بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
وبعد:
أقدم للقارئ الكريم الجزء السادس من سلسلة أين نحن من هؤلاء؟ تحت عنوان: "أحصاه الله ونسوه" الذي يتحدث عن آفات اللسان ومزالقه.
وقد بدأت بمداخل عن اللسان وعظم أمره، ثم آفة الغيبة وأتبعتها النميمة والكذب والاستهزاء.
وهي أمراض خبيثة تسري في جسد الأمة فتحصد الحسنات وتجلب السيئات وتضيع الأوقات .. بزلة واحدة تهدم الأسر وتفرق الأحبة وتقطع الأرحام .. وبكلمة واحدة ربما يهوى بها صاحبها في النار سبعين خريفًا.
وقد ساعد على تفشي هذه الآفات في المجتمع قلة الوازع الديني، وتيسر أسباب المعيشة وكثرة أوقات الفراغ، كما أن لسهولة الاتصالات الهاتفية سهم في ذلك.
حفظ الله ألسنتنا ونزه أسماعنا عن كل ما يعيب.
وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم.
стр. 2
مدخل
إن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يستبين الكفر، والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان (١).
فهذا المخلوق الصغير يعبر الإنسان عن بغيته ويفصح عن مشاعره، به يطلب حاجته ويدافع عن نفسه ويعبر عن مكنون فؤاده، يحادث جليسه ويآنس رفيقه، به السقطة والدنو وبه تظهر الهمة والعلو.
واللسان: رحب الميدان ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى وحد، له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلقه عذبه اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى دار البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد. ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.
وعلم ما يحمد فيه إطلاق اللسان أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان، فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريمه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله،
стр. 3
وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان (١).
إذا ترك له العنان يصول ويجول .. يتحدث عن فلان ويغتاب فلان، يستهزئ بهذا ويشتم هذا.
وقلة هم الذين أمسكوا بعنان ألسنتهم ووقفوا به عن ما لا يعنيهم.
فحد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم ولم تستضر به في حال ولا مال.
وينبغي لكل مكلف: أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام: إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لإنه قد ينجز الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء (٢).
وفي اللسان آفتان عظيمتان: إن خلص من أحدهما لم يخلص من الأخرى، آفة الكلام وآفة السكوت.
وقد يكون كل منهما أعظم من الأخرى في وقتها، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم، كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها
стр. 4
فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلا عن أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها.
ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به (١).
وكثرة آفات اللسان: من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخواص في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان، وإيذاء الخلق وهتك العورات، فهذه آفات وهي سياقة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب.
ففي الخواص خطر وفي الصمت سلامة فذلك عظمت فضيلته، هذا مع ما فيه من جمع الهمم ودوام الوقار والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة (٢).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا حال الكثيرين:
стр. 5
ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل ليشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول (١).
стр. 6
آفات اللسان
آفات اللسان كثيرة متنوعة، ولها في القلب حلاة ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت أو التحرز في الكلام.
ومن آفات اللسان ما يلي:
الآفة الأولى:
الكلام فيما لا يعني ... اعلم أن من عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، لم ينفقه إلا في فائدة، وهذه المعرفة توجب حبس اللسان عن الكلام فيما لا يعني، لأن من ترك ذكر الله واشتغل فيما لا يعني كان كمن قدر على أخذ جوهرة، فأخذ عوضها بدرة وهذا خسران العمر.
الآفة الثانية:
الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، كذكر مجالس الخمر، ومقامات الفساق، وقريب من ذلك الجدال والمراء، وهو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع فينبغي للإنسان أن ينكر المنكر من القول، ويبين الصواب فإن قبل منه وإلا ترك المماراة، هذا إذا كان معلقا بالدين، فإما إن كان في أمور الدنيا فلا وجه للمجادلة فيه.
الآفة الثالثة:
التقعر في الكلام، وذلك يكون بالتشدق، وتكلف السجع.
الآفة الرابعة:
الفحش والسب والبذاء.
стр. 7
الآفة الخامسة:
المزاح ... أما اليسير فلا ينهى عنه إذا كان صدقا.
الآفة السادسة:
السخرية والاستهزاء .. ومعنى السخرية الاحتقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه.
