← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95673

اصبر واحتسب

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإهداء إلى من تكالبت عليه الأيام .. وقلب له الدهر ظهر المجن. إلى من ادلهمت السماء فوقه تنذر بالخطوب .. وأغلقت في وجهه المسالك والدروب فإذا به صابر محتسب. ما اهتز له قلب وما رف له جفن *** إلى من نامت قريرة العين برضا الله وقدره .. متوسدةً عاصفة هوجاء .. تتخطفها الأسنة وتنالها الرماح .. ما عرف الحزن إلى قلبها مدخلا وما استقرت الدمعة في عينها زمنا *** إلى من فقد الأبناء والأحباب .. والآباء والأصحاب إلى كل مؤمن مهموم .. وكل مبتلى مغموم *** عظم الله أجرك .. ورفع درجتك .. وجبر كسرك.

стр. 2

المقدمة الحمد لله الذي جعل الصبر جواداً لا يكبو, وصارماً لا ينبو, وحصناً حصيناً لا يُثلم .. والصلاة والسلام على خير الصابرين والشاكرين والحامدين محمد بن عبد الله .. وبعد: في هذه الدنيا سهام المصائب مُشرعة ورماح البلاء مُعدةً مرسلة .. فإننا في دار ابتلاء وامتحان ونكد وأحزان. وقد بلغ الضعف والوهن ببعضنا إلى التجزع والتسخط من أقدار الله .. فأضحى الصابرون الشاكرون الحامدون هم القلة القليلة. وسُنن الله في خلقه ثابتة لم تتغير وقضاؤه على عباده سائرٌ لم يتبدل .. نلاحظ أن النوازل تنزل والقوارع تطرق والناس في هذا الزمن غلبت عليهم أمورٌ أربعة: الأول: عدم الرضا والصبر والاحتساب .. بل البعض يسلو كما تسلو البهائم. الثاني: الجزع والتسخط .. وكأن الدنيا ما خلقت إلا للصفو والنعيم .. الثالث: عدم احتساب الأجر سوى في المصائب الكبيرة كالموت وغيره وتناسوا أن الأمر سواء على كل ما يسوء المرء حتى الشوكة تُصيب قدمه. الرابع: ظن الكثير أن الامتحان والابتلاء هو زمن المصيبة فحسب, وما عدوا النعمة والغنى بلية وطامة إن لم تُعن على الطاعة والعبادة.

стр. 3

وهذا هو الجزء الرابع من سلسلة "أين نحن من هؤلاء؟ " نرى فيه كيف كان رضا وصبر وشكر من كانوا قبلنا وقد أبتلي بعضهم بأشد مما يُصيبنا. وهذا الكتاب فيه تعزية للمُصاب وتسلية للمُبتلى وإعانة على الصبر والاحتساب. جعلنا الله من الصابرين الشاكرين ممن يُنادي يوم القيامة: (سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عُقبى الدار* وصلى الله على نبينا محمد. عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن العبد في تنقلاته في هذه الحياة وأطواره فيها لا يخلو من حالتين: إما أن يحصل له ما يُحب ويندفع عنه ما يكره, فوظيفته في هذه الحالة الشكر والاعتراف بأن ذلك من نعم الله عليه, فيعترف بها باطناً ويتحدث بها ظاهراً, ويستعين بها على طاعة الله وهذا هو الشاكر حقاً .. الحالة الثانية .. أن يحصل للعبد المكروه أو يفقد المحبوب, فيُحدث له, هماً وحزناً وقلقاً فوظيفته الصبر لله, فلا يتسخط ولا يضجر ولا يشكو للمخلوق ما نزل به, بل تكون شكواه لخالقه , ومن كان في الضراء صابراً وفي السراء شاكراً فحياته كلها خير وبذلك يحصل على الثواب الجزيل ويكتسب الذكر الجميل (١). والبلاء الذي يصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفسه, أو في ماله, أو في عرضه, أو في أهله ومن يحب, والناس مشتركون في حصولها, فغير المؤمن التقي يلقى منها أعظم مما يلقى المؤمن كما هو مشاهد (٢). ورأيت جميع الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد على الحد, كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذلك وضعت, وهل ينتظر الصحيح إلا السقم, والكبير إلا الهرم

стр. 5

والموجود سوى العدم (١). ولا بد أن يعلم المصاب أن الذي ابتلاه بمصيبته أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين, وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليُهلكه به ولا ليعذبه, ولا ليجتاحه, وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه, وليسمع تضرّعه وابتهاله وليراه طريحاً على بابه لائذاً بجنابه, مكسور القلب بين يديه رافعاً قصص الشكوى إليه (٢) قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (٥). وقد ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وتسعين موضعاً وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له, وجمع للصابرين بين أمورٍ لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فالهدى

стр. 6

والرحمة والصلوات مجموعةٌ للصابرين (١). وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). وقال ﵊: "من يرد الله به خيراً يُصب منه" (٣). والحمد لله على فضله وجزيل عطائه فقد بشرنا الرسول ﷺ بقوله: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذىً ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه" (٤). والأنبياء ﵈ يتوالى عليهم البلاء مثل كافة الناس وإن كانوا أشد بلاءً فعن أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه- قال: قلت يا رسول الله, أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء" قلت: ثم من؟ قال: "الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها, وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء" (٥).

