← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95673

اصبر واحتسب

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يعاقبه, فيكون كالبعير عقلوه ثم أطلقوه فلا يدري فيم عقلوه؟ حين عقلوه, ولا فيم أطلقوه حين أطلقوه؟ (١). وحين ضربت أم إبراهيم العابدة دابة فكسرت رجلها, فأتاها قوم يعزونها فقالت: لولا مصائب الدنيا وردنا مفاليس (٢). أخي: لئن ساءني دهر سرني دهر ... وإن مسني عسر فقد مسني يسر لكل من الأيام عندي عادةٌ ... فإن ساءني صبرٌ وإن سرني شكر (٣) قال ابن المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر, ومن جزع فما أقل ما يتمتع (٤). وتأمل في قول أبي سعيد الحزار: العافية سترت البّر والفاجر, فإذا جاءت البلوى يتبين عندها الرجال (٥). وانظر إلى -رحمة الله- بالعباد وعظيم إحسانه .. قال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة, فانتزعها منه, فعاضه مكانها الصبر, إلَّا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه (٦).

стр. 37

ويجب على المؤمن أن يكون شاكراً في نعمائه صابراً في ضرائه منيباً إلى ربه في جميع أحواله وفي حديث ابن عباس -رضى الله عنهما - عن النبي ﷺ أنه قال: "احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده أمامك, تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". فمن تعرف إلى الله في النعمة والرخاء عرفه الله وحفظه حين الضراء والبأساء ولكن .. نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب (١) قال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعّاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ معروف فشفعوا له, وإذا كان ليس بدعّاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ ليس بمعروف فلا يشفعون له. وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني, فقال: اذكر الله في السراء يذكرك الله في الضراء (٢). فمن خاف الله وحفظه في صحته, حفظه في مرضه, ومن راقب الله في خطرٍ حرسه الله في حركاته وسكناته (٣). وقال بعض السلف: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة,

стр. 38

أكثرت فيها قرع باب سيدك (١). قال أبو الدرداء: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك, وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت وما بعده أشدّ منه إن لم يكن مصير الصبر إلى خير (٢). فالسعادة كلها في طاعة الله والأرباح كلها في معاملته, والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته, إن ربنا لغفور شكور, أفاض على خلقه النعمة, وكتب على نفسه الرحمة. يُطاع فيشكر, وطاعته من توفيقه وفضله. ويُعصى فيحلم, ومعصية العبد من ظلمه وجهله, ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له, الحسنة عنده بعشر أمثالها, أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان, والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران, وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان, إن ربنا لغفور شكور, بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار, وسماء عطاء لا تقلع عن الغيث, بل هي مدرار, ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار, لا يلقى وصاياه إلا الصابرون, ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون, ولا يهلك عليه إلا الهالكون, ولا يشقى بعذابه إلا المتمردون.

стр. 39

أهل شكره أهل زيادته, وأهل ذكره أهل مجالسته, وأهل طاعته أهل كرامته, وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته (١). أخي الكريم وطِّن نفسك على الشكر حين الشكر وعلى الصبر حين المصيبة فإن الدنيا لا تخلو من أمرين حلوٌ ومُر وسعادة وشقاء .. وصفاءٌ وكَدرَ. لا بد للمرء من ضيق ومن سعة ... ومن سرور يوافيه ومن حزن والله يطلب منه شكر نعمته ... ما دام فيها ويبغي الصبر في المحن فما على شدة يبقى الزمان يكن ... ولا على نعمة تبقى على الزمن (٢) قال سفيان الثوري: ما كان الله ليُنعم على عبدٍ في الدنيا فيفضحه في الآخرة, ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه (٣). وفي الحديث عن أبي يحيى صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراًَ له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له". [رواه مسلم].

стр. 40

وما ننعم به من نعم الأمن وسعة العيش وتيسر المواصلات وكثيرٌ لا يحصيه إلا الله إنما هى بلية إذا لم تكن مما يقرب إلى الله وإذا لم تكن وسيلة إلى الطاعة والعبادة. قال سلمة بن دينار: كل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية (١). ويجب أن نستفيد من هذه النعم في الدعوة إلى الله وإلى نشر العلم الشرعي بين الناس وإلى كل عمل يحبه الله ويقربنا إليه زلفى. قال يونس بن محمد المكي: زرع رجل من أهل الطائف زرعاً, فلما بلغ أصابته آفة فاحترق فدخلنا عليه لنسليه فيه, فبكى وقال: والله ما عليه أبكي ولكن سمعت الله تعالى يقول: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (٢). فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة, فذلك الذي أبكاني (٣). احمد الله على كل حال ... إنما الدنيا كفيء الظلال إنما الدنيا مناخٌ لراكب ... يسرع الحث بشد الرحال