الآفة السابعة:
إفشاء السر وإخلاف الوعد والكذب في القول واليمين، وكل ذلك منهي عنه، إلا ما رخص فيه من الكذب لزوجته وفي الحرب فإن ذلك يباح
وضابطه: أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب، فهو فهي مباح إن كان ذلك المقصود مباحا، وإن كان المقصود واجبا فهو واجب، فينبغي أن يتحرز عن الكذب مهما أمكن.
الآفة الثامنة:
الغيبة، هي ذكر أخاك الغائب بما يكرهه إذا بلغه، سواء كان نقصًا في بدنه أو في نسبه أو في ثوبه (١).
الآفة التاسعة:
النميمة، وهي إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه.
وهناك آفات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها .. وقد حذر
стр. 8
الله جل وعلا من تلك الآفات وأخبر أنها من الأعمال التي تحصى على ابن آدم ويحاسب عليها.
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
[ق: ١٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ومن الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" رواه البخاري ومسلم.
وعنه ﷺ أنه قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" رواه الترمذي وابن ماجه.
وحين سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل النار؟ قال: "الفم والفرج" وعندما سأل معاذ بن جبل رسول الله ﷺ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، أخبره النبي ﷺ برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "كف عليك هذا" فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" رواه الترمذي.
وانظر أخي الكريم إلى عظم الأمر وخطورة الكلمة فقد قال
стр. 9
رسول الله ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" متفق عليه.
وهذا أبو بكر ﵁ آخذا بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد (١).
والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، والله عند لسان كل قائل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] (٢).
وحين سئل الحسن يوما: كيف أصبحت يا أبا سعيد؟ قال: والله ما من انكسرت به سفينة في لجج البحر بأعظم مني مصيبة، قيل: ولم ذاك؟ قال: لأني من ذنوبي على يقين، ومن طاعني وقبول عملي على وجل، لا أدري ِأقبلت مني أم ضرب بها وجهي.
فقيل له: وأنت تقول ذلك يا أبا سعيد؟ فقال: ولم لا أقول ذلك، ما الذي يؤمنني من أن يكون الله قد نظر إليَّ وأنا على بعض هناتي نظرة مقتني بها، فأغلق عني باب التوبة، وحال بيني وبين المغفرة، فأنا أعمل في غير معتمل (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا كتب عليه حتى أنينه في مرضه، فلما مرض الإمام أحمد
стр. 10
فقيل له: إن طاوسًا كان يكره أنين المرض، فتركه (١).
والكثير الآن لا يعد الكلام من العمل وما علم أنه يحصى عليه كل لفظ وقول وأنه غدا محاسب على كل كلمة وحديث.
قال عمر بن عبد العزيز: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه (٢).
وأكد ذلك الإمام الأوزاعي بقوله: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه (٣).
ولكثرة آفات اللسان والتهاون فيها وإطلاق الألسن في كل مكان وحديث، قال الحسن بن صالح: فتشنا الورع فلم نجده في شيء أقل منه في اللسان (٤).
وغالب آفة اللسان أذى للمسلم ونقص في قدره ورمي له بالتحقير والتصغير ...
والفضيل بن عياض يقول في ذلك: والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما؟ ! (٥).
وفي حديث صادق ونصائح غالية هذا ابن عباس ﵄ يقول: خمس لهن أحب إليَّ من الدهم الموقوفة، لا تتكلم فيما
стр. 11
لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا فإنه ربَّ متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، واعفه بما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاجترام (١).
لعمرك ما للمرء كالرب حافظ ... ولا مثل عقل المرء للمرء واعظ
لسانك لا يلقيك في الغي لفظه ... فإنك مأخوذ بما أنت لافظ (٢)
قال عطاء بن رباح: إن من كان قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد منها، أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين، عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره، وليس فيها شيء من أمر آخرته (٣).
هذه حالهم في ذلك الزمن وهم أهل الطاعة والذكر، مجالسهم خالية من الغيبة والنميمة والكذب والاستهزاء بل كانوا يطرزون مجالسهم بالبكاء والخشوع وإظهار الجزع، وكان عامة كلامهم مثل كلام أحدهم وهو ابن سيرين .. سبحان الله العظيم سبحان الله
стр. 12
وبحمده.