стр. 7

و الصبر -أخي الكريم- مقامٌ من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين (١). وقد قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضاء بالقدر (٢). وفي حديث عن النبي ﷺ : "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (٣). والحسن ﵀ يقول: "الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده" (٤). وقال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (٥). والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. والخير الحاصل للصابرين هو الأجر والثواب والمغفرة والرحمة (٦).

стр. 8

قال الفضيل: إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير (١). وقال ﵀: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يُعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة, وحتى لا يحب أن يُحمد على عبادة الله (٢). وسأل رجلٌ الإمام الشافعي فقال: يا أبا عبد الله, أيما أفضل للرجل أن يُمكن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكن حتى يُبتلى, فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, فلما صبروا مكنَّهم, فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة (٣). وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). والمصائب -أخي الكريم- تتفاوت ولكن أعظمها المصيبة في الدين, فهي أعظم مصائب الدنيا والآخرة, وهى نهاية الخسران الذي لا ربح معه, والحرمان الذي لا طمع معه (٥). إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر وأصل كلمة الصبر هو المنع والحبس, فالصبر حبس النفس عن

стр. 9

الجزع واللسان عن التشكي, والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما (١). و حقيقة الصبر خُلقٌ فاضل من أخلاق النفس, يمتنع به من فعل ما لا يُحسن ولا يجمل, وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وحين سُئل الجنيد عن الصبر قال: تجرع المرارة من غير تعبس. وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات, والسكون عن تجرع غُصص البلية, وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة. وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب (٢). -أخي الكريم- لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس, فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبته, ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس, والابتلاء يكون بالسراء والضراء, ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوؤه, فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكوراً .. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣).

стр. 10

ولو تبصر الإنسان في من حوله لوجدهم بين أمرين وفي أحد حالين: إما سراء أو ضراء ولكن النفوس البشرية تغفل عن فتنة السراء ولا ترى إلا فتنة الضراء وهى الظاهرة في شكاوى البشر .. فما من إنسان إلا له ألمٌ أو فجيعةٌ أو هم أو غم أو نكد, ولا يكاد يمر يوم في هذه الدنيا دون تنكيد وتنغيص قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١). قيل في تفسير هذه الآية: يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة وفي رواية يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة (٢). عن عبد الملك بن أبحر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية, لينظر كيف شُكره أو مبتلى ببلية لينظر صبره (٣). أما نعمة الضراء .. فاحتياجها إلى الصبر ظاهر, وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها, فإن فتنة السراء أعظم من فتة الضراء (٤). والفقر يصلح عليه خلق كثير, والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم, ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين, لأن فتنة الفقر أهون, وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر, لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في

стр. 11

الضراء (١). وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم (٢) أخي الكريم: إذا فجعتك المصائب ونزلت بك الهموم وادلهمت بك الطرق وأظلمت عليك الدروب من حوادث الدنيا المقدرة .. فإن عليك بمنزلة الرضا لما قدر الله وقضى فإنها المنزلة الأولى .. فارض بقضاء الله وقدره ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. والدرجة الثانية: الصبر على البلاء وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء, فالرضا فضل مندوب إليه مستحب, والصبر واجبٌ على المؤمن حتم. والفرق بين الرضا والصبر, أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط مع وجود الألم وتمني زوال ذلك, وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع, والرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بالألم, لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة, وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية (٣).

