات التى وجدوا فمها لم تكن حائلة دون تطبيق تعاليمه، وأن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم لم تقف حائلا دون اعتناق هذا الدين والتفاعل مع مبادئه، وأن له فى بعضها تاريخا قديما لازمها قرونا عدة، لم تزده الأيام إلا قوة فى نفوسهم واعتزازا به، وهذا من أكبر الأدلة الواقعية على عالمية الدين الإسلامى وحيويته واتفاقه مع جميع الحاجات البشرية فى كل الجماعات الإنسانية. يقول (إيتين دينيه)، وسليمان إبراهيم الجزائرى فى كتابهما عن السيرة النبوية: فدين محمد قد أكد إذا من الساعة الأولى لظهوره وفى حياة النبي أنه دين

стр. 93

عام، فإذا كان صالحًا لكل جنس كان صالحًا بالضرورة لكل عقل ولكل درجة من درجات الحضارة وهو على ما فيه من البساطة المتناهية بالنظر لمذهب المعتزلة، والتشدد بالنظر لمذهب الصوفية: يؤدى للعالم الأوربى، من غير أن يعوق حرية فكره المطلقة، كما يؤدى للزنجى السودانى، الذى ينتشله من عبادة الأوثان الباطلة، هداية وتأييدا، وهو يرفع نفس التاجر الانجليزى، الذى يرى حياته فى العمل، ويعتبر الوقت من ذهب، بمقدار ما يرفع نفس الحكيم المتصوف والشرقى المتأمل فى بدائع الصنع، كما يرفع نفس الغربى المأخوذ بسحر الفن والجمال بل هو يفتن الطبيب العصرى أيضًا بما فيه من الطهارات المتكررة وتناسق الركوع والسجود، اللذين هما ليسا فى إفادتهما الجسم نماء بأقل من إفادتهما النفس صحة وسلامة (١). لقد حار المفسرون فى تعليل ظاهرة المد الدائم للإسلام، وراح كل يفسر تفسيرا محدودا من وجهة نظره، فمنهم من يرجع ذلك إلى العوامل الذاتية للإسلام فى عقيدته وشريعته، ومنهم من يرجعها إلى الظروف السياسية والاجتماعية للبلاد التى زحف

стр. 94

الإسلام إليها، دون سلطة قاهرة أو نفوذ قوى، ومنهم من يربط ذلك بظواهر أخص لا تصلح أن تكون سببا عاما فى هذه القوة الغالبة للدعوة، وفى موقفها الثابت أمام الزلازل التى لم تنل من سريانها النفاذ السريع. ولكن السبب الحقيقى الجامع هو أن الإسلام بطبيعته دين عالمى فى عقيدته ومبادئه، يجمع كل الأجناس تحت لوائه، وتعاليمه التى تشعر الإنسان بوجوده الكريم، وتوفى بجميع مطالبه وحاجاته الروحية والمادية، ولا عجب فى ذلك فهو دين الله الذى أحكم صنعه لهداية خلقه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة. هل انتشر الإسلام بالسيف ؟ فى غمرة الحيرة فى تعليل انتشار الإسلام بسرعة لم تطاوع نفس الحاقدين على الإسلام أن يقولوا الحق فعزوا الصبب إلى الغزو الحربى واستعمال القهر والإكراه على اعتناق الدين، وما زال المحدثون من الحانقين يرددون هذه الفرية لينالوا من عظمة الإسلام فى جوهرة النقى الصافى الذى إخذ ألباب الناس

стр. 95

بمبادئه، فأعجبوا به أيما إعجاب واختاروه دينا لهم، تسكن إليه نفوسهم وتطمئن به قلوبهم، وتتحرر به عقولهم ويستقيم سلوكهم. إن العقائد لا تغرس بالإكراه أبدا، لأن العقيدة انفعال النفس بقضية من القضايا، والنفس تأبى أن تهضم شيئًا تمجه طبيعتها، قال تعالى حاكيا ما كان من نوح مع قومه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ " (١) والإكراه على اعتناق الأفكار قضاء على الحرية التى مجدها الإسلام بما لا يوجد له مثيل فما أى دين ولا فى أى تشريع سماوى أو أرضى وهو طعن أيضًا فى كرامة الإنسان وأهليته للخلافة فى الأرضى. وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تقرر الحرية وتشيد بها وتعترف بكرامة الإنسان وقدره، وتصرح بأنه لا يجوز قهر إنسان على اعتناق مبادئ الإسلام فمن ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢) وقد نقل ابن جرير الطبرى عن ابن عباس فى سبب نزولها أن رجلًا من الأنصار وهو أبو الحصين من بنى سالم بن عوف، كان له ولدان