هذا نموذج لمجالسهم العامرة بالخير .. وزيادة في الحرص كان عبد الله بن الخيار يقول في مجلسه: اللهم سلمنا، وسلم المؤمنين منا (١).
وكان عمر بن الخطاب يقول: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار
أولى به (٢).
وللخوف من السقوط في النار ... ومن خوف شدة الحساب غدا.
أخي:
تعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا علمت فاذكر نظر الله تعالى عليك وإذا تكلمت فانظر سمع الله إليك، وإذا سكت فانظر علم الله فيك (٣).
قال سلمة بن دينار: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قدمه (٤).
ولا يكون هذا الحفظ سهلا إلا بمراقبة الله جل وعلا في كل كلمة تخرج وفي كل حركة تظهر. والاقتصاد في الكلام من
стр. 13
علامات التيقظ والتنبه
قال ابن مسعود: إياكم وفضول الكلام حسب امرئ ما بلغ حاجته (١).
وحتى فضول الكلام الذي هو دون الضرر فإنه حسرات يوم القيامة لأن أزمنة في ما لا فائدة فيه حسرة وندامة ...
قال بعض السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة، لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات.
من هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به، اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لا بد منه (٢).
وما أدري وإن أملت عمرًا ... لعلي حين أصبح لست أمسي
ألم تر أن كل صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر من أمس (٣)
قال ابن عباس ﵄: يا لسان قل خير تغنم، أو اسكت عن شر تسلم (٤).
فإن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء، وإن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه من شيء، ويأتي الرجل
стр. 14
ولا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا نفعا، فيقسم له بالله إنك لذيت ولذيت، فيرجع وماجني من حاجته بشيء ويسخط الله عليه (١).
فهذا الرجل عاد وقد أسخط الله جل وعلا بسبب لسانه الذي لم يتحفظ منه بل أطلقه بالإيمان الكاذب، هذا موقف واحد.
أما من تربع في مجلس ساعات طوال لم يسلم المسلمون من لسانه غيبة ونميمة وإفشاء سر وإشاعة فاحشة فإن ذلك محاسب عليه .. لا يرى عيبا إلا أشاعه ولا يسمع حديثا إلا تكلم به.
قال عبد الله بن مسعود، كفى بالمرء إثما، أن يحدث بكل ما سمع (٢).
أخي الكريم:
ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين:
أحدهما: إنك إن لم تنفعه فلا تضره.
والثانية: إن لم تسره فلا تغمه.
والثالثة: إن لم تمدحه فلا تذمه (٣).
فإن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس كما قال ذلك محمد بن سيرين (٤):
فإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب الناس من هو أعور؟
стр. 15
فذلك عند الله والناس أكبر (١)
وإن عبت قوما بالذي ليس فيهم
إن اتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة، ويصد عن الاستعداد لها (٢).
فمن طال أمله قل عمله ومن نسي الآخرة لم يحاسب نفسه ...
مجالسنا الطويلة بماذا نعمرها وبأي أمر نجملها وهي مجالس طويلة بعضها يمتد لساعات طوال.
قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب (٣).
وإذا لم تكن مجالس خير وذكر فإن الشيطان يحرك الألسن ويشفي الصدور، وقد ينزل إلى شهوات البطن والفرج وقد قال الأحنف بن قيس يحكي صفات الرجولة الحقة .. جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه (٤).
ولو خطر في بال أحدنا أن يسجل ما يتحدث به في مجلس واحد .. لرأى كم من الأوراق يحتاج .. ولو حاسب نفسه لوجد الكثير من الزلات والسقطات.
وقد حدد الربيع بن خثيم الكلام بأنه لا خير فيه إلا في تسع.
стр. 16
تهليل وتكبر، وتسبيح وتحميد، وسؤالك من الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن (١).
أخي الكريم:
هل وقفنا بألسنتنا عند هذه الأمور التسعة، فأضحى التهليل والتكبير ملازما لنا، وأصبحنا والقرآن ربيع قلوبنا؟
أم أن نصيب الدنيا في ألسنتنا هو الغالب وذكر الله وقراءة القرآن هو النادر .. ونحن في منحدر من الدنيا وإقبال على الآخرة؟
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درج الجنان بها فوز العابد
ونسيت أن الله أخرج آدمًا ... منها إلى الدنيا بذنب واحد (٢)
عن سفيان قال: طول الصمت مفتاح العبادة (٣).