стр. 12

وينقسم الصبر إلى: واجب, ومندوب, ومحظور, ومكروه, ومباح. فالصبر الواجب ثلاثة أنواع: أحدها: الصبر عن المحرمات. والثاني: الصبر على أداء الواجبات, والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها, كالأمراض والفقر وغيرها. أما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات والصبر على المستحبات والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله (١). والصبر المحمود: أنواع: منه صبر على طاعة الله ومنه صبر عن معاصي الله ومنه صبر على أقدار الله (٢). قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٣) قال: صبروا على ما أمروا به, وصبروا عما نهوا عنه (٤). ويذكر عن علي ﵁ أنه قال: الصبر ثلاثة: فصبرٌ على المصيبة, وصبرٌ على الطاعة, وصبر عن المعصية, فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة, ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة

стр. 13

درجة. ومن صبر عن المعصية خوفاً من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة (١). وقال ميمون بن مهران: الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن, وأفضل منه الصبر عن المعصية (٢). واحتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق, وهو بضاعة الصديقين, وشعار الصالحين وحقيقته أن يؤذى المسلم في ذات الله -تعالى- فيصبر ويتحمل, فلا يرد السيئة بغير الحسنة, ولا ينتقم لذاته (٣). والله -جل وعلا- يجازيه على صبره: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤). أخي المسلم: إن الشخص البالغ العاقل ما دام في دار التكليف والأقلام جارية عليه, لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال, فإنه بين أمرٍ يجب عليه امتثاله, والصبر لا بد منه قولاً وفعلاً, وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه, والصبر لا بد له منه, وبين قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما, وبين نعمة عليه شكر المنعم عليها والصبر عليه, وإذا

стр. 14

كانت هذه الأحوال لا تفارقه, فالصبر لازم له إلى الممات. ولما كان الصبر مأموراً به, جعل الله -سبحانه- له أسباباً تعين عليه وتوصل إليه فمما يسلي المصاب: أن يوطن نفسه على أن كل مصيبةً تأتيه هي من عند الله وأنها بقضائه وقدره, وأنه لم يقدرها عليه ليهلكه بها, ولا ليعذبه, وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه, وشكواه إليه وابتهاله ودعاءه, فإن وفق لذلك كان أمر الله قدراً مقدوراً, وإن حرم ذلك كان ذلك خسراناً مبيناً. و علاج المصائب بأمور منها: الأول: أن يعلم بأن الدنيا دار ابتلاء, والكرب لا يرجى منه راحة. الثاني: أن يعلم أن المصيبة ثابتة. الثالث: أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة. الرابع: النظر في حال من ابتُلي بمثل هذا البلاء, فإن التأسي راحة عظيمة. الخامس: النظر في حال من ابتُلي أكثر من هذا البلاء, فيهون عليه هذا. السادس: رجاء الخلف إن كان من مضى يصح عنه الخلف كالولد والزوجة. السابع: طلب الأجر بالصبر في فضائله وثواب الصابرين وسرورهم في صبرهم, فإن ترقى إلى مقام الرضا فهو الغاية.

стр. 15

الثامن: أن يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خيرٌ له. التاسع: أن يعلم أن تشديد البلاء يخص الأخيار. العاشر: أن يعلم أنه مملوك, وليس للمملوك في نفسه شيء. الحادي عشر: أن هذا الواقع, وقع برضى المالك, فيجب على العبد أن يرضى بما رضي به السيد. الثاني عشر: معاتبة النفس عند الجزع, أن هذا الأمر لا بد منه فما وجه الجزع مما لا بد منه؟ الثالث عشر: إنما هي ساعةٌ فكأن لم تكن (١). أخي الحبيب: متى ما أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك فاعلم أن الذي قدره حكيم عليم لا يفعل شيئاً عبثاً ولا يُقدر شيئاً سدى, وأنه تعالى رحيم قد تنوعت رحمته على عبده, يرحمه فيعطيه, ثم يرحمه فيوفقه للشكر, ويرحمه فيبتليه, ثم يرحمه فيوفقه للصبر, فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها, ويرحمه أيضاً بأن يجعل ذلك البلاء مكفراً لذنوبه وآثامه ومنمياً لحسناته ورافعاً لدرجاته (٢). وهنا توجيه نبوي كريم بكتمان المصيبة وعدم التحدث بها قال ﷺ : "من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة".

стр. 16

وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها, فكتمانها من نعم الله الخفية .. وهذا سر من أسرار الرضا وعدم التضجر والانزعاج. قال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة, ما ذكرتها لأحد (١). ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء, مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله (٢). ﵀ لو رأى زماننا لعجب من كثرة الحديث في المصائب .. بل إن البعض حتى قبل أن تسأله عن صحته وحاله .. يبادر بالشكوى .. ويكثر التسخط .. يحدثك بما فيه من الأمراض .. وبما في أبنائه وأهله .. حتى ليخيل إليك أن هذا الإنسان ما مر به خيرٌ ونعمةٌ ورخاءٌ قط .. ووالله لو نظر بعين الرضا لرأى الخير في حياته يحف به من جميع الجوانب .. نعمٌ لا تحصى ولا تعد. قال ﷺ : "من كنوز البر كتمان المصائب, وما صبر من بث" وحين سأل يونس بن زيد ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه (٣). وقال بكر بن عبد الله المزني: كان يقال من الاستكانة الجلوس

