← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95671

سهم إبليس وقوسه

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (64 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي خلق السمع والأبصار والأفئدة والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى نعمة البصر، وهي وإن كانت نعمة في ذاتها فإنها ربما أوردت صاحبها المهالك إذا أطلقها في غير ما أحل الله. ولتوسع الناس في أمر النظر المحرم وكثرته، أقدم للأحبة القراء الجزء الثالث عشر من سلسلة: "أين نحن من هؤلاء؟ " تحت عنوان "سهم إبليس وقوسه" فيه أطايب الكلام من قول الله جل وعلا وكلام رسوله ﷺ وذكر حال السلف في مجاهدة أنفسهم وحفظ أبصارهم. نزه الله أسماعنا وأبصارنا وجوارحنا عن كل ما نهى عنه وجعلها عونا على الطاعة ومتعنا بها حتى نلقاه. عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

стр. 2

مدخل لقد أسبغ الله جل وعلا علينا نعما ظاهرة وباطنة لا تعد ولا تحصى ومن أعظم وأشرف تلك النعم نعمة البصر، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. ومن عظيم قدرها أن أبدل الله من سلب منه عينيه فصبر الجنة، قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر، عوضته منها الجنة" (١). ونعمة الصبر من أعظم النعم إذا استخدمها العبد في طاعة الله سبحانه، أما إذا كان خلاف ذلك، فإنها تكون سببا للحسرة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، ولذا جاء الأمر الإلهي للمؤمنين كافة بغض البصر وحفظه قال الله جل وعلا ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. قال ابن كثير: وهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرَّم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا (٢).

стр. 3

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته، ويروى في قلبه (١). وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .... ﴾. هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات (٢). وقال الشوكاني ﵀ أيضا حول هذه الآية: خص الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا كما في سائر الخطابات القرآنية (٣). ومن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض فكأنه خص بالحظر والتحريم نوعا من النظر وأطلق بعض النظر إلى ذوي المحارم، وما تدعو الحاجة إليه، ثم عطف على ذكر النساء مفردا لهن بالذكر مع أنهن يدخلن في عموم خطاب الشرع تبعا للرجال فقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ تأكيدا لزمن النظر، واحتياطا لصيانة الفرج

стр. 4

عن الزنى والخطر، ولئلا يتوهم متوهم أن الأمر يختص بالرجال (١). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبدؤها من البصر كما أن معظم النار من مستصغر الشرر تكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة، ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات والخطرات واللقطات والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار فيتبر ما علا تتبيرًا (٢). وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته. ولما كان إطلاق البصر سببًا لوقوع الهوى في القلب، أمر الشرع بغض البصر عما يخاف عواقبه، قال ابن القيم معلقًا على حديث الرسول ﷺ : "كتب على ابن آدم حظه من الزنا .. " (٣)

стр. 5

الحديث فبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفروج. ثم قال أيضا: وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر وأن ذلك زناها ففيه رد على من أباح النظر مطلقًا وثبت عنه ﷺ أنه قال: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية" (١). فاحذر يا أخي وفقك الله من شر النظر فكم قد أهلك من عابد، وفسخ عزم زاهد، فاتعظ بذلك وتلمح معنى قول النبي ﷺ : " النظرة سهم مسموم" (٢) لأن السم يسري إلى القلب فيعمل في الباطن قبل أن يرى عمله في الظاهر، فاحذر من النظر فإنه سبب الآفات إلا أن علاجه في بدايته قريب فإذا كرر تمكن الشر فصعب علاجه. وأضرب لك في ذلك مثلاً: إذا رأيت فرسًا قد مالت براكبها، إلى درب ضيق فدخلت فيه ببعض بدنها، ولضيق المكان لا يمكن دخولها، فإن قبل وردها خطوة إلى ورائها، سهل الأمر، وإن توانى حتى ولجت، ثم قام بجذبها بذنبها طال تعبه وربما لم يتهيأ له. وكذلك النظرة إذا كثرت في القلب، فإن عجل الحازم بغضها وحسم المادة من أولها سهل علاجه، وإن كرر النظر نقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرغ فنقشها فيه فكلما تواصلت