стр. 96

تنصرا قبل مبعث النبي ﷺ ، ثم قدما المدينة فى نفر من الأنصار يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال الأنصارى: يا رسول الله أيدخل بعضى فى النار وأنا أنظر؟ فنزلت هذه الآية. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣). فمهمة النبي هى التبليغ فقط، وهداية الناس إلى الإسلام بمعنى اعتناقهم له لا يمكن أن يقوم به الرسول فذلك من رحمة الله وحده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).

стр. 97

٥ - قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ " (١). فاعتناق الإسلام يكون بمجرد الحرية ومحض الاختيار دون قهر وإجبار. ٦ - لما أعطى النبي الراية لعلى يوم خيبر قال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: "لا، انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه. فوالله لأن يهدى الله بك رجلًا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (٢). فعلى ضوء هذه النصوص وغيرها كانت دعوة النبي ﷺ إلى الإسلام، وعلى هديه سار أصحابه من بعده، وقد اختلط المسلمون بأهل الكتاب من اليهود والنصارى وكان بينهم نقاش كبير أمر فيه المسلمون بالتزام الجادة واتباع الطريق الأحسن، وهو إظهار محاسن الإسلام وأثره في أخلاق المسلمين ومعاملاتهم، فذلك خير دعاية له. وقد دخل أهل مكة فى الإسلام دون أن يعلو رءوسهم سيف. أو يهددوا بما يلجئهم إلى اعتناق الدين.

стр. 98

ذكر الشيخ محمد عبده: أن غير المسلمين كانوا إذا فتحوا بلدا عينوا دعاة لنشر دينهم بكل ما أوتوا من قوة، ولم يقع ذلك لفاتح من المسلمين. بل كانوا يكتفون بمخالطة من عداهم ومحاسنتهم فى المعاملة، فيغريهم ذلك على الإسلام، وأن الإسلام كان يعد مجاملة المغلوبين فضلا وإحسانا، عندما كان يعدها الأوربيون ضعة وضعفا، وبلغ أمر المسلمين فيما بعد أنهم لم يقبلوا إسلام راغب فى الدين إلا بين يدى قاض شرعى يقر أمامه أنه أسلم بلا إكراه. ووصل الأمر فى عهد بعض الخلفاء الأمويين أن كره عمالهم دخول الناس فى دين الإسلام لما رأوا أنه ينقص من مبالغ الجزية وكان فى حال أولئك العمال صد عن سبيل الدين لا محالة، ولذلك أمر عمر بن عبد العزيز بتعزيز مثل أولئك العمال، وقد أثر عنه أنه قال له: ما بعث محمد جابيا ولكن بعث هاديا (١). على أن الإسلام إذا كان يفرض فرضا على الناس فكيف اعتنقه المغول والتتار وهم فى أتم قوة وأعظم بطش، وقد جاءوا للقضاء على الإسلام فانقلبوا مسلمين.

стр. 99

ولو كان انتشار الإسلام بالقهر فكيف يفسر انتشاره بسرعة فى أيام الضعف السياسى والعسكرى للدولة الإسلامية؛ لقد كان أثر الرحالة، والتجار والطرق الصوفية بالغا مبلغا عظيما فى نشر الإسلام فى أفريقيا وآسيا بالطريق السلمى، دون إغراء أو تهديد. ولو نظرنا إلى خريطة العالم الإسلامى اليوم لرأينا أن البلاد التى قلت فيها حروب الإسلام هى التى يقيم فيها أكثر مسلمى العالم، وهى بلاد إندونيسيا والهند والصين وسواحل. القارة الإفريقية وسهول الصحراء الواسعة، فإن عدد المسلمين، فيها يقرب من ثلثمائة مليون، ولم يقع فيها من الحروب بين المسلمين وأبناء تلك البلاد إلا القليل الذى لا يجدى فى تحويل الآلاف عن دينهم، فى الوقت الذى فيه البلاد التى كانت مسرح الفتح الإسلامى، وهى العراق والشام لا يزيد عدد المسلمين فيها على عشرة ملايين، يعيش بينهم من اختاروا البقاء على دينهم من المسيحيين واليهود والوثنيين وغيرهم (١). وقد قرر العلماء أن الحروب التى أرغم النبي وأصحابه على خوض غمارها كانت لغرضين ليس منهما الإكراه على الدين:

стр. 100

أولهما: الدفاع عن العقيدة وعن حرمات المسلمين. وثانيهما: مقاومة القوة التى تقف فى طريق الدعوة التى أمروا بتبليغها، وفعل النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدين المهديين من بعده هو الحجة في هذا الموضوع، وما يحدث من غيرهم لا يحتج به على الإسلام، وإنَّما هو تصرف شخصى قد يخطئ وقد يصيب. قال تعالى فى بيان غاية القتال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (١). فالغاية من القتال إعطاء الجِزيَةَ للإسهام بها فى تكاليف الدفاع عن حرياتهم وإظهار حسن نيتهم نحو الإسلام، وهى مبلغ رمزى ضئيل لا يدفعه إلا القادرون ممن يصلحون للقتال. وليست غاية القتال هى الإسلام، فقد نصت الآية علي ذلك ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وليس فيها "حتَّى يسلموا". وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢)، فالغاية هى القضاء على الفتنة، أى

стр. 101

دعم أركان السلام فى المجتمع، وذلك كما يكون بالإسلام يكون بالجزية أو بالعهد، ولو كان القتال لفرض الإسلام على الناس ما أمر الرسول يترك الرهبان والنساء والصبيان. وأما قوله تعالى: "ويكون الدين لله" فمعناه أن يظهر أمرة ويعلو صوته، ولا يتوقف ذلك على أن تكون له الأكثرية العددية فى الناس، فظهوره بظهور الحق الذى هو فيه من استقامة مبادئه، وصدق الهدى" الذى جاء به. على أن من جاءنا من المحاربين طالبا الأمان ليسمع كلام الله لا يجوز أن نقتله أو نكرهه على الإسلام، بل نبلغه الدعوة ونحافظ على حياته وأمواله وكل حقوقه حتَّى يرجع إلى بلدة ويبلغ مأمنه ولو لم يسلم (١). إن نظرة الإسلام إلى الحرب نظرة طبيعية واقعية، فهى مكروهة للنفوس التى تحب السلامة، كما قال سبحانه "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" (٢) وينهى المسلمين عن مجرد التمنى لخوض معركة مع العدو، ففى الحديث "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا" (٣).

стр. 102

والحرب ضرورة تقدر بقدرها "وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" (١) "فإن قاتلوكم فاقتلوهم" (٢). فالمسلمون كانوا يلجئون إلى الحرب إلجاء وكان بودهم ألا تكون حرب أبدا، ولكنها سنة الله. فى خلقه، كما يقول سبحانه "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" (٣)، خاضوا غمارها للغرضين المذكورين آنفا. ففى الغرض الأول قاتلوا من تعدي "عليهم بالقتال فعلا، وكذلك من استعدوا للشروع فيه، وذلك مبادرة إلى لقائهم قبل المباغتة. وهذا تطبيق للمبدأ العام فى الانتصاف "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ما عليكم" (٤) "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (٥). ومن الغزوات لهذا الغرض: أحد والأحزاب ومؤتة، وغطفان ودومة الجندل، وغزوة، بنى المصطلق، وخيبر، وتبوك وغيرها، وبيان الأسباب الحقيقية ليس هذا محله فيطلب من كتب السيرة.

стр. 103

وفى هذا الغرض من الحرب قاتل المسلمون من تعدوا على حرية إخوانهم ليخلصوهم من الظلم، كما قال تعالى "وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذة القرية الظالم أهلها" (١). وكذلك قاتلوا من نكثوا العهد وغدروا، كفتح مكة، وغزوة بنى قينقاع وبنى النضير. وفى الغرض الثانى وهو تأمين طريق الدعوة كانت فتوح الشام وفارس وغيرهما، إلى جانب وجود حالة الحرب المستمرة من أول الأمر وكان الفرس يريدون قتل النبي ﷺ كما سبقت الإشارة إليه عند إرسال الكتاب إليه. ولما كانت الدعوة الإسلامية لتأمين حريات الناس وتوفير الأمن لهم، وتخليصهم من الشرك والظلم والفوضى، كان لابد أن تحاط الدعوة بقوة تحميها، وتزيل العقبات من طريقها، قال تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" (٢) فالحرب الإسلامية حرب حق من أجل الحق، ولو عمقنا النظر