стр. 17

في البيت بعد المصيبة (١). وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعيد بن جبير مقنعاً, فقال لي: إياك والتقنع فإنه من الاستكانة (٢). وليس الجزع -أخي الحبيب- أن تدمع العينان ويحزن القلب, ولكن الجزع القول السيء والظن السيء (٣). ومن آداب الصبر استعماله في أول الصدمة وحين وقوع الفاجعة لقوله ﷺ : "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (٤). ومن الآداب سكون الجوارح واللسان, فأما البكاء فجائز. قال بعض الحكماء: الجزع لا يرد الفائت ولكن يسر الشامت. ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب (٥). وأما البكاء والحزن من غير صوتٍ ولا كلامٍ محرمٍ, فهو لا ينافي الصبر والرضا. قال تعالى حكايةً عن يعقوب ﵇: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٦).

стр. 18

قال قتادة: كظيم على الحزن, قلم يقل إلا خيراً, مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١). وقوله تعالى عنه في أول السورة: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. وقد جاء في أثرٍ مرفوع إلى النبي ﷺ : "من بث لم يصبر" لكن يعقوب ﵇ ابيضت عيناه من البكاء ولم يناف حُزنه وبكاؤه وصبره, فإنه ﵇ ما شكا بثه وحزنه إلى مخلوق, وإنما شكاه إلى الله (٢). وحُكي عن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات وأشكره, إذ لم تكن أعظم مما هي, وإذ رزقني الصبر عليها, وإذ وفقني الاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب, وإذ لم يجعلها في ديني (٣). ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة, ولطم الوجه, والضرب بإحدى اليدين على الأخرى, وحلق الشعر, والدعاء بالويل (٤). وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمر الله: إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم أجرني في

стр. 19

مصيبتي وأخلف لي خيراً منها, إلا أخلف الله له خيراً منها". [الحديث]. وقد جعل الله كلمات الاسترجاع وهى قول المصاب "إنا لله وإنا إليه راجعون" ملجأً وملاذاً لذوي المصائب, وعصمة للممتحنين من الشيطان لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة, فيهيج ما سكن, ويظهر ما كمن (١). وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها, وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته, بل يعلم المصاب أن الجزع يشمت عدوه, ويسوء صديقه, ويغضب ربه, ويسر شيطانه, ويحبط أجره, ويضعف نفسه, وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه, وأرضى ربه, وسر صديقه, وساء عدوه, وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه, فهذا هو الثبات في الأمر الديني قال النبي ﷺ : "اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر" فهذا هو الكمال الأعظم, لا لطم الخدود وشق الجيوب, والدعاء بالويل والثبور, والتسخط على المقدور. قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام, ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم (٢). قال عبدالله بن المبارك ﵀: أتى رجل يزيد بن يزيد

стр. 20

وهو يصلي وابنه في الموت, فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ ! فقال: إن الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يوماً واحداً كان ذلك خللاً في عمله (١). قال ابن عبد العزيز لأم مات ابنها: اتقي الله واحتسبيه عند الله واصبري, فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين, وإنما اختلفوا في وجوب الرضا (٣). ومما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما: إظهار المصيبة, والتحدث بها وإشاعتها, سواء كان كلامًا بها بين الأصحاب أو غيرهم, اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه: مات فلان, يعني والده أو ولده, ونحو ذلك, وما يريد به إظهار المصيبة, وإنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك مما هو من فروض الكفايات, ويحصل لهم بذلك القراريط من الأجر (٤). قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة به إلى غير الله, لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوةً أبداً (٥). وما يصيب الإنسان محن وابتلاء من الله -جل وعلا- فالفتنة

стр. 21

كير القلوب, ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب, ومؤمن ومنافق, وطيب وخبيث فمن صبر عليها, كانت رحمةً في حقه, ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها, ومن لم يصبر عليها وقع في فتنةٍ أشد منها (١). قال ثابت: أصيب عبدالله بن مطرق بمصيبة فرأيته أحسن شيء شارة وأطيبه (٢). وكان علي بن أبي طالب يقول: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك (٣). وعندما سأل رجلٌ الإمام أحمد: كيف تجدك يا أبا عبدالله؟ قال: بخير في عافية, فقال له: حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك, لا تخرجني إلى ما أكره (٤). وما يكرهه ﵀ التحدث عن المرض وعدم كتمانه وذلك لما يرجوه من كتمان المرض. فكيف يشتكي العبد ربه إلى مخلوق مثله, وأما إذا كان الإخبار على سبيل الاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره, لم يقدح ذلك في الصبر.