فإن في طول الصمت تفكرًا وكفًا عن ما لا ينبغي، واستفادة من الأوقات .. ومحاسبة للزلات.
قال الفضيل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو أصبحت يهمك لسانك، أصبحت في هم شديد (٤)، هم وهو يتعاهد لسانه ويحافظ على كلماته.
فإن اللفظات حفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم
стр. 17
بالكلمة نظر، هل فيها ربح وفائدة أم لا؟
فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر.
هل تفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبى.
قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه، أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في تلك القدور بلسانك (١).
والكلام إذا كان دفاعًا عن خير ودعوة إلى علم وقراءة للقرآن وذكر لله فذلك. أكثر منه فقد سلكت الجادة، فإنه يسرك يوم القيامة إذا نظرت في صحيفتك .. وأخذت كتابك بيمينك.
قيل لإياس بن معاوية: إنك تكثر الكلام؟ قال: أفبصواب أتكلم أم بخطأ؟
قالوا: بصواب، قال: فالإكثار من الصواب أفضل (٢).
стр. 18
أخي الحبيب: اعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على رد شوارده، فحق على العاقل أن يحترز من زلله، بالإمساك عنه أو بالإقلال منه (١).
هنا موقف أبان فيه اللسان عن حقيقة الرجل ولو سكت لجهل أمره، فقد حكي عن أبي يوسف الفقيه أن رجلا كان يجلس إليه، فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تسأل؟
قال: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فتبسم أبو يوسف ﵀ وتمثل ببيتين من الشعر:
عجبت لإزراء العي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما (٢)
أقام المنصور بن المعتز: لم يتكلم بكلمة بعد العشاء الآخرة.
أربعين سنة، وقيل: ما تكلم الربيع بن خثيم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما فكل ما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء (٣).
أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟
قيل للقمان الحكيم: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيت
стр. 19
ولا أتكلف ما لا يعنيني (١).
وحكي أن بعض الحكماء رأى رجلا يكثر الكلام ويقل السكوت، فقال: إن الله تعالى إنما خلق لك أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به (٢).
والكثير الآن تجاوز هذا الضعف، يهذر بما يعلم وما لا يعلم، لا يتحدث في علم إلا له فيه قول ... ولا يمر اسم فلان من الناس إلا لمزه وغمزه.
وقد حذر الجنيد من ذلك بقوله: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب ﷻ من القلب، والقلب إذا عرى من الهيبة عرى من الإيمان (٣).
ولكي يسلم المتحدث من الزلل في حديثه والنقص في مقاله فإن عليه أن يراعي شروطا أربعة:
الشرط الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.
الشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.
الشرط الثالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته.
стр. 20
الشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به (١).
إذا توافرت هذه الشروط فعليك بالحديث وإلا فإن الصمت يجمع للرجل خصلتين: السلامة في دينه، والفهم عن صاحبه (٢).
ومن يقدر الآن على الصمت ونحن في زمن يخيل للسامع أن الإنسان خلق بلسان دون أذن .. فالكل يتحدث ترتفع الأصوات في المجالس ويكثر اللغط ولا تعلم من يحدث من؟ ومن يستمع لمن؟
ترى اثنين يتحدثان بصوت مرتفع .. وتبحث عن المستمع فلا ترى أحدا.
الكل يتحدث .. ولكن أين المستمع؟
هذا عبد الله بن أبي زكريا يقول: عالجت الصمت ثنتي عشرة سنة، فما بلغت منه ما كنت أرجو (٣).
وقال: مورق العجلي: أمر أنا أطلبه منذ عشر سنين لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه، قالوا: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني (٤).
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
قوم جاهدوا أنفسهم وحاولوا سنوات طويلة، أفلا نفكر ولو
стр. 21
أيام معدودة في الصمت عما لا يعنينا؟ ولو لساعات فقط؟
ولكن الأمر كما قال محمد بن واسع لمالك بن دينار: يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم (١).
مع أنه ما من أحد من الناس يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله (٢).