стр. 6

النظرات كانت كالمياه تسقي بها الشجرة، فلا تزال تنمى فيفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به ويخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات ويلقى في التلف، والسبب في هذا الهلاك: أن الناظر أول نظرة التذ بها فكررها يطلب الالتذاذ بالنظر مستهينًا بذلك فأعقبه ما استهان به التلف، ولو أنه غض عند أول نظرة لسلم في باقي عمره (١). أخي الحبيب: إن فتنة النظر إلى ما حرم الله أصل كل فتنة، ومنجم كل شهوة فالنظر هو رائد الشهوة ورسولها، وحفظه أصل حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك، وقد جعل الله العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته. لذلك لما أمر الله في سورة النور بحفظ الفرج قدم الأمر بغض البصر لأنه هو بريد الزنى وبابه حيث قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. فمن سرح ناضرة أتعب خاطره، من كثرت نظراته ضاعت أوقاته ودامت حسراته، فيا من يريد السلامة، ويطلب الخلاص،

стр. 7

غض من بصرك، وأقصر عن محارم الله طرفك، ولا تقلل من شأن النظر وتستصغره فإن كل الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر، تكون نظرة، ثم خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة. أخي المسلم: إن الذي أجمعت عليه الأمة واتفق على تحريمه علماء السلف والخلف من الفقهاء والأئمة هو نظر الأجانب من الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، وهم من ليس بينهم رحم من النسب، ولا محرم من سبب، كالرضاع وغيره، فهؤلاء حرام نظر بعضهم إلى بعض، وهم كل من حرم الشرع تزويج بعض منهم ببعض على التأبيد، فالنظر والخلوة محرم على هؤلاء عند كافة المسلمين، لا يباح بدعوى زهد وصلاح، ولا توهم عدم آفة ترفع عنهم الجناح، إلا في أحوال نادرة من ضرورة أو حاجة، فما سوى ذلك محرم، سواء كان عن شهوة، أو عن غيرها، وكذلك لا يجوز النظر إلى الأمرد (١). بشهوة وغيرها من غير حاجة كل ذلك لخوف الفتنة والوقوع في الهلكة. ففي غض البصر: زكاة وطهارة لقلوب المؤمنين، وحفظ لفروجهم وقد قدم الله سبحانه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن مبدأ المعاصي من النظر، وهو بريد الزنا، والنظرة تفعل

стр. 8

في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله، أحرقت بعضه، كما قيل: كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على خطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر (١) والله سبحانه مطلع على أعمالنا سرها وعلانيتها ألا ترى أنه عقب على الأمر بغض البصر وحفظ الفرج بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وهو سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه" متفق عليه. قال الشنقيطي ﵀: محل الشاهد منه قوله ﷺ "فزنا العين النظر" فإطلاق اسم الزنا على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه.

стр. 9

ومعلوم أن النظر سبب الزنا، فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنا يكون سبب هلاكه والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنا (١). قال البخاري: قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن يقول الله عزوجل ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. يقول الشنقيطي في تلك الآيات: وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد بمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة (٢). قال أطباء القلوب: بين العين والقلب منفذ وطريق فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكن معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به، والسرور بقربه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك (٣).

стр. 10

وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إن النبي ﷺ أردف الفضل بن عباس خلفه في الحج، فجاءت جارية من خثعم تستفتي رسول الله ﷺ فلوى النبي ﷺ عنق الفضل لئلا ينظر إليها، فقال له عمه العباس: لم لويت عنق ابن عمك يا رسول الله، فقال ﵇: "رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" (١) يعني: أن يشغل قلب أحدهما بصاحبه إذا نظر إليه. فانظر كيف فعل بابن عمه وهو في حضرته متلبس بأسباب حجه، ولم يأمن الطباع من الفتنة، والشيطان من الوسوسة والمحنة. وعنه ﷺ أنه قال يومًا لعلي بن أبي طالب: "يا علي، إن لك كنزًا في الجنة، فلا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" (٢) يعني أن النظرة الأولى نظرة الفجأة من غير قصد يمنح لك عفو بلا إثم، وليست لك الثانية إذا اتبعتها نظرة تمتع. هذا خطابه لعلي ﵁، مع علمه بكمال زهده وورعه، وعفة باطنه وصيانة ظاهره يحذره من النظر، ويؤمنه من الخطر لئلا يدعي الأمن كل بطال، ويغتر بالعصمة والأمن من الفتنة ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. وعن جرير بن عبد الله البجلي، قال: سألت رسول الله ﷺ

стр. 11

عن نظر الفجأة، فقال لي: "اصرف بصرك" (١) يعني: عن النظر الثاني، لأنك لا تأمن فيه الشهوة والفتنة. ولا شك أن حفظ البصر أشد من حفظ اللسان، فإن العين مبدأ الزنا فحفظها مهم، وهو عسر من حيث إنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه والآفات كلها منه تنشأ. والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها والمعاودة يؤاخذ بها. قال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر وإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر (٢). قال العلاء بن زياد: لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة، وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت الشهوة وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر، وإن استقبح لم يلتذ لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه، فلا يخلو في كلتا حالتيه، عن معصية وعن تألم وعن تحسر، ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات، فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ونهاية التوفيق (٣).