стр. 22

* بعث عمر بن الخطاب ﵁ برسالة إلى أبي موسى الأشعري فيها: عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران, أحدهما أفضل من الآخر, الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى (١). وإذا تأملت -أخي- حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات وأكمل النهايات, التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان, وكان ذلك الجسر لكماله, كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه, وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة, فصورته صورة ابتلاء وامتحان, وباطنه فيه الرحمة والنعمة, فكم لله من نعمة جسيمة, ومنّة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان (٢). قال وهب بن منبه: رءوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها, والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به (٣). ولو رأيت في نفسك وفي من حولك لحمدت الله الذي أسبغ عليك نعمه ظاهرةً وباطنةً ولا نخرج في حالنا عن ما قاله عبد الملك

стр. 23

بن إسحاق: ما من الناس إلا مُبتلى بعافية لينظر كيف شكره؟ أو بلية لينظر كيف صبره؟ (١). والبلاء والمصائب في عمر الإنسان أيامٌ معدودة .. لحظاتٌ ثم تنجلي. كان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع (٢). فالحمد لله على نعمه وعلى ما قضى .. ذكر ابن أبي الدنيا: أن داود قال: يا رب, أخبرني ما أدنى نعمك عليّ, فأوحى الله إليه: يا داود, تنفس, فتنفس, قال: هذا أدنى نعمي عليك (٣). وتمام النعمة وكمال العطاء ما قاله رسول الله ﷺ : "إن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة". وقال ابن أبي الحواري: قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد؟ نسأل الله أن لا يسلبنا إياه, قال: يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه, والله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها, ويستعمل بعمل إلا قبله (٤). وذُكر عن هلال بن بساق قال: كنا قعوداً عند عمار بن ياسر, فذكروا الأوجاع, فقال أعرابي: ما اشتكيت قط, فقال

стр. 24

عمار: ما أنت منا أو لست منا, إن المسلم يُبتلى ببلاء, فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر, وإن الكافر أو قال الفاجر يُبتلى ببلية, فمثله مثل البعير إن أطلق لم يدر لم أطلق؟ وإن عُقل لم يدر لم عُقل؟ (١). والحمد لله على هذا الفضل العظيم والإحسان الجزيل قالت عائشة -رضى الله عنها-: "إن الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها". وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة". قال ابن أبي الدنيا: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب (٢). أخي الحبيب: أرأيت ما نكرهه ونتأذى من وجوده .. يرحمنا الله به ويحط به ذنوباً سلفت لا إله إلا هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. قال معروف الكرخي: إن الله ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام والأوجاع, فيشكو إلى أصحابه, فيقول الله ﵎: وعزتي وجلالي ما ابتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك من الذنوب فلا تشتكني (٣).

стр. 25

وحين مرض كعب, عاده رهط من أهل دمشق, فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير, جسدٌ أخذ بذنبه إن شاء ربه عذبه وإن شاء رحمه, وإن بعثه بعثه خلقاً جديداً, لا ذنب له (١). وقال وهب بن منبه: لا يكون الرجل فقيهاً كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة, وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء, وصاحب الرخاء ينتظر البلاء (٢). وفسر الفضيل قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ بقوله: صبروا على ما أمروا به , وصبروا عما نهوا عنه (٣). أما بكر بن عبدالله فقد سأله أخ له أن يوصيه فقال: ما أدري ما أقول غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار (٤). فإن ابن آدم بين نعمة وذنب: ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر, ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار وقد يظن القارئ أن المصيبة هى موت قريبٍ أو فقد حبيب, وربما كانت مرضاً عارضاً أو حادثاً مروعاً .. ولكن نعمة الله وسعت كل شيءٍ .. حتى الشوكة يشاكها المؤمن له فيها سهم من الخير.

стр. 26

في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ ولا هم ولا حزنٍ ولا غم ولا أذى, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه". فتلمس أخي موضع قدمك ومكان ألمك ومتى ما أصبت بأقل شيء فقل: "إنا لله وإنا إليه راجعون" .. واحمد الله الذي رزقنا هذا الفضل وهذا الإحسان. كان شميط بن عجلان يقول: إن العافية سترت البر والفاجر, فإذا جاءت البلايا استبان عندها الرجلان, فجاءت البلايا إلى المؤمن, فأذهبت ماله وخادمه ودابته, حتى جاع بعد الشبع, ومشى بعد الركوب, وخدم نفسه بعد أن كان مخدوماً, فصبر ورضي بقضاء الله وقال: هذا نظر من الله , هذا أهون لحسابي غداً. وجاءت البلايا إلى الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته, فجزع وهلع وقال: والله ما لي بذا طاقة, والله لقد عودت نفسي عادة, ما لي عنها صبر في الحلو والحامض والحار والبارد ولين العيش. فإن هو أصابه من الحلال وإلا طلبه في الحرام والظلم ليعود إلى ذلك العيش (١). وعاد رجل من المهاجرين مريضاً, فقال إن للمريض أربعا: يرفع عنه القلم, ويكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته,