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته بالقول تذهب رأسه ... وعثرة بالرجل تبري على مهل (٣)
انظر يا أخي إلى قول الأوزاعي: من أكثر من ذكر الموت كفاه اليسير ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
ومن قل كلامه فيما لا فائدة فيه .. استكثر مما لا ينفع في الآخرة .. وحدد محمد بن عجلان الكلام بأربعة أن تذكر الله، وتقرأ القرآن وتسأل عن علم فتخبر به، أو تتكلم فيما يعنيك من أمر دنياك (٤).
فإنه حق على العاقل أن يكون عارفًا بزمانه حافظًا للسانه، مقبلاً على شأنه (٥).
стр. 22
فالأمر كما قال الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه (١).
فإن من المحافظة على دين المرء المحافظة على اللسان .. قال رجل لحامد اللفاف، أوصيني قال: اجعل لدينك غلافًا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات قال: وما غلاف الدين؟ قال: ترك طلب الدنيا إلا مما لا بد منه وترك كثرة الكلام إلا فيما لا بد منه وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه (٢).
وسبقه عمر بن عبد العزيز برسالة بعث بها: أما بعد: فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه (٣).
أخي الحبيب:
من منا الآن من يعد كلامه .. ويقف دون زلاته ... لنعد لحظات نسعد فيها بسماع حديث السلف .. نتربى في مدارسهم ونسير على أثرهم.
قال الفضيل: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة (٤)(٥).
وربما نحاول في مجلس أن نعد كلامنا ... فلا نستطيع .. ما
стр. 23
بالك إذا كانت أعواما وشهور! ! .
صحب بعضهم الربيع بن خثيم عشرين عامًا .. فقال: ما سمعت منه كلمة تعاب (١).
استر العي ما استطعت بصمت ... إن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جوابا ... رب قول جوابه في السكوت (٢)
وحتى في السكوت ربما يلحقك مذمة، ويتبعك ملامة ولكن عليك أخي الحبيب بقول أبي الدرداء: أدركت الناس ورقًا ولا شوك فيه، فأصبحوا شوكًا لا ورق فيه، إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لا يتركوك، قالوا: فكيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك (٣).
فأقرض يا أخي من عرضك ليوم فقرك. واعلم أنها حسنات تجمع لك تراها يوم القيامة مثل الجبال، يسرك مقدمها في ذلك اليوم العصيب.
قال: رباح القيس: قال لي عتبة (الغلام) يا رباح: إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت، فبئس الناظر لها أنا يا رباح .. إن لي موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول (٤).
وهو موقف يوم يشيب فيه الولدان .. حساب ومنصرفان.
стр. 24
إما إلى الجنة أو إلى النار ولهذا الموقف قال أبو حازم: انظر الذي تحب أن يكون معك في الآخرة، فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره، أن يكون معك ثم، فاتركه اليوم (١).
أخي: يكفي من طول بعض المجالس قليل من الوقت .. فإن طال المجلس .. انتهى حديث السلام والسؤال، وبدأت آفات اللسان. فاحفظ أمرك وحاسب نفسك.
لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال (٢)
قال ابن الحسن بن بشار: منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن اعتذر منها.
لهم باع في الحديث وفي تسيد المجالس لو أرادوا ولكنهم عفوا وحفظوا ألسنتهم يخافون يوما يرجعون فيه إلى الله.
قال عمر بن عبد العزيز: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة (٣).
والإنسان لا يخلو من محادثة الكثير ممن تتفاوت عقولهم وتختلف مداركهم، وتتلون طباعهم ووجه وهب بن منبه لهذا الأمر بقوله: دع المراء والجدل، فإنه لن يعجز أحد رجلين، رجل هو أعلم منك، فكيف تعادي وتجادل من أعلم منك؟
стр. 25
ورجل أنت أعلم منه، فكيف من أنت أعلم منه، ولا يطيعك؟ (١).
وخير للمرء إن أراد المحافظة على دينه من النقص وعلى كرامته من الخدش أن يلزم الصمت أو يقول خيرًا.
ولا خير في الحياة كما قال سعيد بن عبد العزيز: إلا لأحد رجلين: صموت واع، وناطق عارف (٢).
أخي: ألا ترى معي أن:
الصمت أزين بالفتى ... من منطق في غير حينه
والصدق أجمل بالفتى ... في القول عندي من يمينه
وعلى الفتى بوقاره ... سمت تلوح على جبينه
جعلني الله وإياك ممن إذا تكلم نفع وكان حديثا في موازين أعماله، وإن سكت كان خيرا له.