стр. 12

وفي الصحيحين عنه ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان، ونظير حديث ابن مسعود. فقد بدأ رسول الله ﷺ بالأكثر وقوعًا والذي يليه، فالزنا أكثر وقوعًا من الردة، وأيضا فإنه انتقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه، ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رءوسهم بين الناس وإن حملت من الزنى، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيا ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها، وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور في البرزخ والنار في الآخرة، فكم في الزنى من استحلال لحرمات، وفوات حقوق، ووقوع مظالم. ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضًا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته، ولهذا شرع

стр. 13

فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. قال سعد بن عبادة ﵁: "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح" (١) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٢) متفق عليه. أخي المسلم: خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى قال محمد بن عبد العزيز: جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر فما التفت يمنة ولا يسرة، فقيل له في ذلك فقال: إن الله خلق العينين لينظر بهما العبد إلى عظمة الله تعالى، فكل من نظر بغير اعتبار كتبت له خطيئة. الله أكبر .. أين من يطلق بصره ليل نهار؟ بل أين هذا الذي يقصد الأسواق وغيرها للنظر في ما لا يحل له؟ بل أين من يبقى ساعات طوال ليشاهد القنوات والمحطات؟ الرجل ينظر إلى النساء

стр. 14

والمرأة تنظر إلى الرجال .. أين غض البصر وحفظه عن تلك المحرمات؟ قال سعيد بن المسيب: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. وقال سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعثو بالأخرى: وما من شيء أخوف عندي من النساء (١). أخي: اختلت الموازين واختلفت المعايير، وإلا فأين من يطلق بصره من قول عمرو بن مرة؟ نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكف بصري، فأرجو أن يكون ذلك كفارة. وانظر إلى ما يتواصون به ويحرصون عليه، ونحن أحق به وأولى خاصة في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الفتن وعمت به المحن. قال وكيع: خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غض أبصارنا (٢). قال سفيان الثوري: عليك بالمراقبة لمن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة. أين أنت أيها المسلم من الثواب العظيم إذا صرفت بصرك وأطعت ربك، ألا فأبشر بوعد من لا يخلف الوعد.

стр. 15

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ قال ابن سيرين: إني أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها. الله أكبر ... في المنام ويصرف بصره .. لأنه يعلم أنها لا تحل له، ومن صرف بصره في النهار لم يرض بغير ذلك في المنام .. وأما من زلت به العين فماذا يرى كفارة ذلك .. أهي المعاودة وتكرار النظر أم التوبة إلى الله. قال عمرو بن مرة: ما أحب أني بصير أني أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب (١). وحين خرج حسان بن أبي سنان يوم العيد فلما رجع قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم إليها؟ فلما أكثرت عليه، قال: ويحك، ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت حتى رجعت إليك (٢). أيها الحبيب: أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حد فكلما أصبح

стр. 16

وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل. وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين فتعلم أنك بعهد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباه ينتبه الغير بك، هذا والله شأن الحمقى (١). لقلبك يوما اتعبتك المناظر ... وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ولا عن بعضه أنت صابر ... رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه قال أبو الدرداء: يا بني لا تتبع بصرك كلما ترى في الناس فإنه من يتبع بصره كلما يرى في الناس يطل تحزنه ولا يشف غيظه ومن لا يعرف نعمة الله إلا في مطعمة أو مشربة فقد قل علمه وحضر عذابه ومن لا يكن غنيًّا من الدنيا فلا دنيا له (٢). أيها الحبيب: اعلم أن شهوة الفرج والعين هي أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل، إلا أن مقتضاها قبيح يستحيا منه ويخشى من اقتحامه، وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه، وليس في شيء من ذلك ثواب فإنه إيثار حظ من حظوظ النفس على حظ آخر: نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوائق فائدة وهي دفع الإثم، فإن من ترك الزنا اندفع عنه إثمه بأي سبب كان تركه، وإنما الفضل