стр. 104

في هذا المبرر لرأيناه أَيضا يندرج تحت الغرض الأول، وهو رد العدوان والدفاع عن العقيدة والوطن والحرمات. ولم يحدث أبدًا أن سارت الدعوة ومعها السلاح لأول مرة لتزيل به العقبات، بل مهد لها النبيّ أولا بإرسال الكتب إلى الرؤساء من الملوك والأمراء، ولم يمكنه هؤلاء من توصيل الدعوة لمن يتشوقون إليها فكان لابد من إبعاد هذه العقبات من الطَّرِيقِ ليصل النور إلى الضالين، بل بلغ النبيّ الدعوة بالقرآن، كما قال تعالى "وجاهدهم به جهادًا كبيرًا"، (١) على الطَّرِيقِ الذى رسمه الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان تبليغها مقتضيا لتنقل وأسفار واتصالات بالناس، فلابد من حماية الدعوة إليها من بطش المكذبين، وهو حق طبيعى تقره جميع العقول والأديان. على أن مما يدل على أن حرب الإسلام لم تكن تعطشا للدماء ولا حبا للانتقام، التوصية بعدم التعرض لغير الحاملان للسلاح من الرهبان والندماء والصبيان، والتوصية بالرحمة البالغة فى الحرب، فهى كالعملية الجراحية، ضرورة تقدر بقدرها، والتوصية بقبول

стр. 105

الصلح إن عرضه الأعداء، وكذلك الوصية بعدم تخريب العمران لغير ضرورة الحرب، والإحسان إلى الأسرى، وغير ذلك من آداب الحرب العظيمة التى فصلها العلماء. فالإسلام أباح الحرب ولكن حاطها بملطفات بما لم تبلغ إليه مدنية القرن العشرين، ولم يكن من أغراضها أبدا حمل الناس على الإسلام، فقد تبين أن العقائد لا تغرس بالإكراه، ولقد أثر عن عمر رضى الله عنه أن عجوزا جاءته فى حاجة لها وكانت غير مسلمة، فدعاها إلى الإسلام فأبت وتركها عمر، وخشى أن يكون فى قوله وهو أمير المؤمنين، إكراهًا لها، فاتجه إلى ربه ضارعًا معتذرًا: اللهم أرشدت ولم أكره، وتلا قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ". ولم تكن الحرب ضد الكفار لمجرد كفرهم أبدا، بل لرد عدوانهم كما سبق، فإن المبدأ العام مع المخالفين فى العقيدة هو: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (١) وقد عاش مع النبي كفار كثيرون وتعامل معهم بالحسنى ما داموا يبادلونه هذه المعاملة، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ

стр. 106

يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (١). وليس الإسلام وحده هو الذى جاء بالجهاد والحرب للدفاع وتأمين الحريات، فقد كانت الحرب فى القديم وما تزال وسيلة من الوسائل لحل المشاكل الاجتماعية إلى عهدنا هذا، مع بلوغ الإنسانية أشدها، ونيل العقول رشدها، فالحياة لا تبقى والحقوق لا تصان إلا بقوة تحميها. ولعل هذا القدر كاف فى نقض هذه الشبهة أو رد هذا الطعن الذى يوجهه الأعداء للإسلام من كونه، انتشر بالسيف لا بصدق مبادئه كما يقول المسلمون.

стр. 107

جبهات المقاومة لعالمية الإسلام لقد تعرضت الدعوة الإسلامية لعدة مصادمات من أول يوم نادى فيه الرسول قومه إلى التوحيد، واتخذت هذه المصادمات عدة ميادين، فهى لم تقف عند حد التكذيب للدعوة، بل تعدنا إلى ميدان العمل الإيجابى لوقف تيار الإسلام الجارف ومدة الواسع، وحيكت له عدة مؤامرات من داخل المجتمع الذى يعيش فيه النبي وصحبه، على يد المنافقين واليهود وغيرهم من الرعايا الموجودين بين المسلمين، ومن خارجه فى الدول المحيطة النافسة على القوة الجديدة التى غطت على كل قوة فى هذه المنطقة. وكان للأعداء على مختلف ألوانهم وميادينهم أساليب منوعة فى هذا السبيل، وقد سمعنا فى التاريخ عن الغزوات التى وجهت إلى الإسلام، إما بالسلاح المادى فى الميدان المكشوف، وإما بالسلاح المعنوى من وراء الجدر، فمرة بالتشكيك فى أصل الدين، وبالدعوة إلى الإلحاد، ومرة بالغزو الثقافى لتحل الآراء الهدامة محل الآراء الدينية، وأخرى بالغزو الخلقى والاجتماعى لينسلخ المسلمون من مقومات شخصيتهم