стр. 41

ربَّ مغترٍ بها قد رأينا نفسه فوق رقاب الرجال (١) قال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز نعوده, فخرج إلينا ابنه, وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه, فقال الحسن: إن أباك إن يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه, خير من أن يأكله التراب (٢). وليعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقى عليه, ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يُبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته, فلينظر أي المصيبتين أعظم, مصيبته العاجلة بفوات محبوبه, أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "يود ناسٌ لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل الدنيا". وليعلم المصاب الجازع, وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثابٌ عليه. فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه (٣). وقد نظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن

стр. 42

حاتم كئيباً فقال: يا عدي مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني؟ فقال: يا عدي, من رضي بقضاء الله كان له أجر ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله (١). وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجها, فدخل يوماً على الوليد في ثياب وش, وله غديرتان, وهو يضرب بيديه, فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش, فعانه فخرج من عنده متوسناً. فوقع في إصطبل الدواب, فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات. ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة, فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك, فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة, فغشي عليه, ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر, فأخذها وجعل يقبلها في يده, ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام, ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله. ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة, ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين, فلما قدم من عند الوليد إلى المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه, فجعل يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا, ولم يزد عليه ثم قال: لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة, فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام

стр. 43

هنالك. فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أباً لشانئك, أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها, فلما كشف عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع, قد أبقى الله أكثرك, عقلك ولسانك وبصرك ويديك وإحدى رجليك فقال له: يا عيسى؛ ما عزاني أحدٌ بمثل ما عزيتني به. ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئاً كيلا تشعر بالوجع فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره (١). وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة بن الزبير الأكلة وقطعت, ولم يدع تلك الليلة وردة وقطعت ولم يمسكه أحد (٢). رحمنا الله أين نحن من هؤلاء؟ قال عبيد الله بن أبي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة, قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا والله. ولكنه أحسن إليّّ وأعانني قال: فهل سألته شيئاً فلم يعطكه؟ قلت: وهل منعني شيئاً سألته؟ ما سألته شيئاً قط إلا أعطاني, ولا استعنت به إلا أعانني, قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت

стр. 44

أقدر له مكافأة ولا جزاء, قال: فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديماً وحديثاً إليك والله لشكره أيسر من مكافأة عباده, إنه ﵎ رضي من العباد بالحمد شكراً (١). وعندما سئل سفيان بن عيينة عن الزهد في الدنيا فقال: إذا أنعم عليه فشكر, وإذا ابتلي ببلية فصبر, فذلك الزهد (٢). وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ يبكي ويرددها ويقول: إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا (٣). فاللهم ارحمنا برحمتك والطف بنا في قضائك وارحم ضعفنا واجبر كسرنا. أخي .. عندما نسمع ما حل بالقوم ورضاهم عن الله -جل وعلا- وصبرهم على المصائب واحتسابهم الأجر .. نرى البون الشاسع بين حالنا وحالهم .. لنستمع إلى هذه الواقعة .. ونقيسها على ما بنا من مصائب ومحن .. إنها نقطة في بحر ورذاذٌ من مطر. قال حكيم من الحكماء: مررت بعريش مصر وأنا أريد الرباط فإذا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ورجلاه, وبه أنواع البلاء وهو

стр. 45

يقول: الحمد لله حمداً يوافي محامد خلقك بما أنعمت عليّ وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا, فقلت: لأنظرن شيء يملكه أم ألهمه الله إلهاماً؟ فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده أم على أي فضيلة تشكره, فوالله ما أرى شيئاً من البلاء إلا هو بك, فقال: ألا ترى ما قد صنع بي؟ فوالله لو أرسل السماء عليَّ ناراً فأحرقتني, وأمر الجبال فدكتني وأمر البحار فأغرقتني, ما ازددت له إلا حمداً وشكراً, وإن لي إليك حاجة: بنيَّة كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحس بها؟ فقلت: والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربةً إلى الله فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون من أين آتي هذا العبد الصالح فأخبره بموت ابنته؟ فأتيته فقلت له: أنت أعظم عند الله منزلة أم أيوب ﵇؟ ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضاً للناس, فقال: لا, بل أيوب, قلت: فإن ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السبع قد أكلها. فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء فشهق شهقة فمات (١). اعلم أخي أن من حسن التوفيق وأمارات السعادة الصبر على الملمات والرفو عند النوازل (٢).

стр. 46

تنكر لي دهري ولم يدر أنني أغر وأحداث الزمان تهون ... وظل يريني الدهر كيف اغتراره وبت أريه الصبر كيف يكون (١) فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا وإما أن لا يقول آمنا, بل يستمر على عمل السيئات, فمن قال: آمنا, امتحنه الرب وابتلاه, وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب, ومن لم يقل: آمنا, فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته, فإن أحداً لن يعجز الله تعالى, هذه سنته تعالى يُرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذونهم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه, فابتلي بما يؤلمه, وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل له ما يؤلمه أعظم وأدوم, فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت, لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً, ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة, والكافر تحصل له النعمة ابتداءً ثم يصير في الألم (٢).