стр. 17

والثواب الجزيل في تركه خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب. وزنا العين من كبائر الصغائر وهو يؤدي إلى القرب على الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج .. ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه. قال عيسى ﵇: إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنة. قال داود ﵇: يا بني امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة. وقيل ليحيى ﵇: ما بدء الزنا؟ قال: النظر والتمني وقال الفضيل: يقول إبليس هو قوسي القديمة وسهمي الذي لا أخطئ به يعني النظر (١). وقال بعض الحكماء: كل يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله وتنطوي عليها صحيفة عمله، فنخذ من نفسك لنفسك وقس يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك وزد في حسناتك قبل أن تستوفي الأجل، وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل (٢). هذه نصائح غالية ودرر ثمينة ممن يعرفون عظم الذنب وقدر من يطلع على السرائر فيخافون ربهم ويخشونه.

стр. 18

قال يحيى بن معاذ: ألا إن العاقل المصيب من عمل ثلاثا: ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه (١). أيها الشاب: إن إطلاق البصر فيما لا يحل ذنب قد يؤدي بك إلى المهالك وقد ترى أثره في الدنيا قبل الآخرة كما قال حماد بن زيد ﵁: إذا أذنب العبد بالليل أصبح ومذلته في وجهه (٢). يا راقدًا الليل مسرورًا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت مسلطة ... مر الجديدين إقبالاً وإدبارا يا من يكابد دنيا لا مقام بها ... يمسي ويصبح في دنياه سيارا كم قد أبادت صروف الدهر من ... ملك قد كان في الأرض نفاعا وفضول النظر يدعو إلى الاستحسان، ووقوع صورة المنظور في قلب الناظر؛ فيحدث أنواعا من الفساد في قلب العبد. منها: ما ذكره رسول الله ﷺ كما جاء في المسند: "والنظرة سهم من سهام إبليس؛ فمن غض بصره لله أورثه حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه" (٣). منها: دخول الشيطان مع النظرة، فإنه ينفذ معها أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، ليزين صورة المنظور، ويجعلها صنما

стр. 19

يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوات ويلقي حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة. منها: أنه يشغل القلب، وينسيه مصالحه، ويحول بينه، وبينها؛ فيفرط عليه أمره، ويقع في اتباع الهوى والغفلة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١) [الكهف: ٢٨]. قال: داود الطائي: كانوا يكرهون فضول النظر (٢). والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد الخطرة ثم تولد الخطرة فكره، ثم تولد شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة حازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع مانع، وفي هذا قيل الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. قيل: إن حسان بن ثابت ﵁ خرج يوم عيد، فصلى ثم عاد إلى زوجته فقالت له: يا حسان كم رأيت من وجه مليح؟ فقال: والله ما رفعت طرفي ولا علمت ما كان من الناس ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نظر إلى ما لا يحل له حرم الله عليه النظر إلى وجهه وألقاه في النار" (٣).

стр. 20

وهذه الدنيا مزرعة الآخرة ودار عمل وتعب ونصب فإن أحسن العبد فيها فهنيئا له وإن قصر وفرط ندم في يوم تشخص فيه الأبصار. قال أحمد تنهدت عند أبي سليمان الداراني يوما فقال: إنك مسئول عنها يوم القيامة فإن كانت على ذنب سلف فطوبى لك وإن كانت على فوت دنيا أو شهوة فويل لك (١). قال الثوري: يسألون والله عن كل شيء حتى التبسم فيم تبسمت يوم كذا وكذا، فذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. أخي الحبيب: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا للناظرين قريب قال الله في كتابه العزيز: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]. قال علماء التفسير: كان هذا الإنسان المذكور عابدًا في صومعة له، مشهورًا بالعبادة، ومشهورًا بالزهادة يستشفى بدعائه المرضى، وإذا عرض بأحد مرض أو جنون حمل إلى صومعته ليدعو له ليبرأ فمرضت ابنة بعض كبراء البلدة. ذات جمال فجاءوا بها