قال بشر بن منصور كنا عند أيوب السختياني فلغطنا وتكلمنا، فقال لنا: كفوا .. لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليوم لفعلت (٣).
وحديثهم إن تحدثوا فهي كلمات خير. موزونة معلومة .. لا لغط فيها ولا منكر.
حدث أبو حيان التيمي عن أبيه قال: رأيت ابنة الربيع بن
стр. 26
خثيم أتته فقالت: يا أبتاه أذهب ألعب؟ قال: يا بنيتي اذهبي قولي خيرا (١).
وكل ذلك خوفا من أن تسجل كلمة عليه ألا وهي .. الأمر باللعب وهو يعلم أنها ما خلقت لهذا.
ووالله إن حفظ اللسان من المجاهدة والمكابرة .. قال محمد بن واسع لمالك بن دينار: يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم (٢).
وانظر يا أخي إلى أحوال الناس في البيع والشراء والأخذ والعطاء .. ربما يجادل الواحد منهم وقتا طويلا في سبل دريهمات، إن لم يكن فيها شيء من ضياع الوقت وارتفاع الأصوات فإن فيها من رداءه الخلق وشح الأنفس الشيء الكثير.
قال شداد بن أوس يوما: هاتوا السفرة نعبث بها، فأخذوها عليه، فقال: أي بني أخي: إني ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله ﷺ إلا كلمة مزمومة مخطومة قبل هذه (٣).
وأكثر ألسن الناس اليوم ليس لها زمام ولا خطام، ولو أن هذه الألسن تسير في الشوارع والطرقات لضاقت بها الأرض ولما وجدنا موطئ قدم من كثرتها.
رأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث من كلام الدنيا، فوقف
стр. 27
عليه وقال له: كلامك هذا ترجو فيه؟ قال: لا، قال فتأمن عليه؟ قال: لا، قال: فما تصنع بشيء لا ترجو فيه ولا تأمن عليه (١).
تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله
قال أبو الدرداء ﵁: أنصف أذنيك من وفيك، فإنما جعل للإنسان أذنان، وفم واحد، لتسمع أكثر مما تقول.
فإلزم الصمت، فإنه يكسبك صنوف المحبة، ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الوقار ويكفيك مؤنة الاعتذار (٢).
قال رجل من بني تيم: جالست الربيع بن خثيم، عشر سنوات فما سمعته يسأل عن شيء من أمور الدنيا إلا مرتين، قال مرة: والدتك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجدًا (٣)؟
وواقعنا اليوم مثل رجل قال لسلمان الفارسي: أوصني قال: لا تتكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحق أو أسكت (٤).
وهذه النصيحة تصلح لكل زمان ولزماننا خاصة ولكن يبقى فقط أن نطبقها في واقع حياتنا وفي مجالسنا، ومكالمتنا الهاتفية.
عن عبد الله بن مسعود قال: والله الذي لا إله إلا هو ما على
стр. 28
وجه الأرض شيء أحوج إلى سجن من لسان (١).
فإن لم يسجن وأطلق له العنان فإنه كما وصف طاوس: لساني سبع إن أرسلته أكلني (٢).
وهو والله أشد يأكل الحسنات ويجلب السيئات، تفاجأ يوم القيامة بذنوب كالجبال، من آفات وسقطات اللسان.
يتعلق بك من بهته ويمسك بك من اغتبته. . ويقبض على رقبتك من استهزأت به قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ حديثك تنساه بمجرد إطلاق الكلمة وانتهاء المجلس .. ولكنه محصى عليك .. موقوف أنت حتى يقتص منك .. يؤخذ من حسناتك لهم فإن فنيت حسناتك أخذ من سيئاتك فحطت عليك ... !
مصيبة أن تفجع في ذلك اليوم بمثل هذا وأنت أحوج ما تكون للحسنة الواحدة.
لنرى تحفظ من سبقنا .. وكيف كانوا يملئون صحائفهم؟
قيل للمعافي بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر ويقوله؟ قال: هو عمرك فأفنه بما شئت.
وسئل مسروق عن بيت من شعر فكرهه، فقيل له؟ فقال: إني أكره أن يوجد في صحيفتي شعر (٣).