стр. 47

والمصائب لا تكون فقط في موت حبيب أو قريب بل وليست مخصوصة بمرضٍ ونحوه بل كل ما أصابك حتى وإن صغر فهو مصيبة تُحتسب عند الله. انقطع شسع نعل عمر بن الخطاب فاسترجع وقال: كل ما ساءك مصيبة (١). فليتنا نداوم على الاسترجاع في كل ما أساءنا لعل الله أن يعوضنا خيراً منها. وليعلم العبد أن ما أصابه هو بسبب ذنوبه ويعفو جل وعلا عن كثير. قال عبد الله بن السري, قال لي ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل علي به الدين, قلت لرجل من أربعين سنة: يا مفلس. قال أبو سليمان الداراني: قَلَّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون, وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نؤتى (٢). وشكا ابن أخ للأحنف بن قيس وجع ضرسه فقال له الأحنف بن قيس: لقد ذهبت عيني من أربعين سنة ما ذكرتها لأحد (٣).

стр. 48

ولنستمع إلى التوجيه النبوي الكريم: "إذا أصاب أحدكم همّ أو لأواء, فليقل: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً". وقال ﷺ : "المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء". ومن عرف حقيقة الدنيا وعرف أن الله يختار للعبد ما فيه خيرٌ له رضي بذلك فإن الله أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين. قال عمر -رضى الله عنه-: ما أبالي أصبحت على عسر أو يسر لأني لا أدري أيهما خيرٌ لي (١). وفي الأثر: يا ابن آدم: البلاء يجمع بيني وبينك, والعافية تجمع بينك وبين نفسك (٢). والله ﵎ يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وصبره ورضاه بما قضاه عليه, فهو يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها, ويعلم خائنة أعينهم وما تخفي صدورهم, فيثيب كل عبد على قصده ونيته, وقد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣).

стр. 49

أخي الحبيب: عليك بالصبر إن نابتك نائبة ... من الزمان ولا تركن إلى الجزع وإن تعرضت الدنيا بزينتها ... فالصبر عنها دليل الخير والورع (١) قال الحسن: ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم (٢). قال بعض السلف: فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة (٣). وقد قال الفضيل بن عياض: إذا أحب الله عبداً أكثر غمه, وإذا أبغض عبداً وسع عليه دنياه (٤). ومن تسلية أهل المصائب: أن ينظر المصاب ويفرق بين أعظم اللذتين والمتعتين تمتع الحياة الدنيا الفانية, وتمتع الدار الآخرة الباقية, وأدومهما لذة وتمتعاً بما أصيب به, ولذة تمتعه بثواب الله له على قوله وفعله من استرجاع وصبر ونحوه فإن ظهر له الرجحان فآثر الراجح فليحمد الله على توفيقه له. وإن آثر المرجوح من كل وجه

стр. 50

فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه, أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه (١). وعن سفيان قال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة (٢). وهذا عكس فهمنا اليوم فنحن نعد الرخاء نعمة والبلاء مصيبة .. وما ذاك إلا من ضعف علمنا وقصر فهمنا وحبنا للدنيا الفانية ورغبتنا في الراحة والدعة. قال سفيان ﵀ قد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها (٣). والغالب اليوم ينسى الدعاء حتى تصيبه المصائب, والله -جل وعلا- يحب عبده الداعي .. فيجب -يا أخي- الإكثار من الدعاء في حال العافية والسلامة ومتى ما أصيب الإنسان كانت الحاجة إلى الدعاء أكبر لتفريج الهم وإزالة البلاء. مر الربيع بن أبي راشد برجل به "زمانة" (٤) فجلس يحمد الله ويبكي, فمر رجل فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ فقال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة بأهل العافية, وأهل النار بأهل

стр. 51

البلاء فذلك الذي أبكاني (١). وقال أبو الدرداء وكأنة يرى حالنا الآن: تلدون للموت وتعمرون للخراب وتحرصون على ما يفنى, وتذرون ما يبقى, ألا حبذا المكروهات الثلاث: الموت والمرض والفقر (٢). والأمر اليوم خلاف ذلك ولكن يا أخي من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً ولساناً ذاكراً شكوار. جاء أحمد بن صالح يوصى أبا عبدالله "أحمد بن حنبل" يوماً وقد بل أبو عبد الله خرقة فألقاها على رأسه فقال له أحمد بن صالح: يا جدي أنت محموم, قال أبو عبدالله: وأنى لي بالحمى؟ لم يتجزع ﵀ ولم يخبر بمرض أو يشتكي. أين نحن من هؤلاء؟ ! كثير الآن قبل أن تسأله يروي لك رحلته مع الأطباء وأنه ما نام البارحة ولا ذاق طعاماً ولا شرب شراباً, حديثٌ طويل .. ثم يُعدد بعد ذلك أنواع الأدوية التي يأخذها .. ويُعرج في حديثه على مستوى الأطباء وخدمات المستشفى .. ولا ينسى أن يلوم فلانٌ وفلان .. لأنهم لم يزوروه. حديثٌ طويل .. الصبر والرضا .. ليسا فيه. قال الفضيل لرجل يشكو إلى رجل: يا هذا تشكو من يرحمك