стр. 21

ومضوا، فلما خلا بها نظر إليها فأعجبته، فواقعها فعلقت (حملت) منه، فجاءه الشيطان الذي أغراه حتى نظر إليها، وأمنه الفتنة حتى خلا بها، فقال له: اقتلها وادفنها في جانب الصومعة، فإذا جاءوا يطلبونها تقول: ماتت فيقبلوا قولك لموضعك عندهم، وإلا أتوا فرأوها حبلى منك، فتفضح وربما قتلوك، فقبل منه وقتلها ودفنها، فلما جاء أهلها أخبرهم بموتها، وأنه دفنها فصدقوا قوله ومضوا. فمضى الشيطان إلى إخوتها وأخبرهم بخبر العابد وفعله بأختهم وقتله لها، وقال: علامة ذلك دفنها في الموضع الفلاني من صومعته فجاءوا إلى العابد، ودخلوا الصومعة ونبشوا الموضع، فوجدوا ابنتهم فأخذوا العابد ليصلبوه فلما رقي به الخشبة ليصلب أتاه الشيطان فقال له: أعلمت أني فعلت بك هذا كله وأنا أقدر أن أخلصك مما أنت فيه؟ فقال: افعل، قال: بشرط أن تسجد لي سجدة واحدة، أخلصك فسجد له فكفر بها وصلب، فولى الشيطان عنه يقول: إني بريء منك. فاغتر أولاً بعبادته واغتر آخرًا بعدة عدوه، فهكذا العبادة بالجهل، يخيل لصاحبها الأمن، وكان سبب هلاك هذا العابد نظرة أصابه فيها سهم من الشيطان، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بالعبادة، وقبول العام، ولا يأمن من فتنة النظر على مر الأيام. ولعظم الأمر المترتب على النظر وما يقود إليه من فساد وربما الوقوع في فاحشة الزنا فقد حرمه الله سبحانه ورحمة بعباده لئلا يقعوا في تلك الجريمة الشنعاء تلك الجريمة التي خص الله حد فاعلها بخصائص قال ابن القيم ﵀: خص سبحانه حد الزنا من بين

стр. 22

الحدود بثلاث خصائص: أحدهما: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة. الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنت ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره. وهذا وإن كان عاما في سائر الحدود، ولكن ذكر في حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله. وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه. وأيضا فإن هذا ذنب غالبا ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه،

стр. 23

وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان، وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقا لربه تعالى في أمره ورحمته. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر (١). وأعقل الناس من لم يرتكب سببًا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه كان وهيب بن الورد يقول: خلف الله على قدر قدرته عليك واستح منه على قدر قربه منك. وقال له رجل عظني فقال له: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك أيها المسلم: تخشى رجال الحسبة والأمن وعامة الناس، ولا تخشى الله وهو مطلع على خلوتك وسريرتك، لا يبلغ بك الجهل أن يكون الله أهون الناظرين إليك. أخي الحبيب: هاك جواب لمن يبرر النظرة الثانية وأنها تطفئ لهب النظرة الأولى .. سئل ابن قيم الجوزية: ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق

стр. 24

حبها بقلبه واشتد عليه الأمر، فقالت له نفسه، هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها، فهل يجوز له تعمد النظر ثانيًا لهذا المعنى؟ فكان الجواب: الحمد لله لا يجوز هذا لعشرة أوجه: أحدها: أن الله سبحانه أمر بغض البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد. الثاني: أن النبي ﷺ سئل عن نظرة الفجأة، وقد علم أنه يؤثر في القلب فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر. الثالث: أنه صرح بأن الأولى له وليست له الثانية، ومحال أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له. الرابع: أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقصه، والتجربة شاهدة والظاهر أن الأمر كما رآه أول مرة فلا تحسن المخاطرة بالإعادة. الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابه. السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسن لتتم البلية. السابع: أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرمه عليه، بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة. الثامن: أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس،

стр. 25

ومعلوم أن الثانية أشد سمًا فكيف يتداوى من السم بالسم. التاسع: أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق في ترك محبوب كما زعم، وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه، فإن لم يكن مرضيًا تركه، فإذا يكون تركه، لأنه لا يلائم غرضه لا لله تعالى، فأين معاملة الله سبحانه بترك المحبوب لأجله؟ العاشر: يتبين بضرب مثل مطابق للحال، وهو: أنك إذا ركبت فرسًٍا جديدًا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها، فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر، وان توانيت حتى ولجت وسقتها داخلاً ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها، فهل يقول عاقل: إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل؟ فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب، فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهل علاجه، وإن كرر النظر ونقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة فلا تزال شجرة الحب تنمى، حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به فيخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن ويلقى القلب في التلف.