стр. 29
هذا الشعر ضرب من ضروب الكلام حسنه حسن ورديئه رديء، ولكن أصحاب الهمم ومن يرى أن تسبيحه وتحميده خير له، حفظ سطور صحائفه إلا في رفع درجة وحط خطيئة.
وقد قال رجل للربيع بن خثيم ما يمنعك أن تمثل بيتا من الشعر فإن أصحابك قد كانوا يفعلون ذلك؟ قال: إنه ليس أحد يتكلم بكلام إلا كتب، ثم يعرض عليه يوم القيامة، فإني أكره أن أقرأ في كتابي يوم القيامة بيت شعر (١).
ويا أخي الكريم: هو لسانك، وهذه صحيفتك .. فأمل ما شئت، وقل ما شئت.
اجتمع قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها، قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان (٢).
стр. 30
أخي الحبيب:
للسان آفات كثيرة، ومزالق خطيرة وسأقتصر على أربع آفات فقط.
الآفة الأولى: الغيبة.
الآفة الثانية: النميمة.
الآفة الثالثة: الكذب.
الآفة الرابعة: الاستهزاء.
стр. 31
الآفة الأولى
الغيبة
стр. 32
الغيبة
اعلم أخي الكريم أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه، لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه، حتى في ثوبه وداره ودابته.
أما البدن: فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان.
وأما النسب: فبأن تقول أبوه قبطي أو هندي أو فاسق، أو خسيس أو إسكافي أو زبال، أو شيء مما يكرهه كيفما كان.
أما الخلق: فبأن تقول هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراء، شديد الغضب، جبان، عاجز، ضعيف القلب، متهور، وما يجري مجراه.
وأما في أفعاله المتعلقة بالدين: فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يتحرز من النجاسات أو ليس بارا بوالديه أو لا يضع الزكاة موضعها ولا يحسن قسمها، أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض الناس.
وأما فعله المتعلق بالدنيا: فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام نئوم ينام في غير وقت النوم، ويجلس في
стр. 33
غير موضعه.
وأما في ثوبه: فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب (١).
وهذه أمثلة بسيطة وإلا ففي أحاديث المجالس كثير من أنواع الغيبة.
والغيبة محرمة: بالإجماع ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما في الجرح والتعديل والنصيحة (٢).
قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
قال ثعلب في تفسير هذه الآية: أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه.
وفي الآية إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وكما أنه يحرم أكل لحمه، يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتوبيخ لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية وتستكرهه الجبلة الإنسانية، فضلا عن كونه محرما شرعا (٣).
وقد أبان ﷺ الغيبة فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول
الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
стр. 34
"ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" رواه مسلم.
وبهذا يبين ﷺ الفرق بين الغيبة والبهتان وأن الكذب عليه بهتًا له، فالكذب على الشخص حرام كله سواء كان الرجل مسلمًا أو كافرًا، برًّا أو فاجرًا، لكن الافتراء على المؤمن أشد. بل الكذب كله حرام (١). والغيبة تعد على أعراض المسلمين والنبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت" متفق عليه. وفي الحديث الآخر
قال ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" رواه مسلم.
والغيبة: تتناول العرض وقد جمع الله بينه وبين المال والدم (٢).
قال أنس ﵁ خطبنا رسول الله ﷺ فذكر الربا وعظم شأنه فقال: "إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وأربى الربا عرض المسلم".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوس عند النبي ﷺ فقال رجل من القوم: يا رسول الله ما أعجز فلانا؟ فقال رسول
стр. 35
الله ﷺ : "أكلتم لحم أخيكم، واغتبتموه" (١).
ويقول الإمام القرطبي والإجماع على أنها من الكبائر وأنه يجب التوبة منها إلى الله.
стр. 36
بواعث الغيبة
لا شك أن هناك بواعث للغيبة منها:
١ - من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا منه.
٢ - ومنهم من يخرج الغيبة في مواكب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح، ويقول ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله ويقول: والله إنه مسكين ورجل جيد، ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله، وقصده من ذلك استنقاصه.
٣ - ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد.
٤ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تسخر ولعب، ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.
٥ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان، كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت.