стр. 52

إلى من لا يرحمك (١). تلذ له الشكوى وإن لم يجد بها ... صلاحاً كما يتلذ بالحكَّ أجربُ (٢) ولكن لنعود لمريض من سلفنا كيف كانت زيارته وماذا يقول لزائريه؟ قال عبدالعزيز بن أبي روّاد: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة, فكأنه رأى ما شق عليَّ منها, فقال: تدري ما لله عليَّ في هذه القرحة من نعمة؟ قال: فسكت فقال: حيث لم يجعلها على حدقتي ولا طرف لساني ولا على طرف ذكري, قال: فهانت علي قرحته (٣). أخي الحبيب: ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة ويتجنب المحظورات فحسب, إنما المؤمن هو الكامل, لا يختلج في قلبه اعتراض, ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة, وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه, وقد يدعو فلا يرى للإجابة أثراً, وسره لا يتغير لأنه يعلم أنه مملوك وله مالكٌ يتصرف بمقتضى إرادته, فإن اختلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة, كما جرى لإبليس والإيمان القوي يبين أثره عند قوة

стр. 53

البلاء (١). قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم: عند قوله ﷺ : "ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة" وفي رواية: "إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه خطيئة" قال: وفي هذه الأحاديث بشارةُ عظيمة للمسلمين فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور, وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها (٢). وروي في الخبر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: يا رسول الله كيف الفرح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله ﷺ : "غفر الله لك يا أبا بكر؟ ألست تمرض؟ أليس يصيبك الأذى؟ أليست تنصب؟ أليس تحزن؟ فهذا مما تجزون به". يعني أن جميع ما يصيبك يكون كفارة لذنوبك. واعلم أن العبد لا يدرك منزلة الأخيار إلا بالصبر على الشدة والأذى وقد أمر الله تعالى نبيه ﵊ بالصبر فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣).

стр. 54

وروي عن مالك بن أنس من حديث عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال: "إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال: انظرا ماذا يقول لعُواده؟ فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله -وهو أعلم- فيقول لعبدي عليَّ إن توفيته أن أدخله الجنة, وإن أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه, ودماً خيراً من دمه, وأن أكفر عنه سيئاته". وعندما مرض أبو بكر فعادوه, فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب, قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعَّال لما أريد (١). وقال أبو هريرة: إذا مرض العبد المسلم, نودي صاحب اليمين: أن أجر على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح, ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي, فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعاً, فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طلقاًَ .. ". فالحمد لله الذي أجرى الخير لابن آدم وهو لم يعمل فالحمد

стр. 55

لله ربٌ رحيم جوادٌ كريم .. وقد يحصل للعابد الجاهل بمصيبته من الجزع ما يسوء الناظر إليه, والسامع عنه, من الاعتراض على الأقدار, وما ذاك إلا لإدلاله بعبادته, فإنه قد شوهد أن خلقاً كثيراً من أهل الدين والخير عند موت أحبابهم جرى منهم أمورٌ ينكرها العقال من الناس فمنهم من خرق ثيابه, ومنهم من لطم خده, ومنهم من اعترض على القضاء والقدر (١). فلا شيء أنفع من العلم, لأن العالم لو حصل له هلعٌ شديد في مصيبته يعلم أنها زلة منه, فيدري كيف يتنفس, والعابد الجاهل كلما غاص إلى أسفل يظن أنه صاعدٌ إلى فوق فإذا امتحن الشخص ينبغي له أن يتداوى بالأدوية الشرعية (٢). أما علمت -أخي- أنه لا بد من الفرقة, ومن المرض بعد الصحة .. ومن البعد بعد القرب .. فهذه حال الدنيا. وأنت يا أخي: لن تستطيع لأمر الله تعقيباً ... فاستنجد الصبر أو فاستثمر الحُوبا وافزع إلى كنف التسلم وارض ... بما قضى المهيمن مكروهاً ومحبوبا (٣)

стр. 56

روي عن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ قال جبريل: "يا محمد عش ما عشت فإنك ميتٌ, وأحبب من شئت فإنك مفارقه, واعمل ما شئت فإنك ملاقيه". إن الموت قادم بعد الحياة والمرض بعد العافية .. نفارق من نحب ونودع من نعز .. هذه الدنيا لا تُبقي على أحد .. ولكن نعوذ بالله من عدم الصبر عند المحنة, ونسأله الثبات في الأمر, فإنه والعياذ بالله يُخاف على الشخص من سوء الخاتمة إذا سخط الأقدار, ونازع القضاء والقدر أهله, فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة. كان عبدالأعلى التيمي يقول: أكثروا من سؤال الله العافية, فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن من البلاء, وما المبتلون اليوم إلاَّ من أهل العافية بالأمس, وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كانا من رجال البلاء, إنه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة, فما يؤمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة (١). قال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئاً من ختم الخير فما دونه إلاّ بالصبر (٢).