стр. 27

ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها, فإن عاش عاش مغفوراً له, وإن مات مات مغفوراً له, فقال المريض: اللهم لا أزال مضطجعاً (١). وكانت امرأة من العابدات بالبصرة تصاب بالمصائب فلا تجزع, فذكروا لها ذلك, فقالت: ما أصابُ بمصيبة فأذكر معها النار إلا صارت في عيني أصغر من الذباب (٢). وقال أحمد بن حاتم: بلغني أن عروة بن الزبير قطعت رجله من الأكلة فقال: إن مما يطيب نفسي عنكِ, أني لم أنقلك إلى معصية لله قط (٣). وحينما دخل رجلٌ على داود الطائي في فراشه فرآه يرجف فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقال: مه, لا تعلم بهذا أحداً, وقد أقعد قبل ذلك أربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد (٤). أخي المسلم: الجاهل يشكو الله إلى الناس, وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه, فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم (٥).

стр. 28

قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد عن الحد, كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت, وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟ على ذا مضى الناس اجتماعٌ وفرقةٌ ... وميتٌ ومولودٌ وبشرٌ وأحزانُ ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر, إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا, وإنما الإفراط فيه والتكليف, كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر, فإن هذا لا يرد فائتاً, لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العاقبة (١). وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء: إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له, واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك, والباقي بعدك هو المأجور فيك, واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه (٢). وقال حسان بن أبي جبلة في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال: لا شكوى فيه (٣).

стр. 29

والصبر مكانته عظيمة ومنزلته رفيعة كما قال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, فإذا قطع الرأس بار الجسم, ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له (١). وقال عمر بن الخطاب: وجدنا خير عيشنا بالصبر (٢). وذكر سلمان الفارسي أن رجلاً بسط له من الدنيا, فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بوري, فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط للآخر في الدنيا فقال لصاحب البوري: أرأيتك أنت على ما تحمد الله ؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه, قال: وما ذاك؟ قال أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يدك؟ أرأيت رجلك؟ (٣). ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم, مقعد عريان, به وضح, وهو يقول: الحمد لله على نعمه, فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقى عليك من النعمة تحمد الله عليها؟ فقال له المبتلى: ارم ببصرك إلى أهل المدينة, فانظر إلى كثرة أهلها, أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري (٤).

стр. 30

أي أن الله -جل وعلا- خصه بالبلاء ليمحصه ويطهره. قال أبو الدرداء: من يتفقد يفقد, ومن لا يعد الصبر لفواجع الأمور يعجز (١). واعلم أخي أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء, فالصبر وإن كان شاقاً أو ممتنعاً فتحصيله ممكن. وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها, لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً, فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء, وحفظاً لصحة عبوديته, واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة, فسبحان من يرحم ببلائه, ويبتلي بنعمائه كما قيل: قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فلولا أنه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا في الأرض, وعاثوا فيها بالفساد, فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمرٌ ونهي, وصحة وفراغ, وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها, تمردت وسعت في الأرض فساداً مع علمهم بما فُعل بمن قبلهم, فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟ ! ولكن الله إذا أراد بعبده خيراً سقاه

стр. 31

دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله, يستفرغ منه الأدواء المهلكة, حتى إذا هذبه ونقاه, وصفّاه, أهله لأشرف مراتب الدنيا وهى عبوديته, ورقّاه أرفع ثواب الآخرة وهى رؤيته (١). وهذا أبو الدرداء يُعلمنا بثلاثة أمور تُضعف الإنسان وتجعله قريباً إلى خالقه فقال: ثلاثة أحبهن ويكرههن الناس: الفقر والمرض والموت, أحب الفقر تواضعاً لربي, والموت اشتياقاً لربي, والمرض تكفيراً لخطيئتي (٢). وقال بعض السلف: ثلاثة يُمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال, والمصيبة, والولاية (٣). وقال يزيد بن ميسرة: إن العبد ليمرض المرض, وما له عند الله من عمل خير, فَيُذَكِّره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه, فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من الدمع من خشية الله, فيبعثه الله إن بعثه مطهراً, أو يقبضه إن قبضه مطهراً (٤). ولا يصيب العبد من المصائب إلا بذنوبه قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. هذا محمد بن سيرين يقول لما ركبه الدين واغتم لذلك: إني