٦ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب الاغتمام فيقول مسكين فلان، غمني ما جرى له، وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به.
стр. 37
٧ - ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، وقصده غير ما أظهر (١).
أخي الكريم:
هذه بواعث للنفوس الضعيفة والقلوب المريضة وإلا فالمؤمن لا يترك لنفسه هواها بل يراعي في ذلك حدود الله وما نهى عنه.
ذكر عن إبراهيم بن أدهم ﵀ أنه أضاف أناسا فلما قعدوا على الطعام، جعلوا يتناولون رجلا، قال إبراهيم: إن الذين كانوا قلنا، كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز (٢).
وفي ذلك إشارة إلى أنهم يأكلون لحم أخيهم المسلم .. وانظر إلى أثر ذلك في دين الرجل.
قال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الآكلة في جسده (٣).
وقال سفيان بن عيينة: الغيبة أشد من الدين، الدين يقضى والغيبة لا تقضي (٤).
ولكي لا يكون عليك دين لا يقضى إلا يوم القيامة .. ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا
стр. 38
تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه (١).
قال سفيان بن الحصين: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمر رجل، فنلت منه، فقال: اسكت، ثم قال لي سفيان: هل غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: غزوت الترك؟ قلت: لا، قال: سلم منك الروم وسلم منك الترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم، قال: فما عدت إلى ذلك بعد (٢).
ولعلنا نكون مثله فيسلم المسلمون منا ونسلم منهم وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية
إن بعض الناس لا تراه إلا منتقدا داء ينسى حسنات الطوائف والأجناس ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك موضع البرء والسلامة ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج.
أخي الحبيب: هل تقبل أن تكون كذلك؟ أم تقبل أن تكون مستمعًا لما حرم الله من الغيبة؟ وأنت تعلم أن المغتاب لو لم يجد أذنًا صاغية لما اغتاب واسترسل في الحديث .. فأنت باستماعك تكون مشجعا وعونا له على المعصية فلا تكن شريكًا في الإثم.
قال الإمام الشافعي: قبول السعاية أضر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل
стр. 39
وأجاز، والساعي ممقوت إذا كان صادقًا لهتكه العورة وإضاعته الحرمة، ومعاتب إن كان كاذبًا لمبارزته الله بقول البهتان وشهادة الزور (١).
واعلم أخي: أن مجالس الغيبة ليست بمجالس خير وهي مجالس تؤكل فيها لحوم المسلمين.
روي عن حاتم الزاهد رحمه الله تعالى أنه قال: ثلاثة إذا كن في مجلس فالرحمة عنهم مصروفة: ذكر الدنيا، والضحك، والوقيعة في الناس (٢).
وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس، ناسيًا لعيبه، فأعلموا أنه قد مكر به (٣).
أخي: اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه ولا على مسلم أصلاً، إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة لك إليه فإنك تضيع به زمانك، وتحاسب على عمل لسانك وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .. ولو هللت الله سبحانه وسبحته لكان خير لك، فكم من كلمة يبني بها قصرًا في الجنة، ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز، فأخذ مكانه قذرة لا ينتفع بها كان خاسرًا خسرانًا مبينًا، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه، فإنه
стр. 40
وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا ونظره إلا عبرة ونطقه إلا ذكرًا، بل رأس مال العبد أوقاته، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابًا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله (١).
وذكر ذلك عون بن عبد الله في قوله: ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه (٢).
وهل هناك أكثر من غفلة عن جلب الحسنات واستبدالها بسيئات؟ والمغتاب إذا أطلق لسانه قد لا يسلم منه حتى من قد رحلوا إلى الدار الآخرة، بل للأحياء نصيب وللأموات.
قال يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة (٣).
دع عنك ذكر فلانة وفلان ... واجنب لما يلهي عن الرحمن
واعلم بأن الموت يأتي بغتة ... وجميع ما فوق البسيطة فان
فإلى متى تلهو وقلبك غافل ... عن ذكر يوم الحشر والميزان (٤)
ذكر عن إبراهيم بن أدهم .. أنه دعي إلى طعام فلما جلس قالوا: إن فلانا لم يجئ فقال رجل منهم: إن فلانا رجل ثقيل، فقال إبراهيم: إنما فعل هذا بي بطني حين شهدت طعامًا، اغتبت فيه