стр. 57

وقال بعض السلف: البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر, ولا يصبر على العافية إلا الصديق (١). لا يفتر لسانك من ذكر وشكر المُنعم المتفضل ولا تنسى حال المصيبة كلمة الاسترجاع فقد تضمنت كلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون" علاجاً من الله ورسوله لأهل المصائب. فإنها من أبلغ علاج المصائب وأنفعه للعبد في عاجله وآجله, فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته. أحد الأصلين: أن يتحقق العبد أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله حقيقة, وقد جعله الله عند العبد عارية, فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير وأيضاً: فإنه محفوف بعدمين, عدمٍ قبله, وعدمٍ بعده, وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير. وأيضاً: فإنه ليس هو الذي أوجده عن عدم, حتى يكون ملكه حقيقةً ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقى عليه وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي. وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر, تصرف العبد المأمور المنهي, لا تصرف المالك, ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق مالكه الحقيقي.

стр. 58

والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق, ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره, ويأتي ربه يوم القيامة فرداً, كما خلقه أول مرة, بلا أهل ولا مال ولا عشيرة, ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات, فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله فيه, ونهايته وحاله فيه, فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا, أم كيف يأسى على مفقود, ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب. ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه (١). ولا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت, وإن كان الطبع لا يملك إلا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن, إما لطلب الأجر بما يعاني, أو لبيان أثر الرضا بالقضاء, وما هي إلا لحظات ثم تنقضي. وليتفكر المعافى من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها, أين هي في زمن العافية؟ ذهب البلاء, وحصل الثواب, كما تذهب اللذات المحرمة ويبقى الوزر, ويمضي زمان التسخط بالأقدار ويبقى العتاب. وهل الموت إلا آلام تزيد فتعجز النفس عن حملها فتذهب, فليتصور المريض وجود الراحة بعد رحيل النفس, وقد هان ما يلقى كما يتصور العافية بعد شرب الشربة المرة, ولا ينبغي أن يقع جزع

стр. 59

بذكر البلى, فإن ذلك شأن المركب, أما الراكب ففي الجنة أو في النار. وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوق عنها. فالسعيد من وفق لاغتنام العافية, ثم يختار تحصيل الأفضال فالأفضل في زمن الاغتنام. وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل ههنا. والعمر قصير والفضائل كثيرة فليبالغ في البدار فيا طول راحة التعب, ويا فرحة المغموم, ويا سرور المحزون, ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغص ولا قاطع, هان عليه كل بلاء وشدة (١). رضيت بالله في عسري وفي يسري ... فلست أسلك إلا أوضح الطرق (٢) قال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها (٣). وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ما قضى الله فيّ بقضاء فسرني أن يكون قضى لي بغيره, ما أصبح لي هوى إلا في مواقع القدر (٤). وجاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقاً في حاله ومعاشه واغتماماً بذلك فقال: أيسرك ببصرك مائة ألف؟ قال: لا,

стр. 60

قال: فبسمعك؟ قال: لا, قال فبلسانك؟ قال: لا, ثم قال يونس: أرى لك مئين ألوفاً وأنت تشكو الحاجة (١). ولننظر في حال من سبقنا ماذا يرجون في حال المرض؟ قال الحسن .. كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة لما سلف من الذنوب. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون للمريض أن يجهد عند الموت (٢). وكانوا يقولون: آخر شدة يلقاها المؤمن عند الموت (٣). ولنرى سعد بن أبي وقاص وهو المعروف بإجابة الدعوة قيل له: لو دعوت الله لبصرك -وكان قد أضّر- فقال: الله أحبّ إليّ من بصري (٤). والحمد لله حمداً كثيراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه فإن الأمر كما قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره, وكلفهم الشكر على قدرهم (٥). ومن نعم تسلية أهل المصائب: أن ينظر العبد بعين بصيرته, فليعلم أن مرارة الدنيا هى بعينها حلاوة في الآخرة, يقبلها الله تعالى, وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة, ولأن ينتقل من

стр. 61

مرارة منقطعةٍ إلى حلاوةٍ دائمةٍ خيرٌ من عكس ذلك, فإن خفي عليك ذلك فانظر إلى قول الصادق المصدوق: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات". و مما يسلي أهل المصائب: أن المصاب إذا صبر واحتسب وركن إلى كريم, رجاء أن يخلف الله تعالى عليه, ويعوضه عن مصابه, فإن الله تعالى لا يخيبه بل يعوضه, فإنه من كل شيء عوض إلا الله تعالى فما منه عوض كما قيل. من كل شيءٍ إذا ضيعته عوضٌ ... وما من الله إن ضيعته عوضُ بل يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدثه له, فمن رضي فله الرضى, ومن سخط فله السخط, فاختر لنفسك خير الحظوظ أو شرها, فإن أحدثت لك سخطاً وكفراً كنت في ديوان الهالكين, وإن أحدثت لك جزعاً وتفريطاً في ترك واجب أو فعل محرم كنت في ديوان المفرطين, وإن أحدثت لك شكايةً وعدم صبر ورضى كنت في ديوان المغبونين, وإن أحدثت لك اعتراضاً عليه وقدحًا في حكمته ومجادلة في الأقدار, فقد قرعت باب الزندقة, وفتح لك وولجته, فأحذر عذاب الله يحّل بك, فإنه لمن خالفه بالمرصاد. وإن أحدثت لك صبراً وثباتاً لله كنت في ديوان الصابرين, وإن أحدثت لك رضى بالله ورضى عن الله وفرحاً بقضائه كنت في ديوان الراضين, وإن أحدثت لك حمداً وشكراً كنت في ديوان الشاكرين الحامدين, وإن أحدثت لك محبة واشتياقاً إلى لقائه كنت