стр. 108

الأصيلة، وكذلك بالنظم السياسية وقواعد الحكم بمسمياتها المختلفة، وعناوينها الخلابة. وعلى الرغم من كل هذه المصادمات فإن الدعوة العالمية ما تزال ثابتة صامدة، بل مندفعة بقوة تخطت كل الحواجز والعقبات، لأنها -كما قدمنا- تحمل عوامل قوتها فى نفسها، غير إن هذا الإثبات وهذه المواجهة يختلفان كيفا حسب ما يكون عند المسلمين من إيمان وتعلق بالدين وغيرة على الدعوة إليه. دعا من المقومات العنيفة التى واجهتها الدعوة أيام الرسول ﷺ من قريش اليهود وغيرهم، فكتب السيرة وفت هذا الموضوع حقه، والمقام هنا مقام إيجاز يكفى فيه أن نعطى لمحة خاطفة للعبرة والعظة. حدثت بعد وفاة النبي ﷺ ، مصادمات حربية معروفة، وبخاصة مع الفرس والرومان ثم كانت الفتوح الممتدة شرقا وغربا وإلى كل البلاد، كما عرفت من السرد الموجز لسير الدعوة. ومع المصادمات الحربية كانت مؤامرة اغتيال عمر بن الخطاب، والفتنة التى استشهد فيها عثمان، والمصادمات الداخلية بين جبهتى علي ومعاوية، واستغلال ذلك

стр. 109

كله للقضاء على الدين، حيث ظهرت الفرق ولعب لعبته عبد الله بنُ سبأ اليهودى ليطيح بالعقيدة الإسلامية الموحدة لكلمة المسلمين "إن هذه أمتكم "أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (١). وكانت الشعوبية أصبعا من أصابع الهدم لبناء الإسلام، والعودة به إلى عهد الجاهلية حيث التعصب للأنساب والأحساب، واتخذت هذه الحركة مركزها فى فارس على الباب الشرقى لدار الحرب، فظل بعض الفرس متمسكين بماضيهم البائد، ممتلئة قلوبهم حسرة على ضياع مجدهم السياسي، على الرغم من قيام دولة إسلامية كبيرة فى بلادهم وعلى أكتافهم وبجهودهم. لقد تجنب الشعوبيون العداء السافر مع العرب أولا، وانتهزوا الفرصة المواتية للأساليب الخفية الأخرى، فقد عمد بعضهم إلى وضع كتب فى مثالب العرب والحط من شأنهم، حتَّى قال قائلهم إسماعيل بنُ سيار، الذى لم يشكر تكريم الخلفاء له. أصلي كريم ومجدى لا يقاس به ... ولى لسان كحد السيف مسموم

стр. 110

من مثل كسرى وسابور الجنود معا ... والهرمزان لفخر أو لتعظيم أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا ... وهم أذلوا ملوك الترك والروم هناك إن تسألى تنبى بأن لنا ... جرثومة قهرت غر الجراثيم وقد رأينا فى خطبت زياد بن أبيه ما يشير إلى هذه الفتنة الشعوبية: إياكم ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلَّا قطعت لسانه، كما كان للحجاج موقفه الشديد إزاءها أيضًا. لقد انتهز قوم من "راوند" فرصة قيام أبي مسلم الخرسانى بالدعوة إلى العباسيين فروجوا معتقداتهم القديمة القائلة بالحلول والتناسخ. وأرادوا أن يستغلوها فى التقرب إلى أولى الأمر، فزعموا أن روح الله انتقلت إلى على وأبنائه من بعده، حتَّى وصلت أخيرًا إلى أَبى مسلم الخرسانى الثائر. ضد الأمويين. واستمروا فى فتنتهم حتَّى نادوا بأن المنصور العباسى هو ربهم الأعلى. ثم أخمدت هذه الفتنة، كما أخمدت فتنة الخرمية -نسبة إلى خرما زوجة مزدك زعيم الإباحية القديمة عند الفرس- عندما استعان هؤلاء بالبيزنطيين للنيل
следующие страницы →