стр. 26

والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولاً لاستراح قلبه وسلم، وتأمل قول النبي ﷺ : "النظرة سهم من سهام إبليس" فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه وإلا قتله ولا بد. قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل ينظر إلى المملوكة قال: أخاف عليه الفتنة، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلاء (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أمر الله في كتابه بغض البصر، وهو نوعان: غض البصر عن العورة وغضها عن محل الشهوة، والثاني أشد من الأول. وأما ما يجوز من النظر إلى الأجنبية لحاجة ما ففي، حالات: منها: إذا أراد الرجل التزوج بامرأة فإنه يجوز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها وما يدعو إلى نكاحها، لما روى جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة فاستطاع أن ينظر إلى ما يدعه إلى نكاحها، فليفعل" (٢) يعني الوجه والكفين وهي مستترة، ولا يباح له النظر إلى جسمها، ولا شيء من عورتها بحال. الحالة الأخرى: إذا أردت شراء جارية، فيجوز أن تنظر إلى

стр. 27

ما دون السرة والركبة، ومواضع التقليب لأجل الشراء لا متمتعا بالنظر عبثا، فإن قصد التمتع بالنظر، وأظهر إرادة الشراء، كان عاصيا لمولاه، كاذبا في دعواه، كمن يظهر أخوة النسوان بناموس الزهد، وقصده التمتع بمعاشرتهن، فهو ملعون ممقوت عند الله، مارق عن شريعة رسول الله ﷺ . الحالة الأخرى: في المعاملة المفتقرة إلى الشهادة عليها، والتعريف لها، للرجوع بالعهدة، إلى غير ذلك مما تدعو إليه ضرورة المعاملة فينظر الشاهد إلى وجهها، لتحقيق الشهادة، لا ليتمتع بالمشاهدة، فإن قصد هذا فسق وعصى، وإن كان الأولى صيانتهن عن المعاملات المفضية إلى هذا النوع من تبذلهن، والتعرض لفتنتهن، والافتتان بسببهن. ويجب على من نظر للحاجات المذكورة أن يتحفظ يقصر نظره على محل الضرورة، ولا يتعدى إلى التمتع فيقع في الخطر والتحريم والفتنة. والحالة الأخرى: يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى المحل الذي تدعو الضرورة إلى نظر إليه لمداواة العلة. كما أبيح النظر إلى العورة لوجوب الختان ضرورة. وربما تسامح بعض الجهال من العوام في نظر الأخ إلى زوجة أخيه، والمرأة تنظر إلى زوج أختها، لا سيما إن اجتمعوا في منزل واحد، وربما خلا كل واحد من الأخوين بزوجة الأخرى في غيبته،

стр. 28

وكل ذلك محرم ممنوع شرعًا، لا يسيغه مذهب. وقد روى عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو؟ فقال ﵇: " الحمو الموت " وروي فيه أنه قال: "الحمو القبر". قال العلماء: أراد بالحمو ههنا أخا الزوج. فانظر كيف كان بالغ في الزجر عن التسامح في نظر أخي الزوج إلى امرأة أخيه، حتى آثر الموت في القبر عليه ومن سد الأبواب التي تؤدي إلى النظر وما وراءه أنه لا يجوز الدخول على من غاب عنها زوجها، وإن كان قد وكله بأمرها أو نفقتها، فضلا عن من هو أجنبي منه ومنها (١). قال ابن عباس ﵄: لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء، وكفر من بقى من قبل النساء (٢). والإسلام عندما حرم النظر إلى ما لا يحل فإنه أيضا سد جميع الوسائل التي تفضي إلى تحريك الشهوة والوقوع في الحرام حتى ولو كان بالوصف أو بالتشبيه، لأن الأذن تعشق قبل العين أحيانا. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" (٣).

стр. 29

فانظر رحمك الله كيف نهى عن وصف المرأة المرأة لزوجها صفة امرأة أجنبية؛ لئلا تسمو همته إليها، لأن الوصف يقوم مقام النظر، كل ذلك احتياط وزجر عن النظر ما يدانيه. وقد روي عن ابن عباس ﵄، قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين بالنظر، وزنى اللسان النطق، زنى اليدين اللمس، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" (١). فسمى النظر إلى غير المحارم، والحديث معهن ولمسهن أجزاء من الزنى الحقيقي، الذي يصدق إلى تحقيقه الفرج، ويصدقه في وجوب الحد في الدنيا، واستحقاق النار في الأخرى. وفي الحديث الآخر عن المصطفى ﷺ أنه قال: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس". معناه: أن النظر من الرجل إلى المرأة، أو المرأة إلى الرجل سهم يرمي به العدو إلى النفس والقلب، فقد يهلكها دنيا وأخرى، كالسهم، المسموم؛ لأنه يجرح الظاهر بحده، ويفسد الباطن بسمه. وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع

стр. 30

خطاه قربة. ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل، وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطوات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] (١). كتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتاك ورقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك والسلام (٢). أيها الشاب: دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب

стр. 31

عليك الانتقال عنها (١). ولا تنس أن كل ذلك في صحائفك التي ستنشر لك وتراها يوم القيامة إن خيرا فخيرا وإن شرًّا فشر. نموت ونبلى غير أن ذنوبنا ... إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى (٢) أخي الحبيب: التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات. الثانية: حميتها عن المكروهات. الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يغني. فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته (٣). واعلم أن باب الخير مفتوح وكذلك باب الشر، فجاهد نفسك وخذها بقوة تستقم أمورك ويصلح حالك وتفوز في العاجلة والآجلة. من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات (٤). عليك أيها الشاب بنصيحة اجتهد في تطبيقها وسترى أنها

стр. 32

ستثمر في قلبك حلاوة وخيرا. عن أبي روح عن أنس قال: إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك (١). وماذا يضرك لو أغمضت عينيك وصرفت بصرك طاعة لله ولرسوله؟ إنها أسهل من النظرة الثانية وما بعدها ثم الحساب والجزاء. وفي غض البصر عدة فوائد: أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره، دامت حسرته، فأضر شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه. الفائدة الثانية: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه. الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة، فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب، صحت الفراسة. الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب. الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة.

стр. 33

الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سرورًا وفرحة وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته، وحبس شهوته لله، وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء، أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها. الفائدة السابعة: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه. الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه بابًا من أبواب جهنم، فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمتى هتك الحجاب، ضري على المحظور، ولم تقف نفسه منه عند غاية فإن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها، وذلك أن لذتها في الشيء الجديد. الفائدة التاسعة: أنه يقوي عقله، ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه، لما أطلق بصره. الفائدة العاشرة: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق. فالنظر كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر، فإن سكران الخمر يفيق،

стр. 34

وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات. وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهنا عليه تنبيهًا (١). أيها الشاب: إن مما يعين على غض البصر المسارعة إلى الزواج قال ﷺ حاثًا على ذلك: " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر واحفظ للفرج" (٢). وقال عمر ﵁: لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور (٣). وكان ابن مسعود ﵁ يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزبًا (٤). واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة فسأل من أعقلهما؟ فقيل العوراء، فقال: زوجوني إياها (٥). وتأمل في نظرتهم العلوية في اختيار الزوجة وأن هذه الدار دار عمل وجد. إنها أنفس سمت عن هذه الدنيا وفتنتها وتطلعت إلى جنة عرضها السموات والأرض.

стр. 35

قال: شميط بن عجلان: رحم الله رجلاً تبلغ بامرأة وإن كانت نصفًا، وكان في وجهها رداءة، أن كان موقنًا بنساء أهل الجنة (١). قال ابن طاوس: قلت لأبي: أريد أن أتزوج فلانة قال: اذهب فانظر إليها قال: فذهبت فلبست من صالح ثيابي وغسلت رأسي وادهنت، فلما رآني في تلك الهيئة قال: اقعد لا تذهب. وما ذاك إلا لأنه تجاوز الحد الذي يخشى والده عليه وعليها أيضا. كان مالك بن دينار: ﵀ يقول: يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤنة ترضى باليسير، ويتزوج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا، فتشتهي عليه الشهوات وتقول اكسني كذا وكذا (٢). تلك هي نظرتهم للزواج الإسلامي أنه مودة ورحمة وسكن وراحة وهو قبل ذلك من أنواع العبادة التي يحبها الله ورسوله، فيها إعفاف مسلمة وحسن معاشرة وإنفاق وصدقة وصلة رحم وذرية يعبدون الله ويوحدونه ويجاهدون لإعلاء دينه .. وفيها ما شاء الله من الخير والأجر ... قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

стр. 36

ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر لكل أبٍ بنت يراعي شئونها فبعل يراعيها وخدر يكفها ... وقبر يواريها وأفضلها القبر (١) روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ أنها قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني (٢). وقال أبو هاشم الزاهد: أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله (٣). فإن من حسن خلقه وجمل أفعاله رأى ذلك في تصرفاته وأفعال أهله، وهل هو إلا صورة لمنزله ينعكس ضوءه فينير دروب الزوجة والأبناء؟ وفي حسن العشرة وكمال الخلق تسير مركبة الأسرة في بحور من نور كل منهم يشد الآخر ويدله على طريق الآخرة، يتجاوز عن زلله ويصفح عن خطئه. قال عمرو بن العاص: لا أمل ثوبي ما وسعني، ولا أمل