стр. 62

في ديوان المحبين المخلصين (١). عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط". فأنفع الأدوية للمصاب موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له, وإن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب, فمن ادعى محبة محبوب ثم سخط ما يحبه, وأحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه, وأسخط عليه محبوبه. وقال قتادة: قال لقمان وقد سأله رجل: أي شيء خيراً؟ قال: صبرٌ لا يتبعه أذى, قال: بأي الناس خيراً؟ قال: الذي يرضى بما أوتي, قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه, قيل: فما خير الكنز من المال أو من العلم؟ قال: سبحان الله, بل المؤمن العالم الذي ابتغى عنده خيراً وجد, وإن لم يكن عنده كف نفسه, وبحسب المؤمن أن يكف نفسه (٢). وكان الصالحون يفرحون بالشدة لما يرجون من ثوابها (٣). والشكر لله جل وعلا شكرٌ باللسان وبالعمل وأما من شكر بلسانه, ولم يشكر بجميع أعضائه, فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه, فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج

стр. 63

والمطر (١). أخي الكريم: يبين إيمان المؤمن عند الابتلاء, فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثراً للإجابة, ولا يتغير أمله ورجاؤه, ولو قويت أسباب اليأس, لعلمه أن الحق أعلم بالمصالح, أو لأن المراد منه الصبر أو الإيمان, فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا وهو يريد من القلب التسليم لينظر كيف صبره, أو يريد كثرة اللجأ والدعاء, فأما من يريد تعجيل الإجابة ويتذمر إن لم تتعجل, فذاك ضعيف الإيمان, يرى أن له حقاً في الإجابة, وكأنه يتقاضى أجرة عمله. أما سمعت قصة يعقوب ﵇: بقي ثمانين سنة في البلاء ورجاؤه لا يتغير. فإياك أخي: أن تستطيل زمان البلاء, وتضجر من كثرة الدعاء, فإنك مبتلى بالبلاء متعبد بالصبر والدعاء, ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء (٢). عزى ابن السماك رجلاً فقال: عليك بالصبر فإنه يعمل من احتسب, وإليه يصير من جزع (٣). ومن المصائب استطالة الناس وتعرضهم وكثرة قيلهم وقالهم .. استطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال له رجل: مه, فقال أبو

стр. 64

معاوية: دعه يتشفى ثم قال: اللهم اغفر الذنب الذي سلطت عليّ به هذا. وقال علي بن أبي طالب ﵁: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب, ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات (١). اشتكى ابن أخي الأحنف بن قيس وجع ضرسه فقال له الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد (٢). قال الفضيل: إذا أحب الله عبداً أكثر غمه, وإذا أبغض عبداً وسع عليه دنياه (٣). واعلم أخي: أن الزمان لا يثبت على حال كما قال ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فتارة فقر, وتارة غنى, وتارة عز, وتارة ذل, وتارة يفرح الموالي, وتارة يشمت الأعادي, فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال وهو تقوى الله (٤). ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في المصائب المختصة بذات الإنسان .. قال: رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارة بالجزع والشكوى, وتارة بالتداوي إلى أن يشتد عليهم, فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلى الصالح من وصية, أو فعل خير, أو تأهب للموت, فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها,

стр. 65

أو عنده ودائع لا يردها, أو عليه دين أو زكاة, أو في ذمته ظلامة لا يخطر له تداركها, وإنما حزنه على فراق الدنيا, إذ لا هم له سواها, وربما أفاق وأوصى بجور (١). فينبغي للمتيقظ أن لا يتأسف على ما فات, وأن يتأهب في حال الصحة قبل هجوم المرض, فربما ضاق الوقت عن عمل واستدراك فارط, أو وصية, فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه, وليحذر الجور في وصيته, فإنه من المحرمات, فإنه يمنع المستحق ويعطي من لا يستحق, فيحتاج أن يحارب نفسه وشيطانه, وليعلم أن هذا الواقع من المصائب في نفسه وماله وولده, وقع برضى مالكه وخالقه, فيجب على العبد أن يرضى بما يرضى به السيد, ويعاقب نفسه إذا جزعت, ويقول لها: أما علمت أن هذا لا بد منه, فما وجه الجزع, وإنما هي ساعة كأن لم يكن ما كان, ومن تلمح العواقب هان عليه مرارة الدواء. وعن أبي محمد الحريري قال: حضرتُ عند الجنيد قبل وفاته بساعتين, فلم يزل تالياً وساجداً, فقلت له: يا أبا القاسم قد بلغ ما أرى من الجهد, فقال: يا أبا محمد, أحوج ما كنت إليه هذه الساعة, فلم يزل كذلك حتى فارق الدنيا (٢). لم يجزع على الدنيا إلا بقدر فوات العمر بدون طاعة. فإن