стр. 32

لأعرف هذا الغم بذنب أحدثته منذ أربعين سنة (١). وهو سبحانه بمنه وكرمه يعفو عن كثير وإلا لو كانت مصائبنا على قدر ذنوبنا لعظمت وكثرت. أخي المسلم: ينبغي للعبد أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها, وما استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب, وليس فيه لذةٌ على الحقيقة إلا وهى مشوبة بالكدر, فكلُ ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب, وجمعها فهو للذهاب, ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل, ومن دخل بين الصفين لم يخل من وجل, فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع, وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضِّر النفع. أخي: طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار قال أبو الفرج الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار, ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار, فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا, ونوح بكى ثلاثمائة عام, وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد, ويعقوب بكى حتى

стр. 33

ذهب بصره, وموسى يقاسي فرعون ويلقى من قومه المحن, وعيسى ابن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك, ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين يصابر الفقر, وقُتل عمه حمزة وهو من أحب أقربائه إليه, ونفور قومه عنه, وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره, ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ للمؤمن منها (١). قال شقيق البلخي: ذهب بصر عبد العزيز بن أبي رواد عشرين سنة فلم يعلم به أهله ولا ولده فتأمله ابنه ذات يوم فقال له: يا أبت ذهبت عيناك؟ قال: نعم يا بني, الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرين سنة (٢). وقال علي بن الحسن: كان رجل بالمصيصة ذاهبٌ نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده, ضريرٌ على سرير مثقوب, فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا منقطع إلى الله ما لي إليه من حاجةٍ إلا أن يتوفاني على الإسلام (٣). أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟ ! إن من جواهر البر كتمان المصيبة حتى يُظن أنك لم تصب قط. فالمؤمن الموفق -نسأل الله تعالى حسن التوفيق- من يتلقى

стр. 34

المصيبة بالقبول, ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحدٍ من خلقه, ويجتهد في كتمانها ما أمكن (١). فمن كمال الصبر كتمان المرض وسائر المصائب, ومن كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة (٢). نقل عن الحسن بن عرفة قال: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة, فقلت له: يا أبا عبدالله قمت مقام الأنبياء, فقال لي: اسكت, فإني رأيت الناس يبيعون أديانهم, ورأيت العلماء ممن كان معي يقولون ويميلون فقلت: من أنا وما أنا؟ وما أقول لربي غداً إذا وقفت بين يديه ﷻ ؟ فقال لي: بعت دينك كما باعه غيرك ففكرت في أمري ونظرت إلى السيف والسوط فاخترتهما, وقلت: إن أنا مت صرت إلى ربي فأقول: دعيت إلى أن أقول في صفة من صفاتك مخلوقة, فلم أقل فالأمر إليه, إن شاء عذب وإن شاء رحم فقلت: وهل وجدت لأسواطهم ألماً؟ قال لي: نعم, وتجلدت إلى أن تجاوزت العشرين, ثم لم أدر بعد ذلك, فلما حل العاقبان كأني لم أجد له ألماً, وصليت الظهر قائماً, قال الحسن: فبكيت فقال لي: ما يبكيك؟ قلت: بكيت مما نزل بك, قال: أليس لم أكفر؟ ما أبالي لو تلفت (٣).

стр. 35

وقال عنه ﵀ شابك التائب: لقد ضُرب أحمد بن حنبل ثمانين سوطاً لو ضُربت على فيلٍ لهدته (١). وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل صبر فظفر وهو في حالٍ كما قال عون بن عبدالله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية والصبر مع المصيبة (٢). ولقد فُقد الأول وضَعُفَ الثاني .. فالكثير الآن ينسى شكر النعم قولاً وفعلاً والكثير ينزعج لنزول البلاء انزعاج من لا يرى أنها من الله -جل وعلا- ويجب الرضا عن قضائه وقدره والصبر على ابتلائه وتمحيصه. هذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت (٣). وقدم سعيد الجريري من الحج فجعل يقول: أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا, ثم قال: تعداد النعم من الشكر (٤) وعن عمارة بن سعيد بن وهب قال: دخلت مع سلمان ﵁ على صديق له من كندة يعوده فقال له سلمان: إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعاقبه فيكون كفارة لما مضى, فيستعتب فيما بقى, وإن الله عز اسمه يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم

стр. 36

يعاقبه, فيكون كالبعير عقلوه ثم أطلقوه فلا يدري فيم عقلوه؟ حين عقلوه, ولا فيم أطلقوه حين أطلقوه؟ (١). وحين ضربت أم إبراهيم العابدة دابة فكسرت رجلها, فأتاها قوم يعزونها فقالت: لولا مصائب الدنيا وردنا مفاليس (٢). أخي: لئن ساءني دهر سرني دهر ... وإن مسني عسر فقد مسني يسر لكل من الأيام عندي عادةٌ ... فإن ساءني صبرٌ وإن سرني شكر (٣) قال ابن المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر, ومن جزع فما أقل ما يتمتع (٤). وتأمل في قول أبي سعيد الحزار: العافية سترت البّر والفاجر, فإذا جاءت البلوى يتبين عندها الرجال (٥). وانظر إلى -رحمة الله- بالعباد وعظيم إحسانه .. قال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة, فانتزعها منه, فعاضه مكانها الصبر, إلَّا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه (٦).

стр. 37

ويجب على المؤمن أن يكون شاكراً في نعمائه صابراً في ضرائه منيباً إلى ربه في جميع أحواله وفي حديث ابن عباس -رضى الله عنهما - عن النبي ﷺ أنه قال: "احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده أمامك, تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". فمن تعرف إلى الله في النعمة والرخاء عرفه الله وحفظه حين الضراء والبأساء ولكن .. نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب (١) قال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعّاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ معروف فشفعوا له, وإذا كان ليس بدعّاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة: صوتٌ ليس بمعروف فلا يشفعون له. وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني, فقال: اذكر الله في السراء يذكرك الله في الضراء (٢). فمن خاف الله وحفظه في صحته, حفظه في مرضه, ومن راقب الله في خطرٍ حرسه الله في حركاته وسكناته (٣). وقال بعض السلف: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة,

стр. 38

أكثرت فيها قرع باب سيدك (١). قال أبو الدرداء: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك, وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت وما بعده أشدّ منه إن لم يكن مصير الصبر إلى خير (٢). فالسعادة كلها في طاعة الله والأرباح كلها في معاملته, والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته, إن ربنا لغفور شكور, أفاض على خلقه النعمة, وكتب على نفسه الرحمة. يُطاع فيشكر, وطاعته من توفيقه وفضله. ويُعصى فيحلم, ومعصية العبد من ظلمه وجهله, ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له, الحسنة عنده بعشر أمثالها, أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان, والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران, وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان, إن ربنا لغفور شكور, بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار, وسماء عطاء لا تقلع عن الغيث, بل هي مدرار, ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار, لا يلقى وصاياه إلا الصابرون, ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون, ولا يهلك عليه إلا الهالكون, ولا يشقى بعذابه إلا المتمردون.

стр. 39

أهل شكره أهل زيادته, وأهل ذكره أهل مجالسته, وأهل طاعته أهل كرامته, وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته (١). أخي الكريم وطِّن نفسك على الشكر حين الشكر وعلى الصبر حين المصيبة فإن الدنيا لا تخلو من أمرين حلوٌ ومُر وسعادة وشقاء .. وصفاءٌ وكَدرَ. لا بد للمرء من ضيق ومن سعة ... ومن سرور يوافيه ومن حزن والله يطلب منه شكر نعمته ... ما دام فيها ويبغي الصبر في المحن فما على شدة يبقى الزمان يكن ... ولا على نعمة تبقى على الزمن (٢) قال سفيان الثوري: ما كان الله ليُنعم على عبدٍ في الدنيا فيفضحه في الآخرة, ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه (٣). وفي الحديث عن أبي يحيى صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراًَ له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له". [رواه مسلم].

стр. 40

وما ننعم به من نعم الأمن وسعة العيش وتيسر المواصلات وكثيرٌ لا يحصيه إلا الله إنما هى بلية إذا لم تكن مما يقرب إلى الله وإذا لم تكن وسيلة إلى الطاعة والعبادة. قال سلمة بن دينار: كل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية (١). ويجب أن نستفيد من هذه النعم في الدعوة إلى الله وإلى نشر العلم الشرعي بين الناس وإلى كل عمل يحبه الله ويقربنا إليه زلفى. قال يونس بن محمد المكي: زرع رجل من أهل الطائف زرعاً, فلما بلغ أصابته آفة فاحترق فدخلنا عليه لنسليه فيه, فبكى وقال: والله ما عليه أبكي ولكن سمعت الله تعالى يقول: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (٢). فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة, فذلك الذي أبكاني (٣). احمد الله على كل حال ... إنما الدنيا كفيء الظلال إنما الدنيا مناخٌ لراكب ... يسرع الحث بشد الرحال
следующие страницы →