стр. 37

زوجتي ما أحسنت عشرتي ولا أمل دابتي ما حملتني، إن الملال من سيئ الأخلاق (١). وهذه صورة مشرقة من صور صدر الإسلام .. تعيدك قرونا لترى حال الآباء والأجداد ممن صنعوا مجد هذه الأمة بإيمانهم وأعمالهم. عن مالك بن دينار قال: لما أتى عمر ﵁ الشام طاف بكورها (مدنها) قال: فنزل بحضرة حمص، فأمر أن يكتبوا لهم فقراءهم قال: فرفع إليه الكتاب فإذا فيه سعيد بن عامر بن حزيم أميرها، فقال من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا، قال: أميركم؟ قالوا: نعم، فعجب عمر ثم قال: كيف يكون أميركم فقيرًا، أين عطاؤه، أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئًا، قال فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار فصرها، ثم بعث بها إليه وقال: أقرئوه مني السلام وقولوا بعث بهذه إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك. قال فجاء بها إليه الرسول فنظر فإذا هي دنانير، قال فجعل يسترجع، قال: تقول له امرأته: ما شأنك أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت فما شأنك قال: الدنيا أتتني الفتنة دخلت عليَّ، قالت: فاصنع فيها ما شئت، قال: عندك عون؟ قالت: نعم قال: فأخذ دريعة قميص المرأة فصر الدنانير فيها مرارا ثم جعلها في مخلاة ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها، فقالت له امرأته: رحمك الله لو كنت حبست منها شيئًا نستعين به، قال:

стр. 38

فقال لها إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت بريح مسك (١) وإني والله ما كنت لأختارك عليهن، فسكتت: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب ولا تنقريني نفرك الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب؟ ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباك قلبي والقلوب تقلب فإن رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب (٢) أيها الحبيب: تعدد الزوجات أمر مندوب إليه لمن استطاع العدل فكيف حالهم ﵏ في هذا العدل؟ وكيف حفظوه وقاموا به؟ هذه صورة من ذلك العدل وتلك الصور المشرقة في حياتهم كما يفعل البعض من الظلم وقهر إحدى الزوجتين على حساب الأخرى. كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء (٣) (٤).

стр. 39

وعندما وقع طاعون (عمواس) (١) توفيت زوجتاه في يوم واحد وكان الناس في شغل عن حفر قبر لكل إنسان لكثرة الموتى بسبب هذا الوباء، فدفنهما رضى الله عنه في قبر واحد، ولكنه من شدة عدله أسهم بين زوجتيه في أيتهما تقدم في اللحد أولاً: أما احتمال أذى الزوجة والصبر عليها وعلى سوء خلقها فإنه من صلاح الحال والصبر على العيال .. فقد راجعت امرأة عمر ﵁ في الكلام، فقال: أتراجعيني يا لكعاء فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك (٢). واعلم أيها الحبيب أنه ليسن حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداءً برسول الله ﷺ فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل (٣). وعند نهاية العشرة الزوجية فإنه يبقى للمؤمنة حقها في الحفظ والصون ويبقى الفضل مذكورًا والخير منشورًا، أولئك الرجال الذين غشى قلوبهم الإيمان وزينهم بتعاليمه وأفاض عليهم من آدابه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 40

يروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ فقال: مالي ولامرأة غيري (١). سبحان الله ما أعظم إيمانهم وما أصدق سرائرهم وما أحفظ ألسنتهم لو لحظت الأمر اليوم كيف حال النساء وسوء عشرتهن وإيذائهن وظلمهن قبل الطلاق وبعده. لرأيت اختلال الموازين ونقص المكاييل. أخي الحبيب: رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس. وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقا يلتذ به. ولذلك سببان: أحدهما: أن تكون غير غاية في الحسن. والثاني: أن كل مملوك مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه. فتراه يضج ويشتهي شيئًا يحبه أو امرأة يعشقها، ولا يدري أنه إنما يطلب قيدًا وثيقًا يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة أو في أي علم أو عمل، ويخبطه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه.
следующие страницы →