стр. 66

أشدنا حباً للدنيا أشدنا جزعاً عند المصيبة. وقال إسماعيل بن عمرو: دخلنا على ورقاء بن عمر وهو في الموت, فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله وجعل الناس يدخلون عليه ويسلمون عليه, فيرد ﵈, فلما كثروا عليه أقبل على ابنه فقال: يا بُني, اكفني رد السلام على هؤلاء لا يشغلوني عن ذكر ربي (١). وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن يُهوَّنَ علي في سكرات الموت فإنه آخر ما يكفر عن المرء المسلم (٢). قال إبراهيم بن داود: قال بعض الحكماء: إن لله عباداً يستقبلون المصائب بالبشر. قال: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم (٣). ينبغي للمصاب بنفسه أو بولده أو بغيرهما, أن يجعل في المرض مكان الأنين ذكر الله -تعالى- والاستغفار والتعبد, فإن السلف -رحمهم الله تعالى - كانوا يكرهون الشكوى إلى الخلق, سأل رجل أبابكر بن عبدالله فقال: ما تمام النعمة؟ قال: أن تضع رجلاً على الصراط ورجلاً في الجنة (٤). قال الحسن وذكر الوجع .. أما والله ما هو بشر أيام المسلم

стр. 67

أيام نورت له فيها مراحله, وذكر فيها ما نسي من معاده, وكفر بها عنه خطاياه (١). قال أبو مسعود البلخي: من أصيب بمصيبة فمزق ثوباً أو ضرب سدراً فكأنما أخذ رمحاً يريد أن يقاتل به ربه (٢). أخي: إن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب وما ينال كثيراً من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والمال, وغير ذلك, فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار, وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل, وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين .. فإذا سمع في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهى وإن كان فيها راحة إلا إنها تدل على ضعف وخور, والصبر عنها دليل قوة وعز, وهى إشاعة سر الله -تعالى- عند العبد, وهى تؤثر شماتة الأعداء ورحمة الأصدقاء. لا تشكون إلى صديق حالة ... تأتيك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين مرارةٌ ... في القلب مثل شماتة الأعداء (٣)

стр. 68

قال عون: الإنسان إن سقم ندم, وإن صح أمن, وإن استغنى فتن, وإن افتقر حزن (١). وعندما سئل الأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال أن تصبر على ما تكره قليلاً (٢). وصدق والله فهو وقت قليل ثم يزول .. سحابة صيف وتنقشع ولو تأملت ما جرى لك من المصائب والآفات لرأيت كيف طواها النسيان, فإن احتسبتها فقد بقيت لك حسناتها وأجر صبرها, وإلا فقد سليت كما تسلو البهائم. ﴿وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ ونحو هذه الآيات ورأى شواهد النصر والعزة على مراحل العصور للمسلمين اطمأن قلبه ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والكفار يصيبهم من البلاء والمصائب كأي إنسان على وجه الأرض .. والعبرة بالنهايات والنجاة من النار. وقد جمع الله لعباده الصالحين السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة. قال وهب: عبد الله عابد خمسين عاماً, فأوحى الله إليه: إني قد غفرت لك, قال: أي رب وما تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله بعِرق في عنقه يضرب عليه, فلم ينم ولم يُصل, ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العِرق, فقال الملك: إن ربك

стр. 69

يقول: إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العِرق (١). وذكر عن أبي معمر الأزدي قال: كنا إذا سمعنا ابن مسعود شيئاً نكرهه, سكتنا حتى يفسره لنا, قال لنا ذات يوم: ألا إن السقم لا يكتب له أجر, فساءنا ذلك وكبر علينا, فقال: ولكن يكفر به الخطيئة فسرنا ذلك, وأعجبنا (٢). هذا من كمال علمه وفقهه ﵁ فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية به ومما تولد منها, فالطاعات ترفع الدرجات, والمصائب تحط السيئات ولهذا قال ﷺ : "من يرد الله به خيراً يصب منه"، وقال ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". فهذا يرفعه, وهذا يحط خطاياه (٣). قال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده, فإذا هو يئن, فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق, اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم, قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمتعه يقول لنفسه: اذكري المطروحين في الطرق, اذكري من لا مأوى له ولا من يخدمه (٤). صبراً جميلاً ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا

стр. 70

من خشى الله لم ينله أذى ومن رجا الله كان حيث رجا (١) قال عمر ﵁: أفضل عيش أدركناه بالصبر, ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً (٢). وقال سليمان بن القاسم: كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر, قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: كالماء المنهمر (٣). لعلك -أخي الكريم- أدركت منزلة الصبر فهي عدةٌ للنوائب والمصائب تؤجر على الصبر وترضى عن ربك على قضائه وقدره .. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. عن مسلم بن يسار .. كان أحدهم إذا برئ قيل: ليهنك الطهر (٤) (٥) أخي: لعله خطر في بالك هذه المحاورة مع الإمام الغزالي .. لعلك تقول هذه الأخبار على أن البلاء خيرٌ في الدنيا من النعم, فهل لنا أن نسأل الله البلاء, فأقول: لا وجه لذلك, ولما روي عن رسول الله ﷺ أنه كان يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وبلاء

стр. 71

الآخرة وكان يقول هو والأنبياء ﵈: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء وغيرها (١). يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة , قد رفع لك علم, فشمر إليه فقد أمكن التشمير, واجعل سيرك بين مطالعة منيته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير, فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح, إنه غفورٌ شكور, واعلم - رحمك الله - أن الأعمال بخواتيمها, فإنه ربما أضله في اعتقاده, وربما حيل بينه وبين التوبة, فينبغي للمصاب بنفسه أو بغيره أن يعلم أو يعلم لغيره أنها صبر ساعة فيتجلد ويحارب العدو جهد طاقته, فبصدقه تحصل له عليه الإعانة من الله (٢). أخي الحبيب: قال شفيق البلخي: من يرى ثواب الشدة , لا يشتهي المخرج منها. فاللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت .. أعطيت فأجزلت وقضيت فلطفت .. لا نرجو سواك ولا نلجأ إلا إليك. قال الله -جل وعلا-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ

стр. 72

وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة". [رواه الترمذي] وعنه ﷺ قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال, ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك, وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك" قال ابن جريح في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله (١). وعن ابن عباس ﵄ أنه نُعي إليه ابن له, فاسترجع وقال: عورة سترها الله, ومؤنة كفاها الله, وأجر قد ساقه الله تعالى, ثم نزل فصلى ركعتين ثم قال: قد صنعنا ما أمر الله تعالى, قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. وما دمنا على هذه الأرض نسير فوق ثراها فإننا معرضون للبلاء والمصائب تارةً في النفس وأخرى في المال وثالثة في الأبناء. هذا نبي الله ابيضت عيناه من الحزن على ابنه يوسف وهو كما قال الله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال

стр. 73

همام بن قتادة: كظيم على حزن فلم يقل إلا خيراً (١). وقد روى عن شمر أنه كان إذا عزى مصاباً قال: اصبر لما حكم ربك (٢). وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قال: لما أخذ برأس الأمر جعلناهم رءوساً (٣). وقد جمع الله للصابرين ثلاثة أمور: لم يجمعها لغيرهم وهى: الصلاة منه عليهم, ورحمته لهم, وهدايته إياهم, قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. قال بعض السلف, وقد عُزي على مصيبة نالته: ما لي لا أصبر. وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال, كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها (٤). عن محمد بن خلف قال: كان لإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة, حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانباً كبيراً, قال: فمات, فجئت أعزيه فقال كانت أشتهي موت ابني هذا, قال:

стр. 74

فقلت له: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم, رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت, وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم, وكان اليوم حاراً شديداً حره, قال: فقلت لأحدهم: أسقني من هذا الماء, قال: فنظر إليّ وقال: ليس أنت أبي, قلت: فأي أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا فنستقبلهم فنسقيهم الماء, قال: فلهذا تمنيت موته (١). أخي: إنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس, فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبتة, ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس, والابتلاء يكون بالسراء والضراء, ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوءه, فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكورا, قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). قال قيس بن الحجاج في قول الله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو (٣). وقد مات ابن لبعض قضاة البصرة, فاجتمع إليه العلماء والفقهاء, فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره, فأجمعوا أنه

стр. 75

إذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع (١). عزى رجلٌ رجلاً في ابنه فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه, فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر, فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك والسلام (٢). أما والذي لا خُلد إلا لوجهه ... ومن ليس في العز المنيع له كفو لئن كان بدء الصبر مراً مذاقه ... لقد يُجنى من غبته الثمر الحلو أخي الحبيب: من نزلت به بلية فأراد تمحيقها, فليتصورها أكثر مما هى تَهُن, وليتخيل ثوابها وليتوهم نزول أعظم منها, يرى الربح في الاقتصار عليها, وليتلمح سرعة زوالها, فإنه لولا كرب الشدة, ما رجيت ساعة الراحة, وليعلم أن مدة مقامها عنده, كمدة مقام الضيف, يتفقد حوائجه في كل لحظة, فيا سرعة انقضاء مقامه, ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل ووصف المضيف بالكرم. فكذلك المؤمن في الشدة. ينبغي أن يراعي الساعات, ويتفقد فيها أحوال النفس, ويتلمح الجوارح, مخافة أن يبدو من اللسان كلمة, أو من القلب
следующие страницы →